← Общие книги

Общие книги · id 37562

تعريف عام بدين الإسلام

علي الطنطاوي

Полный текст (180 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

على شكلها المعروف، غايتها الحمل وبقاء النسل (١)، ولا داعي لذلك في الآخرة، فكان الحق أن نؤمن بكل ما ورد في القرآن، ثم نشتغل بالعمل الصالح الذي يوصلنا إلى الجنة، بدلا من المناقشة في تفصيل أمرها، والخلاف على وصف حقيقة ما فيها، مما لم يذكره القرآن لنا. الإيمان باليوم الآخر دخول الجنة وليس دخول الجنة بالتمني والتشهي، ولكن بالايمان والطاعة. ﴿ليس بأمانيِّكم ولا أمانيِّ أهل الكتاب من يعمل سوءاً يجزَ به﴾ ﴿أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين؟﴾. فالمؤمن الذي يدخل الجنة ام أن يكون (فاعلا) للخير داعيا إلى الله، باذلا الجهد في سبيل اعلاء كلمته، عاملا على ذلك بنفسه وماله ولسانه، فيكون من الذين جاهدوا، فان لم يستطع فعليه - على الأقل - الا يكون (منفعلا) بالشرّ، ولا متبعا لدعوته، وأن يسلم بنفسه وأهله، وأن يصبر على ما يلقى في سبيل تمسكه بدينه، فيكون من الصابرين. فاذا انتهى الحساب، واجتاز المؤمن الصراط، تحققت النجاة. ﴿وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زُمراً حتى إذا جاؤوها وفتحت أبوابها (٢) وقال لهم خزنتها سلامٌ عليكم طبتم فادخلوها خالدين وقالوا الحمد لله الذي صدقنا وعده وأورثنا الأرض نتبوأ من الجنة حيث نشاء فنعم أجر العاملين ... ﴾.

стр. 107

الإيمان باليوم الآخر وصف الجنة أما سعتها فان عرضها عرض السماوات والأرض، ولا تعجبوا من هذا فان الآخرة بالنسبة لهذه الدنيا، كهذه الدنيا بالنسبة لبطن الأم، أما يرى الجنين بطن الأم دنياه كلها، أو ليست دار واحدة من دور الدنيا، أوسع من دنيا الجنين بملايين المرات؟ هذه الجنة (أعدت للمتقين)، ومن هم المتقون الذين أعدت لهم؟ وماذا كانوا يصنعون؟ لعلنا نصنع مثلهم فنكون معهم، لقد بيّن الله ان المتقين هم: ﴿الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس .. والذين إذا فعلوا فاحشةً أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم﴾. هذه بعض صفات المتقين، فمن اتصف بها بعد تصحيح العقيدة، وصدق التوحيد، أدخله الله بكرمه ومنّه، هذه الجنة التي أعدّها لهم. والجنة درجات: ففيها جنة النعيم وهي أبعد من أن ينالها كل واحد: ﴿أيطمع كل امرئٍ منهم أن يدخل جنة نعيم﴾. وهي للسابقين السابقين. ﴿أولئك المقربون في جنات النعيم﴾. وفيها الجنة التي سماها الله (الغرفة)، ووعد بها عباد الرحمن، الذين وصفهم في سورة الفرقان بأنهم الذين يجمعون صحة الاعتقاد، واستقامة السلوك، وكثرة العباد، وعلو الأخلاق فدل ذلك على ان (الغرفة) درجة عالية في الجنة، خص بها هؤلاء الذين جمعوا صفات الكمال، وصبروا على مشقة القيام بها، وصرف النفس عن رغبتها في التملص منها. وبين ربنا في الجنة: ﴿جناتٌ معروشاتٌ وغير معروشات﴾. وإن فيها مكانا اسمه: (جنة المأوى)، ومكانا اسمه: (جنات عدن)، ولمن خاف مقام ربه جنتان لا جنة واحدة، وان فيها ما دعاه بـ (عليين). فدل ذلك على أن نعيمها درجات، وأهلها منازل.

стр. 108

الإيمان باليوم الآخر أهل الجنة وأحوالهم يجتمع أهل الجنة باخوانهم وأهلهم: ﴿ادخلوا الجنة أنتم وأزواجكم تحبرون ... هم وأزواجهم في ظلال على الأرائك متكئون ... والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمانٍ ألحقنا بهم ذريتهم ... ﴾. يجتمعون على ود وصفاء، ﴿ونزعنا ما في صدورهم من غلٍ﴾، وحقد. تصف لهم الأسرة والأرائك، فتكون مجالسهم عليها: ﴿متكئين على سررٍ مصفوفة﴾. يقعدون عليها. ﴿اخواناً على سررٍ متقابلين﴾. عليها فرش بطائنها من شيء نفيس، سماه ربنا (الاستبرق)، وحولهم جنتان ملتفتان، ثمارهما قريبة من أيديهم، دانية منهم. يخدمهم فيها خدم صغار. ﴿غلمان لهم كأنهم لؤلؤٌ مكنونٌ ... يدعون فيها بكلِّ فاكهة آمنين ... يطاف عليهم بكأسٍ من معينٍ بيضاء لذة للشاربين لا فيها غولٌ ولا هم عنها ينزفون﴾. والطعام (يطاف) به: ﴿عليهم بصحافٍ من ذهبٍ﴾. أما شرابهم فيحمل اليهم: ﴿بأكوابٍ وأباريق وكأسٍ من معين﴾. يؤتى اليهم بكل ما يريدون من طعام. ﴿وفاكهةٍ مما يتخيرون ولحم

стр. 109

طيرٍ مما يشتهون ... في سدرٍ مخضودٍ وطلحٍ منضود وظل ممدودٍ وفاكهة كثيرةٍ لا مقطوعة ولا ممنوعة وفرشٍ مرفوعة ... لا يرون فيها شمساً ولا زمهريراً ودانيةً عليهم ظلالها وذُللت قطوفها تذليلاً ... تعرف في وجوههم نضرة النعيم﴾. فوجوههم "ناعمةٌ لسعيها راضية" .. يقصدون من أركان الجنة حيث شاؤوا، يتقابلون فيها ويتحدثون. ﴿تحيتهم فيها سلامٌ﴾. لا يقولون الا خيرا. ﴿وهدوا إلى الطيب من القول ... واقبل بعضهم على بعض يتساءلون قالوا انا كنا قبل في أهلنا مشفقين (خائفين من دخول النار) فمنَّ الله علينا ووقانا عذاب السموم﴾. وهذا: من ثمرة الدعاء والاستغفار. ﴿انا كنا من قبل ندعوه إنه هو البرُّ الرحيم﴾. فاذا تحدثوا تذكروا في أحاديثهم أيام الدنيا، وأحوال أهلها، وما كان من أمرهم فيها، وما انتهوا اليه في الآخرة. ﴿قال قائل منهم انه كان لي قرينٌ يقول (ساخراً معانداً) أئنك لمن المصدقين أئذا متنا وكنا تراباً وعظاماً أئنا لمدينون قال (أي المؤمن في الجنة لاخوانه فيها) هل أنتم مطلعون﴾. على أهل النار لتروه فيها؟ ودل ذلك على أنهم يستطيعون الاطلاع عليهم. ﴿فاطلع فرآه في سواء الجحيم﴾. قال له (وهذا وما يأتي بعده يدل على أن أهل الجنة وأهل النار يتبادلون الحوار): ﴿تالله إن كدت لتردين ولولا نعمة ربي لكنت من المحضرين﴾. ويمنّ عليهم ربهم بالحور العين، يزوجهم بهن.

стр. 110

﴿وزوجناهم بحورٍ عين كأمثال اللؤلؤ المكنون﴾. انشأهن إنشاء، فجعلهن: ﴿أبكاراً عرباً أتراباً .. قاصرات الطرف (من الحياء) لم يطمثهن انس قبلهم ولا جانٌّ ... ﴾. وأهل الجنة. ﴿دعواهم فيها سبحانك اللهم وتحيتهم فيها سلام وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين﴾. يقولون: ﴿الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله لقد جاءت رسل ربنا بالحق ونودوا ان تلكم الجنة اورثتموها بما كنتم تعملون ... لا يمسهم فيها نصب وما هم بمخرجين ... لا يذوقون فيها الموت الا الموتة الأولى ... والملائكة يدخلون عليهم من كل بابٍ﴾. يحيونهم ويهنئونهم يقولون: ﴿سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار ... وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين ... ان هذا لهو الفوز العظيم لمثل هذا فليعمل العاملون ... وفي ذلك فليتنافس المتنافسون﴾. اللهم برحمتك التي وسعت كل شيء، وعفوك ومغفرتك - وأنت العفو الغفور - أعذنا من عذاب النار، وأدخلنا الجنة بسلام. الإيمان باليوم الآخر جهنم المتبادر إلى الأذهان ان جهنم نار كالنار التي نعرفها في الدنيا، لكنها أشد منها. حتى انها لا تقاس من شدتها بها، وان ماثلتها في نوعها، ولكن الذي يبدو لمن ينعم النظر في وصف القرآن لها، انها من نوع آخر. اذ لو كانت نارا من نوع نار الدنيا، لأحرقت كل شيء فتركته فحما. مع ان جهنم فيها شجر،

