← Общие книги

Общие книги · id 37561

إلى الإسلام من جديد

أبو الحسن الندوي

Полный текст (183 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

قوارع تبري العظم من كلم مض. فقام الأغنياء والأمراء وأبناء الملوك فاقتنوا هذه الكتب، وزينوا بها مكاتبهم، وتحدثوا عنها الى ندمائهم وزائريهم في لباقة ورشاقة، ولكن لم تنفذ سهامها من العيون الى القلوب، ولم تجاوز أحاديثها تراقيهم. قام الخطباء البارعون فألقوا خطبا أسمعت الصم واستنزلت العصم، فسمعها هؤلاء وأثنوا على براعتهم وفصاحتهم، ومضوا لسبيلهم لم يبكوا على زلة ولم يقلعوا عن سيئة، ولم يحدثوا لله عهدا. لقد كان - والله - أقل من هذا يهز القلوب في الجوانح. ويستفرغ الدموع من العيون، ويرجف القصور، ويقلب عروش الملوك، ويجعل من أبناء السلاطين والأمراء مثبل ابن أدهم وشقيق البلخي، يسمع أحدهم وهو خارج من قصر أو رائح الى لهو قارئا يقرأ: ﴿ألم يأنِ للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق﴾ [الحديد: ١٦]، فيقول: والله لقد آن، والله لقد آن، ويرمي آلات اللهو، ويخرج من أبهة الملوك وحشمة السلاطين الى تبذل الفقراء وتقشف الزهاد.

стр. 142

فهل فقدت الألفاظ على تعاقب الأيام معانيها، أم اعتلت الأذواق، أم استعجمت اللغات، أم ماذا؟ إن شيئا من ذلك لم يقع، ولكن نفسية الانسان تغيرت تغيرا عظيما. كان أمر الدين في الزمان الماضي - برغم جميع أدوائه وعيوبه الخلقية والاجتماعية - جدا غير هزل، وكان أمر الدين يعني كل واحد ويهمه كما تهم الحقائق والأمور الواقعة، وكان في بعض الأحيان حجب من الترف والطبع والرسم وسوء المعرفة وقلة العلم، فاذا ارتفعت هذه الحجب وتطرقت دعوة الدين الى القلوب لم يحل دون التوبة واصلاح الحال شيء. أما الآن فقد أصبح الدين موضوعا تاريخيا أو حديثا علميا بحتا، وأصبح الحديث عنه في المجتمع العصري كالحديث عن كوكب المريخ وعجائبه وعن القطب الشمالي وأخباره، لا يعود على المتحدث والمستمعين بضرر أو نفع، ولا يطالبهم بعمل أو ترك، ولا يمسهم في صميم مسائلهم، ولا يعني الانسان لا يهمه في حياته الا بمقدار ما يتظرف بمعرفته ودراسته في بعض المجالس، أو ما يحادث به أهله عند الحاجة، أو ما يجلب به نفعا ويدفع به ضرا في مجتمع لا يزال يدين بالدين أو يحترمه، فليس له الا قيمته المادية المؤقتة.

стр. 143

وأصبحت الحياة وتكاليفها جد الجد ولب اللباب، وأصبحت مسائلهم همّ الشيخ ودرس الصبي وشغل الشاب، وأصبح الجهاد في سبيلها والنجاح في ميدانها مقياس الفطنة والذكاء ومعيار الظرافة، واللباقة، ورمز المروءة والشهامة. وهنا يقف الداعي الديني حائرا في أمره كيف يواجه هذه العقلية الهامدة والنفسية الباردة في سبيل الدين، أنه واجه العقول الثائرة على الدين فأخضعها ببراهينه، ووجد شكوكا وريبا تمكنت من النفوس، فسلَّها بحكمته وملأ القلب ايمانا وطمأنينة، ولكن ههنا يجد نفسه في موقف غريب لم يعهده، فلا انكار ولا جحود، ولا اباء ولا استكبار، ولا عناد ولا اعتراض، ولا دليل ولا فلسفة، ولكن حياد تام في مسألة الدين، واستغناء عن كل ما يتصل بالآخرة، واخلاد الى الأرض ورضى بالحياة الدنيا واطمئنان بها. هنا يقف الداعي حائرا في أمره كيف يواجه هذه النفسية ومن أي باب يدخلها، انه يجد حولها غشاء من حب الدنيا والمال فلا سبيل اليها ولا نفوذ فيها الا بطريق الدنيا والمال، وأن سبيل الدين غير سبيل المال، وأن طريق الغيب غير طريق الحس والشهود، فماذا يصنع ومن أين يبدأ؟

стр. 144

ان ألقى القوم نصائحه ووجه اليهم خطابه وحكمته، ونثر كنانته في الدين وأجلب عليهم بخيل العلم والبراهين، ذهب كل ذلك فيهم سدى، وأجابه لسان الحال قائلا: ﴿قلوبنا في أكنة مما تدعونا اليه، وفي آذاننا وقر، ومن بيننا وبينك حجاب، فاعمل إننا عاملون﴾ [فصلت: ٠٥]. قرأنا في حكايات "ألف ليلة وليلة" أن سندباد البحري وجد بيضة عنقاء، فظنها لكبرها وضخامتها وملاستها قصرا من الرخام، فدار حولها لعله يجد بابا يدخل منه في داخل القصر، ودار مرارا عديدة ولكنه لم يجد بابا، وعرف بعد ذلك أنها بيضة عنقاء، لا قصرا من القصور. كذلك يدور الداعي حول هذه النفسية المستديرة التي استهوتها الدنيا وغشى عليها حب المال أو الجاه، فلا يجد فيها منفذا ينفذ منه الى النفسية وينزل في أعماقها، فيقطع منها الرجاء، وينقلب منها خاسئا وهو حسير. اذن روح هذا العفريت الجاهلي، هو الاخلاد الى الأرض، الرضى بالحياة الدنيا والاطمئنان بها، وعبادة المال والمادة. هذا مقتل هذا العفريت وهذا أبهره ووريده.

стр. 145

وإنما ضاعت فصاحة الفصحاء، وخطابة الخطباء، وبلاغة المؤلفين وأصحاب اليراع، واخلاص المخلصين وحكمة الحكماء، لأنهم لم يضربوا على الوتر الحساس ولم يصيبوا العدو في مقتله. بلغت المادية أوجها في عهد الاستيلاء الأوربي، وأصبحت فلسفة وفنا وحياة ودنيا، وليس من مظهر من مظاهر حياتها ولا مركز من مراز نشاطها اليوم الا والفضل فيه يرجع الى أوربا وسيطرتها السياسية والاقتصادية مباشرة أو بواسطة، والى غزوها التجاري العالمي. نافس تجار الغرب بدافع من حب الغنى والثروة، واحتكار الأموال في الصناعة والانتاج، وغزوا ببضائعهم الشرق وامتصوا بها دماءه، ولم يقض ذلك لبانتهم لأن نطاق الضرورة ضيق، والجشع ما له نطاق، فنافسوا في انتاج دقائق المدنية وفضول الصنائع وكماليات الحياة وصبوها على الشرق صبا، واستهلكوا في ترويجها كل ذكاء وأدب وفلسفة وسياسة، واستغلوا سذاجة الشرق وحبه للدعاية والفخر، فما لبثت هذه الدقائق والكماليات أن دخلت في أصول المعاش ولوازم الحياة في الشرق، وأصبح الذي لا يتحلى بها لا يعد من الاحياء ولا يعامل في المجتمع معاملة سواء، وأخذت بتلابيب الشرقي وأذهلته عن

