المقدمات
مقدمة الطبعة الأولى
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله تعالى على خير خلقه محمد وآله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فهذه المحاضرات التي يجدها القارئ في هذه المجموعة كتبت وألقيت في مناسبات مختلفة، تختلف في الزمان والمكان، والعنوان والألوان، وتجتمع في غاية واحدة وهي: إيقاظ الشعور الديني في المسلمين، وإعادة الثقة الى نفوسهم بمركزهم ومبدئهم وغايتهم في الحياة ورسالتهم للعالم البشري، وتهيئة النفوس لحمل هذه الرسالة وتبوء مركز القيادة والامامة للعالم الحائر الثائر، وتجديف سفينة الحياة الضائعة بين الملاحين العابثين والركاب النائمين.
وقد خوطبت في هذه المحاضرات والمقالات الأمة الاسلامية بصفة عامة، إذا هي الأمة الأخيرة التي أخرجت للناس، وصاحبة الرسالة الأخيرة التي وجهت الى الناس، وعنيت بها الأمة العربية بصفة خاصة، فمن أفقها طلعت شمس الإسلام في العصر الأول وأسفر الصبح الصادق، وقد أسكنها الله في خير مركز في العالم لتوجيه الدعوة الاسلامية، وازجاء الرسالة الاسلامية الى الأمم المتحضرة والعالم المتمدن، وتبوء مكان القيادة العالمية.
стр. 2
ولما كانت هذه المحاضرات كتبت في ظروف مختلفة كنت أشك في وجود وحدة تربط بينها، لذلك لما اقترح على نشر هذه الرسائل في مجموعة ترددت بعض الزمن في اجابة هذا الطلب، ونظرت فيها من جديد فإذا بوحدة تجمع بينها وغاية تشترك فيها وهي: الدعوة الى الاسلام من جديد، فقبلت هذا الاقتراح وجمعتها في مجموعة أسميتها "إلى السلام من جديد" وادعو الله أن ينفع بها القراء، وأن يحرك بها سواكن القلوب، ويحيي بها موات النفوس، إنه على كل شيء قدير.
أبو الحسن على الحسني الندوي
نزيل القاهرة
١٣٧٠ هـ ... ١٩٥١ م
***
стр. 3
المقدمات
مقدمة الطبعة الثانية
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:
فقد ظهرت الطبعة الأولى لكتاب "إلى الإسلام من جديد" في القاهرة سنة ١٣٧٠ هـ، وكانت طبعة مشوهة ممسوخة، كثر فيها التصحيف والتحريف، حتى كان المؤلف نفسه يحار في فهم كثير من الكلمات وردها الى أصلها، ويظهر أن الناشر لم يعتن بتصحيح الكتاب، واتقان الطباعة وحسن المظهر اعتناءا ما، وبالرغم من ذلك كان للكتاب انتشار وذيوع في الأوساط الإسلامية، ونفد الطبع في وقت قريب.
واتفق بعد ذلك أن جمعت مقالاتي في مجاميع مختلفة أخذت بعضها من "الى الاسلام من جديد" ومن هذه المجاميع "العرب والإسلام" و "الطريق الى المدينة" وكتبت بعض مقالات أخرى، وألقيت بعض محاضرات تدخل في موضوع "الى الاسلام من جديد" وتستحق أن تضم اليها، يفقدها القارئ في الطبعة الأولى ويجدها في هذه الطبعة، وبذلك تكونت مجموعة أكثرها قديم، وقليل منها جديد، يجمعها اسم واحد، وغرض واحد هو "الى الاسلام من جديد" ورغب بعض الاصدقاء في طبعها ونشرها، فأذنت لهم بذلك شاكراً فضلهم وعنايتهم بنشر الفكر
стр. 4
الاسلامي، والدعوة الاسلامية، منتهزا هذه الفرصة لصدور هذا الكتاب من جديد وعلى الله قصد السبيل (١).
دائرة الشيخ علم الله الحسني ﵀ أبو الحسن علي الحسني الندوي
٠١/ ٠١/١٣٨٧ هـ
١٠/ ٠٤/١٩٦٧ م
стр. 5
المحتويات
إلى ممثلي البلاد الإسلامية
عرجت الى المؤتمر الثقافي (١) العام، الذي قد اشترك فيه ممثلو البلاد وبعثات الامم ووفود النوادي، فرأيت معرضا للجنسيات والوطنيات والحضارات، ورأيتكم أيها السادة المسلمون شامة بين الناس، لا لأنكم تمتازون عن زملاءكم في الشارة واللباس، بل لأنكم تمثلون تلك الأمة العظيمة التي كانت ولا تزال شامة بين الأمم.
كان العالم قبل ثلاثة عشر قرنا سائرا سيره الطبيعي لا ينكر من أمره شيء، فكانت القرى والمدن عامرة بالسكان، وكانت العواصم الكبرى زاخرة العمران، شامخة البنيان، وكانت الحرف البشرية ووجوه المعاش في ازدهار وانتشار. كانت الزراعة وكانت التجارة وكانت الصناعة، فبينما كانت سكة الفلاح في شغل
стр. 6
ونشاط كانت القوافل التجارية غادية رائحة بين الشرق والغرب، وكانت الأسواق مشحونة بالمتاجر والبضائع، وكان الصناعون مكبيِّن على أعمالهم. وكانت الحكومات والامارات والدول غنية بأموالها ورجالها، لكل وظيفة رجل كفؤ بل رجال أكفاء، وكان على وجه الأرض كل نوع من البشر، وكل لون من الحياة، وكل مظهر من مظاهر المدنية، لا يرى في الحياة الانسانية المادية عوز أو فراغ. ولم تكن في المدينة وظيفة شاغرة يترشح لها مترشح جديد، وكانت كأس الحياة مترعة لا تطلب المزيد.
في هذه الحال ظهرت أمة في جزيرة العرب ووجد نوع جديد من البشر، وكأني بالامم المعاصرة وهي تتسائل: أي داع الى ظهور أمة جديدة والامم على وجه الأرض كثيرة منتشرة، وما شغل هذه الأمة الحديثة، وما مهمتها في العالم؟
وكأني بها تقول: إذا كانت هذه الأمة إنما بعثت للزراعة وعمارة الأرض فقد كان في فلاحي الطائف، وأكَّاري مدينة يثرب، وزراع وادي الفرات والنيل وربوع الكنج وجمنا، غنى عن أمة زراعية جديدة، فقد أصبحت أراضي هؤلاء الفلاحين وبلادهم جنة تدر لبنا وعسلا، وإذا كان المسلمون إنما بعثوا ليشتغلوا بالزراعة فقط، فلماذا لم يبعثوا في العراق، وفي مصر،
стр. 7
والهند، وهي بلاد مخصبة زراعية، ولماذا كان مبعثهم في واد غير ذي زرع؟
وإذا كانت هذه الأمة إنما بعثت للتجارة، فقد كان في يهود يثرب وفي أنباط الشام وفي أقباط مصر وتجار السند كفاية، فقد أحكموا فن التجارة وانتشروا في العالم، وإذا كانوا قد بعثوا ليشتغلوا بالتجارة حقا فلماذا لم يبعثوا على طريق القوافل التجارية، وبقرب من أسواق التجارة الكبرى؟
وإذا كانت هذه الأمة إنما بعثت للصناعة وأعمال اليد، فقد كان في قيُون البلاد المتمدنة، وأصحاب الصنائع والحرف - وإنهم لكثير - غنى وكفاية!.
وإذا كانت هذه الأمة إنما بعثت لتنضم الى الحكومات الرومية والايرانية، وتشغل أفرادها وظائف هذه الحكومات ومناصبها، فقد كان في أهل الشام وفارس غنى وكفاية في الادارة، وإنهم يزاحمون الأجانب بالمناكب ويدفعونهم بالراح.
