← Общие книги

Общие книги · id 37562

تعريف عام بدين الإسلام

علي الطنطاوي

Полный текст (180 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

قصة هذا الكتاب بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ في صدر الطبعات السابقة، فصل عنوانه (قصة هذا الكتاب) أعدت النظر فيه اليوم، فوجدت أني لم أسرد فيه القصة من أولها. ولعل أول القصة كان أيام الحرب الأولى (حرب سنة ١٩١٤) وهي الأيام التي بلغت فيها سن التمييز، وأدركت ما يحيط بي، فوجدت في بيت أبي دروساً يلقيها على تلاميذه بعد الفجر، وقبل العشاء، وكانت دروساً تختلف عن دروس المدرسة التي كنت أذهب إليها، وكان التلاميذ فيها مشايخ بعمائم ولحى، لم يكونوا صغاراً كتلاميذ المدرسة، فكنت أستمع اليها ولو لم أفهمها، كما أستمع الى دروس المدرسة. فكانت دراستي بذلك مزدوجة: درست في المدارس الى نهاية الجامعة، وكنت مع ذلك أتلقى العلم عن العلماء. عن أبي (الشيخ مصطفى الطنطاوي) أولا، وكان من صدور الفقهاء في الشام، وكان أمين الفتوى عند المفتي الشيخ أبي الخير عابدين، فلما توفي ﵀، في شعبان سنة ١٣٤٣ هقرأت على غيره من العلماء (١)

стр. 2

فكنت أول من جمع في دمشق بين أسلوبي الدراسة، وكان العلماء يومئذ بين (شيخ) لا يعرف من علوم الدنيا الحديثة شيئا وبين (افندي) لا يفقه من علوم الدين شيئا، الا شيئاً قليلا لا يغني ولا يجزي. فتنبهت مبكرا الى ضرورة عرض الاسلام بأسلوب عصري وكتبت في ذلك مقالات، ونشرت رسائل، ذكرت منها من نحو خمسين سنة بعض الآراء التي أوردها اليوم، في هذا الكتاب.

стр. 3

ففي كتابي (الاصلاح الديني (١)) في الصفحة (١١) منه، عند الكلام على ضرورة التدين، قلت ما نصّه: "هل يمكن للإنسان أن يعيش بلا دين؟ لا فرق بين هذا السؤال وبين قولك: هل يمكن للإنسان أن يعيش بالمادة وحدها، وينبذ كل ما وراءها حتى نفسه التي بين جنبيْه، وحبّه الذين يجيش به صدره، وشعوره بالطبيعة وجمالها، والطيور وتغريدها، والمقبرة ووحشتها؟ " وبعد أن تحدثت عن عالم المثل الأفلاطونية، واستشهدت بأقوال (كانْت) و (أوغست كونت) و (باستور) و (نيوتن) و (باسكال) و (مالبرانش) و (هارفي) و (غوليه) و (هوكسلي) ذلك لأني كنت حديث العهد بدراسة الفلسفة وكان مكتوباً على غلاف الكتاب (بقلم علي الطنطاوي بكالوريوس في الآداب وفي الفلسفة). قلت بعد ذلك، في الردّ على من يدعّي أن هذا الكون وجد بالمصادفة، ما نصّه: "اذا وضعنا في كيس أربع كرات بيضاء وواحدة حمراء، وسحبنا واحدة منها، كان احتمال خروج الحمراء واحداً من خمسة، واذا وضعنا تسعاً بيضاً وواحدة حمراء، كان واحداً من عشر، فلو وضعنا ما لا نهاية له (?) من البيض كان الاحتمال واحداً من لا نهاية، ولا يقول عاقل أن الحمراء تخرج حتماً من السحب مرة أو مرتين أو مئة مرة. وهذه الكواكب التي لا نهاية لها، ليس لها الا حالة واحدة، تجعلها تسير بهذا النظام، ويمتنع بينها الصدام، فكيف نقول ان هذه الحالة حصلت بالمصادفة من غير مسيّر حكيم عليم؟ ". ...

стр. 4

هذا ما قلته من نحو خمسين سنة في كتاب لي مطبوع موجود. ثم صح العزم مني على إصدار كتاب في هذا الموضوع وجعلتُ عنوانه (لماذا أنا مسلم)، وأعددتُ فصوله وأعلنتُ عنه، ونشرتُ مقدمته في رسائل (سيف الاسلام) التي كنت أصدرها سنة ١٣٤٩ هـ (١٩٣٠ م)، ولكن تعذر الطبع وضاعت الأصول ولم يصدر الكتاب. ولما ذهبتُ الى العراق سنة (١٩٣٦ م) مدرساً للأدب العربي في الثانوية المركزية في بغداد، وكلفت حيناً بتدريس الدين، جعل الطلاب يسألونني عن كتاب واحد، يفهمون منه الاسلام، لا يريدون كتاب تجويد، ولا كتاب توحيد، ولا كتاب تفسير، ولا فقه ولا أصول، ولا حديث ولا مصطلح، بل كتاباً في الاسلام، يعرضه كما كان رسول الله ﷺ يعرضه، على من يفد عليه من العرب (أو الأعراب) فيفهمونه في يوم واحد، أو في بعض يوم. فلم أكن أجد مثل هذا الكتاب، فكتبتُ في الرسالة وكنتُ من كتّابها عشرين سنة كاملة من سنة تأسيسها الى سنة احتجابها. كتبتُ مقالات أدعو فيها العلماء الى تأليف هذا الكتاب، وأعدتُ الدعوة، فما استجاب لها أحد إلا شيخنا الشيخ محمد بهجة البيطار، وإذا رجعتم إلى (الرسالة) وجدتم فيها ما كتب. ... ومرّت الأيام، ورأيت الطريق الذي كنتُ أسلكه وحدي، أو مع نفر من أمثالي، منذ أربعين سنة (طريق الجمع بين الإلمام بعلوم الدين، والالمام بعلوم الدنيا)، قد كثر بحمد الله سالكوه، وصاروا عشرات، ثم صاروا (بحمد الله مرة ثانية) مئات. ونشأ فيهم من هو أكثر مني علماً، وأفصح لساناً، وأكثر إيماناً، وأفضل في كل شيء، وألّفوا عشرات من الكتب الاسلامية الجيدة ولكن هذا الكتاب لم يؤلف. وجاءت سنة (١٣٨٧ هـ)، فنشرت مقالة في (مجلة رابطة العالم الاسلامي)، عنوانها (تعريف عام بدين الاسلام) تنبّه لها صديقنا معالي الشيخ

стр. 5

(محمد عمر توفيق)، وزير الحج والأوقاف يومئذ، فكتب للرابطة لتكليفي بتأليف كتاب في هذا الموضوع. وتنبّه لها صديقنا الشيخ مصطفى العطار، فكتب لمعالي وزير المعارف الشيخ (حسن بن عبد الله آل الشيخ) ووجدت منه، ومن معالي الشيخ عبد الوهاب عبد الواسع (وكان يومئذ وكيل وزارة المعارف) كل التشجيع. وع م لت الصيف كله، والسنة الجامعية بعده، لكني كنت أدافع الكسل، وأشتغل على ملل، وتجمّعت لديّ ثلاثة ظروف كبار، فيها فصول كاملات، وفيها قصاصات ومذكرات، تحتاج إلى تصنيف، وترتيب، وعمل كثير. وجاء الصيف الجديد، وذهبت الى عمان، ومن خوفي على هذه الظروف حملتها بيدي، وأذكر أنني خرجت من المطار، ودخلت السيارة لتحملني الى دار زوج بنتي، وهي معي. وشغلت بمتاعب الانتقال، ومباهج الاستقبال، ولقاء الأصحاب والآل. فلم أذكرها الاّ بعد أسبوعين، فبحثت عنها فلم أجدها، ونفضت الدار نفضاً. وسألت كل سائق سيارة، وراجعت كل مخفر شرطة، فلم أصل الى شيء. وبقيت أياماً، وأنا ذاهل متألم، لا أهنأ بطعام ولا أستغرق في منام، حتى اذا هدأت نفسي، ورجع لي عقلي، قررت أن أستعين الله وأبدأ من جديد. وكنت أنزل في ضاحية من عمان: مكتبتي في دمشق، وأوراقي في مكة، وما عندي الا المصحف، فقلت: لعل هذا هو الخير، فما أؤلف هذا الكتاب للفقهاء والعلماء، بل للشبان، أعرّفهم فيه ما الاسلام، وكلما أقللت النقل عن الكتب، وجئت بشيء جديد كان خيراً لهم. وباشرت العمل وأنجزت هذا الجزء الأول، وهو جزء العقيدة، في عشرة أيام، وحملت مخطوطته معي إلى مكة.