стр. 146

الدين والآخرة وعن كل شيء غيرها في الدنيا، وأهاجت عليه هموما لا أرجاء لها، وبعثت فيه شرها للمال لا نهاية له، وأصبحت عليه الحياة جحيما لا يسمع فيها الا: هل من مزيد. وما يكاد الشرقي يصل الى هذه المنتجات وشروط الحياة الا على جسر من المتاعب والمصائب، وعلى طريق من شوك وقتاد، ولا يكاد يتحلى بها الا وتصبح هذه المستحدثات آثارا عتيقة وأطمارا بالية، ويهجم عليه الغرب بطراز حديث من المنتجات والمصنوعات، فينكص على عقبيه ويتزود لاقتنائها بالمال اللازم - بوجه مشروع أو غير مشروع - ولا يكاد يطلع بها على مجتمعه الا ويرحل المنسوخ ويحل الناسخ، وهكذا لا يزال من حياته في جهاد مضن شاق ومع المصانع الغربية والتصدير الغربي في رهان دائم، يسبقه فيلحقه ويلحقه فيسبقه، ولا يزال من عيشه في مضض وغصص يتجرعه ولا يكاد يسيغه، ويأتيه الموت من كل مكان وما هو بميت. أفسدت المدنية الغربية والتجارة الغربية طبائع أهل الشرق وأذواقهم، على اختلاف أجناسهم وأوطانهم، ألانت منهم القناة وأطفأت فيهم جمرة الحياة، أذهبت منهم التمعدد العربي والتجلد العجمي، وأحدثت فيهم التخنث والتأنث الأوربي، وأصبحت الفروسية العربية،

стр. 147

والنخوة التركية، والفتوة الفارسية، والبطولة الهندية، والغيرة الافغانية حديثا من أحاديث التاريخ، وأصبحت الحياة في حواضر الشرق، بل وفي بواديه نسخة قاصرة ممسوخة من الحياة الغربية المصطنعة، لها ضراؤها، وليست لها سراؤها، ولها الغرم دون الغنم. أصبح الناس في كل البلاد في تيار الحضارة الغربية يسيل بهم سيلها الجارف ولا يملكون من أمرهم شيئا وأصبح الوالد لا يملك ولده، والعاهل لا يملك أهل بيته، بل وأصبح الانسان لا يملك نفسه أمام الهوى، وانتقاد المجتمع اللاذع، ووخز الضمير، وغاص الناس في بحر المدنية الى آذانهم، فترى الصعاليك من العجم يغدون في حلة، ويروحون في أخرى، وترى الحفاة العراة العالة من العرب رعاء الشاء يتطاولون في البنيان، ويتفاخرون باقتناء السيارات الأميركية من أحدث الطراز، وأفخر الأنواع، حتى يُخاف أن تنقرض الخيل العتاق من أرض الجزيرة التي ملأت التاريخ والأدب بحديثها وأخبارها. شحنت البضائع الغربية أسواق الشرق الاسلامي، وأنبتت شرايين التجارة الغربية وعروقها - وهي طلائع السيادة الغربية، وسيطرتها السياسية وسهامها التي لا

стр. 148

تطيش - في جوف أقدس البلاد الاسلامية وأحشائها، وجاست خلال الديار، وأصبح أهلها عالة على البضائع الأجنبية، حتىعادوا لا يتصورون الحياة والمعيشة بغيرها، ولا يقضون حقوق الأعياد والأفراح الا بها، وامتصت هذه البضائع أموالهم بل دماءهم كالاسفنج، يتشربها في بلادهم ويصبها في بلاده، وهكذا أصبح ما يكسبه المسلم بعرق جبينه وكدّ يمينه، وبرزيئة في أخلاقه، وعلى حساب دينه ينتقل الى البلاد الأجنبية. التجأت الحكومات الاسلامية لتحقيق مشاريعها العمرانية كما تقول، أو لقضاء مآرب رجالها كما يقول الناس، الى الاستدانة من الدول الأجنبية، فخفت لذلك ورحبت به ورصدت لها بعض المال بشروط تجارية وامتيازات سياسية، وأقبلت البلاد الاسلامية تحلب ضروعها وتستخرج الذهب الوهاج، وماء حياة الصناعة والتجارة (البترول) من بطونها، ويتهافت الفقراء الذين أجهدتهم الضرائب وتكاليف الحياة على أجورها وخدمتها تهافت الفراش على الضوء، والجياع على المائدة، وهكذا تصبح بلاد الاسلام بين أخطار من الالحاد والاحتلال الأجنبي. ثم هنالك "الطابور الخامس" وهو ذلك الأدب المسلول المسموم الذي ولدته الثورة الفرنسية، وأرضعته الفوضى الخلقية والاباحة في

стр. 149

أوربا، وغذته الشيوعية، ذلك الأدب الخليع المستهتر، الذي ينبت في القلوب النفاق ويسقي غرس الشهوات، ويقوّض دعائم العمران، ويفسد نظام الأسرة، ويسخر من كل فضيلة، ويستهين بكل أدب ونظام، ويزّين للقارئ مذهب اللذة والانتفاع، وانتهاز الفرص، يلخص التاريخ ويوجز الفلسفة والعلم في حب المال والميل الجنسي، ويصور العالم كله، كأنه ليس الا ظهور هاتين العاطفتين، وليس وراء ذلك حقيقة علمية، ومبدأ سام أو غرض شريف. وقد انتشر هذا الطابور في أنحاء العالم عن طريق الأدب والروايات والمجلات "والراديو" و "السينما" وتأثر به الحاضر والباد، وتحدثت به العوائق في خدورها، وصار ينخر الحضارة الدينية والأدب الاسلامي حتى تسرب العطب اليوم الى لبابه. وهكذا أصبح العالم كله شعوبا وحكومات وأفرادا تحت سلطان المادية والقوة والجاه والشهوات، قد شغلت منه كل موضع ومنفذ، وملكت عليه جميع مشاعره، واستهلكت في سبيلها جميع مواهبه وقواه وتفكيره وذكاءه، وخلقت في الانسان نفسية لا تؤمن الا بالمحسوس، ولا تفكر الا في اللذة والهناءة والسعادة الدنيوية، ولا تهتم الا بهذه الحياة ومطالبها الكاذبة التي ما أنزل الله بها من سلطان، والتي إنما فرضتها على الانسان الحياة المزورة، والمجتمع الفاسد، والتجارة الجشعة. كيف يحل في هذه النفس المادية الدين الذي أساسه الايمان بالغيب، وإيثار الآخرة على العاجلة، الذي يقول: ﴿وما هذه الحياة الدنيا الا لهو ولعب وان الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون﴾ [العنكبوت: ٦٤]، والذي يقول: ﴿فأما من طغى وآثر الحياة الدنيا، فإن الجحيم هي المأوى، وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى،

стр. 150

فإن الجنة هي المأوى﴾ [النازعات: ٤١]. والذي يقول نبيه ﷺ : "اللهم لا عيش الا عيش الآخرة" ويقول: "حُفّت الجنة بالمكاره". اذن فالمادية في هذا العصر هي علة العلل وعدو الدين الألد، ومنافسة الأكبر، وان الغرب هو زعيمها الذي تولى كبرها، ووكرها الذي تطير منه وتأوي اليه، وفيه تبيض وتفرخ. فأين ذلك البطل الذي يمثل قصة الآدمي مع الجني على مسرح التاريخ والواقع؟ وأين تلك الأمة التي تعارض هذا التيار الجارف وتأبى أن تفقد شخصيتها، ومقومات حياتها، وتغلب على أمرها، فتحول هذا التيار وتقلبه رأسا على عقب، أو تقف فيه كجبل رأس، أو صخرة صماء، فيحول التيار مجراه، ويتخذ طريقا آخر. ان البطل الذي يمثل قصة الآدمي مع الجني ويفتك به، هو رجل الساعة، وبطل الأبطال وفتى الفتيان. وان الأمة التي تعارض هذا التيار وتغير مجراه هي إمام الأمم المبعوثة الى العالم، فأين ذلك البطل؟ وأين تلك الأمة؟؟ هل تجيب الأمة الاسلامية وهل يجيب العالم العربي على هذا السؤال؟!. ...