стр. 111

وفيها ماء، وفيها ظل، وان كان ظلها وماؤها وشجرها، للتعذيب لا للنعيم. ونار الدنيا تحرق من يدخل فيها فيموت، فيستريح من ألمها. وجهنم - نعوذ بالله منها - ألم دائم لأهلها. ﴿لا يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من عذابها﴾. لا تحرق الجلود فتذهبها، ولكن تنضجها، وكلما نضجت جلودهم بدلهم الله جلودا غيرها ليذوقوا العذاب، وأهلها يعيشون ويفكرون، ويتذكرون ويختصمون. وفي جهنم شجر، ولكنها شجرة الزقوم، التي: ﴿تخرج من أصل الجحيم طلعها كأنه رؤوس الشياطين﴾. وفي جهنم طعام، وأهلها يأكلون، ولكنهم آكلون من ثمر هذه الشجرة الخبيثة: ﴿فمالئون منها البطون ... إن شجرة الزقوم طعام الأثيم كالمهل (عكر الزيت) يغلي في البطون كغلي الحميم﴾. وفي جهنم شراب، فيها ماء، ولكنه ماء صديد، يسقى منه الكافر، فهو: ﴿يتجرعه ولا يكاد يسيغه﴾. فاذا أكلوا من هذه الشجرة، شربوا بعدها من الحميم، من هذا الماء الذي وصفه القرآن، وهم من شدة عطشهم يشربون منه شرب الهيم، شرب الابل الهائمة العطشى، ثم يصب من فوق رؤوسهم من هذا الحميم. ﴿يصهر به ما في بطونهم والجلود﴾. وفي جهنم ثياب، ولكنها من نار: ﴿فالذين كفروا قطعتْ لهم ثياب من نار﴾. وفي جهنم ظل وظلل، ولكنها من نار: ﴿لهم من فوقهم ظلل من النار ومن تحتهم ظلل﴾ ﴿انه ظلٌ من

стр. 112

يحمومٍ لا بارد ولا كريم﴾. هذه عاقبة من آثر الدنيا وترفها، وأصر على الكفر، وأنكر البعث. ﴿إنهم كانوا قبل ذلك مترفين وكانوا يصرون على الحنث العظيم وكانوا يقولون أئذا متنا وكنا تراباً وعظاماً أئنا لمبعوثون .... لهم فيها زفير وشهيق خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك إن ربك فعالٌ لما يريد﴾. الإيمان باليوم الآخر دخول النار اذا انتهى الحساب، وحقت كلمة العذاب على الكفار، يساقون إلى جهنم زمراً. فتغتاظ جهنم نفسها من كفرهم واصرارهم، واعراضهم عن رسل ربهم. وخزنة جهنم لا ينقضي عجبهم من حماقتهم وعنادهم فهم، يعودون إلى سؤالهم: ﴿تكاد تميز من الغيظ كلما ألقي فيها فوجٌ سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير؟!﴾. فلم يسعهم الا الاعتراف: ﴿قالوا بلى قد جاءنا نذير فكذبنا وقلنا ما نزل الله من شيء ... ﴾. فقالت لهم الملائكة: ﴿ان أنتم إلا في ضلالٍ كبير﴾. فأقروا بأنهم كانوا صماً لا يسمعون، وكانوا قد عطلوا عقولهم فلا يفكرون، وأنهم لو كانوا سمعوا المواعظ، وفكروا في أنفسهم، وفي الكون من حولهم، لاستدلوا بذلك على الله، فآمنوا به واتبعوا رسله، وما وصلوا إلى جهنم. ﴿وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير فاعترفوا بذنبهم فسحقاً لأصحاب السعير ... ﴾.

стр. 113

الإيمان باليوم الآخر جهنم سجن جهنم: ﴿لها سبعة أبوابٍ﴾. يوزع أهلها عليهم: ﴿لكل بابٍ منهم جزءٌ مقسوم﴾. وهي مغلقة بمزاليج ضخمة، كأنها الأعمدة: ﴿إنها عليم مؤصدة في عمدٍ ممددةٍ﴾.وهم يلقون فيها - من مكان ضيق: ﴿مقرنين﴾ مربوطاً بعضهم ببعض. وقد أعد الله لهم: ﴿سلاسل وأغلالاً وسعيرا ... ﴾. الإيمان باليوم الآخر محاولات للخروج عمر الله الانسان في الدنيا دهرا، وأعطاه فيها عقلا يختار به ما يريد، وارادة ينفذ بها ما يختار، فاختار بعض الناس سلوك طريق جهنم، وعملوا ما يوصلهم اليها، فلما بلغوها، راحوا يحاولون الخروج منها، ويعدون انهم ان أعيدوا إلى الدنيا، آمنوا وأصلحوا، يحسبون الأمر كامتحانات الدنيا، فمن رسب في دورة، استدرك النجاح في اخرى، لا يدرون ان من خرج من الدنيا لا يعود اليها، ومن دخل النار لا يخرج منها، فحق عليهم قول الله : ﴿ولقد جئناهم بكتابٍ فصلناه على علمٍ هدىً ورحمةً لقومٍ يؤمنون هل ينظرون الا تأويله يوم يأتي تأويله يقول الذين نسوه من قبل قد جاءت رسل ربنا بالحق فهل لنا من شفعاء فيشفعوا لنا أو نردّ فنعمل غير الذي كنا نعمل؟ ... وترى الظالمين لما رأوا العذاب يقولون هل إلى مردٍ من سبيل؟! ... وهم يصطرخون فيها ربنا أخرجنا نعملْ صالحاً غير الذي كنا نعمل ... ﴾. فيكون الجواب الحاسم: ﴿أو لم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر وجاءكم النذير؟! فذوقوا فما للظالمين من نصير﴾.

стр. 114

فليجؤون (١) إلى خزنة جهنم، كما يلجأ السجين إلى حراس السجن، يظن أنهم يملكون له نفعا، أو يدفعون عنه ضرا، يقولون: ﴿لخزنة جهنم ادعوا ربكم يخفف عنا يوماً من العذاب قالوا أو لم تأتيكم رسلكم بالبينات؟! قالوا (لهم ساخرين منهم) فادعوا وما دعاء الكافرين الا في ضلالٍ ... ﴾. فاذا يئسوا منهم عمدوا إلى مالك، رئيس حرس جهنم. ﴿ونادوا يا مالك ليقض علينا ربك﴾. فأجابهم الجواب الصارم الحاسم، قال: ﴿إنكم ماكثون﴾. فيفكرون في أن يفتدوا أنفسهم، كما كانوا يفتدون في الدنيا بالمال، ولكن هيهات: ﴿ولو أن للذين ظلموا ما في الأرض جميعاً ومثله معه لافتدوا به من سوء العذاب يوم القيامة وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون وبدا لهم سيئات ما كسبوا وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون﴾. فلا تفيدهم هذه المحاولات شيئا، ويبقون في جهنم. ﴿ولهم مقامع من حديدٍ كلما أرادوا أن يخرجوا منها من غمٍّ أعيدوا فيها﴾. وقيل لهم: ﴿ذوقوا عذاب الحريق﴾. الإيمان باليوم الآخر أحاديثهم واختلافهم أهل الجنة اخوان على سرر متقابلين، قد نزع ما في صدورهم من

стр. 115

غل، وهدوا إلى الطيب من القول، فما في أحاديثهم لغو ولا كذب ولا إثم. وأهل جهنم في نزاع وجدال: ﴿كلما دخلت أمة لعنت أختها حتى اذا اداركوا فيها جميعا قالت أخراهم لأولاهم ربنا هولاء أضلونا فآتهم عذاباً ضعفاً من النار قال لكل ضعفٌ ولكن لا تعلمون وقالت أولاهم لأخراهم فما كان لكم علينا من فضلٍ فذوقوا العذاب بما كنتم تكسبون ... هذا فوج مقتحم معكم لا مرحباً بهم انهم صالوا النار قالوا بل أنتم لا مرحباً بكم أنتم قدمتموه لنا فبئس القرار قالوا ربنا من قدم لنا هذا فزده عذاباً ضعفاً في النار وقالوا ما لنا لا نرى رجالاً كنا نعدهم من الأشرار أتخذناهم سِخرياً أم زاغت عنهم الأبصار ... إن ذلك لحقٌ تخاصم أهل النار ... وقال الذين كفروا ربنا أرنا اللذين أضلانا من الجن والإنس نجعلهما تحت أقدامنا ليكونا من الأسفلين ... ﴾. الإيمان باليوم الآخر حوار بين أهل الجنة وأهل النار سبق ما يشير إلى أن أهل الجنة يستطيعون أن يطلعوا على أهل النار، وفي القرآن ان هؤلاء وهؤلاء يتنادون ويتحدثون. ﴿ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار أن قدْ وجدنا ما وعدنا ربنا حقاً فهل وجدتم ما وعد ربكم حقاً قالوا نعم فأذن مؤذنٌ بينهم أن لعنة الله على الظالمين ... ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة أن أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله قالوا إن الله حرمهما على الكافرين الذين اتخذوا دينهم لهواً ولعباً وغرتهم الحياة الدنيا ... ﴾. الإيمان باليوم الآخر الأعراف الذي يفهم من الآيات، ان (الأعراف) مكان بين الجنة والنار. يقوم فيه مدة من الزمان، من قصرت به حسناته عن دخول الجنة، ولم تبلغ سيئاته ادخاله