وإذا كانت هذه الأمة بعثت لعيش هنيء، ومطعم شهي، ومشرب مريء، وملبس وضيء، ومسكن بهي، لا لشيء آخر وإنما مناها وهمها أن تلقى لبوسا ومطعما، لم تكن بدعا من الأمم، وكانت منافسة لنا في ميدان الحياة، فحق
стр. 8
لنا أن نقاتلها ونذودها عن مناهلنا، وقد ضاقت بنا، فكيف تسع أمة جديدة؟
وإذا كانت هذه الأمة إنما تحاول ملكا، أو تريد أن تؤسس دولة، فيجب أن تصرح بذلك، وتتخذ له طريق الملوك والفاتحين، ولا تتظاهر بالدين.
وإن الطريق الى كل ذلك - من زراعة، وتجارة، وصناعة، ووظيفة، وحياة بذخ وترف، وملك وشرف - غير الطريق التي سلكتها هذه الأمة الجديدة، فقد سفَّهت أحلامنا، وعابت آلهتنا، ونعت على عقائدنا وأخلاقنا وأعمالنا، ودعت الى دين جديد، وسارت في سبيل ذلك في شوك وقتاد، وجاهدت في غير جهاد.
لقد كان الطريق الى الرفاهية أو الحكومة مسلوكة معبدة، قد سلكتها الأمم من قبل، ومشى عليها الملوك، وأصحاب الطموح في عصرهم، فمن حال بينها وبين هذه الطريق؟ وما الذي عدل بها عن جادة الحياة، وهي معلومة واضحة؟!
هذا ما أظنه تناجى به ضمير الإنسان العاقل في فجر الاسلام ولا ألومه ولا أستغرب هذا السؤال، فإن هذا السؤال طبعي ينبغي أن يهجس في قلب الإنسان، وينطق
стр. 9
به اللسان، عند كل ناشئة فلماذا لا ينشأ هذا السؤال عند ظهور أمة بأسرها؟
ما هو الجواب؟ إذا كان الجواب في الاثبات، وإذا كان مبعث هذه الأمة في الحقيقة بشيء مما ذكرناه ولم تكن لهذه الأمة مهمة جديدة في العالم ورسالة خاصة الى الأمم، كانت هذه الأمة حقا من فضول الأمم، ومن المتطفلين على مائدة العالم.
ولكن الله لم يبعثها لهذا أو لذاك، والأمة والأشخاص لا يبعثون لشيء من هذا، وإنما هي من طبائع البشر، لا تحتاج الى نبوة نبي، ولا بعثة أمة، وجهاد طويل وزلزال عالمي لم يُسبق في التاريخ، زلزال في المعتقد والاخلاق والميول والنزعات، وفي نظام الفكر ومنهاج الحياة.
لقد كان مبعثها لغرض سام جداً، لمهمة غريبة طال عهد الانسانية بها، وتشاغلت أمم الأنبياء عنها حتى نسيتها، وذلك ما خاطب به الله هذه الأمة: ﴿كنتم خير أمة أخرجت للناس، تأمرون بالمعروف، وتنهون عن المنكر، وتؤمنون بالله﴾ [آل عمران: ١١٠]! فنبه على أن هذه الأمة ليست نابتة نبتت في الأرض كأشجار برية أو حشائش شيطانية، بل إنها أمة أخرجت ولامر ما أخرجت! وإنها لم تظهر لمصلحتها فحسب كسائر الأمم، بل إنها أخرجت للناس، وذلك ما تمتاز به الأمة في
стр. 10
التاريخ، فما من أمة إلا وهي وليد أغراضها، ورهين بطنها وشهواتها، تعيش لأجلها وتموت في سبيلها. أما الامة الإسلامية فهي أمة أخرجت للناس، تأمر بالمعروف، وتنهى عن المنكر، وتؤمن بالله، وتجاهد في سبيل الله.
ظهرت نواة هذه الأمة في مكة - قلب جزيرة العرب - فقام العقلاء من قريش - وهم الآخذون بزمام الحياة في البلاد - ونثروا كنانة فكرهم، وقاسوا الناشئة الجديدة بمقاييسهم التي عرفوها وألفوها، ووزنوها في ميزان الانسانية الذي طالما وزنوا فيه أصحاب الطموح، فوجدوهم خفاف الوزن، طائشي الكفة، وذهبوا الى امام الدعوة الاسلامية، وأول المسلمين في العالم ﷺ فقال قائلهم:
"إنك قد أتيت قومك بأمر عظيم، فرّقت به جماعتهم، وسفَّهت به أحلامهم، وعبت به آلهتهم ودينهم، وكفرت به من مضى من آبائهم، فاسمع مني أعرض عليك أمورا تنظر فيها، لعلك تقبل مناه بعضها".
فقال له رسول الله ﷺ : "قل يا أبا الوليد أسمع".
قال: "يا بن أخي، إن كنت تريد بما جئت به من هذا الأمر مالا، جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالا. وإن كنت تريد شرفا، سودناك علينا
стр. 11
حتى لا نقطع أمرا دونك. وإن كنت إنما تريد ملكا ملكناك علينا (١).
سمع رسول الله ﷺ كل ذلك في هدوء وتأن، ثم رفضه في غير شك وتأخير، ولم يكن هذا العرض من قريش على شخص الرسول ﷺ فحسب، بل كان على هذه الأمة التي يمثلها ويقودها. ولم يكن رفض رسول الله ﷺ لما عرضت قريش، رفضا عن نفسه الكريمة فقط، بل كان رفضا عن أمته الى آخر الأبد.
اقتنعت قريش بهذه المحاورة، ويئست من مساومة هذه الأمة، ولم تعد تعرض على رسول الله ﷺ مباشرة وعلى هذه الأمة بواسطة ما عرضته من قبل، وقطعت منها أملها.
وكان بعد ذلك صراع مستمر، ونزاع طويل، ولم يكن نزاعا في أغراض المادة وشهوات البطن، والاستئثار بموارد الرزق، والتغلب على الأسواق، بل كان نزاعا بين الإسلام والجاهلية بمعنى الكلمتين، نزاعا بين حياة العبودية والانقياد لله تعالى ورسوله، وبين الحياة الحرة المطلقة التي لا تعرف قيدا أو لا تخشى معادا ولا حسابا.
стр. 12
وكان من نتيجة ذلك معركة بدر الحاسمة، وقد قاد النبي ﷺ الى ساحة القتال جيشا لا يزيد عدد المقاتلين فيه على ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا، والجيش المنافس فيه ألف محارب، وكان النبي ﷺ يعلم يقينا أن لو وكل المسلمون إلى أنفسهم وقوتهم المادية، فالنتيجة معلومة واضحة، نتيجة كل قليل ضعيف أمام قوي كثير العدد.
فزع الرسول الى الله تعالى في إنابة نبي، والحاح عبد، ودعاء مضطر، وشفع لهذه العصابة في كلمات صريحة واضحة، نيرة خالدة، هي خير تعريف لهذه الأمة، وبيان لمهمتها وغرضها الذي خلقت له.
لم يقل رسول الله ﷺ ، لو هلكت هذه العصابة، وكانت فريسة للعدو، أقفرت المدينة، وأوحشت أسواقها، وكسدت التجارة، وبطلت الزراعة، أو تعطل شغل من أشغال الحياة، أو وقفت ادارة الحكومات. لم يقل رسول الله ﷺ شيئا من ذلك، لأن شيئا منها لم يتوقف على المسلمين ولم يقم بهم، بل كان قبل وجود المسلمين ولا يزال في غنى عنهم، ولكن الرسول ﷺ ذكر شيئا بعث المسلمون لأجله، وقام بالمسلمين وحدهم، فقال: "اللهم إن تهلك هذه العصابة لن تُعبد".