стр. 151

خاتمة أزمة إيمان وأخلاق (١) عن أي شيء أتحدث؟ ان الأحاديث كثيرة، والشجون كثيرة، واذا كثرت الاحاديث والمعاني تحير الانسان. ولكن سأحدثكم عن شيء أومن به وأعتقده، ولن أحاول أن أشبع رغبتكم أو أن أرضى أسماعكم، بل حسبي أن أرضي نفسي وضميري وإيماني، فإذا أرضيت ضميري أكون قد أرضيتكم. لن أحدثكم حديثا علميا ولا تاريخيا، فقد أتخمنا بهذه الأحاديث، وفيكم من يملؤكم علوما ومعاني وخطابات. تسمعون الناس يتحدثون عن الأزمات والمشكلات، - وهذا العصر هو عصر الأزمات والمشكلات - يتحدثون عن أزمات اقتصادية، وأزمات سياسية، ويتحدثون عن أزمات الحكم وأزمات الاجتماع، ولكني أعتقد أن هناك أزمة واحدة لا ثانية لها هي أزمة الإيمان، أزمة الأخلاق،

стр. 152

سيحوا في الأرض وشاهدوا الأمم والشعوب، فإنكم سترون أن هذه الإنسانية - بمختلف الشعوب والأقطار في أنحاء العالم كله - تعاني أزمة واحدة هي: "أزمة الإيمان والأخلاق" هي كارثة الكوارث، وهي مصيبة المصائب، وكل مشكلة تحدث الناس عنها، واشتكوا منها ترجع الى هذه الأزمة، والشيء الوحيد الذي فقد، وبفقده وقعنا في هذه المصيبة العالمية هو الايمان، والشيء الوحيد الذي اعتل، وباعتلاله أصبحنا نواجه هذه المشكلات كلها في نطاق الأفراد والمجتمعات والحكومات والأوضاع العالمية هو الأخلاق، ان الناس أشباه ولم يزالوا، وإننا بشر والذين يحكموننا بشر، ولكن الذي يسيطر على العالم، هو هذه الأزمة الإيمانية الأخلاقية، إن كثيرا من الناس يعتقدون أن الشأن في الحكومات والأحزاب، فإذا ذهبت وزارة وجاءت أخرى، وإذا ذهب حزب وجاء آخر، فقد انحلت الأزمة وانقشعت المشكلة، ان هذا حكم خاطئ ومستعجل، ومبني على قصر النظر، ليست المسألة مسألة أحزاب أو حكومات، أو شيء من التعديلات، ان المسألة مسألة العقلية والاعتقاد، والنفوس والقلوب، فلا فائدة في هذه التغيرات، وان تبدل حزب بآخر أو حكومة بأخرى، لا يقدم ولا يؤخر، ان الافراد كلهم يلتقون على الخضوع للمادة والاستئثار

стр. 153

وخدمة النفس، وهذه النفس قد تقصر فتصبح نفسا فردية، وقد تتسع فتصبح نفسا حزبية أو جماعية، ان هذه العقلية هي التي تسيطر على العالم كله، وكل ما تعاني من فساد الأوضاع، مرده الى فساد هذه النفوس، وهيمنة هذه العقلية الخاضعة للمادة، الخادمة للمصلحة، المستأثرة الانانية. هذا هو الداء أيها الاخوان، فلا تخدعوا أنفسكم، وكلما جردتم النظر، نزلتم الى أعماق الحقائق، فإنكم ستجدون أن أصل البلاء هو شيء واحد (هو عبادة النفس) فإذا لم تتغير هذه النفوس التي تعبد المادة، فلن تتغير هذه الأوضاع أبداً. ان هذا التنافس الذي تتحدث به الصحف، والذي قد يؤدي الى حروب طاحنة - تستمر سنين طوالا تطحن الأمم - هو تنافس في الأغراض فقط، لا تنافس بين الخير والشر، وان هذا الاصطراع القائم بين الأمم الأوربية، ليس معناه أن أمة منها تريد أن تسيطر على العالم لتقضي على هذه الأوضاع الفاسدة، ولتخدم الانسانية، وتنفذ قوانين الله، وتحارب الفساد، وتساوي بين الناس، وتقيم القسط والعدل، وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة كما قال الله تعالى: ﴿الذي إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة،

стр. 154

وأمروا بالمعروف، ونهوا عن المنكر﴾ [الحج: ٤١]. لا أيها الاخوان، إنما هو تنافس على القيادة، كل أمة تريد أن تمتلك الحكم لتنفذ شهواتها، إنما النزاع فيمن يكون صاحب الأمر والنهي، وتكون له قوة ارضاء الشهوات، وخدمة المصالح الذاتية الحزبية. فبريطانيا وحليفاتها - مثلا - لم تكن تنازع المعسكر الشيوعي لتقيم القسط والحق، وكذلك لم يكن المعسكر الشيوعي في وقت من الأوقات لينازع الحلفاء الأوربيين في سبيل إقامة العدل، لأنه لم يكن حريصا على اقامة الدين والفضيلة، إنما يصارع ويحارب ليكون هو المعسكر الوحيد في العالم الذي يهيمن على وسائل وامكانات البشرية، وليحتكر التجارة العالمية، ليس لمصلحة البشرية، بل ليكون الذي يؤمنون بمبادئه وينضمون اليه يسعدون على حساب الأمم والشعوب التي يسيطر عليها. ان مرد هذه المصارعات كلها هو شهوة النفس وعبادتها، وما لم تتغير هذه النفسية الشريرة الفاسدة المتعفنة فلا مطمع في صلاح العالم أو سعادته ورفاهه. المهم أو الأهم - أيها الاخوة - أن يتغير الانسان، ان

стр. 155

كل شيء في هذا العالم خاضع للانسان، والانسان خاضع لنفسه وضميره وعقيدته، فاذا كانت هذه صالحة كان الانسان صالحا، واذا صلح الانسان صلح العالم (ألا في الجسد مضغة اذا صلحت صلح الجسد كله واذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب (١)). لقد أصبح الناس مؤمنين - بحكم ما يكتبه ويقوله أناس لم يتعمقوا في العلم - بأن صلاح العالم هو في وجود حكومة على أساس كذا وكذا، أو في تولي الرجل الفلاني، أو الحزب الفلاني الحكم، وما دروا أن المجتمع فاسد لفساد الضمائر والقلوب، وما لم تصلح فلا يؤمل الصلاح، هذا أيها الاخوان قول مجرب خبير لا قول انسان منطو على نفسه، قول رجل تهيأ له - بحمد الله - من الدراسة العميقة الشيء الكثير. قد يدخل الرجل الى غرفة مظلمة، فلا يستطيع أن يجد طلبه اذا لم يفتح الزر الكهربائي، ولكن الرجل الخبير بمجرد دخوله الغرفة يعرف موضع الزر فيفتحه، فيسري النور في التيار، ويضيء جنبات الغرفة، ويقضي الرجل حاجته، وهذا هو شأن الأنبياء ﵈ ومن سار على أثرهم، هذا هو الزر، هو "الايمان"، اذا فتح

стр. 156

انطلقت منه موجة النور لتضيء العالم كله. إني أرى رجالا في البلاد العربية والاسلامية وغيرها يبدون كبارا في العقل والتفكير والتجربة، ولكني أستغرب أن "تفكيرهم قاصر غير ناضج". يتكلمون عن المشكلات حديث رجل لم يتعمق ولم يرسخ، يتحدثون عن مشكلات السياسة والاجتماع، ويعتقدون أنه إذا جاء الحزب الفلاني ذهبت المشكلة، فإذا جاء الحزب واجهنا نفس المشكلة، بل ما هو أكبر منها وكثيرا ما نواجه مشكلات جديدة أخرى، ثم نجرب حزبا آخر، فإذا هو شر من الأول، وصدق الشاعر إذ قال: إلا إنما الأيام أبناء واحد ... وهذي الليالي كلها أخوات فلا تطلبن من عند يوم وليلة ... خلاف الذي مرت به السنوات الى متى تجري هذه التجارب على الانسان المسكين؟ والى متى نفحص ونشرّح ثم نرجع من غير طائل؟ ان الأنبياء يمنحونا العلم اليقيني، ويعطونا العلاج الشافي. ان المسألة مسألة النفوس، وما دمنا معرضين عن هذه الحقيقة، فسوف نبقى نعاني مشكلة بعد مشكلة. ان من مصائب هذه المدنية الاعراض عن الأفراد، فقد أثرت

