الخيال عند علماء النفس خيالان: خيال مرجع، كتخيلي الدار في دمشق، وأنا في مكة، وخيال مبدع، هو خيال الشعراء والقصاصين والرسامين، وسائر أهل الفنون. فانظروا إلى خيالات هؤلاء الفنانين، هل جاؤوا بشيء غير ما في الواقع؟ الذي نحت تمثال (فينوس) جاء بصورة لم نر من يماثلها تماماً، ولكن هل كانت جديدة، أم أخذ أجزاء من الواقع، فألف بينها؟ أخذ أجمل انف رآه، وأجمل فم، وأجمل جسم، فجمع هذا إلى ذاك، فجاء بجديد، ولكن هذا الجديد مؤلف من أجزاء قديمة.
وتمثال الثور المجنح الأشوري في متحف باريس، ما فيه الا ان ناحِتَهُ أخذ رأس رجل فوضعه على جسد ثور، ووضع له أجنحة طائر. صورة جديدة ولكنها مؤلفة من أجزاء قديمة.
وكذلك الحيوان العجيب الذي تخيله القزويني، وخيالات الشعراء مهما أوغلت في باب الاستعارة والتشبيه والكناية - والمبالغات العجيبة، لا تخرج عن كونها جمعا بين أجزاء متفرقة في الواقع.
بل اننا اذا أوغَلْنا في الاغراب في جمع هذه الاجزاء، نجد الخيال نفسه قد عجز عن الالمام بهذا الجمع، خذوا - مثلا - جزءاً من عالم اللون، وجزءا من عالم الصوت: فقولوا ان فلانا المغني قد غنى نغمة معطرة بعطر الورد، او أن العطر الفلاني له رائحة لونها أحمر، واعرضوا هذه الصورة على خيالكم، تجدوا أنكم لم تستطيعوا أن تتخيلوها، مع أنها جميعا ما خرجت عن عالم الواقع.
فنحن لا نستطيع أن نتخيل نغمة عطرة، ولا رائحة حمراء، ولا نتصور الا الابعاد الثلاثة (الطول والعرض والارتفاع)، لا نستطيع أن نتصور بعداً رابعاً (١) ولا دائرة ليس لها محيط، ولا مثلثا ليس له زوايا. فكيف (اذن) نتخيل الآخرة وما فيها، وهي عالم يختلف عن عالمنا؟ ان الآخرة بالنسبة لهذه الدنيا، كالدنيا بالنسبة لبطن الجنين، لو أمكن أن نتصل بالجنين ونسأله وأمكن
стр. 37
أن يجيب، وقلنا له: ما الكون؟ لقال، ان الكون هو هذه الأغشية التي تغشاني، وهذه الظلمات التي تحيط بي.
ولو قلنا له: ان هاهنا كونا آخر فيه شمس وقمر، وليل ونهار، وبر وبحر، وسهل وجبل، وصحاري قاحلة، وجنات عارشات. لما فهم معنى هذا الكلام ولو فهمه لما استطاع تخّيل حقيقته.
ومن هنا قال ابن عباس: "ما في الدنيا مما في الآخرة الا الاسماء". فلا خمر الآخرة كخمرة الدنيا، ولا حورها كنسائها، ولا نار جهنم كنارها، ولا الصراط الممدود على جهنم كالجسور الممدودة على الأودية والأنهار. فالقاعدة الرابعة، ان الخيال البشري لا يستطيع أن يُلمّ الا بما أدركته الحواس.
قواعد العقائد
القاعدة الخامسة
لما أبصرت العين العود المستقيم أعوج، وهو في كأس الماء، لم ينخدع العقل بما رأت العين، بل عرف أنه لم يزل مستقيما، ولما رأت التراب ماء في الصحراء، عرف العقل أنه سراب، وأنه ليس ماء ولكنه تراب. ولما أبصرنا ساحر (السيرك) يخرج من فمه مئة منديل، ومن كمّه عشرين ارنباً أدرك العقل أنها خدعة. فالعقل أصح حكما، وحكمه أبعد مدى، ولكن هل يحكم على كل شيء ويمتد مداه إلى غير ما نهاية؟
ان العقل لا يستطيع أن يدرك شيئاً، حتى يحصره بين اثنين: الزمان والمكان، فما لم ينحصر بينهما، لم يدركه العقل بنفسه. فلو قال لك مدرس التاريخ؛ ان حربا وقعت بين العرب والفرس، ولكنها لم تقع قبل الاسلام ولا بعده، ولم تقع في زمن من الازمان، ولكنها وقعت فعلا، لم تدرك ذلك ولم تصدقه، ولم تقبله. ولو قال لك مدرس الجغرافية؛ ان بلدة ليست في سهل ولا جبل، ولا في بر ولا بحر، ولا في أرض ولا سماء، ولا في مكان من الأمكنة، ولكنها موجودة - لم تدرك ذلك، ولم تصدقه، ولم تقبله.
فالعقل لا يحكم الا في حدود الزمان والمكان. فما كان خارجا عنهما من مسائل الروح، وأمور القدر، وآلاء الله وصفاته، فلا حكم للعقل عليه.
стр. 38
ثم إن العقل محدود، لا يحكم على غير المحدود، ولا يستطيع أن يحيط به. تصور خلود المؤمنين في الجنة! ان عقل المؤمن موقن بأنه حقيقة وقد جاءه هذا اليقين من الخبر الصادق. ولكن انظر هل يحيط عقلك بالخلود؟ ركز فكرك فيه، تجد انك تتصور بقاءهم في الجنة قرنا وقرنين، ومئة قرن، ومليون والف مليون، ثم تجد عقلك يقف عاجزا، ويسألك وبعد؟ إنه يريد أن يضع لذلك نهاية. انه لا يدرك الـ (لا نهاية)، واذا افترض الوصول اليها وقع في التناقض الذي يقول ببطلانه.
ان للفيلسوف الالماني (كانْت) كتابا مشهورا، في اثبات ان العقل لا يستطيع أن يحكم الا على عالم المادة وحده. ولكن ما قال به (كانْت) قاله علماؤنا من قبل وردّدوه وأثبتوه حتى صار كالبديهية المسلّمة، وصار الكلام فيه كالحديث المعاد. حتى (متناقضات كانْت) المشهورة، سبق اليها علماؤنا، وبينوا بالادلة الرياضية ان (الدور والتسلسل) باطل.
من أقرب أدلتهم هذا الدليل، وهو أن تخرج من نقطة (م)، مثلا (في الشكل) شعاعين، أي خطين مستقيمين متباعدين، وتفرض مد كل خط إلى ما لا نهاية له (&) وتصل بين الخطين على أبعاد متساوية خطوطاً:
(ن هـ) و (ن١ هـ١) (ن٢ هـ٢) وهكذا، حتى تصل إلى الخط (& &) هل هذا الخط محدود، أم هو غير محدود؟
[رسم]
اذا قلت أنه محدود يردّ عليك انه بين لا نهايتين، فكيف يكون محدودا؟ وان قلت أنه غير محدود، ردّ عليك بأنه بين نقطتين، فيكف يكون غير محدود؟ فهو محدود، وغير محدود، وهذا تناقض!