стр. 6

فطبع أولا في (المدينة) والفضل في طبعه لله، ثم للاستاذ (عثمان حافظ)، ثم نشرته وزارة المعارف الأردنية، في عدد خاص من مجلتها (رسالة المعلم)، وطبعت منه اثني عشر ألف نسخة، وزعتها على جميع المعلمين والمعلمات، في المملكة الأردنية، وكان الفضل في ذلك لله، ثم لمعالي وزير المعارف والأوقاف السابق الدكتور (اسحاق الفرحان) وكان يومئذ مدير دائرة الكتب والمناهج في الوزارة - ولمعالي وزيرها يومئذ الأستاذ بشير الصباغ، وللأخ الدكتور الشيخ ابراهيم زيد الكيلاني، والأخ الأستاذ سليم الرشدان. ثم نشرته وزارة الدفاع الأردنية وكان الفضل في ذلك لمعالي الصديق اللواء (معن أبي نوار) سفير المملكة الآن في لندن، وللصديق أبي أنور العقيد (أحمد العبيدات). وقرأه أفراد الجيش الأردني. ثم قامت مؤسسة الرسالة في بيروت بطبعه أولاً طبعة رخيصة، ثم عادت فطبعته طبعة أنيقة، فهذه الطبعة التي أقدم لها هذه المقدمة هي في الواقع (الطبعة السادسة) من الكتاب. أما الجزء الثاني والثالث اللذين أرجو أن أتكلم فيهما عن الاسلام، وعن الاحسان (أي السلوك الاسلامي) فأنا والله في خجل من القراء، وعذري أن القلوب بيد الله، والله هو باعث الهمم، ومنشئ العزائم، وقد والله ضعفت همتي، ووهن العزم مني. ولقد كنت في شبابي في توثب دائم. أكتب وألتمس الناشر، على قلة البضاعة، وضحالة التفكير، والآن حين نضج الفكر، واختمرت المعلومات، وكثر الناشرون، لم أعد أقوى على العمل، فإن ألهم الله واحداً من القراء ودعا لي بظهر الغيب بأن يسهل الله عليّ كتابة الجزأين، كتبتهما بتوفيق الله وعونه كما كتبت الأول في عشرة أيام. ولكن متى تجيء هذه الأيام العشرة؟ العلم عند الله. ... ومن الانصاف أن أذكر أن جماعة من اخواننا قد ألّفوا كتباً في تلخيص الاسلام، منهم أخي وابن شيخي الأستاذ محمد المبارك، الذي عمل على تدريس هذا التلخيص في الجامعات باسم مادة (نظام الاسلام) وشارك في وضع مناهجه، وألّف فيه كتباً ثلاثة. وألّفوا كتباً في العقيدة، كل كتاب له أسلوب، وله طريقة، منهم أخي الأستاذ محمد القاسمي وأخي الأستاذ الدكتور سعيد ابن الملاّ رمضان البوطي، وأخي الأستاذ عبد الرحمن ابن الشيخ حسن حبنكة حفظه الله وحفظ هؤلاء الاخوان، وقواهم وأمدهم بعونه. هذا، وأنا أرجو أن ينفع الله بهذا الكتاب، وأن يكون زاداً لي يوم لا زاد الا التقوى وصالح الأعمال. ولقد ذكرت في مقدمة الطبعة السابقة، أني أكتب من نحو خمسين سنة (من سنة ١٣٤٧ هـ) والمطبوع مما كتبت يزيد على أحد عشر ألف صفحة، وان لي أربعين كتاباً ما بين رسالة صغيرة وكتاب كبير،

стр. 7

واني أحاضر في النوادي من سنة (١٣٤٥ هـ) وأتحدث في الاذاعات بلا انقطاع، من يوم أنشئت محطة الشرق الأدنى في يافا، قبل الحرب الثانية، وان لدي الآن أصول أحد عشر كتاباً لا تحتاج الى عمل قليل لتقدم للمطبعة. وأنا أرضى أن أنزل عن هذا كله، ويوفق الله إلى إكمال هذا الكتاب وإكمال كتاب (ذكريات نصف قرن) الذي أروي فيه خبر ما رأيت وما سمعت، من تبدل الدول، وتحول الأحوال، ومن لقيت من الرجال فلقد شهدت في الشام حكم العثمانيين، وحكم الشريف فيصل، وحكم الفرنسيين، وعهد الاستقلال وما بعده من العهود، وعشت حيناً من عمري في مصر، وفي العراق، وفي لبنان، وفي السعودية، ورحلت الى أقصى المشرق حتى لم يبق بيني وبين (سيدني) في اوستراليا، الاّ مرحلة ساعتين بالطيارة، ورحلتُ الى (فولندام) في أقصى الشمال من هولندا، ورأيت حلواً ورأيت مرّاً، وذقت الفقر وذقت الغنى، ووجدت الوفاء ووجدت الغدر، وتركت من التلاميذ في سورية والعراق ولبنان والسعودية آلافاً وآلافاً، منهم من صار رئيس جمهورية، ومنهم من بلغ رياسة الوزراء، ومن كان وزيراً أو قاضياً كبيراً، أو موظفاً أو سفيراً، أو أستاذاً في الجامعة أو مقدماً في عالم المال والأعمال. ولقد كنت في عمري كله بعيداً عن غمرة المجتمع معتزلاً الناس. لكني كنت أرى وأسمع كل شيء ولطالما وقفت مواقف كانت حديث الناس، وكانت حادث الساعة. وكنت فيها ملء الأسماع والأبصار، وكان اسمي فيها على كل لسان. ولكن ذلك كله مضى، وسيمضي العمر، ويذهب الجاه والمال، كما ذهب الشباب، وينسى الناس كل ما عملت، وعمل غيري، ولا يبقى الا الذي يحمله معه العبد الى آخرته، هذا وحده الذي يبقى وكل ما سواه الى زوال.

стр. 8

فيا رب لا تجعل عملي يذهب سُدى، واكتب لي بفضلك ورحمتك بعض الثواب عليه. اللهم اجعل ما كتبت وما خطبت من العلم النافع الذي لا ينقطع بانقطاع العمر. اللهم اني استغفرك، وأتوب إليك وأسألك حسن الخاتمة، والوفاة على الإيمان مكة المكرمة (اجياد): ٢٣ جمادى الأول ١٣٩٤ هـ علي الطنطاوي

стр. 9

بين يدي الكتاب فأي الطريقين تسلك؟ هذه خواطر قدمتها بين يدي الكتاب، وأعددت بها للقارئ الجو الذي يعينه على الدخول فيه. اذا كنت مسافراً وحدك فرأيت أمامك مفرق طريقين. طريقا صعبا صاعدا في الجبل، وطريقاً سهلاً منحدراً إلى السهل. الاول فيه وعورة، وحجارة منثورة، وأشواك وحفر، يصعب تسلقه، ويتعسر السير فيه، ولكن أمامه لوحة نصبتها الحكومة، فيها: ان هذا الطريق على وعورة أوله، وصعوبة سلوكه، هو الطريق الصحيح، الذي يوصل إلى المدينة الكبيرة، والغاية المقصودة. والثاني معبّد، تظلله الأشجار ذوات الأزهار والثمار، وعلى جانبيه المقاهي (١) والملاهي، فيها كل ما يلذ القلب، ويسر العين، ويشنف (٢) الاذن. ولكن عليه لوحة فيها: انه طريق خطر مهلك، آخره هوة فيها الموت المحقق، والهلاك الأكيد. فأي الطريقين تسلك؟ لا شك ان النفس تميل إلى السهل دون الصعب، واللذيذ دون المؤلم، وتحب الانطلاق وتكره القيود، هذه فطرة فطرها الله عليها، ولو ترك الانسانُ نفسه وهواها، وانقاد لها، سلك الطريق الثاني، ولكن العقل يتدخل، ويوازن بين اللذة القصيرة الحاضرة يعقبها ألم طويل، والألم العارض المؤقت تكون بعده لذة باقية، فيؤثر الاول.

стр. 10

هذا هو مثال طريق الجنة، وطريق النار .. طريق النار فيه كل ما هو لذيذ ممتع، تميل اليه النفس، بدفع اليه الهوى. فيه النظر إلى الجمال ومفاتنه، فيه الاستجابة للشهوة ولذاتها، فيه أخذ المال من كل طريق، والمال محبوب مرغوب فيه، وفيه الانطلاق والتحرر، والنفوس تحب الحرية والانطلاق، وتكره القيود. وطريق الجنة فيه المشقات والصعاب. فيه القيود والحدود، فيه مخالفة النفس، ومجانبة الهوى. ولكن عاقبة هذه المشقة المؤقتة في هذا الطريق، اللذة الدائمة في الآخرة، وثمرة اللذة العارضة في طريق النار، الألم المستمر في جهنم. كالتلميذ ليالي الامتحان يتألم حين يترك أهله عاكفين على الراني (١)، يشاهدون ما يسر ويمتع، وينفرد هو بكتبه ودفاتره، فيجد بعد هذا الألم لذة النجاح. وكالمريض يصبر أياما على ألم الحِمية عن أطايب الطعام فينال بعدها سعادة الصحة. وضع الله الطريقين أمامنا، ووضع فينا ملكة نفرق بها بينهما، نعرف بها الخير من الشر سواء في ذلك العالمُ والجاهل، والكبير والصغير. كل منهم يستريح ضميره اذا عمل الخير، وينزعج اذا أتى الشر. بل ان هذه الملكة موجودة حتى في الحيوان: القط اذا القيت اليه بقطعة اللحم أكلها أمامك، متمهلا مطمئنا، واذا خطفها ذهب بها بعيداً، فأكلها على عجل، وعينه عليك يخاف أن تلحق به، فتنزعها منه، أفليس معنى هذا أنه أدرك ان اللقمة الاولى حق له، والثانية عدوان منه؟. أليس هذا تفريقا منه بين الحق والباطل، والحلال والحرام؟. والكلب اذا عمل حسنا تمسح بصاحبه، كأنه يطلب منه المكافأة. واذا أذنب ذنبا نأى فوقف بعيداً، يبصبص بذنبه، كأنه يبدي المعذرة أو يتوقع العقاب.

стр. 11

وهذا تأويل قوله تعالى: ﴿ووهديناه النجدين﴾. وأقام الله على طريق الجنة دعاةً يدعون اليه، ويدلّون عليه، هم الانبياء. كما قام على طريق النار، دعاةٌ يدعون اليه، ويرغبون فيه هم الشياطين. وجعل العلماء، ورثة الأنبياء، فاطمة بنت محمد ما ورثت منه مالا ولا عقاراً، والعلماء ورثوا منه هذه (الدعوة) فمن قام بها حق قيامها، استحق شرف هذا الميراث. وهذه (الدعوة) صعبة، لأن النفس البشرية طبعت على الميل إلى الحرية، والدين يُقيدها، وعلى الانطلاق وراء اللذة، والدين يُمسكها، فمن يدعو إلى الفسوق والعصيان، يوافق طبيعتها فتمشي معه مشي الماء في المنحدر. اصعد إلى خزان الماء في رأس الجبل، فأثقبه بضربة معول، يَنْزل الماء وأنت واقف حتى يستقر في قرارة الوادي، فاذا أردت أن تعيده لم يعد الا بمضخات، ومشقات، ونفقات بالغات. والصخرة الراسية في الذروة، لا تحتاج الا إلى زحزحتها وامالتها، حتى تتدحرج وتهوي، تنزل بلا مشقة ولا تعب. فاذا أردت أن ترجعها، وجدت المتاعب والمشقات. بين يدي الكتاب وهذا هو مثال الانسان الرفيق الشرير يقول لك: ها هنا امرأة جميلة ترقص عارية فتميل اليها نفسك. ويدفعك اليها هواك، ويسوقك اليها الف شيطان، فلا تشعر الا وأنت على بابها. فاذا جاء الواعظ ليصرفك عنها، صعب عليك الاستجابة اليه، ومقاومة ميل نفسك، وهوى قلبك. فدعاة الشر لا يتعبون ولا يبذلون جهدا، ولكن التعب وبذل الجهد على دعاة الخير، وعلى الواعظ. داعي الشر عنده كل ما تميل اليه النفس، من العورات المكشوفة، والهوى المحرم، وكل ما فيه متعة العين والاذن ولذة القلب والجسد، أما داعي الخير، فما عنده الا المنع. ترى البنت المتكشفة فتميل إلى اجتلاء محاسنها فيقول لك: غض بصرك عنها، ولا تنظر اليها. ويجد التاجر الربح السهل من الربا، يناله بلا كد