стр. 13
أجاب الله دعاء الرسول ﷺ ، وقضى بانتصار المسلمين على عدوهم، وبقائهم، فكأنما كان بقاء المسلمين مشروطا بقيام حياة العبودية بهم، وقيامهم بها، فلو انقطعت الصلة بينهم وبين العبادة ورواجها وازدهارها في العالم، انقطعت الصلة بينهم وبين الحياة ولم يبق على الله لهم حق وذمة، وأصبحوا كسائر الأمم خاضعين لنواميس الحياة وسنن الكون، بل كانوا أشد جريمة، وأقل قيمة من الأمم الأخرى، إذ لم يشترط لبقائها وحياتها مثل ما اشترط لهم، وكان كما أخبر الله تعالى: ﴿قل ما يعبؤ بكم ربي لولا دعائكم، فقد كذبتم فسوف يكون لزاما﴾ [الفرقان: ٧٧].
وقد حافظ المسلمون على هذا الشرط، وبروا بهذا العهد، وتذكروا أنهم إنما نُصروا على عدوهم - وقد كان يأتي عليهم ويستأصلهم في ساحة بدر - وتركوا على ظهر الأرض لأن عبادة الله منوطة بهم على أرض الله.
... بهذه الرسالة انبثوا في العالم، وحملوها الى الملوك والسوقة والأمم، وفي سبيل ذلك هاجروا وجاهدوا، ولأجل ذلك حاربوا وعاهدوا، ولم يزالوا يعتقدون أنهم مبعثون من الله إلى الأمم، وحاملو راية الاسلام في العالم.
أرسل سعد قبل القادسية ربعي بن عامر الى رستم - قائد
стр. 14
الجيوش الفارسية وأميرهم - فدخل عليه وقد زينوا مجلسه بالنمارق المذهبة، والزرابي، وأظهروا اليواقيت واللآلي الثمينة، والزينة العظيمة، وعليه تاجه وغير ذلك من الأمتعة الثمينة، وقد جلس على سرير من ذهب، ودخل ربعي بثياب صفيقة، وسيف وترس، وفرس قصيرة، ولم يزل راكبها حتى داس بها على طرف البساط، ثم نزل وربطها ببعض تلك الوسائد، وأقبل وعليه سلاحه ودرعه، وبيضته على رأسه، فقالوا له:
"ضع سلاحك" فقال: "إني لم آتكم وإنما جئتكم حين دعوتموني، فإن تركتموني هكذا، وإلا رجعت"، فقال رستم: "ائذنوا له" فأقبل يتوكأ على رمحه فوق النمارق، فخرّق عامتها، فقالوا له: "ما جاء بكم؟ " فقال: "الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد الى عبادة الله، ومن ضيق الدنيا الى سعتها، ومن جور الأديان الى عدل الإسلام، فأرسلنا بدينه الى خلقه لندعوهم، فمن قبل ذلك قبلنا منه ورجعنا عنه، ومن أبى قاتلناه أبدا، حتى نفضي الى موعود الله" قالوا: "وما موعود الله"؟ قال: "الجنة لمن مات على قتال من أبى، والظفر لمن بقي (١) ".
أباح الله للمسلمين الطيبات، وفسح لهم في طرق الكسب ووجوه المعاش، ولم يضيق عليهم في ذلك، فقال: "قل: من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق، قل: ﴿هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم
стр. 15
القيامة﴾ [الأعراف: ٣٢].
وقال: ﴿فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله﴾ [الجمعة: ١٠].
ولكن الله لم يبعثهم لذلك أمة، ولم يرضه لهم غاية ومهمة، بل خلقهم للسعي للآخرة، وخلق أسباب الحياة لهم، "إن الدنيا خلقت لكم، وإنكم خلقتم للآخرة" وجعل الحياة وأسبابها خاضعة لمهمتهم التي بعثوا لأجلها، فإذا زاحمتهم في سبيل مهمتهم أو غلبتهم عليها، رفضوها وإذا تلكأ المسلمون في ذلك عاتبهم الله عتابا شديدا وقال:
﴿قل إن كان آباؤكم، وأبناؤكم، وإخوانكم، وأزواجكم، وعشيرتكم، وأموال اقترفتموها، وتجارة تخشون كسادها، ومساكن ترضونها، أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله، فتربصوا حتى يأتي الله بأمره، والله لا يهدي القوم الفاسقين﴾ [التوبة: ٢٤].
أراد الأنصار ﵃ أن يتفرغوا لإصلاح أموالهم، لأيام، اكتفاء بأنصار الإسلام، فعاتبهم الله على ذلك وأنزل: ﴿ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة﴾ [البقرة: ١٩٥].
... قال سيدنا أبو أيوب الأنصاري ﵁: "إنما نزلت فينا معشر الأنصار، إنا لما أعز الله دينه وكثر ناصروه قلنا في ما بيننا: لو أقبلنا على أموالنا فأصلحناها، فأنزل هذه الآية (١) ".
стр. 16
ولكن مع الأسف الشديد، قد تشاغل المسلمون اليوم بالدنيا كالأمم الجاهلية وسَعَوا وراءها، وعقدوا حياتهم بها، فإذا أشرفتم على مدنهم وبلادهم من مرقب عال لم تميزوا بينهم وبين أفراد أمة جاهلية، سعي وراء المادة في غير اقتصاد، واكتساب من غير احتساب، سهر في غير طاعة، وعمل في غير نية، وتجارة في لهو عن ذكر الله، وحرقة في جهل عن دين الله، ووظيفة في الاخلاص لغير الله، وحكومة في مشاقة الله، شغل في ضلالة، وقعود في بطالة، وحياة في غفلة وجهالة.
هل اذا اطلعتم - يا سادتي - على بلاد اسلامية، ورأيتم هذه الأمة في غداوتها وروحاتها الى الأسواق والإدارات، ومصالح الحكومة، عرفتم أنها أمة خلقت لشيء آخر، وبعثت لغرض آخر، أسمى من هذه الأغراض التي يسعى لها الكافر والمؤمن.
إن هذا الأسلوب من الحياة لحجة ظاهرة لأهل الجاهلية على المسلمين، فلو نطقوا لقالوا: "ما ذنبنا، أيها المسلمون! إذ عرضنا على نبيكم المال، والسيادة، والملك، فأبى ورفض كل ذلك؟! ألا نراكم تسعون اليوم وراء الذي رفضه نبيكم بالأمس، كأنما خلقتم لأجله؟ فأي الفريقين أشد ذنبا، أمن عرض على محمد ﷺ المال والسيادة والملك، تفاديا من الخلاف والنزاع، فأبى ورفض، أو من تهافت على ما رفضه سيده تهافت الظمآن على الماء، والفراش على النور؟. وإذا كنتم اليوم لا يهمكم إلا المال، أو الحياة، أو
стр. 17
الشرف، أو حكم على قطعة أرض، فلماذا تظاهرتم بالأمس بالدين، وأقمتم الدنيا وأقعدتموها لأجله، وكدرتم علينا صفو العيش، لقد كنتم وكنا في غنى عن هذه الحروب الطاحنة التي أيتمت البنين، وأيئمت النساء، وأجلت الناس عن الأوطان!.
أعيدوا إلينا إذا تلك الدماء التي أريقت في ساحة بدر وأحد، وخيبر وحنين، واليرموك والقادسية، وأعيدوا إلينا تلك النفوس التي قتلت باسم الدين، وأعيدوا إلينا تلك الأيام التي كنا نعيش فيها في وئام وهدوء، لا نعرف فيها إلا الأكل والشرب وقضاء مآرب النفس!.