فثبت ان العقل يختل ميزانه ان حاول الحكم على غير المحدود، ويقع في التناقض المستحيل، اذا بحث فيما لا ينتهي.
стр. 39
فالعقل اذن لا يستطيع أن يحكم، ولا يصح حكمه الا في الأمور المادية المحدودة. أما (ما وراء المادة)، أي عالم الغيب (الميتافيزيك)، فلا حكم للعقل عليه. وهذا الذي أثبته (كانْت) في كتابه، وقاله علماؤنا من قبل، موجود في كتاب شرح المواقف للسيد، ورسالة (المقصد الاسني) للغزالي (١) وسائر كتب علم الكلام.
قواعد العقائد
القاعدة السادسة - الإستعاذة بقوة وراء الكائنات
ان الناس جميعا، المؤمن منهم والكافر، والناشئ في صوامع العبادة، والمتربي في مخادع الفسوق، اذا ألمّت بهم ملمّة ضاقوا بها ذرعا، ولم يجدوا لها دفعا، لم يعوذوا منها بشيء من هذه الكائنات، وإنما يعوذون بقوة وراء هذه الكائنات، قوة لا يرونها ولكنهم يشعرون بأرواحهم وقلوبهم، وكل عصب من أعصابهم بوجودها، وبعظمتها وجلالها. يقع هذا الكثير من الطلاب أيام الامتحان، ولكثير من المرضى عند اشتداد الألم، وعجز الطبيب. كلهم يعودون إلى ربهم، ويقبلون على عبادته. فهل سألتم أنفسكم، ما السبب في هذا وأمثاله؟ لماذا نجد كل من وقع في شدة يرجع إلى الله؟ نذكر جميعا (٢) أيام الحرب الماضية، والتي قبلها، كيف كان الناس يقبلون على الدين، ويلجؤون إلى الله. الرؤساء والقواد يؤمّون المعابد، ويدعون الجنود إلى الصلاة.
стр. 40
ولقد قرأت في مجلة (المختار) المترجمة عن مجلة (ريدر زاديجست)، مقالة نشرت أيام الحرب، لشاب من جنود المظلات (يوم كانت المظلات والهبوط بها شيئا جديدا) يروي قصته فيقول: انه نشأ في بيت ليس فيه من يذكر الله أو يصلي، ودرس في مدارس ليس فيها دروس للدين، ولا مدرس متدين، نشأ نشأة (علمانية) مادية، أي مثل نشأة الحيوانات التي لا تعرف الا الأكل والشرب والفساد، ولكنه لما هبط أول مرة، ورأى نفسه ساقطا في الفضاء قبل أن تنفتح المظلة، جعل يقول: يا الله يا رب. ويدعو من قلبه، وهو يتعجب من أين جاءه هذا الايمان؟
وبنت (ستالين) نشرت من عهد قريب مذكراتها، فذكرت فيها كيف عادت إلى الدين، وقد نشأت في غمرة الالحاد، وتعجب هي نفسها من هذا المعاد. وما في ذلك عجب، فالايمان بوجود اله، شيء كامن في كل نفس، انه فطرة (غريزة) من الفِطَر البشرية الأصلية، كغريزة الجنس، والانسان (حيوان ذو دين).
ولكن هذه الفطرة، قد (تغطيها) الشهوات والرغبات والمطامع، والمطالب الحيوية المادية، فاذا هزتها المخاوف والاخطار والشدائد، القت عنها غطاءها فظهرت. ولذلك سمي غير المؤمن (كافرا)، ومعنى الكافر في لسان العرب (الساتر). ومن العجيب اني وجدت تأييد هذه الفكرة في كلمتين متباعدتين، في الزمان والمكان والظرف والقصد، ولكنهما متقاربتان في المعنى.
كلمة لعابدة مسلمة تقية معروفة هي (رابعة العدوية (١))، وكلمة لكاتب فرنسي ملحد معروف هو (اناتول فرانس). واناتول فرانس يقول في معرض كفره والحاده: "ان المرء يؤمن اذا ظهر بنتيجة فحص البول، انه مصاب بداء السكري، (يوم لم يكن قد عرف الانسولين) .. ". ورابعة، قيل لها: "ان
стр. 41
فلانا أقام ألف دليل على وجود الله"، فضحكت وقالت: "دليل واحد يكفي"، قيل: "وما هو؟ "، قالت: "لو كنت ماشيا وحدك في الصحراء، وزلت قدمك فسقطت في بئر، لم تستطع الخروج منها، فماذا تصنع؟ ". قال: "انادي يا (الله) .. " قالت: وذاك هو الدليل .. ". في قرارة نفس كل انسان الايمان باله، هذه حقيقة نعرفها نحن المسلمين لأن الله خبرنا ان الايمان فطرة فطر الناس عليها. وقد عرفها الافرنج من جديد، (دوركايم) استاذ الاجتماع الفرنسي المشهور (١) له كتاب في ان الايمان بوجود اله بديهية. لا يمكن أن يعيش الانسان ويموت من غير أن يفكر في وجود اله لهذا الكون، ولكنْ ربما قصر عقله فلم يهتد إلى المعبود بحق، فعبد من دونه أشياء، عبدها على توهم أنها هي الله، او انها تقرب إلى الله.
فاذا جد الجد، وكانت ساعة الخطر، رجع إلى الله وحده ونبذ هذه المعبودات. مشركو قريش، كانوا يعبدون (هبل)، و (اللات)، و (العزى)، حجارة وأصنام، (هبل) صنم من العقيق، جاء به (عمرو بن لحيّ) من عندنا، من (الحمّة) (٢) قالوا له انه اله عظيم قادر، فحمله على جمل وجاء به، فسقط على الطريق فانكسرت يده، فعملوا له يدا من ذهب. اله تنكسر يده! وكانوا مع ذلك يعبدونه!! يعبدونه في ساعات الامن، فاذا ركبوا البحر، وهاجت الامواج، ولا شبح الغرق، لم يقولوا: يا (هبل)، بل قالوا: يا الله.
وهذا مشاهد إلى اليوم عندما تغرق السفن، أو تشب النيران، أو يكون الخطر، او يشتد المرض، تجد الملحدين يرجعون إلى الدين.
لماذا؟ لان الايمان غريزة، أصدق تعريف للانسان انه (حيوان متدين)،
стр. 42
وانظروا إلى هؤلاء الملحدين الماديين، عندما يأتيهم الموت هل تظنون ان (ماركس) أو (لينين) لما أيقن بالموت، دعا (وسائل الانتاج) التي يؤلهها، أم دعا الله؟ ثقوا أنهما لم يموتا حتى دعوا الله، ولكن حين لا ينفع الدعاء. و (فرعون) تكبر وتجبر، وقال، أنا ربكم الأعلى، فلما أدركه الغرق، قال: "آمنت بالذي آمنت به بنوا اسرائيل .. ".