стр. 12

ولا تعب، والنفس تميل اليه. فيقول له: دعه: وانصرف عنه، ولا تمد يدك اليه، ويبصر الموظف رفيقه، يأخذ من الرشوة، في دقيقة واحدة ما يعدل مرتبه عن ستة أشهر، ويتصور ما يكون له بها من سعة، ومما يقضي بها من حاجات، فيقول له: لا تأخذها، ولا تستمتع بها. يقول لهم: اتركوا هذه اللذات الحاضرة المؤكدة، لتنالوا اللذات الآتية المغيّبة. دعوا ما ترون وما بتصرون، إلى ما لا ترون الآن ولا تبصرون .. قاوموا ميل نفوسكم، وهوى قلوبكم، وذلك كله ثقيل على النفس، ولا تنكروا وصفي الدين بأنه ثقيل، فان الله سماه بذلك في القرآن، فقال: ﴿سنلقي عليك قولاً ثقيلاً﴾. وكل المعالي ثقيلات على النفس، ترك التلميذ الراني والاقبال على الدرس ثقيل. وترك العالم مجلس التسلية والاشتغال بالقراءة والاقراء ثقيل، وترك النائم فراشه والنهوض إلى صلاة الفجر ثقيل، وهجر الرجل زوجه وولده ومشيه إلى الجهاد ثقيل. لذلك تجد الطالحين أكثر من الصالحين، والغافلين السادرين في الغيّ أكثر من الذاكرين، السالكين سبيل الرشاد، ولذلك كان اتّباع الكثرة بلا بصر ولا دليل، يُضل فاعله في أكثر الاحيان .. ﴿وإن تطع أكثر من في الأرض يُضلوك عن سبيل الله﴾. ولولا أن القلة والندرة، من صفات السموّ والرفعة، ما كان الالماس (١) نادراً، والفحم كثيرا موفورا، ولا كان العباقرة والنابغون، والابطال المتميزون، قلّةً في الناس. ان الانبياء وورثتهم من صالحي العلماء هم الدعاة إلى طريق الجنة، والشياطين وأعوانهم من الفاسدين المفسدين من الناس، هم الدعاة إلى طريق النار. وقد جعل فينا - في داخلنا - أنصارا لهؤلاء وانصارا لهؤلاء، في داخلنا حزب هو مع الانبياء، وحزب هو حزب الشياطين، فحزب الأنبياء يتمثل في العقل، وحزب الشياطين في النفس الامارة بالسوء. تقولون: ما العقل وما النفس؟

стр. 13

ولست أدعي اني أضع لكل منهما حدوداً ظاهرة، واميّزها تمييزاً واضحاً. فان هذه الأمور، لا تزال في ظلمات جَهلنا بها، لم يستطع العلم أن يضيء جوانبها. كلنا يقول: (قلت لنفسي) و (وقال لي عقلي)، فما أنت وما نفسك؟ وما نفسك وما عقلك؟ لم يتضح ذلك لنا بعد (١)، فلست أكشف هنا المجهول، ولكن أذكر بمثال مشاهد معلوم: تكون نائما في ليالي الشتاء، متمتعا بدفء الفراش، ولذة المنام، فتسمع قرع المنبه يدعوك إلى الصلاة، فتحس صوتا من داخلك يقول لك: (قم إلى الصلاة)، فاذا جئت تقوم، سمعت صوتا آخر، يقول لك: (نم قليلا)، فيعود الصوت الأول يقول: (الصلاة خير من النوم)، فيقول الثاني: (النوم لذيذ، والوقت متسع، فتأخر دقائق). ولا يزال الصوتان يتعاقبان، تعاقب دقات الساعة: (نم. قم. نم. قم .. ) (٢). هذا هو العقل، وهذه هي النفس.

стр. 14

وهذا مثال يتكرر آلاف المرات، في آلاف الصور، كلما عرض للمرء مثل هذا الموقف فوقف أمام لذة محرمة تدعوه نفسه إلى غشيانها، وكان في قلبه إيمان، يدفع عقله إلى منعه منها، وعلى مقدار ما يكون من انتصار العقل، تكون قوة هذا الايمان. وليس معنى هذا أن ينتصر العقل دائما، وألاّ يقارب المسلم المعاصي ابدا، فالاسلام دين الفطرة، دين الواقع، والواقع ان الله خلق خلقاً للطاعة الخالصة، ولمحض العبادة، هم (الملائكة)، ولم يجعلنا الله ملائكة، وخلق خلقا شأنهم المعصية والكفر هم (الشياطين)، ولم يجعلنا كالشياطين، وخلق خلقا لم يعطهم عقولاً ولكن غرائز، فلا يكلفون ولا يسألون، وهم (البهائم والوحوش)، ولم يجعلنا الله وحوشا ولا بهائم. بين يدي الكتاب فما نحن إذن؟ ما الإنسان؟ الانسان مخلوق متميز، فيه شيء من الملائكة وشيء من الشياطين، وشيء من البهائم والوحوش، فاذا استغرق في العبادة، وصفا قلبه إلى الله عند المناجاة، وذاق حلاوة الايمان في لحظات التجلي، غلبت عليه في هذه الحال الصفة الملكية، فأشبه الملائكة الذين لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون. فاذا جحد خالقه، وأنكر ربه، فكفر به، أو أشرك معه في عبادته غيره، غلبت عليه في هذه الحال الصفة الشيطانية. واذا عصف به الغضب، فأوتر أعصابه، وألهب دمه، وشد عضلاته، فلم يعد له امنية الا ان يتمكن من خصمه فيعضه بأسنانه، وينشب فيه أظافره، ويطبق على عنقه بأصابعه، فيخنقه خنقاً ثم يدعسه دعسا، غلبت عليه في هذه الحال الصفة الوحشية، فلم يبق بينه وبين النمر والفهد كبير فرق. واذا عضه الجوع، وبرّح به العطش، وانحصرت آماله، في رغيف يملأ معدته، وكأس تبل صداه أو تملكته الشهوة، وسيطرت على نفسه (الرغبة الجنسية) فغلا بها دمه، واشتعلت بها عروقه، وامتلأ ذهنه بخيالات الشبق

стр. 15

وأمانيه، غلبت عليه في هذه الحال الصفة البهيمية، فكان كالفحل أوالحصان، أو ما شئت من أصناف الحيوان. هذه حقيقة الانسان، فيه الاستعداد للخير، والاستعداد للشر، أعطاه الله الأمرين، ومنحه العقل الذي يميز به بينهما، والارادة التي يستطيع بها أن يحقق احدهما، فان أحسن استعمال عقله في التمييز، وأحسن استعمال ارادته في التنفيذ، ونمّى استعداده للخير، حتى تخلق به وأنجزه، كان في الآخرة من السعداء. وان كانت الاخرى، كان من المعذبين. صحيح أن النفس مطبوعة على الحرية، والدين قيد، ولكن لا بدّ من هذا القيد، ولو تركناها تأتي الفواحش كما تشاء انطلاقا من طبع الحرية فيها، لصار المجتمع (مارستانا) كبيراً، لأن الحرية المطلقة للمجانين. المجنون يفعل كل ما يخطر على باله، يمشي في الطريق عارياً، ويركب على كتفي سائق السيارة العامة، ويستحسن ثوبك فيأخذه من فوق كتفيك، وتعجبه بنتك فيطلبها منك بحق الغرام، لا بشرعة الإسلام. المجنون هو الحر الحرية المطلقة، وأما العاقل، فان عقله يقيد حريته. وما العقل؟ انه قيد، ان لفظه مشتق من الاصل الذي اشتق منه (العقال) أي الحبل، الذي يقيد به الجمل. والحكمة، قريب معنا، من (حَكَمة الدابة) وهي كذلك قيد، والحضارة قيد، لأنها لا تدعك تفعل ما تريد، بل توجب عليك مراعاة حقوق الناس وأعراف المجتمع. والعدالة قيد، لأنها تضع نهاية لحريتك، حيث تبدأ حرية جارك. ثم إن المعاصي لذيذة، لأنها توافق طبيعة النفس، انك تجد لذة في سماع الغيبة والمشاركة فيها، لأنها تشعرك بأنك خير من هذا الذي يذكرونه بالسوء وأفضل. والسرقة لذيذة لأن فيها امتلاك المال بلا كد ولا نصب، والزنا لذيذ لأن فيه إعطاء النفس هواها، وانالتها مشتهاها، والغش في الامتحان لذيذ، لأنه يوصل إلى النجاح بلا جهد، والهرب من الواجب - مهما