وماذا يكون جوابنا لو تعرض أحد من أخلافهم الأحياء وقال: "ما غَناؤكم أيها المسلمون؟! لقد ساهمتمونا في أسباب الحياة، وخلقتم لنا فوق ذلك مشكلات كثيرة في الحياة السياسية والاجتماعية، ولا نراكم تسدون عوزا، أو تصلحون خللا، وتلمون شعثا، أو تقيمون زيفا في الحياة".
عفوا أيها القراء، وسماحا أيها الكرام، فقد طال العتاب، وقديما قال الشاعر العربي:
وفي العتاب حياة بين أقوام
من المعلوم أن حياة الأمم بالرسالة والدعوة، وإن الأمة التي لا تحمل رسالة ولا تستصحب دعوة، حياتها مصطنعة غير طبعية، وإنها
стр. 18
كورقة انفصلت من شجرتها، فلا يمكن أن تحيا بسقي أو ري: ﴿فأما الزبد فيذهب جفاء، وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض﴾ [الرعد: ١٧].
إننا - أيها الفقراء - أمة الحاضر وأمة المستقبل، قد كتب لنا الخلود والنصر، لأننا أصحاب دعوة ورسالة نبوية، وهي الرسالة الأبدية التي قضى الله بخلودها وظهورها. فلسنا تحت سيطرة المادة وحكم الزمان، بشرط أن نقوم بدعوتنا، ولنستقبل برسالتنا، ونعود أمة دعوة نبوية كما بدأنا، دعوة في ما بيننا معشر المسلمين، ودعوة في غيرنا من الأجانب في الدين.
لقد تخلفنا عن الأمم المعاصرة في العلوم الطبيعية، والأسباب الحربية، وفي الأخذ بأسباب الرقي المادي بعدة قرون، وقد كانت المسابقة بيننا وبينهم كمسابقة الأرنب والسلحفاة، إلا أن الأرنب كان ساهرا مع خفته وسرعته، والسلحفاة نائمة رغم بطئها وثقلها، فلو حاربنا هذه الأمم اليوم لاستغرق ذلك قرونا، ثم كانت المقارنة بحساب دقيق، فإذا أفاق العدو وسبقنا بشعرة في القوة المادية والعدد الحربية رجحت كفته، لأن المادة عمياء وهي من القساوة والحياد التام بمكان لا تفرق فيه بين المحق والمبطل والشريف والوضيع.
ولكن الدعوة والرسالة - وهي الروح التي تقهر المادة وتسخِّر الأسباب وتستنزل النصر - تأتي بخوارق ومعجزات، وطالما قهرت القاهر وفتحت الغالب، وطالما خضعت الحكومات القاهرة، ودانت الملوك الجبابرة بقوة الدعوة والرسالة للمماليك والصعاليك، وقد جربت ذلك هذه الأمة مرتين بوضوح في التاريخ:
مرة: لما خرج العرب من جزيرتهم الى البلاد الرومية والفارسية في ثياب صفيقة مرقعة، وفي نعال وضيعة مخصوفة، يحملون سيوفا بالية الأجفان، رثة المحامل، على خيل قصيرة، متقطعة الغرز، وسرعان ما
стр. 19
قهرت دعوتهم ورسالتهم وحياتهم الأمم الرومية والفارسية، التي كانت كدمى كُسيت حللا فاخرة، وأعوادا أسندت الى الجدار، لحرمانها من رسالة، وقعودها عن دعوة، وكان الانتصار في الآخر للرسالة على النظام، وللروح على المادة، وللمعنى على الظاهر.
ومرة ثانية: لما قهر التتر - ذلك الجراد المنتشر - العالم الاسلامي من أقصاه الى أقصاه، وخضدوا شوكة المسلمين، فلم تقم لهم قائمة، ولم يقف في وجههم واقف، وكاد المسلمون يصبحون أثرا بعد عين، واستولى اليأس على قلوبهم حتى كان من الأمثال السائرة: "إذا قيل لك أن التتر انهزموا، فلا تصدق" هنالك فعلت الدعوة الإسلامية فعلها، ونفذت فيهم. فإذا القاهر يصبح مقهورا، وإذا الفاتح مفتوح لدين المفتوحين، وإذا التتر يتلفظون بكلمة الإسلام، ويدينون برسالة محمد ﵊، ويصبحون أمة إسلامية.
وإن الرسالة الإسلامية لتأتي بالمعجزات اليوم، وتقهر الأمم طوعا - لا كرها - بسلطانها الروحي ونفوذها العجيب.
إن آباءكم - أيها السادة المسلمون - قد انتشروا في عواصم الجاهلية الأولى، ومراكزها الكبرى، يقولون: "الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد الى عبادة الله، ومن ضيق الدنيا الى سعتها، ومن جور الأديان الى عدل الإسلام" وخلصوا الأمة الرومية من عبادة المسيح والصليب والأحبار والرهبان والملوك، وخلصوا الأمة الفارسية من عبادة النار وعبودية البيت الكياني، والأمة الطورانية من عبادة الذئب الأبيض، والأمة الهندية من عبادة البقر، وأخرجوها الى عبادة الله وحده، وأخرجوها فعلا من ضيق الدنيا الى سعتها، ومن جور الأديان الى عدل الإسلام، والعالم ينتظر منذ زمان، رسل المسلمين ينتشرون في عواصم الجاهلية الثانية، يهتفون: "الله ابتعثنا لنخرج العباد من عبادة المادة والبطن، الى عبادة الله وحده، ومن ضيق عالم التنافس والأثرة والجشع المادي الى سعة عالم القناعة والإيثار والزهد، ونعيم
стр. 20
الروح وطمأنينة القلب، ومن جور النظم السياسية والاجتماعية، الى عدل الإسلام".
هذه هي الدعوة التي تهيب بكم يا رجال العالم الإسلام، وهذه الإنسانية البائسة تستصرخكم وتستغيثكم على أعداءها. وليس العالم اليوم بأقل ظمأ وأقل فاقة الى الدعوة الإسلامية الصحيحة منه بالأمس، وإنه لا يختلف عما كان عليه في القرن السادس المسيحي، فهو غني اليوم في كل ناحية من نواحي الحياة، وفي جميع الحرف والصناعات، وقد ضاق بالأمم والحكومات، وطفح بالاعلام والرايات، وفاض بالحركات والدعوات، وضجر بطغيان الأهواء والنزعات، وثورة الأغراض والشهوات، فهو في ذلك لا يقبل علاوة، ولا يسمح بزيادة، فإذا لم يكن المسلمون إلا أمة من الأمم ليست لهم دعوة الى الله، ولا رسالة للإنسانية المحتضرة، ولم يكن لهم هم إلا أنفسهم وبطونهم، لم يكن هنالك ما يبرر تاريخهم الماضي الذي افتتح بالدعوة الدينية والجهاد في سبيلها، ولا يبرر وجودهم في هذا العصر، فإنما نُصِرُوا واستبقوا بشريطة القيام بالعبادة والدعوة إليها.
والدعوة الى الله هي الناحية الوحيدة التي لا تزال فارغة في خارطة العالم، لا تشغلها أمة ولا دعوة، فإذا عمرها المسلمون أحسنوا الى الإنسانية وإلى أنفسهم، وأمسكوا هذا العالم المتمدن الذي قد كاد يهوي في الهاوية.
...
стр. 21
المحتويات
مَعْقِل الإنسانية
كان وجود الأمة الإسلامية في كل ناحية من نواحي العالم رمزا لحقيقة غير الحقائق المادية واللذات الجسدية، وكان كل فرد من أفراد هذه الأمة يعلن للعالم - وليدا أو ميتا - أن وراء القوى المادية قوة سماوية ووراء الحياة الفانية حياة خالدة، فإذا ولد وليد صرخ في أذنه بهذه الحقيقة، وإذا مات فارق الدنيا بهذه الشهادة.
