← Общие книги

Общие книги · id 37562

تعريف عام بدين الإسلام

علي الطنطاوي

Полный текст (180 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

ومن ثمراته الاجمالية التشبه بهم في لزوم الطاعة، واجتناب العصيان، وتقوية الجانب الملائكي في الانسان. الملائكة والكتب والرسل الجن خبّر الله في القرآن، بأنه خلق خلقا آخر، تعجز عيوننا عن رؤيتهم على صورهم الأصلية، كما تعجز عن رؤية الملائكة، ورؤية الأشعة التي هي فوق البنفسجية وتحت الحمراء، ورؤية الموجات الصوتية، ورؤية التيار الكهربائي، وهو يمشي في سلك النحاس، وهذا الخلق هو الجن. والذي يجب الايمان به، ويكفر منكره، هو ما جاء من أخبارهم في القرآن، وان لم يخصصه الله بالذكر، ويجعله من أركان الايمان صراحة كالايمان بالملائكة. الملائكة والكتب والرسل الجن في القرآن ١ - خبر القرآن ان الجن خلقوا من النار، ولا يلزم من هذا ان يكونوا نارا تحرق ما تمسه، ولا يمنع أن يكون الله قد حولهم فيما بعد إلى طبيعة أخرى. فالانسان خلق من طين، ولكنه لم يبق طينا بل أنشأه الله خلقا آخر، فجعله مركبا من عظام وعضلات ودم وأعصاب على سنة الله في الكون، اذ يحول المخلوقات من حال إلى حال. فيجعل من (الخلية) أحياء مختلفي الصفات والهيئات والطبائع، ويجعل من (الذرة) معادن مختلفة الأوزان والأشكال والخصائص، ويجعل من (البذرة) اليابسة شجرة خضراء الأوراق ملونة الأزهار. ٢ - وخبر أنهم خلقوا قبل خلق الانسان: ﴿والجان خلقناه من قبل من نار السموم﴾. ٣ - وأنهم يروننا ولا نراهم، وليس في هذا عجب، فمن كان بيده المنظار رأى الشخص البعيد وذلك الشخص لا يراه، ونحن في الدنيا وفقنا إلى صنع آلات كالرائي (التلفزيون) والهاتف المرئي نرى منها المتحدث، وهو لا يرانا، قال: ﴿يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم﴾.

стр. 142

٤ - وأنهم مكلفون مثلنا يحاسبون على أعمالهم كما نحاسب، ويثابون ويعاقبون كما نثاب نحن ونعاقب، وان جهنم والعياذ بالله منها، تمتلئ بالجن والانس معا. قال تعالى: ﴿وما خلقت الجن والإنس الا ليعبدون ... وتمت كلمة ربك لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين ... ﴾. ٥ - وان رسالة محمد ﷺ بلغتهم، كما بلغتهم من قبلها رسالة موسى. ﴿قالوا يا قومنا إنا سمعنا كتاباً أنزل من بعد موسى مصدقاً لما بين يديه يهدي إلى الحق وإلى صراط مستقيم﴾. ٦ - وأنه كان منهم الصالحون والعاصون، وأنهم كالبشر أصناف: ﴿وأنا منا الصالحون ومنا دون ذلك كنا طرائق قدداً ... وأنا منا المسلمون ومنا القاسطون﴾. ٧ - وأن الله سخرهم لسليمان: ﴿يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل (١) وجفانٍ كالجواب وقدورٍ راسياتٍ﴾. ٨ - وأنهم لا يعلمون الغيب، لذلك لبثوا يعملون لسليمان بعدما مات: ﴿ما دلهم على موته إلا دابة الأرض تأكل منسأته فلما خرَّ تبينت الجن أن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين﴾. ٩ - وان الله تحداهم، كما تحدى البشر أن يأتوا بمثل القرآن: ﴿قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعضٍ ظهيراً﴾. ١٠ - وأنهم كانوا يتحسسون أخبار السماء من الملائكة، فلماء جاء الاسلام منعوا من ذلك ورموا بالشهب:

стр. 143

﴿وأنا كنّا نقعد منها مقاعد للسمع فمن يستمع الآن يجد له شهاباً رصداً﴾. الملائكة والكتب والرسل الشياطين وهم كفار الجن، أبوهم إبليس، وقد قال قوم ان إبليس من الملائكة، ولكن الصحيح انهم من الجن. أولاً: لأن الله صرح بذلك في القرآن، فقال: ﴿فسجدوا الا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه﴾. ثانياً: لأن إبليس عصى ربه, والملائكة: ﴿لا يعصون الله ما أمرهم﴾. ثالثاً: لأن القرآن صرح بأنه خلق من النار: ﴿قال أنا خيرٌ منه خلقتني من نارٍ وخلقته من طينٍ﴾. الشياطين في القرآن: ١ - الشيطان هو العدو الأول للبشر، اخرج أباهم من الجنة، وهو يعمل على منعهم من دخولها ويبعدهم عن طريقها، ويغريهم بسلوك طريق النار، وهم مع ذلك يتبعونه ويَدَعون شرع الله إلى وسواسه، وهدي الأنبياء إلى ضلاله. وقد وبخهم الله على فعلهم وعلى هذه الحماقة منهم، اذ يستجيبون لعدوهم الذي يريد العذاب لهم، ولا يستجيبون لربهم، الذي يدعوهم ليغفر لهم ويرحمهم: ﴿أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني وهم لكم عدوٌ بئس للظالمين بدلاً﴾. ٢ - دلت هذه الاية على ان الشياطين يتناسلون، ويكون لهم ذرية وأنهم جميعا ذرية إبليس. ٣ - سلط الله الشيطان على الناس، ولكنه لم يعطه القدرة على النفع

стр. 144

والضرر، ولم يمنحه القوة التي لا تُدفع، بل أعطاه الكيد: ﴿إن كيد الشيطان كان ضعيفاً ... وليس بضارهم شيئاً الا بإذن الله ... وما كان له عليهم من سلطانٍ ... ﴾. ٤ - عمله الوسواس والاغراء بالشر والدعوة إلى القبائح: ﴿يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء ... يعدهم ويمنيهم وما يعدهم الشيطان إلا غروراً﴾. يحملهم على الخمر والميسر وأمثالها، وأمثالُها: ﴿رجسٌ من عمل الشيطان﴾. برنامجه كله ينحصر في الشر والفحش والخلاف، وأول مادة في هذا البرنامج وأول ما فتن به آدم وحواء، التكشّف والتعرّي، ولبس القصير من الثياب: ﴿يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة ينزع عنهما لباسهما ليريهما سوءاتهما ... ﴾. فكان نزع الثياب، وابداء العورات، أول مادة في هذا القانون الشيطاني. ومن شأن إبليس أن يحسن في عيون أتباعه (السيّئ) حتى يروه حسنا، ويجمل لهم القبيح فلا يبصروه قبيحا: ﴿وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون ... ﴾. ومن شأنه أن يدفع أولياءه إلى إثارة الشبه في وجوه المؤمنين، وشغلهم عن دعوتهم دعوة الحق بالجدال والمراء، وقد نبهنا الله إلى ذلك، وقال لنا: ﴿وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم ... ﴾. فلا تستجيبوا لهم ولا تسقطوا في شركهم: ﴿وإن أطعتموهم إنكم لمشركون﴾. ومن شأنه أن يشغل المؤمن عن ذكر ربه، حتى ينساه، فيقدم على المعاصي، فالعاصون:

стр. 145

﴿استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله﴾. ولكن ﴿الذين اتقوا اذا مسهم طائفٌ من الشيطان (فأنساهم ربهم) تذكروا فإذا هم يبصرون﴾. ٥ - لكن الشيطان رغم دأبه على الافساد، وثباته على عداوة بني آدم، وأنه يأتيهم عن أيمانهم وعن شمائلهم، ومن أمامهم ومن خلفهم، وأنه يقعد لهم كل مرصد، وأنه يستفزهم بصوته ويجلب عليهم بخيله ورجله، وأنه يشاركهم في الأموال والأولاد ... إنه على هذا كله لا يملك الا الوسواس، والاغراء بالشر، لا يقدر على نفع لهم ولا ضر، وحين يتجادل الكفار والشياطين في الآخرة، يقول لهم: ﴿وما كان لي عليكم من سلطانٍ إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم ... ﴾. ولما دعا إبليس ربه أن يؤجل موته، وأجابه: ﴿قال رب بما أغويتني لأزينن لهم في الأرض ولأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين﴾. قال الله : ﴿هذا صراطٌ علي مستقيم إن عبادي ليس لك عليهم سلطان الا من اتبعك من الغاوين ... إنه ليس له سلطانٌ على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون .. ﴾. ٦ - وهو يخذل أتباعه ويتخلى في ساعة العسرة عنهم، ويخون عهدهم: ﴿وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم وقال (أي: يوم بدر للمشركين من أهل مكة) لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم فلما تراءت الفئتان نكص على عقبيه وقال إني بريءٌ منكم إني أرى ما لا ترون﴾. يعني الملائكة التي نزلت يومئذ لتأييد المؤمنين: ﴿إني أخاف الله﴾.