стр. 157

العلوم العمرانية في النفوس، حتى أصبحت تعتمد على المجموعات، والمؤسسات، والهيئات الاجتماعية، والحكومات، دون الاهتمام بالأفراد، مع أن الأفراد هم أساس المجتمعات والحكومات والأحزاب والمؤسسات، نقول لهم: أيها السادة، دونكم الأفراد فأصلحوهم وهيؤهم لهذا الهيكل الاجتماعي، فسيقولون: مالنا وللأفراد، نحن في عصر اجتماعي طابعه الاجتماع، فنقول لهم: آمنا بالاجتماع، ولكن اذا لم يكن الأفراد أين يكون المجتمع؟ ولكنهم يقولون: ان الافراد يصلحون بصلاح المجتمع؟ ان مثل هؤلاء الذين يهتمون بالمجموعات دون الأفراد مثل من يجمع أخشابا نخرة، متآكلة مخرومة، يريد أن يعمل منها سفينة تحمل جماعة كبيرة وبضائع ثمينة، فإذا قال له رجل صاحب نظر: ان هذه الأخشاب لا تصلح لبناء سفينة تحمل جماعة كبيرة وبضائع ثمينة ثقيلة: قال: ان هذه الأخشاب لا قيمة لها، إنما المهم السفينة، فإذا تكونت السفينة فقدت الألواح شخصيتها، فلا يهمك ان كانت الأخشاب فاسدة منخورة. ان الفاسد فاسد ولكن اذا اجتمع الفاسد مع الفاسد ينتج الصالح! ان اللص لص، ولكن اذا اجتمعت اللصوص أصبحت حارسة للمدينة!! هذه هي عقلية أوربا - ان اللصوص لصوص في أفرادهم، ولكنهم أمناء في مجموعهم، ما هذا المنطق؟ الذئب ذئب، ولكن اذا اجتمعت الذئاب أصبحت راعية! ان الجمرة تحرق البيت، ولكنها اذا اجتمعت الجمرات أصبحت بردا وسلاما!! هذا شيء مضحك، ولكن أليس هذا هو الأساس الذي يعمل في المدرسة والحكومة والمحكمة؟؟ من أين جاءت الحكومة والقضاة والجنود؟ أليس أكثر هؤلاء فاسدين ودون المستوى الواجب؟ فكيف تتحول هذه العصابات المجرمة الى مجموعة صالحة، رفيعة المستوى، عالية في الأخلاق؟

стр. 158

العالم كله - مع الأسف - خاضع لهذا المنطق، حتى في المستويات العلمية. ان مدراء البلديات والجامعات، والمؤسسات العلمية، والحكام لو كانوا في الزمن الأول لما استحقوا أقل من الطرد، بل لكانوا في السجون، ولو أرادوا أن يشغلوا وظيفة حقيرة ما استحقوا. لقد طغت هذه العقلية على الأفكار حتى أصبح الذي يثير مسألة الأفراد يتهم بالرجعية. يا أصحاب القلوب المؤمنة، أنتم المجتمع، في قسمات وجوهكم وضمائركم وعقولكم يرقد المستقبل الزاهر الذي نؤمله، فهيئوا نفوسكم تهيئة روحية خلقية، علمية ايمانية، هذا هو نداء الوقت، وواجب الساعة، وجهاد اليوم. لقد وجدت الحديث عن العالم الاسلامي حديث كل بلد حللته وزرت فيه اخواننا، وهو حديث كل مجلس حضرته، ان العالم الاسلامي حقيقة قائمة تسعى على قدميها، لا ينكر فضله الا جاهل أو أحمق. أنا أؤمن به، وشاهدته في الهند، وباكستان، وتركيا، وسوريا، ومصر، وأنتم أيها الاخوان جزء من العالم الاسلامي، اذا كنتم تعتقدون أنه يعيش بغيركم، وليس

стр. 159

عليكم مسؤوليته فأنتم مخطئون، ولكن أخشى أن كثيرا من الناس يهتمون بكل شيء غير نفوسهم، وهذا هو الواقع فعلا. أنا أفكر في العالم، ولكن أنا كذلك جزء منه، فلأصلح هذا الجزء، ولكني أرى كثيرا من اخواني لا يفكرون في نفوسهم، ويعتقدون أن العالم الاسلامي هو كل ما يغاير نفوسهم، علينا أن نصلح نفوسنا، وليعتقد كل منا أنه مسؤول، فاذا أصلحت هذه الأجزاء صلح العالم الاسلامي، ان مثلنا أيها الاخوان، كمثل ملك أعلن أنه يريد حوضا مملوءا باللبن "الحليب"، وأنه سيدفع الثمن لكل من يجلب الحليب، فقال أحد اللبانين: لو أفرغ لبان واحد سطلا من ماء، فان هذا الماء لا يؤثر في الحليب الكثير، فأفرغ سطل ماء بدلا من حليب، وفكر آخر نفس التفكير، وهكذا سرت الفكرة بين الجميع، وجاء الملك في الصباح فوجد حوضا من ماء. هذه قصتنا. ان كل فرد منا يقول، اذا فَسَدتُ، فماذا يضر العالم الاسلامي؟ وبهذا أصبح كل العالم الاسلامي فاسدا، لو فكرتم لرأيتم أن كل حديثكم عن غيركم. أنصفوا نفوسكم أيها الاخوان، وما لكم وهذه القضايا التي لا تستطيعون خدمتها، ان الاشتغال بالغير سهل، ولكن الاشتغال بالنفس صعب، والانسان يحب السهولة،

стр. 160

ولذلك اندفع العالم الاسلامي كله الى الاهتمام بغيره، هذا تفكير يجب أن يعالج. أنتم العراق، واذا كنتم العراق، فأنتم جزء من العالم الاسلامي، فيجب على كل منا أن يهيئ نفسه ليكون لبنة صالحة في البناء. لنكن فتية مجاهدة، مؤمنة صادقة، طاهرة النفس، واضحة التفكير، عميقة الجذور، قوية العاطفة، فائضة القلب. فاذا كنا كذلك، فصدقوني اننا نستطيع أن نغير تيار الفساد. الأزمة أزمة رجال، فأين الرجال؟ وان كثيرا من الناس يحرصون على الحكومات ويعتقدون أنها هي المفتاح، ولكن الحكومة يسيرها الرجال. فمن هم هؤلاء الرجال، وكيف هم؟ هذا هو داء العالم الاسلامي فأنتم هيئوا نفوسكم "لمعركة المستقبل" "معركة الاخلاق" و "الاخلاص والتضحية"، اذا وجد رجل واحد يستطيع أن يسنى نفسه ومصلحته، ومصلحة أسرته، وأصدقائه، وحزبه، ويستهدف مصلحة بلده، وأمته، لاستطاع أن يُحدث انقلابا. كان الجو قاتما، والعالم الاسلامي يعاني مشكلة

стр. 161

عظيمة، وكان الولاة جائرين، والجهاز فاسدا والمظالم سائدة، والحقوق تمتهن، والناس غير آمنين، وكان العالم الاسلامي من شرقه لغربه، ومن شماله لجنوبه، يعاني مرضا مرهقا. جاء رجل واحد هو "عمر بن عبد العزيز" عرف ربه، ونسي نفسه، وذكر اليوم الآخر، فاستطاع أن يغير هذا التيار، ويرغم العالم الاسلامي على أن يتجه الى الصلاح، أين الأفراد؟ وأين من ينتجهم؟ هل تنتجهم الكليات والمعاهد؟ لا، إنما يربيهم الايمان، وتنتجهم العقيدة والأخلاق. فلكمتي لكم، أن تهيئوا نفوسكم، ربوا فيها الايمان والعقيدة، كونوا مؤمنين بالله واليوم الآخر ومصلحة الاسلام، كونوا رجالا، اذا دانت لهم البلاد، وأصبحوا يملكون أزّمة الأمور لم يغيرهم الوضع الفاسد عما كانوا عليه، هذا كان شأن الصحابة، كانوا ضعفاء فقراء لا يملكون ما يكسون به أجسامهم، ويشبعون به بطونهم، فدانت لهم الدنيا وتفتحت لهم الخزائن فما تغيروا. بقي أبو عبيدة وسعد كما كانا، وجاء سلمان الى العراق واليا، فخرج الناس لاستقباله، فرأوه يحمل على رأسه حملا لرجل على أجره. ان العالم لم يفسد الا عندما فسد الأفراد، وفقد هذا الطراز الذي تخرج في مدرسة محمد ﷺ ، نحن في حاجة الى هذا

