وقد ذم الله شعائر الجاهلية وأبطالها وعظماءها في غير رفق وتحفظ فقال: ﴿وجعلناهم أئمة يدعون الى النار ويوم القيامة لا ينصرون، وأتبعناهم في هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة هم من المقبوحين﴾ يقول: ﴿وما أمر فرعون برشيد، يقدُم قومه يوم القيامة فأوردهم النار وبئس الورد المورود، وأُتبعوا في هذه لعنة ويوم القيامة بئس الرفد المرفود﴾.
ولكن كثيرا من الأقطار الاسلامية والشعوب الاسلامية - بتأثير الفلسفات الغربية والتفكير الغربي وحده - أصبحت تمجد عهدها العتيق الذي سبق الاسلام وحضارته وتقاليده، وتحن اليه، وتحرص على احياء شعائره وتخليد عظمائه وأبطاله وملوكه وأمجاده، كأنه عهدها الذهبي وكأنه نعمة حرمها الاسلام اياها، وفي ذلك من الجحود والنكران للجميل وقلة تقدير نعمة الاسلام وفضل محمد ﵊، وتهوين خطب الكفر والوثنية وما اشتملت عليه الجاهلية من خرافات وضلالات وسفاهات ومضحكات ومبكيات ما لا يعقل عن مسلم واع. وما يخاف معه الحرمان من نعمة الاسلام وسلب الايمان والتعرض لسخط الله الشديد وقد قال:
﴿ولا تركنوا الى الذين ظلموا فتمسكم النار وما لكم من دون الله من أولياء ثم لا تنصرون﴾.
стр. 177
زد الى ذلك ما يوجد في العالم الاسلامي اليوم من التهور في الحصول على المادة وايثارها على كل مبدأ وعقيدة، وايثار الدنيا على الآخرة، والاخلاد الى الأرض وابتاع الهوى، وما تبع ذلك من التفسخ والاستهانة بمحارم الله وشيوع الخمر والفسوق في الطبقات الراقية، حتى تكاد تكون هذه الطبقة نسخة واحدة وصورة واحدة في كل بلد اسلامي الا من عصم ربك وقليل ما هم، والتحرر من قيود الاسلام وفرائضه تحررا تاما حتى كأنها لا صلة لها بالاسلام وشريعته، وكأنها شريعة منسوخة وأسطورة خيالية.
هذا تصوير العالم الاسلامي الديني والاعتقادي بالاجمال، وهي موجة جاهلية تكتسح العالم الاسلامي من أقصاه الى أقصاه، وهي أعظم موجة واجهها العالم الاسلامي في تاريخه الطويل، وهي تفوق كل موجة معارضة عرفها التاريخ الاسلامي سواءا في قوتها وفي شمولها وفي تأثيرها في المجتمع الاسلامي، وتمتاز عنها بأن المنتبهين لهذه الأخيرة قلائل، والذين ينقطعون الى محاربتها ويجندون لها قواهم ومواهبهم أقل، فقد حدث الالحاد وظهرت الزندقة بتأثير الفلسفة اليونانية في العهد القديم فوجد من يحاربها بعقله الكبير وذكائه النادر وعلمه الغزير ودراسته الواسعة وشخصيته القوية، وظهرت الباطنية والملاحدة فوجد من يحاربها بالعلم والحكمة والبرهان وبقي الاسلام محتفظا بنفوذه العقلي ومكانته العلمية ترتد عنه كل موجة عاتية، وينحسر عن طوده كل فيضان وكل سيل جارف.
ليست المسألة مسألة انحطاط في الأخلاق، وضعف في العبادات، وترك
стр. 178
للشعائر، وتقليد للأجانب، وان كانت مسائل تستحق العناية والجهاد، ولكن مسألة العالم الإسلامي اليوم أعظم وأضخم من كل ذلك، انها مسألة كفر وإيمان، إنها مسألة بقاء على الاسلام وخلع له، ان المعركة قائمة بين الفلسفة الغربية اللادينية وبين الاسلام آخر الرسالات، وبين المادية والشرائع السماوية، ولعلها آخر معركة تقوم بين الدين واللادينية وانها تحدد مصير العالم.
