وَمَن عَرفَ شمائله ﵊ في الخَلق وَالخُلق، عَرفَ أنه لاَ مُناسَبة بَيْنَه وَبَيْنَ علي، لاَ (١) في الصَّوَرة وَلاَ في السيرة، مَعَ أن تخطِئة جبريل مُستلزم لتخطِئة الربِّ الجليل، حَيثُ إنه سُبحانه مَا نبه جبريل عَليه وَلاَ أشارَ إليه في مُدةِ ثلاث وَعشرِينَ سَنةِ بِنجُومِ مُفَرقة، مَع قَوله تعَالَى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ١٩٣ - ١٩٥] وَهَذَا كَمَا تَرى كفرٌ صَرِيحٌ وَإلحاد قبيح.
ثُمَّ بالغ طَائفة مِنهم تُسَمى النصيريةَ يقولون لِعَلي بالإلوهية (٢)، وَنحو ذَلَكَ مَما بيناه في مَواضِع مما ألفنَاهُ.
[مشابهة علي لعيسى بن مريم:]
وَالَحاصِل أن عَلياً لَهُ مُشابَهة بعِيسَى بن مَريَم في هَذِهِ القضِية، حَيثُ كفرَ اليَهُود بِسَبب إفراطِهم في بغضِهِ وَنسَبته إلى مَا لاَ يَلِيق به مَما يصَان عَنهُ اللسَان، وَكفر النصَارى في إفراطِهم في حبّه ونسبته إلى التثليث وَالاتحاد وَالعِينية، المُشاركة لهم في هذِهِ بخصُوصِهَا الطائفة الوجُودية، وبطلاَن (٣) أقَوال هَذِهِ الطوَائف ظاهِر لأهِل الإسلام مِن الخَوِاص وَالعَوام، وَقد أوضَحنَا هَذِهِ (٤) الأدِلة العقلية النقلية في كتُبنا المتعَلقة بالتفِسير والأحَادِيث وَأقوال الصوفية.
стр. 72
ثُمَّ مِن اللطائف مَا ذكرَه ُالمِرغيناني (١): أن الشيطانَ الطاق (٢) - وَهو شيخ الرافضَة عَلى الإطلاَقِ - كَان يتَعرض للإمَامِ الأعظم كثيراً مِن الأيَام، فَدخل الشيطان يوماً في الحمّام، وَكانَ فِيه الإمَام، وَكَانَ قَريب العَهد بموَتِ الأستَاذ حَماد (٣)، فَقالَ الشيطان: مَات أستاذكم فاسترضاه منه، فقال الإمَام: أستاذنَا مَاتَ وَأستاذكم مِن المنظِرينَ إلى يومِ الوَقت المعلُوم (٤)، فتحَير الرافضِي وَكشفَ عَورته، فغمضَ الإمَام ناظره فَقالَ الشيطَان: يَا نعمَان مُذ (٥) كم أعمَى الله بصَرك؟ [١٤/ب] فقال: مُذ (٦) هتكَ الله ستركَ، فبَادر الإمَام إلى الخرُوج مِن الحمام (٧)، وانشَأ هَذَا الكلام [يقول] (٨):
стр. 73
أقول وَفي قولي بلاغ وحكمة (١) ... وَمَا قلت قولا حَيثُ فيه بِمُنكر
ألا يَا عِبَاد الله خافُوا إلهكم ... وَلاَ تدخلوا الحمّام إلا بِمِزر (٢)
وَمنهَا مَا قَالَ أبُو الفَضل الكرمَاني (٣): ((إنه لما (٤) دخل الخَوارج الكُوفة، وَرأيهم تكِفير كل مَن أذنَب، وَتكفر كل تكفره، قِيلَ لَهَم هَذَا شيخ هَؤلاء، فأخذُوا الإمَام وَقَالُوا: تب مِن الكفر فَقالَ: أنا تائب مِن كلِّ كفر، فَقِيل لَهم: إنه قَالَ أنا نائب مِن كفركَم فاخَذوهُ، فَقَالَ لهُم: العلم (٥) قلتم أم نظن، قالوا: نظنّ، قال: إن بَعض الظن أثم، وَالأثم ذَنب فتوبُوا مِن الكفر، قالُوا: تبْ أيضاً مِن الكفر، فَقالَ: أنا تائبٌ مِن كلِّ كفر)). فهَذَا الذي قالَهُ الخصُوم: ((إن الإمَام استتب مِن الكفر مرتين)) (٦)، وَلبسُوا عَلَى النَّاس، انتَهى.
وَوَقعَ لي نظر هَذَا الحال مَع بَعضِ الجهال مِن قضاة الأروَام (٧)، فإنه لما سَمعَ
стр. 74
بي (١) أني طعنت في كَلام ابن عَرِبي (٢) وَهوَ مُعتقد، قال: تب إلى اللهِ، فقلت: أتوب إلى الله مِن جَميع مَا ذكرَهُ الله.
وَمنهَا ذَكرَهُ الغزنوي (٣) عَن شريك بن عَبد الله (٤) قال: ((كَنا عِندَ الأعمَش (٥) في مَرَضهِ الذي توفي فيه، فدَخلَ عَلَيه أبو حَنِيفَة وَابن أبي ليَلَى (٦) وَابن شبرمَة (٧)، وَكان الإمَام أكبر فبدأ بالكلام، وَقَالَ: اتقِ الله فإنكَ في أولِ يوم من أيّام الآخِرَة، وَقِد كَنتَ تَحدثت عَن عَلَي ﵁ بأحَادِيث لَكانَ أمسَكتها
стр. 75
لَكانَ خيراً لَكَ، فقال الأعمُش: اسندوني ألمثلي يُقال هَذَا؟! حَدثني أبو المتوكل الشامي (١)
عَن أبي سَعِيد الخُدري قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إذَا كَانَ يَوم القِيامة قَالَ اللهُ تعَالَى لي وَلعَلي بن أبي طَالب: أدخلا الجنة مَنْ أحبكما وَأدِخل النَّار مَن أبغَضكما، وَذلَكَ قوله تعَالَى: ﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ﴾ [قّ: ٢٤] (٢) فَقالَ الإمَام قومُوا حَتى لا يجيء بأكثر مِن هَذَا، قال: فوالله مَا جزنا البَاب حَتى مَات)) (٣).