стр. 116

النار. يرون منه الجنة ويأملون في دخولها، ويخاطبون أهلها، ويرون النار ويعوذون بالله منها ويكلمون أصحابها، وبينهما (أي بين أهل الجنة وأهل النار) حجاب. ﴿وعلى الأعراف رجالٌ يعرفون كلاً بسيماهم ونادوا أصحاب الجنة أن سلامٌ عليكم لم يدخلوها (أي أهل الأعراف) وهم يطمعون (في دخولها) وإذا صرفت أبصارهم تلقاء أصحاب النار قالوا (أي قال أهل الأعراف) ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين ... ﴾. ورأوا في جهنم ناسا يعرفونهم، كانوا في الأرض من الجبارين. يعتزون بجموعهم وأتباعهم، وجماهير العامة التي تؤيدهم، فيتكبرون بذلك ويطغون، فنادوهم وقالوا لهم: ﴿ما أغنى عنكم جمعكم وما كنتم تستكبرون؟! ... ﴾. وسيرون يومئذ، انه ما أغنى عنهم شيئا، ولا خفف عنهم من عذابهم كثيرا ولا قليلا، وانهم قد خلفوه كله وراءهم، وتركوه خلف ظهورهم، انه لا ينزل مع الميت اذا مات صديق، ولا (رفيق)، ولا حليف ولا اليف، ولا جند ولا أعوان. كلهم يتركه وينصرف عنه، فينزل القبر وحده، ويبعث من القبر وحده، ويقف للحساب وحده. هذه حقيقة مشاهدة في الدنيا، ولكن عميت الأبصار عن رؤيتها، وعميت البصائر عن إدراكها. فيا رب افتح أبصارنا حتى نرى الحقائق الدالة عليك، ونور بصائرنا حتى نبصر الطريق الموصل إليك، وجنبنا الفتن ما ظهر منها وما بطن، وارزقنا رضاك والجنة، وأعذنا من غضبك والنار، يا عفو يا غفار.

стр. 117

الإيمان بالقدر معنى القدر والقضاء الذي يفهم من الآيات التي ذكرت القدر كقوله تعالى: ﴿وإن من شيء الا عندنا خزائنه وما ننزله الا بقدرٍ معلوم﴾. وقوله: ﴿إنا كل شيءٍ خلقناه بقدر﴾. وقوله عن الأرض: ﴿وبارك فيها وقدَّر فيها أقواتها﴾. وقوله عن القمر: ﴿والقمر قدَّرناه منازل ... ﴾. وقوله: ﴿وخلق كل شيءٍ فقدره تقديراً ... وكل شيء عنده بمقدار﴾. الذي يفهم منها ان القدر، هو السنن التي سنها الله لهذا الكون، والنظام (١) الذي سلكه به والقوانين الطبيعية التي سيّره عليها. وان كل ما فيه قد خلق بمقادير معينة، ونسب محددة، فما من موجود الا وقدر قبل إيجاده مقداره وعدد ذراته، وكمية العناصر التي يتألف منها ونوعها، وما يعرض له من امتزاج بغيره، وانفصال عنه، وما يناله من حركة وسكون، كل ذلك محدد منذ الأزل.

стр. 118

وأنا أوضح الفرق بين القدر والقضاء بمثال "ولله المثل الأعلى": العمارات التي تقام تعلق عليها لوحة فيها: "ان التصميم للمهندس الفلاني، والتنفيذ للمقاول الفلاني"، فالمهندس يرسم الخريطة ويعين علو البناء وسمك الجدران، وما يوضع فيها من الحديد و (الاسمنت) والحجر، ونسبة كل منها، وما يكون فيها من أبواب ونوافذ، يقدر ذلك ويحدده، هذا مثال القدر. والمقاول ينفذ ما قدره المهندس، وهذا مثال القضاء، وكلاهما لله وحده: وكما يمكن للمهندس أن يبدل (اذا أراد) في بعض تفصيلات التصميم، فالله من رحمته جعل الدعاء والصدقة سبباً في رفع بعض ما كان مقدراً. قدرها وحده، ورفعها بالدعاء وحده (١). الإيمان بالقدر الثواب والعقاب هذا معنى القدر بوجه عام، وهو يشمل كل موجود أوجده الله، قدر الله مقاديره وأحواله، وعلم ما سيكون له وما يكون منه، ومن جملة مخلوقات الله الانسان، وهنا تعترض مشكلة طالما خاض فيها الخائضون، وطالما كثر فيها الجدال، هي أمر الثواب والعقاب. اذا كان كل ما يقع في الكون مرسوماً ومعلوماً عند الله من قبل. وكانت سنن الله لا تبديل لها ولا تغيير. فكيف يكون الثواب والعقاب؟ والجواب الاجمالي: انه لا بد من التفريق بين وضع الانسان المشاهد (الملموس)، وبين صفات الله وأعماله، وهي مغيبة، لا يستطيع العقل أن يحكم عليها، ولا يصل إلى ادراكها، ولا يعرف عنها الا ما جاء بطريق الوحي.

стр. 119

الإيمان بالقدر الانسان مخير وأنا أتكلم الآن عن الوضع القائم المشاهد، وسأتكلم بعد ذلك عن النصوص. والواقع ان الانسان له حرية، له (عقل) يستطيع أن يحكم به على الأمور المادية، ويميز به بين الخير والشر، والصلاح والفساد. وله (ارادة) يستطيع أن يعمل بها الخير أو أن يعمل الشر. كل انسان عاقل يدرك ان الصلاة خير، وان الزنا شر. ويقدر اذا خرج من داره أن يمشي من جهة اليمين إلى المسجد فيصلي، أو يمشي من جهة الشمال إلى الماخور فيزني هل يشك أحد في هذا؟ واذا كانت يدي سليمة ما بها مرض أو شلل، فأنا أستطيع أن أرفعها، فهل في الناس من يدعي أنني لا أستطيع رفع يدي؟ واذا كنت قادرا على رفع يدي، رفعتها لأعطي فقيرا دينارا، أو رفعتها لأضرب بريئا بالعصا، فهل هذا كذاك؟ أليس إعطاء الفقير حسنة تستحق الثواب، وضرب البريء سيئة تستوجب العقاب؟ التلميذ يستطيع أن يمضي ليالي الامتحان باللهو واللعب، ويستطيع أ، يشغلها بالجد والدرس، أليس هذا صحيحا؟ فهل يدعي أحدٌ أن سقوط اللاعب كان ظلما، او ان نجاح المُجد كان محاباة؟. الإيمان بالقدر والانسان مجبر لقد استطعت أن أحرك يدي بارادتي، لأن الله جعل عضلاتها خاضعة لي، ولكني لا أستطيع التحكم في عضلات قلبي ومعدتي. وهذا التلميذ قد يكون ذكيا يدرس الدرس مرة فيحفظه، ثم يلهو ويتسلى، وقد يكون غبيا، يدرس الليل والنهار، فلا يفهم ولا يحفظ. وقد يكون بيته هادئا، وأبوه عالما ييسر له أمر الدرس، وقد يكون بيته صاخبا، وأبوه جاهلا مشاكساً، فلا يستطيع أن يدرس. فهو لا يملك منح نفسه الذكاء، ولا يملك اختيار أبويه، ولا انتخاب الزمان الصالح ليوجد فيه، ولا البيئة الصالحة ليمضي فيها طفولته. هذه كلها أمور لا يملكها الإنسان، كما لا يملك أن يجعل أنفه أجمل، وقامته أطول، فهو من هذه الناحية مجبر.

стр. 120

الإيمان بالقدر حر مخير في حدود الطاقة البشرية فالانسان حر مخير في حدود الطاقة البشرية، وكونه مجبرا - في بعض الحالات - لا ينفي عنه صفة الحرية. كالسيارة والصخرة، لا ينكر أحد أن السيارة تمشي ولكن في حدود قوة محركها، ومدى احتمالها، فان صنعت سيارة شحن لا يمكن أن تمشي بسرعة سيارة السباق وان صنعت لتمشي على الأرض لا يطلب منها أن تصعد السلم، ولا أن تخترق الجدار. انها تسير على الطريق، فان عاق مسيرها عائق، لم تفقد صفة القدرة على السير، ولا تكون كالصخرة. وكذلك الانسان، تعترضه في الحياة عوارض تعطل ارادته، وعوائق تحول وجهته، وتؤثر فيه أمور لا يملك دفعها ولا ابدالها، ولكن ذلك لا ينفي انه حر، فهو (إنسان حر)، يتصرف ضمن الحدود الانسانية، وليس إلهاً ليصنع ما يشاء. الإيمان بالقدر الثواب والعقاب منوط بالحرية فاذا لم تكن حرية فلا عقاب، المكره على فعل الشر لا يعاقب عليه، والله انمان يؤاخذنا على ما نملك الخيار في فعله أو تركه، للانسان ما كسب. وعليه ما اكتسب، لا يكلف الله نفسا الا وسعها، والله لا يضيع مثقال ذرة. واذا كانت المحاكم البشرية، بعدالتها النسبية، تقدر ظروف المتهم ودوافعه، وبيئته واستعداده، وترى تقدير ذلك من العدل، فهل يترك ذلك في محكمة رب العالمين، التي فيها العدالة المطلقة. وهل يعاقب المذنب الناشئ من والدين فاسقين، وبيئة فاسدة، والذي عاش طفولة مهملة مشردة، كمن أذنب الذنب نفسه، وهو ناشئ في أفضل البيئات، مولود من خير الآباء؟. الإيمان بالقدر مقاييس العدالة على أن أكثر علماء الكلام قد أخطؤوا أكبر الخطأ، حين طبقوا على الله مقاييس العدالة البشرية. تنبهت إلى هذه الحقيقة بواقعة وقعت لي، أسردها لأن فيها عبرة، وان لم يكن موضع سردها هذا الكتاب. كنت سنة (١٩٣١) أدرس في مدرسة ابتدائية في الشام، وكنت في فورة