وفي عاطفة الحب التي يحس بها المحبون دليل على ان الإيمان فطرة في النفوس، الحب صورة مصغرة للإيمان، ونوع من أنواع العبادة. والفرنسيون لما غلب عليهم ترك الدين، استعملوا كلمة (العبادة) في الحب (١). وقلدهم في ذلك بعض المتفرنجين منا، فصاروا يقولون في قصصهم: (يحبها ويعبدها) و (احبها حتى العبادة) وما ذلك الا لأن العبادة هي المظهر الفطري للاعتقاد بالاله، ولأن في الحب شبها من الايمان.
المحب يطيع محبوبه، وينفذ كل رغبة له، وكذلك يكون المؤمن مع الله. والمحب لا يبالي أن يسخط عليه الناس كلهم ان رضي المحبوب، وكذلك يكون المؤمن مع الله. والمحب يخاف المحبوب، ويخشى غضبه، ويرضى بكل ما يكون منه وكذلك يكون المؤمن مع الله. فالحب (أي العشق) دليل على ان الايمان فطرة في النفوس.
قواعد العقائد
ضيق الألفاظ
وليس معنى هذا أن حب الله، من جنس حب المعشوق، لا. فالعاشق يطيع معشوقه ويخشاه، ويرضى بكل ما يجيء منه، ويؤثر رضاه على رضى الناس، للذته به، فهو يحب فيه نفسه، ولو أن (ليلى) أصابها الجذام فشوه وجهها، وأكل أنفها وعينها لما دنا منها (قيس) ولما مال عليها، بل لفر منها، ونأى عنها، هذا هو فرق ما بين حب المخلوق وحب الخالق.
стр. 43
انهما نوعان مختلفان ولكن اللغات البشرية لضيقها عن استيعاب المعاني الروحية، تستعمل اللفظ الواحد، في معان كثيرة. فنحن نقول: "فلان يحب مناظر الجبال"، و "فلان يحب علم التاريخ"، و "فلان يحب الرز باللحم"، "والوالد يحب ولده"، و "المجنون يحب ليلى"، و "المؤمن يحب الله". وكل حب منها، يختلف عن الآخر. ومثل ذلك كلمة: (الجمال)، نستعملها وهي لفظ واحد، للدلالة على ألف معنى. ومن ذلك قولنا: "الله سميع بصير"، و "فلان سميع بصير"، أي: ليس أصم ولا أعمى. وسمع الله وبصره لا يشبه سمع العبد ولا بصره لأن الله لا يماثل شيئاً من المخلوقات ولا يماثله شيء، وجيمع آيات الصفات جاءت من هذا الباب، والله ليس كمثله شيء.
قواعد العقائد
القاعدة السابعة - الدليل النفسي على وجود العالم الآخر
هي ان الانسان يدرك بالحَدْس ان هذا العالم المادي ليس كل شيء، وان وراءه عالماً روحياً مجهولا، يدرك منه لمحات تدل عليه. ذلك ان الانسان يرى اللذات المادية محدودة، اذا هي بلغت غايتها ووصلت إلى حدها، لم تعد اللذة لذة، ولكن صارت (عادة)، فذهب طعمها، وبطل سحرها، وصارت كالنكتة المحفوظة، والحديث المعاد.
يبصر الفقير سيارة الغني تمر به، وعمارة الغني يمر بها، فيحسب أنه يحوز الدنيا ان حاز مثلها، فان صارت له، لم يعد يشعر بالمتعة بها. ويسهر المحب يحلم بوصل الحبيب، يظن ان متع الدنيا كلها بحبه، والاماني كلها في قربه، فاذا تزوج التي يحب، ومر على الزواج سنتان، اضمحلت تلك الأماني، وماتت تلك المتع، ولم يبق له منها الا ذكرها، ويمرض المريض ويتألم، فيتصور اللذة كلها في ذهاب الألم والشفاء من المرض، فاذا عاودته الصحة، ونسي أيام المرض، لم يعد يرى في الصحة شيئا من تلك اللذات، ويتمنى الشاب "الشهرة" ويفرح ان اذاعت الاذاعة اسمه، ونشرت الصحف رسمه، فاذا هو اشتهر وصار اسمه ملء السمع، وشخصه ملء البصر، صارت له الشهرة أمراً معتادا.
стр. 44
ثم يجد أنه يسمع الاغنية الحالمة، في الليلة الساجية، قد خرجت من قلب مغنٍ عاشق، فهزت من سامعها حبّة القلب، وأطلّت على عالم الروح، ويقرأ القصة العبقرية، للأديب البارع، فيحس كأنها تمشي به في مسارب عالم مسحور، فيه مع السحر شعر وعطر، فاذا انتهت القصة رأى كأنه كان في حلم لَذٍّ فتّان، وصحا منه، فهو يحاول عبثا أن يعود إلى لذته وفتونه.
ويعيش في لحظات التجلي، حين تصفو النفوس بالتأمل فتتخفف من أثقال المادة، فتعلو بجناحين من الصفاء والتجرد، حتى تصل إلى حيث ترى الأرض وما عليها، أصغر من أن ينظر اليها، لما تجد من لذة الروح التي لا تَعْدلها لذة الطعام للجائع، ولا لذة الوصال للمحروم، ولا لذائذ المال والجاه للفقير المغمور.
واذا بالنفس تتشوق أبدا إلى هذا (العالم الروحي) العلوي، العالم المجهول، الذي لا تعرف منه الا هذه اللمحات، التي لا تكاد تبدو لها حتى تختفي، وهذه النفحات التي لا تهب حتى تسكن. فيعلم أن اللذات المادية محدودة، وان اللذات الروحية أكبر منها كبرا، وأعمق في النفس أثرا. ويُوقن (بالحدس النفسي، لا بالدليل العقلي)، ان هذه الحياة المادية ليست كل شيء، وان العالم المجهول، المختبئ وراء عالم المادة، حقيقة قائمة، تحن اليها الأرواح، وتحاول أن تطير اليها، ولكن هذا الجسد الكثيف يحجبها عنها، ويمسكها عن ان تنطلق وراءها، وهذا هو الدليل النفسي على وجود العالم الآخر.
قواعد العقائد
القاعدة الثامنة - الاعتقاد بوجود الحياة الاخرى
الاعتقاد بوجود الحياة الاخرى، نتيجة لازمة للاعتقاد بوجود الله - وبيان
стр. 45
ذلك ان الاله لا يكون الا عادلا، والعادل لا يقرّ الظلم، ولا يدع الظالم بغير عقاب - ولا يترك المظلوم من غير انصاف، ونحن نرى أن في هذه الحياة من يعيش ظالما ويموت ظالما لم يعاقب - ومن يعيش مظلوما ويموت مظلوما لم ينصف - فما معنى هذا؟ وكيف يتم هذا ما دام الله موجودا - وما دام الله لا يكون الا عادلا؟ معناه أنه لا بد من (حياة اخرى) يكافأ فيها المحسن. ويعاقب المسيء.