وَمنها مَا ذكرَهُ الكردري أن للرافضَة [١٥/أ] أحَاديث مَوضُوعات وَتأوِيلات بَاطِلة في (٤) الآيَات، وزيادَات (٥) وَتصحيفَات كزيادَة: (وَالعصر
стр. 76
ونَوائب الدهر) (١)، وَكقولَه تعَالى: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى﴾
[الليل:١٢] [صحفوه بحذف النون فغيروا: (إن عليًا للهُدى) (٢)] (٣).
وَهم قومٌ بهت يزعمُون أن عُثمان أسقط خمسمائة كلمة مِن القرآن (٤)، مِنها قَوله تعَالَى: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ﴾ [آل عمران: ١٢٣] وزادوا فيه: (بسَيف علي (٥)).
قال علي (٦): وَهذَا وَأمثاله كفر، قَالَ الله (٧) تعَالَى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ
стр. 77
وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] فَمَن أنكر حَرَفاً مما في مصَحف عثمَان أو زَادَ فيه أو نقصَ فقد كفر، انتهى.
وَقد صحَّفَ النَّصَارى قَوله سُبحانه [وتعالى] (١) في (الإنجيل): وَلَّت (٢) عيسى (بتشديد اللام) فخففُوها وَخرجوا (٣) عَن الإسلام باعتِقاد هَذا الكلام.
ومِنهَا أنه كَانَ في الكوفة زمَن أبي حِنيفة رَافضِي لَهُ بغلتان، سمى أحدهما (٤) أبَا بكر وَالأخرى عُمر، وَكانَ يضربهما في الخدمة وَيُعَذبهما، فانتشر الخبر: أن أحدهمَا (٥) رفصته (٦) حَتى قتلته، فَقَالَ الإمَام انظروا فإن البَغلة التي سَميّها بِعُمر (٧) هي التي قتلته، فَفحصُوا عَن القضِية فرأوا أن الأمر كما ذكر (٨).
أقول: وَمَا ذاكَ إلاَّ لَكون عُمر مِن مَظِاهر الجلاَل، كَمَا أن الصّديق مِن مَظاهِر الجمال، وَلذِا كَانَ أشدَّ عَلَى الكفار وَالرافضَة الفجَّار.
وَلقد قَالَ ﵇ حِينَ شاوَر أصحَابه (٩) الكرَام في أسَارى بَدر، فأشارَ أبُو بكر بأخذ الفَداء مِنهم بلاَ هلاك [وعمر بالهلاك] (١٠) فيهم، فَقَالَ (١١): إنَّ
стр. 78
مثلك يَا أبا بَكر كمثل إبرَاهيم [﵇] (١) حَيثُ قال: ﴿وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [إبراهيم: ٣٦] وَكعِيَسى [﵇] (٢) في قَولهِ: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة: ١١٨] وَمثلك يَا عُمر كَمثل نوح [﵇] (٣) في قوله تعالى (٤): ﴿رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّاراً﴾ [نوح: ٢٦] وَكمُوسَى في قولِهِ تعالى (٥): ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ الآية [يونس: ٨٨] (٦).
وَبهَذَا ظهَرَ صِحة مَعنَى مَا اشتهر عنه ﵊: ((علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل)) (٧) وإن كَانَ مَبناهُ مِما لاَ أصل لَهُ عندَ المحدّثين، غفل عَن هَذا السيّد جمال الدّين (٨)، حَيثُ ذَكَرهُ بِعنَوان الحدَيث في صدُور (رَوضَة الأحباب) (٩) [١٥/ب] وَالله اعلَم بالصّوَاب.
стр. 79
وَمنهَا مَا أخرِجَهُ ابن أبي الدنيَا (١) عَن أبي إسحَاق (٢) قَالَ: ((دعيت إلى مَيت لأغسله (٣)، فلما كشفت الثوب عَن وَجهه، فإذا أنا بحَية قد تطوقت عَلَى حَلقِهِ، فذكُروا أنه كان يسب الصّحَابة ﵃)) (٤).
وَأخرَجَ أيضاً عَن أبي إسحَاق الفزاري (٥) أنه أتَاهُ رَجلٌ فقال لهُ: ((كنتُ أنبش (٦) القبور، وكنتُ أجد قوماً وجوههم لِغَيرِ القِبلة، فَكتبَ إلى الأوزاعي يَسألهُ، فقال: أولئك قومٌ مَاتوا على غَيرِ السنّة)) (٧).
وقد سئل الأوزاعي: ((أنهُ يمَوت اليهُودي وَالنصَراني وَسَائر الكفار ولا ترى (٨) مثل هذا؟ فَقَالَ: نَعَمْ أولئك لا شك أنهم في النار، وَيَريكم في أهل التوحيد لِتعتَبرُوا)) (٩)، ذَكرَه السيُوطي في (شرح الصدُور في أحوَال
стр. 80
القبور) (١).
ثُمَّ يتَعلق بهَذَا المبَحَث مَسَائل مهمة ودلائل متمة، تركنَاهَا مَخِافة ملالة (٢) أربَاب الجهالة وَضلالَة العَامة، وَإن كَانَ الله سُبحَانهُ أختار لنا الطريقة الملاَئمة (٣)، فطَائفَة الأزبكية وجهلَة مَا ورَاء النهرية، ينسبُونَ أهل خرَاسَان إلى الروافض وَهُمْ بَريئونَ مِنهُم، وَجماعَة القلزبَاشية (٤) وَالعراقية الاوبَاشية ينسبُونهم إلى الخوَارِج، وهم مُنزهونَ عَنهم.
