← Общие книги

Общие книги · id 37561

إلى الإسلام من جديد

أبو الحسن الندوي

Полный текст (183 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

رجال ذلك العصر، من أهل البصر والمعرفة، ووافق عليها العرب أنفسهم وزادوا عليها. فمما حفظه لنا التاريخ من هذه الآراء، ما قاله امبراطور الدولة الفارسية لسفراء المسلمين. جاء في كتاب البداية والنهاية لابن كثير الدمشقي بعدما ساق حديث رسل المسلمين في مجلس يزدجرد: قال: "فتكلم يزدجرد فقال: اني لا أعلم في الأرض أمة كانت أشقى ولا أقل عددا، ولا أسوأ ذات بين منكم، قد كنا نوكل بكم قرى الضواحي ليكفوناكم، لا تغزوكم فارس، ولا تطمعون أن تقوموا لهم، فان كان عددكم كثر، فلا يغرنكم منا، وان كان الجهد (١) دعاكم، فرضنا لكم قوتا الى خصبكم، وأكرمنا وجوهكم، وكسوناكم، وملكنا عليكم ملكا يرفق بكم". فقال المغيرة بن شعبة: "أيها الملك، أنك قد وصفتنا صفة لم تكن بها عالما، فأما ما ذكرت من سوء الحال، فما كان أسوأ حالا منا، وأما جوعنا فلم يكن يشبه الجوع، كنا نأكل الخنافس والجعلان، والعقارب والحيات، ونرى ذلك طعامنا، وأما المنازل فإنما هي ظهر الأرض، ولا نلبس الا ما غزلنا من أوبار الابل وأشعار الغنم. ديننا أن يقتل بعضنا بعضا، وأن يبغي بعضنا على بعض، وإن كان أحدنا ليدفن ابنته وهي حية، كراهية أن تأكل من طعامه، وكانت حالنا قبل اليوم على ما ذكرت لك، فبعث الله الينا رجلا ... الخ (٢) ".

стр. 37

وجاء في هذا الكتاب أيضاً: " .... وقد بعث أمير الفرس، يطلب رجلا من المسلمين ليكلمه، فذهب اليه المغيرة بن شعبة، فذكر من عظم ما رأى عليه من لبسه، ومجلسه، وفيما خاطبه به من الكلام في احتقار العرب، واستهانته بهم، وأنهم كانوا أطول الناس جوعا، وأبعد الناس دارا، وأقذر الناس قذرا وقال: ما يمنع هؤلاء الاساورة (١) حولي أن ينتظموكم (٢) بالنشاب، ألا تنجسا من جيفكم، فان تذهبوا نخلّ عنكم، وان تأبوا نُزركم مصارعكم. قال فتشهدت وحمدت الله وقلت: لقد كنا أسوأ حالا مما ذكرت حتى بعث الله رسوله ... الخ (٣) ". وفي هذا الكتاب أيضا: "وذكر الوليد بن مسلم: أن ماهان طلب خالدا ليبرز اليه فيما بين الصفين، فيجتمعا في مصلحة لهم، فقال ماهان: انا قد علمنا ان ما أخرجكم من بلادكم الجهد والجوع، فهلموا الى أن أعطي كل رجل منكم عشرة دنانير، وكسوة وطعاما، وترجعون الى بلادكم، فإذا كان من العام المقبل بعثنا لكم بمثلها (٤) ". وهذا كله يدل على ما كان يساوي العرب عند الروم، وعلى ما كان لهم من قيمة ومنزلة عندهم.

стр. 38

تغير حال العرب بالاسلام ولكن سرعان ما تغيرت الاحوال، وانقلبت الحقائق، وبطلت التجارب السابقة، وتاه العقل، اذ خرج هؤلاء الاعراب من صحرائهم، يفتحون، ويقهرون، ويغلبون، ويخضعون. تدفق هذا السيل من مدينة الرسول ﷺ عاصمة العرب الاسلامية، لاحدى عشرة سنة للهجرة النبوية، واثنين وثلاثين وست مائة لميلاد المسيح، فغلب كل شيء اعترضه في الطريق، وطما (١) على السهل والجبل، ولم تكن جيوش فارس والروم ومصر وغيرها المعدودة بمئات الألوف، الشاكة السلاح (٢)، الشديدة البطش، التي كانت الأرض تزلزل بها زلزالا، لم تكن هذه الجنود المجندة الا حشائش في هذا التيار الجارف، فلم تعق سيره، ولم تغير مجراه، حتى فاض في مروج الشام، وفلسطين، وسهول العراق وفارس، وربوع مصر والمغرب الأقصى، وأودية هملايا، سال هذا السيل القوي بالمدنيات العتيقة، والحكومات المنظمة القوية، والأمم العريقة في المجد والسلطان فأصبحت خبرا بعد عين ﴿فجعلناهم أحاديث ومزقناهم كل ممزق﴾ [سبأ: ١٩]. خرج العرب من جزيرتهم فاحتكوا بالفرس والروم، وكان العرب يكرهون وجوههم (٣) ويرهبون سطوتهم في ديارهم، ولكن هانوا عليهم

стр. 39

في هذه المرة، فغزوهم في عقر دارهم، ونزلوا لساحتهم، فما لبثوا أن مزقوا جموعهم شر ممزق، وثلوا عروشهم (١) ووطأوا تيجان ملوكهم، وفتحوا كنوزهم، واقتسموا أموالهم وتراث ملوكهم، وسبوا ذراريهم، ومزقوا رداء فخرهم وعظمتهم، فلم يرقع أبدا، وكسروا شوكتهم، فلم تعد أبدا، وهلك كسرى فلا كسرى بعده، وهلك قيصر فلا قيصر بعده. ﴿وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها التي باركنا فيها﴾ [الأعراف: ١٣٧]. خرج هؤلاء العرب من جزيرتهم في ثياب صفيقة (٢) مرقعة، ونعال وضيعة مخصوفة (٣)، يتقلدون سيوفا بالية الأجفان (٤)، رثة المحامل، على خيل بعضها عارية الظهور، متقطعة الغرز (٥)، قد بلغ بهم البعد عن المدنية الى حد أنهم كانوا يحسبون الكافور ملحا، وربما استعمله بعضهم في العجين (٦).

стр. 40

فما لبثوا أن ملكوا الدنيا، وامتلكوا ناصية أمم بعيدة الشأو في المدنية، انقلب رعاء الشاة والابل، رعاة لارقى طوائف البشر في العلم والمدنية والنظام، وصار هؤلاء أساتذتهم في العلوم والآداب، والأخلاق والتهذيب، وحقت كلمه الله: ﴿ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض، ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين﴾ [القصص: ٠٥]. اللغز الذي أدهش المؤرخين هذه القوة القاهرة بعد ذلك الضعف المخزي، وهذا النشاط الغريب بعد ذلك الخمود العجيب، وهذا الانتباه السريع بعد ذلك السبات العميق، لغز من ألغاز التاريخ، وقد اتفقت كلمة المؤرخين على أن هذا الحادث أغرب ما وقع في التاريخ الانساني، واليك بعض ما قال المؤرخون الاوربيون: قول المؤرخ جبون: يقول المؤرخ "جبون": " بقوة واحدة ونجاح واحد، زحف العرب على خلفاء أغسطس (في الروم) واصطخر (في فارس)، وأصبحت الدولتان المتنافستان، في ساعة واحدة فريسة لعدو، لم يزل موضع الازدراء والاحتقار منهما، في عشر سنوات من أيام حكم عمر أخضع العرب لسطانه ستة وثلاثين ألفا من المدن والقلاع، خربوا أربعة آلاف كنيسة ومعبد للكفار،