... إذا ساد على هذا العالم جمود أشبه بالموت، وغاص الناس في بحر الحياة إلى أذقانهم، واختفت كل حقيقة وراء الحقائق المادية، إذا بصوت يدوي "حيّ على الصلاة، حيّ على الفلاح" فينكسر طلسم العالم المادي، وتتجلى الحقيقة الروحية، ويجري الناس وراء هذا الصوت، وقد نفضوا أيديهم من أشغالهم وخروا أمام ربهم. وإذا ضرب الليل رواقه، ومد النوم أطنابه على هذا العالم الحي الصاخب، فإذا هو مقبرة واسعة ليس بها داع ولا مجيب، إذا بمعين الحياة ينصب في وادي
стр. 22
الموت، فينبلج الصبح الصادق في الليل الغاسق، وتتلقى الانسانية الناعسة من مؤذن الفجر درسا في الحياة والنشاط والكدح والكفاح، والشكر والعبادة، وإذا اعتز أحد بقوته وسلطانه، وزها بكثرة ملئِه واعوانه، وقال بلسان المقال أو بلسان الحال: "أنا ربكم الأعلى" أو "ما لكم من إله غيري" قام رجل متواضع على منصة عالية في كل بقعة من بقاع مملكته، أو نفوذه، ونادى "الله أكبر الله أكبر" فينادي بحكم الله في مملكته ويرغم أنف الاله الكاذب في سلطانه.
إذا هاجرت جالية مسلمة من رقعة من رقاع هذه الأرض، أو أجليت منها، لم يصب نظام المعيشة بشلل أو خلل، وظل الناس يتكسبون ويأكلون كما تأكل الأنعام، وظلت رحى الحياة تدور دورها الطبيعي، ولكن روح ذلك المجتمع الانساني تفارق جسده فيصير جثة هامدة لا حياة فيها ولا روح، كذلك كان في أسبانيا، وكذلك كان في كل بقعة انسحب منها المسلمون أو أجلاهم عنها أهلها، وهل اسبانيا الحاضرة إلا مدنية بلا روح، وحياة بلا مبدأ، وأمة بغير رسالة للعالم!.
إن المؤمن وحده هو صاحب عاطفة في هيكل العقل والمادة الذي لا يعبد فيه الا النفس والبطن، وهل الحياة الا بالعاطفة؟ وهل الدنيا إذا ماتت العاطفة، وغلب العقل، وحكمت المادة، الا سوق تجارة أو
стр. 23
ميدان حرب؟ فإذا ثار المؤمن للحق كسر طلاسم العقل، وفك سلاسل الكون، وحطم أصنام المادة، وأملى على العالم ارادة الله، فإذا هو مطيع خاضع وإذا هو متواضع خاشع، قلب تيار الحياة وغير وجه التاريخ، وأرغم الكون على أن يسير سيرته.
حالت دجلة في سبيل المسلمين دون المدائن، وكانت السنة كثيرة المدود، ودجلة تقذف بالزبد، فجمع سعد الناس فحمد الله وأثنى عليه وقال: "ألا إني قد عزمت على قطع هذا البحر اليهم" فقالوا جميعا: "عزم الله لنا ولك على الرشد، فافعل" فندب الناس الى العبور، واذن لهم في الاقتحام، وقال: "قولوا: نستعين بالله ونتوكل عليه، حسبنا الله ونعم الوكيل، والله لينصرن الله وليه، وليظهرن دينه، وليهزمن عدوه، ولا قوة إلا بالله العلي العظيم"، وتلاحق الناس في دجلة، وهم يتحدثون كما يتحدثون في البر، وطبقوا دجلة حتى ما يرى من الشاطئ شيء (١).
نزل طارق بالأندلس، والبحر وراءه والعدو أمامه، والمستقبل رهيب، والطريق مظلم، والأرض كفة حابل، والعدد زهيد والمدد بعيد، فهزئ بأشباح المادة المخيفة، وعاند العقل، وأمر باحراق السفن التي ترجع به الى بلاده (٢)، وعزم على الفتح وأيقن بالنصر، فهزم العدو، وملك الجزيرة الخضراء للمسلمين.
أراد عقبة بن نافع أن يتخذ مدينة في افريقية، يكون بها عسكر المسلمين وأهلهم وأموالهم ليأمنوا من ثورة
стр. 24
تكون من أهل البلاد، فقصد موضع القيروان، وكانت وحلة مشتبكة، بها من أنواع الحيوان من السباع والحيات وغير ذلك، فدعا الله وكان مستجاب الدعوة ثم نادى: أيتها الحيات والسباع، إنّا أصحاب رسول الله ﷺ ، ارحلوا عنا، فإنا نازلون، ومن وجدناه بعد ذلك قتلناه، فنظر الناس ذلك اليوم الى الدواب تحمل أولادها، وتنتقل فرآه قبيل كثير من البربر فأسلموا (١).
خرج محمد بن القاسم - وهو ابن سبع عشرة سنة - لغزو الهند، ومعه حفنة من الناس، والبحار حائلة، وبلاد العدو واسعة الأطراف وعرة المسالك لم يجربها العرب، فهزئ بالمعوقين والمرهبين، وغلب الإيمان القوة وغلب الروح المادة، وإذا بالهند - من السند الى الملتان - خاضعة للمسلمين.
إن العالم كله مدينة الأوهام، والمؤمن وحده هو صاحب يقين لا يزول، وعقيدة لا تتحول، وهو في يقينه في عالم الأوهام، كمصباح الراهب في الغابة المظلمة، ومنارة النور في بحر الظلمات، والجزيرة التي يأوي إليها اليائسون، والطود الذي لا تزحزحه السيول، ولا تزلزله العواصف وقد يتمسك بيقينه، ولا يوافقه على ذلك أحد، ولا يصدقه أحد، فلا تخور عزيمته، ولا تلين عريكته، ولا يرتاب ولا يتلدد، والناس بين معارض ومنتقد، ومطيع كاره، أو مخالف معتزل،
стр. 25
وهو لا يحفل بذلك، ويمضي كالسيف، حتى يهزم يقينه ألف جند من الشك، وينقشع سحاب الأوهام، ويظهر يقينه مثل فلق الصبح.
استعمل النبي ﷺ أسامة بن زيد على جيش وأمره بالتوجه إلى الشام، وتوفي النبي ﷺ ولم يسر الجيش، وارتدت العرب اما عامة أو خاصة من كل قبيلة، وظهر النفاق واشرأبت يهود والنصرانية، وبقي المسلمون كالغنم في الليلة المطيرة، لفقد نبيهم وقلتهم وكثرة عدوهم، فقال الناس لأبي بكر: ان هؤلاء - يعنون جيش أسامة - جند المسلمين، والعرب على ما ترى فقد انتقضت بك، فلا ينبغي أن تفرق جماعة المسلمين عنك، فقال أبو بكر: "والذي نفسي بيده، لو ظننت أن السباع تختطفني، لانفذت جيش أسامة، كما أمر النبي ﷺ " فخاطب الناس وأمرهم بالتجهز للغزو، وأن يخرج كل من هو من جيش أسامة إلى معسكره بالجرف، فخرجوا كما أمرهم، وحبس أبو بكر من بقي من تلك القبائل التي كانت لهم الهجرة في ديارهم، فصاروا مسالح حول قبائلهم وهم قليل، فلما خرج الجيش الى معسكرهم بالجرف وتكاملوا، أرسل أسامة عمر بن الخطاب وكان معه في جيشه الى أبي بكر، يستأذنه أن يرجع بالناس، وقال: إن معي وجوه الناس وجلدتهم، ولا آمن على خليفة رسول الله وحرم رسول الله
стр. 26
والمسلمين أن يتخطفهم المشركون، وقال من مع أسامة من الأنصار لعمر بن الخطاب: إن أبا بكر خليفة رسول الله، ألا فامض فأبلغه عنا، واطلب اليه أن يولي أمرنا أقدم سنا من أسامة، فخرج عمر بأمر أسامة الى أبي بكر، فأخبره بما قال أسامة، فقال: لو خطفتني الكلاب والذئاب لانفذته كما أمر به رسول الله ﷺ ، ولا أرد قضاء قضى به رسول الله ﷺ ، ولو لم يبق في القرى غيري لانفذته، قال عمر: فان الأنصار تطلب رجلا أقدم سنا من أسامة، فوثب أبو بكر - وكان جالسا - وأخذ بلحية عمر وقال: ثكلتك أمك يا ابن الخطاب، استعمله رسول الله ﷺ وتأمرني أن أعزله؟!