стр. 121

الشباب وعنفوانه. في رأسي خواطر، وفي نفسي غرور، وعلى لساني بيان واندفاع، فعرضت لي شكوك في مسألة القدر، كنت أسأل عنها العلماء، فلا أجد عندهم الجواب الشافي لها، فيدفعني الغرور إلى جدالهم وازعاجهم. حتى جاء يوم كنت فيه في المدرسة، وكنت أؤدب تلميذا بالضرب، (وكان الضرب من وسائل التأديب في تلك الأيام) ففجر الولد وتوقح، وجعل يصرخ ويقول: "هذا ظلم ... أنت ظالم ... "!!. ثقوا يا أيها القراء، اني لما سمعت ذلك سقطت العصا من يدي، ونسيت الولد والمدرسة، ورأيت كأني كنت في ظلمة فأضيء لي مصباح منير، فقلت لنفسي: ان التلميذ يرى ضربي اياه ظلما، وأنا أراه عدلا، والعمل واحد، واذا ذهب يشكو إلى أهله قالوا له: لا ما هذا ظلم، هذا عدل، انه يضربك لمصلحتك. فاذا كان التلميذ لا يحق له أن يطبق مقاييسه الناقصة على عدالة المعلم، فكيف اطبق أنا مقاييسي البشرية للعدالة على الله. ألا يمكن أن يكون الفعل الذي أراه ظلما هو عين العدل؟ الولد المريض يرى الإبرة التي يدخلها الطبيب تحت جلده ظلما، وهي في رأي أبيه عدل كل العدل، لأن الولد نظر إلى ألمها، والأب أبصر أثرها في شفاء الولد. ان القاضي لا يستطيع أن يحكم في دعوى حتى يطلع على مراحلها كلها، ووقائعها جميعا، ونحن انما نطلع غالبا على طرف من الواقع، ونصدر أحكاماً خاطئة، بعد دراسات ناقصة. لو تهت انت ورفيقك في الصحراء، فمرت سيارة فخمة، دعاكما صاحبها، وأركبكما فيها، فأخرج صديقك سكينه فمزق جلد المقعد، الا ترى عمله ظلماً؟ انه ظلم بلا شك، ولكن اذا علمت ان أمامك عصابة من قطاع الطريق، كلما رأوا سيارة سليمة أخذوها، وان كانت ممزقة المقعد تركوها، الا يتحول هذا الفعل في نظرك من ظلم إلى عدل؟ بل ان صاحب السيارة لوعرف هذه الحقيقة، لمزق جلد مقعدها بنفسه، لأنه يفضل أن تبقى السيارة له، ومقعدها ممزق، عن أن تذهب كلها وهي

стр. 122

سليمة؟ أليس هذا صحيحا؟ هذه هي قصة الخضر وموسى، لما ركبا في السفينة وخرقها، ضربها الله مثلا، نفهم منه ألاّ نسرع إلى إصدار الأحكام قبل الاحاطة بالوقائع. الإيمان بالقدر مع النصوص لا بد لي قبل الكلام علىالنصوص من التذكير بهذه القواعد: ١ - ان عمل العقل منحصر بفهم النصوص، ولا يستطيع أن يدرك من نفسه حقيقة القدر بالتفصيل، لأنه - كما قدمنا - عاجز عن الخوض فيما وراء المادة، لذلك ينبغي اجتناب المباحث التي لم يوضحها النص. ٢ - أن نعرف ان الأصل هو القرآن، فان تعارضت آية منه وحديث من أحاديث الآحاد، ولم يمكن التوفيق بينهما على شكل مقبول، أخذنا بالآية (١). ٣ - أنه لا يمكن أن يكون في القرآن أو صحيح الحديث نص صريح، ينكر وجود أمر واقع مشاهد ملموس، لأن الذي أنزل القرآن هوالذي أوجد الواقع، ولا ينفي ربنا ما أوجده. ٤ - ان كثيرا من النصوص التي يفهم منها الاجبار، ونفي الاختيار عن الانسان، كقوله تعالى: ﴿هوالذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء﴾. فلا يملك الوليد الذي صور بنتا أن يجعل نفسه صبيا، ولا الأسود اللون أن يصير لونه أبيض، ومثلها قوله تعالى: ﴿وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة﴾. وما يشير إلى الأحداث الكونية التي هي فوق طاقة الانسان كقوله:

стр. 123

﴿أفرأيتم ما تحرثون أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون لو نشاء لجعلناه حطاما﴾. ومثلها: ﴿وإن يمسسك الله بضرٍ فلا كاشف له إلا هو﴾. وما يدل على الظروف المؤدية إلى الصلاح أو الفساد، وليست من صنع الانسان كقوله: ﴿ونفسٍ وما سواها فألهمها فجورها وتقواها﴾. ومنه الآيات التي جاءت فيها كلمة الهداية بمعنى الدلالة والارشاد، كقوله: ﴿وهديناه النجدين﴾. وقوله: ﴿إنا هديناه السبيل إما شاكراً وإما كفورا﴾. الذي ظهر لي: ان أكثر هذه النصوص، تشير إلى الأمور التي تؤثر في صلاح الانسان وفساده بعض التأثير، وليست من صنعه، وقد قدمت القول بأن الله لا يؤاخذ العبد عليها، ولا يمكن أن يجبر الله عبده على أمر بحيث لا يستطيع تركه ثم يعاقبه عليه. هذه هي النصوص التي وقف عندها أصحاب الفرق المنحرفة، فأساؤوا فهمها، وأخطأوا في تطبيقها، وكان عليهم: ١ - التفريق بين آيات الاخبار عن مشيئة الله، وقدرته، وتصرفه في ملكه، والآيات المتعلقة بالثواب والعقاب. ٢ - اعتبار مجموع النصوص لا الوقوف عند افرادها، ومن تتبع مجموع النصوص رأى أن القرآن يثبت للانسان الحرية والارادة، اللتين يترتب عليهما الثواب والعقاب. فيمن يقرأ قوله تعالى عن القرآن: ﴿يضل به كثيراً ويهدي به كثيراً﴾.

стр. 124

يفهم منه بادى الرأي (١)، ان الهدى والضلال أمر مقدر، قدره الله على العباد، فجعل هؤلاء ضالين، وهؤلاء مهتدين. ولكن اذا انتبه إلى قوله تعالى: ﴿هدىً للمتقين﴾. وقوله: ﴿وما يضل به الا الفاسقين﴾. علم ان الهدى والضلال ليس الزاما من الله، ولكنه تبع لحالة المرء، فان كان متقيا، كان القرآن هدى له، وان كان فاسقا، كان له ضلالا. وتبقى مع ذلك الشبهة قائمة، فيقول القائل: وما يدريني اذا كان الله قد جعلني مع المتقين أو جعلني مع الفاسقين؟ فاذا انتبه إلى قوله تعالى: ﴿للمتقين الذي يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون ... ﴾. وقوله: ﴿إلا الفاسقين الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض﴾. علم ان المسألة ليس فيها اجبار، وان مردها إلى صفات وأعمال داخلة في نطاق حرية الانسان وطاقته. فأنت تستطيع أن تؤمن بالغيب وتقيم الصلاة، وتنفق في سبيل الله، وتستطيع أن تنقض العهد وتقطع الموصول، وتفسد في الأرض. أمور في طاقتك عملها، وفي امكانك تركها، فان عملت الثلاث الأولى، كنت بذلك من المتقين، فاستحققت الهداية، وان عملت الثلاث الأخرى، كنت بذلك من الفاسقين، فاستحققت الضلال. الإيمان بالقدر بحث عقيم وهنا يرد قولهم: هل عملت السوء بمشيئة الله أم لا؟ وهل كنت أستطيع الا أعمله؟ وهل خلقت أنا عملي؟ وأمثال هذه الأمور التي ملأ بحثها كتب علم الكلام. وذلك كله بحث عقيم، لأن الخالق لا يقاس على المخلوقين، والعقل لا يحكم على الله وصفاته. والله لا يسأل عما يفعل، وانما يسألنا عن أفعالنا، والله عادل لا شك في عدله. وخير لنا أن ننظر إلى أنفسنا، وأن