стр. 162

الطراز، وهولا يرتجى الا منكم، من مثل هذا الشباب المسلم، المؤمن الصادق الذي يوطن نفسه على الشظف والحياة البسيطة، ان من أمراض الأمة العربية، هذا التنعم والتبذير، والعادات القاهرة، لا يستطيع أحدهم أن يعيش من غير سيارة، وبيت فخم وراتب ضخم، ان هذه الأمراض قعدت بأمتنا، وهذا كان داء الرومان والفرس، فقد أسرفوا في المدنية والتنعم، يدل على ذلك أنه لما زحف المسلمون على المدائن وفتحوها، خرج "يزدجرد" يحمل معه ألف طاه وألف مرب للبزاة والصقور، ويقول: اني في حالة يرثى لها، أخذت هؤلاء فقط. إلى هذا الحد وصلت مدنيتهم، ولذلك انهارت هذا الانهيار الفظيع، كان الذي يلبس قلنسوة قيمتها دون ٥٠ ألف يعيَّر، وكانوا يلبسون مناطق بقيمة ٣٠ الى ٥٠ ألف، مرصعة بالجواهر والياقوت، فهذه المدنية الزائفة هي التي جنت عليهم، فخسروا الدولة والشرف، والمجد والحياة. فيهئوا نفوسكم للجهاد والدعوة، واذا قلدتم أمانة، فأحسنوا القيام عليها، هذه وصيتي لكم، وربما لا تقيمون وزنا لها، ولكنكم ستذكرون ذلك في المستقبل، فستذكرون ما أقول لكم "وأفوض أمري الى الله". ان الأزمة أزمة رجال، وأزمة إيمان وأخلاق، وإني أعيذ نفسي أن أؤمن بالفكرة القاصرة، القائلة بتغير الوضع، اذا تغيرت الحكومات والأحزاب، لقول الله تعالى: ﴿أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير، الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله ..... ﴾ الى أن قال: ﴿الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة، وآتوا الزكاة، وأمروا بالمعروف، ونهوا عن المنكر﴾ [الحج: ٤١]. انظروا كيف قدم ذكر هذه المحنة، التي خرجوا منها كما يخرج

стр. 163

الابريز من النار، وخرجوا من ديارهم بغير حق، حتى أصبحوا رجالا ان مكنهم الله في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر. فإذا لم نقطع هذه المرحلة لا نستطيع أن نصل الى الدرجة التي وصفها الله بقوله: ﴿الذين إن مكناهم في الأرض﴾ وقال تعالى: ﴿ألم تر الى الذين قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة﴾ لم يحدثهم عن الحكومة، والنتائج الأخيرة، ولكن رباهم تربية اسلامية عميقة شاملة للأخلاق والتفكير، حتى اذا نشأت النفوس، انطلقت الموجة، وكان ما كان. أقول وأنا مخلص ناصح، اهتموا بأنفسكم اهتماما دينيا، خلقيا، تربويا، فكريا، وآمنوا بأنكم أنتم العالم الاسلامي كما قال الشاعر: وفيك انطوى العالم الأكبرُ وإذا صلحنا صلح العالم الاسلامي واذا صلحت الاجزاء صلحت المجموعة. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم. ***

стр. 164

خاتمة ردة ولا أبا بكر لها (١) شهد التاريخ الاسلامي حوادث الاسلامي حوادث ردة عديدة، أبرزها وأعنفها ردة القبائل العربية على اثر وفاة الرسول ﷺ ، الثورة الكبيرة التي وأدها أبو بكر الصديق في مهدها بايمانه وعزمه الذي ليس له مثيل في التاريخ، ومنها حركة التنصر التي انتشرت في اسبانيا على اثر جلاء المسلمين، والتي ظهرت في بعض الاقطار التي استولت عليها الدول الغربية المسيحية ونشط فيها القسس و "الارساليات" ومنها قضايا شاذة من ارتداد بعض ضعاف العقول وصغار النفوس من المسلمين عن دين الاسلام واعتناقهم للبرهمية أو الآرية في الهند، ولكنها حوادث نادرة جداً، وفي الحقيقة أن تاريخ المسلمين لا يعرف الردة العامة - اذا استثنينا اسبانيا البائسة اذا صح أن نسميها ردة - كما اعترف به مؤرخو الديانات.

стр. 165

وتتسم هذه الحوادث كلها بسمتين: أولاهما المقت الشديد من المسلمين، والثانية الانفصال عن المجتمع الاسلامي، فكان كل من يرتد عن دينه يستهدف لسخط المسلمين الشديد، وينفصل عن المجتمع الاسلامي الذي يعيش فيه بطبيعة الحال، وتنقطع بمجرد ارتداده بينه وبين ذوي قرابته الاواصر والارحام، وكانت الردة انتقالا من مجتمع الى مجتمع، ومن حياة الى حياة، وكانت الاسرة تقاطعه وتهجره وتقصيه، فلا مصاهرة، ولا زواج، ولا اخاء، ولا توارث، وكانت حركات الردة تثير روح المقاومة في المسلمين والمقارنة بين الديانات، والدفاع عن الاسلام، وكل قطر من أقطار المسلمين ظهرت فيه حوادث الردة تحمس علماء المسلمين ودعاة الاسلام وحملة الاقلام فيه للرد عليها وتتبع أسبابها، وعرض محاسن الاسلام ومزاياه، واجتاحت المجتمع الاسلامي موجة عنيفة من السخط والاستنكار والقلق، وكانت هذه الحوادث المقيمة المقعدة للمسلمين وكانت الحديث العام والشغل الشاغل للعامة فضلا عن الخاصة وأهل الغيرة الدينية، هذا ما اتسمت به حوادث الردة، على ندرتها وشذوذها وعلى عدم تأثيرها في الحياة. ولكن جرب العالم الاسلامي في العهد الأخير ردة اكتسحت عالم الاسلام من أقصاه الى أقصاه، وبزت جميع

стр. 166

حركات الردة التي سبقتها في العنف وفي العموم، وفي العمق وفي القوة، ولم يخل منها قطر، وقلما خلت منها أسرة من أسر المسلمين، هي ردة تلت غزو أوربا للشرق الاسلامي، الغزو السياسي والثقافي، وهي أعظم ردة ظهرت في عالم الاسلام وفي تاريخ الاسلام، منذ عهد الرسول ﷺ الى يوم الناس هذا. ماذا تعني الردة في عرف الاسلام وفي مصطلح الشريعة الاسلامية؟ هي ابدال دين بدين، وعقيدة بعقيدة، وانكار ما جاء به الرسول وتواتر عنه وثبت بالضرورة من دين الاسلام. وماذا كان يعفل المرتد؟ ينكر الرسالة المحمدية - على صاحبها الصلاة والسلام - وينتقل الى المسيحية أو اليهودية أو البرهمية، أو يلحد في الدين وينكر الرسالات والوحي والمعاد، هذا ما كان يعرفه العالم القديم أو المجتمع القديم من معاني الردة، وكان كل من يرتد عن دينه يدخل الكنيسة اذا تنصر أو يدخل الهيكل أو معبد الاصنام اذا اعتنق البرهمية مثلا، فيعرف ذلك الجميع، ويصبح شامة بين الناس يشار اليه بالبنان، ويقطع منه المسلمون الأمل، ولا يكون ارتداده - في غالب الأحوال - سرا من الأسرار.