وسار أسامة، وأوقع بناس من قبائل قضاعة التي ارتدت، وغنم وعاد، وكانت غيبته أربعين يوماً، وقيل سبعين، وكان انفاذ جيش أسامة أعظم الأمور نفعا للمسلمين، فان العرب قالوا: لو لم يكن بهم قوة لما أرسلوا هذا الجيش، فكفوا عن كثير مما كانوا يريدون أن يفعلوه (١). إن العالم سوق لا رحمة فيها ولا شفقة، ولا مسامحة فيها ولا
стр. 27
كرم، والمؤمن وحده هو الذي يؤثر على نفسه، ولو كان به خصاصة، ويسامح مدينه وعدوه، ويتنازل عن ملك واسع وعرض قريب، طمعا في الأجر، ومحافظة على الكرم.
تغلب ملك كافر على دولة إسلامية في بلاد مالوه بالهند سنة ثلاث وعشرين وتسع مئة، وخرج محمود شاه الخلجي صاحب مالوه من بلاده هاربا عنه الى كجرات، فنهض السلطان مظفر الحليم - وكان الخلجي لا يزال على القلعة - وشرع في المحاصرة وجد في أسباب الفتح، ودخل القلعة عنوة، ووضع السيف فيهم، وكان آخر أمرهم أنهم دخلوا مساكنهم، وغلقوا الأبواب، وأشعلوها نارا واحترقوا وأهليهم، وبلغ عدد القتلى من الكفرة تسعة عشر الفا، سوى من أغلق بابه واحترق، وسوى أتباعهم، فلما وصل السلطان الى دار سلطنة الخلجي التفت اليه، وهنأه بالفتح، ودعا بالبركة في ملكه، وقال له: بسم الله ادخلوها بسلام آمنين، وعطف عنانه خارجا من القلعة الى القباب، وهيأ الخلجي الضيافة، ونزل الى مظفر شاه السلطان وسأله التشريف بالطلوع، فأجابه، فلما فرغ من الضيافة دخل به في الابنية التي هي من آثار أبيه وجده، فأعجب بها وترحم عليهم، ثم جلسا في جانب منه، وشكره الخلجي، وقال: الحمد لله الذي أراني بهمتك ما كنت أتمناه بأعدائي، ولم يبق لي الآن أرب
стр. 28
في شيء من الدنيا، والسلطان أولى بالملك مني، وما كان له فهو لي، فأسألك قبول ذلك، وللسلطان أن يقيم به من شاء، فالتفت السلطان اليه، وقال له: ان أول خطوة خطوتها الى الجهة كانت لله تعالى، والثانية كانت لنصرتك، وقد نلتها فالله يبارك لك فيه، ويعينك عليه، وسأله أركان دولته، أن يستأثر بدولة الخلجي، فالتفت الى محمود، وقال له: احفظ باب القلعة برجال لا يَدَعو أحدا يدخلها بعد نزولي، حتى من ينتسب إلي، وانصرف الى بلاده (١).
العالم بلاد لا يعيش فيها الا من يحمل في جنبه قلبا كأنما قُد من حجر، لا يعرف الحنان والرحمة، ولا يعرف معنى الحب والايثار، والمؤمن وحده هو الذي يحمل في جنبه قلبا يفيض حنانا ورحمة للبشر، ويجمع بين الرحمة والشدة، والصلابة والرقة، وشكيمة الاسد وحنان الام، تخلق بأخلاق الله فجمع بين الرأفة والعزة، والجمال والجلال، وتخلق بأخلاق الرسول ﷺ فلا يغضب لنفسه، حتى اذا تُعدي الحق لم يقم لغضبه شيء، فبينما تراه في ساحة الجهاد كأنه نار في حطب، أو منجل في حقل، ليس له عاطفة ولا قلب، اذا به تراه في الصلاة تهمل عيناه، ويغلي صدره كالمرجل، وتراه يرق للضعيف، ويحنو على الأرملة واليتيم، قد جمع بين حلاوة العسل ومرارة الحنظل، الا أن الأولى له سجية وطبيعة، والثانية له وسيلة وذريعة، فهو ينشد بلسان الحال: واني لحلو تعتريني مرارة (٢)، لا يدع السماحة والكرم
стр. 29
حتى مع العدو، ولا يترك التمسك بالأخلاق العالية حتى في ساحة القتال.
هذا صلاح الدين الذي سار مثلا في شدته وجلادته، تستغيث به امرأة اختطف ولدها، فهي تبكي بكاء الثكلى، فيرق لها بطل حطين، ويطوف بها على القبائل والمنازل، حتى تعرف ابنها، وتضمه الى صدرها (١)، ويهدي الى قِرنِه، وأعدى عدوه في العالم "رتشارد" الثلج، والفواكه في مرضه (٢).
الناس من خوف الموت في الموت، وأشد من الموت، يعدون هذه الحياة رأس مالهم ومنتهى آمالهم، فليس من الغريب أن يود أحدهم لو يعمر ألف سنة، حتى إذا جاءه الموت، خرج من الدنيا حزينا متلهفا على ما يفارقه، كارها مستبشعا لما يستقبله. أما المؤمن فهو دائم الحنين الى ربه، شديد الشوق الى جنته، لا يبالي أوقع عليه الموت أم على الموت وقع، يستقبل الموت باسم الثغر جذل القلب، فرحا مستبشرا كأنما هو خارج من السجن، أو عائد الى الوطن.
لما طعن جبار بن سلمى عامر بن فهيرة يوم بئر معونة، فأنفذه، قال عامر: "فزت ورب الكعبة" (٣) ولما ضرب ابن ملجم علي بن أبي طالب، قال: "فزت ورب الكعبة" (٤).
стр. 30
قام أبو عبيدة في الناس في طاعون عمواس، فقال: أيها الناس، ان هذا الوجع رحمة بكم، ودعوة نبيكم، وموت الصالحين قبلكم، وان أبا عبيدة سأل الله أن يقسم له منه حظه، فطعت فمات، واستخلف على الناس معاذ بن جبل، فقام خطيبا بعده، فقال: أيها الناس، ان هذا الوجع رحمة ربكم، ودعوة نبيكم، وموت الصالحين قبلكم، وان معاذا يسأل الله أن يقيم لآل معاذ حظهم، فطعن ابنه عبد الرحمن فمات، ثم قام فدعا به لنفسه، فطعن في راحته، فلقد كان يقبلها، ثم يقول، ما أحب أن لي بما فيك شيئا من الدنيا (١).
... وحضر بلالا الوفاة، فقالت امرأته: واحزناه، قال: "بل واطرباه، غدا نلقى الأحبة محمدا وحزبه" (٢)، وكذلك روي عن عمار، أنه كان قال ذلك عند وفاته (٣).