стр. 41

وأنشأوا أربعة عشر ألفا من المساجد لعبادة المسلمين، على رأس قرن من هجرة محمد ﷺ من مكة، امتد سلطان خلفائه من الهند الى المحيط الاطلانطيكي، ورفرف علم الاسلام على أقطار مختلفة نائية كفارس وسورية ومصر وافريقيا وأسبانيا (١) ". قول المؤرخ ستودارد ويقول "ستودارد الأميركي" في كتابه حاضر العالم الاسلامي: " كاد يكون نبأ نشوء الاسلام النبأ الأعجب الذي دون في تاريخ الانسان، ظهر الاسلام في أمة كانت من قبل ذلك العهد متضعضعة الكيان، وبلاد منحطة الشأن، فلم يمض على ظهوره عشرة عقود، حتى انتشر في نصف الأرض ممزقا ممالك عالية الذرى، مترامية الأطراف، وهادما أديانا قديمة كرت عليها الحقب والأجيال، ومغيرا ما بنفوس الأمم والأقوام، وبانيا عالما حديثا متراص الأركان، هو عالم الاسلام. كلما زدنا استقصاء، باحثين في سر تقدم الاسلام وتعاليه زادنا ذلك العجب العجاب بهرا، فارتددنا عنه بأطراف حاسرة، عرفنا أن سائر الأديان العظمى إنما نشأت، ثم أنشأت تسير في سبيلها سيرا بطيئا ملاقية كل صعب، حتى كان أن قيض الله لكل دين منها ما أراده له من ملك ناصر، وسلطان قاهر انتحل ذلك الدين، ثم أخذ في تأييده والذب عنه، حتى رسخت أركانه ومنعت جوانبه، بطل النصرانية "قسطنطين" والبوذية "أسوكا" والمزدكية "قباء كسرو"، كل منهم ملك جبار، أيد دينه الذي انتحله بما استطاع من القوة والايد، إنما ليس الأمر

стр. 42

كذلك في الاسلام، الاسلام الذي نشأ في بلاد صحراوية، تجوب فيها شتى القبائل الرحالة التي لم تكن من قبل رفيعة المكانة والمنزلة في التاريخ، فلسرعان ما شرع يتدفق وينتشر وتتسع رقعته في الأرض مجتازا أفدح الخطوب وأصعب العقبات، دون أن يكون من الأمم الأخرى عون يذكر، ولا أزر مشدود، وعلى شدة هذه المكاره فقد نصر الاسلام نصرا مبينا عجيبا، إذ لم يكد يمضي على ظهوره أكثر من قرنين، حتى باتت راية الاسلام خفاقة من "البرانس" حتى "هملايا"، ومن صحاري أواسط آسيا حتى صحاري أواسط افريقية (١) ". قول المؤرخ فيشر ويقول مؤرخ عصري "هـ. ١. ل. فيشر" في كتابه تاريخ أوربا: " لم يكن هنالك - في جزيرة العرب قبل الاسلام - أثر لحكومة عربية، أو جيش منتظم، أو لطموح سياسي عام، كان العرب شعراء خياليين، محاربين، وتجارا، لم يكونوا سياسيين، انهم لم يجدوا في دينهم قوة تثبتهم أو توحدهم، انهم كانوا على نظام منحط من الشرك، بعد مائة سنة حمل هؤلاء المتوحشون الخاملون لأنفسهم قوة عالمية عظيمة، انهم فتحوا سورية ومصر، ودوخوا وقلبوا فارس، ملكوا تركستان الغربية، وجزءا من بنجاب، انهم انتزعوا افريقية من البيزنطيين والبربر، وأسبانيا من القوط، هددوا فرنسا في الغرب، والقسطنطينية في الشرق، مخرت أساطيلهم المصنوعة في الاسكندرية وموانئ سوريا، مياه البحر المتوسط، واكتسحت الجزائر اليونانية،

стр. 43

وتحدت القوة البحرية للامبراطورية البيزنطية، لم يقاومهم الا الفرس وبربر جبال الاطلس، انهم شقوا طريقهم بسهولة حتى صعب في بداية القرن الثامن المسيحي ان يقف في وجههم واقف، ويعرقل سيرهم في الفتح والاستيلاء، لم يعد البحر المتوسط بحر الروم، بل أصبح حوضا عثمانيا لا سيطرة فيه لغير الترك، ووجدت الدول النصرانية من أقصى أوربا الى أقصاها منذرة مهددة بحضارة شرقية مبنية على دين شرقي (١) ". ويقول مؤلف شيوعي: " ان الانسان ليدهش اذا تأمل السرعة الغربية التي تغلب بها طوائف صغيرة من الرحالين، الذين خرجوا من صحراء العرب مشتعلين بحماسة دينية على أقوى دولتين في الزمن القديم، لم يمض خمسون سنة على بعثة محمد ﷺ حتى غرز اتباعه علم الفتح على حدود الهند في جانب، وعلى ساحل البحر الاطلانطيكي في جانب آخر، ان خلفاء دمشق الاولين حكموا على امبراطورية، لم تكن لتقطع في أقل من خمسة أشهر على أسرع جمل، وحتى نهاية القرن الأول للهجرة كان الخلفاء أقوى ملوك العالم. كل نبي جاء بمعجزات آية لما يقول، وبرهانا على صدقه، ولكن محمدا ﷺ هو أعظم الأنبياء وأجلهم، اذ كان انتشار الاسلام أكبر آيات الأنبياء وأروعها اعجابا وخرقا للعادة، ان امبراطورية أغسطس الرومية بعدما وسعها بطلها "تراجان" نتيجة فتوح عظيمة في سبعة قرون، ولكنها لا تساوي المملكة العربية التي أسست في أقل من قرن، ان امبراطورية الاسكندر لم تكن في اتساعها الا كسرا من كسور مملكة الخلفاء الواسعة، ان الامبراطورية الفارسية قاومت الروم زهاء ألف سنة، ولكنها غلبت وسقطت أمام "سيف الله" في أقل من عشر

стр. 44

سنوات (١) ". نظرة تحليلية في هذا اللغز والآن ننظر في هذا الحادث الغريب نظرا علميا تحليليا، ونبحث عن أسبابه الحقيقية، الجنود والدول في هذا العالم المادي تغلب الجنود والدول في الغالب لوفرة عددها أو بزيادة عدتها وعتادها، ولأنها أحسن في الشكة والسلاح، وفي التنظيمات العسكرية، وفائقة في النظام الحربي، فنتناول جميع هذه العلل المادية التي يرجع اليها الفضل في انتصار الجيوش، والدول عامة، ونبحث فيها علة علة: مسألة العدد أما العدد فمعلوم أنه كانت النسبة بعيدة بين المقاتلين في جميع المواقف الحاسمة والمعارك الفاصلة في كفاح الاسلام والنصرانية والمجوسية، وكان الروم والفرس أضعاف عدد المسلمين في أكثر الوقائع. هذه اليرموك كان الروم الذين نفروا لقتال المسلمين يبلغ عددهم مائة ألف وثمانين ألفا، وفي رواية مائتي ألف، وفي رواية أربعين ومائتي ألف. وأقل ما روي عن عددهم عشرون

стр. 45

ومائة ألف، وأكثر ما ذكر عن المسلمين أنهم كانوا أربعة وعشرين ألفا. كذلك كانت النسبة بعيدة في وقعة القادسية، وهي أختها في العراق والنتيجة معلومة، "وما يوم حليمة بسر" (١). وقد اعترف بقلة المسلمين ووفرة جنود الروم والفرس المؤرخون جميعا، ولم يعللوا الفتح الاسلامي الغريب في التاريخ بكثرة عدد مقاتلة المسلمين، جاء في الفصل الرابع للأستاذين "غودفروا دمونبين" و "بلانونوف": "ان العرب الذين أفاضوا من الجزيرة لفتح الامصار لم يكونوا عصائب لا تحصى ولا تعد، تدفقت على الشرق المتمدن، فقد أحصى مؤرخوا العرب الجيش الأول للمسلمين في اليرموك بثلاثة آلاف، ثم أرسل اليهم الخليفة بنجدة أبلغتهم ٧٥٠٠ مقاتل، وأخيرا تتام عددهم ٣٤ ألفا، وأما عدد الروم فقال العرب: انه كان مائة ألف، وقيل ١٣٠ ألفا وقيل ٢٠٠ ألف مقاتل، ولم يزده مؤرخو بيزنطية على ٤٠ ألفا وعلى كل حال كان العدد الأكبر لأعداء العرب، وهكذا في حروب فارس (٢) ". ومعلوم أن جزيرة العرب قليلة العمران بالنسبة الى مساحتها واتساع رقعتها، معظمها صحراء، ورمال وعثاء، وأرض قاحلة جرداء، أما البلاد التي زحف عليها المسلمون ورموا فيها بأنفسهم، فهي من