من كمل من العلماء ابتلي بأربع:
وقد قيلَ مَن كَملَ مِن العُلمَاء ابتنى بأربَعةِ مِنْ الأشيَاء: ((شماتة الأعداء وملامة (٥) الأصدِقاء وطَعن الجُهَلاء وَحسدَ العُلماء)) (٦)، لِكنني أقول كَمَا قَالَ وَكيع (٧) مِن قول بَديعِ (٨) الشعرِ:
إن يحسدُوني فإني غَير لائمهم ... قبلي مِنْ الناسِ أهل الفَضل قَد حسدوا
فَدَامَ لي وَلهم مَا بي وَمَا بهم ... وَمَات أكثرنا غيظاً لما وجدُوا (٩)
وَقد قَالَ زَين العَابِدين (١) ﵁ وَعن آبَائه أجمَعِين:
يا رُبَّ جَوهَرِ عِلمٍ لَو أبوحُ بهِ ... لَقِيلَ لي أنتَ مِمَّن يَعبدُ الوَثَنا
وَلاسَتَحَلَّ رجالٌ مُسلمونَ دَمي ... يَرونَ أقبَحَ مَا يَأتونَهُ حَسَنا (٢)
ثُمَّ مَا يَجبُ عَلينا التنبيه مما ثبتَ لدينا، وهو أنه قَد علم مِمَّا (٣) قَدّمنا أنه لم يثبت الكفر إلا بالأدلة القطعية، وَإذا جوزَ عُلماؤنا الحنفية قتلَ الرافضِي بالشُروطِ الشرعية، عَلى طريق السَياسَية العرفيّة (٤)، فَلاَ يجوز إحرَاقه (٥) بالنار وَنحوه مِن أنواع القتل الشنيعة (٦)، بَل يقتل بالسّيف وَنحَوه مِن آلات الموت (٧) السّريعَة، بقولِ (٨) صَاحِب الشريعَة: ((إذَا قتلتم فاحسنوا
стр. 83
القتلة)) (١) وَلِقَولهِ عَليه أفضل (٢) الصّلاةِ وَالسّلامِ: ((لاَ تعذبُوا عَذابَ (٣) اللهِ)) (٤).
ثُمَّ الرجم مختَصّ بالزاني المحصن لا سِواهُ، فَقدَ وَرَدَ: ((من بدل دينه فاقتلوه)) (٥) وَلم يقل فارجموه، بل اللائق به أنه يستتاب، وإن ظهرَ شبهة يؤتى لهُ بِالجوَاب لِيظهر لِهُ وَجه الصوَاب.
فعن (الخلاصة) (٦): ((الجَاهِل إذَا تكلم بكلمة الكفر وَلم يدرِ أنها كفر، قَالَ بَعضُهم: لاَ يكُون كفراً وَيعذر بالجهل، وَقَالَ بَعضُهم: يَصير كافِراً، ثُمَّ قَالَ: وَإذَا كانَ في المسألة وَجُوه يوجبُ التكَفِير، وَوَجه وَاحد يمنع فعلى المفتي أن يمَيل إلى ذلك الوجه)) (٧)، انتهى.
стр. 84
مسألة من اعتقد الحرام حلالا إنما يكفر إذا كانت الحرمة ثابتة بدليل مقطوع:
فيَجبُ أن يتفحصّ عَنه هَل سبَّ جَاهلاً وَخاطِئاً (١) أو مكرها أو مستحلاً؟ فِفي (الخلاصَة): أن مَن اعتقدَ الحَرام حَلالاً، إنما يكفُر إذا كانت الحرمة ثابِتَة بِدَليل مَقطوع به، أمَا إذَا [١٦/ب] كَانتَ بأخبَار الآحَاد لا يكفر (٢).
ثُمَّ بَعدَ قتله يَجبُ عَلى المُسلِمينَ تكفِينه وَتدفينه وَالصّلاة عَلى جنَازَته (٣)؛ لأن الشارع جَعلَ هَذهِ الكلمة من فروض الكفَاية الوَاجب عَلى بَعض أهِل الإسلام القِيام بالرعَاية بقَولِهِ ﵊:
((صلوا على كلِّ برٍّ وَفاجر)) (٤).
стр. 85
هَذَا وَقد وَرَدَ: ((إذَا أرَادَ الله بقوم خيراً أكثر فقهاؤهم وأقل جُهالهم، فإذا تكلم الفِقيه وَجد أعوَاناً [فإذَا تكلم الفقيه قهر] (١))) رَواهُ الديلمي (٢) عَن ابن (٣) عُمر (٤).
وَقالَ : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥].
[الترغيب بالعزلة عند فساد الزمان:]
وَفي الخَبرِ الصَحِيح: ((إذَا رأيت شحاً مُطاعاً وَهَوى مُتبعاً وَدنيا مُؤثرة، وَأعجابَ كلّ ذي رَأي بَرأيه، وَرَأيت الأمر لا بد لك منهُ، فعَليكَ نفسك وَدَع أمرَ القَوم، فإن ورَائكم أيام الصّبر، فمَن صبر فيهم قبض عَلى الجَمر، للعَالم فيهن مثل أجر خَمسِين رَجُلاً يعملُونَ عَمله)) (٥)، وَقالَ ابن المبَارك (٦): وَزادَ في روَايَة:
стр. 86
((قيلَ: يَا رَسُول الله أجر خَمسِين مِنهم؟ قَالَ: أجر خَمسِينَ مِنكم)) (١).
وَإلى هَذا أشَار وَلي الله الشاطِبي (٢) في قَصِيدَته:
وَهَذَا (٣) زَمَان الصبر مَن لك بالتي ... كقبض عَلى الجمر (٤) فَتنجوا مِن البلاء
وَزَمَانه كَانَ في قرنِ خمسمائة، وَأمَّا اليَوم فَقد تجاوزَ الألف بضعَة عَشر، فتَدبَر فيما زَادَ مِن الكدَر.
وَلقد أجمعَ السلَف الصّالح عَلى التحذير من أهِل زمَانهم وَمِن قرب مَكانِهم، وَآثروا العزلةَ وَالخلوةَ وَاجتنبُوا الخلطَة وَالحلوة، وَأمرُوا بِذلكَ وَتواصوا به هُنالك، وَلا شك أنهم كانوا أنصَح وَبأمِر الدين أبصر، وَأن الزمَان ليسَ بَعدهم خَيراً ممَا كَانَ بَل شراً مِنهُ وَأمَرّ (٥)، وَفي مَعنَاه مَا وَرَدَ في الخبَر المعُتَبر: ((لا يَأتي زمَان إلاَّ الذي بَعْدَهُ شرٌّ مِنهُ)) رَوُاهُ البخاري (٦).