стр. 125

نحسن استعمال عقولنا، ونعمل على توجيه ارادتنا إلى الخير، وندع المباحث المتعلقة بالله، التي لم يتكلم فيها السلف ولا شغلوا أنفسهم بها. الإيمان بالقدر الاحتجاج بالقدر ومن العصاة من يحتج لعصيانه بالقدر، تقول للزاني: لم زنيت؟ فيقول: لأنه قدر علي! وهي حجة واهية، مردودة من وجهين: ١ - لأن الحساب والعقاب يكون على العمل، وعلى الدوافع اليه، والبواعث عليه. وهذا الزاني لم يطلع على اللوح المحفوظ، ويَرَ ان الزنا مكتوب عليه - كما يزعم - ويذهب ليزني تنفيذا لحكم القدر، وانما تبع الشهوة، وطلب اللذة العاجلة، واستجاب لنداء الشيطان. وقد احتج المشركون بمثل هذه الحجة فقالوا: ﴿لوشاء الله ما أشركنا﴾. فرد الله عليهم بقوله: ﴿قل هل عندكم من علمٍ فتخرجوه لنا؟﴾. أي: من أين عرفتم قبل أن تشركوا أن الشرك مقدر عليكم؟ وهل جربتم الايمان فوجدتم انه ممتنع عليكم؟ ٢ - ان لو كان هذا المحتج بالقدر صادقا، لرضي بكل ما يقدره الله عليه، من فقر ومرض وجوع، وفقد حبيب، وذهاب مال، والمشاهد أنه لا يرضى بذلك، وهو مقدر عليه، ولا يسكن اليه. بل هو يعمل لجمع المال، ودفع المرض، واذهاب الجوع، ويألم لفقد الحبيب، وذهاب المال، فلماذا سخر قواه كلها، واستعمل عواطفه لجلب لذة الدنيا، ودرء الالم فيها، ولم يسخر عقله لقمع الشهوة، ومنع النفس من الحرام الذي ترغب فيه، وهو يعلم ما في عقبه من العذاب؟. الإيمان بالقدر نحن والسلف أمام عقيدة القدر خصوم الاسلام يتهمون المسلمين اليوم بالتواكل والتكاسل، لأنهم

стр. 126

يؤمنون بالقدر، وان كان في هذه التهمة بعض الحق، كان السبب فيها سوء فهم كثير من المتأخرين لعقيدة القدر. لقد اتخذها كثير من المسلمين الجاهلين حجة لارتكاب المعاصي، وسبباً للكسل والخمول، مع ان سلفنا قد اتخذوا منها دافعاً إلى العمل وإلى الجهاد. قرأنا ان الرزق مقسوم: "ما كان لك سوف يأتيك على ضعفك وما كان لغيرك لن تناله بقوتك"، فظن قومن ان مقتضى ذلك ترك الكسب، واهمال السعي، وان نقعد بلا عمل، وننتظر ان تمطرنا السماء ذهباً وفضة، وان نسافر بلا مال ولا استعداد ... وقرأ ذلك السلف، ففهموا منه ان عليهم أن يعملوا كل ما في وسعهم، وأن يبذلوا لجمع المال من الحلال كل ما في طاقاتهم، ثم اذا استفرغوا الجهد رضوا بما جاءهم، فلم يسخطوا على ربهم، ولم يحملوا الحسد لمن نال من اخوانهم أكثر مما نالوا، ولم يبطرهم الغنى ولم يؤلمهم الفقر. وسمعنا أن الأجل محتوم، فاتخذنا ذلك سبباً لاهمال التوقي والاحتياط، واضاعة المسؤوليات، والخلط بين الجريمة المتعمدة وبين القدر الذي وقع بلا جرم (١)، وسمع ذلك أجدادنا فقالوا: اذا كان الاجل محتوما لا يموت أحد قبل موعده ولو خاض اللهب وتلقى بصدره الرماح، ولا يتأخر عن موعده ولو اعتصم في حصن له سبعة أسوار، فلنعمل لما يرضي الله، نجاهد بأنفسنا في سبيل الله، لا نخشى الموت لأن الموت محتوم، له موعد لا يسبقه ولا يتأخر عنه، ولنجاهد بألسنتنا في انكار المنكر، ومواجهة الطاغي الظالم بكلمة الحق، فأقبلوا لا يخشون في الحق احدا، ولا يخافون الا الله شيئا. وفهمنا ان كل شيء مقدر، وأهملنا دراسة سنن الله في الكون، وقوانين الطبيعة التي جعلها ربنا سبباً للنفع والضرر، وكان سلفنا هم علماءَها (٢)، وهم الذين يعرفونها ويستفيدون منها، فكان من نتيجة ذلك أن هبطنا من

стр. 127

الذروة إلى الحضيض، ونزلنا من الأعالي إلى الأسافل. وكانوا بالايمان سادة الدنيا وقادتها وأساتذتها، فصرنا المسودين المقودين، وفتحوا بسيف الحق ثلث العالم المتحضر، وفتح عدونا بسيف الباطل قلب بلادنا. الإيمان بالقدر سبب تقديس الاموات ولما رأينا (أي رأى بعضنا) ان حياتنا كلها قد فسدت، وان الاحياء منا قد ذلّوا وذكرنا عز الاجداد وصلاحهم، تحوّل يأسنا من الحاضر إلى أمل بالماضي، وصّغار احيائنا إلى تعظيم أمواتنا، فنشأت من هنا مظاهر تقديس الأموات، والاعتماد عليهم، وانتظار المدد منهم. نظن ان نجاحهم وخيبتنا، تمكنهم من أمدادنا، فصرنا نقيم الأضرحة الفخمة، والقباب العالية عليها، ونبدي من التقديس لها، ما رجع بنا إلى قريب من عقائد الجاهلية. وصرنا ننذر النذور لهذه القبور، ونتوسل بها التوسل الممنوع، وربما طلبنا من أصحابها النفع والضرر، بلا أسباب ظاهرة، ولا واسطة ملموسة. وكل ذلك (رد فعل) لسوء حاضرنا، وجلال ماضينا. الإيمان بالقدر خلط لا مبرر له وكل ذلك جر اليه الفهم الخاطئ منا لعقيدة القدر، هذا الفهم الذي جعل منا من يخلط بين النصوص الواردة في الأمور الارادية، التي نملك التصرف فيها، والامور التي جعلها الله فوق ارادتنا، وأعلى من أن تصل اليها طاقاتها، ونشأ هذا الخلط العجيب في المذاهب الكلامية. فمن مدع ان الانسان مسير لا ارادة له، لأنه لا يستطيع أن يتحكم في عضلة قلبه مثلا، ولا عمل له في اختيار أبويه، وانتخاب بيئته الأولى، ونسوا ان الله أعطاه عضلات يتحكم فيها، وأعطاه عقلا يستطيع به أن يصحح (على قدر الامكان) اخطاء بيئته وآثار تربيته. وتوسع آخرون، وأعطوا ارادة الانسان أكثر مما لها في الواقع. وخلطوا تبعا لذلك في أمر الثواب والعقاب، ونسوا ان الله لا يحاسب الانسان الا في

стр. 128

حدود حريته وقدرته، ولا يؤاخذه على ما أكره عليه. وتَخبّطوا في البحث عن عدالة الله، ونسوا الحقيقة الأولى، وهي أن عدالة الله لا تقاس بمقايس العدالة البشرية. وطريق السلامة في عقيدة القدر وفي سائر العقائد، ان نعود فيها إلى المنبع الأصلي: القرآن. وأن نتبع فيها ما كان عليه السلف من الصحابة والتابعين، وأن ندع هذه البحوث العقيمة التي أثارتها الدراسة الناقصة، للفلسفة اليونانية البدائية السطحية.

стр. 129

الإيمان بالغيب عالم الغيب: قدمنا في (قواعد العقائد) ان الحواس لا تصل إلى ادراك كل موجود، وان في الوجود عوالم حقيقية، لا ندركها بحواسنا، أقربها الينا الروح التي يحيا بها كل واحد منا. من ينكر وجود الروح؟ لا أحد. من أدرك (ماهية) الروح؟ لا أحد. فالعالم المدرَك المشاهد، هو الذي سماه القرآن، (عالم الشهادة)، والعالم المغيب عن حواسنا - عالم ما وراء المادة " Metaphysique " هو عالم الغيب. أما عالم الشهادة فيستوي في الايمان به، والتصديق بوجوده الناس جميعا، حتى الحيوان الاعجم يدرك بحسه وجودَه. فلا فضل في الايمان به لأحد على الحد، لأن ذلك من (العلم الضروري). ولكن الفضل، في الايمان بالغيب، فيمن يؤمن بما لا يراه ويصدق بوجوده، اعتمادا على صدق الخبر به. وهذا ما يمتاز به المتقون، ولذلك جعل الله أول صفة وصف بها المتقين، في أول سورة البقرة، أنهم ﴿الذين يؤمنون بالغيب﴾. الإيمان بالغيب كيف نؤمن بالغيب ؟ كيف نؤمن بالغيب ولم يعطنا الله الحواس التي ندركه بها؟ اننا لو تركنا