стр. 146

﴿كمثل الشيطان اذ قال للإنسان اكفر فلما كفر قال إني بريءٌ منك إني أخاف الله ... ﴾. شياطين الإنس: هذا بعض ما ورد في القرآن الكريم من صفات الشيطان، انه يعمل على نشر الكفر واذاعة الفاحشة، وكشف العورات، يزين للناس ما هم عليه من القبيح ويحسنه لهم، حتى يقيموا عليه ولا يتحولوا عنه. يثير الشبه، ويجادل بالباطل، ويوقع العداوة بين المسلمين ويفرق جمعهم، حتى اذا استجابوا له واتبعوه، واحتاجوا يوما إلى نصره ومعونته، فاستعانوا به واستنصروه تخلى عنهم وتبرأ منهم. وكل من تخلق بهذه الأخلاق من الناس، كان حكمه حكم الشيطان. ﴿قل أعوذ برب الناس ملك الناس إله الناس من شر الوسواس الخناس الذي يوسوس في صدور الناس من الجنة والناس﴾. فمن رغّب بالفاحشة وزينها للناس بالصور العارية، أو القصص الداعرة، أو الأدب المكشوف، فهو من شياطين الإنس, ومن دعا إلى عصبية جاهلية (من الجاهلية الأولى أو الجاهلية الجديدة)، تجعل أمة محمد أمما، وتحيل وحدتهم تفرقا، فهو من شياطين الإنس. ومن صرف الناس عن طريق الجنة إلى طريق النار، وأنساهم ذكر الله واليوم الآخر، فهو من شياطين الإنس: ﴿وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين وأعوذ بك ربِّ أن يحضرون﴾.

стр. 147

الإيمان بالرسل حقيقة الرسول وأول ما يقرره القرآن، ان الملائكة والجن والرسل، خلق من خلق الله، كلهم عباده، وهو أوجدهم وهو المتصرف فيهم، وأنهم لا يملكون لأنفسهم (فضلا عن غيرهم) نفعا ولا ضراً إلا بإذن الله. الرسل جميعا بشر، يولدون كما يولد البشر، ويموتون كما يموتون، ويمرضون مثلهم ويصحون (١)، لا يختلفون عنهم في تكوين أجسادهم، ولا في تصوير أعضائهم، ولا في جريان دمائهم وحركات قلوبهم، يأكلون ويشربون، كما يأكل الناس ويشربون. ليس فيهم شيء من الألوهية، لأن الألوهية لله وحده، ولكنهم بشر يوحى اليهم، وقد عجبت الأمم الأولى من الوحي، فقال لهم الله راداً عليهم مبينا انه لا مكان لعجبهم: ﴿أكان للناس عجباً أن أوحينا إلى رجلٍ منهم أن أنذر الناس وبشر الذين آمنوا﴾. وعجبوا أن يكون الرسول من البشر ومنعهم من الايمان. ﴿أن قالوا أبعث الله بشراً رسولا﴾. فرد الله عليهم، بأن الرسول انما يكون من جنس من أرسل اليهم، فالبشر يرسل اليهم رسول من البشر.

стр. 148

﴿لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزّلنا عليهم من السماء ملكاً رسولا﴾. وناقشوا رسلهم ﴿قالوا إن أنتم الا بشرٌ مثلنا﴾، ﴿قالت لهم رسلهم إن نحن إلا بشر مثلكم﴾. كما قلتم: ﴿ولكن الله يمُنُّ على من يشاء من عباده﴾. وقد منَّ علنا فأوحى إلينا الشريعة، وأمرنا بتبليغها: ﴿وقالوا ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيراً﴾. فرد الله عليهم، مخاطبا رسوله محمداً ﷺ : ﴿وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا أنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق﴾. وقال لهم رداً عليهم: ﴿وقالوا لولا أنزل عليه ملك ولو أنزلنا ملكاً لقضي الأمر ثم لا ينظرون ولو جعلناه ملكاً لجعلناه رجلاً (أي: على هيئة رجل) وللبسنا عليهم ما يلبسون﴾. حقيقة الرسول: الرسول بشر يمتاز بالوحي، وقد قال تعالى لمحمد: ﴿قل إنما أنا بشرٌ مثلكم يوحى إليّ﴾. وقد أكد بشريته باستعمال (إنما) وهي تفيد الحصر والقصر، وتنفي عنه ما ينافي البشرية، ثم أكدها مرة ثانية بقوله: ﴿مثلكم﴾. هو مثلنا في تكوين جسده، وطبيعة خلقه، ولكنا لسنا جميعا مثله، في خلقه ولا في مزاياه ولا في عظمته، ولو لم يكن (محمد) خاتم الأنبياء، لكان - بلا جدال - أعظم العظماء وبطل الأبطال. فاذا كان بشرا مثلنا، يجوز عليه ما يجوز علينا، فهل يخطئ كما نخطئ؟ والجواب:

стр. 149

١ - ان الخطأ إما أن يكون في مجال التبليغ عن الله، وفي بيان الشريعة، وهذا النوع من الخطأ يستحيل وقوعه من الرسل جميعا، لأن الرسول (لا ينطق) اذا بلغ عن الله أو بين شريعته: ﴿عن الهوى إن هو الا وحيٌ يوحى﴾. والله يقول: ﴿يا أيها الناس قد جاءكم الرسول بالحق من ربكم﴾. ويستحيل أن نقع من الرسول (بعد رسالته) معصية، أو يأتي ما يجرح العدالة أو يحل بالمروءة أو ينافي الكمال، لأن الله جعله قدوة، وأمر المسلمين أن يتأسوا به، وان يتبعوه في فعله: ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوةٌ حسنةٌ﴾. وهذه الأسوة ثابتة للرسل جميعا: ﴿لقد كان لكم فيهم أسوةٌ حسنة﴾. وذلك يقتضي العصمة من ارتكاب المعاصي واتيان النقائض. ٢ - وإما أن يكون الخطأ في أمر شرعي اجتهد فيه الرسول، ولم ينزل عليه فيه شيء من ربه: وهذا النوع من الخطأ ممكن وقوعه من الرسل، ولكن الله لا يقرهم على الخطأ بل يبين لهم وجه الصواب فيه، كما وقع من الرسول في قصة الأعمى، وفي قصة أسرى بدر، اجتهد فبين الله له أنه لم يصب في اجتهاده. وقد فكرت في موقف الرسول ﷺ يوم جاءه الأعمى، وقلت لنفسي: لو لم ينزل الله هذه الآيات من سورة (عبس وتولى)، وعرض موقفه على عقلاء الدنيا وساستها وعلمائها، هل كان فيهم أحد يقول بأن في موقف الرسول ﷺ ما ينتقد أم يقرر الجميع ان الذي فعله هو عين الصواب؟ رجال من كبار القوم يتألفهم ويحاول أن يكسبهم لنصرة الدعوة، فيأتي واحد من أتباعه يسأله عن مسألة ليست مستعجلة، ولا ينشأ عن تأخيرها ضرر،

стр. 150

وهو يستطيع أن يسأل عنها في كل وقت، فيرجئ جوابه حتى ينتهي مما هو فيه. هل يفعل أحد من الناس غير هذا؟ هل في الدنيا من لا يقول بأن عمل الرسول هو الذي يرونه الصواب؟ انه هو الصواب في مقياس المنطق البشري، ولكن لما نزل الوحي بمقياس آخر، تبين ان ميزان الله أقوم من موازين الناس، وان حكم من خلق العقل أصح من حكم العقل، بل هو الحكم القويم، وحكم العقل هو المعوج المنحرف. ومثل هذا يقال في موقفه ﷺ يوم (أسرى بدر)، أي ان ما وقع منه ﷺ ، انما كان خطأ بالنسبة لحكم الله، ولو لم ينزل الوحي بتخطئته لكان عند أعقل الناس صوابا، فليس في ذلك خطأ (بالمعنى المعروف) وقع من محمد، بوصفه عظيماً من عظماء البشر، بل ان فيه الدليل على ان وحي السماء فوق حكمة الأرض. ٣ - واما أن يكون الخطأ في أمر من الأمور الادارية والحربية، وهذا أيضاً ممكن وقوعه لأن الرسول بشر، يفكر في هذه الأمور تفكيرا بشريا، وقد كان الصحابة يسألونه في مثل هذه الأحوال: هل القرار الذي قرره بأمر من الله ووحي، او باجتهاد منه؟ فان خبرهم بأنه ليس لديه فيه أمر من الله، وأنه رأي شخصي، عرضوا عليه أراءهم فأخذ بها أو ردها. كما وقع في حادثة اختيار المعسكر يوم بدر، اذ قالوا له: "يا رسول الله، أهذا منزل أنزلكه الله ليس لنا أن نتقدم عنه أو نتأخر، أم هو الرأي والمكيدة؟ " فلما بين لهم أنه رأيه الشخصي، عرضوا عليه رأيا غيره فأخذ به وعدل عن رأيه. ووقع مثل ذلك في حفر الخندق، وفي حادثة الصلح مع غطفان في تلك المعركة. ٤ - أما الأمور الدنيوية الخالصة، فكان الرسول يتكلم فيها برأيه الشخصي، وقد يخطئ في الأمور الصناعية والزراعية والطبيّة التي لا يعرفها