وَفي (الكبَير) للطَبراني عَن أبي الدرداء مَرفوعاً: ((مَا مِن عَام إلاَّ ينقص الخَير
стр. 87
فيه [١٧/أ] ويزيد الشر)) (١) وَذلَكَ لأن كَلَّ مَن أبعدَ عَن نور المشعل المحِمدي، وَقعَ في نوع مِن ظلمة الجِهَل الرديء.
ويؤيدهُ مَا أخرجهُ الطبراني عَن ابنِ عَباس: ((مَا مِن عَام إلا وَيحدث النَّاس بدعَة وَيميتون سُنة حَتى تمَات السَنن وَتحيى البَدع)) (٢).
وأخرج الترمذِي عَن أنَس: ((مَا مِن عَام إلا وَالذي بَعدَه شرٌّ مِنهُ حَتى تلقوا رَبكم)) (٣).
وَرَوى أحمد وَالبخَاري وَالنسَائي عَن أنَس: ((لا يأتي (٤) عَليكم عَام وَلاَ يَوم إلا وَالذِي [بعده شرٌ منه حَتى تلقوا ربَّكم)) (٥).
وَعن الثوري (٦): وَالذِي] (٧) لاَ إلهَ إلاَّ هُوَ، لقَدَ حلت العزلة في هَذا الزمَان)) (٨) قَالَ الغزالي (٩): ((وَلئنَ حلت في زمَانِهَ فَفي زماننا هذا
стр. 88
وجبت)) (١).
وَكتبَ رجلٌ عَلى دَاره - لِيضع (٢) نظر اعتبار عَلى آثارِه -: ((جزا الله مَنْ لا يعرفنَا خيراً كافة، وَلاَ جزى بذلك أصدقائنا خاصة، فَمَا أوذينا قط إلاَّ مِنهم، وَمَا صَدَر في صَدرنا مِن الهمِّ إلاَّ عَنهُم، فالبُعد عَنهم هُوَ السّعد)).
ولله در القائل [حيث قال] (٣):
جَزَى الله عَنا الخير مَن ليسَ بَيْنَنا ... وَبَينَهُ ودٌّ ولاَ (٤) نتعَارفُ (٥)
فما أصَابنا (٦) همٌ وَلا نالنا الأذى (٧) ... مِنْ النَّاس إلاَّ مَن نود ونعرفُ (٨)
وَقَالَ الفضيل (٩): ((هَذَا زمَان احفظ فيه لسَانَك، وأخفِ مَكانك، وَعالج
стр. 89
جفانَك، وخذ مَا تعرف وَدَع مَا تنكر لتصلح شأنكَ)) (١).
وَقالَ الثوري: ((هَذَا زمان السّكُوت، وَلزُوم (٢) البيُوت، والرّضا بالقوت إلى أن تَمُوت)) (٣).
قلت: وَكَذَا صَحَ: ((مَن صَمت نجا)) (٤).
لِكن ورَدَ في صَحيح الأخبَار: ((مَن علم بعلمه مَن كتم عِلماً حكمة ألجّمه الله بلجَام مِن نار)) (٥)، وَلعَلهُ مقتبس من قولِه تعَالَى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ﴾ (٦) [آل عمران: ١٨٧].
стр. 90
فقد ظهَر قَوم غَلبَ عَليهم الجَهل وَطمهُم (١) وَأعماهم (٢) حُب الرئَاسة وأصَمهُم، وَتحرك عرق الحسَد فِيهم وَعِمهُم، قد لكنوا (٣) عَن عِلم الشِريعَة مِنَ الكتاب وَالسّنة وَنسوه، وَاكبوا عَلى عِلم الفلاسِفة وَدرسُوهُ، يريد [١٧/ب] الإنسَان مِنهم أنْ يتقَدمَ، وَيأبى الله إلا أن يزيدهُ تأخِير، ويبتغي أحَدُهم العِزة وَلاَ عَلم عندَه، فلا يجد لَهُ ولياً وَلاَ نَصِيراً، وَمَع ذَلكَ فلاَ ترى هُنالكَ إلا أنوفاً مُسمَّرة، وَقلوباً عَن الخلقِ مُستكبَرة، وَأقوالاً تصدُر عَنهم مُفتراة مزورَة، كَلمَا هَديتهم إلى الحَق كان أصَم وَأعمَى لهم، كأن الله لم يُوكل بِهم حَافظين يَطلبونَ أقوالهم وَأعمالَهم، فالعَالم بينهم مَحزُون يتلاعب به الجَهال وَالصبيَان، وَالعَاقِل عِندَهم مَجنُون دَاخِل في ميدَان النقصَان، وَاللهُ المُستعان وَإليه المشتكى وَعَليه التكلان.
[لا تقبل شهادة مظهر سب السلف:]
ثم أريد أن أزيد التوضيح وَالبيَان، بإيَراد مَا بلغني مِن الروَاياتِ في هَذَا الشأن، ففي متون المذهب مِن الكتب المُهذب: ((أنه لا يقبل شهادَة مُظهر سَبّ السلف الصّالح، قال الحدادي (٤) (شَاِرح القدُوري (٥)): لظهُور فسقِهِ، وَالمراد بالسَّلَف
стр. 91
الصّحابَة والتابعُونَ)) (١) انتهى.
وَهذا تصريح بِعَدَم تكفِيره (٢)، كَمَا لاَ يخفَى أفادته في فَصل مَن لاَ تقبل شهادَته لِفسقِهِ، وَتكلمُوا فِي الفِسق الذِي يمنَع الشهادَة، وَاتفقوا عَلى أن الإعلان بكبيرة تَمنَع الشهادة، ثُمَّ قَالَ: وَمَن كَانَ يشتم أولاده وَأهله وَجيرانه، ذكر في بَعضِ الروَايُاتِ أنه لا يقبَل (٣) شهادَته، وَقيل: مَن اعتادَ بَطلت عَدَالته، وَإن فعِلَ ذلَكَ أحياناً لم تَبطل، قال: أبو الليث (٤): إن لم يكن قذفاً لاَ تبطل عَدَالَته (٥).
