غيرهم والتكفف لديهم والالتجاء في مواقع الخطر اليهم، وأطفئوا في قلوبهم شعلة الجهاد في سبيل الله، والحمية للدين، وأبدلوها بالوطنية العليلة، والقومية الناعسة، وأبدلوا جنونها الذي بعث الحكمة من مرقدها وأطلق العقل من أساره، والذي تمكن مما لم يتمكن منه العقل والعلم ف آلاف من السنين، أبدلوها هذا "الجنون" الحكيم بعقل ناقص عليل، لا يعرف الا الموانع والعراقيل.
وقد ظهر هذا التحول العظيم في العقيدة والنفسية، والافلاس في الروح والايمان، في شر مظاهره في حرب فلسطين، فكان فضيحة للعالم العربي في القرن الرابع عشر الهجري، كما كان انكسار المسلمين وفشلهم الذريع أمام الزحف التتاري فضيحة للعالم الاسلامي في القرن الثامن، فقد اجتمعت سبع دول عربية لتحارب الصهيونية وتدافع عن وطن عربي اسلامي مقدس، عن القبلة الأولى، وعن المسجد الثالث الذي تشد اليه الرحال، وعن جزيرة العرب والأقطار العربية التي أصبحت مهددة بالخطر اليهودي، فكانت حرب فلسطين دفاعاً عن حياة وشرف وعن دين وعقيدة، وكان العالم العربي بأسره ازاء دويلة صغيرة لم تستقر بعد، واتجهت الانظار الى مسرح فلسطين، وانتظر الناس معركة مثل معركة اليرموك، أو وقعة مثل وقعة حطين، ولماذا لا ينتظرونها والامة هي الامة، والعقيدة هي العقيدة، مع زيادة فائقة في العدد والعُدد. فلماذا لا ينتصر العرب وهم عالم؟ ولماذا لا يقضون على عدوهم وهو حفنة من المشردين؟
ولكنهم نسوا ما فعلت الايام وما فعلت التربية، وما فعلت الدول والزعامة السياسية، وما فعلت المادية بالأمة العربية في هذا العصر. لقد تقدم العرب الى معركة اليرموك حقا، ولكن بغير الايمان الذي تقدم به أسلافهم الى هذه المعركة في العصر الأول.
لقد تقدموا الى وقعة كانت وقعة حاسمة كحطين - لو ظفر
стр. 72
العرب - ولكنهم تقدموا بغير الروح التي تقدم بها صلاح الدين وجنده المؤمن المجاهد. تقدموا بقلوب خاوية تكره الموت وتحب الحياة، وأهواء مشتة، وكلمة متفرقة. يريدون أن يربحوا النصر ولا يخسروا شيئا، وأن يحافظوا على شرفهم ولا يخاطروا بشيء، كل يعتقد أن غيره هو المسئول عن الحرب، وعن الغلبة والهزيمة، ثم هم يقاتلون وحبلهم في يد غيرهم. اذا أرخى قليلا تقدموا، واذا جره تأخروا، واذا قال حارِبوا حاربوا، واذا قيل اصطِلحوا اصطلحوا، وما هكذا يكتسب الظفر ويقهر العدو.
أوردها سعد، وسعد مشتمل ... ما هكذا يا سعد تورد الابل
وبقي العالم متطلعا الى ما قرأه في تاريخ الجهاد الاسلامي من روائع الايمان، وخوارق الشجاعة والصبر، والاستهانة بالحياة والبسالة والبطولة، والاستقبال للموت، والتمني للشهادة، وحسن النظام، وروح الاطاعة والايثار، فلم ير من ذلك شيئا، الا لمعات واشراقات للايمان كانت تظهر من بعض المتطوعين في حرب فلسطين، والاخوان المجاهدين، تجندوا وتطوعوا للحرب بدافع الايمان، والدفاع عن الاسلام، وحملتهم الحمية الدينية على المغامرة، ودفعتهم الى ميدان الحرب، فشرفوا الدين وأرعبوا القلوب، وأعادوا التاريخ القديم، وبرهنوا على أن الايمان لا يزال المنبع الفياض للقوة والنظام، وأن عنده من القوة والنفوذ، والتنظيم وروح المقاومة والجهاد، ما ليس عند الدول الكبيرة المنظمة.
خاتمة
بين الصُورة والحقيقة
لقد ثبت مما ذكرناه في هذا المقال، وما سردناه من الأمثلة والاخبار، وشهادات التاريخ ومشاهدات هذا العصر - وما حرب فلسطين منا ببعيد - أن المد والجزر في تاريخ الاسلام وأحوال المسلمين تابعان
стр. 73
للمد والجزر في الايمان، وقوة معنوياتهم التي تنبثق من الدين، وان منبع قوة هذه الأمة في باطنها، وهو القلب والروح، فاذا عمر القلب بالايمان بالله ورسوله واليوم الآخر، وتزكت الروح بتعاليم الدين والاخلاق الاسلامية، وجاش الصدر بالحمية الدينية جيشان المرجل، وأخذ المسلمون عدتهم من القوة المادية، وأعدوا للعدو ما استطاعوا وأدركوا ما عليه العالم من جور وظلم، ومن جهالة وسفاهة، وضلال في الدين والدنيا، وعلموا أن الزمان قد استدار كهيئته يوم جاء الاسلام، والعالم قد عاد جاهليا كما بدأ: ﴿ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس﴾ [الروم: ٤١]. فانعطفوا عليه ورأوا كأن العالم في حريق ولا ماء الا عندهم، فسعوا به يطفئون النار التي عمت الدنيا، ونسوا في سبيل ذلك لذاتهم، وتكدر عيشهم، وطار نومهم، وجن جنونهم، فعند ذلك يتحولون قوة خارقة للعادة، لا يغلبها العالم، ولو سعى بأسره وجيمع شعوبه وجنوده، ودوله، ويصيرون قضاء الله الغالب وقدره المحتوم وكلمته العليا.
﴿ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين. إنهم لهم المنصورون. وإن جندنا لهم الغالبون﴾ [الصافات: ١٧١ - ١٧٣].
﴿ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين﴾ [آل عمران: ١٣٩].
стр. 74
بين الصُورة والحقيقة
إن كل شيء له صورة وحقيقة، وبينهما فرق كبير رغم الشبه العظيم، تميزون بينهما بسهولة في حياتكم، وتعاملون الحقيقة بما لا تعاملون به الصورة، وأضرب لذلك مثلين: هذه مُثُل للثمار المصنوعة من الخزف، تتراءى للناظر كأنها تفاح، ورمان، وبرتقال، وعنب، وموز، في لونها وشكلها، ولكن أين الصورة من الحقيقة وأين طعم هذه الثمار ورائحتها؟ إنها ليست الا للزينة أو المثال.
إنكم ترون في المتحف كل نوع من السباع والانعام، والطيور الجميلة، والعصافير الصغيرة، ففيها الاسد، والذئاب، والافيال والدباب، وفيها كل طائر جارح، وكل سبع مخيف، ولكنها جثث هامدة لا حراك بها،
стр. 75
وأجساد ميتة محشوة بالليف والقطن، ليس فيها رمق من حياة، وقوة تهجم بها وتصول، حتى لا تحس منها من أحد ولا تسمع لها ركزا.
ان الصورة لا تستطيع أن تسد مكان الحقيقة وتنوب عنها، ولا يمكنها أن تمثل دور الحقيقة في الحياة وتأتي بما تأتي به من عمل ونشاط، ولا يمكن أن تقاوم الحقيقة وتكافحها، فإذا وقع صراع بينهما انهارت الصورة، ولا يمكنها أن تحتمل عبء الحقيقة، فإذا وكل أحد الى الصورة وظيفة الحقيقة أو عوّل عليها في مهمة خانته الصورة وخذلته أحوج ما يكون اليها.