стр. 167

حملت أوروبا الى الشرق الفلسفات التي قامت على انكار أسس الدين وانكار القوة المصرفة لهذا العالم، القوة الواعية التي أخرجت هذا لعالم من العدم الى الوجود وبيدها زمام الكون ﴿ألا له الخلق والأمر﴾ وعلى انكار عالم الغيب والوحي والنبوءات، وانكار الشرائع السماوية، انكار القيم الروحية والخلقية، منها ما تبحث في علم الحياة والنشوء والارتقاء، ومنها ما تتصل بالأخلاق، ومنها ما تدور حول علم النفس، ومنها ما موضوعها الاقتصاد والسياسة، ومهما اختلفت هذه الفلسفات في ألوانها وأهدافها وأسسها، فإنها جميعا تلتقي على النظرية المادية المحضة الى الانسان والى الكون والتعليل المادي لظواهرهما وأفعالهما. غزت هذه الفلسفات المجتمع الشرقي الاسلامي وتغلغلت في أحشائه وكانت أعظم ديانة ظهرت بعد الاسلام في التاريخ، أعظمها انتشارا وأعمقها جذورا وأقواها سيطرة على العقول والقلوب، وأقبل عليها زهرة البلاد الاسلامية وزبدتها عقلا وثقافة، وأساغتها وهضمتها ودانت بها كما يدين المسلم بالاسلام والمسيحي بالمسيحية بكل معنى الكلمة، فهي تستميت في سبيلها وتقدس شعارها وتجل قادتها ودعاتها، وتدعو اليها في أدبها ومؤلفاتها، وتحتقر كل ما يعارضها من الاديان

стр. 168

والنظم والعقليات وتؤاخي كل من يدين بها، فأفرادها أمة واحدة وأسرة واحدة ومعسكر واحد. وما هي هذه الديانة - وان أبى أصحابها أن يسموها ديانة -؟ أانكار لفاطر الكون العليم الخبير الذي قدر فهدى، وانكار للمعاد وحشر الاجساد ووجود الجنة والنار والثواب والعقاب، وانكار النبوءات والرسالات وانكار الشرائع السماوية والحدود الشرعية، وانكار أن الرسول الأعظم هو الذي فرض الله طاعته على جميع الخلق وحصر الهداية والسعادة في اتباعه، وان الاسلام هو الرسالة الأخيرة الخالدة المتكفلة لجميع السعادات الدنيوية والاخروية ونظام الحياة الأمثل الأفضل، وهو الدين الذي لا يقبل الله غيره ولا يسعد العالم سواه، وانكار أن الدنيا خلقت للانسان وأن الانسان خُلق لله. هذه ديانة الطبقة المثقفة التي تملك زمام الحياة في أكثر البلدان الاسلامية، وان لم تكن كلها طبقة واحدة في الايمان بها والتحمس لها، وفيها ولا شك مؤمنون بالله متدينون بالاسلام، ولكن سمة هذه الطبقة التي تغلب عليها مع الاسف وديانة أكثر أفرادها ورؤسائها هي الديانة المادية وفلسفة الحياة الغربية التي قامت على الالحاد. انها ردة، أعود فأقول: اكتسحت العالم من أقصاه

стр. 169

الى أقصاه وغزت الاسر والبيوتات، والجامعات والكليات والثانويات والمؤسسات، فما من أسرة مثقفة - الا من عصم ربك - الا وفيها من يدين بها أو يحبها أو يجلها، واذا استنطقته أو خلوت به أو أثرته عرفت أنه لا يؤمن بالله، أو لا يؤمن بالآخرة، أو لا يؤمن بالرسول ﷺ ، أو لا يؤمن بالقرآن الكتاب المعجز الخالد ودستور الحياة، وأفضلهم من يقول أنه لا يفكر في مثل هذه المسائل ولا يهتم بها كبير اهتمام. انها ردة ولكنها لم تلفت المسلمين، ولم تشغل خاطرهم، لان صاحبها لا يدخل كنيسة أو هيكلا ولا يعلن ردته وانتقاله من دين الى دين، ولا تنتبه لها الاسرة فلا تقاطعه ولا تقصيه بل يظل يعيش فيها ويتمتع بحقوقها وقد يسيطر عليها، ولا ينتبه لها المجتمع فلا يحاسبه ولا يعاتبه ولا يفصله، بل يظل يعيش فيه ويتمتع بحقوقه وقد يسيطر عليه. إنها قضية العالم الاسلامي الكبرى، إنها مشكلة الأمة الإسلامية الكبرى، ردة تنتشر وتغزو المجتمع الاسلامي ثم لا ينتبه لها أحد، ولا يفزع لها العلماء ورجال الدين، لقد قالوا قديما: "قضية ولا أبا حسن لها" وأقول: قضية ولا أبا بكر لها. إنها قضية لا تطلب حربا ولا تطلب تهييج الرأي العام، ولا تطلب ثورة، ولا تطلب عنفا، بل ان العنف يضرها ويهيجها، والاسلام

стр. 170

لا يعرف محاكم التفتيش ولا يعرف الاضطهاد، انها تطلب عزما وتطلب حكمة، وتطلب صبرا واحتمالا وتطلب دراسة. لماذا انتشرت هذه الديانة في الشرق الاسلامي؟ لماذا استطاعت أن تغزو المسلمين في عقر دارهم؟ ولماذا استطاعت أن تسيطر على العقول والنفوس هذه السيطرة القوية؟ ان كل ذلك يطلب التفكير العميق الدقيق والدراسة الواسعة. ضَعُف العالم الاسلامي في القرن التاسع عشر المسيحي في الدعوة والعقيدة والعقلية والعلم وبدا عليه الاعياء والشيخوخة. والاسلام لا يعرف الشيخوخة والهرم، انه جديد كالشمس وقديم كالشمس وشاب كالشمس، ولكن المسلمين هم الذين شاخوا وضعفوا، فلا سعة في العلم ولا ابتكار في التفكير والانتاج، ولا عبقرية في العقل، ولا حماسة في الدعوة، ولا عرضا جميلا ومؤثرا للاسلام ومزاياه ورسالته الا النادر القليل. ولا صلة بالشباب المثقف والتأثير في عقليتهم وهم أمة الغد والجيل المرتجى، ولا محاولة لاقناعهم بأن الاسلام هو دين الانسانية والرسالة الخالدة، وأن القرآن هو الكتاب المعجز الخالد الذي لا تنقضي عجائبه ولا تنفد ذخائره ولا تبلى جدته، وأن الرسول هو العجزة الكبرى

стр. 171

ورسول الاجيال كلها وامام العهود كلها. وان الشريعة الاسلامية هي الآية في التشريع وهي الصالحة لمسايرة الحياة وقضاء مآربها الصالحة والاشراف عليها، وان الايمان والعقيدة والاخلاق والقيم الروحية هي أساس المدنية الفاضلة والمجتمع الكريم، وأن الحضارة الجديدة لا تملك الا الوسائل والآلات، وأن تعاليم الأنبياء هي مصدر العقيدة والخلق والغايات، ولا مطمع في المدنية الصالحة المتزنة الا بالجمع بين الوسائل والغايات. وفي هذه الساعة هجمت أوروبا بفلسفاتها التي تعب في تدوينها وتهذيبها كبار الفلاسفة ونوابغ العصر، وصبغوها بصبغة علمية فلسفية يخيل الى الناظر أنها غاية ما يصل اليها التفكير الانساني، ومنتهى الدراسات والاختبارات ونتاج العقول البشرية وعصارة التأملات، وكان فيها ما يقوم على الاختبار والمشاهدة وتصدقه التجربة، وما يقوم على الافتراض والتحكم والتخييل والتوهم، وفيها الحق والباطل والعلم والجهل والحقائق الراهنة والتخيلات الشعرية، وليس الشعر محصورا في النظم والقوافي، هو في الفلسفة والعلم أيضا. ووردت هذه الفلسفات مع الفاتحين الأوروبيين فخضعت لها العقول والنفوس البشرية، وأذعنت لها وقبلتها الطبقة المثقفة في الشرق وفيها من يفهمها وهم القلة