وان (الرواية) لا تنتهي بانتهاء هذه الدنيا، ولو انه عرض (فلم) في الراني (التلفزيون)، فقطع من وسطه وقيل (انتهى)، لما صدق أحد من المشاهدين انه انتهى، ولنادوا ماذا جرى للبطل؟ وأين تتمة القصة؟ ذلك لأنهم ينتظرون من المؤلف أن يتم القصة، ويسدد حساب أبطالها. هذا والمؤلف بشر، فكيف يصدق عاقل، ان (قصة) الحياة تنتهي بالموت؟ كيف؟ ولم يسدد بعد الحساب، ولا اكتملت الرواية؟ فأيقن العقل من هنا، ان لهذا الكون ربا، وان بعد الدنيا آخره.
وان ذاك العالم المجهول، الذي لمحت الروح ومضة من نوره في الاغنية الحالمة، والقصة البارعة، واستروحت نفحة من عطره، في ساعة التجلي، ليس عالم المثل (١) الذي كان خيالا صاغه أفلاطون، ولكنه عالم الآخرة، الذي هو حقيقة أبدعها خالق افلاطون. ورأى أن أكبر لذائذ الدنيا، لذة الوصال، لا تدوم الا نصف دقيقة، فعلم أنها ليست الا مثالا من لذات الآخرة، انها لقمة من الطعام تذوقها، فان اعجبك اشتريت منه فأكلت حتى شبعت. انها نموذج تجاري (٢)، تراه فان ارتضيته طلبت البضاعة. ان هذه اللذة التي لا تدوم الا نصف دقيقة، مثال مصغر للذات العالم الآخر، التي تدوم ابدا، والتي لا حد لها تقف عنده، والتي تبقى (لذة) دائما، لا تصير (عادة)، كما تصير اللذات في الدنيا عادات.
стр. 46
الإيمان بالله
وجود الله
الايمان بالله يتضمن أربع قضايا: هي: ان الله موجود بلا موجد، وأنه رب العالمين وأنه مالك الكون المتصرف فيه، وانه الاله المعبود وحده، لا يعبد معه غيره.
وجود الله:
قلنا في القاعدة السادسة: ان الاعتقاد بوجود الله من الأمور البديهية التي تدرك بـ (الحدس) النفسي، قبل أن تقبل بالدليل العقلي، فهي لا تحتاج إلى دليل، وان كانت الادلة على صحتها ماثلة في كل شيء، ولست أعرض هذه الأدلة فهي أكثر من أن تستقصى، والعالم الدمشقي الشيخ جمال الدين القاسمي ذكر منها الكثير الكثير، في كتابه (دلائل التوحيد). مع انه الف من أكثر من نصف قرن. ومع انها قد جدت اليوم أدلة أظهرها العلم الحديث. الذي لم يكن معروفا قبل خمسين سنة، ومن نظر في كتاب: (الله يتجلى في عصر العلم)، وقد كتبه ثلاثون من علماء الطبيعة والفلك ممن انتهت اليهم الرياسة في هذه العلوم. ومثله كتاب: (العلم يدعو للايمان)، يجد ان العالم الحقيقي لا يكون الا مؤمنا، والعامي لا يكون الا مؤمنا، وان الالحاد والكفر انما يبدوان من أنصاف العلماء، وأرباع العلماء، ممن تعلم قليلا من العلم، فخسر بذلك (الفطرة) المؤمنة، ولم يصل إلى العلم الذي يدعو إلى الإيمان، فوقع في الكفر.
في هذين الكتابين مقالات، هي ثمرة ما وصل اليه تفكير هؤلاء
стр. 47
العلماء، من أمثال (فرنك الن) الذي أثبت أن القول بقدم العالم - كما كان يقول فلاسفة اليونان - مستحيل، وان العلم كشف ان لكل شيء عمرا، أي أن له بداية، تنفي كونه قديما. و (فرنك الن) هذا، من أكبر علماء الحياة (البيولوجيا). وأمثال (روبرت موريس بدج) مكتشف الرادار، وعالم الكيمياء (جون كليفلاند كوثران)، و (جون هربرت بلوند) استاذ الفيزياء، وأنا أرجو أن تقرأوا هذين الكتابين وأمثالهما ... وأمثالهما كثير:
أنا لا أحب أن أعيد سرد الادلة القديمة على وجود الله، أدلة علماء الكلام، ولا الادلة الحديثة التي جاء بها هؤلاء العلماء، ولكن أشير إلى دليل واحد من الادلة القرآنية، وادلة القرآن: واضحة، صريحة، حاسمة. تأتي بالحجة الضخمة، في العبارة القصيرة، التي يفهمها العامي، وتمتلئ نفس العالم الذي يدرك مغزاها، اعجابا منها، وعجبا من قوتها ودقتها ووضوحها، وكلاهما (العامي والعالم) لا يملك الا أن يقول: صحيح!
نبهنا الله في القرآن بكلمة واحدة، على أن الدليل فينا، "في أنفسنا"، فكيف ننكر قضية قد سطر على جباهنا ما يشعر بصدقها، قال تعالى: ﴿وفي أنفسكم أفلا تبصرون؟!﴾ فنحن نشعر - من أعماق قلوبنا - بأنه موجود، نلجأ اليه في الشدائد والملمات، بفطرتنا المؤمنة، بغريزة التدين فينا، ونرى الادلة عليه فينا، وفي العالم من حولنا، فالعقل الباطن يؤمن وجوده بالحدس، والعقل الواعي يؤمن بوجوده بالدليل.
فكيف لعمري يجحد الله الجاحد، وهو - نفسه - الدليل على وجوده؟! بأنه كمن يحمل مالك بيده، ويدعي انه لم يأخذه ولم يلمسه، ومن يلبس ثيابه مبتلة يقطر منها الماء، ويدعي أنه لم يقرب الماء. هذه حقيقة الحقائق، ولكن لماذا نجد أكثر الناس لا ينتبهون اليها؟!
الجواب: لأنهم لا يفكرون في أنفسهم، ﴿نَسُوا الله فأنساهم أنفسهم﴾. انهم يفرون منها، يخافون الانفراد بها، لا يستطيع أحدهم أن يبقى وحيدا، خاليا بنفسه بلا عمل، لذلك يشتغل عنها بحديث فارغ، أو
стр. 48
كتاب تافه، أو عمل يشغل نفسه، ويصرم فيه عمره، كأن نفسه عدو له يكرهه، وينفر منه. وكأن عمره - وهو رأس ماله - حمل على عاتقه، يرمي به ليتخلص منه.