والصورة ولو كانت مهيبة هائلة تغلب عليها الحقيقة ولو كانت ضعيفة متواضعة، لان الحقيقة الحقيرة أقدر وأقوى من الصورة العظيمة المهيبة، وان الولد يقدر أن يسقط الاسد الميت المحشو بالليف والقطن بيده الضعيفة الناحلة، لأن الولد يحمل حقيقة ولو حقيقة صغيرة، والاسد ليس الا صورة ولو كانت صورة مهيبة.
ان هذا العالم الذي نعيش فيه عالم الحقيقة والامر الواقع، وقد خلق الله كل شيء على حقيقته: فللمال حقيقة، وحبه فطري طبعي، ولاجل ذلك وردت عنه الاحكام ووضع الله فيه التأثير والجذب، وللاولاد حقيقة،
стр. 76
والحنان اليهم وحبهم فطري، ولاجل ذلك وردت الاحكام في الشرع عن تربيتهم وتعليمهم. وكذلك للحاجات الطبيعية والميول الفطرية حقيقة لا تجحد، ولا تغلب تلك الحقائق الا حقيقة أقوى ورغبة أعظم وأشد.
إننا نحتاج الى حقيقة الاسلام والايمان للظفر على الحقائق المبثوثة في العالم، أما صورة الاسلام فهي عاجزة عن أن تقهر هذه الحقائق وتنتصر عليها، وان كانت حقائق ممزوجة بالباطل، لان الصورة المجردة لا تنتصر على أي حقيقة.
ولذلك نرى اليوم بأعيننا أن صورة الاسلام أصبحت لا تغلب على الحقائق المادية الحقيرة، لأن الصورة ولو كان ظاهرها مقدسا رائعا ليس لها سلطان وتأثير، وأن صورة اسلامنا وصورة كلمتنا وصلاتنا اليوم لا تقدر أن تتغلب على عاداتنا الحقيرة، وتقهر شهواتنا الخسيسة، أو تثبتنا على جادة الحق عند البلاء والامتحان.
ان الكلمة التي كانت من قبل ذات سلطان عجيب على القلوب والارواح، وكانت تهون على الناس ترك المألوفات وقهر الشهوات، والشهادة في سبيل الله وبذل الارواح والأنفس لله، واحتمال المكاره وتجرع المرائر في سبيل الله، هي عاجزة عن أن تحمل الناس على ترك فرشهم بعد أن استغرقوا في النوم طول الليل، ويقوموا لصلاة الفجر! نعم، الكلمة التي كانت تغلب على شهوة الخمر، فتحول بين الانسان وبين الكأس وهي على راحته، فيمتنع عن شربها لان الدين يمنع من ذلك، ولأن الكلمة تأبى عليه أن يشرب الحرام، ها هي الآن قد أصبحت لا تملك أمرا ولا نهيا.
سرِّح طرفك في تاريخ الاسلام وتجول في فصوله وأوراقه، يظهر
стр. 77
لك أن كلمة الاسلام التي كان الصحابة وكان المسلمون في القرون الاولى يتلفظون بها، كانت ذات حقيقة ثابتة، وكانت كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها. وكلمتنا نحن ألفاظ مجردة، ونطق فارغ، ولأجل ذلك ترى عدم تأثيرها في حياة الأمة. ثم إننا مع ذلك نحاول أن نطبق حياة أصحاب النبي ﷺ على حياتنا، ونرجو أن تؤتي هذه الكلمة أكلها كل حين، وتحدث ما أحدثت في الماضي، حتى إذا لم يكن ذلك بطبيعة الحال تسائلنا وقلنا: "ألسنا مسلمين؟ ألسنا نصلي ونصوم؟ ألا نتلفظ بكلمة الاسلام ونرددها صباح مساء؟ فلماذا هذا الفرق الهائل بين عهدنا وعهد الخلفاء الراشدين؟! ولماذا هذا البون الشاسع بين حظنا وحظهم؟! وأين ثمرات شجرة الايمان؟! وأين نتائج الصلاة والصيام؟! وأين ما وعد الله من النصر المبين، والاستخلاف والتمكين؟!
لا تخدعنا أنفسنا!! ولنعلم أنهم كانوا أصحاب جد وحقيقة في الدين. لقد كانت كلمتهم حقيقة، وكانت صلاتهم حقيقة، ونحن متجردون عن هذه الحقائق، فرجاء أن تثمر الصورة ما أثمرت الحقيقة وتغني غناءها، انما هو وهم وخيال، وضرب من المحال.
أما قرأتم في التاريخ أن خبيبا ﵁ رفعوه على الخشبة، وتناولوه بالرماح والاسنة، حتى تمزق جسمه وهو قائم لا يشكو ولا يئن، فقالوا له: "أتحب أن يكون محمد ﷺ مكانك؟ " فيضطرب ويقول: "والله لا أحب أن يفديني بشوكة يشاكها في قدمه! " يا أبناء الإسلام! إن الذي ثبته في هذا المكان، وألهمه أن ينطق بمثل هذه الكلمة العريقة في حب الرسول
стр. 78
هل هي صورة الاسلام؟ لا، بل هي الحقيقة التي مثلت بين عينيه الجنة، والرماح تنوشه وتعبث بجسمه، وناجته، وقالت: صبرا يا خبيب، فما هي الا لمحات وثوان، وها هي الجنة تنتظرك، ورحمة الله ترتقبك، فاذا احتملت آلام هذا الجسد الفاني والحياة الزائلة العابرة نلت السعادة الدائمة، والحياة الباقية.
هذه هي اللذة الروحية وحقيقة الحب والايمان التي أبت على خبيب أن يطلَق ويؤذى رسول الله ﷺ بشوكة في قدمه، فهل تستطيع الصورة أن تحمل صاحبها على هذا الاخلاص والتفاني، والثبات على العقيدة والصبر على الموت؟! كلا ان الصورة لا تستطيع أن تقاوم الشدائد والآلام، بل حتى الخيالات والاوهام، وقد بدا لنا ذلك في الاضطرابات الطائفية الماضية في الهند، فان أناسا من المسلمين قد غيروا صورة الاسلام خوفا مما مر بخاطرهم من الفزع، وخشية الموت، وما دار في رؤوسهم من معارك خيالية حامية، واختاروا شعار الكفر، وذلك لأن هؤلاء الناس قد كانوا متحلين بالصورة، فارغين عن الحقيقة ...
هاجر سيدنا صهيب ﵁، فلما كان في الطريق اعترضته جماعة من مشركي مكة وقالوا له:
стр. 79
أتيتنا صعلوكا حقيرا، فكثر مالك عندنا، وبلغت الذي بلغت، ثم تريد أن تخرج بمالك ونفسك؟ والله لا يكون ذلك، وهناك قامت المعركة بين حقيقة الاسلام وحقيقة المال، ودارت بينهما رحى الحرب، فانتصرت حقيقة الاسلام على ضدها، وقال لهم صهيب: "أرأيتم إن جعلت لكم مالي أتخلون سبيلي؟ قالوا: نعم قال: فإنني قد جعلت لكم مالي (١) " وهكذا انطلق صهيب بدينه، متجردا من ماله، فرحا مسرورا كأنه لم يفقد شيئا، ولم يخسر شيئا.
وخرج سيدنا أبو سلمة بزوجه وابنه يريد المدينة: فلما رآه رجال من بني المغيرة قاموا اليه فقالوا: هذه نفسك غلبتنا عليها، أرأيت صاحبتنا هذه، علام نتركك تسير بها في البلاد؟! ونزعوا خطام البعير من يده، وأخذوها منه، وأخذ بنو عبد الاسد سلمة ولده الصغير، هناك اصطدمت حقيقة الاسلام بحب الزوج والولد، فما لبثت أن انتصرت عليه، وغادر أبو سلمة زوجه وولده تحت رعاية الله، وهاجر وحيدا، هل الصورة تستطيع ذلك؟ وهل يقدر أصحابها على ترك الزوجات والاولاد في سبيل العقيدة والدين؟ كلا! بل سمعنا أن أناسا قد
стр. 80
ارتدوا عن دينهم للمال، والأزواج، والأولاد، وغير ذلك من متع الدنيا وزخارفها.