стр. 130

لحواسنا نعتمد عليها وحدها، ولعقولنا نحكم بها على ما جاء من طريق الحواس فقط، لبقينا على جهلنا بما وراء المادة، فكان من حكمة الله، ومن رحمته بنا، انه لم يترك العقل في عجزه عن ادراكها، بل أخبره بما يحتاج اليه من خبرها. وهذا الاخبار لا يأتي من داخل النفس بل من خارجها، وليس من قبيل الحدس النفسي، ولا الإلهام الروحي، ولا الوميض الذهني، ولا الاستنتاج العقلي. ليس صادراً عن الطاقة الانسانية، ولكنه آت من خارجها بطريق من الطرق الثلاثة: الأول- أن يضع الله هذه الاخبار في الانسان، بالهام أو بمنام، أو بنوع من التلقي الذي لا عمل فيه للانسان، ولا يستطيع الوصول اليه باجتهاد، فيحس بها، ويعبر عنها. الثاني- بأن يسمعها من غير أن يرى قائلها الحقيقي، فتصل إلى اذنه ويدركها ويعيها. الثالث- (وهو الأعم الأكثر) أن يرسل الله واحدا من مخلوقاته الخيرة، المطيعة المغيبة عنا، التي تسمى الملائكة، إلى واحد من البشر، يختاره الله ويصطفيه، فيبلغه رسالة الله، ويأمره أن يبلغها الناس. فهذه ثلاثة طرق ليس لها رابع. ﴿وما كان لبشرٍ أن يكلمه الله الا وحياً أو من وراء حجابٍ أو يرسل رسولاً فيوحي بإذنه ما يشاء﴾. الإيمان بالغيب الغيب الذي يجب الإيمان به والغيب الذي هو ركن الإيمان، والذي يكفر منكره ويخرج من ملة الاسلام، هو ما جاء في القرآن. أما الغيب الذي ورد في السنة الصحيحة، فلا يكفر منكره ويخرج من الملة، بل يفسق. وهذا الفرق بين الكتاب والسنة يحتاج إلى شيء من البيان، ذلك أن ما

стр. 131

أبلغه الرسول ﷺ من الوحي، وما نطق به من الحديث، هما في الأصل درجة واحدة من الحجية (١)، فالقرآن وحي من الله بلفظه ومعناه، والحديث وحي من الله بالمعنى، واللفظ لفظ الرسول، قال تعالى: ﴿وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحيٌ يوحى﴾. والصحابة الذين سمعوا من الرسول ﷺ الآية يبلغها، والحديث ينطق به، لم يكونوا يفرقون بينهما، في وجوب العمل، وفي الحجية. ولكن الفرق نشأ من الرواية والنقل، فالقرآن نقل نقلا متواترا، بحيث نجزم بأن النص الذي في المصحف، هو الذي نزل به جبريل على محمد ﷺ ، وهوالذي بلغه محمد أصحابه، ما نقص منه شيء (٢) ولا زيد فيه شيء، ولا أبدل منه شيء. أما الحديث فنقل جله (ان لم نقل كله) آحاد عن آحاد، ولقد بذل علماء الحديث في تمحيص روايته، والفحص عن رجاله، أقصى ما تصل اليه الطاقة البشرية، ولكنا لا نقطع مع ذلك بأن الحديث الذي رواه (البخاري) و (مسلم) وأصحاب السنن، قد قاله ﷺ ، وأنه نقل بلفظه، كما نقطع بأن ما في المصحف هو القرآن المنزل. ولما كانت العقيدة أساس الدين، ويترتب على الاخلال بها الكفر والردة، وكان لا يحكم على مسلم بالردة ما دام في الأمر احتمال الا يكون كفر. لذلك قلنا ان من أنكر عقيدة جاءت بصريح القرآن يكفر، ومن أنكر عقيدة وردت في صحيح السنة يفسق ولا يكفر، هذا ان ردها عنادا وخلافا، أما اذا كان من أهل الحديث، العارفين بعلله، ورد الحديث لعلة في سنده أو متنه، فلا شيء عليه.

стр. 132

الإيمان بالغيب المغيبات المغيبات التي أخبر بها الشرع، ويجب بها الايمان، ويترتب على انكارها الكفر، هي الملائكة والجن، والكتب والرسل، واليوم الآخر، وما فيه من الحساب، وما بعده من الثواب والعقاب، والقدر، وما جاء في القرآن، عن خلق السموات والأرض، وخلق الانسان، وكل ما أخبر به القرآن. الإيمان بالغيب شبهة وردها الماديون الذين لا يؤمنون الا بما يحسون به، نرد عليهم بالقاعدة الثالثة من قواعد العقائد التي تبين أنه لا يشترط من عدم الوجدان عدم الوجود، وأنه لا يحق لنا أن ننكر أشياء لمجرد أننا لا نحس بوجودها، وبالقاعدة التي بيّنا فيها ان الخبر الصادق يفيد اليقين، كما يفيده الحس، وما دام قد ثبت صدق محمد ﷺ في اخباره عن الله، وثبت نقل هذا الخبر الينا، فقد حصل من هنا اليقين لدينا معشر المؤمنين بوجود هذه المغيبات. الإيمان بالغيب أقسام الغيب عالم الغيب على أقسام، كل قسم منها يسمى غيباً: ١ - قسم لم ندركه نحن، ولكن أدركه غيرنا من البشر، كقصة يوسف مثلا، سماها الله غيباً، لأن محمداً ﷺ وقومه لم يدركوها بحواسهم، لم يروها ولم يسمعوا بها، ولكن بني اسرائيل، (أعني أولاد يعقوب) يوسف واخوته، أدركوها وعاشوها، وكانت هي وقائع حياتهم. ٢ - وقسم لم يدركه البشر، وان كان من الممكن عقلا أن يدركوه لو قدم الله موعد إيجادهم، كالحوادث التي كانت في الأرض من قبلهم، وأخبار المخلوقات التي كانت تسكنها، ولكنهم لم يعرفوا عنها في الواقع، وعن أخبار خلق أبيهم آدم، وبداية الحياة البشرية، الا ما جاءهم علمه من طريق الوحي. ٣ - وقسم لا يمكن إدراكه بالحواس، ولا الحكم عليه بالعقل، ولا الاحاطة بحقيقته بالخيال، كصفات الله، وما غيبه عنا من مخلوقاته، كالملائكة

стр. 133

والجن والشياطين، وأحوال يوم القيامة، وما بعده من الحساب والثواب والعقاب. الإيمان بالغيب شبهة وردها قد يقول قائل: ان من أمور الغيب التي استأثر الله بها، انزال الغيث، والعلم بما في الأرحام، فكيف تخبر النشرة الجوية عن جو الغد، أصحو أم ماطر؟ ويكشف العلم عما في بطن الحامل: هل هو ذكر أم أنثى؟ والجواب: ١ - ان الذي أنزل القرآن هو الله، وان الذي خلق الكون وما يقع فيه هو الله، فلا يمكن أن يأتي في القرآن نص صريح قاطع بانكار أمر قائم مشاهد ملموس، واذا وجدنا نصاً يظهر منه انه مخالف للواقع، ندقق النظر فيه، فنرى ان المعنى المقصود منه غير ما بدا لنا (١). ٢ - النشرة الجوية انما تخبر عن المطر بعد رؤية أسبابه، وتمام خلقه، وبيان ذلك ان المطر الذي ينزل في سواحل الشام مثلا، تبين (من العلم بسنن الله في الكون)، ان سببه الهواء الذي يجيء من البحر الاطلسي، فيمر بمضيق جبل طارق، فيصطدم بكتلة هوائية راكدة، فتشكل السحب من اختلاف درجة حرارة الهواء القادم والهواء الراكد، فاذا رأوه علموا استناداً إلى معرفة سنن الله، انه سيتوجه إلى ساحل الشام بعد كذا. فهو كمن شاهد موزع البريد من نافذته، وقدر متى يصل إلى داره، فقال لأهله: سيأتي موزع البريد بعد خمس دقائق، وكمن يحمل منظاراً يضعه على عينيه، فيرى السيارة القادمة فيخبر بها قبل ظهورها للعيان. ما علم في الحقيقة الغيب، ولكن رأى الواقع قبل أن يراه غيره،

стр. 134

ومثله من يخبر عن نوع الجنين بعد تشكيله. وأما إنشاء السحاب، وانزال المطر في أرض كتب الله عليها الجفاف، ومنعه عن أرض أنزله الله عليها، ومعرفة جنس الجنين، وهو لا يزال حويناً منوياً، أو حوينا صادف بويضة، فهذا هو المراد من الآية والله أعلم.

стр. 135

الملائكة والكتب والرسل الوحي وامكانه ولزومه الايمان بالملائكة والرسل والكتب من أسس العقائد، التي لا يكون الانسان مؤمنا الا بها. والملائكة رسل الله إلى الأنبياء، والأنبياء رسل الله إلى الناس، والكتب هي الرسالة التي حملها الملك إلى الرسول، ونقلها الرسول إلى الناس. الوحي وامكانه ولزومه: الوحي ممكن عقلا، لأن الله قادر على خلق الملائكة، واصطفاء الرسل. وشرع الاحكام، لا يمنع العقل ذلك، بعد ان آمن بوجود الله، وقدرته وارادته. وهو واقع فعلا، لأن الخبر الصادق ورد به، وقد قدمنا ان الخبر الصادق طريق من طرق العلم (بمعنى اليقين)، واننا نوقن بما نصدق الخبر به، كما نوقن بما نراه ونسمعه. وهو لازم اذ لولاه لاقتصر البشر على عالم المادة وجهلوا ما وراءه، ولكانوا كالانعام والمواشي، يعيشون لدنياهم وحدها، لا يعرفون الا الطعام والنكاح، واللذائذ الجسدية، لا يتصلون بربهم، ولا يعملون لآخرتهم. ولولاه لفقدوا السمو الخلقي، والرفعة الانسانية. ومهما أوردوا، من نظريات في علم الاخلاق ( la morale) ، وفي الأساس الذي تبنى عليه، فان الاخلاق اذا لم تبن على أساس من العقيدة، كان بناؤها على كثيب من الرمل، لان الانسان مفطور على حب نفسه، وجلب النفع لها، ودرء الأذى عنها، فلا يعمل عملا لا يكون له فيه لذة أو كسب (١).