ان جهاد اليوم وان خلافة النبوة وان أعظم القربات وأفضل العبادات أن تقاوم هذه الموجة اللادينية التي تجتاح العالم الاسلامي وتغزو عقوله ومراكزه، وأن تعاد الثقة المفقودة الى نفوس الشباب والطبقات المثقفة بمبادئ الاسلام وعقائده وحقائقه ونظمه، وبالرسالة المحمدية، وأن يُزال القلق الفكري والاضطراب النفسي اللذان يساوران الشباب المثقف، وأن يُقنعوا بالاسلام عقليا وثقافيا، وأن تحارب المبادئ الجاهلية التي رسخت في النفوس وسيطرت على العقول علميا وعقليا، وأن يحل محلها المبادئ الاسلامية باقتناع وايمان وحماسة.
لقد مضى علينا قرن كامل وأوروبا تغتصب شبابنا وعقولنا، وتنبت في عقولنا الشك والالحاد والنفاق وعدم الثقة بالحقائق الايمانية والغيبية، والايمان بالفلسفات الجديدة الاقتصادية والسياسية، ونحن معرضون عن مقاومتها ومعتمدون على ما عندنا من تراث، مضربون عن الانتاج الجديد، معرضون عن فلسفاتها ونظمها ومحاسبتها محاسبة علمية، ونقدها وتشريحها كتشريح الاطباء الجراحين، متعللون بالبحوث السطحية المستعجلة وبالزيادة في ثروتنا العلمية القديمة، حتى فوجئنا في العصر الأخير بانهيار العالم الاسلامي في الايمان والعقيدة، وملك زمام الأمور في البلاد الاسلامية، جيل لا يؤمن بمبادئ الاسلام وعقيدته، ولا يتحمس لها ولا تربطه بالشعب المسلم المؤمن البريء الا "القومية الاسلامية" أوالمصالح السياسية.
стр. 179
وبدأت هذه العقلية أو النفسية اللادينية تتسرب عن طريق الأدب والثقافة والصحافة والسياسة الى الجماهير، حتى أصبحت الشعوب الاسلامية - وفيها كل خير وكل صلاح وكل استعداد وهي من أصلح الكتل البشرية في العالم - خاضعة لهذه الطبقة بحكم ثقافتها وذكائها ونفوذها، وإذا بقي هذا الوضع تسرب الالحاد والفساد الى هذه الشعوب والى الطبقات التي تعيش في البادية والقرى وتعمل في المصانع والمزارع وصارت في طريق اللادينية والزندقة، هذا ما وقع في أوروبا وهو واقع في الشرق اذا جرت الأمور مجراها الطبيعي ولم تحل ارادة الله القاهرة.
ان العالم الاسلامي في حاجة شديدة الى دعوة اسلامية جديدة وان هتاف الدعاة والعاملين فيه وهدفهم اليوم "الى الاسلام من جديد"، ولا يكفي الهتاف، انه لا بد من تصميم حكيم قبل العمل، لا بد من تفكير هادئ عميق كيف نرد الطبقة المثقفة اليت تحتكر الحياة وتملك الزمام الى الاسلام من جديد، وكيف نبعث فيها الايمان والثقة بالاسلام، وكيف نحررها من رق الفلسفات الغربية والحضارة العصرية ونظرياتها اللادينية.
إنه في حاجة الى رجال ينقطعون الى هذه الدعوة ويكرسون عليها علمهم ومواهبهم وكفايتهم، ولا يطمعون في منصب أو جاه أو وظيفة أو حكومة ولا يحملون لاحد حقدا، ينفعون ولا ينتفعون، ويعطون ولا يأخذون، ولا يزاحمون طبقة في شيء تحرص عليه وتتهالك، حتى لا تكون لها حجة عليهم ولا للشيطان سبيل اليهم، شعارهم الاخلاص والتجرد عن الشهوات والانانيات والعصبيات.