كان أبو طلحة مقبلا على صلاته، فاذا طائر يدخل في بستانه ثم لا يجد الطريق للخروج، ويميل اليه قلب أبي طلحة، فلما انصرف من صلاته تصدق بهذا البستان، لأنه لا يحب أن يشغله شيء عن حقيقة صلاته، وينازع قلبه!
ان للبستان حقيقة، وأكله حقيقة، ولا تغلب هذه الحقائق الا حقيقة الاسلام، وان صلاتنا اليوم مجردة عن الحقيقة، ولذلك لا تقدر أن تقاوم أدنة الحقائق المادية.
لقد كان في حرب اليرموك بضعة آلاف من المسلمين، وأما الروم فقد كان عددهم يبلغ مائتي ألف أو يزيدون، فاذا نصراني كان يقاتل تحت لواء المسلمين يقول: ما أكثر الروم وأقل المسلمين. فيقول خالد ﵁: والله لوددت أن الأشقر براء من توجيِّه، وأنهم أضعفوا في العدد (١).
بم كان خالد ﵁ مطمئنا، ولم لم يشغل خاطره هذا العدد الهائل ولم لم تكبر في عينه جنود الروم
стр. 81
الكثيفة ذلك؟ لأنه كان مؤمنا بالله واثقا بنصره. ولأنه كان يعلم أنه على الحقيقة، وإن مقابله صورة فحسب، وان الروم صورة فارغة عن الحقيقة، وكان يعتقد أن الصورة مهما كثرت، لا تقدر أن تقاوم حقيقة الاسلام.
لا شك أننا نتلفظ بكلمة الشهادة والتوحيد، ومنا من يعرف ما يقول، ولكن الصورة شيء والحقيقة شيء آخر، أن أصحاب النبي ﷺ والمسلمين الصادقين كانوا على حقيقة هذه الشهادة، فإذا قالوا لا إله الا الله اعتقدوا أنه لا إله غيره، ولا رب غيره، ولا رازق غيره، ولا نافع ولا ضار الا هو، له الملك والحكم، والخلق والأمر، وبيده ملكوت كل شيء، يجير ولا يجار عليه، وأخلصوا له الحب، والخوف، والسؤال والرجاء، والعبادة، والدعاء، وأصبحوا عبادا حنفاء، شجعانا أقوياء، لا يهابون العدو، ولا يخافون الموت، ولا يبالون بلومة لائم.
نرجع الى أنفسنا، ونفكر هل هذه هي الحقيقة متغلغلة في أحشائنا، ومتسربة في عروقنا وشراييننا، وهل غرس حياتنا يسقى بهذا الماء؟ معذرة وعفوا أيها السادة، إنا نخاف أن لا يكون الأمر كذلك، وأن نصيب الصورة في حياتنا أكثر من نصيب الحقيقة، وذلك موضع الضعف في حياتنا، وسر شقائنا ومصائبنا، اننا جميعا
стр. 82
نؤمن أن الآخرة حق، والجنة حق، والنار حق، والبعث بعد الموت حق، ولكن هل اننا حاملون لحقيقة الايمان كأصحاب النبي ﷺ ومن تبعهم بإحسان؟ وقد سمعنا أن أحدهم سمع رسول الله ﷺ يقول: قوموا الى جنة عرضها السموات والأرض فرمى بما معه من التمر وقال: لئن أنا حييت حتى آكل تمراتي هذه، إنها لحياة طويلة، وقاتلهم حتى قتل، لأن الجنة كانت عنده حقيقة لا يشك فيها، فمن أيقن يقول كأنس ابن النضر: إني لأجد ريح الجنة من دون أحد.
أتى رجل من المسلمين يوم اليرموك وقال للأمير: إني قد تهيأت لأمري، فهل لك من حاجة الى رسول الله ﷺ ؟ قال نعم! تقرئه عني السلام وتقول: يا رسول الله! إنا قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا.
أفيقول هذا الا من يوقن أنه مقتول في سبيل الله، وملاق رسول الله ومجتمع به في نعمة الله، وأنه مكلمه ومحدثه، فإذا حصل لرجل مثل هذا اليقين، فما الذي يمنعه من استقبال الموت، وما الذي يحول بينه وبين الشهادة؟!
إن أكبر انقلاب وقع في تاريخ هذه الأمة، هو أن الصورة احتلت مكان الحقيقة، واستولت على حياة الأمة، وذلك من عهد بعيد في
стр. 83
التاريخ، والذين كانوا يرون الصورة من بعيد يعتقدون أنها الحقيقة، ولذلك يذعرون ويشفقون من قربها، فكانت هذه الصورة الاسلامية كمجدار ينصبه الفلاح في حقله كيلا يحل فيه الطير والوحش، ولا تزال الطيور والوحش تظن أنه انسان، أو حارس، فلا تقربه حتى يتشجع غراب ذكي، أو حيوان جريء فيجد أنه ليس بشيء، هنالك تدخل الطيور والوحش في هذا الحقل وتعيث فيه، وتتلف زرعه، وقد وقع للمسلمين نفس الحادث، لقد حرستهم صورة الاسلام مدة طويلة جدا، فلم تجترئ عليهم أمم العالم، ولم يدر بخلد أحد أن يمتحن هذا الشبح المخيف ويتحققه.
ولكن حتى متى؟ لما أغار التتار على بغداد، افتضح المسلمون وظهر افلاسهم في الروح والقوة المعنوية، من ذلك الحين أصبحت الصورة عاجزة عن أن تحافظ عليهم، وتذود عنهم المكروه وتدفع عنهم غارات الامم، فان الصورة لا تقوم الا على الجهل والغرور، فاذا انكشف الغطاء وزاح الستار، تبين الصبح لذي عينين. وان ما نرى ونقرأ في تاريخ الاسلام من أخبار انكسار المسلمين وهزيمتهم في ميادين القتال، ان كل ذلك أخبار انخذال الصورة وفضيحتها لا غير، وقد فضحتنا الصورة في كل معركة وحرب ومقاومة واصطدام، ولكن الذنب علينا، حملنا الحقيقة على ظهر الصورة، فلم تستطع حمله ولم تمسكه، وعقدنا الآمال الكبار بالصورة الضعيفة فخيبت رجاءنا، وكذبت أمانينا، وخذلتنا في الميدان.
تكرر الصراع بين صورة الاسلام وشعوب العالم وجنودها، وفي كل مرة تنخذل وتنهزم الصورة، ويعتقد
стр. 84
الناس أنه هزيمة الاسلام وخذلانه، وبذلك هان الاسلام في عيون الناس وزالت مهابته عن القلوب، ولا يدري الناس أن حقيقة الاسلام لم تتقدم الى ساحة الحرب منذ زمن طويل، ولم تنازل أمم العالم، وان الذي يبرز في الميدان هو صورة الاسلام لا حقيقته، وخليق بالصورة أن تنهزم، وتضمحل أمام الواقع والأمر الجد.
هاجمت بعض الدول الاوربية في الحرب الأولى تركيا الاسلامية، تركيا التي أرعبت أوربا كلها، وهزمت دولها مرة بعد مرة، وكانت تركيا في هذه المرة حاملة لصورة شاحبة للاسلام، وقد فقدت شيئا من حقيقة الايمان، ففشلت في المقاومة وفقدت كثيرا من ممتلكاتها.