ثُمَّ قالَ قاضِي خان (٦): لاَ تقبَل شهادَة مَن أظهر شتم أصحَاب رَسُول الله
стр. 92
صَلَّى اللَّهُ تَعَالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَعَن أبي يُوسُف (١): إن كانَ تبرأ مِنهم لاَ تبطل عَدَالَته، وإن شتمهُم بطلت
عَدالَته (٢)، فَهَذِهِ الروَاية عَن أبي يُوسُف صَريحة في بطلان عَدالَته، دُونَ كفره وَضَلالته (٣).
ثم قالَ قاضِي خَان: وَشهادَة أهل الأهَواء جائزة إلا الخَطابية (٤)، وَيروى ذلكَ عَن أبي حَنِيفة وأبي يوسف (٥)، فَهذِهِ الروَاية عَن الإمَامَين صَريحة [١٨/أ] في قبول شهادَة الرافضِي، وَهوَ لاَ يُنَاقضُ مَا سَبق مِن أن مَن أظهرَ سَبَّ الصحِابَة لاَ تقبل شهادَته؛ لأنه مُقِيد بِالإظهار والإعلان، وَهُوَ قيدٌ مُعَتبر في هَذا
стр. 93
الشأن (١)، فإنهم قالوا لا تقبل شهادَة مُدمن الخمر وَلاَ بد مِن السَّكر (٢).
قَالَ قاضِي خَان: وَإنما شرط الإدمان (٣) ليظهر ذلَكَ عَندَ النَّاسِ، فإن مَن اتهم بِشربِ الخمر تبطل العدالة (٤)، وَقالَ محمد: ((مَا لم يظهر ذلكَ يكُون مستور الحال)) (٥).
وَفي (خزانة المفتينَ) (٦): وَلا يقبل شهادَة مَن يظهر سَبّ السَلف (٧) [بخلاف من يكتمه.
стр. 94
وفي (الإصلاح والإيضاح) (١): تقبل شهادة أهل الأهواء (٢)، وقال الشافعي: لا تقبل لأنه أغلظ وجوه الفسق - ولنا أنه فسق من حيث الاعتقاد - ثم قال: إلا الخطابية وهم قوم من غلاة الروافض، يعتقدون الشهادة لكل من حلف عندهم، ويقولون المسلم لا يحلف كاذباً سواء كان صادقاً أو كاذباً، وقيل يجوزون الشهادة لشيعتهم واجبة، ثم قال: أو يتول أو يأكل فيه أو يظهر سب السلف] (٣) - يَعني الصّالحينَ مِنهُم - وَهم: الصَحِابة وَالتابعُون وَالعلماء المجتهدون كَأبي حنِيفَة وَأصَحابه، انتهى (٤).
وَلاَ يَخفَى أنه جَعلَ سَبَّ الصَحِابة وَالتابعين وَأبي حَنِيفَة وَأصَحابه ﵃ أجَمعِينَ في حكمٍ وَاحِد، مِن عَدَم قبُول شهادَتهم، وَلو كَانَ سَبَّ الصَحِابة كفراً (٥) لمَا أدخل غَيرهم مَعَهُم.
وَفي (حَاشيَة) (٦) شيخ الإسلام الهَروي (٧) عَلى (شرح
стр. 95
الوقِايَة) (١): أن الرافضة: الجماعَة الطاغية في الصَحِابة مِن الرفض بِمَعْنَى الترك، وَسمّوا بذلَكَ لِتركهم زيد بن عَلي (٢)، حِينَ نَهَاهم عَن الطِعن في الصَحِابة (٣)، وَالخَوارج عَلى اختِلاف فرقها يَجَمعها القول بتكفِير عثمَان وَعَلي وَطلحة وَالزبَير وَعَائشة وَمُعَاوية، انتهى.
وَلاَ يَخفى أنهم مَع هَذا عدوا مِن الطوائف الإسلامِِيَّة، كَمَا هَو في الكتب الكلامية، وَإذَا كَانَ تكِفير هَؤلاء الأكابر مِنْ الصَحِابة لاَ يكُون كفراً، كيف يكون سَبّ الشيخين كفراً أيضاً؟ وَلو كَان سَبُّ الصَحِابة كفراً لم يذكر في فَصل مَن لا يقبل شهادته؛ لأنه مَوضُوع في حَقِّ طَوائف المُسِلمين (٤).
وَقالَ في (الذخيرة) (٥): وَشهادَة أهل الأهواء مَقبُولة عندَنا إذا كَانَ هَوى لاَ
стр. 96
يكفر به صَاحِبه، وَلاَ يَكون بإخبَار يكُون عَدلاً في تعَاطِيه، وَهوَ الصّحيح، قال: لأنهم إنما وَقعُوا في الهوى بالتأوِيل وَالتعَمق في الدين، ألا ترى أن مِنهم مَن يعظم الذنب حَتى يجعَلهُ كفراً، وَفسقهم مِن حَيث ُالاعتِقاد لاَ يَدَل عَلى كَذبِهم [١٨/ب] عَمَداً (١)، انتهى.
وَلعله أراد: ((بهوى (٢) يكفر صَاحِبه)) نَحو المجُسمة وَالمشبهة وَالحلُولية وَالاتحادية وَالوجودية، وَقول بَعض غلاة الرفضة مَن أن عَلياً هو الإله الأكبر، وَجعفر الصادق هوَ الإله الأصغَر.
ثُمَّ قال: وَمَا ذكرَ في الأصل - من أن شهادتهم جَائزَة عَندَ أبي حَنِيفة - مَحمُول عَلى هَذا.
وَنقلَ في (النهاية) (٣) هَذِه الرواية بلاَ ذكر خِلاف.
وَفي (شرح المجمع) (٤) لابن فرشته (٥): وَترد شهادَة مَن يظهر سَبَّ السّلفَ؛
стр. 97
لأنه يَكُون ظاهر الفِسق، وَتقبل مِن أهِل الأهَواء: الجبر وَالقدر (١) وَالرفض وَالخَوارج وَالتشبيه وَالتعِطيل، ثُمَّ يَصِير كلّ وَاحِد
مِنهِم اثني عَشر فرقة، فَيبلغ إلى اثنين وَسَبعِين فرقة (٢).
وَفي (شرح المجمع) (٣) للعيني (٤): لاَ تقبل شهادَة مَن يظهر سَبّ السلَف بالإجماعِ، لأنه إذا أظهَر ذلَكَ فَقدَ ظهَر فسقه (٥)، بِخلافِ مَن يكتمه لأنه فاسِق مسَتور الحال (٦).