ان العالم الاسلامي في حاجة الى منظمات علمية تهدف الى انتاج الأدب الاسلامي القوي الجديد الذي يعيد الشباب المثقف الى الاسلام بمعناه الواسع من جديد، ويحررهم من رق الفلسفات الغربية التي آمن بها كثير منهم بوعي ودراسة وأكثرهم بتقليد وتسليم، ويقيم في
стр. 180
عقولهم أسس الإسلام من جديد، ويغذي عقولهم وقلوبهم، إنه في حاجة الى رجال في كل ناحية من نواحي عالم الاسلام عاكفين على هذا الجهاد.
إنني لم أكن في فترة من فترات حياتي ممن يقول بفصل الدين عن السياسة وممن يفسر الدين لا يتصادم مع وضع - مهما انحرف وشذ عن الاسلام - وينسجم مع كل مجتمع ولا ممن يعتبر السياسة "الشجرة الملعونة في القرآن" بل أنا في مقدمة من يدعو الى ايجاد الوعي السياسي الصحيح في الشعوب الاسلامية وايجاد القيادة الصالحة، وممن يعتقد أن المجتمع الديني لا يقوم الا بالملك الديني الصحيح والحكم الصالح المؤسس على أسس الاسلام، ولا أزال أدعو الى ذلك حتى ألقى الله، إنما المسألة مسألة ترتيب وتقديم وتأخير، وما تقتضيه حكمة الدين وفقهه، وما تفرضه الأوضاع.
إننا بذلنا جهودنا ومواهبنا وما أوتينا من فرص ووسائل في حركات سياسية وتنظيمية، وكان كل ذلك على أساس أن الشعب مؤمن وأن من يقوده ويملك زمامه - وهي الطبقة المثقفة لا محالة - مؤمن مقتنع بالاسلام وعقيدته ومبادئه، متحمس للاسلام وعلوه ونفاذ حدوده، واذا الأمر بالضد، واذا الشعب قد ضعف في ايمانه وانحط في أخلاقه من حيث لم نشعر، ولم يشعر، واذا الطبقة المثقفة ذابت في أكثر أفرادها العقيدة الاسلامية وتبخرت بتأثير فلسفات الغرب وسياسته ونفوذه، وكثير من أفرادها ثائر على العقيدة الاسلامية مؤمن بالفلسفات
стр. 181
الغربية وما جاءت به من عقائد وأفكار تصادم الدين وينتصر لها ويتحمس لها، ويحرص على نشرها وتنفيذها، ويريد أن ينظم الحياة على أساسها وفي ضوئها، ويصل بالشعب اليها، فمنهم مسرع متهور، ومنهم حكيم متدرج، ومنهم منفذ بالقوة يفرضها على الشعب فرضا، ومنهم هادئ يزينها للشعب، والهدف واحد والغاية واحدة.
ورجال الدين - ان صح هذا التعبير اذ ليس في الاسلام الكهنوت والطبقة الدينية الممتازة - في ذلك فريقان: فريق يحارب هذه الطبقة حربا شعواء ويكفرها ويبتعد عنها، ويعرض عن تتبع أسباب هذا الاتجاه اللاديني وعن ثقافتها، ولا يعنى باصلاح الاحوال وتغيير هذا الاتجاه المعارض والمحارب للاسلام، بالاختلاط بها وازالة الوحشة والنفور عن الدين وعن رجال الدين، وتشجيع ما عندها من خير وذرة ايمان وتغذيتها بالادب الاسلامي الصالح المؤثر، وبالزهد فيما عندها من حاية أو مال وقوة وسلطان، وتقديم النصح الخالص والتوجيه الحكيم.