стр. 151

في العادة إلا أهلها، كما أخطأ في مسألة تأبير (أي تلقيح) النخل، وليس في هذا عيب أو نقص، لأنه لا يطلب من العظيم ولو كان عالماً - ولو كان أكبر علماء الدنيا - أن يعرف كل الذي يعرفه أرباب الصناعات، وأصحاب المهن ورجال الزراعة والتجارة، وسائر المهن. ومسألة تلقيح النخل مسألة زراعية فرعية، أبدى فيها ﷺ رأيا عارضا، لم يلزمهم ولم يحملهم عليه، ولم يقل لهم أنه من الدين، وان الله أوحى به، فلما تبين له خطؤه، قال: "أنتم أعرف بأمور دنياكم (١) ". الإيمان بالرسل الرسول لا يعلم الغيب القرآن قد صرح بأن الرسول لا يعلم الغيب، وأمر الله الرسول في القرآن أن يخبر الناس بأنه لا يعلم الغيب: ﴿قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول إني ملك إن أتبع الا ما يوحى إليَّ ... قل لا أملك لنفسي نفعاً ولا ضراً إلا ما شاء الله ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء إن أنا الا نذير وبشير لقومٍ يؤمنون ... ﴾. فخبر الناس بذلك، وتلا عليهم هذه الآيات، وبقيت قرآنا يتلى في المساجد، ويقرأ به في الصلوات. الإيمان بالرسل الرسل كثيرون وأصول الرسالات واحدة بين الله في القرآن ان لكل أمة من الامم رسولا أرسله الله إليها: ﴿وإن من أمةٍ الا خلا فيها نذير ... ولكل أمة رسول﴾. ولكن الله لم يذكرهم جميعا في القرآن، بل ذكر بعضا منهم: ﴿ورسلا قد قصصناهم عليك من قبل ورسلاً لم نقصصهم عليك ... ﴾. ولكنهم جميعا بعثوا بتوحيد الله، والتصديق باليوم الآخر، واتباع ما

стр. 152

شرع الله. فأصول الإسلام هي نفسها أصول الديانات السابقة، التي بعث بها الرسل الأولون. ﴿شرع لكم من الدين ما وصّى به نوحاً والذي أوحينا اليك وما وصينا به ابراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه ... ﴾. أرسل كل رسول إلى قومه وجعل رسالته اليهم بلسانهم ليكلمهم ويفهمهم، ﴿وما أرسلنا من رسولٍ إلا بلسان قومه ليبين لهم ... ﴾. وختم هذه الرسالات برسالة محمد ﷺ ، وجعلها عامة للناس جميعا، وجعله خاتم النبيين فلا نبي بعده، ولا وحي ينزل من السماء بعد أن انقطع بموته، وكان بها كمال الدين واتمام النعمة: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الاسلام دينا﴾. الإيمان بالرسل سؤال وجوابه قد يسأل سائل: "كيف كانت رسالة محمد للناس كلهم، وكانت رسالة كل رسول إلى قومه، وكيف بقيت إلى يوم القيامة لا تنسخ ولا تعدل، وقد نسخت الشرائع من قبلها وعدلت؟ ". والجواب (والله أعلم): ان شريعة الاسلام قد جاءت مرنة، تصلح لكل زمان ومكان. وبيان ذلك أن العقائد والعبادات في الاسلام جاءت بها نصوص قطعية مفصلة، لا تقبل التعديل ولا التبديل، لأن العقائد والعبادات لا تتبدل بتبدل الازمان، ولا تختلف باختلاف الاعراف. والأوضاع الدستورية والمعاملات المالية والاحوال الادارية، التي تؤثر فيها تبدل الزمان واختلاف العرف، جاءت فيها نصوص عامة هي كالأساس والدعائم في البناء، وترك لنا أن نضع لكل زمان ما يصلح له بشرط المحافظة على هذه القواعد،

стр. 153

وأمثل على ذلك بأمثلة أعرضها عرضا موجزا. من الأمثلة: ان الإسلام أوجب أن يكون الحاكم منتخبا برأي الأمة، وأن يكون فيه من الصفات من يمكنه من القيام بأعباء الحكم، وأن يلتزم بالدستور الاسلامي الذي هو القرآن، وأن يستشير أهل الحل والعقد. وترك لنا تحديد اسلوب الانتخاب (أي البيعة)، وطريقة تعيين أهل الحل والعقد، وكيفية الاستشارة، الخ. وألزمنا أن نحكم بين الناس بالعدل، ولكنه ترك لنا رسم الطريق الموصل إلى العدل، وأن نحدد أسلوب تعيين القضاة وأصول المرافعات، ووضع للعقود قواعد عامة تضمن أهلية المتعاقدين وحريتهما، وصحة صيغة العقد وتعبيرها عن ارادتهما ومحل العقد، ومنع أنواعا من العقود فيها مضرة عامة أو فيها تغرير بأحد الطرفين. وترك لنا تنظيم الاوضاع التفصيلية للعقود بأنواعها. وجعل الأعمال الفردية والمعاملات المالية جائزة مباحة، لا تحرم الا ان ورد بنص تحريمها، أو دخلت أصل محرم. وفتح لنا باب (الاستصلاح)، فكل أمر فيه مصلحة للمجتمع الاسلامي، وليس في الشرع ما يوجبه أو ينهى عنه، اذا أمر به الحاكم المسلم، صار واجبا دينيا، كالقوانين المالية، وقانون أصول المحاكمات، والأنظمة الادارية، كنظام السير، ونظام البلديات، وأمثالها. فالاسلام فيه من المرونة ما يجعله صالحا لكل زمان ومكان، ولكن بعض الفقهاء المتأخرين - لضيق أذهانهم - يضيقون على الناس ما وسعه الشرع، حتى يضطروهم (كما قال ابن القيم في كتاب الطرق الحكيمة) إلى ابتغاء التوسعة، في غير ما جاء به الاسلام. وسبب آخر: هو ان الامم كانت (على عهود الرسل الأولين) تعيش في عزلة لا تقارب بينها ولا اتصال، الا على الدواب والجمال، فتعارفت الامم بعد رسالة محمد، ودنا البعيد، وطويت للمسافر الأرض، حتى وصلنا إلى

стр. 154

زمان تلقى فيه الخطبة في أميركا، فيسمعها من في الصين قبل أن يسمعها من كان قاعدا أمام الخطيب (١)، وصارت الدنيا كأنها بلد واحد، والامم كلها أمة واحدة، ولو ان المسلمين قاموا بما يجب عليهم من الدعوة لدينهم، وتبليغ رسالة الاسلام، لعمت هذه الدعوة الأرض كلها. الإيمان بالرسل الاسلام لا يفرق بين الرسل واذا كان في اتباع الانبياء (ممن يدعون الانتساب إلى واحد منهم) من يطعن على غير نبيه، فإن الاسلام أوجب على المسلم تعظيم الانبياء والرسل جميعا، فاذا أساء القول في واحد منهم أو طعن عليه، خالف طريق الاسلام: ﴿آمن الرسول بما أنزل اليه من ربه والمؤمنون كلٌ آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحدٍ من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير﴾. فالمسلم يحب موسى وعيسى وغيرهما كما يحب محمداً، ويجلهم ويكبرهم كإكباره محمداً واجلاله. واليهودي الذي دخل النصرانية لما جاء بها المسيح لم يخسر موسى، ولكنه ربح معه عيسى. والنصراني الذي يدخل اليوم في الاسلام لا يخسر عيسى وموسى، ولكن يربح معهما محمدا، وصلى الله على محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين. الإيمان بالرسل الرسل في القرآن المسلم يعتقد ان القرآن كلام الله، نزل به جبريل على محمد، وبلغه محمد كما سمعه من جبريل، وان ما بين دفتي المصحف هو القرآن كله، كما نزل به جبريل، فمن أنكر شيئا منه أو شك فيه، خرج من الاسلام. وقد ورد في القرآن ذكر خمسة وعشرين نبيا، جمعت اسماؤهم في خمس آيات هي قوله تعالى:

стр. 155

﴿وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه نرفع درجات من نشاء إن ربك حكيم عليم ووهبنا له إسحاق ويعقوب كلاًّ هدينا ونوحاً هدينا من قبل ومن ذريته داود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون وكذلك نجزي المحسنين وزكريا ويحيى وعيسى وإلياس كلٌّ من الصالحين وإسماعيل واليسع ويونس ولوطاً وكلاًّ فضلنا على العالمين﴾. وقوله تعالى: ﴿واذكر في الكتاب إدريس إنه كان صديقاً نبياً ورفعناه مكاناً علياً﴾. وقوله: ﴿وإلى عادٍ أخاهم هوداً﴾. وقوله: ﴿وإلى ثمود أخاهم صالحاً ... وإلى مدين أخاهم شعيباً ... وإسماعيل وإدريس وذا الكفل كلٌّ من الصابرين﴾. وذكر آدم ولم يصرح بأنه كان رسول، ولكن تدل الآيات التي ذكر فيها على ترجيح القول برسالته. خمسة وعشرون، منهم من اقتصر على ذكر اسمه كإدريس وذي الكفل، ومنهم من أورد قصته موجزة كإسماعيل وإسحاق ويونس، ومنهم من أورد قصته مفصلة كإبراهيم وموسى ويوسف وعيسى، وكل ما جاء به في القرآن من قصص الأنبياء حقٌ وصدق يجب الإيمان به. ﴿تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعضٍ منهم من كلم الله ورفع بعضهم درجاتٍ﴾. الإيمان بالرسل المعجزات لما أُسري برسول الله ﷺ من مكة إلى القدس، فذهب وعاد في ليلة واحدة لم تستطع قريش أن تصدق ذلك، وعدّته مستحيلا، لأنه لا يمكن تحقيقه بوسائلها المعروفة وهي الإبل والدواب، ولكن هذا المستحيل صار اليوم أمراً ممكناً مألوفاً، لا يعجب منه ولا ينكره أحد.