стр. 46

أخصب بلاد الله مستبحرة العمران، مكتظة بالسكان، وكانت خليتها تعسل حينا بعد حين، وتقطع بعوثا اثر بعوث، وتتدفق سيول من الجيوش والمقاتلة، وتأتيهم الميرة من كل مكان لا تكاد تنتهي، وكان العرب الغرباء كنقطة مغمورة في بحار من الاعداء، نازحين عن بلادهم، منقطعين عن مركزهم، ولا يصلهم المدد الا بشق الأنفس وبعد شهور، ولا يجدون من الميرة الا ما يتغلبون عليه وينتزعون من أيدي أعدائهم انتزاعا فلو تطوعت جزيرة العرب كلها لقتال الروم والفرس، ونفر جميع أهاليها للجهاد في سبيل الله على أن ذلك من المستحيل - لما وقعوا من العالم النصراني والمجوسي - وهما أكثر من نصف الأرض المعمورة - بمكان، فكيف والذين تطوعوا للجهاد ما كانوا نصف عشر عمران الجزيرة؟!. مسألة العتاد والسلاح ... أما العُدد والعتاد، فكان العرب أفقر فيها، وأقل منهم في العدد، فلم تكن هناك جنود مرتزقة، ولا جيوش منظمة تعبئها الحكومة وتسلحها من عندها، ثم تبعثها كاملة السلاح تامة الجهاز، إنما كان متطوعون، يجهزون أنفسهم وينفرون شوقا الى الجهاد في سبيل الله ورجاء ثوابه، ومنهم من لا يجد راحلة ويلتمس عند غيره فلا يجد، فيقعد متلهفا على ما يفوته من سعادة الجهاد في سبيل الله، وقد أنزل الله فيهم: ﴿ولا على الذين اذا ما أتوك لتحملهم قلت: لا أجد ما أحملكم عليه، تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا ألا يجدوا ما ينفقون﴾ [التوبة: ٩٢].

стр. 47

وكان المسلمون تزدريهم أعين الروم والفرس لما خرجوا لقتالهم. وكانوا يسخرون من سلاحهم ونبالهم وثيابهم ويضحكون. قال أبو وائل - أحد الذين شهدوا القادسية -: كان الفرس يقولون للمسلمين: "لا يد لكم ولا قوة ولا سلاح، ما جاء بكم؟ ارجعوا. قال: قلنا: ما نحن براجعين، فكانوا يضحكون من نبلنا، ويقولون: دوك دوك، ويشبهونها بالمغازل (١) ". قال ابن كثير: "وكان سعد قد بعث طائفة من أصحابه الى كسرى يدعونه الى الله قبل الوقعة، فاستأذنوا على كسرى فأذن لهم، وخرج أهل البلد ينظرون الى أشكالهم، وأرديتهم على عواتقهم، وسياطهم بأيديهم، والنعال في أرجلهم، وخيولهم الضعيفة، وخبطها الأرض بأرجلها، وجعلوا يتعجبون منها غاية العجب، كيف مثل هؤلاء يقهرون جيوشهم مع كثرة عددها وعُددها (٢) ". ويقول "ماكس مايرهوف" في تأليفه "العالم الاسلامي": "يكاد يكون مستحيلا أن نفهم كيف أن أعرابا منتمين الى عشائر، ليست عندهم العدد والاعتدة اللازمة، يهزمون في مثل هذا الوقت

стр. 48

القصير جيوش الرومان والفرس، الذين كانوا يفوقونهم مرارا في الأعداد والعتاد، وكانوا يقاتلونهم وهم كتائب منظمة (١) ". مسألة تفوق العرب في النظام الحربي ومما قيل في تعليل غلبة المسلمين، أن العرب كانوا فائقين في نظامهم الحربي على الروم والفرس في ذلك العصر، وكانت كتائبهم أحسن تنظيما وتدريبا، وأفضل نظاما عسكريا، وأكثر انقيادا لأمرائها وقوادها من العساكر الرومية والفارسية، وأن الفضل في انتصار العرب مع قلتهم وانكسار الروم والفرس رغم كثرتهم، يرجع الى مراس العرب للقتال وضراوتهم بالحروب، وولوعهم بالغزو والنهب، نشأتهم الجاهلية الأولى النشأة الحربية المحضة. هذا الكلام يشبه أن يكون وجيها وأكثر صوابا من التعليلات السابقة. ولكنك إذا انتقدته كباحث ومؤرخ وجدته مغالطة كبيرة يغالط بها الكتاب الأوربيون ويتعللون بها، وقد يفهمون وقد لا يفهمون. وقد ثبت في تواريخ القرون الوسطى أن الروم - وكذا

стр. 49

الفرس - كانوا راقين في نظامهم الحربي في ذلك العصر، وقد بلغت الدولة البزنطية في بداية القرن السابع المسيحي زهوها، وأوج فتوحاتها الحربية، ففي ذلك العهد دحر الروم الفرس، وردّوهم على أعقابهم، وجاسوا خلال الديار، وعبر هرقل جبال الكرد ونهر دجلة غازيا منتصرا، وبعد حرب دامية في ساباط ومعركة فاصلة في نينوى، دخل دستجرد وتقدم الى المدائن، وغرز علم الفتح الرومي في قلب فارس، وذلك كله في سنة ٦٢٥ م يعني قبل زحف المسلمين على الشام باثني عشرة سنة فقط. وقد أفادت هذه الحروب الطاحنة التي بدأت من سنة ٦٠٣ الفريقين - الروم وفارس - من جهة الحرب والتدريب كثيرا، وقد استفاد الفريقان أساليب جديدة للقتال وحنكة وحسن بلاء في الحرب، وتعلم كل فريق من الآخر كما كان الشأن في الحروب الصليبية في القرون الوسطى. وقد اعترف "جبون" مؤرخ رومة الكبير بفضل الروم على العرب في الحروب ونظامها، فقد قال في كتابه (المجلد الخامس ص ٤٧٨): أنا ألاحظ هنا وسأكرره مرارا، أن هجوم العرب

стр. 50

وقتالهم لم يكن مثل الرومان واليونان، الذين كانت لهم رجالة قوية مستحكمة، كانت القوة العسكرية للعرب مركبة من فرسان ورماة، وكانت الحرب التي قد تقاطعها مبارزات شخصية ومناوشات من القتال، قد تستمر وتطول بغير حادثة فاصلة الى عدة أيام. أما ما قيل من مراس العرب للقتال وتدربهم عليها: بفضل حروبهم القبلية التي كادت تكون مستمرة، وتمكنهم من الانتصار على الروم والفرس، فلم تكن هذه المناوشات والغزوات الطائفية بحيث يتمكن بها العرب من قهر الامبراطوريتين الكبيرتين الرومية والفارسية، وقد خضع العرب مع هذا كله للحبشة ولفارس في جنوب العرب، وانسحبوا أمام جيوش أبرهة في زحفه على مكة، وأن الله هو الذي تولى بيته وكفى قريشا القتال وجعل أصحاب الفيل كعصف مأكول، ولماذا لم يجسر العرب على الخروج من جزيرتهم وغزو البلاد وفتحها في هذه القرون الطويلة التي قضوها في شبه جزيرتهم في خمود وخمول تام؟ لماذا لم يهاجموا الروم والفرس كما فعلوا بعد بعثة محمد ﷺ بغير تراخ؟ ولماذا لبثوا الأحقاب والأجيال الطوال "معكومين على رأس حجر بين الأسدين فارس والروم" كما يقول قتادة أحد التابعين الكبار (١) ".