أنظر إلى أكثر الناس تجدهم يأكلون ويشربون، وينامون ويستيقظون. يحرصون على اللذة، ويبتعدون عن الألم، يبتغون الخير في الدنيا لأنفسهم وأهلهم ومن يحبون. يصبح الواحد منهم فينظف جسده، ويرتدي ثيابه، ويتناول طعامه، ويغدو إلى عمله، يعمل لجمع المال ويستزيد من الربح، ثم يعود إلى داره، فيتغذى ويستريح. ثم يعود إلى العمل، أو يعمد إلى التسلية. يفتش عما يملأ به الفراغ، ويضيع به الوقت، ويقطع به العمر، حتى يعاوده الجوع فيأكل، أو يدركه النعاس فينام. ثم يستقبل يوماً جديداً، فيعيد فيه (برنامج) اليوم الذي مضى. يذكر ماضيه، وما ماضيه الا الأيام التي أحس أنه عاشها في هذه الدنيا، ويفكر في مستقبله، وما مستقبله الا الأيام التي يقدّر أنه يعيشها في هذه الدنيا.
أما المسلم، فلا يكتفي من الحياة بأن يأكل ويشرب، ويعمل ويتسلى، بل يسأل نفسه، من أين جئت؟ وإلى أين أسير؟ ما المبدأ؟ وما المصير؟ ينظر فيجد ان حياته لم تبدأ بالولادة حتى تنتهي بالموت. يرى انه كان جنينا في بطن أمه قبل أن يولد، وكان حُوَيْناً منويا في ظهر أبيه قبل أن يَسْتَجِنّ. وكان قبل ذلك دما يجري في عروق هذا الأب. وهذا الدم جاء مما تناول من الغذاء، وهذا الغذاء كان نباتا نبت من الأرض، او حيوانا تغذى من النبات .. أطوار مرّ بها قبل الولادة لا يعرف عنها شيئا، سلسلة طويلة، فيها حلقات قليلة واضحة، وباقيها يحجبه عن عيوننا الظلام، فكيف يوجد نفسه بعقله وارادته وقد كان موجودا، قبل أن يكون له عقل وارادة؟
ان الواحد منا لا يعرف نفسه قبل بلوغه الرابعة من عمره، لا يذكر أحد منها مولده. من يذكر مولده؟ من يذكر أيامه لما كان في بطن أمه؟ فاذا كان موجودا
стр. 49
قبل أن يعلم بوجوده، فهل يمكن أن يقال انه هو الذي أوجد نفسه؟ سل هذا الكافر الملحد - ان لقيته - وقل له: هل خلقت أنت نفسك بارادتك وعقلك؟ هل أنت الذي ادخلت نفسك في بطن أمك؟ وهل أنت الذي اختار هذه المرأة لتكون له أما؟ وهل أنت الذي ذهب بعد ذلك فجاء بالقابلة لتخرجه من هذا البطن؟ فهل خلق اذن من العدم بلا فاعل ولا خالق؟ هذا مستحيل.
فهل خلقته اذن هذه الموجودات التي كانت من قبله؟ الجبال والبحار والشمس والكواكب؟
(ديكارت) لما جرّب مذهب الشك الذي اشتهر به (١) وشك في كل شيء، وصل إلى نفسه. فلم يستطع أن يشك فيها؟ لأنه هو الذي يشك ولا بد في الشك من شاك، لذلك قال كلمته المشهورة (أنا أفكر فأنا موجود (٢))، موجود لا شك في وجوده، فمن أوجده؟ هل أوجدته هذه الكائنات المادية؟ انها جمادات لا عقل لها، وهو عاقل، فهل يمنح العقل من ليس بعاقل؟ هل يعطي الشيء فاقده؟
وهذا هو موقف ابراهيم أبي الانبياء ﵇، لما رأى أباه (وكان مَثّالا) ينحت الاصنام بإزميله، يعمل من الحجر صورة، فيتخذها هو وقومه آلهة! حجر تصنعه يد الانسان ثم تعبده! اله أخلقه وأطلب منه أن يخلق لي ما أريد؟! هذا أمر لا يقبله العقل. فأين هو الاله الحق اذن؟
وذهب يبحث ويفكر، وأدركه الليل، وطلع عليه النجم براقا لامعا عاليا، لم يخرج من الأرض كالصخرة التي تصنع منها التماثيل. لم يعمله الانسان بيده ثم يعبده، وظن أنه وجد الاله الذي يبحث عنه، واذا بالقمر يطلع فيختفي النجم، ويرى القمر أكبر في النظر وأضوأ، فيؤمن بأن القمر هو الاله، ويرقبه الليل كله، فاذا بالشمس تطلع فتطفئ شعلة القمر، وتفيض النور على الأرض، فيقول هذا هو الاله. ولكن الشمس تأفل (تذهب) وتدع
стр. 50
الأرض في الظلام، فما هذا الاله الذي يمضي، ويتخلى عن ملكه؟ .. كلا ليست الشمس إلهاً خلقني، ولا هذه الموجودات آلهة، ولا أنا الاله. أنا ما خلقت نفسي، ولا خلقت من غير شيء، فلم يبق الا احتمال واحد، هو الصحيح، هو الحق وما عداه باطل: هو ان وراء هذه الجمادات كلها، إلهاً قادراً عظيما هو الذي أوجدها وأوجدني وأوجد كل شيء.
هذا الدليل هو الذي عرض له القرآن. في جملة واحدة - هي معجزة من معجزات البيان الرباني، ضربة قاضية على من يخضع للعقل، ويحترم التفكير من الملحدين، هي قوله تعالى:
﴿أم خلقوا من غير شيءٍ أم هم الخالقون﴾؟ ّ!
كان السخفاء من الملحدين، من أرباع المتعلمين، يقولون: (الطبيعة)، الطبيعة أوجدت الانسان، الطبيعة وهبت العقل للانسان. وكان من المعلمين من يقول لنا هذا ونحن صغار. في أيام الحرب الأولى وفي أعقابها، من المعلمين الذي شموا رائحة التمدن الجديد، من (اسطنبول) اولا (وباريس) ثانيا، فحسبوا أنهم صاروا يعدون بذلك من (المنورين)، وكانت كلمة (المنورين) في تلك الأيام، مثل كلمة (التقدميين) الآن. ولكل زمان ألفاظ يضحكون بها علينا، كما كانوا يضحكون على ذقون الهنود الحمر في اميركا بالخرز والثياب الملونة، ليأخذوا بدلا منها بلادهم.
وكبرنا بعد، وسألنا: ما (الطبيعة)؟ ان كلمة الطبيعة في اللغة على وزن (فعيلة) وهي بمعنى (مفعولة)، فاذا كانت مطبوعة فمن (طبعها)؟.
قالوا: الطبيعة هي المصادفة .. قانون الاحتمالات.
قلنا: هل تعرفون ما مثال هذا الكلام؟
مثاله: اثنان ضاعا في الصحراء، فمرا على قصر، كبير عامر فيه الجدران المزخرفة المنقوشة، والسجاد الثمين، والساعات والثريات.
قال الأول: ان رجلا بنى هذا القصر وفرشه.