стр. 156

ولو قيل لأكبر علماء الطبيعة قبل قرن أو قرنين من الزمان ان الناس سيركبون متن الريح بمراكب من الحديد والفولاذ، ويخترقون نطاق الهواء، ويسجلون حديث المحدث وخطبة الخطيب، فيسمعونها من شاؤوا متى شاؤوا (١). ولو مات المحدث والخطيب، لقال ان ذلك مستحيل، مع أنه وقع اليوم وصار معروفا. فكيف تحقق المستحيل؟ الجواب: ان المستحيل قسمان، مستحيل في العادة، كالأمور التي ذكرتها. ومستحيل في العقل كاجتماع النقيضين، الوجود والعدم مثلا. فلا يكون الرجل نفسه موجوداً في هذا الوقت في هذا المكان، وهو غير موجود فيه. وكتبدل هوية الشيء فلا يكون الكتاب ملعقة، في الوقت الذي يكون فيه كتابا. المستحيل في العقل لا يتصور وقوعه، أما المستحيل في العادة، فقد رأينا كيف أن العلم (علم العبد بقوانين الطبيعة (٢)) صيره ممكناً. فهل يعجز الخالق الذي أوجد هذه القوانين أن يصيره ممكنا؟! لا شك في قدرته على ذلك. فوقوع المستحيل في العادة ممكن لله ، فإذا صح الخبر به تحققنا من وقوعه، وأيقنا به. الإيمان بالرسل الكرامات وقد جاء في القرآن ذكر ثلاثة أنواع، فيها وقوع المستحيل في العادة. نوع وقع على يد الرسل لما تحدتهم أقوامهم، إثباتاً لرسالتهم، وتأكيداً لصدقهم، ويسمى المعجزة، فإبراهيم ألقي في النار، فبدل الله طبيعة النار المحرقة وجعلها برداً وسلاما. وموسى ألقى عصاه فانقلبت حية، وضرب بها الصخر فانبجس منه الماء والبحر فانحسر حتى مشى فيه الناس. وعيسى أحيا الموتى بإذن الله، وكذلك كل ما جاء في القرآن من المعجزات.

стр. 157

ونوع وقع على يد ولي لله صالح، كوجود الطعام عند مريم في المحراب، واحضار الذي عنده علم من الكتاب عرش بلقيس من اليمن إلى فلسطين، في أقل من لمح البصر وتسمى الكرامة. ونوع وقع على يد كافر، كما صنع السامري لبني اسرائيل من الحلي عجلا له خوار، وتسمى استدراجاً. ويجب الايمان (أولا) بأن الأنواع الثلاثة ممكنة الوقوع، لأنها وردت في القرآن. ويجب الايمان (ثانياً) على وجه التفصيل، بكل ما ورد من ذلك في القرآن. أما ما يرويه الناس من الكرامات ينسبونه إلى بعض من يسمونهم أولياء، فهو خبر، يحتمل الصدق والكذب، فإن كان واقعاً من ولي. والولي هو المؤمن التقي: ﴿ألا إن أولياء الله لا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون الذين آمنوا وكانوا يتقون﴾. ولم يكن فيه معصية، وصدقت به، لم يكن عليك من الله شيء، وان لم يصح عندك فلم تصدق به، لم يكن عليك من الله شيء. أما ان كانت الكرامة المزعومة تشتمل على معصية، (كبعض ما يروي الشعراني في الطبقات)، أو كانت واقعة من غير مؤمن، أو من غير تقي، فليست كرامة. الإيمان بالرسل المعجزة والسحر لما كانت المباراة بين موسى وبين سحرة فرعون، ألقوا حبالهم وعصيهم، فرآها الناس حيات وثعابين. وألقى موسى عصاه فصارت حية، وأكلت هذه الحيات والثعابين. فهل الأمران سواء؟ هل عمل موسى من جنس عمل سحرة فرعون؟! اذا كان من جنسه فلماذا آمن السحرة؟ كان عمل السحرة خداعا للبصر وإيهاماً للناس. أرَوْهم حيات وثعابين مع أن الحبال والعصي لا تزال على

стр. 158

حالها، حبالا وعصيا. أما عصا موسى فقد تحولت (فعلا) إلى حية. ولو كان ثمة آلة تصوير والتقطت صورتها، لظهرت في الصورة حية حقيقية، على حين تظهر حيات السحرة حبالا وعصياً. لذلك آمن السحرة هذا الايمان السريع، إنهم رأوا شيئاً ليس من السحر ولا من التخييل ولا من التهويل. شيء هز قلوبهم حتى اضطرها إلى الإيمان، وبلغ منهم الايمان مبلغاً، جعلهم يتحدون فرعون ولا يبالون به، إنهم تصوروا عظمة الله الذي آمنوا به، فهانت عليهم عظمة فرعون الزائفة، وربوبيته المكذوبة، لقد صغرت الدنيا في عيونهم فلم يحفلوا بتهديد فرعون اياهم بالصلب وقطع الأعضاء، ان فرعون لا يملك الا تعذيبهم في الدنيا وما الدنيا في جنب الآخرة؟ وما عذابها المؤقت عند نعيم الآخرة الدائم؟ لذلك صرخوا في وجهه مستهينين بقضائه: ﴿فاقضِ ما أنت قاضٍ إنما تقضي هذه الحياة الدنيا﴾. إني أتمنى والله وأنا المولود في الإسلام، الذي تسلسل في آبائه الاسلام، أن يكون لي مثل هذا الايمان الذي كان لسحرة فرعون، بعد دقائق معدودات من اسلامهم (١). الإيمان بالرسل معجزات محمد ﵊ المعجزتان الكبريان: القرآن: وهذه المزايا الفردة، التي جعله الله بها أهلا لحمل رسالة الاسلام. ترجمة حياته ﷺ كانت في ذاتها معجزة. كان بشرا وأمره الله أن يقرر هذه الحقيقة، ويعلنها للناس لئلا يتخذوه إلها، أو يمنحوه من صفات الألوهية, قال له ربه جلّ وعلا:

стр. 159

﴿قل إنما أنا بشرٌ مثلكم يوحي إليّّ﴾. بشر مثلكم في المقومات العامة للصفة البشرية، ولكن ليس في البشر (على التحقيق) من هو مثله في عظمته، ولم يخلق الله من هذا الطراز من أبناء آدم جميعا الا رجلا واحدا اسمه محمد بن عبد الله، صلى الله عليه وعلى أبيه ابراهيم، وعلى موسى وعيسى وجيمع الأنبياء. وان من الظلم لمحمد، وان من الظلم للحقيقة، أن نقيسه بواحد من هؤلاء الآلاف من العظماء الذين لمعت اسماؤهم في دياجي التاريخ، من يوم وجد التاريخ، فان من العظماء من كان عظيم العقل ولكنه فقير في العاطفة، وفي البيان، ومن كان بليع القول وثاب الخيال، ولكنه عادي الفكر، ومن برع في الادارة، أو القيادة، ولكن سيرته وأخلاقه كانت أخلاق السوقة الفجار (١). ومحمد ﷺ هو وحده الذي جمع العظمة من أطرافها، وما من أحد من هؤلاء، الا كانت له نواح يحرص على سترها وكتمان أمرها، ويخشى أن يطلع الناس على خبرها. نواح تتصل بشهوته، أو ترتبط بأسرته، أو تدل على ضعفه وشذوذه، ومحمد هو وحده الذي كشف حياته للناس جميعا، فكانت كتابا مفتوحا، ليس فيه صفحة مطبقة، ولا سطر مطموس، يقرأ فيه من شاء ما شاء. وهو وحده الذي اذن لأصحابه أن يذيعوا عنه كل ما يكون منه، ويبلغوه، فرووا كل ما رأوا من أحواله في ساعات الصفاء، وفي ساعات الضعف البشري، وهي ساعات الغضب، والرغبة، والانفعال. وروى نساؤه كل ما كان بينه وبينهن. هاكم السيدة عائشة تعلن في حياته وباذنه أوضاعه في بيته، وأحواله مع أهله، لأن فعله كله دين وشريعة، ولولا أن في القراء الشبان والنساء، لسردت عليكم طرفا منها، وكتب الحديث والسير والفقه ممتلئة بها.

стр. 160

لقد رووا عنه كل شيء حتى ما يكون في حالات الضرورة البشرية، فعرفنا كيف يأكل، وكيف يلبس، وكيف ينام، وكيف يقضي حاجته، وكيف يتنظف من آثارها. فأروني عظيما آخر، جرؤ أن يغامر فيقول للناس: هاكم سيرتي كلها، وأفعالي جميعا، فاطلعوا عليها، وارووها للصديق والعدو، وليجد من شاء منهم مطعنا عليها. أروني عظيما آخر دونت سيرته بهذا التفصيل، وعرفت وقائعها وخفاياها، بعد ألف وثلاثمئة سنة، مثل معرفتنا بسيرة نبينا؟ والعظمة اما أن تكون بالطباع والأخلاق والمزايا الصفات الشخصية، واما ان تكون بالأعمال الجليلة التي عملها العظيم. واما أن تكون بالآثار التي أبقاها في تاريخ امته وفي تاريخ العالم. ولكل عظيم جانب من هذه المقاييس تقاس بها عظمته، اما عظمة محمد فتقاس بها جميعا لأنه جمع أسباب العظمة، فكان عظيم المزايا، عظيم الأعمال، عظيم الآثار. والعظماء اما أن يكونوا عظماء في أقوامهم فقط، نفعوها بقدر ما ضروا غيرها، كعظمة الأبطال المحاربين، والقواد الفاتحين. واما أن تكون عظمة عالمية، ولكن في جانب محدود، في كشف قانون من القوانين التي وضعها الله في هذه الطبيعة، وأخفاها حتى نعمل العقل في الوصول اليها، أو معرفة دواء من أدوية الامراض، أو وضع نظرية من نظريات الفلسفة، أو صوغ آية من آيات البيان، قصة عبقرية، أو ديوان شعر بليغ. أما محمد فكانت عظمته عالمية، في مداها، وكانت شاملة في موضوعاتها. وكان مؤمنا بما يدعو اليه، وكثير ممن نعرف من الدعاة، قديما وحديثا، يقولون بألسنتهم ما تخالفه أفعالهم، ويعلنون في الملأ ما لا يأتونه في