واجتمع سبع دول عربية لمحاربة الصهيونية في فلسطين، وكانت هذه الدول العربية عليلة الروح، وقد أطفأت المادية الأوربية جمرة القلوب وشعلة الجهاد في سبيل الله، وحببت اليها الحياة واللذات، ثم إنها تتخلف تخلفا كبيرا في المعدات الحربية والتنظيمات العصرية، فكانت الحرب بين العرب المسلمين واليهود الصهيونيين صراعا بين صورة الاسلام وحقيقة القوة والتنظيم والحماسة، فكانت نتيجة هذه الحرب نتيجة كل صراع بين الصورة والقوة.
стр. 85
ان الصورة لها منزلة ومكانة عند الله تعالى، لأنه قد عاشت فيها الحقيقة قرونا طويلة، ويحبها الله لأنها صورة أوليائه ومحبيه، وكذلك نعرف لها الفضل، لأن الانتقال من صورة الاسلام الى حقيقة الايمان أسهل بكثير من الانتقال من حقيقة الكفر أو صورته الى حقيقة الايمان والاسلام، فلنحافظ على هذه الصورة ولنتمسك بها، ولكن لا ينبغي أن نقنع بها ونستهين بالحقيقة والروح.
يا أبناء الإسلام، إن وعد الله من النصرة والفتح في الدنيا، والنجاة والغفران في الآخرة، كل ذلك محصورا في حقيقة الاسلام، وذلك قوله تعالى: ﴿ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين﴾ [آل عمران: ١٣٩] لا شك فإن الخطاب في هذه الآية للمسلمين، ومع ذلك اشترط الايمان للعزة في الأرض والعلو والشوكة، وقال في موضع آخر: ﴿إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد﴾ [غافر: ٥١] وقال أيضاً: ﴿وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم، وليمكننّ لهم دينهم الذي ارتضى لهم، وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا، يعبدونني لا يشركون بي شيئا، ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم
стр. 86
الفاسقون﴾ [النور: ٥٥] ورغم أن جميع تلك الوعود كانت على أساس الإيمان والأعمال الصالحة اشترط أن يكون في المسلمين حقيقة الايمان والتوحيد.
إن أكبر مهمة دينية في هذا العصر، وأعظم خدمة، وأجلها للأمة الإسلامية، هي دعوة السواد الأعظم للأمة وأغلبيتها الساحقة الى الانتقال من صورة الاسلام الى حقيقة الاسلام، فلمثل هذا فليعمل العاملون ويبذلوا جهودهم ومساعيهم في بث روح الاسلام في جسم العالم الاسلامي، ولا يدخروا في ذلك وسعا، فبذلك يتحول شأن هذه الأمة، وفي نتيجته شأن العالم بأسره، فإن شأن العالم تبع لشأن هذه الأمة، وشأن الأمة تبع لحقيقة الاسلام، فإذا زالت حقيقة الاسلام من الأمة المسلمة، فمن يدعو العالم الى حقيقة الاسلام، ومن ينفخ فيه الروح؟ قال سيدنا عيسى ﵇ لاصحابه: "أنتم ملح الأرض، فإذا زالت ملوحة الملح فماذا يملح الطعام؟ ".
قد أصبحت حياتنا اليوم جسدا بلا روح، لأن السواد الأعظم للأمة مجرد عن الروح، فارغ عن الحقيقة، فكيف تعود الروح والحقيقة في الحياة الانسانية مرة أخرى؟!
ان في هذا العالم أمما لا تزال فارغة عن الحقيقة والروح منذ أقدم العصور الى يومنا هذا، ولم يبق فيها الا عدة معتقدات مرسومة، وبضع صور حقيرة مجردة عن الروح، وانتهت حياتنا الدينية والروحية الحقيقية، حتى ان انشاء أمة بأسرها أيسر من اصلاح هذه الأمم وتجديد
стр. 87
حياتها الدينية والخلقية، والذين نهضوا لاصلاحها، وبذلوا قصارى جهدهم في هذا السبيل قد أخفقوا ولم يفلحوا في مهمتهم، رغم الوسائل العظيمة الكثيرة التي حدثت في هذا العهد من الطبع والنشر، والتأليف والاذاعة، والتعليم والتربية، وطرق الدعاية والتأثير، وذلك لأن عروة دينها قد انفصمت انفصاما تاما، وانقطعت علاقتها عن منبع الحياة الدينية، والخلقية والروحية.
أما الأمة الإسلامية فلا تزال - على علاتها وضعفها - مستمسكة استمساكا ما بعروة الدين، وهي الايمان بالله والرسول، واليقين بالدار الآخرة والحساب، لم تتركها البتة، ولم تنقطع عنها انقطاع الأمم الأخرى، بل ان ايمان كثير من عامة المسلمين ودهمائهم يُزري بايمان كثير من خواض الأمم الأخرى، وعليتهم، ويفوقه متانة ورسوخاً وحماسة، ثم ان كتابها لا يزال في يدها لم يتناوله التحريف، ولم يعبث به العابثون كما فعلوا بالصحف الأولى، ولا تزال سيرة الرسول وأسوته الحسنة بمتناول يدها، فالدعوة الى الدين ميسورة، والتجديد ممكن، والقلوب متهيئة، وجمرة الايمان سريعة الاتقاد، والشقة بين الصورة والحقيقة قصيرة، والقنطرة بينهما الدعوة الى تجديد الايمان، والرجوع الى الدين، والتشبع
стр. 88
بروحه والتحلي بحقيقته.
لست قانطا من ظهور حقيقة الاسلام في هذا العصر، ولا نصدق أبداً بأن الزمان قد تغير والمسلمين قد ابتعدوا جدا عن روح الاسلام، فلا أمل في حقيقة الاسلام وغلبتها من جديد، انظروا الى ورائكم ترون جزر حقيقة الاسلام قائمة منتشرة في فجر التاريخ، وان الحقيقة لم تزل تطفو كلما رسبت وتظهر كلما اختفت، وكلما ظهرت حقيقة الاسلام وتجلت في ناحية من نواحي العالم الاسلامي أو عصر من عصور التاريخ الاسلامي، غلبت وانتصرت، وكذبت تجارب الناس وقياسهم وتقديرهم، وكادت الأحوال والأمور أن تعود الى ما كانت عليه في الماضي السعيد، وهبت على قلوب الناس نفحات القرن الأول، وان حقيقة الاسلام في هذا العصر اذا ظهرت وتمثلت في جماعة، تستطيع أن تذلل كل عقبة، وتهزم كل قوة، وتأتي بعجائب وآيات من الايمان والشجاعة والايثار، يعجز الناس عن تعليلها كما عجزوا من قبل عن تعليل حوادث الفتح الاسلامي، وأخبار القرن الأول.
***
стр. 89
خاتمة
ثورة في التفكير (١)
إننا - معشر المسلمين - في حاجة الى ثورة، ثورة في التفكير.
منذ قرون طويلة بدأنا ننظر الى أنفسنا كمجموعة بشرية موزعة في العالم، منتشرة في البلاد، ذات قوميات مختلفة، ولغات متنوعة، وثقافات محلية، محاطة بظروف، وأجواء خاصة، "وامكانات" محدودة، تجمع بين فروعها المختلفة، وأسرها المتشتتة "وحدتان" اثنتان لا ثالثة لهما، "العقيدة" "والخضوع للغرب، والانحصار عليه في المعيشة والسياسة".
ومنذ مدة طويلة بدأنا نزن أنفسنا، وقيمتنا ومكانتنا في خارطة العالم بهذه الطاقات "والامكانات" وبما نملكه من الوسائل، والمواد الخام، وحواصل البلاد ومنتجاتها، وعدد النفوس والقوة الحربية، فنرى كفتنا
стр. 90
راجحة في اقليم، طائشة في آخر، راجحة في حين، طائشة في حين آخر.
ومنذ مدة طويلة آمنا بسيادة الغرب وقيادته، وأنه أمر مقرر وواقع ليس منه مفر، وآمنا بأنه وضع لا يقبل التحول ولا التطور، وتجدد المثل القديم، وأصبح عقيدة شائعة: "إذا قيل لك أن التتر انهزموا فلا تصدق (١) ".