стр. 136

ولو ان رجلا لا يملك الا ديناراً يدخره لعشائه، ورأى صندوقاً لمساعدة الايتام، هل يضع الدينار في الصندوق اذا كان لا يؤمن بالله واليوم الآخر، ويبيت طاويا ولا يخبر بذلك احداً، ولا يدع أحداً يراه؟ أما المؤمن فانه يضعه في الصندوق لأنه يعلم ان الله يراه، ويعطيه بدله سبعمئة دينار يوم القيامة. المؤمن وحده هو الذي يعمل الخير، رآه الناس أم لم يروه، شكروه أم لم يشكروه، أثابوه وعوضوه عنه أم لم يثيبوه ولم يعوضوه. المؤمن وحده هو الذي يدع فعل البشر، سواء أكان وحده أم كان مع الناس، اما الذي يعمل الخير للثناء او العطاء، فلا يعمله الا اذا وجد من يثني عليه ويعطيه. والذي يدع الشر خوف الفضيحة، أو خشية العقاب، لا يدعه ان أمن أن يبصره الشرطي، أو يراه الناس. ولو حاسب الله الناس في الآخرة على ذنوبهم. ولم يرسل اليهم رسلا يعرفونهم شرع ربهم، لاحتجوا وقالوا: ﴿ربنا لولا أرسلت إلينا رسولاً فنتبع آياتك﴾. ولادَّعوا انهم لو بلغوا الرسالة لعملوا بها، ولو عرفوا الشريعة لاتبعوها، فكانت الرسلات: ﴿لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل﴾. الملائكة والكتب والرسل شبهة وردها يقول الناس: لماذا لم يهد الله الناس كلهم إلى طريق الجنة؟ ولماذا وضع في نفوسهم الشهوة ثم عاقبهم على الزنا؟ وغرز فيهم حب المال وحاسبهم على جمعه من غير الحلال؟ والجواب: ان هذا القول، كقول طلاب المدرسة، لماذا لا يعطوننا أسئلة الامتحان من أول السنة، ولماذا أخفوها عنا، وكلفونا الاستعداد لها؟ انهم أخفوها ليجد الطالب ويقرأ المقرر كله، ولو أعطيناه أسئلة الامتحان من الآن، لما بقي معنى للامتحان. والدنيا دار ابتلاء، والابتلاء في لغة العرب الاختبار (الامتحان)، ليتميز

стр. 137

الطائع من العاصي، والمستقيم من المنحرف. ولولا حواجز السباق (١)، لما بان الخائر الضعيف من الفارس المغوار. ولو شاء الله لجعل الناس أمة واحدة، ولو أراد لخلقهم للطاعة الخالصة كما خلق الملائكة ، ولكن هكذا شاء، ولا راد لما يشاء، ولا يسأل عما يفعل، ونواصينا بين يديه، ونحن ملك له راجعون اليه، ما لنا رب غيره ولا إله سواه، إن شاء عذبنا وإن شاء عفا عنا، ونحن نسأل الله عفوه ورحمته، ونعوذ به من عذابه، لأننا لا نستطيع أن نتخلص من عذابه الا بعفوه، ولا نستطيع أن ننال العفو الا منه وحده. الملائكة والكتب والرسل الملائكة وجود الملائكة ثابت وارد في القرآن، فمن أنكر شيئا مما ورد في القرآن من خبرهم كفر، والذي ورد من خبرهم وصفتهم في القرآن هو: ١ - أنهم خلقوا قبل البشر، وخبرهم ربنا انه: ﴿جاعلٌ في الأرض خليفةً قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء﴾؟. ٢ - انهم خلقوا للطاعة الخالصة: ﴿ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك﴾. فهم: ﴿لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون ... ويسبحونه وله يسجدون ... يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به﴾. ٣ - وان الله لما أتم خلق آدم، علمه الأسماء (٢) وامتحنهم بالسؤال عنها، فلم يعرفوها حتى أعلمهم آدم بها، فلما بان فضله بذلك عليهم، أمرهم بالسجود له، سجود تحية لا سجود عبادة.

стр. 138

٤ - انهم يتشكلون بأشكال مادية أحيانا, ويظهرون بصورة بني آدم، ففي قصة مريم: ﴿فارسلنا اليها روحنا فتمثل لها بشراً سويا﴾. وضيوف ابراهيم كانوا ملائكة جاؤوا على صورة البشر، فقدم اليهم عشاءهم من لحم عجل سمين: ﴿فلما رأى أيديهم لا تصل اليه نكرهم وأوجس منهم خفية قالوا لا تخف إنا أرسلنا إلى قوم لوط﴾. ٥ - وان مقرهم السماء ينزلون منها إلى الأرض (١) بأمر الله: ﴿ما نتنزل إلا بأمر ربك﴾. ٦ - وانهم درجات وأصناف في أصل الخلقة وفي مقام العبودية، جعلهم الله ﴿رسلاً أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع يزيد في الخلق ما يشاء ... وما منّا إلا له مقامٌ معلوم﴾. فمنهم من ينزل بالوحي وهو جبريل: ﴿قل من كان عدواً لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله ... وانه لتنزيل رب العالمين نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين﴾. ... ... ... ومنهم ملك الموت (٢) الموكل بقبض الأرواح: ﴿قل يتوفاكم ملك الموت الذي وُكل بكم﴾. ومنهم الذي ينفخ في الصور، ومنهم ميكال (ميكائيل)، ومنهم حملة العرش:

стр. 139

﴿والذين يحملون العرش ... ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية﴾. ومنهم الموكلون بتنعيم أهل الجنة: ﴿والملائكة يدخلون عليهم من كل بابٍ سلامٌ عليكم بما صبرتم﴾. ومنهم المكلفون بتعذيب أهل النار: ﴿عليها ملائكة غلاظٌ شدادٌ﴾. ومنهم من يسجل على الانسان أعماله: ﴿ما يلفظ من قول إلا لديه رقيبٌ عتيدٌ ... وإن عليكم لحافظين كراماً كاتبين﴾. ومنهم من يسوق الانسان للحساب يوم القيامة ومن يشهد عليه: ﴿وجاءت كل نفس معها سائقٌ وشهيد﴾. ٧ - ومن أعمالهم التي خبر القرآن عنها، انهم يثبتون المؤمنين في المعارك: ﴿إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا﴾. وأنهم يدعون لهم، ويصلون عليهم، ويستغفرون لهم: ﴿هو الذي يصلي عليكم وملائكته ... ويستغفرون للذين آمنوا ربنا وسعت كل شيءٍ علماً فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم ربنا وأدخلهم جنات عدنٍ التي وعدتهم ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم إنك أنت العزيز الحكيم وقهم السيئات ومن تق السيئات يومئذ فقد رحمته﴾. ويشهدون صلاة الفجر مع المؤمنين: ﴿إن قرآن الفجر كان مشهوداً﴾. ويبشرون المؤمنين عند الموت ويؤنبون العاصين: ﴿إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا

стр. 140

ولا تحزنوا وأبشروا ... إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم ... ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم﴾. ويسوقونهم من بعد إلى النار، ويوبخونهم: ﴿وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمراً حتى إذا جاؤوها فتحت أبوابها وقال لهم خزنتها ألم يأتكم رسلٌ منكم يتلون عليكم آيات ربكم وينذرونكم لقاء يومكم هذا؟ قالوا بلى ولكن حقت كلمة العذاب على الكافرين قيل ادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها فبئس مثوى المتكبرين﴾. ويستقبلون أهل الجنة ويرحبون بهم ﴿وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمراً حتى إذا جاؤوها وفتحت أبوابها وقال لهم خزنتها سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين﴾. وانهم لا يتناكحون ولا يتناسلون، ولا يوصفون بذكورة ولا انوثة. هذا جل ما جاء في القرآن من خبر الملائكة، وفي السنة الصحيحة كثير من أخبارهم. جاءت في أحاديث آحاد، لكن صحت روايتها، وثبت سندها. ومن أنكر شيئاً مما ورد في القرآن عن الملائكة أو غيرهم كفر. والايمان بالملائكة أحد أركان العقائد الاسلامية: ﴿آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كلٌ آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله ... ﴾. الملائكة والكتب والرسل ثمرة الإيمان بالملائكة ازدياد الشعور بعظمة الله، واستشعار رحمته، اذ وكل الملائكة بالدعاء للمؤمنين والاستغفار لهم. والتحرز عما أمكن من المعاصي، حين يتذكر انهم يسجلون عليه كل ما يقوله ويفعله. والإقدام والشجاعة في الجهاد، حين يتصور انهم يؤيدون المجاهدين، بأمر رب العالمين. والعمل للجنة ليكون ممن يسلمون عليه. والبعد عن أسباب دخول النار لئلا يكون ممن يوبخونه.