стр. 161

الخلوات، وتغلب عليهم طبائع نفوسهم، في ساعات الرغبة والرهبة والغضب والجوع والحاجة، فينسون كل ما يقولونه. ولست أتكلم عن احد، ولكن أضرب نفسي مثلا، أنا أحاول السمو النفسي حين ألقي المحاضرة وأكتب المقالة الداعية إلى الحق والخير والهدى، فلا أكاد أعلو قليلا حتى يغلب عليّ ثقل طبيعتي وشهوات نفسي الامارة بالسوء، فأعود إلى الأرض. ويرى الناس ذلك من الوعاظ والخطباء فلا يبالون بما يقولون، ولا يكون للوعظ فيهم أثر. أما الرسول ﷺ فلم يدع يوما إلى محاضرة جامعة في بيان أحكام الإسلام، ولم يقم مدرسة لها ساعات ودروس، ولم يجلس في حلقة وعظ، بل كان يبلغ ما يوحى اليه في البيت والمسجد والطريق ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، حين تدعوا الحاجة اليه، ولكنه يقول ذلك بلسانه وعمله، ويعبر عنه بقوله وفعله. فقد كان خلقه القرآن، وأنتم تسمعون هذه الكلمة ولا تفكرون في معناها، ومعناها يا سادة: ان كل فعل من أفعاله، وكل خلق من خلائقه، آيات تتلى، ومحاضرة تلقى، وحلقة درس ومجلس وعظ، لأنها كلها تنطق بما يأمر به القرآن. وكان يقوم الليل حتى تورمت قدماه، ويستغفر الله دائما فقيل له: ألم يغفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: أفلا أكون عبداً شكوراً؟ وكان في أعماله كلها في صلاة لأن كل سعي للخير ودفع للشر وعمل لمصلحة الجماعة، ان اريد به وجه الله، كان لصاحبه صلاة. وأنا أكتفي بمثال واحد على إيمانه بما يدعو اليه، وتمسكه بتطبيقه تمسكا كاملا يعلو على كل الاعتبارات وامهد لهذا المثال بصورة واقعة. لو اتهمت فتاة من أشرف الأسر - من أسرة كبيرة أو وزير - بتهمة السرقة، أترونها تسجن كما تسجن (نورية (١))، لو كانت هي السارقة، وينفذ فيها حكم القانون كما ينفذ في تلك النورية، أم تمتد إلى قضيتها مئة اصبع، فتستر

стр. 162

الجرم، أو تسهل المحاكمة، أو تهون العقاب؟ لقد وقعت قضية كهذه على عهد الرسول. فتاة من أشرف أسر قريش، من بني مخزوم، من أسرة الوليد الذي يقال له الوحيد، أسرة خالد سيد قواد المعارك، وهي ثالث أسرة شرفا بعد هاشم وأمية، سرقت هذه الفتاة، وثبت الجرم، وتقرر الحكم، فسعى ناس في الوساطة لها، يظنون أن الرسول - لما يعرفون من حبه للصفح والعفو - سيعفو، فاذا هو يغضب ويفهمهم انما أهلك من كان قبلهم، انهم اذا اجترم الشريف تركوه، واذا اجترم الضعيف عاقبوه. ويقول لهم قولته العجيبة التي وطدت في حياة الاسلام ركنا ثابتا، وقررت أن الحدود لا تسمع فيها شفاعة، ولا يكون فيها عفو: "اما والله لو أنَّ (فاطمة بنت محمد) سرقت، لقطعت يدها". وكان ذلك عنده شيئاً طبيعياً لأنه كان يعيش بالدعوة، ويعيش للدعوة، هواه تبع لما أنزل اليه، وكل ما يصله بالناس من أسباب القرابة والصداقة والمنفعة، ينقطع اذا اعترض طريق الدعوة. وقد فرغ ﷺ مما يحيا له الناس عادة من أمر الطعام واللباس، وفرغ من مطالب النفس كلها، ولم يكن يحرص على التقشف أو يعتمد الجوع، كما يفعل بعض من يدعي الزهد، ولا يواظب على لباس الفقر، ولا على اتخاذ الصوف، بل كان يأكل ما قدم إليه من الطيبات، وان لم يعجبه (مما لم يكن محرما) لم يأكله، ولم يعبه. وما عرف عنه انه ذم طعاما قط، وان لم يجد صبر على الجوع حتى يبرح به فيربط على بطنه الحجر، وكان يلبس ما وجد، ولا يلتزم زيا خاصا ولا نوعاً خاصاً ولا لونا خاصا، وقد لبس العمامة على القلنسوة، والقلنسوة بلا عمامة والعمامة بلا قلنسوة، واتخذ القميص والازار والرداء ولبس البرد، ولبس الجبة، لا كهذه الجبة الواسعة والاكمام العريضة، بل الجبة الضيقة الاكمام، ولم تكن عمامته كهذه العمائم، بل كما يعرف من عمائم أهل الحجاز، قطعة من قماش تلف على الرأس فان لم تكن اليها حاجة القيت على العاتق، أو استعملت في حاجة السلم، أو لربط الأسير في

стр. 163

الحرب وكان يتخذ لها ذؤابة أحيانا، والعمائم ضرورة من ضرورات الطبيعة في الحجاز ذات الشمس المحرقة، فهم يقون رؤوسهم بها، من وقدة الشمس، ومن ذلك قيل: "العمائم تيجان العرب"، ولم يحرص فيها على لون بعينه، ولقد كانت عمامته يوم الفتح سوداء. وليس في الاسلام محرم من الثياب الا ثوبا يكشف عن عورة، ولا يجوز للمرأة المسلمة أن تكشف عن أكثر من وجهها وكفيها، وما كان من حرير للرجال، وما كان من الثياب الخالصة بأهل دين غير الاسلام بحيث ان لبسه لابس ظن أنه منهم، كلباس الرهبان مثلا. وما كان من لباس النساء خاصة يلبسه الرجل، أو من لباس الرجال خاصة تلبسه المرأة، وما كان فيه من سرف وتبذير، وكل ثوب بعد ذلك جائز اتخاذه في الاسلام. والرسول ﷺ لم يكن يحرم زينة الله التي أخرج لعباده، ولا الطيبات من الرزق، ولا يردها، ولا يأباها ان وجدها، ولكنه لم يكن يحرص عليها، ويجعلها أكبر همه من دنياه. لقد فرغ كذلك من شهوة الغنى والجاه، وأنتم تعرفون ان قريشا عرضوا عليه ما شاء من أموالهم ان شاء الغنى، وعرضوا عليه السلطان والامارة عليهم ان شاء الجاه، ولم يتركوا شيئا مما يعلمون ميل النفوس اليه، وتعلقها به، لا بذلوه له، ليترك دعوته. فكان يأبى عليهم ما عرضوه، راثياً لهم مشفقا عليهم. وفرغ كذلك من أمر الشهوة الجنسية، ولقد غر أقواما من المستشرقين، الذين درسوا الرسول بهذه العقلية الأرضية المريضة، وقاسوه بالمقياس الذين يقيسون به العظماء من رجالهم. فرأوا أنه تزوج تسع نسوة، فقالوا إنه رجل شهواني، يحسبونه من نوع من عرفوا من رجال السيف أو القلم. فنابليون مثلا الذي أكره أمة كاملة بحكومتها ووجوه شعبها على أن يكونوا (قوادين) له، يوصلونه إلى الفتاة البولونية (١) التي أحب، وزاد على ذلك فاضطر أبا الفتاة

стр. 164

على أن يلزمها الإثم الذي أراده منها، وجعل استقلال بولونيا رهنا بتحقيق هذه الرغبة النجسة الفاجرة. وليس ذلك وزر نابليون وحده، بل ان اسكندر دوماس، وبيرون وغوت، وبودلير والعشرات من أمثالهم كانت كلها كذلك، وهذه تراجم عظمائهم، اذا بلغت في أي منها بحث أخباره الجنسية، زكمت أنفك روائح تلك الارجاس، فجاؤوا بهذه العقلية يدرسون سيرة رسول الله ﷺ ، فدلوا بقولهم عنه أنه شهواني، على جهل بعلم النفس، وجهل بتاريخ محمد، وبعد عن الحياد والنزاهة في البحث. ان أشد أيام الرغبة الجنسية يقظة وثورة هي السن التي بين البلوغ والخامسة والعشرين، هذه هي السن الخطرة التي ينبغي فيها على كل عاقل وعاقلة أن يحذر فيها كل ما يجر إلى المعصية من التكشف والاختلاط، ومتابعة النظر إلى المحرمات، وادمان الفكر فيها، ولو كان الاختلاط باسم العلم أو الدرس. فأين كان محمد في هذه السن؟ وما هي حوادث صبوته؟ ولقد كان حرا، في بلد حرّ، ولو أرادها لم يمنعه منها مانع من رقابة ولا من عرف، ولقد كان لداته من الشباب غارقين في هذه الملذات، لا يحرمها عليهم دين ولا قانون. ان سيرة محمد مكشوفة للعدو والصديق، معرضة لأنظار كل ناقد، فهل ترون فيها انه كان في هذه السن من أرباب الصبوات ومن ذوي الشهوة العارمة ومن المقبلين على المتع والملذات؟ فقد فكر مرة واحدة في أن يمارس بعض ما يمارس لداته (١) من اللهو، فألقى الله على عينيه النوم حتى فاته ما فكر فيه. ولو أنه واقع شيئا من ذلك فهل كان يسكت عنه خصومه من المشركين، وقد كانوا حريصين على حربه وايذائه من كل سبيل؟ وتزوج وهو ابن خمس وعشرين، فهل تزوج الفتاة البكر الجميلة، أم تزوج امرأة في سن أمه أرملة في الأربعين؟ وسائر زوجاته أما كان جلهن أرامل، تزوجهن زواج المصلحة؟