стр. 16

كان - لذيذاً على النفس، لأن فيه الراحة والكسل. ولكن الانسان حين يفكر ويستعمل عقله، يجد أن هذه الحرية المؤقتة لا تساوي ما بعدها من سجن في جهنم طويل، وهذه اللذة المحرمة، لا تعدل ما بعدها من العذاب. من يرضى أن نجعل بيننا وبينه عهداً، (اتفاقية عند الكاتب العدل) مدتها سنة، نعطيه خلالها كل ما يطلب من مال، ونسكنه في القصر الذي يريد، في البلد الذي يختار، ونزوجه بمن شاء من النساء، مثنى وثلاث ورباع، ولو طلق كل عشية واحدة، وتزوج كل صباح أخرى، ولا نمنع عنه شيئا يريده، ولكنا اذا انقضت السنة، علقناه من عنقه على المشنقة حتى يموت؟ الا يقول: "تعساً وبعداً للذة سنة بعدها الموت؟ " الا يتصور نفسه ساعة يعلق على المشنقة، فيرى أنه لم يبق في يده شيء منها؟ مع أن ألم الشنق بعض دقيقة وعذاب الآخرة دهر طويل. ليس منا أحد لم يقارف في عمره معصية، ولم يجد لهذه المعصية لذة، أقلها انه آثر متعة الفراش مرة على القيام لصلاة الفجر، فماذا بقي في أيدينا الآن من هذه اللذة التي أحسسنا بها قبل عشر سنين؟ وليس منا أحد لم يكره نفسه على اداء طاعة، ولم يحمل لهذه الطاعة ألماً، أقله الجوع والعطش في رمضان، فماذا بقي في نفوسنا الآن، من ألم الجوع في رمضان، الذي جاء من عشر سنين؟ لا شيء. ذهبت لذات المعاصي وبقي عقابها، وذهبت آلام الطاعات وبقي ثوابها. وساعة الموت، ما الذي بقي لنا - تلك الساعة - من جميع اللذائذ التي ذقناها، والآلام التي حملناها؟ ان كل مؤمن يريد أن يتوب ويرجع إلى الله، ولكنه يؤجل، ويسوف، أنا كنت أقول: اذا حججت تبت وأنبت، فبلغتها وما تبت، وجاوزت الستين وما

стр. 17

تبت، وشبت وما تبت، ليس معنى هذا اني مقيم على المحرمات، مرتكب للفواحش، لا وبحمد الله. ولكن معناه، ان الانسان يرجو لنفسه الصلاح، ولكنه يسوف، يظن ان في الاجل فسحة، يحسب أن العمر طويل، فيرى الموت قد طرقه فجأة. وقد رأيت أنا الموت مرتين، وعرفت ما شعور الميت، لقد ندمت على كل دقيقة أضعتها في غير طاعة ... إي والله. فلما نجوت، بقيت على هذا الشعور شهوراً، صرت فيها صالحاً، ثم انغمست مرة ثانية في غمرة الحياة، ونسيت .. نسيت الموت. كلنا ننسى الموت، نرى الاموات يمرون بنا كل يوم، ولكن لا نتصور اننا سنموت. نقف في صلاة الجنازة ونحن نفكر في الدنيا، يظن كل واحد منا ان الموت كتب على الناس كلهم إلا عليه، مع ان الانسان يعلم ان الدنيا مولية عنه، وأنه مُوَلٍّ هو عنها. مهما عاش الانسان فهو ميت. ليعش ستين سنة، ليعش سبعين، ليعش مئة سنة، الا تنقضي؟ الا تعرفون من عاش مئة سنة ثم مات؟ نوح لبث يدعو قومه تسع مئة وخمسين سنة. فأين نوح الآن؟ هل بقيت له الدنيا؟ هل سلم من الموت؟ فلماذا لا نفكر في الموت، ونستعد له، ان كان لا بد منه؟ من كانت أمامه سفرة لا يعرف موعدها الا يتهيأ لها، حتى يكون جاهزا، فاذا دعي أجاب؟ رأيت (وكنت الصيف الماضي في عمان) المعلمين الاردنيين، الذين تعاقدوا مع المملكة العربية السعودية للعمل فيها، وقد خبروهم ان الطيارات تنقلهم تباعا، فليستعدوا، فمن أنجز جواز سفره، وأكمل حزم متاعه، وودع أهله، ووضع إلى جنبه ثيابه، فإنه يلبي في أي ساعة يدعى فيها، فيلبس ثيابه ويمضي إلى المطار. ومن أهمل وأجّل، حتى اذا دعي قال لهم: امهلوني حتى أنزل إلى السوق فأشتري متاعي، وأذهب إلى القرية فأودع أهلي، وأراجع الحكومة لاستخراج جوازي؟ لم يمهلوه، بل ذهبوا وتركوه. ولكن ملك الموت اذا جاء لا يتركه ويذهب، بل يأخذه كرها، يأخذه ولو كان آبياً، لا يمهله ساعة، ولا دقيقة، ولا لمحة، ولا يملك أن يمهله.

стр. 18

وليس يعرف أحد منا متى يأتي ليأخذه ملك الموت. وما الموت؟ ما حقيقته؟ ان لحياة الانسان مراحل، فمرحلة وهو جنين في بطن امه، ومرحلة وهو في هذه الدنيا، ومرحلة وهو في البرزخ بين الدنيا والاخرة، من يوم موته إلى يوم القيامة، والمرحلة الدائمة وهي الحياة الحقيقية، مرحلة الآخرة. ونسبة كل مرحلة لما قبلها كنسبة ما بعدها اليها. ان سعة هذه الدنيا بالنسبة لضيق بطن الام، كسعة البرزخ بالنسبة لهذه الدنيا، وسعة الآخرة بالنسبة للبرزخ. ان الجنين يحسب دنياه هذا البطن، ولو عقل وفكر، وسئل وأجاب، لقال بأن خروجه منه موت محقق، ولو كان في البطن توأمان، فولد أحدهما قبل الاخر، ورآه نزل قبله، ففارقه وقد كان معه، لقال بأنه مات، ودفن في الاعماق. ولو رأى المشيمة التي كانت من جسده، ملقاه مع القمامة لظن بأنها هي اخوه، وبكى عليها، كما تبكي الام حين ترى جسد ولدها، التي كانت تخشى عليه مس الغبار قد أودع التراب، لا تدري أن هذا الجسد كالمشيمة؟ قميص توسخ وألقي؟ ثوب انتهى وقته، وانقضت الحاجة اليه. هذا هو الموت، انه (ولادة جديدة)، خروج إلى مرحلة أطول وأرحب من مراحل الحياة، وما هذه الدنيا الا طريق، حياتنا فيها كحياة المهاجر إلى اميركا، انه يحسن اختيار غرفته في الباخرة، ويحرص على راحته فيها، ويهتم بها، ولكن هل ينفق ماله كله على تجديد فرشها، ونقش جدرانها، حتى لا يبقى معه شيء فيصل إلى اميركا مفلسا خالي الوفاض؟ أم يقول: ان مدة بقائي في هذه الغرفة اسبوعا، فأنا أرضى فيه بما تيسر، وأمشّي فيه الحال وأدخر المال لاعداد الدار التي سأسكنها في اميركا. لأن فيها المقام؟ أتعرفون ما مثال الدنيا والاخرة؟ أعلنت اميركا مرة عن تجربة ذرية تجريها في جزيرة صغيرة من جزر البحر الهادي، وكان ذلك من خمس عشرة سنة (أو نحوها)، وكان في الجزيرة بضع مئات من السكان من صيادي الأسماك، فطلبت اليهم اخلاء مساكنهم،

стр. 19

على أن تعوضهم عنها وعما فيها، ببيوت مفورشة، في أي بلد يريدون من البلدان، على أن يعلنوا استعدادهم لاخلائها، واحصاءهم لما فيها، قبل موعد كذا (وحددت لهم موعدا) ثم تأتي الطيارات فتحملهم من الجزيرة. فمنهم من أعلن الاستعداد للاخلاء، وقدم الاحصاء قبل الموعد، ومنهم من أهمل وأجل حتى قرب الموعد، ومنهم من قال: هذا كله كذب. ما في الوجود مكان اسمه اميركا. وما الدنيا الا هذه الجزيرة. ولسنا نتركها، ولا نرضى أن نفارقها، ونسي أن الجزيرة ستنسف كلها فتكون أثرا بعد أن كانت عيناً. هذا مثل الدنيا، والاول مثل المؤمن الذي يفكر في آخرته، ويستعد بالتوبة والطاعة دائما للقاء ربه، والثاني مثل المؤمن المقصر العاصي، والثالث مثل المادي الكافر، الذي يقول: انما هي حياتنا الدنيا، لا حياة بعدها، وان الموت نوم طويل، وراحة دائمة، وفناء محقق .. وليس معنى هذا ان الاسلام من المسلم، أن يزهد في الدنيا مرة واحدة، وينفض أصابعه منها، ولا أن يسكن المساجد فلا يخرج منها، ولا أن يأوي إلى مغارة يمضي حياته فيها، لا .. بل ان الاسلام يطلب من المسلمين أن يكونوا في الحضارة الخيرة سادة المتحضرين، وفي المال أغنى الاغنياء، وفي العلم - العلم كله - أعلم العلماء، وأن يعرف كل مسلم حق جسده عليه بالغذاء والرياضة، وحق نفسه بالتسلية والاجمام والمتعة بغير الحرام. وحق أهله بالرعاية وحسن الصحبة، وحق ولده بالتربية والتوجيه والعطف، وحق المجتمع بالعمل على كل ما يصلحه، كما يعرف حق الله بالتوحيد وبالطاعة. يجمع المال ولكن من الحلال، ويستمتع بالطيبات المباحة، ويكون في الدنيا على أحسن ما يكون عليه أهلها، بشرط أن يبقى صحيح التوحيد، لا يداخل ايمانه شرك ظاهر أو خفي، صحيح الاسلام، يدع المحرمات، ويأتي الفرائض، وأن يكون المال في يده لا في قلبه، لا يكون اعتماده عليه، بل يكون اعتماده على ربه، وأن يكون رضا الله هو مقصده ومبتغاه.

стр. 20

دين الإسلام قلت مرة لتلاميذي: "لو جاءكم رجل أجنبي، فقال لكم: ان لديه ساعة من الزمن، يريد أن يفهم فيها ما الاسلام، فكيف تفهمونه الاسلام في ساعة". قالوا: "هذا مستحيل، ولا بد له أن يدرس الوحيد والتوجيد، والتفسير والحديث والفقه والأصول، ويدخل في مشاكل ومسائل، لا يخرج منها في خمس سنين". قلت: "سبحان الله أما كان الاعرابي يقدم على رسول الله ﷺ ، فيلبث عنده يوماً أو بعض يوم، فيعرف الاسلام ويحمله إلى قومه، فيكون لهم مرشداً ومعلماً، ويكون للاسلام داعياً ومبلغاً؟ وأبلغ من هذا، أما شرح الرسول الدين كله (في حديث سؤال جبريل) بثلاث جمل، تكلم فيها عن: الايمان والاسلام، والاحسان؟ فلماذا لا نشرحه اليوم في ساعة؟ .. ". فما الاسلام؟ وكيف يكون الدخول فيه ؟ كل نحلة من النحل الصحيحة والباطلة، وكل جمعية من الجمعيات النافعة والضارة، وكل حزب من الاحزاب الخيرة والشريرة، لكل ذلك (مبادئ) وأسس فكرية، ومسائل عقائدية (١)، تحدد غايته وتوجه سيره، وتكون كالدستور لأعضائه وأتباعه.