стр. 51

أما ما قيل عن النظام فلا ننكر حسن نظام العرب في حروبهم وغزواتهم، وروح التعاون والتفادي، الساري في جنودهم والطاعة والانقياد لأمراء الجيوش وقوادها، والتفاني والاستماتة في سبيل الله، ولكن يعلم الخبير أن النظام ليس شيئا صناعيا ميكانيكيا، يحصل بمجرد تنظيمات عسكرية، وفنون حربية وقواعد رياضية، ولو صففت الحجارة تصفيفا بديعا، أو أقيمت العمد والسواري على نظام فني رياضي كامل لم تنفع شيئا، وقد قرأت في التاريخ أن الروم والفرس قد كانوا في بعض المواقف الجليلة يسلسلون أنفسهم، ويحفرون لهم في الأرض لئلا يندحروا أو ينسحبوا من ميدان القتال، ثم لا يغني عنهم هذا شيئا، فليس الشأن كله في النظام في الحرب، إنما الشأن الكبير والتأثير البليغ للروح والمبدأ والغاية التي يقاتل لأجلها الجنود، وتمكنها من النفوس، وهي منبع القوة الخارقة للعادة، ومبعث الشجاعة التي تبهر العقول وسبب الفتوح العظيمة التي يندهش لها المؤرخون والفلاسفة. منبع القوة الحقيقي عند العرب المسلمين ... وعن هذا المنبع نبحث في نفوس العرب الأولين الذين خرجوا لفتح العالم، وفتحوا نصف الأرض في نصف قرن،

стр. 52

منبع هذه القوة وسبب هذا الانقلاب العظيم الذي لا يوجد له مثيل في التاريخ، أن العرب أصبحوا بفضل تعليم محمد ﷺ أصحاب دين ورسالة، فبُعثوا بعثا جديدا، وخُلقوا من جديد وانقلبوا في داخل أنفسهم فانقلبت لهم الدنيا غير ما كانت، وانقلبوا غير ما كانوا، نظروا الى العالم حولهم - وطالما رأوه في جاهليتهم بدهشة واستغراب - فاذا الفساد ضارب أطنابه، وإذا الظلم مادّ رُواقه، وإذا الظلام مخيم على العالم كله، وكل شيء في غير محله، فمقتوه وأبغضوه، ونظروا الى الأمم وطوائف البشر حول جزيرتهم - وطالما رأوها بتعظيم واجلال، وغبطة واكبار - فاذا أنعام ودواب في صورة البشر ﴿يأكلون كما تأكل الأنعام والنار مثوى لهم﴾ [محمد: ١٢]، وإذا صور ودمى قد كسيت ملابس الانسان، فاستهانوا بهم، وبما هم فيه من ترف ونعيم، وزخارف وزينة، وقرأوا قول الله تعالى: ﴿زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم فيه﴾ [طه: ١٣١]- ﴿فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم، إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا، وتزهق أنفسهم وهم كافرون﴾ [التوبة: ٥٥]. وعلموا أن الله قد ابتعثهم ليخرجوا الناس من الظلمات الى النور، ومن عبادة العباد الى عبادة الله، ومن ضيق الدنيا الى سَعتها ومن جور الأديان الى عدل الإسلام، وأورثهم أرضهم وديارهم وأموالهم، وأرضا لم يطأوها، واستخلفهم في الأرض ومكنهم فيها، وقرأوا قول الله تعالى: ﴿ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عباديَ الصالحون﴾ [الأنبياء: ١٠٥] وقوله: ﴿وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم، وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم، وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا، يعبدونني

стр. 53

لا يشركون بي شيئا﴾ [النور: ٥٥]، وتعلقوا بقول نبيهم ﷺ : "إن الله زوى (١) لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها، وان أمتي سيبلغ ملكها ما زُوي لي منها، وأعطيت الكنزين الأحمر والأبيض (٢) ". وقوله: "إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده، وإذا هلك قيصر فلا قيصر بعده، والذي نفسي بيده لتنفقن كنوزهما في سبيل الله (٣) ". وعرفوا أن الله قد ضمن لهم النصر، ووعدهم بالفتح، فوثقوا بنصر الله ووعد رسوله، واستهانوا بالقلة والكثرة، واستخفوا بالمخاوف والأخطار، وذكروا قول الله تعالى: ﴿إن ينصركم الله فلا غالب لكم، وإن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده، وعلى الله فليتوكل المؤمنون﴾ [آل عمران: ١٦٠]، وقوله: ﴿كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين﴾ [البقرة: ٢٤٩]. المحتويات تفطن عقلاء الناس لسر قوة العرب قول هرقل في هذا الأمر وقد فطن بهذه الحقيقة بعض معاصري المسلمين وأعدائهم، وأهل النظر والتمييز في ذلك العصر من الروم

стр. 54

والفرس، فمن ذلك ما روي ابن كثير أن هرقل لما انتهى اليه خبر زحف المسلمين قال لأهل الشام: "ويحكم أن هؤلاء أهل دين جديد وأنهم لا قبل لأحد بهم، فأطيعوني وصالحوهم بما تصالحونهم على نصف خراج الشام، وبيقى لكم جبال الروم وان أنتم أبيتم ذلك أخذوا منكم الشام وضيقوا عليكم جبال الروم (١) ". أما عقيدة المسلمين أنهم مبعوثون الى الأمم موكلون باخراج الناس الى عبادة الله وحده، وأن الله متولي نصرهم ضامن بظفرهم، فستلمحه وتلمسه في كل مكان يصدر من المسلمين من كلام وفعال، ومن ثقتهم وسكينة قلوبهم. قول أبي بكر وعمر ﵄ ومن ذلك ما روي أن الأمراء في اليرموك لما كتبوا الى أبي بكر وعمر، يعلمونهما بما وقع من الأمر العظيم، وما يقابلونه من خطر داهم وعدد لا قبل لهم به، كتب اليهم: أن اجتمعوا، وكونوا جندا واحدا، وألقوا جنود المشركين، فأنتم أنصار الله، والله ناصر من نصره، وخاذل من كفره، ولن يؤتى مثلكم من قلة، ولكن من تلقاء الذنوب، فاحترسوا منها (٢).

стр. 55

قول علي ﵁ ولما استشار عمر أصحابه في مسيره الى العراق بوقعة نهاوند، قال له علي بن أبي طالب: "يا أمير المؤمنين ان هذا الأمر لم يكن نصره ولا خذلانه بكثرة ولا قلة، وهو دينه الذي أظهر، وجنده الذي أعزه وأمده بالملائكة حتى بلغ ما بلغ، فنحن على موعود من الله، والله منجز وعده وناصر جنده (١). قول سعد وسلمان ﵄ ولذلك كانوا يخاطرون بأنفسهم ويأتون بأعاجيب وأعمال خارقة للعادة، ثقة بنصر الله واعتمادا على موعوده، حتى انهم خاضوا بخيولهم في دجلة، وكانوا يتحدثون مطمئنين كأنهم سائرون على البر، وكان منظرا غريبا، وجعل الفرس يقولون: "ديوان آمدند، يعنون الجن والعفاريت - ويقولون: "ديوانه" "ديوانه" يعنون المجانين، وكان الذي يساير سعد بن أبي وقاص في الماء سلمان الفارسي، فجعل سعد يقول: حسبنا الله ونعم الوكيل، والله لينصرن الله وليه، وليظهرن الله دينه، وليهزمن الله عدوه، ان لم يكن في

стр. 56

الجيش بغي أو ذنوب تغلب الحسنات فقال له سلمان: "ان الاسلام جديد، ذللت لهم - والله - البحور كما ذلل لهم البر. أما والذي نفس سلمان بيده ليخرجن منه أفواجا كما دخلوا أفواجا، فخرجوا منه كما قال سلمان: لم يغرق منهم أحد ولم يفقدوا شيئا (١). قول عبد الله بن رواحة ﵁ بعثت هذه العقيدة والنفسية طمأنينة في أنفسهم، وسكينة في قلوبهم، وشجاعة خارقة للعادة، واستهانة بالعدد والعُدد، وعدم عبادة للمادة، وعدم اتخاذ الاسباب أربابا، وعرفوا أنهم يقاتلون بقوة الدين، ويظفرون ويغلبون ببركة الاسلام، فكانوا شديدي الاحتفاظ، كثيري الاعتداد بها، يتمثل ذلك فيما قال عبد الله بن رواحة ﵁، روى يونس بن اسحاق: أن المسلمين بلغهم أن هرقل نزل بمآب في مائة ألف من الروم ومائة ألف من المستعربة (٢) - والمسلمون لا يزيدون على ثلاثة آلاف - فلما بلغ ذلك المسلمين، أقاموا على معان ليلتين ينظرون في أمرهم، وقالوا نكتب الى رسول الله ﷺ نخبره بعدد عدونا، فاما أن يمدنا بالرجال، واما أن يأمرنا فنمضي له، قال: فشجع