وفريق يتعاون معها ويساهمها في المنافع والخيرات وينتفع بها في دنياه من غير أن ينفعها في دينها، فلا دعوة ولا عقيدة ولا غيرة على الدين، ولا حرص على الاصلاح ولا رسالة لها في هذا القرب والتعاون.
стр. 182
والفريق الثالث - الذي يتألم بهذا الوضع ويتوجع له، ويعترف بأن هذه الطبقة مريضة صالحة للتداوي مستعدة للشفاء، ويتقدم اليها بالدعوة الرفيقة والرسالة الحكيمة والنصيحة الخالصة - يكاد يكون مفقودا، فلا صلة لهذه الطبقة بالدين وبالجو الديني، تعيش في عزلة عنه وفي وحشة منه، ولا تزداد الا بعدا عن الدين وازدراءا بكل ما يتصل به، ويزيدها الفريق الذي يحاربها حربا شعواء لا هوادة فيها، والفريق الذي يتزعم الدين ويريد أن ينزع منها الحكم وينافسها في الجاه والمنصب، لا يزيدها الفريقان الا بغضا للدين واشفاقا منه، والانسان مفطور على بغض من ينافسه في دنياه، اذا كان لا يؤمن الا بالدنيا، وينتزع منه الحكم والسلطان اذا كان لا يعيش الا على الحكم والسلطان، ويساهمه في مادته وشهواته اذا كان لا يعرف الا المادة والشهوات.
والأقطار الاسلامية اليوم بحاجة الى فريق يتجرد عن المطامع ويخلص للدعوة، ويبتعد عن كل ما يوهم بأن همه الدنيا والمادة والتغلب على الحكومة لنفسه أو عشيرته أو حزبه، يحل العقد النفسية والعقلية التي أحدثتها الثقافة الغربية أو أخطاء "رجال الدين" أو سوء التفاهم أو قلة الدراسة والابتعاد عن الاسلام وجوّه، وذلك بالمقابلات والصداقات والمحادثات والمراسلات والرحلات، وبالأدب الاسلامي الصالح المؤثر وبالروابط الشخصية، وبالنزاهة وعلو الاخلاق وقوة الشخصية والزهد في حطام الدنيا والعزوف عن الشهوات وتمثيل أخلاق الأنبياء وخلفائهم.
стр. 183
هذا هو الفريق الذي خدم الاسلام في كل عصر، واليه يرجع الفضل في تغيير اتجاه دولة بني أمية وظهور خامس الخلفاء الراشدين "عمر بن عبد العزيز" ونجاحه، وقد أعيد هذا التاريخ في عصر الملك المغولي الأكبر جلال الدين أكبر الذي ثار على الاسلام وصمم على تحويل هذه القارة الاسلامية الواسعة (الهند) التي عاشت في الحكم الاسلامي أربعة قرون، جاهلية برهمية، ولكن بفضل هذه الدعوة الحكيمة وبظهور داعية اسلامي مجدد وشخصية اسلامية حكيمة (١) أخلصت للإسلام وأحسنت فقهه وفقه الدعوة، وبتأثير تلاميذه عادت الهند الى الاسلام أقوى وأفضل، وتوالى على عرش "أكبر" ملوك يتدرجون في الصلاح وحب الاسلام حتى جاء على العرش ملك يتجمل تاريخ الاسلام وتاريخ الاصلاح بذكره وحديثه (٢).
إنها فريضة لا تحتمل التأخير ولا تأخير يوم واحد، فالعالم الاسلامي يواجه اليوم موجة ردة عنيفة منتشرة في أعز أبنائه وأقوى أجزائه، إنها ثورة على أعز ما يملك من عقيدة وخلق وقيم، ولا بقاء للعالم الاسلامي بعد ضياع هذه الثروة التي خلفها الرسول وتوارثتها الأجيال وجاهد في سبيلها أبطال الاسلام.
فليكن الموضوع موضع دراسة واهتمام لجميع من يهمهم أمر الإسلام.