وأصبحنا لا نفكر في معارضة الغرب، ومناقشة سيادته وجدارته للسيادة، وإذا فكرنا في ذلك - على حين غفلة من العلم، والدراسة والكياسة - استعرضنا طاقاتنا، ووسائلنا والقوة الحربية في بلادنا، وسهمنا من المخترعات الحربية، والطاقات الذرية، فاستولى علينا اليأس والتشاؤم، وآمنا بأننا لم نخلق الا للخضوع والخنوع، ولنعيش على هامش الحياة، وعيالا على الغرب، مرتبطين ومعقودي النواصي بأحد المعسكرين المتنافسين.
هكذا يفكر العرب، وهكذا يفكر المسلمون في باكستان، وفي اندونيسيا وفي تركيا.
وهكذا يفكر الناس في اليابان، وفي الصين، وفي الهند، وفي سيام، وفي بورما.
стр. 91
هذا هو التفكير "السليم" وهذا هو المنطق "السديد" - كما يسميه الناس - وهذا هو الاستنتاج العلمي المبني على الدراسة، والايمان بقوة الاسباب، وطبيعة الأشياء.
ولكن هناك جماعة لا تقبل هذا التفكير، ولا تؤمن بهذا المنطق، بل تثور على هذا المنهج الفكري ثورة قوية عارمة، ان لها منهجا - في العمل - مختصا بها، والى هذا المنهج يرجع الفضل في أفضل الثورات، وأصلحها وأقواها في التاريخ، وفي تغير الأوضاع في العالم تغيرا مدهشا، وفي سعادة البشرية بعد الشقاء الطويل، وصلاح المجتمع البشري بعد الفساد الشامل.
ولا أمل للأمم الضعيفة الا في هذا المنهج، ولا مستقبل للأمم - التي تؤمن بالمبادئ، وتحتضن الدعوات - الا في هذا المنهج.
ولنفهم هذا المنهج، وقوته، وفضله، ونتائجه الباهرة للعقول، نرجع قليلا الى الماضي، ونستوحي "الصحف الصادقة"، يولد موسى في مصر في بيئة قاتمة خانقة، قد انطبقت على بني اسرائيل كل الانطباق، وسدت في وجوههم المنافذ والأبواب، حاضر شقي، ومستقبل مظلم، وقلة عدد، وفقر وسائل، وذلة نفوس، عدو قاهر، وسخرة ظالمة،
стр. 92
لا قوة تدافع ولا دولة تحمي، أمة مصيرها معلوم محتوم، قد خلقت للشقاء والفناء.
ويولد موسى، وولادته وحياته كلها تحد لفلسفة الأسباب، ومنطق الأشياء، أراد فرعون أن لا يولد فولد، وأراد أن لا يعيش فعاش، يعيش في صندوق خشبي مسدود، وفي ماء النيل الفائض، وينشأ في حضانة العدو ورعاية القاتل، ويجد به الطلب القوي الساهر، فيفلت وينجو، ويأوي الى ظل شجرة كئيبا غريبا فيجد الضيافة الكريمة، والزواج الحبيب، ويرجع بأهله فيلفه الليل المظلم والطريق الموحش، وتتمخض زوجه فيطلب لها نارا تصطلي بها، فيجد نورا يسعد به بنو اسرائيل، ويهتدي به العالم، يطلب النجدة والمدد لامرأة واحدة، فيجد النجدة والمدد للانسانية كلها، ويُكرم بالنبوة والرسالة.
ويدخل على فرعون في أبهته وسلطانه، وفي ملأه وأعوانه، وهوالمطلوب بالأمس قد تحققت عليه الجناية، وتوجهت اليه الدعوى، وفي لسانه حبسة، وفي موقفه ضعف، فيقهر فرعون وملأه بدعوته وايمانه، وحجته وبيانه، ويلجأ فرعون الى سحرة مصبر ليقهر بفنهم معجزة موسى التي ظنها فنا وسحرا، فاذا بالسحرة خاضعون
стр. 93
خاشعون، يقولون: ﴿آمنا برب العالمين رب موسى وهارون﴾.
ويؤمر بالخروج ببني اسرائيل والاسراء في الليل من أرض الظلم الى أرض النجاة، ويتبعه فرعون بجنوده، ويصبح موسى والبحر أمامه والعدو من ورائه، ويخوض البحر فينفلق ويكون كل فرق كالطود العظيم، ويعبر موسى وقومه، ويتبعهم فرعون بجنوده فيلتهمهم البحر الهائج.
وهكذا يهلك فرعون وقومه الأقوياء الأغنياء، ويملك بنو اسرائيل الضعفاء الفقراء: ﴿وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الارض ومغاربها التي باركنا فيها، وتمت كلمة ربك الحسنى على بني اسرائيل بما صبروا، ودمرنا ما كان يصنع فرعون وقومه وما كانوا يعرشون﴾ [الأعراف: ١٣٧].
ما هي القوة التي قهر بها موسى أعظم قوة في عصره ومصره، وما سر انتصار بني اسرائيل على أعدائهم، وما سلاحهم الذي واجهوا به العدو القاهر الكاسر، وأخضعوا به المحيط الخانق الثائر؟.
стр. 94
اقرأ قصة موسى - في القرآن - من جديد، تر أن السلاح الذي واجه به موسى فرعون وقومه، وانتصر به بنو اسرائيل وتبوأوا الإمامة والزعامة في مصر وحولها، هو "الايمان" "والطاعة" "والدعوة الى الله" ويتجلى هذا الايمان وهذه الطاعة والدعوة في ثنايا القصة ومطاويها، وقد تجلى هذا الايمان النبوي في دعوة فرعون وقومه، وبه تغلب موسى على حجاج فرعون ودهائه، هو يريد أن يشغله عن موضوعه ويثير عليه الملأ وهو ثابت على دعوته، ثابت في ايمانه لا يتزعزع ولا يتزلزل، ولا يتحول ولا يتغير، قال فرعون: ﴿وما رب العالمين؟ قال: رب السموات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين. قال لمن حوله: ألا تستمعون؟ قال: ربكم ورب آبائكم الأولين، قال: إن رسولكم الذي أرسل اليكم لمجنون. قال: رب المشرق والمغرب وما بينهما إن كنتم تعقلون﴾ [الشعراء: ٢٣ .. ٢٨].
ويسأله فرعون عن الأجيال التي مضت، وهو موضوع شائك وسؤال محرج، ولكن موسى يتغلب على دقة الموقف بايمانه الراسخ وحكمته النبوية، فيقول: ﴿علمها عند ربي في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى﴾ [طه: ٥٢]. ويفيض في
стр. 95
الحديث عن الاله الواحد - الذي يفر منه فرعون - فيقول: ﴿الذي جعل لكم الأرض مهدا، وسلك لكم فيها سبلا، وأنزل من السماء ماء فأخرجنا به أزوجا من من نبات شتى﴾ [طه: ٥٣].
ويتجلى هذا الايمان في أبرز مظاهره، لما رأى موسى أمامه البحر المائج، ومن ورائه العدو الهائج، فلا متقدم ولا متأخر، وهو وقومه بين طبقتي الرحى، ويناديه بنو اسرائيل في جزع وفي فزع: ﴿قال أصحاب موسى: إنا لمدركون﴾ [الشعراء: ٦١] ولكنه ثابت الجأش، قوي الإيمان، يعرف أن الله ناصر عبده، منجز وعده، يقول في صراحة وثقة: ﴿كلا، إن معي ربي سيهدين﴾ [الشعراء: ٦٣].