стр. 57

الناس عبد الله بن رواحة، وقال: "يا قوم والله ان التي تكرهون للتي خرجتم تطلبون الشهادة، وما نقاتل الناس بعدد ولا قوة ولا كثرة، ما نقاتلهم الا بهذا الدين الذي أكرمنا الله به، فانطلقوا فانما هي احدى الحسنيين، اما ظهور واما شهادة، قال: فقال الناس قد والله صدق ابن رواحة فمضى الناس (١). قول أبي عبيدة ﵁ كانوا واثقين بما وعدهم به رسولهم ﷺ عن الفتوح العظيمة، فإذا رأوا من ذلك شيئا قالوا: ﴿هذا ما وعدنا الله ورسوله، وصدق الله ورسوله، وما زادهم الا ايمانا وتسليما﴾ [الأحزاب: ٢٢]. جاء رجل الى أبي عبيدة يوم اليرموك، فقال: "اني قد تهيأت لأمري، فهل لك من حاجة الى رسول الله ﷺ ؟ قال: نعم تقرئه عني السلام، وتقول: يا رسول الله. انا قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا (٢) ". قول خالد ﵁ وقد بلغوا في قلة الاهتمام بالعدد والاستخفاف بشأن

стр. 58

العدو وكثرته، حتى كأنهم من حديد والعدو من طين وخزف، أو كأنهم مناجل والعلوج (١) حقول ومزارع، قد اينعت وحان حصادها. قال المؤرخون: لما أقبل خالد من العراق، قال رجل من نصاري العرب لخالد بن الوليد: ما أكثر الروم وأقل المسلمين! فقال خالد: ويلك أتخوفني بالروم؟ انما تكثر الجنود بالنصر، وتقل بالخذلان لا بعدد الرجال، والله لوددت أن الأشقر (٢) براء من توجِّيه (٣) وانهم اضعفوا في العدد، وكان فرسه قد حفي واشتكى في مجيئه من العراق (٤). ربعي بن عامر في مجلس يزدجرد وقد ارتفع هؤلاء وعلت هممهم، وكبرت نفوسهم، وعظم الدين والحقيقة والاخلاق في نظرهم حتى صغرت

стр. 59

الدنيا وزخارفها في عيونهم، وهان أهلها عليهم، فكانوا يرون الى أبهة الملوك وفخفخة السلاطين، وما فيه أغنياء هاتين المدنيتين ومترفوها من الاثاث والرياش، وزخارف الدنيا، كأنهم يرون الى لعب الصبيان، وكأنهم يرون الدمى والبنات المصنوعة من ورق أو قماش، ومواكبها وزينتها لا يهولهم شيء ولا يعظم في عينهم شيء. أرسل سعد قبل القادسية ربعي بن عامر رسولا الى رستم - قائد الجيوش الفارسية وأميرهم - فدخل عليه وقد زينوا مجلسه بالنمارق (١) المذهبة والزرابي (٢) وأظهر اليواقيت واللآلي الثمينة والزينة العظيمة، وعليه تاجه وغير ذلك من الامتعة الثمينة، وقد جلس على سرير من ذهب، ودخل ربعي بثياب صفيقة، وسيف وترس وفرس قصيرة، ولم يزل راكبها حتى داس بها على طرف البساط، ثم نزل وربطها ببعض تلك الوسائد، وأقبل وعليه سلاحه ودرعه وبيضته على رأسه، فقالوا له: ضع سلاحك، فقال: إني لم آتكم وإنما جئتكم حين دعوتموني، فإن تركتموني هكذا والا رجعت، فقال رستم: ائذنوا له، فأقبل يتوكأ على رمحه فوق النمارق فخرق عامتها،

стр. 60

فقالوا له: ما جاء بكم؟ فقال: الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد الى عبادة الله، ومن ضيق الدنيا الى سعتها، ومن جور الاديان الى عدل الاسلام، فأرسلنا بدينه الى خلقه لندعوهم اليه، فمن قبل ذلك قبلنا منه ورجعنا عنه، ومن أبى قاتلناه أبداً حتى نفضي الى موعود الله. قالوا وما موعود الله؟ قال: الجنة لمن مات على قتال من أبى، والظفر لمن بقي. فقال رستم: قد سمعت مقالتكم فهل لكم أن تؤخروا هذا الأمر حتى ننظر فيه وتنظروا؟ قال: نعم كم أحب اليكم يوما أو يومين؟ قال: لا، بل حتى نكاتب أهل رأينا ورؤساء قومنا، فقال: ما سن لنا رسول الله ﷺ أن نؤخر الاعداء عند اللقاء أكثر من ثلاث، فانظر في أمرك وأمرهم، واختر واحدة من ثلاث بعد الأجل، فقال: أسيدهم أنت؟ قال: لا، ولكن المسلمون كالجسد الواحد يجير أدناهم على أعلاهم، فاجتمع رستم برؤساء قومه فقال: هل رأيتم قط أعز وأرجح من كلام هذا الرجل؟ فقالوا: معاذ الله أن تميل الى شيء من هذا، وتدع دينك الى هذا الكلب، اما ترى الى ثيابه؟ فقال: ويلكم لا تنظروا الى الثياب وانظروا الى الرأي والكلام والسيرة، ان العرب يستخفون بالثياب والمأكل ويصونون الأحساب (١).

стр. 61

المغيرة بن شعبة يجلس على سرير رستم دخل المغيرة بن شعبة على رستم وقعد معه على السرير فنخروا وصاحوا، فقال: ان هذا لم يزدني رفعة ولم ينقص صاحبكم، فقال رستم: صدق (١). أخلاق الصحابة وسيرتهم التي انتصروا بها وكان من أكبر أنصار المسلمين أخلاقهم العالية وسيرتهم الملكية، فكانوا يمتازون بها ويعرفون بها أينما رحلوا ونزلوا، وكانت هذه الاخلاق طليعة جيوشهم، تسخر لهم القلوب والنفوس، وتشرح لهم الصدور قبل أن تعمل سيوفهم ورماحهم ونبالهم، والذين كانوا يشهدونها ويجربونها كانوا يشهدون أن هؤلاء سيغلبون ويملكون الدنيا، وأن الفرق بينهم وبين أقرانهم كالفرق بين البهائم والملائكة. روى أحمد بن مروان المالكي في المجالسة بسنده عن أبي اسحاق، قال: كان أصحاب رسول الله ﷺ لا يثبت لهم العدو فواق ناقة (٢) عند اللقاء، فقال هرقل - وهو على أنطاكية لما قدمت منهزمة الروم -: ويلكم أخبروني عن هؤلاء القوم الذين يقاتلونكم أليسوا

стр. 62

بشرا مثلكم؟ قالوا: بلى، قال: فأنتم أكثر أم هم؟ قالوا بل نحن أكثر منهم أضعافا في كل موطن، قال: فما بالكم تنهزمون؟ فقال شيخ من عظمائهم: من أجل أنهم يقومون الليل ويصومون النهار، ويوفون بالعهد، ويأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، ويتناصفون بينهم، ومن أجل أنا نشرب الخمر، ونزني، ونركب الحرام، وننقض العهد، ونغضب، ونظلم، ونأمر بالسخط، وننهي عما يرضي الله، ونفسد في الأرض، فقال: أنت صدقتني (١). وسأل هرقل هذا رجلا كان قد أسر مع المسلمين، فقال: أخبرني عن هؤلاء القوم، فقال أخبرك كأنك تنظر إليهم: هم فرسان بالنهار، رهبان بالليل، لا يأكلون في ذمتهم الا بثمن، ولا يدخلون الا بسلام، يقفون على من حاربوا حتى يأتوا عليه، فقال: لئن كنت صدقتني ليملكن موضع قدمي هاتين. ووصف رجل من الروم المسلمين لرجل من أمراء الروم فقال: جئتك من عند رجال دقاق، يركبون خيولا عتاقا، أما الليل فرهبان، وأما النهار ففرسان، يريشون النبل ويبرونها (٢)، ويثقفون القنا (٣)، لو حدثت جليسك حديثا، ما فهمه عنك لما علا من أصواتهم بالقرآن والذكر، قال فالتفت الى أصحابه وقال: أتاكم منهم ما لا طاقة لكم به (٤).