المؤمن هو الذي يستطيع أن يفضل الفقر على الغنى، والآخرة على الدنيا، والنسيئة على النقد الحاضر، والغيب على الشهود، والدين على الحياة في كل دور من أدوار التاريخ، مهما بلغت المادة أوجها. ليس لقطر من الأقطار أن يمن على الإسلام بأنه فسح له في أرضه، وإنما الفضل والمنة للإسلام على كل قطر، فقد ألقى عليه درسا في
стр. 31
التوحيد الذي لا يشوبه شرك، وحب الانسانية العامة واحترامها، ووسع أفق خياله فصار يرى للحياة معنى غير معنى، وللانسانية مستوى أرفع من مستواها القديم، وعالما أفسح من وكره الذي يعيش فيه، إنه وضع عن كل أمة اصرها، والاغلال التي كانت عليها، وأنقذها من العنصرية والجنسية والوطنية، وعبادة المال والبيوتات، والأشجار والأحجار، والحيوانات والأنهار، والأرواح والأجرام السماوية، ومن الرهبنة الفاتكة بالمدينة، والعزبة القاطعة للنسل، وهو الذي طلسم الأوهام التي مضى عليها قرون، ودرج عليها أجيال، أطلق العقل من أساره، ورفع الحجر عن العلم، ونسخ احتكار البيوتات للدين، ورسم في الذهن منزلة العمل الفردي، والسعي الشخصي، واستقلال كل انسان بعمله ومسئوليته، ومن الذي يستطيع أن ينكر أن الفضل في تقدم العالم، وقطع مراحل المدنية والعلم، إنما يعود الى الإسلام. ومن الذي يجهل اليوم أن الفضل في تقدم أوربا وتخلصها من رق الأحبار والرهبان، وسلاسل الكنيسة والحكم المطلق، وفي العكوف على العلوم الطبيعية والتجريبية، والخروج من الهمجية الى الحضارة، إنما يعود الى الأندلس الاسلامية التي ظلت قرونا طوالا مشعل الثقافة، ومنبع العلم، ومدرسة الفن والتهذيب في العصور المظلمة! إن كلمات العدل والمساواة، والانسانية منتشرة ذائعة اليوم في كل ناحية من نواحي الهند، وبارزة على كل صفحة من صفحات أدبائها وكتابها، وخفيفة على لسان كل خطيب ومتكلم، ومن ذا يكابر في أن الاسلام هو الذي عرّف هذه الكلمات الى أهل هذه البلاد، وسعى في رواجها وذيوعها في بلاد لم تكن تعرف هذه الكلمات ومعانيها.
إن المسلمين ليسوا نسلا أو شعبا فحسب، وليس الاسلام عادات وتقاليد وتراثا يتوارثه ولد عن أبيه، انه دعوة ورسالة، وحياة وعقيدة، تقتضي بالطبع، أن يكون نظر المسلم أوسع من الماديات المحسوسات، ومن عالم النفوس والبطون، ووطنه أوسع من المنطقة
стр. 32
الصغيرة التي ولد فيها، وأن يكون قلبه عامرا بحب كل انسان كائنا من كان، وأن لا تكون الاوطان والانساب عائقا، في سبيل حبه وعطفه، وأن لا يكون سعيه منحصرا في نطاق الحياة الضيق، ويلزم لكل من يدين بهذا الدين أن يحمل للبشرية رسالة للروح والقلب، والعاطفة والسياسة والاجتماع، ويملك قوة أخلاقية تراقبها في النور والظلام، والوحدة والاجتماع، والعجز والمقدرة، عنده أساس متين من العلم، وبينات ومحكمات في المدنية، وحياة نبي كان ولا يزال المثل الكامل للبشرية في مختلف ظروفه وأحواله، ومختلف عصوره وأجياله، وكل عصر وقطر، ومفزع الانسانية في كل ساعة عصيبة، وكلما حلت بها أزمة عجزت عن حلها العقول البشرية، والنظم الاجتماعية والسياسية.
إذا حجب الليل النهار، وهجمت جنود الهوى من كل جانب، وهزمت الفضيلة والاخلاق، وإذا أصبح الانسان ينحر أخاه لاجل فلس أو لأجل قرص، وإذا أصبحت الشعوب الكبيرة تزدرد الشعوب الصغيرة في سبيل الجشع أو الخيلاء، وإذا صار وثن المال يعبد على قارعة الطريق، وإذا ضحي بألوف من الناس على أنصاب الجنسية والوطنية، وإذا حال الانسان بين الانسان ورزقه، اذا التهبت نار الشهوات، وانطفأ نور القلب، اذا نسي الانسان الموت، وعكف على الحياة يعبدها، اذا غلا الجماد والمعادن، ورخص الانسان في سوق العالم، فصارت المدن العامرة تسوى بها الارض، وألوف من البشر يقتلون في دقائق وثوان بالقنبلة الذرية. اذا تغلبت الامم الاوربية على العالم، وجعلته بيت المقامرين، أو سوق الجزارين، وعبثت بالانسانية عبث الوليد بجانب القرطاس، وتلاعبت بالامم كالكرة، اذا ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس، هنالك يستصرخ هذا الكون المؤمن، ويستغيث به، وهنالك تناديه الانسانية باسم الاسلام الذي طلع كالصبح الصادق في ظلام الليل الحالك، وباسم
стр. 33
محمد ﷺ الذي أغاث الله به الانسانية في احتضارها وانتحارها، وحفظ به مهجة الانسانية، وأدال به من الجاهلية الجهلاء.
فهل يسمع المؤمن في جزيرة العرب التي أشرقت منها شمس الاسلام، وفي حواضر البلاد العربية في آسيا وافريقيا، وفي الأقطار الاسلامية عامة، صراخ الانسانية وعويلها، فيهب من نومه العميق الطويل الذي مله العالم، ويثب كالاسد، وينقض كالصقر على اعداء الانسانية، إنه بذلك لجدير وبحول الله على ذلك قدير، فهو معقل الانسانية، ومنتهى الرجاء، وأمين الله في الأرض وخليفة الأنبياء.
يدعون سيارا اذا احمر القنا ... ولكل يوم كريهة سيار
стр. 34
المحتويات
المد والجزر في تاريخ الاسلام
حال العرب قبل الاسلام
كان العرب قبل الاسلام أمة كادت تكون منعزلة عن العالم، قد فصلتها عن العالم المتمدن المعمور البحار من ثلاث جوانب، وصحراء من جانب، وكانت من الانحطاط والانقسام والضعة والخمول بمكان لا تطمع فيه حينا من الدهر الى غزو البلاد، ولا تحلم بالانتصار على الدول المجاورة لها في المنام، ولا تحدّث به يوما من الأيام.
هذا، ودولتا فارس والروم يومئذ سيدتا العالم، وزعيمتا الشرق والغرب، وقد أحاطت ممتلكاتهما بشبه جزيرة العرب، احاطة السوار بالمعصم، وإنما زهد الفرس والرومان في فتح هذه الجزيرة لوعورتها، وقلة خيراتها ومواردها، وما يكلفهم ذلك من رجال وأموال، هم في غنى عن انفاقها في هذه الصحراء المجدبة، وفي هذه
стр. 35
الامة الفقيرة، وانما اكتفوا برقابتهم السياسية عليها، وباماراتهم التي أنشأوها على ثغور هذه الجزيرة الواسعة ولهواتها (١).
هكذا كانت هذه الامة التي ما كانت لتمثل دورا مدهشا في تاريخ العالم عن قريب، كانت أمة بدوية موهوبة - ولكن واهب ضائعة - لا يرفع الناس بأفرادها في العراق والشام ومصر رأسا، اذا مروا بهم تجارا أو ممتارين (٢)، ولا يحسبون لهم حسابا، ولا يهمهم شأنهم الا ما يهم أهل المدن شأن الأعراب المستغربين في اللباس، والصورة واللسان، ولا يذكرونهم - اذا ذكروهم - الا بذلاقة لسانهم، وفصاحة منطقهم، وشجاعتهم، وجودة خيلهم، ووفائهم، الى غير ذلك مما قد تعرفه الامم المتمدنة عن الامم البدوية.