стр. 21

ومن أراد أن ينتسب إلى واحد منها، نظر أولا إلى هذه (المبادئ)، فان ارتضاها واعتقد صحتها، وقبل بها بفكره الواعي وبعقله الباطن، ولم يبق عنده شك فيها، طلب (الانتساب) إلى الجمعية. فانتظم في سلك أعضائها ومتبعيها، ووجب عليه أن يقوم بالأعمال التي يلزمه بها دستورها، ويدفع رسم الاشتراك الذي يحدده نظامها، وكان عليه (بعد ذلك) أن يدل بسلوكه على اخلاصه لمبادئها، فيتذكر هذه المبادئ دائماً، فلا يأتي من الأعمال ما يخالفها، بل يكون باخلاقه وسلوكه، مثالا حسنا عليها، وداعية فعليا لها. فالعضوية في الجمعية هي: (علم) بنظامها، و (اعتقاد) بمبادئها، و (اطاعة) لأحكامها، و (سلوك) في الحياة موافق لها. هذا وضع عام، ينطبق على الاسلام. فمن أراد أن يدخل في دين الاسلام عليه (أولا) أن يقبل أسسه العقلية، وأن يصدق بها تصديقا جازما، حتى تكون له (عقيدة). وهذه الأسس تتلخص في أن يعتقد ان هذا العالم المادي ليس كل شيء، وان هذه الحياة الدنيا ليست هي كالحياة كلها. فالانسان كان موجوداً قبل أن يولد، وسيظل موجوداً بعد أن يموت، وانه لم يوجد نفسه، بل وجد قبل أن يعرف نفسه، ولم توجده هذه الجمادات من حوله، لأنه عاقل ولا عقل لها، بل أوجده وأوجد هذه العوالم كلها من العدم إله واحد، هو وحده الذي يحيي ويميت، وهو الذي خلق كل شيء، وان شاء أفناه، وذهب به، وهذا الإله لا يشبه شيئا مما في العوالم، قديم لا أول له، باق لا آخر له، قادر لا حدود لقدرته، عالم لا يخفى شيء عن علمه، عادل ولكن لا تقاس عدالته المطلقة بمقاييس العدالة البشرية، هو الذي وضع نواميس الكون التي نسميها (قوانين الطبيعة)، وجعل كل شيء فيها بمقدار، وحدد من الأزل جزئياته وأنواعه، وما يطرأ عليه (على الاحياء وعلى الجمادات) من حركة وسكون، وثبات وتحول، وفعل وترك. ومنح الانسان عقلا يحكم به على كثير من الأمور، التي جعلها خاضعة لتصرفه. وأعطاه عقلا يختار به ما يريد، وارادة يحقق بها ما يختار. وجعل بعد هذه الحياة المؤقتة حياة دائمة في الآخرة،

стр. 22

فيها يكافأ المحسن في الجنة، ويعاقب المسيء في جهنم. وهذا الإله واحد احد، لا شريك له يعبد معه، ولا وسيط يقرب اليه ويشفع عنده بلا اذنه، فالعبادة له وحده خالصة، بكل مظاهرها. له مخلوقات مادية ظاهرة لنا، تدرك بالحواس، ومخلوقات مغيبة عنا، بعضها جماد وبعضها حي مكلف، ومن الاحياء ما هو خالص للخير المحض، (وهم الملائكة)، ومنها ما هو مخصوص بالشر المحض (وهم الشياطين) (١)، وما هو مختلط، منه الخير والشرير، والصالح والطالح (وهم الجن). وانه يختار ناساً من البشر، ينزل عليهم الملك بالشرع الالهي ليبلغوه البشر، وهؤلاء هم الرسل. وان هذه الشرائع تتضمنها كتب وصحائف أنزلت من السماء، ينسخ المتأخر منها ما تقدمه أو يعدله. وان آخر هذه الكتب هو القرآن، وقد حرفت الكتب والصحف قبله، أو ضاعت ونسيت، وبقي هو سالما من التحريف والضياع، وان آخر هؤلاء الرسل والأنبياء هو محمد بن عبد الله العربي القرشي، ختمت به الرسالات، وبدينه الاديان، فلا نبي بعده. فالقرآن هو دستور الاسلام، فمن صدق بأنه من عند الله، وآمن به جملة وتفصيلا، سمي (مؤمنا). والايمان بهذا المعنى، لا يطلع عليه الا الله، لأن البشر لا يشقون قلوب الناس ولا يعلمون ما فيها، لذلك وجب عليه ليعدّه المسلمون واحداً منهم، ان يعلن هذا الايمان بالنطق بلسانه بالشهادتين. وهما: "أشهد ان الا إله إلا الله، وأشهد ان محمدا رسول الله". فاذا نطق بهما صار مسلما، أي: (مواطنا) أصيلا في دولة الاسلام، وتمتع بجميع الحقوق التي يتمتع بها المسلم، وقبل بالقيام بجميع الأعمال التي يكلفه بها الاسلام.

стр. 23

وهذه الأعمال (أي العبادات) قليلة، سهلة، ليس فيها مشقة بليغة، وليس فيها حرج. أولها: أن يركع في الصباح ركعتين يناجي فيهما ربه، يسأله من خيره، ويعوذ به من عقابه، وأن يتوضأ قبلهما أي يغسل أطرافه، أو يغسل جسده كله (ان كانت به جنابة). وأن يركع وفي وسطه أربعا، ثم رابعا، وأن يركع بعد غياب الشمس ثلاثاً، وفي أول الليل أربعاً (١). هذه هي الصلوات المفروضة، لا يستغرق اداؤها كلها نصف ساعة في اليوم، لا يشترط لها مكان لا تؤدى إلا فيه، ولا شخص معين (أي رجل دين) لا تصح الا معه، ولا واسطة فيها (ولا في العبادات كلها) بين المسلم وربه. الثاني: ان في السنة شهرا معينا، يقدم فيه المسلم فطوره، فيجعله في آخر الليل بدلا من أن يكون في أول النهار، ويؤخر غداءه إلى ما بعد غروب الشمس، ويمتنع في النهار عن الطعام والشراب ومعاشرة النساء، فيكون من ذلك شهر صفاء لنفسه، وراحة لمعدته، وتهذيب لخُلقه، وصحة لجسده، ويكون هذا الشهر مظهرا من مظاهر الاجتماع على الخير، والتساوي في العيش. الثالث: انه اذا فضل عن نفقات نفسه، ونفقات عياله، مقدار من المال محدود، بقي سنة كاملة لا يحتاج اليه، لأنه في غنى عنه، كلف أن يخرج منه بعد انقضاء السنة، مبلغ (٢,٥) في المئة، للفقراء والمحتاجين، لا يحس هو بثقلها، ويكون منها عون بالغ للمحتاج، وركن وطيد للتضامن الاجتماعي، وشفاء من داء الفقر، الذي هو من شر الادواء. الرابع: ان الاسلام رتب للمجتمع الاسلامي، اجتماعات دورية. اجتماع بمثابة مجالس الحارات، يعقد خمس مرات في اليوم، مثل

стр. 24

حصص المدرسة، هو صلاة الجماعة، يوثق كل عضو في عبوديته لله بالقيام بين يديه، ويكون من ثماره أن يعين الاقوياء الضعيف، ويعلّم العلماء الجاهل، ويسعف الأغنياء الفقير. ومدة انعقاده ربع ساعة، فلا يعطل عاملا عن عمله، ولا تاجراً عن تجارته، واذا تم الاجتماع وتخلف عنه مسلم فصلى في بيته، لم يعاقب على تخلفه ولكن فاته ثواب حضوره. واجتماع لمجالس الاحياء. يعقد مرة في الاسبوع، هو (صلاة الجمعة)، ومدة انعقاده أقل من ساعة وحضوره واجب على الرجال. واجتماع كمجالس المدينة، يعقد مرتين في السنة، وهو (صلاة العيد) وحضوره ليس على سبيل الالزام ومدة انعقاده أقل من ساعة، واجتماع، هو كالمؤتمر الشعبي العام، يعقد كل سنة في مكان معين، هو في الحقيقة دروة توجيهية ورياضية وفكرية، يكلف المسلم بأن يحضره مرة واحدة في العمر، اذا قدر على حضوره، وهو (الحج). هذه هي (العبادات) الأصلية التي يكلف بها. ومن العبادات أن يمتنع عن أفعال معينة، أفعال يجمع عقلاء الدنيا على أنها شر، وان الواجب الامتناع عنها، كالقتل بلا حقٍ، والتعدي على الناس، والظلم بأنواعه، والمسكر الذي يغيب العقل، والزنا الذي يذهب الاعراض، ويخلط الانساب، والربا والكذب والغش والغدر، والفرار من الخدمة العسكرية التي يراد منها اعلاء كلمة الله، ومنها (بل من أشدها) عقوق الوالدين، والحلف كاذباً، وشهادة الزور. وأمثال ذلك من الأعمال القبيحة الشريرة، التي تجتمع العقول على ادراك قبحها وشرها. واذا قصر المسلم في القيام ببعض الواجبات، او ارتكب بعض الممنوعات، ثم رجع (وتاب) وطلب العفو من الله، فان الله يعفو عنه، وان لم يتب فإنه يبقى مسلما معدودا في المسلمين، ولكنه يكون (عاصيا) يستحق العقاب في الآخرة، ولكن عقابه مؤقت، لا يدوم دوام عقاب الكافر.