ويعيش بنو اسرائيل في مصر حياة ذل وشقاء، وبؤس وفقر، يعانون أفظع أنواع الظلم والاضطهاد، وأقسى أساليب الحكم والاستبداد، فيؤمرون بالانابة الى الله وتقوية الايمان وتحسين الصلة بالله، ليستحقوا نصره ويوجد في أنفسهم صلاحية الوراثة والخلافة في الأرض: ﴿وأوحينا الى موسى وأخيه أن تبوأا لقومكما بمصر
стр. 96
بيوتا، واجعلوا بيوتكم قبلة، وأقيموا الصلاة وبشر المؤمنين﴾ [يونس: ٧٨].
ولا طاعة أعظم من طاعة موسى، وانقياده واستسلامه للأمر الالهي، يؤمر بالتوجه الى أعظم ملوك عصره - وهو الثائر الموتور، شديد البطش، عظيم السلطان - فيقال: ﴿اذهب الى فرعون إنه طغى﴾ [النازعات: ١٧] ويتوجه الى بلاط جبار يدعي الربوبية، فيدعوه الى الله الواحد القهار، ويستمر في دعوته وجهاده، وفي وعظه وارشاده، حتى يفتح الله بينه وبين قومه بالحق وهو خير الفاتحين.
لقد كان الايمان والطاعة والدعوة الى الله القوة التي واجه بها موسى "مشكلات عصره" وقهر بها أعظم امبراطورية على وجه الأرض، أرقاها مدنية، وأوسعها رقعة، وأغناها أسبابا، وأعظمها جبروتا.
لو كان موسى - كزعيم لبني اسرائيل - يفكر تفكير الزعماء السياسيين، ويستعرض "الامكانيات" والوسائل التي يملكها قومه، ويزن كل شيء في ميزان الواقع، والحكمة العملية، ولو نظر - وهو الذي نشأ في البلاط الملكي - الى العدد والعدة، والعزة والمنعة، والجنود
стр. 97
والبنود، والثروة والذخائر التي كان يملكها فرعون، وقارن في ذلك بين قومه وقوم فرعون، لما جاز له - في شريعة العقل - أن يواجه فرعون بما يسوءه، ولتحتم عليه أن يقنع بحظه وحظ قومه، ويرضى بالوضع السائد، فلا إيمان ولا صلاح، ولا عدل ولا أخلاق، ولا تقوى، ولا إنسانية.
ولكنه نبي يرشده الوحي، ولكنه مؤمن بقوة الله ويؤمن بنصر الله، ولكنه داعية يفكر تفكير الدعاة، وان هذا المنهج من التفكير والعمل هو الذي غير مجرى التاريخ، وأتى بالمعجزات، وأدهش العقول، وحير الألباب.
ولو كان الرسول الأعظم محمد بن عبد الله ﷺ يفكر تفكير الزعماء، ويستعرض الامكانيات والوسائل، التي كانت تملكها قريش، ولو أنه نظر الى الامبراطوريتين العظيمتين اللتين توزعتا العالم المتمدن المعمور: الامبراطورية الرومية، والامبراطورية الفارسية، وما تتمتعان به من حول وطول، وقد عرف قوتهما وسعة مملكتهما - وهو الفقيه الواعي - لما جاز له - في شريعة العقل - أن يتوجه بدعوته الى الانسانية جميعا، ويكتب الى سيِّدَي العالم المعاصر ورئيسي الامبراطوريتين الغربية والشرقية، يدعوهما الى الاسلام، ولبقي الوضع الذي كان يسود من قرون، فمتى تملك
стр. 98
هذه الحفنة البشرية التي آمنت به، القوة التي تضارع قوة الامبراطوريتين بل تفوقها حتى تهزمها وتدحرها؟ والى متى كان يجب عليه أن ينتظر؟ وماذا كان مصير العالم ومصير الانسانية لو اتجه هذا الاتجاه وفكر هذا التفكير؟
لقد شقيت الانسانية اذن شقاء طويلا، وتأخر أو توقف طلوع الصبح الصادق، ولكان للانسانية تاريخ غير هذا التاريخ.
ولكنه ﷺ نبي يؤمر فيعمل، ويتلقى التوجيه والارشاد من السماء فينفذ، ولكنه مؤمن يؤمن بقوة الله ويؤمن بنصره، ويؤمن بأن الضعيف مع نصره قوي، والقوي يخذل لأنه ضعيف، ويؤمن بقول الله تعالى: ﴿إن ينصركم الله فلا غالب لكم، وإن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده، وعلى الله فليتوكل المؤمنون﴾ [آل عمران: ١٦٠] ويؤمن بقوله: ﴿كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله، والله مع الصابرين﴾ [البقرة: ١٤٩] ويؤمن بأن الله قد تكفل بنصر من ينصر دينه، وينهض لاعلاء كلمته، فقال: ﴿يا أيها الذين آمنوا ان تنصروا الله ينصركم ويثبت
стр. 99
أقدامكم﴾ [محمد: ٠٧] وقال: ﴿لقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين: إنهم لهم المنصورون، وإن جندنا لهم الغالبون﴾ [الصف: ١٧٣]، ويؤمن بأن الله قد وعد بالانتصار والغلبة، والعلو والسيادة، لعباده الذين قد تحققت فيهم صفة الايمان، وتجلت فيهم حقيقته، فقال: ﴿ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين﴾ [آل عمران: ١٣٩] ولم يعد بشيء من ذلك - من النصر والفتح، والظفر والغلبة، والعلو والسيادة - على الاهواء والنزعات، والطموح والكبرياء وحب المجد - الفردي أو القومي - وشرف الدماء والانساب والبلاد، والعصبيات والقوميات، فلم يتقدم بشيء من ذلك الى العالم ولم يطلب به النصر، مع أنه ﷺ من أشرف الأمم، وأفضل البيوتات، وأقدس البلاد، إنما تقدم بدعوة دينية، ومنهج خاص للحياة لا غنى للأمم وطوائف البشر عنه على اختلاف أوطانها وألوانها ولغاتها، فخضعت له هذه الأمم وهذه الطوائف من البشر ولم تعقها عن ذلك عصبية أو قومية، لأنه لم يكن من دعاة عصبية أو جاهلية وإنما كان دين عام للإنسانية، وداعي عقيدة ومبدأ ومنهج
стр. 100
فاضل للحياة، ونصره الله على قلة وضعف وفقر، ونصر كل من قام بهذه الدعوة الدينية وبهذا المنهج الخاص للحياة، وتكفل بنصرهم الى آخر الدهر، فقال: ﴿أولئك حزب الله، ألا إن حزب الله هم المفلحون﴾ [المجادلة: ٣٣].
إنني لست ممن يدعو الى رفض الاسباب والتوكل السلبي، ولست ممن يعيش في عالم الخيال والاحلام، ولست ممن ينكر الحاجة الى الاستعداد، وممن لم يقرأ قوله تعالى: ﴿وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة﴾ [الأنفال: ٦٠] وقد لمت العالم الاسلامي ومن تزعمه من الشعوب والدول لوما شديدا في كتابي "ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين" على التقصير في الاستعداد الحربي والصناعي، والتخلف عن أوربا في ذلك، واعتبرت ذلك سببا من أسباب شقاء الانسانية واتجاه العالم من الرشاد الى الضلال، ومن البناء والازدهار الى الهدم والدمار.
ولكني أعارض هذا التفكير الذي تسلط على عقلية العالم الاسلامي في العهد الأخير، وهو النظر الى الأمم الإسلامية - في مختلف أنحاء العالم - ككتل بشرية شأنها شأن القطعان البشرية الأخرى التي لا رسالة لها في العالم، ولا دعوة لها للأمم، توزن في ميزان الامكانيات والوسائل والاستعداد المادي، وتقوم بما تملكه، من ثروة وذخائر، والتناسي أو الاعراض عن قوتها الكبرى "الايمان، والطاعة، والدعوة الى الله".