стр. 63

حببتهم هذه الاخلاق الى أعدائهم الذين كانوا يقاتلونهم حتى ان كان هؤلاء ليؤثرونهم على بني جلدتهم وأبناء ملتهم، ويتمنون لهم الظفر، ويدفعون عنهم العدو، ويتطوعون لمصالحهم. قال البلاذري في فتوح البلدان: حدثني أبو حفص الدمشقي، قال: حدثنا سعيد بن عبد العزيز، قال: بلغني أنه لما جمع هرقل للمسلمين الجموع، وبلغ المسلمين اقبالهم اليهم لوقعة اليرموك، ردوا على أهل حمص ما كانوا أخذوا منهم من الخراج، وقالوا: قد شغلنا عن نصرتكم والدفع عنكم فأنتم على أمركم، فقال أهل حمص: لولايتكم وعدلكم أحب الينا مما كنا فيه من الظلم والغشم: ولندفعن جنود هرقل عن المدينة مع عاملكم، ونهض اليهود، فقالوا: والتوراة لا يدخل عامل هرقل مدينة حمص، الا أن ننغلب ونجهد، فأغلقوا الأبواب وحرسوها، وكذلك فعل أهل المدن التي صولحت من النصارى واليهود، وقالوا: ان ظهر الروم وأتباعهم على المسلمين صرنا الى ما كنا عليه، والا فانا على أمرنا منا بقي للمسلمين عدد، فلما هزم الله الكفرة وأظهر المسلمين، فتحوا مُدنهم واخرجوا المقلسين (١)، فلعبوا وأدوا الخراج.

стр. 64

ما جرى للمسلمين حين نسوا دينهم هذا ولما طال على المسلمين الأمد، وقست قلوبهم، ونسوا وتناسوا ما لأجله بعثهم الله على كثرة من الناس، وتوافر من أمم الأرض، وهو قوله تعالى: ﴿كنتم خير أمة أخرجت للناس، تأمرون بالمعروف، وتنهون عن المنكر، وتؤمنون بالله﴾ [آل عمران: ١١٠]. ونسوا ما لأجله خرجوا من جزيرتهم، يُخرجون الناس من عبادة العباد الى عبادة الله وحده، وصاروا يحكمون الناس حكم الناس على الناس، وصاروا يعيشون حياة لاهية حرة، حياة من لا يعرف نبيا ولا يؤمن برسالة ووحي، ولا يرجو حسابا، ولا يخشى معادا، وأشبهوا الأمم الجاهلية التي خرجوا يقاتلونها بالأمس، عادوا فقلدوها في مدنيتها واجتماعها، وسياستها وأخلاقها، ومناهج حياتها، وفي كثير مما مقتها الله لأجله وخذلها. وأصبحوا لا هم لهم ولا شغل، الا الأكل والشرب والتناسل، وأصبحوا كرعايا الناس ليس لهم فرقان ولا نور يمشون به بين الناس، وأشبهت ملوكهم وأمراؤهم، جبابرتها وفراعنتها وأغنياؤهم مترفيها وأكابر مجرميها، وكاد يسبق فجارهم فجارها، تحاسد وبغضاء ومنافسة في السلطان، وتكالب على حطام الدنيا، واخلاد الى الترف والنعيم، واعراض عن الآخرة، وسفك للدماء، وهتك للأعراض، وهضم للحقوق وغدر بالعهود والذمم، وتعد على حدود الله واعانة للظالم، وجنف (١) في الحكومات والمظالم، وتبذير لأموال الله، وعموم الفواحش والمنكرات، وابتداع للجرائم، وابداع في الخيانة، مما يحتاج بسطه الى مجلدات، فهانوا اذا على الله مع أسمائهم الاسلامية، ورغم وجود الصالحين فيهم، وظهور بعض الشعائر الدينية، والواجبات

стр. 65

الشرعية في بلادهم، وهانوا على الناس رغم مملكتهم الواسعة وجيوشهم الكثيفة، وخزائنهم العامرة، ورغم تقدمهم في الحضارة ومظاهرها الكثيرة، فقل إكرام الناس لهم وهيبتهم اياهم، وتجاسروا عليهم، قال: "رتبيل" ملك رُخج وسجستان، لرسل يزيد بن عبد الملك وقد جاؤوا اليه يطالبونه بالخراج: "ما فعل قوم كانوا يأتونا: خِماص البطون، سود الوجوه من الصلاة، نعالهم خوص؟ " قالوا: انقرضوا، قال: "أولئك أوفى منكم عهدا وأشد بأسا، وان كنتم أحسن منهم وجوها"، ثم لم يعط أحدا من عمال بني أمية، ولا عمال أبي مسلم على سجستان من تلك الاتاوة شيئا (١). فاذا كان هذا في القرن الثاني فما ظنك بقرون بعده حتى اذا بلغ السيل الزبى، وتضاعف كل ما ذكرنا، وأفسد المسلمون في الأرض بعد اصلاحها، وآسفوا الله بعث عليهم عبادا له أولي بأس شديد فجاسوا خلال الديار، سلط عليهم المغول والتتار - أشقى الأمم وأخملها وأجهلها وأوحشها - فوضعوا فيهم السيف، وأجروا من دمائهم سيولا وأنهارا، وأقاموا من رؤوسهم صروحا وتلالا، وفعلوا بهم الافاعيل، وأحلوهم الخوف، فتمكن من قلوبهم الوهن والجبن، حتى أصبحوا لا يصدقون بهزيمة التتر، قال ابن الأثير: سمع عن بعض أكابرهم أنه قال: "من حدثك أن التتر انهزموا فلا تصدقه" قال: ووقع رعبهم في قلوب الناس، حتى كان أحدهم اذا لقي جماعة

стр. 66

يقتلهم واحدا واحدا، وهم دهشون، ودخلت امرأة من التتر دارا وقتلت جماعة من أهلها، وهم يظنونها رجلا، ودخل واحد منهم دربا فيه مائة رجل، فما زال يقتلهم واحدا واحدا حتى أفناهم، ولم يمد أحد يده اليه بسوء، ووضعت الذلة على الناس، فلا يدفعون عن نفوسهم قليلا ولا كثيرا، نعوذ بالله من الخذلان، وحكي أن أحدهم أخذ رجلا لم يجد ما يقتله به فقال له: ضع رأسك على هذا الحجر ولا تبرح! فوضع رأسه، وبقي الى أن أتى التتري بسيف وقتله، قال ابن الاثير وأمثال ذلك كثيرة. واليك ما قال ابن الأثير قبل أن يسرد وقائع هذه النازلة: "لقد بقيت عدة سنين معرضا عن ذكر هذه الحادثة، استعظاما لها، كارها لذكرها، فأنا أقدم اليه رجلا وأؤخر أخرى، فمن الذي يسهل عليه أن يكتب نعي الاسلام والمسلمين، ومن الذي يهون عليه ذكر ذلك، فياليت أمي لم تلدني، ويا ليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا ... هذا الفعل يتضمن ذكر الحادثة العظمى والمصيبة الكبرى، التي عقمت الايام والليالي عن مثلها، عمت الخلائق وخصت المسلمين، فلو قال قائل: ان أهل العالم منذ خلق الله تعالى آدم الى الآن لم يبتلوا بمثلها لكان صادقا، فان التواريخ لم تتضمن ما يقاربها ولا ما يدانيها .. ولعل الخلق لا يرون مثل هذه الحادثة الى أن ينقرض العالم وتفنى الدنيا الخ ... ". ولكن مثل هذه الحادثة لم تستطع أن تنبه المسلمين، ولم يفيقوا