стр. 98
وَفي (شرح الكِنز) (١) للزيلعي (٢) قَوله: أو يَبُول أو يَأكل عَلى الطريق، وَيظهر سَبَّ السلَف، يَعني الصالحِين مِنهِم وَهُم الصَحابة وَالتابعُون؛ لأن هَذِهِ الأشيَاء تدُل عَلى قصُور عقله (٣) وَقلة مُرؤته؛ وَمن لم يمتنع عَن مثلهما لا يمتَنع عَن الكذب عَادة، بِخلاِف مَا [إذا] (٤) كَانَ يخفي السبّ، ثم قَالَ: [ولا يقبل من يكثر شتم أبله ولا في شتم الفاسق ثم قال:] (٥) وَأهل الأهوَاء إلا الخطابية.
وَقال الشافِعي: لاَ تقبل شهادَة أهل الأهوَاء؛ لأنهم فَسقَة (٦)، إذ (٧) الفسق [من حيث الاعتقاد
أغلظ في الفسق] (٨) مِن حَيثُ التعَاطي وَلاَ شهادَة للفاسِق، ولنا أن الفاسِق إنما تردّ شهادَته لتِهمة الكذب وَالفِسق مِن حَيثُ الاعتِقاد، وَلاَ يَدُل عَلى ذلَك بَل مَا أوقعَهُ فيه إلا تدينه، ألا ترى أن فيهم من يكفر بالذنب (٩)،
стр. 99
وَمنهم مَن يَجعَل منَزلَته بين (١) الإيمَان وَالكفر (٢)، فَيكون هوَ أقوى اجتنِاباً عَن الكذِب حَذراً عَن الخروج مِن الدين؛ وَلأنه مُسلم عَدل لا يتعَاطى الكذب فوجَبَ قبُول شهادَته، قياساً عَلى غَير صَاحِب الهَوى وَهَواه عَن تأوِيل وَتدَين، فَلاَ تبطل عدالته به، كَمَن يبيح [١٩/أ] المثلث (٣) أو مَتروك التسِميَة (٤).
واستدَل محمد ﵀ عَلى قبول شهادته، فقَالَ: أرَأيت أن أصَحاب رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ تَعَالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَاعدوا مُعَاوية عَلى مخالفَة عَلي، وَلو شهُدوا بَيْنَ يَدي عَلي أكانَ يردّ شهادَتهم؟ وَمخالفَة عَلي بَعدَ عثمَان بدعَة وهَوى، فكيفَ الخُروج عَليه بالسّيف؟ وَلكن لما كَانَ عَن (٥) تأويلٍ وَتدينٍ، لم يمنَعْ قبول شهادَتِهِ أن يكونَ هوى لا يكفر بِهِ صَاحِبه.
وأَّما مَا ذَكره القهُستاني (٦) مِن أنه لا يقال: إن أهل الأهواء فاسقون بهَذِهِ الاعِتقادَاتِ، فكَيفَ تقبل شهادَتهم مُطلقاً؟ لأنا نقول لاَ نسَلم أنهم فاسَقونَ، فإن الفِسق لاَ يُطلق عَلى فِعل القلب - كَمَا في الكرمَاني - فخَطأ فَاحِش مِن قائلِهِ وَناقِله، بَلاَ تقدم مِن أن الفِسق مِن حَيثُ الاعتِقاد اغلظَ إلى الفِسق من حَيثُ
стр. 100
التعَاطِي، وَلأن بَغض الصَحِابة فسقٌ بالإجماعِ وَمحله القلب؛ وَلأن مَن في قلبه من الأخلاقِ الذمِيمة كالكِبر وَالحَسَد وَحبّ الدنيَا مِن الفسقة، كَمَا في (الإحَياء) وَغَيره مِن كتب الأخلاَقِ (١).
ويدل عليه قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣] وَقوله: ﴿وَلا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] ولأن الفِسق لغَةً وَشرعاً هُوَ الخرُوج عَن الطاعَة، وَعُرفاً مُختَص بالكبَائر دونَ (٢) الكُفر وَالصِغائر، وَالله اعَلم بالسَرائر.
وَمِنْ هنا قالَ بَعض الأكابر: مَنْ لم يتغَلغل في علوم الصوفية ماتَ (٣) مُصِراً عَلى الكبَائر وَلا يعلم، وَالله الهَادي إلى سَواء السّبيل (٤).
стр. 101
في (شرح البرجندي) (١): وَتقبل الشهادَة (٢) مِن أهل الأهَواء، وَهوَ مِن زاغَ عَن طَرِيقة أهل السّنة وَالجماعة، وَكانَ مِن أهل القبلة، كذا في (المغرب) (٣).
قال: وَكبَار فرقهم سبعٌ عَلى مَا في (المَواقِف) (٤)، وَالمعتزلَة وَهم عَشُرونَ صِنفاً، وَالشيعة وَهم اثنان وَعشرون صنفاً، وَالخوارج وَهم عشرون صِنفاً، وَالمرجئة وَهم خمسَة أصنَاف، وَالنجارية (٥) ثلاثة أصنَاف، وَالجَبرية وَالمشبهة وَهم صِنفان، فَفرق أهل [١٩/ب] الأهَواء اثنان وَسبعُونَ (٦)، وَشهادَة الكل تقبَل؛ لأن وقوعه في الاعتِقَاد البَاطِل إنَما هُوَ الديَانَة والكذب حَرام عِندَ الجِمَيع.
قَالَ: وَمِن مشائخنا مَن فرّق بَيْنَ الهوى الذي هو كفر [وَبَيْنَ الهَوى الذي ليس بكفر، فمِن الذي هُو كفر] (٧) اعِتقاد بعض الروَافض كان الأئمة آلهة، وَأحكامهم أحكام المرتدين (٨).
стр. 102
ثُمَّ قَالَ وَقد سَألِني (١) مِن أهل الأهَواء مَن يظهر سَبّ السلف، وَإنما لم يذكره هنا لأنهُ سَيذكر فيما بَعد، أو لأن رَد شهادَتهم احتمل أن يكُونَ لأِجل السَبِّ، ولو سَبَّ وَاحِداً مِن النَّاس لاَ يجُوز شهادَته، فهَنا أولى (٢) إليه، أشار في (الذخيرة) (٣).