стр. 25

أما إذا أنكر بعض المبادئ، أي العقائد الأصلية، أو شكَّ فيها، أو جحد واجبا مجمعاً على وجوبه، أو حراما مجمعا على حرمته، أو أنكر ولو كلمة واحدة من القرآن، فإنه يخرج من الدين، ويعتبر مرتداً تنزع عنه الجنسية الاسلامية والردة أكبر جريمة في الاسلام، فهي كالخيانة العظمى في القوانين الحديثة، جزاؤها (ان لم يرجع عنها، ويتنصل منها) الموت. قد يترك المسلم بعض الواجبات، أو يأتي بعض الممنوعات، وهو معترف بالوجوب والحرمة، فيبقى مسلما ولكنه يكون (عاصياً) اما الايمان فلا يتجزأ، فلو آمن مثلا بتسع وتسعين عقيدة، وكفر بواحدة فقط، كان كافراً. وقد يكون المسلم غير مؤمن، كمن انتسب إلى حزب أو جمعية، وحضر اجتماعاتها، ودفع اشتراكاتها، وقام بواجب العضو فيها، ولكنه لم يقبل بمبادئها، ولم يقتنع بصحتها، بل دخل فيها للتجسس عليها، أو افساد أمرها. وهذا هو (المنافق) الذي ينطق (١) بالشهادتين، ويؤدي العبادات ظاهرا، ولكنه غير مؤمن بالحقيقة ولا ناج عند الله، وان كان عند الناس معتبرا من المسلمين، لأن الناس لهم الظواهر, والله وحده مطلع على السرائر والقلوب. فاذا آمن الناس بالأسس الفكرية للاسلام، وهي التصديق المطلق بالله، وتنزيهه عن الشريك والوسيط، وبالملائكة، وبالرسل، وبالكتب، وبالحياة الاخرى، وبالقدر، ونطق بالشهادتين، وصلى الفرائض، وصام رمضان، وأدى زكاة ماله، ان وجبت عليه الزكاة، وحج مرة في العمر ان استطاع، وامتنع عن المحرمات المجمع على حرمتها، فهو مسلم مؤمن، ولكن ثمرة الإيمان لا تظهر منه، ولا يحس بحلاوته، ولا يكون مسلما كاملا، حتى يسلك في حياته مسلك المسلم المؤمن. وقد لخص رسول الله ﷺ ، منهاج

стр. 26

هذا السلوك، بجملة واحدة، كلمة من جوامع الكلم، ومن أبلغ ما نطق به بشر. كلمة تجمع الخير كله، خير الدنيا، وما في عقبه من خير الآخرة. هي: أن يتذكر المسلم في قيامه وقعوده، وخلوته وجلوته، وجده وهزله، وفي حالاته كلها، ان الله مطلع عليه، وناظر اليه، فلا يعصيه وهو يذكر أنه يراه، ولا يخاف أو ييأس وهو يعلم أنه معه، ولا يشعر بالوحشة وهو يناجيه، لا يحس بالحاجة إلى أحد، وهو يطلب منه ويدعوه، فان عصى - ومن طبيعته انه يعصي - رجع وتاب، فتاب الله عليه. كل ذلك من قوله ﷺ ، في تعريف (الاحسان): "أن تعبد الله كأنك تراه، فان لم تكن تراه فإنه يراك". هذا هو دين الاسلام بالقول المجمل، وتفصيله يأتي: (العقيدة) في هذا الجزء. و (الاسلام) و (الاحسان) في الأجزاء التالية ان شاء الله.

стр. 27

تعريفات العلم الضروري والعلم النظري لا بد لي في هذا الفصل الذي أعرّف فيه (العقيدة) من أن أعرض إلى توضيح بعض المصطلحات التي يكثر دوراها على ألسنة العلماء، وورودها في كتب العقائد، وهي: (الشك)، و (الظن)، و (العلم)، لأصل منها إلى تعريف (العقيدة). (ديكارت) في منهجه المشهور، ومن قبله (الغزالي) في (المنقذ من الضلال)، بدأً بالشك ليصلا منه إلى اليقيقن، شك ديكارت، ليتخذ من الشك سبيلا للتحقق، فما هو الشك؟ اذا كنت في مكة مثلا، وسألك سائل: هل في الطائف الآن مطر؟ لا تستطيع أن تقول: (نعم)، ولا تستطيع أن تقول: (لا). لأن من الممكن أن يكون في الطائف في تلك الساعة مطر، ومن الممكن أن يكون الجو فيها صحوا لا مطر فيه، إمكان وجود المطر خمسون في المئة مثلا، وإمكان عدمه خمسون، تساوى الطرفان فلا دليل يرجح الوجود، ولا دليل يرجح العدم. وهذا هو الشك. فان نظرت فأبصرت في جهة الشرق، (والطائف شرقي مكة) غيوما تلوح على حواشي الافق من بعيد، رجح عندك رجحانا خفيفا ان في الطائف مطرا. وهذا الرجحان الخفيف لإمكان الوجود، هو ما يسمونه (الظن)، فأنت تقول: اظن ان في الطائف الآن مطرا، فالظن ستون في المئة مثلا (نعم)، وأربعون (لا).

стр. 28

فإن رأيت الغمام قد ازداد وتراكم، واسود وتراكب، وخرج البرق يلمع من خلاله، وازداد ظنك بنزول المطر في الطائف، فصار (نعم) سبعون أو خمس وسبعون في المئة، وكان هذا ما يسميه علماؤنا بـ (غلبة الظن)، فأنت تقول لسائلك: يغلب على ظني ان في الطائف الآن مطرا. فإن أنت ذهبت إلى الطائف، فرأيت المطر بعينك، وأحسست به على وجهك أيقنت بنزوله، وعلماؤنا يسمون هذا اليقين (علما). فصار لكلمة (العلم) معان: (العلم) المطلق الذي يقابل الجهل، (والعلم) الذي يقابل الفن والفلسفة. فالكيمياء علم، والفيزياء علم. أما الرسم فهو فن، والشعر فن. والعلم بهذا المعنى هو الذي تكون غايته الحقيقة، وأداته العقل، ووسيلته المحاكمة، والتجربة، والاستقراء. والفن هو الذي تكون غايته الجمال، وأداته الشعور، ووسيلته الذوق. (والعلم) الذي يجيء بمعنى اليقين، ويقابل الشك والظن، هو الذي نقصده في هذا البحث (١). العلم الضروري والعلم النظري: العلم الذي يحصل بالحس والمشاهدة، لا يحتاج إلى دليل. الجبل الذي تراه أمامك لا تحتاج إلى إقامة الدليل على وجوده، انك تعلم - ضرورة - بأنه موجود، وكل من يراه (من العقلاء) يعلم أنه موجود. وهذا ما يسمى (العلم الضروري)، أما العلم بأن مربع الوتر (في المثلث القائم الزاوية) يساوي مجموع مربعي الضلعين القائمين، فيحتاج إلى دليل عقلي، فالعالم أو طالب العلم الذي يصل إلى الدليل، يعلم هذه الحقيقة، أما العامي الجاهل فلا يعلمها،

стр. 29

ولا يصدق بها، ما دام لم يطلع على هذا الدليل، ولو رأى المثلث أمامه، ولو أقيم على كل ضلع منه، مربع له. وهذا ما يسمى به (العلم النظري)، وهو الذي لا يحصل الا بالدليل العقلي. تعريفات البديهية والعقيدة ومن العلم النظري، ما يحتاج في الاصل إلى دليل، ولا يدرك بمجرد الحس والمشاهدة، ولكنه يعم ويشتهر، حتى يدركه العالم والجاهل، والكبير والصغير، وحتى يصير أقرب إلى (العلم الضروري). مثاله: العلم بأن (الجزء أصغر من الكل)، الرغيف الناقص أصغر من الرغيف الكامل، هذه حقيقة هي في الاصل من العلم النظري الذي يحتاج إلى دليل، ولكنك لا تجد من يشك فيها، ويطلب الدليل عليها، فالطفل اذا أخذت منه كف (الشكلاطة) الكامل، وأعطيته كفا ناقصا لا يقبله، واذا حاولت اقناعه بأن هذا أكبر لم يقنع، لأن كون (الجزء أصغر من الكل) بديهية. و (مقولة الهُوية) - أي كون الشيء هو نَفْسُه - بديهية، ولو قال لك قائل: "اثبت لي ان هذا القلم الذي تحمله بيدك ليس ملعقة شاي". تقول له: "هذه بديهية، لا تحتاج إلى اثبات لأن القلم قلم .. ". فالبديهيات (١) هي الحقائق العقلية التي يقبلها الناس جميعا، ولا يطلب أحد عليها دليلا، فاذا دخلت البديهية العقل الباطن، واستقرت فيه، وأثرت في الحدس والشعور، ووجهت الانسان في تفكيره (عقله الواعي)، وفي أعماله، سميت: (عقيدة)، وسمي الاعتقاد بها: (ايمانا). ولكنا نعرف ان الانسان يعتقد الحق أحيانا، ويعتقد الباطل حينا، ونشاهد في هذه الأيام، من اتباع المذاهب المنحرفة، و (المبادئ) الباطلة، من

стр. 30

امتزج بها قلبا وقالبا، وتمسك بها ظاهرا وباطنا، وبذل ماله ونفسه في نصرتها وحمايتها، فهل نسمي هؤلاء (مؤمنين)؟ أما اطلاقا فلا، ولكن يمكن أن نطلق عليهم اسم الايمان مضافا إلى الباطل الذي يؤمنون به، على نحو قوله تعالى: ?ألم تر إلى الذين اوتوا نصيباً من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت?؟. ويمكن اطلاق اسم الايمان مقيدا بالوصف، نحو قوله تعالى: ?وما يؤمن أكثرهم بالله الا وهم مشركون?. أما (الايمان) بالمعنى الخاص، الذي لا ينصرف اذا اطلق الا إليه، ولا يدل الا عليه، المعنى الذي يراد كلما ورد ذكر الايمان ومشتقاته، في الكتاب والسنّة، وعلى ألسنة العلماء. فهو: الاعتقاد بالله ربا واحدا. - ... ... ومالكا مختارا متصرفا. - ... ... وإلها مفردا بالعبادة، لا يشرك معه غيره في كل ما هو من جنس العبادة. - ... ... والاعتقاد بكل ما أوحي به إلى نبيه، من: خبر الملائكة، والرسل، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره. وصاحب هذا الاعتقاد هو (المؤمن)، فان نقص (١) شيئا منه، او ردّه، أو تردد في تصديقه، أو شك فيه، فَقَدَ صفةَ الايمان، ولم يعدْ يعدُّ مع المؤمنين.