стр. 51
فرد عليه الثاني وقال: أنت رجعي متأخر، هذا كله من عمل الطبيعة!!
قال: كيف كان بفعل الطبيعة؟
قال: كان هنا حجارة فجاءها السيل، والريح والعوامل الجوية فتراكمت، وبمرور القرون بالمصادفة، صارت جدارا.
قال: والسجاد.
قال: أغنام تطايرت أصوافها، وامتزجت وجاءتها معادن ملونة، فانصبغت وتداخلت فصارت سجادا!!
قال: والساعات؟
قال: حديد تآكل بتأثير العوامل الجوية، وتقطع وصار دوائر وتداخل، وبمرور القرون، صار على هذه الصورة.
ألا تقولون ان هذا مجنون؟ هل المصادفات هي التي جعلت الخلية من خلايا الكبد التي لا ترى الا بالمجهر تقوم بأعمال كيميائية تحتاج إلى آلات تملأ بهواً كبيراً، ثم لا تستطيع أن تقوم الا بجزء منها؟! هذه الخلية تحول السكر الزائد في الدم إلى مولد سكر العنب (كليكوجين)، لنستعمله عند الحاجة بعد اعادته إلى (كليكوز)، وتفرز الصفراء، وتعدل (الكولسترول) في الدم، وتصنع الكريات الحمر، ولها بعد أعمال اخرى!
والمصادفات جعلت في اللسان تسعة آلاف عقدة صغيرة كلها تصلح للتذوق، وفي كل اذن مئة ألف خلية للسمع، وفي كل عين مئة وثلاثين مليون خلية كلها تصلح لاستقبال الضوء. والأرض بما فيها من العجائب والأسرار، والهواء الذي يحيط بها، وما يحمله من أحياء لا ترى ولا تدرك، والأشكال العجيبة لذرة الثلج التي تسقط، خلقها بهذه الدقة، وأودع فيها هذا الجمال، الذي لم نره الا من عهد قريب.
انظر إلى هذه الأرض وما فيها من معادن، وما أودع فيها من أسرار، وإلى أنواع حيوانها ونباتها، وما فيها من الصحارى الشاسعة، والبحار الواسعة، والجبال السامقة، والاودية العميقة .. ثم وازنها بالشمس ترها صغيرة
стр. 52
ضئيلة إلى جنب الشمس وعظمها، والشمس التي تكبر الأرض بمليون مرة، هي بالنسبة لكوكب من هذه الكواكب حبة رمل في الصحراء الكبرى.
والشمس التي تبعد عنا بأكثر من مئة مليون كيل (كيلومتر)، اذا قدرنا بعدها بالزمن الضوئي، وسرعة الضوء ثلاث مئة ألف كيل في الثانية الواحدة، يبلغ بعدها عنا ثماني دقائق. فماذا يكون بعد النجوم التي يصل ضوؤها الينا في مليون سنة ضوئية؟ السنة الضوئية تعدل عشرة آلاف مليار كيلومتر (١)، فكم كيلومتر في مليون سنة؟
وهذه الكواكب، ومنها كوكب المجرة، التي لا يعرف علم الفلك عنها أكثر من انها بقعة مضيئة، فيها من الكواكب ما لا يعلمه الا الله، هذه الكواكب على ضخامتها التي يعجز العقل عن تصورها، تسير بسرعة هائلة، سرعة تتخطى حدود الأرقام، فكيف لا يقع فيما بينها اصطدام؟
قرأت لاحد علماء الفلك، ان احتمال اصطدامها، كاحتمال اصطدام ست نحلات لو أطلقت في الفضاء المحيط بالأرض. ان سعة فضاء الأرض بالنسبة لست نحلات، كذلك الفضاء بالنسبة لهذه الكواكب التي لا تعد ولا تحصى. وهذا الفضاء كله وسط كرة هائلة هي السماء الدنيا، كرة من جرم حقيقي ليست هواء ولا فضاء (٢)، ولا خطا وهميا هو مدار الكواكب كما تصور بعض المحدثين من المفسرين، كرة محيطة بهذا الفضاء وما فيه، ومغلقة عليه وهو في داخلها. كرة محفوظة لها أبواب تفتح وتغلق، جعلها الله (سقفا محفوظا) لهذا الفضاء، وجعل هذه الكواكب فيها كالمصابيح التي تزين
стр. 53
السقف. لها سَمْك، وبعدها فضاء .. الله أعلم بسعته. ربما كان كهذا الفضاء أو أكبر منه، تحيط به كرة أخرى، أكبر وأضخم، ثم فضاء ثالث، ثم كرة ثالثة. ثم فضاء رابع ثم كرة رابعة. ثم فضاء خامس، ثم كرة خامسة. ثم فضاء سادس، ثم كرة سادسة. ثم فضاء سابع ثم كرة سابعة. ثم تأتي أجسام غاية في الكبر والعظم، هي العرش، والكرسي، وما أخبر الله عنه، من هاتيك العوالم.
ومن أعجب العجب، ومن أظهر الادلة على الله، ان هذا الفضاء بكل ما فيه موجود بصورة مصغرة، بحيث لا يدرك العقل دقتها وصغرها - كما أنه لا يدرك سعة الفضاء ورحبه - موجود في الذرة.
الذرة التي لا ترى الا بالمجهر الالكتروني. الذرة التي كان يسميها العلماء والفلاسفة الاقدمون الجوهر الفرد (الجزء الذي لا يتجزأ)، الذرة التي قال العلماء أنه لو صف أربعون مليونا منها جنبا إلى جنب، كان طولها (طول الأربعين مليونا) معشارا واحدا (سانتي متر)، وسط هذه الذرة "فضاء فيه نواة، تدور حولها أجسام صغيرة (١) كدوران الكواكب في الفضاء، ونسبة النواة للذرة، كنسبة حبة القمح للقصر العظيم، والنواة يزيد وزنها وحدها عن وزن (١٨٠٠) من هذه الكهارب، فهل هذا كله من عمل (المصادفات)؟
وان الذي يثلج صدر المؤمن، ان هذه المقالات التافهة كالطبيعة، والمصادفات وأمثالها، قد انقطع ورودها على ألسنة العلماء، ولم يبق من قائل بها الا أشباه العوام، ممّن يدعون العلم وليسوا من العلماء.
الإيمان بالله
الله رب العالمين
هذه هي القضية الثانية من قضايا الايمان بالله، وهي: ان تعتقد ان الله
стр. 54
(وحده) هو الذي أوجد هذه العوالم كلها، عالم الحيوان، وعالم النبات، وعالم الافلاك. العوالم الظاهرة لنا، والمغيبة عنا، أوجدها من العدم، ووضع لها هذه النواميس العجيبة، التي لم نكتشف إلى الان في الكيمياء والفيزياء والطب والفلك، الا الاقل الاقل منها، وهو (وحده) الذي يعلم دقيقها وجليلها. كم ورقة في كل شجرة، وشكل كل ورقة، ووضعها، وكم (جرثومة) في الدنيا، وطولها وعرضها وأجزائها التي ركبها منها، وما في كل ذرة من الكهارب الثابتة والمتحركة، وعددها، وما يطرأ على كل منها من عوارض، وما تتصف به من حركة وسكون، وتطور وتحول، كل ذلك مسجل عنده في كتاب.