ثُمَّ قَالَ: وَمَن أنكر إمَامَة أبي بكر [الصديق] (٤)؟ فَقالَ بَعضهم: إنه مُبتدع وَليسَ بِكافرٍ، وَالصحيح أنه كافرٌ، وَكذَا مَن أنكرَ خِلافة عُمر عَلى أصَح الأقوال، كذا في (الظهيرية) (٥).
ثُمَّ قَالَ: وَلاَ تقبَل شهادَة مَن يظهر سَبّ السَلف لِظهُور فسقِه، بخلاف مَن يَكتمه، قال: وَذكر في (الخلاَصَة): إذا كَانَ يسبّ الشيخين وَيلعَنهما فَهوَ كافرٌ، انتَهى (٦).
وَأنتَ تَرى أن هَذا مخالفٌ لمَا سَبقَ عَن (٧) الجمهُور (٨)، كَمَا لاَ يَخفَى على
стр. 103
ذوِي النّهى، وَفيه تعليل مَنقول لتخصّص (١) الشيخين وَجه مَعقول (٢)، ثُمَّ اعلَم أنه لاَ بد لِلمفتي المقلد أن يعلم حَال مَن يفتي بِقولهِ، وَمَعرفة مَرتبته في الروَاية وَدرجَته في الدرَاية؛ ليكُونَ عَلى بَصِيرةٍ (٣) وَافيَة (٤) في التمّييز بَيْنَ القائلِين المتخالفِينَ، وَقدرة كَافيَة في الترجيح بيَنَ القولَين المتعَارضَين.
في قول كمال باشا زادة إن الفقهاء سبع طباق:
فقد قال كمال بَاشا زَادة (٥): إن الفقهاء سَبع طبَاق (٦):
طبقة المجتهدين في الشرع:
الأولى: طبَقة المجتهدين في الشرع، كالأئمة الأربَعة وَمَن سَلكَ مَسلكهم في تأسِيسِ قواعِدِ الأصُول، وَاستنبَاط أحكام الفُروع عَن الأدلة الأربَعة الكتِابِ وَالسّنة وَالإجماع وَالقَيِاس، عَلى حَسب تلكَ القَواعِد مِن غَير تقِليد لأحَد لاَ في الفرُوع وَلا في الأصُول.
المجتهدين في المذاهب:
وَالثانية: طَبقة المجتَهدينَ في المذهَب (٧)، كأبي يُوسُف وَمحمد وَسَائر أصَحِاب
стр. 104
أبي حَنِيفة، القادِرين عَلى استخراج الأحكام مِن الأدِلة المَذكورَة عَلى القَواعِد [٢٠/أ] التي قررَهَا أستَاذهم أبَو حَنِيفة، وَإن خَالفُوه في بَعضِ الفروع، لِكن يقلدُونه في قَواعِد الأصُول، وَبه يَمتَازونَ عَن المعَارضِينَ في المذهَب كَالشافِعي وَنظرائه المخالفينَ، كأبي حَنِيفة في الأحكام غَير مُقلدينَ لَهُ في الأصُول.
المجتهدين في المسائل:
والثالثة: طبقة المجتَهدينَ في المَسَائل التي لاَ روَايِة فيها عَن صَاحِب المذهب، كالخَصاف (١) وَأبي جَعفر الطحاوِي (٢) وَأبي الحَسَن الكرخي (٣) وَشمس الأئمة الحلوَاني (٤) وَشمس الأئمة السرخسِي (٥) وَفخر الإسلام
стр. 105
البزدوي (١) وَفخر الدين قاضِي خَان وَأمثالهم، فَإنهم لاَ يقدرون عَلى المخالفة لِشيخٍ (٢) في الأصُول وَلاَ في الفُروع، لِكنهم يستنبطُون الأحكام في المَسَائل التي لا نَص عَنهُ (٣) فيهَا عَلى حَسَب أصول قَررَها وَمُقتضى قَواعِد بَسطها وَحرَرها.
أصحاب التخريج من المقلدين:
الرابعة: طبَقة أصحاب التخريج مِن المقلدِين، كالفَخرِ الرازِي (٤) وَأضرَابه، فإنهم عَلى تفضِيل قَول مجمل (٥) ذِي وَجهَين، وَحكم مُبهم محتمل لأمرين، مَنقول عَن صَاحِب المذهَبِ أو عَن أحَدٍ مِن أصحَاب المجتهدِينَ، بِرَأيهم وَنَظرهم في الأصُول وَالمقايسَة عَلى أمثالِه وَنظرائه مِن الفرُوع، وَمَا وَقعَ في بَعضِ الموَاضِع مِن (الهدَاية) في قولِهِ كَذا في تخريج الكرخي وَتخريج الرازي مِن هَذا القَبيل.
أصحاب الترجيح من المقلدين:
الخامسة: طبَقة أصحَاب الترجيح مِن المقلدِين، كأبي الحَسَن القدَوري
стр. 106
وَصاحِب (الهدَاية) (١) وَأمثَالها، وَشأنهم تَفضيل بَعض الروَايَاتِ عَلى بَعضِ أخر بقَولهم: هَذا أولَى وَهذا أصَح روَاية، وَهذا أرفق لِلنَّاسِ.
طبقة أصحاب التمييز بين الأقوى والقوي والضعيف:
السادسة: طبَقة المقلدِين القادِرين عَلى التمييز بَيْنَ الأقوى وَالقَوي وَالضعِيف وَظاِهر المذهَب وَظِاهر الروَاية، [والروَاية] (٢) النادرَة كأصَحاب المتُون المُعَبرة عَن المتأخِرينَ (٣)، مثل صَاحب (الكنز) (٤) وَصَاحِب (المختار) (٥) وَصَاحِب (الوقاية) (٦) وَصَاحِب (المجمع) (٧)، وَشأنهم أن لا ينقلوا في كتبهم إلا الأقوال المردُودَة وَالروَايَات الضعِيفة.