стр. 172

القليلة. وفيها من لا يفهمها وهم الكثرة الكاثرة، ولكن كل مؤمن بها مسحور بسحرها يرى الظرافة والكياسة في اعتقادها ويرى ذلك شعار المثقفين الاحرار. وهكذا انتشر الالحاد والارتداد في الأوساط الاسلامية من غير أن ينتبه له الآباء والأساتذة المربون وأهل الغيرة لأن أهلها لم يقوموا في كنيسة، ولم يدخلوا في معبد ولم يسجدوا لصنم ويذبحوا لطاغوت، وكان ذلك دليل الارتداد والكفر والزندقة في العهد القديم. وكان المارقون القدماء يخرجون من المجتمع الاسلامي وينضمون الى مجتمع الديانة التي يدينون بها جديدا، ويعلنون عقيدتهم وتحولهم بصراحة وشجاعة، ويحتملون كل ما يخسرونه في سبيل عقيدتهم الجديدة، ولا يلحون على البقاء في المجتمع القديم ليحافظوا على ما كانوا يتمتعون به من حقوق وحظوظ. أما الذي يقطع صلته عن دين الاسلام اليوم فلا يريد أن يقطع صلته عن المجتمع الاسلامي، مع أن المجتمع الاسلامي هو المجتمع البشري الوحيد الذي يقوم على العقيدة ولا يتحقق هذا المجتمع من غير عقيدة، ويلحون على أن يعيشوا في مراكزهم متمتعين بثقة هذا المجتمع، متمتعين بالحقوق التي يخولها الاسلام، ان هذا وضع شاذ لم يعرفه التاريخ الاسلامي.

стр. 173

وهنالك نزعات جاهلية ومبادئ جاهلية حاربها الاسلام بكل وضوح، وحاربها الرسول بكل قوة، كالعصبية الجاهلية التي تقوم على وحدة الدم أوالوطن، أو الجنس، وتُمجَّد هذه العصبية ويبالغ في تقديسها والدفاع عنها والقتال تحت رايتها وتوزيع المجتمع الانساني على أساسها حتى تصبح ديانة وعقيدة، وتسيطر على العقول والنفوس والارواح والآداب، ولا شك أنها في عمقها ورسوخها وقوتها وشمولها تنافس الأديان وتستعبد الانسان، وتحبط مساعي الأنبياء وتحدد الدين - الذي جاء ليحكم على الحياة - في العبادات والطقوس، وتقسم العالم الانساني الى معسكرات متحاربة والأمة التي قال الله عنها: ﴿وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون﴾ في أمم كثيرة. لقد حارب الرسول هذه العصبية الجاهلية بكل قوة ومن غير هوادة وأنذر منها وسد منافذها، فلا بقاء للدين العالمي ولا بقاء للامة الواحدة مع هذه العصبيات، ومصادر الشريعة الاسلامية زاخرة بانكارها وتشنيعها، والنصوص في ذلك أكثر من أن تستقصى، وهذا الذ ي يعرف بداهة من الاسلام، والذي عرف طبيعة الاسلام بل عرف طبيعة الأديان عرف أنها لا تسيغ هذه العصبيات، ومن درس التاريخ متجردا عن الميول والمذاهب السياسية

стр. 174

عرف أنها لم تزل ولا تزال من أقوى عوامل الهدم والتخريب والافساد والتفريق بين الانسان والانسان، والمعقول المنتظر من الانسان الذي جاء ليوحد العالم ويجمع النوع الانساني تحت راية واحدة وعلى عقيدة واحدة، ويكوّن مجتمعا جديدا قائما على الدين وعلى الايمان برب العالمين، ويبسط الأمن والسلام وينشر الحب والوئام بين أعضاء الأسرة الانسانية، ويجعلها جسدا واحدا اذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى، من المعقول جدا من هذا الانسان أن يحارب هذه العصبيات بكل وضوح وصراحة ويجعلها كلمة باقية في عقبه لعلهم يرجعون. ولكن العالم الاسلامي أصبح بعد ما غزته أوروبا سياسيا وثقافيا يخضع لهذه العصبيات الدموية والجنسية والوطنية، ويؤمن بها كقضية علمية وحقيقة مقررة وواقع لا مفر منه، وأصبحت شعوبه تندفع اندفاعا غريبا الى احياء هذه العصبيات التي أماتها الاسلام والتغني بها واحياء شعائرها والافتخار بعهدها الذي تقدم على الاسلام، وهو الذي يلح الاسلام في تسميته بالجاهلية وليس في معجمه تعبير أهول وأفظع منها، ويمن القرآن على المسلمين بالخروج عنها وبحَثِّهم على شكر هذه النعمة التي لا نعمة أعظم منها: ﴿واذكروا نعمة الله عليكم اذ

стр. 175

كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته اخوانا وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها﴾ ﴿بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان إن كنتم صادقين﴾ ﴿هو الذي ينزل على عبده آيات بينات ليخرجكم من الظلمات الى النور وان الله بكم لرؤوف رحيم﴾. والطبيعي من المؤمن أن لا يذكر الجاهلية مهما تقادم عهدها أو قارب الا بمقت وكراهية وامتعاض واقشعرار، وهل يذكر السجين المعذب الذي أطلق سراحه أيام اعتقاله وتعذيبه وامتهانه الا وعرته قشعريرة وثارت الذكريات الأليمة القاتمة! وهل يذكر البارئ من علة شديدة طويلة أشرف منها على الموت أيام سقمه الا وانكسف باله وامتقع لونه، وهل يذكر الانسان رؤيا فظيعة مفزعة رآها الا وشكر على أنها حلم زائل وهم راحل، والجاهلية التي تجمع معاني الجهل والضلالة والبعد عن الحقائق وأنواع الخطر والمضار في الدنيا والآخرة أعظم من كل ذلك، وجديرة بأن يثير ذكراها المقت الشديد وتحث على الشكر على التخلص منها وانقضاء أيامها، ولذلك جاء في الصحيح: "ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الايمان: أن يكون الله ورسوله أحب اليه مما سواهما، وان يحب المرء لا يحبه الا لله، وأن يكره أن يعود الى الكفر كما يكره أن يقذف في النار".

стр. 176

وقد ذم الله شعائر الجاهلية وأبطالها وعظماءها في غير رفق وتحفظ فقال: ﴿وجعلناهم أئمة يدعون الى النار ويوم القيامة لا ينصرون، وأتبعناهم في هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة هم من المقبوحين﴾ يقول: ﴿وما أمر فرعون برشيد، يقدُم قومه يوم القيامة فأوردهم النار وبئس الورد المورود، وأُتبعوا في هذه لعنة ويوم القيامة بئس الرفد المرفود﴾. ولكن كثيرا من الأقطار الاسلامية والشعوب الاسلامية - بتأثير الفلسفات الغربية والتفكير الغربي وحده - أصبحت تمجد عهدها العتيق الذي سبق الاسلام وحضارته وتقاليده، وتحن اليه، وتحرص على احياء شعائره وتخليد عظمائه وأبطاله وملوكه وأمجاده، كأنه عهدها الذهبي وكأنه نعمة حرمها الاسلام اياها، وفي ذلك من الجحود والنكران للجميل وقلة تقدير نعمة الاسلام وفضل محمد ﵊، وتهوين خطب الكفر والوثنية وما اشتملت عليه الجاهلية من خرافات وضلالات وسفاهات ومضحكات ومبكيات ما لا يعقل عن مسلم واع. وما يخاف معه الحرمان من نعمة الاسلام وسلب الايمان والتعرض لسخط الله الشديد وقد قال: ﴿ولا تركنوا الى الذين ظلموا فتمسكم النار وما لكم من دون الله من أولياء ثم لا تنصرون﴾.