стр. 165

وقد أحل الله له أكثر من أربع، فأعطاه بذلك أكثر من باقي المسلمين. ولكنه حرمه بالمقابل حقا منحه لكل زوج، وهو حق الطلاق. على ان القوة الجنسية ليست عيبا، وكيف وهي مظهر الرجولة؟ وفيم تكون الرجولة إن لم تكن في هذا؟ لكن العيب، أن يحيا الرجل لها وحدها، ولا يفكر الا فيها، وأن يطلبها من طريق الحرام. وقصة زواجه يزينب هذه التي يجتر بتردادها الخصوم، لا تستحق أقوالهم فيها الرد، لأنها في الواقع مبنية على تحريف متعمّد للواقع، أو على سوء فهم ظاهر. وزينب فتاة جميلة، وهي قريبة من الرسول، لو كان قد فكر فيها لتزوج بها، وكان ذلك لو أراده أكبر أمانيها وأماني أهلها، ولكن الله جعلها محوراً لاصلاحين اجتماعيين من الاصلاحات الاسلامية، واحد كانت هي مكان التجربة فيه، والآخر كان مكانه الرسول نفسه. أراد الاسلام القضاء على هذه العزة الجاهلية، وهذا الشعور الطبقي، بتزويج زينب - وهي من أشرف أسر العرب - بزيد وهو أسير متبنى، لا يُعدُّ في نظر هذا المجتمع كفؤاً لها. فتزوجته على كره منها ومن أهلها، وكانت حياتها سلسلة متصلة من المنازعات، وكان كلاهما يتمنى الفراق، ولكن الرسول يمنعه من طلاقها، ويقول له: (أمسك عليك زوجك واتق الله). حتى امتلأت الكاس وفاضت، ولم يبق إلى الاحتمال سبيل .. فطلقها! وهنا تجيء التجربة الثانية وهي أصعب وأشق، ويكون على الرسول حمل عبئها، بزواجه من زينب، لابطال عادة التبني، وبيان ان زوجة المتبنى لا يحرم على المتبني. والصعوبة فيها في تعريض محمد لأن يظن به هذا المجتمع أنه تزوج امرأة ابنه، وهذا الموقف أشق ما مر بالرسول، ومع ذلك قد احتمله راضيا بأمر الله.

стр. 166

فالحكاية ليست كما يظنون ويقدرون. وما يقولونه فيها لغوٌ لا يستحق الرد، وما عرضتُ له إلا لأبين الحق لمن لا يعرفه من القراء (١). وقوة الجسد هي الانتصار على المقاومة المادية، وقوة القلب نصر على الخصوم، وهنالك قوة أكبر، لأنها نصر على ما هو أكبر من المادة، ومن الخصم. هي قوة الخُلُق، وهي نصر على النفس، وطبائعها وغرائزها ورغباتها وميولها. وهذه مسألة نفسية مسلمة، عبر عنها الرسول بألفاظ شتى في مناسبات مختلفة، فقال: "ليس الشديد بالصُرَعَةَ (٢) ولكن الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب". وهذا حق تستطيعون ادراكه من أنفسكم، واذا كانت القوة التي تصرع بها الخصم تقد بواحد مثلا، فان القوة التي تحتاجها للتغلب على غضبك، واطفاء ناره في صدرك، وأن تبدو هادئا في حركاتك وصوتك ولهجتك، تقدر بمئة، فهي أصعب بمئة مرة من تلك. وجرب أن تجيء لغضبان قد أعماه الغضب، حتى لا يبصر ما أمامه، فتحاول أن تذكره الخُلُق الحسن، واللين والعفو، هل تجد في كل عشرة آلافِ واحداً يستجيب لك في هذه الحال؟ تصور لو أن رجلا قتل أحب الناس إليك وأعزهم عليك، ثم جاءك مستسلما لدعوتك (وأنت الداعية)، هل تنسى ما ذرفت من ماء العين على قريبك، وما أرقت عليه من دمع القلب ... وتعفو؟ لقد عفا الرسول عن (وحشي) قاتل (حمزة)، لما أسلم، لكن غلبته طبيعته البشرية، فيما لا يخالف الاسلام، ولا يضر الرجل، فقال له: (لا تجعلني أراك)، فكان يتوارى عن عينيه.

стр. 167

وهند، هند امرأة أبي سفيان، التي بلغ من حقدها على محمد ودعوته، ان فعلت ما لا تفعله امرأة، ولا يفعله انسان، ولا يفعله الذئب، ولا النمر. شقت صدر حمزة وأخرجت قلبه وأكلته .. هند التي فعلت في حرب الرسول الافاعيل، لقد عفا عنها وبايعها وقَبِل اسلامها. وأهل الطائف الذين سمعتم بخبر ما فعلوا بالرسول، لما أسلموا عفا عنهم. وهاكم الموقف الأكبر، المثل الأعلى في بابه، في كل العصور: أهل مكة الذين جرعوه وأصحابه الصّاب والعلقم، وآذوه في جسده ونفسه وعقيدته، وقالوا عنه، ونالوا منه، ومن أصحابه، وقاطعوه، وحبسوه في الشِّعب، ووضعوا الشوك في طريقه، وألقوا على رأسه كرش الناقة، وهو ساجد، وسخروا منه أنواع السخريات، واستمر ذلك لا يوما ولا يومين، ولا سنة ولا سنتين، ولكن ثلاث عشرة سنة، ثم حاربوه وذبحوا أقرباءه وأصحابه، حتى ظفر بهم، وأقامهم أمامه حول الكعبة، اذلاء لا يملكون دفاعا، وجاءت ساعة الانتقام .. لا، دعُوا كلمة الانتقام فانها لا تليق بالمقام، ساعة العقوبة المشروعة، التي يكون فيها الرد على هذه السلسلة الطويلة من التعديات والإساءات وها هو ذا يقول لهم: "ماذا ترون أني فاعل بكم؟ ". انهم يذكرون ما صنعوا ويعرفون ما يستحقون، ولكن يذكرون أيضا خلق محمد ويعرفون مثله، فيقولون: "أخ كريم، وابن أخ كريم". ويسكتون في انتظار الحكم القطعي، ولو كان الحكم بقتلهم جميعاً، لما وجد من كتّاب التاريخ الصديق منهم والعدو من يلومه بكلمة، ولكن حكم محمد كان غير ذلك، كان مفاجأة لا يتوقعها أحد، مفاجأة أدهشت عصره وكل عصر يأتي بعده، قال لهم: "اذهبوا فأنتم الطلقاء". وأنا آسف أن أعرض هذا الموقف، هذا العرض الموجز، ولقد كنت أتمنى لو جعلت الفصل عنه وحده، لأجلوه عليكم كما ينبغي أن يجلى، هذا الموقف يحتاج إلى قوة عشرة آلاف مصارع.

стр. 168

وأنا أعجب لماذا حاول المتأخرون من مؤلفي السيرة الاستكثار من المعجزات، والتوسع فيها، واضافة معجزات لم تكن، وما حاجتهم اليها؟ وكل موقف من سيرة الرسول، وكل جانب من شخصيته، هو معجزة من أكبر المعجزات. وما المعجزة؟ أليست الأمر الذي يعجز الناس عن مثله؟! ان صدقه وأمانته معجزة، ولن اسردّ عليكم أمثلة كثيرة، فالمجال ضيق. ولكن أعرض مثالاً واحداً، حادثة مررت بها في مطالعاتي مئات المرات فكنت اقرؤها على انها خبر عادي، ثم تنبهت اليها يوما، فجأة .. فاذا هي اعجوبة، وكم في السيرة من أمثال هذه الاخبار. كلكم تعرفون أنه لما هاجر الرسول إلى المدينة، ترك علياً مكانه ليرد الودائع التي كانت عنده لقريش، فهل فكرتم يوما ما قصة هذه الودائع؟ يردها لقريش لا للمسلمين، اذ لم يبق أحد من المسلمين في مكة لما هاجر الرسول، لأنه كان آخر من هاجر، بقى كما بقى الربان في السفينة الجانحة، لا يتركها حتى ينزل الركاب جميعاً، ويصلوا إلى قوارب النجاة وهذه مَنْقبة ذكرتها عرضا. قصة الودائع هي أن قريشا كانت (على كل ما كان بينها وبين الرسول) لا تجد من تأتمنه على ذخائرها الا محمدا، فتصوروا حزبين مختلفين، الحرب قائمة بينهما، حرب اللسان واليد والمبدأ والعقيدة، ثم يأتمن أفراد الحزب على أموالهم وأوراقهم، رجلا من الحزب الآخر! هل سمعتم بمثل هذه الحادثة؟ وكيف يستودعونها هذا الخصم، ان لم يكن في أخلاقه وأمانته معجزة من المعجزات، والشك فيه أحد المستحيلات؟ هكذا كان محمد! ويوم بدر يوم مر يعدل الصفوف قبل المعركة، وفي يده قدح (قطعة