стр. 101
إننا يا قوم فقراء ضعفاء متخلفون في العلم والصناعة، وفي الاقتصاد والسياسة، المسافة بيننا وبين الأمم الأوربية مسافة قرون وعهود، فليكن ذلك موضع اهتمام الزعماء والقادة، ولينل ذلك كل عناية ورعاية.
ولكننا في وقت واحد القوة الكبرى في العالم، فعندنا دين هو حاجة البشرية كلها، وعندنا دعوة تنقذ العالم من نهايته الأليمة التي تنتظره وتدنو اليه، وعندنا الايمان الذي يخلق الامانة والشعور بالمسئولية في النفوس ويخلق الدوافع القوية الى عمل الخير وخدمة الانسانية، وقد حرمتها الامم الزعيمة للعالم بعد ما ملكت كل الاسباب والوسائل لعمل الخير، وخدمة الانسانية، فأصبحت هذه الوسائل ضائعة بل متجهة الى القضاء على المدنية والانسانية، وحاجة أوربا في اقتباس هذا الايمان منا أشد وأعظم من حاجتنا الى الاقتباس من صنائعها وعلومها، لأن هذا الايمان هو الاساس، وهو الموجه وهو الضابط؟ وعندنا شريعة تحل جميع المشكلات والازمات التي يواجهها المجتمع البشري في القرن العشرين، وعندنا - أولا وآخرا - نبي أرسل رحمة للعالمين ﴿يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات الى النور ويهديهم الى صراط مستقيم﴾ [المائدة: ١٦].
ألا فلنتجه بهذه الدعوة الى أوربا الحائرة التائهة باخلاص ونزاهة، وتوجع وشفقة، وبقوة وثقة وايمان، ولننظر الى أنفسنا كدعاة ومنقذين، مبشرين ومنذرين، ونستخدم هذه القوة الجبارة في تغيير مصيرنا ومصير العالم، ولنحتل بفضلها مكانة الزعامة والقيادة في ركب الانسانية ومصاف الأمم، بعدما عشنا زمنا طويلا في مؤخر الركب
стр. 102
وفي صف التلاميذ والحاشية، ولنتجه بهذه الدعوة المقدسة المنصورة التي اما تقبل فترفع وتؤمن، واما ترفض فتهلك وتقهر، بهذه الدعوة التي أوجب الله على نفسه نصرها ونصر رجالها.
ولنتجه بهذه الدعوة الى مجالات مهجورة، وكنوز مطمورة في آسيا وفي افريقية، الى الشعوب التي ملكت الوسائل والعلم والصناعة، والبلاد الواسعة، والعقول الخصبة، والسواعد القوية، وجهلت الدين والغايات الصالحة، والمبادئ الفاضلة، وهي مستعدة لقبول هذه الدعوة، واذا قبلت هذه الدعوة وفقهتها وأخلصت لها تغير مجرى التاريخ من جديد، كما تغير في العهد الأول باسلام الفرس والترك والديلم، وفي العهد الأوسط باسلام التتار والمغول.
إلا انا في حاجة الى ثورة، الى ثورة في التفكير والمنهج.
***
стр. 103
خاتمة
بين الجباية والهداية (١)
الدول والحكومات قسمان: دولة شعارها الجباية، ودولة شعارها الهداية، وكل لها طابع خاص ونفسية خاصة، ورجال ممتازون، ولكل نتائج متميزة.
فميزان الأشياء ومناط الاحكام في دولة الجباية هو تضخم الميزانية وكثرة الدخل والايراد، ورفاهية رجال الحكومة واحتفال الحضارة وزهو المدنية، وان كان ذلك بامتصاص دماء الفقراء، وشقاء الفلاحين والعملة، والضرائب المجحفة والمكوس المرهقة، فلا يعني هذا الضرب من الحكومة الا بما يزيد في مواردها وماليتها، وبما يهيئ لها أسباب الفخار والزينة والابهة، بما يهيئ للأمراء والوزراء، وأبنائهم وأبناء أبنائهم، والمتصلين بهم ورجال الحكومة وأسرهم وخدمهم أسباب الترف والتنعم والبذخ، وبما يبنون به قصورا فاخرة، ويشترون به أملاكا واسعة، في داخل البلاد وخارجها.
تغفل هذه الحكومة تربية الجمهور الدينية والخلقية، وتعطل الحسبة والرقابة على الاخلاق والنزعات، وتتغافل عن كل ما ليس
стр. 104
بسبيلها، وما لا يجر عليها فائدة مالية أو قوة سياسية، وقد تبيح منكرا أو محرما إذا كانت تجني منه نفعا، وتحرم مباحا إذا كانت تخاف منه خطرا سياسيا أو خسارة مالية، ولا يزال الجشع والنهامة للمال تدفعها وتزين لها خطتها، حتى تفرض ضرائب على العبادات، وعلى الموت والحياة، وهكذا تتحول من حكومة ساهرة على مصالح الجمهور وراحتهم ومن مربية وحارسة للأمة، الى شركة تجارية كبيرة لا يهمها الا جمع الأموال وزيادة الأرباح.
أما الدولة التي شعارها الهداية، فمهمتها الدعوة الى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومعيارها تحسن أخلاق الجمهور، وسمو روحهم وتحليلهم بالفضائل واقبالهم على الآخرة، وزهدهم في الدنيا والقناعة في المعيشة، واجتنابهم المحرمات والمعاصي، وتنافسهم في الخيرات، ولو كان ذلك على حساب ميزانيتها وخسارة ماليتها، فتنصب الوعاظ، وترسل الدعاة، وتشجع الحسبة، وتمنع الخمور، وتنكر على الفجور، وتحرم الملاهي والمعازف، وتطارد المستهترين والخلعاء، وتمنع كل ما يفسد على الناس عقيدتهم وأخلاقهم، ويفسد الحياة المنزلية، وتغص في حكمها المساجد، وتقفر الحانات، ويزدهر الدين والتقوى، وتضمحل المعاصي والجنايات، ويقوم أهل الدين والصلاح وينشطون ويتحمسون، ويتوارى الفجار والملحدون وينكمشون، ويكون ما وصفه الله تعالى: ﴿الذين إن مكناهم في الأرض: أقاموا الصلاة، وآتوا الزكاة، وأمروا بالمعروف، ونهوا عن المنكر، ولله عاقبة الأمور﴾ [الحج: ٤١].
يمتاز جهاز حكومة الهداية بأسره عن جهاز حكومة الجباية بأسره، يمتاز عنه في النزعات والروح، والسيرة والمعاملة والسلوك،
стр. 105
فنرى في الأول التطوع والاحتساب، وروح الخدمة والإيثار، والأمانة والتضحية والوفاء، بينما نرى في رجال حكومة الجباية معاكسة القانون ورجاله والاجتهاد في معاجزته والتفلت منه، والكبر والتجبر، والاثرة والخيانة، والنفاق والزور، وفشو الرشوة الى حد يدعو الانسان بين الركن والمقام أن لا يبتلى منهم، فلا ينال الانسان حقه من العدل والراحة، ولا يمتمع بحقوقه المدنية الا اذا رضخ من ماله لهذا وقدم طعمة لذاك. ويستفحل الأمر ويجل الخطب، حتى لا يرى أحد في هذه الحكومة أنه خادم أمة وأمين حكومة، لا يعد نفسه الا جابيا - ولكن لنفسه وعياله - قد منحته الحكومة فرصة جمع الأموال، فلا يريد أن تفلته هذه الفرصة ويتخلف عن قافلة الجباة الشخصيين، وقد اشتد بها الجد، وجد بها السير.