стр. 177

زد الى ذلك ما يوجد في العالم الاسلامي اليوم من التهور في الحصول على المادة وايثارها على كل مبدأ وعقيدة، وايثار الدنيا على الآخرة، والاخلاد الى الأرض وابتاع الهوى، وما تبع ذلك من التفسخ والاستهانة بمحارم الله وشيوع الخمر والفسوق في الطبقات الراقية، حتى تكاد تكون هذه الطبقة نسخة واحدة وصورة واحدة في كل بلد اسلامي الا من عصم ربك وقليل ما هم، والتحرر من قيود الاسلام وفرائضه تحررا تاما حتى كأنها لا صلة لها بالاسلام وشريعته، وكأنها شريعة منسوخة وأسطورة خيالية. هذا تصوير العالم الاسلامي الديني والاعتقادي بالاجمال، وهي موجة جاهلية تكتسح العالم الاسلامي من أقصاه الى أقصاه، وهي أعظم موجة واجهها العالم الاسلامي في تاريخه الطويل، وهي تفوق كل موجة معارضة عرفها التاريخ الاسلامي سواءا في قوتها وفي شمولها وفي تأثيرها في المجتمع الاسلامي، وتمتاز عنها بأن المنتبهين لهذه الأخيرة قلائل، والذين ينقطعون الى محاربتها ويجندون لها قواهم ومواهبهم أقل، فقد حدث الالحاد وظهرت الزندقة بتأثير الفلسفة اليونانية في العهد القديم فوجد من يحاربها بعقله الكبير وذكائه النادر وعلمه الغزير ودراسته الواسعة وشخصيته القوية، وظهرت الباطنية والملاحدة فوجد من يحاربها بالعلم والحكمة والبرهان وبقي الاسلام محتفظا بنفوذه العقلي ومكانته العلمية ترتد عنه كل موجة عاتية، وينحسر عن طوده كل فيضان وكل سيل جارف. ليست المسألة مسألة انحطاط في الأخلاق، وضعف في العبادات، وترك

стр. 178

للشعائر، وتقليد للأجانب، وان كانت مسائل تستحق العناية والجهاد، ولكن مسألة العالم الإسلامي اليوم أعظم وأضخم من كل ذلك، انها مسألة كفر وإيمان، إنها مسألة بقاء على الاسلام وخلع له، ان المعركة قائمة بين الفلسفة الغربية اللادينية وبين الاسلام آخر الرسالات، وبين المادية والشرائع السماوية، ولعلها آخر معركة تقوم بين الدين واللادينية وانها تحدد مصير العالم. ان جهاد اليوم وان خلافة النبوة وان أعظم القربات وأفضل العبادات أن تقاوم هذه الموجة اللادينية التي تجتاح العالم الاسلامي وتغزو عقوله ومراكزه، وأن تعاد الثقة المفقودة الى نفوس الشباب والطبقات المثقفة بمبادئ الاسلام وعقائده وحقائقه ونظمه، وبالرسالة المحمدية، وأن يُزال القلق الفكري والاضطراب النفسي اللذان يساوران الشباب المثقف، وأن يُقنعوا بالاسلام عقليا وثقافيا، وأن تحارب المبادئ الجاهلية التي رسخت في النفوس وسيطرت على العقول علميا وعقليا، وأن يحل محلها المبادئ الاسلامية باقتناع وايمان وحماسة. لقد مضى علينا قرن كامل وأوروبا تغتصب شبابنا وعقولنا، وتنبت في عقولنا الشك والالحاد والنفاق وعدم الثقة بالحقائق الايمانية والغيبية، والايمان بالفلسفات الجديدة الاقتصادية والسياسية، ونحن معرضون عن مقاومتها ومعتمدون على ما عندنا من تراث، مضربون عن الانتاج الجديد، معرضون عن فلسفاتها ونظمها ومحاسبتها محاسبة علمية، ونقدها وتشريحها كتشريح الاطباء الجراحين، متعللون بالبحوث السطحية المستعجلة وبالزيادة في ثروتنا العلمية القديمة، حتى فوجئنا في العصر الأخير بانهيار العالم الاسلامي في الايمان والعقيدة، وملك زمام الأمور في البلاد الاسلامية، جيل لا يؤمن بمبادئ الاسلام وعقيدته، ولا يتحمس لها ولا تربطه بالشعب المسلم المؤمن البريء الا "القومية الاسلامية" أوالمصالح السياسية.

стр. 179

وبدأت هذه العقلية أو النفسية اللادينية تتسرب عن طريق الأدب والثقافة والصحافة والسياسة الى الجماهير، حتى أصبحت الشعوب الاسلامية - وفيها كل خير وكل صلاح وكل استعداد وهي من أصلح الكتل البشرية في العالم - خاضعة لهذه الطبقة بحكم ثقافتها وذكائها ونفوذها، وإذا بقي هذا الوضع تسرب الالحاد والفساد الى هذه الشعوب والى الطبقات التي تعيش في البادية والقرى وتعمل في المصانع والمزارع وصارت في طريق اللادينية والزندقة، هذا ما وقع في أوروبا وهو واقع في الشرق اذا جرت الأمور مجراها الطبيعي ولم تحل ارادة الله القاهرة. ان العالم الاسلامي في حاجة شديدة الى دعوة اسلامية جديدة وان هتاف الدعاة والعاملين فيه وهدفهم اليوم "الى الاسلام من جديد"، ولا يكفي الهتاف، انه لا بد من تصميم حكيم قبل العمل، لا بد من تفكير هادئ عميق كيف نرد الطبقة المثقفة اليت تحتكر الحياة وتملك الزمام الى الاسلام من جديد، وكيف نبعث فيها الايمان والثقة بالاسلام، وكيف نحررها من رق الفلسفات الغربية والحضارة العصرية ونظرياتها اللادينية. إنه في حاجة الى رجال ينقطعون الى هذه الدعوة ويكرسون عليها علمهم ومواهبهم وكفايتهم، ولا يطمعون في منصب أو جاه أو وظيفة أو حكومة ولا يحملون لاحد حقدا، ينفعون ولا ينتفعون، ويعطون ولا يأخذون، ولا يزاحمون طبقة في شيء تحرص عليه وتتهالك، حتى لا تكون لها حجة عليهم ولا للشيطان سبيل اليهم، شعارهم الاخلاص والتجرد عن الشهوات والانانيات والعصبيات. ان العالم الاسلامي في حاجة الى منظمات علمية تهدف الى انتاج الأدب الاسلامي القوي الجديد الذي يعيد الشباب المثقف الى الاسلام بمعناه الواسع من جديد، ويحررهم من رق الفلسفات الغربية التي آمن بها كثير منهم بوعي ودراسة وأكثرهم بتقليد وتسليم، ويقيم في

стр. 180

عقولهم أسس الإسلام من جديد، ويغذي عقولهم وقلوبهم، إنه في حاجة الى رجال في كل ناحية من نواحي عالم الاسلام عاكفين على هذا الجهاد. إنني لم أكن في فترة من فترات حياتي ممن يقول بفصل الدين عن السياسة وممن يفسر الدين لا يتصادم مع وضع - مهما انحرف وشذ عن الاسلام - وينسجم مع كل مجتمع ولا ممن يعتبر السياسة "الشجرة الملعونة في القرآن" بل أنا في مقدمة من يدعو الى ايجاد الوعي السياسي الصحيح في الشعوب الاسلامية وايجاد القيادة الصالحة، وممن يعتقد أن المجتمع الديني لا يقوم الا بالملك الديني الصحيح والحكم الصالح المؤسس على أسس الاسلام، ولا أزال أدعو الى ذلك حتى ألقى الله، إنما المسألة مسألة ترتيب وتقديم وتأخير، وما تقتضيه حكمة الدين وفقهه، وما تفرضه الأوضاع. إننا بذلنا جهودنا ومواهبنا وما أوتينا من فرص ووسائل في حركات سياسية وتنظيمية، وكان كل ذلك على أساس أن الشعب مؤمن وأن من يقوده ويملك زمامه - وهي الطبقة المثقفة لا محالة - مؤمن مقتنع بالاسلام وعقيدته ومبادئه، متحمس للاسلام وعلوه ونفاذ حدوده، واذا الأمر بالضد، واذا الشعب قد ضعف في ايمانه وانحط في أخلاقه من حيث لم نشعر، ولم يشعر، واذا الطبقة المثقفة ذابت في أكثر أفرادها العقيدة الاسلامية وتبخرت بتأثير فلسفات الغرب وسياسته ونفوذه، وكثير من أفرادها ثائر على العقيدة الاسلامية مؤمن بالفلسفات
следующие страницы →