هذه العوالم كلها، هو ربها، هوالذي أوجدها، وهو يحفظها، وهو الذي يحولها من حال إلى حال، وهو الذي جعل في كل ذرة منها، ما يدل العاقل عليه، ويرشده اليه.
هذه هي القضية الثانية من قضايا الايمان بالله، قضية لا بد منها، ولكن هل يكفي الايمان بها ليكون الانسان مؤمنا؟
اذا جاءك من يقر بأن الله هو الخالق، وهو الرب، فهل تعتبره بهذا وحده من المؤمنين؟
لا .. ان ذلك وحده لا يكفي، لأن أكثر الأمم القديمة كانت تقول له، كفار قريش، الذين بعث محمد ﷺ لانكار شركهم، وتسفيه عقائدهم، وكلف بحربهم، كانوا اذا سئلوا عنه اعترفوا به ولم ينكروه.
بل ان ابليس - وهو شر الخلق - ما أنكر ان الله ربه، تنبهت إلى هذا من قوله: ﴿ربِّ بما اغويتني .. ﴾. وقوله: ﴿ربِّ انظرني .. ﴾. فهو مقر بأن الله ربه!.
стр. 55
الإيمان بالله
الله مالك الكون
والقضية الثالثة: ان الله هو مالك الكون، يتصرف فيه تصرف المالك الحر بملكه، يحيي ويُميت، هل تقدر أن تدفع عن نفسك الموت، وتمنحها في الدنيا الخلود؟ يمرض ويشفي، هل تقدر أن تشفي من حرمه الله الشفاء؟ يمنح المال ويبتلي بالفقر، يبعث السيول ويصيب بالجفاف. كان في السنة الماضية فيضانات في شمالي ايطاليا، جرفت المدن، ودمرت العمران، وكان في ذلك الوقت في الهند جفاف يبس معه الزرع، وهلكت الماشية، وصار توزيع الماء بالبطاقات.
فمن زاد الماء على هؤلاء حتى شكوا منه، وحرمه أولئك حتى تمنوه؟ من يعطي هذا بنات وهذا بنين، ويجعل من يشاء من الناس عقيما؟ هل يستطيع من رزق البنات أن يحولهن إلى بنين، ومن كان عقيما أن ينجب الولد؟
هو يكتب الموت على ناس وهم أطفال، ويمد في عمر ناس حتى يصيروا شيوخا. يبعث موجة البرد والصقيع على بلد، ويبعث موجة الحر على بلد، ويصيب بلدا بالزلازل أمور مشاهدة، لا يملك الانسان لها دفعا ولا منعا.
الإيمان بالله
الاله المعبود
لذلك يقر أكثر الناس بأنه هو مالك الملك، المتصرف بالكون، ولكن هل يكفي هذا ليكون مؤمنا؟
لا .. بل لا بد معها من القضية الرابعة، وهي انه وحده الاله المعبود. اذا اعترفت بأن الله موجود، وأنه رب العالمين، وأنه مالك الملك، فلا تعبد معه غيره، ولا تقابل غيره بأي صورة من صور العبادة. وقد أراني الله معنى لسورة الناس، فيه رد على من يقر بوجود الله وبربوبيته وملكه، ولكنه لا يوحده توحيد الالوهية، معنى لم أجد من المفسرين من ذكره، وأرجو أن يكون صوابا.
стр. 56
يقول الله :
﴿قل أعوذ برب الناس ملك الناس إله الناس.﴾.
فلماذا كرر لفظ الناس؟ وعمد إلى الاظهار بدلا من الاضمار؟! فلم يقل مثلا: "رب الناس، وملكهم، والههم .. ؟! ". الذي ظهر لي، كأن ربنا (والله أعلم) يقول لهم: "هذه ثلاث قضايا، متماثلة متكاملة، كل قضية مستقلة بنفسها، مع ارتباطها باختها. فهو: (رب الناس) أي خالقهم وحافظهم، وهو: (ملك الناس) أي مالكهم المتصرف فيهم. وهو (اله الناس) أي المستحق وحده لعبادتهم، لا يجوز أن يكون له شريك فيها .. ". ومقتضى ذلك أن تصدقوا بالقضايا الثلاث، أو أن تنكروا القضايا الثلاث، فما بالكم: تصدقون بالاولى والثانية، وترفضون الثالثة؟ كيف تفرقون بين المتماثلات؟ فتقبلون بعضا وتأبون بعضا؟ والثلاث سواء في الثبوت، لا سبيل إلى التفريق بينها في الحكم؟.
стр. 57
توحيد الألوهية
روح العبادة
الايمان بان الله رب العالمين، وأنه مالك الكون، عمل من أعمال القلب، عقيدة يعتقدها الانسان. أما الايمان بأنه الاله، فلا يقتصر على الاعقتاد، بل يتعداه إلى السلوك والعمل. وإلى القيام بالعبادة، وافراد الله بها. فان استنكف عن عبادته، أو عبد معه غيره لم يكن مؤمنا، وإن صدق واعتقد أن الله هو رب العالمين، ومالك الكون.
فما هي العبادة ؟ أول ما يبدر إلى الذهن، ان العبادة هي الذكر والصلاة والصيام وتلاوة القرآن وأمثال ذلك مما يقرب إلى الله وهذا حق، ولكن العبادة لا تقتصر على هذا، بل ان كل عمل نافع، لم يمنعه الشرع، يعمله المؤمن ابتغاء ثواب الله، يكون عبادة.
يأكل ليتقوى على الطاعة فيكون أكله بهذا القصد عبادة، وينكح ليعف نفسه وأهله، فيكون نكاحه عبادة، وبمثل هذا القصد يكون كسبه المال عبادة، وانفاقه على أهله عبادة، وتحصيله العلم والشهادات عبادة، وشغل المرأة بأعمال بيتها، وخدمة زوجها، ورعاية أولادها عبادة، وكل عمل مباح ان قصد فاعله قصدا فيه رضا الله كان عبادة، فالعبادة يتسع معناها حتى يشمل كل أعمال الانسان النافعة، ويحيط بها كلها. ولعل هذا هو المعنى المقصود بقوله تعالى:
﴿وما خلقت الجنَّ والانس الا ليعبدون .. ﴾.
стр. 58
روح العبادة:
والعبادة لها روح ولها جسد، فروحها العقيدة التي دفعت اليها، والغاية التي عملت من أجلها، وجسدها عمل الجوارح، من لفظ اللسان، وحركات الجسم. الصلاة مثلا حركات وألفاظ، قيام وقعود، وركوع وسجود، وتلاوة وذكر وتسبيح، ولكن هذا كله جسد الصلاة، فان لم يكن الدافع اليه توحيداً صحيحاً، وعقيدة سليمة، ولم يكن المقصود به امتثال أمر الله، وطلب رضاه، كانت الصلاة جسدا ميتا لا روح فيه.