стр. 169

من الخشب)، فوجد سواد بن غزية بارزاً من الصف، فدفعه بالقدح في بطنه وقال: "اعتدل يا سواد". قال؛ "يا رسول الله أوجعتني، وقد بعثك الله بالحق والعدل". تصوروا هذه المشهدة، قائد الجيش يجابهه جندي عادي بهذا الكلام، ماذا ترونه صانعا به؟ يؤدبه؟ يعرض عنه؟ أو تبلغ به سماحة الصدر ونبالة الطبع، فيسامحه ويعفو عنه؟ او يزيد على الغاية فيقول: "عفوا انا أعتذر اليك"؟. أما رسول الله فقد صنع شيئاً لا يصنعه احد، ولا يخطر على بال أحد، كشف له عن بطنه وأعطاه القدح، وقال له: "استقد! "، أي: أوجعني كما أوجعتك. أقاد من نفسه وهو سيد البشر. هكذا كان محمد! كانت سيرة حياته كلها معجزة، عجز عظماء العالم جميعاً عن أن يتركوا لهم سيرة مثلها، في كل ناحية منها عزة وعظمة، في قوة جسده، وتكوينه الرياضي. في روحه الرياضية، وأنه لا يستخفه النصر حتى يبطره، ولا تزلزله الهزيمة حتى تثير غضبه أو تذهب بعزمه. في ثباته في المعامع الحمر حتى كان أبطال الصحابة يحتمون به، وفي شجاعته التي تضعضع أمامها صناديد الرجال، وفي تواضعه للمسكين والفقير، ووقوفه للأرملة وللعجوز. في اقراره بالحق، في صدق التبليغ عن الله، حتى انه بلغ الآيات التي نزلت في تخطئته وفي عتابه، في احترامه العهود وحفاظه على كلمته، مهما كلفه الحفاظ عليها من مشقة ونصب، سواء عنده في ذلك معاملاته الشخصية وشؤون الدولة. وفي ذوقه وحسه المرهف، وأنه هو الذي سن آداب الطعام وقرر قواعد

стр. 170

النظافة في وضعه مع أصحابه اذ يعلمهم ويعمل معهم، ويعيش مثلما يعيشون، ويستشيرهم ويسمع منهم، ويجلس حيث يجد المكان الفارغ في آخر المجلس حتى كأن القادم عليه ليراه، ينظر في وجوه القوم فيقول: "أيكم محمد؟ " لأن محمداً لم يكن يمتاز عليهم في جلوسه، ولا في ثيابه، كان مثلهم في كل شيء. في سلوكه المهذب العفيف مع النساء، وفي سيرته في بيته ومع أهله، ومزحه الصادق، وانطلاق نفسه. وأنه كان محببا إلى كل قلب، في تواضعه ورفضه أن يعد ملكا. ونهى أصحابه عن القيام له، وأنه كان يقوم بحاجة أهله، ويخصف بيده نعله. وأنه عاش حياة الفقر زهداً في الغنى لا عجزاً عنه، ولو شاء لكان قصره أفخم من ايوان كسرى ودارة قيصر. ولكنه اختار الآخرة فكانت دور نسائه جميعا، نسائه التسع، لا يتجاوز طولها كلها (١) خمسة وعشرين متراً. وكان منزل عائشة غرفة واحدة مبنية من اللبن والطين، وكانت من الضيق بحيث انها لم تكن تتسع لنومها وصلاته، فكان اذا سجد دفع رجلها ليسجد في مكانها، أما طعامه فقد حدثت عائشة أنه كان يمر الشهر والشهران، ولا يوقد في بيت رسول الله نار ليخبز عليها الخبز. قالوا: "فماذا كنتم تأكلون؟ ". قالت "التمر والماء" هذا هو طعام أسرة رسول الله. وفي بيانه وفصاحته، أنه كان أبلغ من نطق وأبان ... كل ذلك فيه الاعجاز، وفيه الدليل على ان الله ما اختاره لأسمى الرسالات، وما جعله خاتم الأنبياء، حتى أعده لذلك اعداداً جعله واحداً في بني آدم، ليس له في شمائله نظير ﷺ . والله أعلم حيث يجعل رسالته.

стр. 171

الإيمان بالكتب القرآن القرآن هو معجزة محمد. والذين زعموا ان القرآن من تأليف محمد، أنكروا عليه أنه نبي، ولكنهم وصفوه بأنه إله، ونحن نشهد: "ان لا اله الا الله وأنه عبد الله ورسوله.". ذلك ان القرآن لا يستطيع أن يأتي به بشر، ولا يمكن أن يأتي الا من عند الله. فمن قال ان محمداً ألفه، فقد منح محمدا صفة الالوهية! والا فأروني رجلا كان اميا لا يقرأ ولا يكتب كما كان محمد، ولم يدخل في عمره مدرسة، بل لم يكن في بلده مدرسة، بل هو لم يكن في بلدة كبيرة من بلدان الحضارة، بل كان في قرية متوارية بين الجبال السود، وراء رمال الصحراء، لم تدر بها (روما) ولا (القسطنطينية) ولا (مدائن كسرى)، ولم يدر أحد فيها بفلسفة (اليونان) و (الرومان) ولم يسمع واحد منهم بأدب (الهند) و (ايران). قرية ليس فيها عالم ولا باحث، ولا مثقف ثقافة صغار المفكرين في ذلك الزمان، وهو لم يخرج منها الا إلى قرية مثلها أو أكبر قليلا منها، هي (بصرى) الشام، من أرض حوران، ولم يقم فيها الا يوماً أو أياما قليلات معدودات.

стр. 172

هل يمكن لمثل هذا الرجل أن يأتي بمثل القرآن؟ هذه تواريخ العباقرة والنابغين بين أيديكم، تواريخ الامم كلها في العصور كلها، فهل فيها حادث مثل هذا الحادث؟ لقد ألف (موزارت) قطعة موسيقية وهو دون العاشرة، ونظم (بشار) الشعر وهو في مثل هذه السن، ونبغت مؤلفة (جين اير)، واختها كاتبة (أعالي وذرنج) نبوغا مفاجئا، وترك (شكسبير) هذه الثروة الأدبية، ولم يكن من أكابر أدباء عصره ومثقفيه. كل هذا ممكن، ويمكن أن يؤلف شاب مغمور، كتابا يأتي في بقصة رائعة، أو نظرية علمية جديدة لأنه عبقري، والعبقرية ليست وقفا على المتعلمين، ولا على خريجي الجامعات، وقد تظهر العبقرية حيث لا يتوقع ظهورها، ولكن من عرفهم التاريخ من عباقرة العلم والأدب والفن، انما سبقوا زمانهم بقرن مثلا! زادوا على أقرانهم خمسين في المئة، أو مئة في المئة. ان لسبقهم حدودا، انه سبق معقول. وليس في التاريخ كله، رجل كانت له ظروف محمد ﷺ ، يأتي بكتاب هو في الأسلوب الأدبي في أبهى صور الجمال، وهو في مجال التشريع قانون في ذروة الكمال، وهو في الآلهيات والاخبار عن المغيبات، يأتي بما لا يعرفه أحد من البشر، ولا يمكن أن يدركه بنفسه العقل البشري، وهو في الطبيعة يشير إلى قوانين وظواهر لم يكن يعرفها أحد في عصره، ولا في العصر الذي تلا عصره، ولا في العصور العشرة التي جاءت بعد ذلك. فيه اشارات إلى قوانين لم تكشف الا بعده بألف وثلاث مئة سنة، وقوانين لم تكشف للآن. كتاب أمره الله أن يتحدى به الناس جميعا، فتحدى الانس والجن: أن يأتوا بعشر سور من أمثال سوره، أن يأتوا بسورة واحدة .. فعجزوا! وهذا التحدي قائم إلى الآن، والعجز مستمر إلى الآن. اعجازه ثابت، ولكن لا تبحثوا كما بحث علماء البلاغة، عن موطن الاعجاز، فان موطن الاعجاز ليس في ألفاظه وحدها، ولا في أخباره عن

стр. 173

المغيبات فقط، ولا في أمر واحد من الأمور التي ادعوا ان الاعجاز فيها، بل فيه كله مجتمعا. كالمرأة الجميلة، ليس جمالها في لون بشرتها وحده، ولا في عينيها وحدهما، ولا في أي عضو واحد من أعضائها، بل جمالها فيها كلها. وان كان كل ناظر في القرآن، يلمح الاعجاز من الجهة التي ينظر فيها. تعرفون قصة رئيس قسم تحقيق الشخصية، الذي أسلم لما سمع قوله تعالى: ﴿بلى قادرين على أن نسوي بنانه ... ﴾. فكر: لماذا خص (البنان) بالذكر؟ ماذا فيه؟ فيه بصمات الاصابع، هذه المعجزة الآلهية العجيبة، كم على ظهر الأرض من ناس؟! أنه ليس فيهم اثنان تتفق بصمة أحدهما وبصمة الآخر. انها ظاهرة عجيبة، لكنها عرفت من قريب، لم يكن يعرفها أحد على عهد محمد ولا في القرون العشرة التي تلت عهد محمد. فلا بد اذن أن يكون محمد قد تلقاها من عند الله، ولا بد أن يكون القرآن كلام الله، وفي القرآن مئات من أمثال هذه الاشارة، لا نزال نجد كل يوم من يتنبه إلى واحدة منها، كلما درس القرآن دارس، بدت له من اعجازه جوانب لم يدركها الاولون، لأنه لا تفنى عجائبه. لذلك يجب أن يفسر القرآن في كل زمان تفسيرا جديدا. يفسره الأديب، ويفسره الحقوقي، ويفسره الفلكي، ويفسره عالم النفس، وعالم الاجتماع، والمؤرخ، كل واحد منهم يجد فيه مجالا لعلمه واختصاصه، ودليلا من اختصاصه وعلمه على ان القرآن كلام الله. ان معجزات الرسل الأولين وقعت مرة وانقضت، ولكن معجزة محمد قائمة تتكرر كل يوم، ومعجزات الرسل دليل، من غير جنس الرسالة، على صحة الرسالة، ومعجزة رسالة محمد، هي رسالته نفسها، صلى الله عليه وعلى اخوانه الأنبياء والمرسلين.