стр. 67

من سكرتهم، ولم يغيروا ما بأنفسهم حتى يغير الله ما بهم، وحق عليهم قول ربهم: ﴿لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون﴾ [الحجر: ٧٢] وقوله: ﴿فلولا اذ جاءهم بأسنا تضرعوا، ولكن قست قلوبهم، وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون﴾ [الأنعام: ٤٣] وقوله: ﴿ولقد أخذناهم بالعذاب فما استكانوا لربهم وما يتضرعون﴾ [المؤمنون: ٧٦]. وما زالوا منهمكين فيما هم فيه من غفلة ولهو وظلم، حتى يقول ابن الأثير: "فالله تعالى ينصر الاسلام والمسلمين نصرا من عنده، فما نرى في ملوك الاسلام من له رغبة في الجهاد ولا في نصرة الدين، بل كل منهم مقبل على لهوه ولعبه، وظلم رعيته، وهذا أخوف عندي من العدو، وقال الله تعالى: ﴿واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة﴾ [الأنفال: ٢٥]. ومما يجب أن يلاحظ القارئ ويعتبر به المعتبر، أن المسلمين في هذه الظلماء التي غشيتهم، والفتنة التي عمتهم، كلما أفاقوا من سكرتهم، وأصلحوا شأنهم، وأزاحوا العلل، وصمدوا في وجه العدو، واستنزلوا النصر، هزموا التتر الذين لم يكونوا يعرفون الهزيمة، ولا يصدق الناس بانهزامهم، فقد هزمهم جلال الدين خوارزم شاه ثلاث مرات، وهزمهم الظاهر بيبرس غير ما مرة، وهزمهم الملك الناصر صاحب مصر بمرج

стр. 68

الصُّفَّر. وقال السيوطي عن وقعة عين جالوت: "فهُزم التتار شر هزيمة، وانتصر المسلمون، ولله الحمد، وقتل من التتار مقتلة عظيمة، وولوا الادبار، وطمع الناس فيهم يخطفونهم وينهبونهم (١) ". حال المسلمين في القرون الأخيرة: ولم يزدد المسلمون الا ضعفا، ولم تزدد أخلاقهم على مر الأيام الا انحطاطا وتدهورا، ولا أحوالهم وشئونهم الا فسادا، حتى أصبحوا في فجر القرن الرابع عشر الهجري أمة جوفاء، لا روح فيها ولا دم، وصاروا كصرح عظيم من خشب منخور قائم لا يزال يؤوي الناس ويهول من بعيد، أو كدوحة قد تآكلت جذورها، ونخر جذعها العظيم ولم تنقلع بعد، وأصبحت بلادهم مالا سائبا لا مانع له، وأصبحت دولهم فريسة لكل مفترس، وطعمة لكل أكل، وحق قول النبي ﷺ : "يوشك الامم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة الى قصعتها، فقال قائل: أو من قلة نحن يومئذ يا رسول الله؟ قال بل أنتم يومئذ كثير، ولكنكم عثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم، وليقذفن في قلوبكم الوهن، فقال قائل: يا رسول الله وما الوهن؟ قال حب الدنيا وكراهية الموت (٢) ". واستمر المسلمون بهذا الحال وزيادة، حتى أغار عليهم في القرن الثامن عشر المسيحي الأمم الأوربية النصرانية الجاهلية، المتحضرة الوحشية، الكاسية العارية (٣)، فسلموها مفاتيح ملكهم، واعتزلوا في

стр. 69

مصلحتها عن قيادة العالم. وقد بلغ المسلمون من الانحطاط الخلقي، منزلة ان وجد فيهم أفراد خانوا أمتهم، وشروا (١) بلادهم بثمن بخس دراهم معدودة، وتطوعوا في جنود العدو يفتحون بلادهم للأجنبي على حسابهم. ولكن هذا الهجوم الغربي كان أشد تأثيرا، وأعمق أثرا، وأبعد مدى، من الهجوم الشرقي - المغولي والتتري - فكاد يخمد كل جمرة في قلوبهم، لم تخمدها العواصف طيلة هذه القرون، وبقيت كامنة في الرماد تخبو مرة وتلتهب أخرى. إبتلاء المسلمين بالشك والذل النفسي فتش عقلاؤهم (٢) عن منابع القوة الكامنة في نفوس المسلمين، وقلوبهم، فوجدوا أن أكبر منبع للقوة والحياة هو "الايمان" وشهدوا ما فعل الايمان قديما، وما أظهر من معجزات وخوراق وما هو خليق بأن يفعل، فعادوه وسلطوا على المسلمين عدوين هما أفتك بهم وأضر لهم من المغول والتتار، ومن الوباء الفاتك، الأول: هو الشك ... وضعف اليقين الذي لا شيء أدعى للضعف والجبن منه .. والثاني: ما نعبر عنه بالذل النفسي (٣) وهو أن صار المسلمون يشعرون بالذلة والهوان في داخل أنفسهم، وفي أعماق قلوبهم، ويزدرون بكل ما يتصل بهم من دين وتهذيب وأخلاق، ويستحيون من أنفسهم، ويؤمنون بفضل الأوربيين في كل شيء، ويعتقدون فيهم كل خير، ولا يكادون يعترفون بنقص وعيب في ناحية من نواحي الحياة، ولا يصدقون بانهزامهم

стр. 70

وفشلهم في ساعة من ساعات الدهر، واذا تمكن هذا الذل من نفوس أمة، فقد ماتت وان كنت تراها تغدو وتروح، وتأكل وتعيش. ابتلاء المسلمين بعبادة المادة وحب الدنيا وابتلي المسلمون في هذه المرة بتأثير الحضارة الغربية .. والفلسفة الغربية، بعبادة المادة وحب الدنيا، والجري وراء النفع العاجل، وتقديم المصالح الشخصية والمنافع المادية على المبادئ والأخلاق، شأن الأمم الأوربية الجاهلية، فكانت هذه الأخلاق وهذه النفسية والتربية مانعا من الجهاد في سبيل الله واعلاء كلمته، ومن تحمل المشاق، وتجرع المرائر، ومكابدة الأهوال والخسائر في سبيل المبدأ الصحيح والعقيدة السامية. أسوأ جيل عرفه تاريخ الإسلام كان نتيجة هذا كله أن ظهر جيل في المسلمين: متنور الذهن، ولكن مظلم الروح. أجوف القلب، ضعيف اليقين، قليل الدين، قليل الصبر والجلد، ضعيف الارادة والخلق، يبيع دينه بدنياه، وأجله بعاجله، ويبيع أمته وبلاده بمنافعه الشخصية، وبجاه وعزة وهمية، ضعيف الثقة بنفسه وأمته، عظيم الاتكال، كثير الاستناد الى غيره: ﴿وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم وإن يقولوا تسمع لقولهم كأنهم خشب مسندة يحسبون كل صيحة عليهم﴾ [المنافقون: ٠٤]. هؤلاء هم الذين نشروا في المسلمين الجبن والوهن، وصرفوا المسلمين عن الاتكال على الله، ثم الاعتماد على أنفسهم الى الاعتماد على