آراء رجال ذلك العصر في العرب
واذا أردت أن تعرف منزلة العرب عند أهل العالم، قبل الاسلام، والنظرة التي كان ينظر اليهم بها جيرانهم في الشرق والشمال (٣)، فاستعرض الآراء التي أبداها
стр. 36
رجال ذلك العصر، من أهل البصر والمعرفة، ووافق عليها العرب أنفسهم وزادوا عليها. فمما حفظه لنا التاريخ من هذه الآراء، ما قاله امبراطور الدولة الفارسية لسفراء المسلمين.
جاء في كتاب البداية والنهاية لابن كثير الدمشقي بعدما ساق حديث رسل المسلمين في مجلس يزدجرد:
قال: "فتكلم يزدجرد فقال: اني لا أعلم في الأرض أمة كانت أشقى ولا أقل عددا، ولا أسوأ ذات بين منكم، قد كنا نوكل بكم قرى الضواحي ليكفوناكم، لا تغزوكم فارس، ولا تطمعون أن تقوموا لهم، فان كان عددكم كثر، فلا يغرنكم منا، وان كان الجهد (١) دعاكم، فرضنا لكم قوتا الى خصبكم، وأكرمنا وجوهكم، وكسوناكم، وملكنا عليكم ملكا يرفق بكم". فقال المغيرة بن شعبة:
"أيها الملك، أنك قد وصفتنا صفة لم تكن بها عالما، فأما ما ذكرت من سوء الحال، فما كان أسوأ حالا منا، وأما جوعنا فلم يكن يشبه الجوع، كنا نأكل الخنافس والجعلان، والعقارب والحيات، ونرى ذلك طعامنا، وأما المنازل فإنما هي ظهر الأرض، ولا نلبس الا ما غزلنا من أوبار الابل وأشعار الغنم. ديننا أن يقتل بعضنا بعضا، وأن يبغي بعضنا على بعض، وإن كان أحدنا ليدفن ابنته وهي حية، كراهية أن تأكل من طعامه، وكانت حالنا قبل اليوم على ما ذكرت لك، فبعث الله الينا رجلا ... الخ (٢) ".
стр. 37
وجاء في هذا الكتاب أيضاً:
" .... وقد بعث أمير الفرس، يطلب رجلا من المسلمين ليكلمه، فذهب اليه المغيرة بن شعبة، فذكر من عظم ما رأى عليه من لبسه، ومجلسه، وفيما خاطبه به من الكلام في احتقار العرب، واستهانته بهم، وأنهم كانوا أطول الناس جوعا، وأبعد الناس دارا، وأقذر الناس قذرا وقال: ما يمنع هؤلاء الاساورة (١) حولي أن ينتظموكم (٢) بالنشاب، ألا تنجسا من جيفكم، فان تذهبوا نخلّ عنكم، وان تأبوا نُزركم مصارعكم. قال فتشهدت وحمدت الله وقلت: لقد كنا أسوأ حالا مما ذكرت حتى بعث الله رسوله ... الخ (٣) ".
وفي هذا الكتاب أيضا:
"وذكر الوليد بن مسلم: أن ماهان طلب خالدا ليبرز اليه فيما بين الصفين، فيجتمعا في مصلحة لهم، فقال ماهان: انا قد علمنا ان ما أخرجكم من بلادكم الجهد والجوع، فهلموا الى أن أعطي كل رجل منكم عشرة دنانير، وكسوة وطعاما، وترجعون الى بلادكم، فإذا كان من العام المقبل بعثنا لكم بمثلها (٤) ".
وهذا كله يدل على ما كان يساوي العرب عند الروم، وعلى ما كان لهم من قيمة ومنزلة عندهم.
стр. 38
تغير حال العرب بالاسلام
ولكن سرعان ما تغيرت الاحوال، وانقلبت الحقائق، وبطلت التجارب السابقة، وتاه العقل، اذ خرج هؤلاء الاعراب من صحرائهم، يفتحون، ويقهرون، ويغلبون، ويخضعون. تدفق هذا السيل من مدينة الرسول ﷺ عاصمة العرب الاسلامية، لاحدى عشرة سنة للهجرة النبوية، واثنين وثلاثين وست مائة لميلاد المسيح، فغلب كل شيء اعترضه في الطريق، وطما (١) على السهل والجبل، ولم تكن جيوش فارس والروم ومصر وغيرها المعدودة بمئات الألوف، الشاكة السلاح (٢)، الشديدة البطش، التي كانت الأرض تزلزل بها زلزالا، لم تكن هذه الجنود المجندة الا حشائش في هذا التيار الجارف، فلم تعق سيره، ولم تغير مجراه، حتى فاض في مروج الشام، وفلسطين، وسهول العراق وفارس، وربوع مصر والمغرب الأقصى، وأودية هملايا، سال هذا السيل القوي بالمدنيات العتيقة، والحكومات المنظمة القوية، والأمم العريقة في المجد والسلطان فأصبحت خبرا بعد عين ﴿فجعلناهم أحاديث ومزقناهم كل ممزق﴾ [سبأ: ١٩].
خرج العرب من جزيرتهم فاحتكوا بالفرس والروم، وكان العرب يكرهون وجوههم (٣) ويرهبون سطوتهم في ديارهم، ولكن هانوا عليهم
стр. 39
في هذه المرة، فغزوهم في عقر دارهم، ونزلوا لساحتهم، فما لبثوا أن مزقوا جموعهم شر ممزق، وثلوا عروشهم (١) ووطأوا تيجان ملوكهم، وفتحوا كنوزهم، واقتسموا أموالهم وتراث ملوكهم، وسبوا ذراريهم، ومزقوا رداء فخرهم وعظمتهم، فلم يرقع أبدا، وكسروا شوكتهم، فلم تعد أبدا، وهلك كسرى فلا كسرى بعده، وهلك قيصر فلا قيصر بعده.
﴿وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها التي باركنا فيها﴾ [الأعراف: ١٣٧].
خرج هؤلاء العرب من جزيرتهم في ثياب صفيقة (٢) مرقعة، ونعال وضيعة مخصوفة (٣)، يتقلدون سيوفا بالية الأجفان (٤)، رثة المحامل، على خيل بعضها عارية الظهور، متقطعة الغرز (٥)، قد بلغ بهم البعد عن المدنية الى حد أنهم كانوا يحسبون الكافور ملحا، وربما استعمله بعضهم في العجين (٦).
стр. 40
فما لبثوا أن ملكوا الدنيا، وامتلكوا ناصية أمم بعيدة الشأو في المدنية، انقلب رعاء الشاة والابل، رعاة لارقى طوائف البشر في العلم والمدنية والنظام، وصار هؤلاء أساتذتهم في العلوم والآداب، والأخلاق والتهذيب، وحقت كلمه الله: ﴿ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض، ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين﴾ [القصص: ٠٥].
اللغز الذي أدهش المؤرخين
هذه القوة القاهرة بعد ذلك الضعف المخزي، وهذا النشاط الغريب بعد ذلك الخمود العجيب، وهذا الانتباه السريع بعد ذلك السبات العميق، لغز من ألغاز التاريخ، وقد اتفقت كلمة المؤرخين على أن هذا الحادث أغرب ما وقع في التاريخ الانساني، واليك بعض ما قال المؤرخون الاوربيون:
قول المؤرخ جبون:
يقول المؤرخ "جبون":
" بقوة واحدة ونجاح واحد، زحف العرب على خلفاء أغسطس (في الروم) واصطخر (في فارس)، وأصبحت الدولتان المتنافستان، في ساعة واحدة فريسة لعدو، لم يزل موضع الازدراء والاحتقار منهما، في عشر سنوات من أيام حكم عمر أخضع العرب لسطانه ستة وثلاثين ألفا من المدن والقلاع، خربوا أربعة آلاف كنيسة ومعبد للكفار،