стр. 174

الإيمان بالكتب باقي الكتب المنزلة نحن نؤمن بالقرآن، وبالكتب المنزلة التي خبرنا عنها القرآن، وهذه الكتب هي: (صحف ابراهيم)، و (صحف موسى) وهي (التوراة)، و (زبور داود)، و (انجيل عيسى). والقرآن هو الحاكم عليها، والميزان الذي يعرف به صحيحها من الذي حرف منها، قال تعالى: ﴿وأنزلنا اليك الكتاب بالحق مصدقاً لما بين يديه من الكتاب ومهيمناً عليه ... ﴾. فما أخبرنا الله في القرآن أنه من هذه الكتب آمنا به، وقلنا بكفر من أنكره، وما وافق القرآن من أخبار هذه الكتب اعتقدنا أنه باق على صحته، وأن التحريف لم يصل اليه، وما جاء من أخبارها مخالفاً لما رواه القرآن عنها، اعتقدنا أنه محرف عن أصله. صحف ابراهيم: خبرنا الله ان مما جاء في صحف ابراهيم، وتكرر في صحف موسى: ﴿ألا تزر وازرةٌ وزر أخرى وأن إلى ربك المنتهى ... ﴾. إلى آخر هذه الأيات. وان من ذلك قوله: ﴿قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى بل تؤثرون الحياة الدنيا والآخرة خيرٌ وأبقى إنّ هذا لفي الصحف الأولى صحف إبراهيم وموسى﴾. التوراة: التوراة منزلة من عند الله، فيها هدى للناس، وفيها حكم الله، قال تعالى: ﴿وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله ... إنا أنزلنا التوراة فيها هدىً ونور﴾.

стр. 175

ومما خبرنا به عن أحكام التوراة قوله: ﴿وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأُذن بالأُذن والجروح قصاص ... ﴾. (١) وخبرنا ان فيها بشارة محمد ﷺ ، قال: ﴿الذين يتبعون النبي الأمي الذي يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة﴾. وان فيها وصف المؤمنين: ﴿محمدٌ رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعاً سجداً يبتغون فضلاً من الله ورضواناً سيماهم في وجوههم من أثر السجود ذلك مثلهم في التوراة ... ﴾. الزبور: قال تعالى: ﴿وآتينا داود زبورا﴾. وخبرنا ان مما كتب في الزبور وراثة الصالحين الأرض، قال تعالى: ﴿ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عباديَ الصالحون﴾. ولعل المراد بالأرض الجنة، لقوله تعالى حكاية عن المؤمنين الذين يدخلونها: ﴿وقالوا الحمد لله الذي صدقنا وعده وأورثنا الأرض نتبوأ من الجنة حيث نشاء .. ﴾. الانجيل: قال تعالى: ﴿وآتيناه (الانجيل) فيه هدىً ونورٌ مصدقاً لما بين يديه من (التوراة) .. ﴾. وبين ان الانجيل منزل، يشتمل على أحكام تشريعية، قال تعالى:

стр. 176

﴿وليحكم أهل (الإنجيل) بما أنزل الله فيه ... ﴾. وفيه تعديل لشريعة التوراة: ﴿ومصدقاً لما بين يديَّ من التوراة ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم .. ﴾. وفيه كالتوراة بشارة محمد، ووصف للمؤمنين به. ونحن نؤمن بكل ما أنزل الله من: (صحف)، و (توراة)، و (زبور)، و (انجيل)، ونحترم سائر الأنبياء وفيهم: (ابراهيم) و (موسى) و (داود) و (عيسى). صلى الله عليهم جميعا.

стр. 177

خاتمة هذه هي العقائد الاسلامية: من اعتقدها واعتقد بكل ما أخبر به القرآن، من خلق السماوات والأرض والانسان. وظهرت آثار هذا الاعتقاد في عمله، فهو المسلم الكامل. يعمل بالقرآن الذي اعتقد صحته، لا يكتفي بتلاوته بلا فهم، ولا بتلحينه والتطريب به بلا علم، بل يتخذه دستورا لحياته، يحل حلاله، ويحرم حرامه. يعمل ما أوجبه، ويترك ما نهى عنه. ان كانت ديانات الناس للمعابد وحدها، فالاسلام ليس للمسجد وحده، ولكن للمسجد وللدار وللسوق، ولقصر الحكم، وللحرب وللسلم. الاسلام يلازم المسلم دائما، يبين له ما يباح له، وما يحرم عليه، هو معه ان خلا بنفسه، ومعه ان انفرد بأهله، وهو معه في تجارته وفي عمله، كل عمل من أعمال المسلم له حكم من الأحكام الخمسة، ومنها الاباحة الاصلية. وان كانت الديانات الاخرى عبادات فقط، لا علاقة لها بالسياسة، ولا بالعلم، فالاسلام عبادة، وقانون مدني، وقانون جزائي، وقانون دولي، ونظام اداري، ومذهب خلقي، وهو علم، وهو سياسة، وهو عمل، وهو جهاد. افتحوا أي كتاب من كتب الفقه، وانظروا في فهرسه، تروا هذه الجوانب كلها فيه.

стр. 178

وان كانت العبادات في الديانات الاخرى صلاة فقط، فالعبادة عندنا ليست صلاة وصياماً فقط، بل ان كل عمل ينفع الناس ان قصد به فاعله وجه الله، كان له عبادة. واذا فصلوا بين الدين - الذي هو عبادة فقط - وبين العلم، فالاسلام دين العلم. أول كلمة نزلت من كتابه كانت (اقرأ)، لم تكن (قاتل)، ولا (اجمع المال)، ولا (ازهد في الدنيا). و (اقرأ) هذه أول كلمة أنزلت من القرآن وجاء بعدها ذكر العلم، ما منَّ الله على الانسان بما أعطاه من مال ولا قوة ولا جاه، بل بأنه علمه ما لم يعلم. وكل علم يحتاج اليه مجتمع اسلامي، يكون تعلمه فرض كفاية على القادرين عليه، فهل في الوجود دين - الاّ الاسلام - يجعل تعلم الكيمياء، والطب، والطيران، من الفروض الدينية؟ والاسلام دين الغنى، الله سمى المال في القرآن خيرا، فقال: ﴿وإنه لحب الخير شديد﴾. وقال في آية الوصية: ﴿إن ترك خيراً ... ﴾. أي: مالا. فينبغي أن يكون المسلمون أغنياء، ولكن بشرط أن يجمعوا المال من الحلال، وأن يكون المال في أيديهم لا في قلوبهم. والمال وكل ما في الكون مسخر للانسان. والانسان المسلم يحس أنه عبد الله، ولكنه سيد لما في الكون من أشياء، يتصرف فيه تصرف السيد، يستجلب النفع الذي أودعه الله فيه، فهو يرغب في النافع ولكن لا يعظمه لذاته، فان عظمه لذاته صار عبدا له، وكان بذلك قد أشركه في العبادة مع الله. والمال جعله الله أداة لجلب النفع، فان أنت ادخرته وخبأته ولم تنتفع منه صرت خادما له وعبدا، وقد قال الرسول، ﷺ : "تعس عبد الدرهم".

стр. 179

والثياب جعلت لدفع البرد، وستر الجسد، فان عظمتها لذاتها، فحفظتها ورعيتها ولم تنتفع بها، صرت عبدا لها، وقد: "تعس عبد الخميصة". والاسلام دين القوة ولكن بلا ظلم. والاسلام للدينا والآخرة. ﴿ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة ... ﴾. وهو يريد من المسلمين أن يصدقوا الايمان، وأن يتبعوا الشرع، وأن يكونوا مع هذا أرقى الأمم، وأقوى الأمم، وأعلم الأمم، وأغنى الأمم، ليجمعوا حسنة الدنيا وحسنة الآخرة. وأن يعلم كل مسلم - بعد هذا - ان عليه واجبا آخر، هو التعريف بالاسلام، والدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة. فلا يكره الناس على الاسلام. ﴿لا إكراه في الدين﴾. بل يعرض عليهم محاسنه حتى يرغبوا فيه، ولا يدعو بلسان مقاله فقط، بل بلسان حاله، بأن يكون المجتمع الاسلامي صورة مجسمة لمبادئ الاسلام، لا بأن يكون صورة مشوهة لها، تنفر منها وتبعد عنها كما هي الحال الآن. بأن يكون الداعي قوي العقل ليقيم الحجة. عالما بالاسلام ليحسن العرض، مثقفا بثقافة العصر. يكلم الناس بلغة العصر، وأن يكون لطيف المدخل، خفيف الظل، لا فظا ولا غليظا، ولا جافيا عاتيا. وأن يعلم ان الاسلام لا يفزع من المناظرة، ولا يهرب منها، وان كل شيء فيه بالدليل وبالحجة والبرهان، وأنه يطالب بالدليل حتى ممن يدعي ما يخالف الاسلام: ﴿قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين ... ومن يدع مع الله إلهاً آخر لا برهان له به﴾.

стр. 180

ولو كان له برهان ... ولكن يستحيل اقامة الدليل على خلاف التوحيد. ولو وجد هؤلاء الدعاة إلى الله، لدخلت الدنيا كلها في دين الله، والله أنزل هذا الدين، وهو قد تعهد بحفظه: ﴿إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون﴾. فالاسلام باق لا يزول، والعاقبة له، ولكن اما أن نعود - نحن المسلمين - إلى ديننا، فيكون لنا شرف النصر في الدنيا، وثواب الله في الآخرة، وإما أن يستبدل بنا قوما غيرنا يدخلون في الاسلام، ويتولون الدعوة اليه والدفاع عنه. ونعوذ بالله من أن يستبدل بنا، ونسأله أن يردنا إلى ديننا، وأن يكتب النصر له على أيدينا، وأن يغفر لنا ويرحمنا. وآخر دعوانا: أن الحمد لله رب العالمين.