لقد سبق في التاريخ أمثلة لكل من حكومات الجباية والهداية. أما حكومات الجباية فلا تحتاج الى تمثيل ولا الى شرح وبيان، فانها هي السائدة الفاشية في الماضي والحاضر، وفي الشرق والغرب، وقد جربها الانسان وعرفها في كل عصر، أما حكومات الهداية فهي نادرة جدا، فلنضرب لها مثلا:
بعث محمد ﷺ فدعا الناس الى الاسلام فالتف حوله: ﴿فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى. وربطنا على قلوبهم اذ قاموا فقالوا ربنا رب السموات والأرض لن ندعو من دونه إلها لقد قلنا إذا شططا. هؤلاء قومنا اتخذوا من دونه آلهة، لولا يأتون عليهم بسلطان بيِّن، فمن أظلم
стр. 106
ممن افترى على الله كذبا﴾ [الكهف: ١٤]. وكان هؤلاء الفتيان هدف كل قسوة وظلم، واضطهاد وبلاء وعذاب، وقد قيل لهم من قبل: ﴿أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون. ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين﴾ [العنكبوت: ٠٣] فصمدوا لكل ما وقع لهم وثبتواة كالجبال، وقالوا: ﴿هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله﴾ [الأحزاب: ٢٢]. حتى أذن الله في الهجرة، ولم تزل الدعوة تشق طريقها وتؤتي أكلها حتى قضى الله أن يحكم رجالها في الأرض، ويقيموا القسط، ويخرجوا الناس من الظلمات الى النور، ومن عبادة العباد الى عبادة الله وحده، ومن ضيق الدنيا الى سعتها، فقد عرف أنهم اذا تولوا وسادوا "أقاموا الصلاة، وآتوا الزكاة، وأمروا بالمعروف، ونهوا عن المنكر".
وهكذا جاءت الدعوة بالحكومة كما تأتي الأمطار بالخصب والزرع، وكما تأتي الأشجار بالفاكهة والثمر، فلم تكن هذه الحكومة الا ثمرة من ثمرات هذه الدعوة الاسلامية. ولم تكن هذه العزة والقوة الا نتيجة ذلك العذاب الذي تحملوه من قريش وغيرهم، وذلك الهوان
стр. 107
الذي لقوه في مكة وغيرها.
جاءت الحكومة بما يتبعها من عزة وشوكةن ورجال وأموال، وكنوز وخزائن، وجباية وخراج، ورفاهة ونعيم، وكان المجال واسعا جدا لجمع الأموال وحكم الرجال، ورفاهية الحال اذا اختاروا طريق الملوك والسلاطين في فرض الضرائب الكثيرة، والاتاوات المتنوعة والمكوس الجائرة.
التفت القوم فاذا دولتهم الوليدة على مفترق الطرق - طريق الجباية وطريق الهداية - هنالك سمعوا هاتفا يقول: ويحكم ان محمدا ﷺ لم يبعث جابيا وإنما بعث هاديا وأنتم خلفاؤه" فلم يترددوا في ايثار جانب الهداية على جانب الجباية، واتخاذ الدعوة والهداية شعارا ومبدأ لحكومتهم فكان ذلك.
لقد علموا أنهم لو آثروا جانب الجباية وأطلقوا أيديهم في أموال الناس، واسترسلوا الى النعيم، ورتعوا في اللذات، لم يحل بينهم وبين ذلك أحد، ولم يقف في سبيلهم واقف. ولكنهم علموا أنهم لو فعلوا ذلك فقد غشّوا اخوانهم الذين سبقوهم بالايمان، وقضوا نحبهم بدون أن يأكلوا ثمار غرسهم، لقد خانوا أولئك الذين لم يعرفوا الا الجهاد والتعب والجوع والسغب، ولقد
стр. 108
وصلوا الى الحكومة على جسر من متاعبهم وإيثارهم. أفيجوز لهم أن يستغلوها لمصلحتهم وشهواتهم، وأبنائهم، ويتمرغوا في النعيم، ويسرفوا في الأكل والشرب؟ لقد ظلموا اذن عثمان بن مظعون، وحمزة بن عبد الملطب، ومصعب بن عمير، وأنس بن النضر، وسعد بن معاذ، وكثيرا من رفقتهم الذين لم يروا شيئا من الفتوح والغنائم، ولم يشبعوا أياما متوالية، وقف القوم ولم يطب لهم الأكل والشرب، وأرادوا أن يلحقوا بإخوانهم ولم يأخذوا من الدنيا الا البلاغ.
تأسست دولة الإسلام وفتحت فارس وبلاد الروم، والشام ونقلت الى عاصمة الاسلام - المدينة المنورة - كنوز كسرى وقيصر، وانصبت عليها خيرات المملكتين العظيمتين، وانهال على رجالها من أموال هاتين الدولتين وطُرَفها وزخارفها، ما لم يدر قط بخلدهم، وقد انقضى على اسلامهم ربع قرن وهم في شدة وجهد من العيش، وفي جشوبة المطعم وخشونة الملبس، لا يجدون من الطعام الا ما يقيم صلبهم، ولا من اللباس الا ما يقيهم من البرد والحر، فاذا بهم اليوم يتحكمون في أموال الاباطرة والاكاسرة، فإذا أراد الواحد منهم أن يلبس تاج كسرى وينام على بساط قيصر لفعل، لقد كانت - والله - هذه محنة عظيمة، تزول فيها الجبال الراسيات، وتطير لها
стр. 109
القلوب من جوانحها، وتعمش لها العيون، ولكنهم سرعان ما فطنوا أنهم ما وقفوا بين الفقر والغنى فحسب، بل أنهم خيروا بين أن يتنازلوا عن دعوتهم وامامتهم ومبادئهم، وينفضوا منها يدهم فلا يطمعوا فيها أبدا، وبين أن يحافظوا على روح هذه الدعوة النبوية وعلى سيرة رجالها اللائقة بخلفاء الأنبياء والمرسلين، وحملة الدعوة المؤمنين المخلصين.
كان لهم أن يؤسسوا ملكا عربيا عظيما على أنقاض الدولة الرومية والفارسية، وينعموا كما نعم ملوكها وأمراؤها من قبل، فقد ورثوا امبراطوريتين: الفارسية والرومية، وجمعوا بين موارد دولتين، فإذا كان كسرى يترفه بموارد فارس فقط، وإذا كان هرقل يبذخ بموارد الروم فقط، فهذا عمر بن الخطاب يمكنه أن يترفه بموارد الامبراطوريتين ويبذخ بذخا لم يبذخه أحدهما.
كان له ولأصحابه كل ذلك بكل سهولة، ولكنهم سمعوا القرآن يقول: ﴿تلك الدار الآخرة نجعلها لذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا والعاقبة للمتقين﴾ [القصص: ٨٣]. وكأنهم يسمعون نبيهم ﷺ يقول قبل وفاته:
стр. 110
"فوالله لا الفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى أن تبسط عليكم الدنيا، كما بسطت على من كان قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها، وتهلككم كما أهلكتهم" (١).
فهتفوا عن آخرهم قائلين:
اللهم لا عيش الا عيش الآخرة، فاغفر للأنصار والمهاجرة، وهكذاحافظوا على روح الدعوة الاسلامية وسيرة الأنبياء والمرسلين، وعاشوا في الحكومة كرجال الدعوة، وفي الدنيا كرجال الآخرة، وملكوا أنفسهم في هذا التيار الجارف، الذي سال قبلهم بالمدنيات والحكومات، والشعوب والأمم، وسال بالمبادئ والأخلاق، والعلوم والحكم.
ما زال الناس يعدون اقتحام المسلمين دجلة بخيلهم وجندهم تحت قيادة سعد بن أبي وقاص ووصولهم الى الشط الثاني من غير أن يصابوا في نفس أو مال أو متاع حادثا غريبا من أغرب ما وقع في التاريخ، ان الحادث لغريب، ولكن أشد منه غرابة وأدعى للعجب أن المسلمين في عهد الخلافة الراشدة وعصر الفتوح الاسلامية الأولى خاضوا بحر مدنية الروم وفارس وهو مائج هائج، وعبروه ولم يفقدوا شيئا من أخلاقهم ومبادئهم وعاداتهم، ووصلوا