стр. 71

غيرهم والتكفف لديهم والالتجاء في مواقع الخطر اليهم، وأطفئوا في قلوبهم شعلة الجهاد في سبيل الله، والحمية للدين، وأبدلوها بالوطنية العليلة، والقومية الناعسة، وأبدلوا جنونها الذي بعث الحكمة من مرقدها وأطلق العقل من أساره، والذي تمكن مما لم يتمكن منه العقل والعلم ف آلاف من السنين، أبدلوها هذا "الجنون" الحكيم بعقل ناقص عليل، لا يعرف الا الموانع والعراقيل. وقد ظهر هذا التحول العظيم في العقيدة والنفسية، والافلاس في الروح والايمان، في شر مظاهره في حرب فلسطين، فكان فضيحة للعالم العربي في القرن الرابع عشر الهجري، كما كان انكسار المسلمين وفشلهم الذريع أمام الزحف التتاري فضيحة للعالم الاسلامي في القرن الثامن، فقد اجتمعت سبع دول عربية لتحارب الصهيونية وتدافع عن وطن عربي اسلامي مقدس، عن القبلة الأولى، وعن المسجد الثالث الذي تشد اليه الرحال، وعن جزيرة العرب والأقطار العربية التي أصبحت مهددة بالخطر اليهودي، فكانت حرب فلسطين دفاعاً عن حياة وشرف وعن دين وعقيدة، وكان العالم العربي بأسره ازاء دويلة صغيرة لم تستقر بعد، واتجهت الانظار الى مسرح فلسطين، وانتظر الناس معركة مثل معركة اليرموك، أو وقعة مثل وقعة حطين، ولماذا لا ينتظرونها والامة هي الامة، والعقيدة هي العقيدة، مع زيادة فائقة في العدد والعُدد. فلماذا لا ينتصر العرب وهم عالم؟ ولماذا لا يقضون على عدوهم وهو حفنة من المشردين؟ ولكنهم نسوا ما فعلت الايام وما فعلت التربية، وما فعلت الدول والزعامة السياسية، وما فعلت المادية بالأمة العربية في هذا العصر. لقد تقدم العرب الى معركة اليرموك حقا، ولكن بغير الايمان الذي تقدم به أسلافهم الى هذه المعركة في العصر الأول. لقد تقدموا الى وقعة كانت وقعة حاسمة كحطين - لو ظفر

стр. 72

العرب - ولكنهم تقدموا بغير الروح التي تقدم بها صلاح الدين وجنده المؤمن المجاهد. تقدموا بقلوب خاوية تكره الموت وتحب الحياة، وأهواء مشتة، وكلمة متفرقة. يريدون أن يربحوا النصر ولا يخسروا شيئا، وأن يحافظوا على شرفهم ولا يخاطروا بشيء، كل يعتقد أن غيره هو المسئول عن الحرب، وعن الغلبة والهزيمة، ثم هم يقاتلون وحبلهم في يد غيرهم. اذا أرخى قليلا تقدموا، واذا جره تأخروا، واذا قال حارِبوا حاربوا، واذا قيل اصطِلحوا اصطلحوا، وما هكذا يكتسب الظفر ويقهر العدو. أوردها سعد، وسعد مشتمل ... ما هكذا يا سعد تورد الابل وبقي العالم متطلعا الى ما قرأه في تاريخ الجهاد الاسلامي من روائع الايمان، وخوارق الشجاعة والصبر، والاستهانة بالحياة والبسالة والبطولة، والاستقبال للموت، والتمني للشهادة، وحسن النظام، وروح الاطاعة والايثار، فلم ير من ذلك شيئا، الا لمعات واشراقات للايمان كانت تظهر من بعض المتطوعين في حرب فلسطين، والاخوان المجاهدين، تجندوا وتطوعوا للحرب بدافع الايمان، والدفاع عن الاسلام، وحملتهم الحمية الدينية على المغامرة، ودفعتهم الى ميدان الحرب، فشرفوا الدين وأرعبوا القلوب، وأعادوا التاريخ القديم، وبرهنوا على أن الايمان لا يزال المنبع الفياض للقوة والنظام، وأن عنده من القوة والنفوذ، والتنظيم وروح المقاومة والجهاد، ما ليس عند الدول الكبيرة المنظمة. خاتمة بين الصُورة والحقيقة لقد ثبت مما ذكرناه في هذا المقال، وما سردناه من الأمثلة والاخبار، وشهادات التاريخ ومشاهدات هذا العصر - وما حرب فلسطين منا ببعيد - أن المد والجزر في تاريخ الاسلام وأحوال المسلمين تابعان

стр. 73

للمد والجزر في الايمان، وقوة معنوياتهم التي تنبثق من الدين، وان منبع قوة هذه الأمة في باطنها، وهو القلب والروح، فاذا عمر القلب بالايمان بالله ورسوله واليوم الآخر، وتزكت الروح بتعاليم الدين والاخلاق الاسلامية، وجاش الصدر بالحمية الدينية جيشان المرجل، وأخذ المسلمون عدتهم من القوة المادية، وأعدوا للعدو ما استطاعوا وأدركوا ما عليه العالم من جور وظلم، ومن جهالة وسفاهة، وضلال في الدين والدنيا، وعلموا أن الزمان قد استدار كهيئته يوم جاء الاسلام، والعالم قد عاد جاهليا كما بدأ: ﴿ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس﴾ [الروم: ٤١]. فانعطفوا عليه ورأوا كأن العالم في حريق ولا ماء الا عندهم، فسعوا به يطفئون النار التي عمت الدنيا، ونسوا في سبيل ذلك لذاتهم، وتكدر عيشهم، وطار نومهم، وجن جنونهم، فعند ذلك يتحولون قوة خارقة للعادة، لا يغلبها العالم، ولو سعى بأسره وجيمع شعوبه وجنوده، ودوله، ويصيرون قضاء الله الغالب وقدره المحتوم وكلمته العليا. ﴿ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين. إنهم لهم المنصورون. وإن جندنا لهم الغالبون﴾ [الصافات: ١٧١ - ١٧٣]. ﴿ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين﴾ [آل عمران: ١٣٩].

стр. 74

بين الصُورة والحقيقة إن كل شيء له صورة وحقيقة، وبينهما فرق كبير رغم الشبه العظيم، تميزون بينهما بسهولة في حياتكم، وتعاملون الحقيقة بما لا تعاملون به الصورة، وأضرب لذلك مثلين: هذه مُثُل للثمار المصنوعة من الخزف، تتراءى للناظر كأنها تفاح، ورمان، وبرتقال، وعنب، وموز، في لونها وشكلها، ولكن أين الصورة من الحقيقة وأين طعم هذه الثمار ورائحتها؟ إنها ليست الا للزينة أو المثال. إنكم ترون في المتحف كل نوع من السباع والانعام، والطيور الجميلة، والعصافير الصغيرة، ففيها الاسد، والذئاب، والافيال والدباب، وفيها كل طائر جارح، وكل سبع مخيف، ولكنها جثث هامدة لا حراك بها،

стр. 75

وأجساد ميتة محشوة بالليف والقطن، ليس فيها رمق من حياة، وقوة تهجم بها وتصول، حتى لا تحس منها من أحد ولا تسمع لها ركزا. ان الصورة لا تستطيع أن تسد مكان الحقيقة وتنوب عنها، ولا يمكنها أن تمثل دور الحقيقة في الحياة وتأتي بما تأتي به من عمل ونشاط، ولا يمكن أن تقاوم الحقيقة وتكافحها، فإذا وقع صراع بينهما انهارت الصورة، ولا يمكنها أن تحتمل عبء الحقيقة، فإذا وكل أحد الى الصورة وظيفة الحقيقة أو عوّل عليها في مهمة خانته الصورة وخذلته أحوج ما يكون اليها. والصورة ولو كانت مهيبة هائلة تغلب عليها الحقيقة ولو كانت ضعيفة متواضعة، لان الحقيقة الحقيرة أقدر وأقوى من الصورة العظيمة المهيبة، وان الولد يقدر أن يسقط الاسد الميت المحشو بالليف والقطن بيده الضعيفة الناحلة، لأن الولد يحمل حقيقة ولو حقيقة صغيرة، والاسد ليس الا صورة ولو كانت صورة مهيبة. ان هذا العالم الذي نعيش فيه عالم الحقيقة والامر الواقع، وقد خلق الله كل شيء على حقيقته: فللمال حقيقة، وحبه فطري طبعي، ولاجل ذلك وردت عنه الاحكام ووضع الله فيه التأثير والجذب، وللاولاد حقيقة،
следующие страницы →