стр. 141

ومن ثمراته الاجمالية التشبه بهم في لزوم الطاعة، واجتناب العصيان، وتقوية الجانب الملائكي في الانسان. الملائكة والكتب والرسل الجن خبّر الله في القرآن، بأنه خلق خلقا آخر، تعجز عيوننا عن رؤيتهم على صورهم الأصلية، كما تعجز عن رؤية الملائكة، ورؤية الأشعة التي هي فوق البنفسجية وتحت الحمراء، ورؤية الموجات الصوتية، ورؤية التيار الكهربائي، وهو يمشي في سلك النحاس، وهذا الخلق هو الجن. والذي يجب الايمان به، ويكفر منكره، هو ما جاء من أخبارهم في القرآن، وان لم يخصصه الله بالذكر، ويجعله من أركان الايمان صراحة كالايمان بالملائكة. الملائكة والكتب والرسل الجن في القرآن ١ - خبر القرآن ان الجن خلقوا من النار، ولا يلزم من هذا ان يكونوا نارا تحرق ما تمسه، ولا يمنع أن يكون الله قد حولهم فيما بعد إلى طبيعة أخرى. فالانسان خلق من طين، ولكنه لم يبق طينا بل أنشأه الله خلقا آخر، فجعله مركبا من عظام وعضلات ودم وأعصاب على سنة الله في الكون، اذ يحول المخلوقات من حال إلى حال. فيجعل من (الخلية) أحياء مختلفي الصفات والهيئات والطبائع، ويجعل من (الذرة) معادن مختلفة الأوزان والأشكال والخصائص، ويجعل من (البذرة) اليابسة شجرة خضراء الأوراق ملونة الأزهار. ٢ - وخبر أنهم خلقوا قبل خلق الانسان: ﴿والجان خلقناه من قبل من نار السموم﴾. ٣ - وأنهم يروننا ولا نراهم، وليس في هذا عجب، فمن كان بيده المنظار رأى الشخص البعيد وذلك الشخص لا يراه، ونحن في الدنيا وفقنا إلى صنع آلات كالرائي (التلفزيون) والهاتف المرئي نرى منها المتحدث، وهو لا يرانا، قال: ﴿يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم﴾.

стр. 142

٤ - وأنهم مكلفون مثلنا يحاسبون على أعمالهم كما نحاسب، ويثابون ويعاقبون كما نثاب نحن ونعاقب، وان جهنم والعياذ بالله منها، تمتلئ بالجن والانس معا. قال تعالى: ﴿وما خلقت الجن والإنس الا ليعبدون ... وتمت كلمة ربك لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين ... ﴾. ٥ - وان رسالة محمد ﷺ بلغتهم، كما بلغتهم من قبلها رسالة موسى. ﴿قالوا يا قومنا إنا سمعنا كتاباً أنزل من بعد موسى مصدقاً لما بين يديه يهدي إلى الحق وإلى صراط مستقيم﴾. ٦ - وأنه كان منهم الصالحون والعاصون، وأنهم كالبشر أصناف: ﴿وأنا منا الصالحون ومنا دون ذلك كنا طرائق قدداً ... وأنا منا المسلمون ومنا القاسطون﴾. ٧ - وأن الله سخرهم لسليمان: ﴿يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل (١) وجفانٍ كالجواب وقدورٍ راسياتٍ﴾. ٨ - وأنهم لا يعلمون الغيب، لذلك لبثوا يعملون لسليمان بعدما مات: ﴿ما دلهم على موته إلا دابة الأرض تأكل منسأته فلما خرَّ تبينت الجن أن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين﴾. ٩ - وان الله تحداهم، كما تحدى البشر أن يأتوا بمثل القرآن: ﴿قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعضٍ ظهيراً﴾. ١٠ - وأنهم كانوا يتحسسون أخبار السماء من الملائكة، فلماء جاء الاسلام منعوا من ذلك ورموا بالشهب:

стр. 143

﴿وأنا كنّا نقعد منها مقاعد للسمع فمن يستمع الآن يجد له شهاباً رصداً﴾. الملائكة والكتب والرسل الشياطين وهم كفار الجن، أبوهم إبليس، وقد قال قوم ان إبليس من الملائكة، ولكن الصحيح انهم من الجن. أولاً: لأن الله صرح بذلك في القرآن، فقال: ﴿فسجدوا الا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه﴾. ثانياً: لأن إبليس عصى ربه, والملائكة: ﴿لا يعصون الله ما أمرهم﴾. ثالثاً: لأن القرآن صرح بأنه خلق من النار: ﴿قال أنا خيرٌ منه خلقتني من نارٍ وخلقته من طينٍ﴾. الشياطين في القرآن: ١ - الشيطان هو العدو الأول للبشر، اخرج أباهم من الجنة، وهو يعمل على منعهم من دخولها ويبعدهم عن طريقها، ويغريهم بسلوك طريق النار، وهم مع ذلك يتبعونه ويَدَعون شرع الله إلى وسواسه، وهدي الأنبياء إلى ضلاله. وقد وبخهم الله على فعلهم وعلى هذه الحماقة منهم، اذ يستجيبون لعدوهم الذي يريد العذاب لهم، ولا يستجيبون لربهم، الذي يدعوهم ليغفر لهم ويرحمهم: ﴿أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني وهم لكم عدوٌ بئس للظالمين بدلاً﴾. ٢ - دلت هذه الاية على ان الشياطين يتناسلون، ويكون لهم ذرية وأنهم جميعا ذرية إبليس. ٣ - سلط الله الشيطان على الناس، ولكنه لم يعطه القدرة على النفع

стр. 144

والضرر، ولم يمنحه القوة التي لا تُدفع، بل أعطاه الكيد: ﴿إن كيد الشيطان كان ضعيفاً ... وليس بضارهم شيئاً الا بإذن الله ... وما كان له عليهم من سلطانٍ ... ﴾. ٤ - عمله الوسواس والاغراء بالشر والدعوة إلى القبائح: ﴿يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء ... يعدهم ويمنيهم وما يعدهم الشيطان إلا غروراً﴾. يحملهم على الخمر والميسر وأمثالها، وأمثالُها: ﴿رجسٌ من عمل الشيطان﴾. برنامجه كله ينحصر في الشر والفحش والخلاف، وأول مادة في هذا البرنامج وأول ما فتن به آدم وحواء، التكشّف والتعرّي، ولبس القصير من الثياب: ﴿يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة ينزع عنهما لباسهما ليريهما سوءاتهما ... ﴾. فكان نزع الثياب، وابداء العورات، أول مادة في هذا القانون الشيطاني. ومن شأن إبليس أن يحسن في عيون أتباعه (السيّئ) حتى يروه حسنا، ويجمل لهم القبيح فلا يبصروه قبيحا: ﴿وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون ... ﴾. ومن شأنه أن يدفع أولياءه إلى إثارة الشبه في وجوه المؤمنين، وشغلهم عن دعوتهم دعوة الحق بالجدال والمراء، وقد نبهنا الله إلى ذلك، وقال لنا: ﴿وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم ... ﴾. فلا تستجيبوا لهم ولا تسقطوا في شركهم: ﴿وإن أطعتموهم إنكم لمشركون﴾. ومن شأنه أن يشغل المؤمن عن ذكر ربه، حتى ينساه، فيقدم على المعاصي، فالعاصون:

стр. 145

﴿استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله﴾. ولكن ﴿الذين اتقوا اذا مسهم طائفٌ من الشيطان (فأنساهم ربهم) تذكروا فإذا هم يبصرون﴾. ٥ - لكن الشيطان رغم دأبه على الافساد، وثباته على عداوة بني آدم، وأنه يأتيهم عن أيمانهم وعن شمائلهم، ومن أمامهم ومن خلفهم، وأنه يقعد لهم كل مرصد، وأنه يستفزهم بصوته ويجلب عليهم بخيله ورجله، وأنه يشاركهم في الأموال والأولاد ... إنه على هذا كله لا يملك الا الوسواس، والاغراء بالشر، لا يقدر على نفع لهم ولا ضر، وحين يتجادل الكفار والشياطين في الآخرة، يقول لهم: ﴿وما كان لي عليكم من سلطانٍ إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم ... ﴾. ولما دعا إبليس ربه أن يؤجل موته، وأجابه: ﴿قال رب بما أغويتني لأزينن لهم في الأرض ولأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين﴾. قال الله : ﴿هذا صراطٌ علي مستقيم إن عبادي ليس لك عليهم سلطان الا من اتبعك من الغاوين ... إنه ليس له سلطانٌ على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون .. ﴾. ٦ - وهو يخذل أتباعه ويتخلى في ساعة العسرة عنهم، ويخون عهدهم: ﴿وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم وقال (أي: يوم بدر للمشركين من أهل مكة) لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم فلما تراءت الفئتان نكص على عقبيه وقال إني بريءٌ منكم إني أرى ما لا ترون﴾. يعني الملائكة التي نزلت يومئذ لتأييد المؤمنين: ﴿إني أخاف الله﴾.
следующие страницы →