стр. 107
المقلدون الذين لا يقدرون على ما ذكر:
السابعة: طبَقة المقلدِين [٢٠/ب] الذينَ لاَ يقدرونَ عَلى مَا ذكر، وَلا يفرقُون بَيْنَ الغَثِّ وَالسِمينَ وَلا يمَيزونَ الشمال عَن اليَمِين، بَل يخفونَ مَا يجدُونَ كَحاطبِ الليل لهُمْ، فالوَيل لهم وَلمَن قلدَهم [كل الويل] (١)، انتهى.
وَفي أصُول البزدَوِي (٢): أجمعَ العُلماء وَالفقهَاء أن المفتي يَجبُ أن يَكونَ مِن أهِل الاجتهادِ، [فإن لم يكن مِن أهِل الاجتهادِ] (٣) لا يَحل لَهُ أن يفتي إلاَّ بِطريق الحكايَة، فَيحكي مَا يحفظ مِن أقوالِ الفقهاء، وَلاَ يَحل لَهُ أن يفتي (٤) فيما لا يحفظ فِيه قَولاً مِن أقوال المتقدمِينَ (٥).
وفي (الظهيرية): روي عَن أبي حَنِيفة أنه قال: ((لاَ يحل لأحَد أن يفتي بقولنَا مَا لم يعلم مِن أينَ قلنَا)) (٦)، انتهَى.
العالم [هو] العالم بأقوال الفقهاء:
فإذا كَانَ لاَ يَجُوز [تَقلِيد الإمَام مِن غَير دليلٍ في الأحَكامِ، فَكَيف يَجُوز] (٧) تَقلِيد المقلدينَ الذينَ مَا وَصَلُوا إلى مَقام المجتَهدين؟ نَعَم يَجُوز لِلعَامي أن يقلد العَالم - وَلو مُقلد الضرورَة - أمر الدين، وَالمرادُ بِالعَالم هُوَ العَالم بِأقوالِ
стр. 108
الفقهاء، لا النَحوي والصّرفي (١) وَالمنطِقي وَغيرهم مِمن يَزعمُ أنه مِن الفُضَلاء، ثُمَّ العَامي إذا استثنى في الحَادِثة، وَوقعَ في الاختِلاَف فيما بَيْنَ الفقهاء، يَأخذ بِقول مَن هوَ أفقه وَأورَع مِن العُلمَاءِ (٢) عَلى مَا في (المحيط) (٣).
وَفي (شرح المجمع المختار) (٤): أن الفاسِق لاَ يَصلح أن يَكُونَ مُفتياً - يَعني وَلو كَانَ عَالماً - لأنه رُبما يكذب في مَقالهِ، وَرُبما يُرَاعي صَاحِبه في حَالهِ، وَرُبما ينقل روَاية في مَقامِ انتِقالِهِ، وَمِن المعلُومِ أن الفاسِق لا تصِح لَهُ الروَاية، فكذا مقامهُ في باب الدّرَاية، وَاللهُ وَلي الهدَاية في البدَاية وَالنهايَة؛ وَلأن مَبنَى الفَتوى عَلى الأمَانة والاحترَاز عَن (٥) الخيَانة، فإن بهمَا (٦) يتم أمر الدّيانة، وَقيلَ يصلح للنَّاسِ أن يكُون مُفتِياً لا يَحتَاط فِيه للِسمعة وَالرّياء كيَلا ينسب إلى الخطأ (٧).
[ثُمَّ الاجتهاد لغة هُو بَذل المجهود لِنيلِ المقصُود] (٨)، وَأمَّا أهليته: فأهل الاجتهاد مَن يكون عَالماً بِالكِتابِ وَالسّنة وَالآثار وَوجُوه الفِقه، كذَا في
стр. 109
(المحيط) (١) [٢١/أ].
وَفي (الظِهيرية): أن شرط صَيرورَة المَرء مُجتَهداً، إن لم يعلم مِن الكتاب والسّنة مقَدار مَا يتعَلق بِهِ الأحكام دُونَ مَا يتعلق بِهِ المَواعِظ وَالقصَص (٢).
وَفي (الهداية): وَحاصله أن يَكُونَ صَاحب حدِيث لَهُ مَعرفة بالفِقهِ ليعرف مَعاني الآثار، أو صَاحِب فِقه لَهُ مَعرفة بِالحَدِيث كيلاَ يشتَغل بالقِيَاس في النصُوص عَليَه (٣)، انتهى.
وَمعنَى قَوله: ((صَاحب حدِيث لَهُ مَعرفة بالفِقهِ)) أي مَنسوب إلى الحَدِيث لِزيادَة عِلمه وَدرسه فيه، وَلكن لَهُ فقه أيضاً وَليسَ هُو بِقدر علمه في الحَدِيث، أو ((صَاحِب فقه له مَعرفة بِهِ)) أي مَنسُوب إلى
الفِقهِ، وَلكن لَهُ عِلم بالحَدِيثِ أيَضاً وَليسَ هُو بِقدر عِلمه بالفِقه (٤)، كذاَ ذَكرَه ابن الضياء (٥).
ومجُمله أنه لاَ يكُون فقيهاً مُجرداً يحفظ الروَاية، وَلاَ مُحدثاً خَالياً عَن الفِقه وَالدرَاية، بَل يَكُون جَامِعاً بينَهما في بابِ الهدَايَة، قيل: وَأن يكُون صَاحِب قريحة يعرف بها عَادَات النَّاس؛ لأن من الأحكام مَا يبتني عَليهَا في مقام القِيَاسِ (٦).
стр. 110
وَفي (شرحِ (١) الأتقاني (٢)): وَإذا بَلغ الرجُل أن يكُون عَالماً بالمنصُوص (٣) مِن الكتابِ وَالسنة، مِما يتعَلق بِهِ الأحكَام الشرعية يَصِير مجتهداً، وَيَجبُ عَليه العَمل بِاجتهادِهِ، وَيحرم (٤) عَلَيه تقليد غَيره (٥)، كَذا في (المِيزان) (٦).
وفي (أصول (٧) البزدوي): الصحيح أن أهل الاجتهاد في مَسائل الفِقه، [مَن يكون عالماً بدلائل الفقه] (٨) وهي الكِتابِ وَالسنَة وَالإجِماع وَالقِياس (٩).
وَفي (فصول (١٠)) الاسروشني (١١) قَالَ بَعضهُم: إذا كَانَ صَوابه أكثر من