стр. 31

قواعد العقائد (١) القاعدة الأولى: ما أدركه بحواسي لا أشك في انه موجود. هذه بديهية عقلية مسلّمة، ولكن المشاهد اني أمشي في الصحراء ساعة الظهيرة، فأرى بركة ماء، تلوح ظاهرة للعين، فاذا جئتها لم أجد الا التراب لأن الذي رأيته سراب. وأضع القلم المستقيم في كأس الماء، فأراه منكسرا، وهم لم ينكسر. ويكون المرء في سهرة، الحديث فيها عن الجن والعفاريت، ثم يذهب إلى داره،

стр. 32

فإن كان الطريق خاليا مظلما، وكان مخلوع القلب، واسع الخيال، رأى أمامه جنيا أو عفريتاً، فشاهده وأحس بوجوده، وما ثمة شيء مما رأى، والسحرة والمشعوذون يعرضون غرائب تراها ولا حقيقة لها. فالحواس إذن تخطئ، وتخدع، وتتوهم، او يتوهم صاحبها. فهل أشك لهذا في وجود ما أحس به؟ لا، لأني ان شككت فيما أرى وأسمع وأحس، تداخلت لديّ الحقائق والخيالات. وصرت أنا والمجنون سواء. ولكن أضيف شرطا آخر لحصول العلم (أي اليقين) بوجود ما أحسه - هو الا يحكم العقل بالتجربة السابقة ان الذي أحس به وهم او خداع حواس، والعقل يخدع أول مرة، فيحسب السراب ماء، فاذا رآه مرة اخرى أدرك أنه سراب. والعقل يحكم بعد أن رأى القلم منكسرا أول مرة، أنه لا يزال مستقيما كما كان، وان بدا للعين منكسرا، والأمور التي تخطئ فيها الحواس أو تخدع، أمور محدودة معدودة معروفة، لا تبطل القاعدة ولا تؤثر فيها، ومنها عمل سحرة فرعون، وما يعمله سحرة (السيرك) في هذه الأيام. قواعد العقائد القاعدة الثانية هناك أشياء ما شاهدناها ولا أحسسنا بها، ولكنا نوقن بوجودها كما نوقن بوجود ما نشاهده ونحس به، نوقن بوجود الهند والبرازيل، ولم نزرهما ولم نرهما، ونوقن بأن (الاسكندر المقدوني) فتح بلاد فارس، (والوليد بن عبد الملك) بنى الجامع الأموي، ولم نحضر حروب الاسكندر، ولا شهدنا بناء الجامع الأموي. ولو نظر كل واحد منا في نفسه لرأى ان ما يوقن بوجوده من الأشياء التي لم يرها، أكثر من (الأشياء) التي رآها من الممالك والبلدان، ومن حوادث التاريخ الذي كان، ومما يقع الآن. فكيف أيقن بوجود هذه الأشياء وهو لم يدركها بحواسه؟ أيقن به حين نقله جماعات عن جماعات، لا يتصور امكان اتفاقهم (في

стр. 33

العادة) على اختراع هذه الاخبار، ونقلها كذبا. فالقاعدة الثانية: ان اليقين كما يحصل بالحس والمشاهدة، يحصل بالخبر الذي نعتقد صدق صاحبه. قواعد العقائد القاعدة الثالثة - ما مدى العلم الذي تبلغه الحواس؟ ما مدى العلم الذي تبلغه الحواس؟ وهل تستطيع أن تصل إلى ادراك كل موجود؟ ان مثل النفس والحواس مع الموجودات، كمثل رجل سجنه الحاكم في برج القلعة، وسد عليه الأبواب والنوافذ، ولم يترك له الا شقوقا في جدار البرج، شقا يطل منه على النهر الذي يجري في الشرق، وشقا على الجبل الذي يقوم في الغرب، وشقا على القصر الذي يجثم في الشمال، وشقا على الملعب الذي يقع في الجنوب. السجين هو النفس، والقلعة الجسد، وهذه الشقوق هي الحواس، حس النظر يشرف منه على عالم الألوان، وحس السمع على عالم الأصوات، وحس الذوق على عالم الطعوم، وحس الشم على عالم الروائح، وحس اللمس على عالم الأجسام. ١ - والسؤال الآن: هل أدرك بكل حاسة من هذه الحواس كل ما في العالم الذي تشرف عليه؟ السجين عندما ينظر من شق النهر، لا يرى النهر كله، ولكن جزءاً منه، وكذلك العين حين تشرف على عالم الألوان، لا تراه كله بل ترى بعضه. أنا لا أرى نملة تمشي على بعد ثلاثة أميال، مع أن النملة موجودة، ولا أرى الجراثيم والحوينات (١) في كأس الماء الصافي، مع ان في الكأس الملايين من هذه الجراثيم. ولا أرى الكهارب التي تدور وسط الذرة، دوران

стр. 34

الكواكب في فضاء الأفلاك. وان لهذه النملة صوتا، ولكني لا أسمعه، لأن أذني تلتقط الهزات من خمس إلى عشرين الفا، فما نقص لا تسمعه، وما زاد ثقب طبلة الاذن فبطل بذلك السمع. وأنا لا أشم للسكر رائحة، مع أن النملة والذباب يشمه ويسرع اليه. فالحواس اذن لا تدرك من العوالم التي سلطت عليها الا جزءا منها. ٢ - ثم الا يمكن أن يكون بين عالم الألوان الذي تشرف عليه العين. وعالم الاصوات الذي تطل عليه الاذن عالم آخر، لا أدركه أصلا لأنه ليس عندي الحاسة لادراكه؟ الا يمكن أن يكون بين النهر وبين الجبل بالنسبة لسجين البرج بستان عظيم، لم يره ولم يعلم به، لأنه لا يجد شقا يطل منه عليه؟ فهل يحق له أن ينكره لأنه لا يراه؟ الاكمه (الذي ولد أعمى)، قد يستطيع بالسماع معرفة أن البحر أزرق، والمرج أخضر، ولكنه لا يستطيع أن يدرك ما هي الزرقة وما هي الخضرة، والأصم، قد يعرف بالتعلم ان في الانغام: البيات، والرصد، والسيكا. ولكنه لا يستطيع أن يدرك حقيقة النغم، فهل يحق للأعمى أن ينكر وجود الخضرة، وللأصم أن يجحد حقيقة النغم لأنه لا يدركها؟ ان الغرفة التي تبدو لك ساكنة سكونا عميقا، فيها - في جوّها - جميع الاغاني والاصوات التي تذاع الان، من جميع الاذاعات. أنت لا تحس بها لأنها ليست لوناً تراه بعينك، ولا صوتا تسمعه باذنك. انها اهتزازات من نوع آخر، فيها صوت ولكن لا تدركه الاذن، فاذا جئت بالرّاد (١) الذي يردّها عليك، سمعتها. الضغظ الجوي لا تحس باختلافه القليل، لأنه ليس لديك حاسة تدركه بها، فاذا جئت بـ (البارومتر) أدركته به. الهزات الخفيفة لا تدركها، ولكن (الرادار) يدركها.

стр. 35

ففي الوجود أشياء كثيرة لا تدخل في نطاق الحواس، لأنها ليست لونا يرى، ولا صوتا يسمع، ولا جمادا يلمس، ولا رائحة تشم، ولا طعما يذاق، فهل يحق لي ان أنكرها، لأن حواسي المحدودة لا تدركها؟ ٣ - والحواس هل هي كاملة؟ كان الاقدمون يحصرونها في خمس حواس فقط، لا يتصورون امكان الزيادة عليها. ولكن كشفت في الانسان الان حواس اخرى أودعها الله فيه وما يقبل الزيادة يوصف بالنقصان. أنا أغمض عيني، وأبسط يدي أو أقبضها، فأحس بأنها مبسوطة أو مقبوضة لم ألمسها ولم أرها، فبأي حاسة أحسست بها؟ بما يسمى (الحسّ العضلي). وأحس بالتعب والوني، وبالغثيان، وبالانبساط أو الانقباض، وما أحسست بذلك بواحدة من الحواس الخمس، بل (بالحس الداخلي). وأمشي فلا أميل، مع أن الطفل أول مشيه يميل، وراكب الدراجة، ولاعبو (السرك)، الذي يأتون بالعجائب، بأي حاسة ضبطو توازنهم؟ ان هناك حاسة ثامنة هي (حاسة التوازن)، وأذكر أنهم كشفوا موضعها، الذي وضعها الله فيه، في الاذن الداخلية مادة سائلة قليلة، بها يكون التوازن، وأذكر أنهم (في تجاربهم) استخرجوها من أرنب، فصارت تمشي الارنب مترنحة كأنها سكرى. فالقاعدة الثالثة: هي أنه لا يحق لنا أن ننكر وجود أشياء لمجرد أننا لا ندركها بحواسنا. قواعد العقائد القاعدة الرابعة - الخيال قلنا ان الحواس محدودة المدى، فأنا لا أستطيع أن أرى ببصري كل مرئي، وهذا صحيح ولكن الله أعطانا (ملكة) نتم بها نقص الحواس، هي الخيال. أنا ان لم أستطع أن أرى داري في دمشق، وأنا في مكة، أستطيع أن أتخيلها فكأنني أراها، فالخيال يكمل الحواس. فهل للخيال حدود، أم أنه مطلق غير محدود؟ هل أستطيع أن أتخيل شيئا لم أدركه بالحواس؟

стр. 36

الخيال عند علماء النفس خيالان: خيال مرجع، كتخيلي الدار في دمشق، وأنا في مكة، وخيال مبدع، هو خيال الشعراء والقصاصين والرسامين، وسائر أهل الفنون. فانظروا إلى خيالات هؤلاء الفنانين، هل جاؤوا بشيء غير ما في الواقع؟ الذي نحت تمثال (فينوس) جاء بصورة لم نر من يماثلها تماماً، ولكن هل كانت جديدة، أم أخذ أجزاء من الواقع، فألف بينها؟ أخذ أجمل انف رآه، وأجمل فم، وأجمل جسم، فجمع هذا إلى ذاك، فجاء بجديد، ولكن هذا الجديد مؤلف من أجزاء قديمة. وتمثال الثور المجنح الأشوري في متحف باريس، ما فيه الا ان ناحِتَهُ أخذ رأس رجل فوضعه على جسد ثور، ووضع له أجنحة طائر. صورة جديدة ولكنها مؤلفة من أجزاء قديمة. وكذلك الحيوان العجيب الذي تخيله القزويني، وخيالات الشعراء مهما أوغلت في باب الاستعارة والتشبيه والكناية - والمبالغات العجيبة، لا تخرج عن كونها جمعا بين أجزاء متفرقة في الواقع. بل اننا اذا أوغَلْنا في الاغراب في جمع هذه الاجزاء، نجد الخيال نفسه قد عجز عن الالمام بهذا الجمع، خذوا - مثلا - جزءاً من عالم اللون، وجزءا من عالم الصوت: فقولوا ان فلانا المغني قد غنى نغمة معطرة بعطر الورد، او أن العطر الفلاني له رائحة لونها أحمر، واعرضوا هذه الصورة على خيالكم، تجدوا أنكم لم تستطيعوا أن تتخيلوها، مع أنها جميعا ما خرجت عن عالم الواقع. فنحن لا نستطيع أن نتخيل نغمة عطرة، ولا رائحة حمراء، ولا نتصور الا الابعاد الثلاثة (الطول والعرض والارتفاع)، لا نستطيع أن نتصور بعداً رابعاً (١) ولا دائرة ليس لها محيط، ولا مثلثا ليس له زوايا. فكيف (اذن) نتخيل الآخرة وما فيها، وهي عالم يختلف عن عالمنا؟ ان الآخرة بالنسبة لهذه الدنيا، كالدنيا بالنسبة لبطن الجنين، لو أمكن أن نتصل بالجنين ونسأله وأمكن

стр. 37

أن يجيب، وقلنا له: ما الكون؟ لقال، ان الكون هو هذه الأغشية التي تغشاني، وهذه الظلمات التي تحيط بي. ولو قلنا له: ان هاهنا كونا آخر فيه شمس وقمر، وليل ونهار، وبر وبحر، وسهل وجبل، وصحاري قاحلة، وجنات عارشات. لما فهم معنى هذا الكلام ولو فهمه لما استطاع تخّيل حقيقته. ومن هنا قال ابن عباس: "ما في الدنيا مما في الآخرة الا الاسماء". فلا خمر الآخرة كخمرة الدنيا، ولا حورها كنسائها، ولا نار جهنم كنارها، ولا الصراط الممدود على جهنم كالجسور الممدودة على الأودية والأنهار. فالقاعدة الرابعة، ان الخيال البشري لا يستطيع أن يُلمّ الا بما أدركته الحواس. قواعد العقائد القاعدة الخامسة لما أبصرت العين العود المستقيم أعوج، وهو في كأس الماء، لم ينخدع العقل بما رأت العين، بل عرف أنه لم يزل مستقيما، ولما رأت التراب ماء في الصحراء، عرف العقل أنه سراب، وأنه ليس ماء ولكنه تراب. ولما أبصرنا ساحر (السيرك) يخرج من فمه مئة منديل، ومن كمّه عشرين ارنباً أدرك العقل أنها خدعة. فالعقل أصح حكما، وحكمه أبعد مدى، ولكن هل يحكم على كل شيء ويمتد مداه إلى غير ما نهاية؟ ان العقل لا يستطيع أن يدرك شيئاً، حتى يحصره بين اثنين: الزمان والمكان، فما لم ينحصر بينهما، لم يدركه العقل بنفسه. فلو قال لك مدرس التاريخ؛ ان حربا وقعت بين العرب والفرس، ولكنها لم تقع قبل الاسلام ولا بعده، ولم تقع في زمن من الازمان، ولكنها وقعت فعلا، لم تدرك ذلك ولم تصدقه، ولم تقبله. ولو قال لك مدرس الجغرافية؛ ان بلدة ليست في سهل ولا جبل، ولا في بر ولا بحر، ولا في أرض ولا سماء، ولا في مكان من الأمكنة، ولكنها موجودة - لم تدرك ذلك، ولم تصدقه، ولم تقبله. فالعقل لا يحكم الا في حدود الزمان والمكان. فما كان خارجا عنهما من مسائل الروح، وأمور القدر، وآلاء الله وصفاته، فلا حكم للعقل عليه.

стр. 38

ثم إن العقل محدود، لا يحكم على غير المحدود، ولا يستطيع أن يحيط به. تصور خلود المؤمنين في الجنة! ان عقل المؤمن موقن بأنه حقيقة وقد جاءه هذا اليقين من الخبر الصادق. ولكن انظر هل يحيط عقلك بالخلود؟ ركز فكرك فيه، تجد انك تتصور بقاءهم في الجنة قرنا وقرنين، ومئة قرن، ومليون والف مليون، ثم تجد عقلك يقف عاجزا، ويسألك وبعد؟ إنه يريد أن يضع لذلك نهاية. انه لا يدرك الـ (لا نهاية)، واذا افترض الوصول اليها وقع في التناقض الذي يقول ببطلانه. ان للفيلسوف الالماني (كانْت) كتابا مشهورا، في اثبات ان العقل لا يستطيع أن يحكم الا على عالم المادة وحده. ولكن ما قال به (كانْت) قاله علماؤنا من قبل وردّدوه وأثبتوه حتى صار كالبديهية المسلّمة، وصار الكلام فيه كالحديث المعاد. حتى (متناقضات كانْت) المشهورة، سبق اليها علماؤنا، وبينوا بالادلة الرياضية ان (الدور والتسلسل) باطل. من أقرب أدلتهم هذا الدليل، وهو أن تخرج من نقطة (م)، مثلا (في الشكل) شعاعين، أي خطين مستقيمين متباعدين، وتفرض مد كل خط إلى ما لا نهاية له (&) وتصل بين الخطين على أبعاد متساوية خطوطاً: (ن هـ) و (ن١ هـ١) (ن٢ هـ٢) وهكذا، حتى تصل إلى الخط (& &) هل هذا الخط محدود، أم هو غير محدود؟ [رسم] اذا قلت أنه محدود يردّ عليك انه بين لا نهايتين، فكيف يكون محدودا؟ وان قلت أنه غير محدود، ردّ عليك بأنه بين نقطتين، فيكف يكون غير محدود؟ فهو محدود، وغير محدود، وهذا تناقض! فثبت ان العقل يختل ميزانه ان حاول الحكم على غير المحدود، ويقع في التناقض المستحيل، اذا بحث فيما لا ينتهي.

стр. 39

فالعقل اذن لا يستطيع أن يحكم، ولا يصح حكمه الا في الأمور المادية المحدودة. أما (ما وراء المادة)، أي عالم الغيب (الميتافيزيك)، فلا حكم للعقل عليه. وهذا الذي أثبته (كانْت) في كتابه، وقاله علماؤنا من قبل، موجود في كتاب شرح المواقف للسيد، ورسالة (المقصد الاسني) للغزالي (١) وسائر كتب علم الكلام. قواعد العقائد القاعدة السادسة - الإستعاذة بقوة وراء الكائنات ان الناس جميعا، المؤمن منهم والكافر، والناشئ في صوامع العبادة، والمتربي في مخادع الفسوق، اذا ألمّت بهم ملمّة ضاقوا بها ذرعا، ولم يجدوا لها دفعا، لم يعوذوا منها بشيء من هذه الكائنات، وإنما يعوذون بقوة وراء هذه الكائنات، قوة لا يرونها ولكنهم يشعرون بأرواحهم وقلوبهم، وكل عصب من أعصابهم بوجودها، وبعظمتها وجلالها. يقع هذا الكثير من الطلاب أيام الامتحان، ولكثير من المرضى عند اشتداد الألم، وعجز الطبيب. كلهم يعودون إلى ربهم، ويقبلون على عبادته. فهل سألتم أنفسكم، ما السبب في هذا وأمثاله؟ لماذا نجد كل من وقع في شدة يرجع إلى الله؟ نذكر جميعا (٢) أيام الحرب الماضية، والتي قبلها، كيف كان الناس يقبلون على الدين، ويلجؤون إلى الله. الرؤساء والقواد يؤمّون المعابد، ويدعون الجنود إلى الصلاة.

стр. 40

ولقد قرأت في مجلة (المختار) المترجمة عن مجلة (ريدر زاديجست)، مقالة نشرت أيام الحرب، لشاب من جنود المظلات (يوم كانت المظلات والهبوط بها شيئا جديدا) يروي قصته فيقول: انه نشأ في بيت ليس فيه من يذكر الله أو يصلي، ودرس في مدارس ليس فيها دروس للدين، ولا مدرس متدين، نشأ نشأة (علمانية) مادية، أي مثل نشأة الحيوانات التي لا تعرف الا الأكل والشرب والفساد، ولكنه لما هبط أول مرة، ورأى نفسه ساقطا في الفضاء قبل أن تنفتح المظلة، جعل يقول: يا الله يا رب. ويدعو من قلبه، وهو يتعجب من أين جاءه هذا الايمان؟ وبنت (ستالين) نشرت من عهد قريب مذكراتها، فذكرت فيها كيف عادت إلى الدين، وقد نشأت في غمرة الالحاد، وتعجب هي نفسها من هذا المعاد. وما في ذلك عجب، فالايمان بوجود اله، شيء كامن في كل نفس، انه فطرة (غريزة) من الفِطَر البشرية الأصلية، كغريزة الجنس، والانسان (حيوان ذو دين). ولكن هذه الفطرة، قد (تغطيها) الشهوات والرغبات والمطامع، والمطالب الحيوية المادية، فاذا هزتها المخاوف والاخطار والشدائد، القت عنها غطاءها فظهرت. ولذلك سمي غير المؤمن (كافرا)، ومعنى الكافر في لسان العرب (الساتر). ومن العجيب اني وجدت تأييد هذه الفكرة في كلمتين متباعدتين، في الزمان والمكان والظرف والقصد، ولكنهما متقاربتان في المعنى. كلمة لعابدة مسلمة تقية معروفة هي (رابعة العدوية (١))، وكلمة لكاتب فرنسي ملحد معروف هو (اناتول فرانس). واناتول فرانس يقول في معرض كفره والحاده: "ان المرء يؤمن اذا ظهر بنتيجة فحص البول، انه مصاب بداء السكري، (يوم لم يكن قد عرف الانسولين) .. ". ورابعة، قيل لها: "ان
следующие страницы →