توحيد الألوهية
الأساس في توحيد الألوهية
الأساس أن نعتقد ان الله وحده هو النافع وهو الضار، ولا بد لهذا من شيء من البيان: الله خالق كل شيء، أوجد العوالم، وبث فيها من كل شيء. وأعطانا العقول وقال لنا: فكروا بعقولكم في هذه الأشياء التي خلقتها، وانظروا ماذا في السموات والأرض، فنظرنا فوجدنا ان الله الذي خلق هذه الأشياء، قد سلط بعضها على بعض، فالنار اذا مست الشجرة اليابسة أحرقتها، والماء اذا صب على النار أطفأها، والبعوضة (١) اذا لدعت الانسان أصابته بالبرداء (الملاريا)، والمادة التي في قشور شجرة (الكينا) اذا دخلت جسد المريض شفته من البرداء.
وانه جعل بين هذه الأشياء روابط، وجعل اجتماعها بمقادير قدرها، وامتزاجها بنسب عينها ينتج عنه أشياء جديدة. فـ (الكلور) وهو مادة مؤذية، و (الصوديوم) وهو مادة مؤذية، اذا اجتمعا كان منهما مادة نافعة لا بد للانسان منها، ولا يستغنى عنها وهي ملح الطعام.
١ - ووجدنا أن الروابط والعلاقات، تتبع كلها قواعد ثابتة، وأساليب معينة، لا تتبدل ولا تتغير هي سنن الله في الكون، التي اصطلحنا على تسميتها (قوانين الطبيعة).
стр. 59
٢ - وان هذه الروابط بين الأشياء التي سميناها قوانين الطبيعة، ليست كلها كالعلاقة الظاهرة بين النار والخشب الذي نحرقه، والنار والماء الذي يطفئها، ليست كلها بهذه (البساطة (١)) وهذا الظهور، بل ان أكثرها أدق وأعمق.
الله وضع في هذا الكون دواء لكل داء، ولكن لم يضع الدواء في مكان باد للعين، ولم يجعله (جاهزاً) معداً للاستعمال، بل جعله (تعالت حكمته) مخبوءاً في أوضاع عجيبة، وفي أماكن لا يظن أنه موجود فيها، فـ (البنسلين) الشافي، وضعه ربنا في العفن الاخضر، الذي يبدو انه سم مميت، كما وضع أجمل العطور ذوات الروائح العبقة، وأبدع الاصبغة ذوات الألوان الزاهية، في أقبح مادة ريحا وأبشعها شكلا، المادة السوداء القبيحة التي اسمها القطران، ومنها تستخرج العطور والألوان!
ولم توضع وضعا قريبا، بل ان العنصر المؤثر المطلوب، جعله ربنا ممزوجاً بمواد اخرى، متداخلا معها، يحتاج استخلاصه منها إلى عمليات وتجارب وجهود، ومن قرأ كتاب (التلميذة الخالدة) (٢)، علم كيف احتاج استخراج (غرام الراديوم)، إلى تصفية ركام هائل كالتل الصغير، من مواد مختلفة، واجراء العمليات المتعاقبة عليها، التي استمر اجراؤها سنين.
٣ - ولم نكتشف إلى الآن من هذه (النواميس) الكونية التي وضعها خالق الكون الا قطرة من بحر، رأينا فيها العجب العجاب، وصنفنا هذا القليل الذي كشفناه في زمر وأصناف سميناها (علوما)، فكان منها علم الحياة، وعلم الكيمياء، وعلم الفيزياء، وعلم الجسم (الفسيولوجيا)، وعلوم الطب، وسائر العلوم. وانقطع إلى كل علم منها ناس منا، تفرعوا لفهم قوانين الله فيه، وكشف المزيد منها، فكان منهم علماء الحياة، وعلماء الكيمياء، وسائر العلماء.
стр. 60
٤ - ووجدنا ان في الكون أشياء تضرنا وأشياء تنفعنا، وأن النفع والضرر على نوعين. منه ما يكون بسبب ظاهر، تطبيقا لقانون من قوانين الطبيعة، التي كشفناها وأدخلناها في نطاق علومنا، كمن يقف قلبه بتناول مادة سامة عرفناها، وعلمنا - بالتجربة - تأثيرها في القلب، ومنه ما يكون بغير سبب ظاهر، ولا يستند إلى قانون معروف، كمن يكون قوي الجسد، صحيح الجسم فيقف قلبه فجأة، بسكتة قلبية لا نعرف سببها. وكلا النوعين من الله، فالله وحده هوالنافع، وهو الضار.
٥ - والله قد فطر الانسان على جلب النفع، فهو يتخذ لجلبه كل وسيلة. وفطره على كره الضرر، فهو يستعمل لدفعه عنه كل حيلة. ويستعين على ذلك بكل طاقة ممكنة، وهذه الاستعانة منها ما يجوزه الدين، ومنها ما يمنعه، ويراه منافيا للايمان. فما هي الاستعانة المشروعة، وما هي الاستعانة الممنوعة؟
اذا مرض ولدك، وكان الطبيب إلى جوارك يسمع كلامك (فدعوته)، ففحص عن المرض، ووصف له الدواء، كانت هذه استعانة مشروعة، لأنك استعنت على الشفاء بالقانون الطبيعي، الذي وضعه خالق الكون، وبالرجل العالم بهذا القانون. ولكن ان دعوت دجالا أو ساحراً، ليعمل على شفائه بلا علم، ولا قانون، بل بقوى غيبية يزعم الاتصال بها، لم يثبت وجودها بالعلم الحسي، ولا بالدليل السمعي (١) كانت استعانة ممنوعة.
وإن جئت قبر الطبيب بعد موته، فدعوته وهو لا يقدر أن يفحص المريض، وأن يصف الدواء، كانت استعانة ممنوعة. وان عجز العلم ولم ينفع الدواء، فتوسلت إلى الشفاء بالدعاء، أو بالصدقة، أو طلبت من رجل صالح أن يدعو لك، كانت هذه استعانة مشروعة، وان وقفت على قبر الرجل الصالح، فاستعنت به وهو لا يملك تحريك لسانه بالدعاء لك، ولا يقدر من عند نفسه على شفاء مريضك، كانت هذه استعانة ممنوعة.
стр. 61
وتوسلك إلى الشفاء بسقي المريض الدواء الذي وصفه له الطبيب مشروع، ولكن ان أخذت الوصفة فجعلتها (حجابا) علقته بعنق المريض، أو نقعتها وسقيته ماءها، واعتقدت ان ذلك يشفيه فذلك ممنوع. وطلبك النفع بأشياء لم يجعلها الله سبباً ظاهراً له ممنوع، فالمرأة العاقر التي تشتهي الولد، اذا استعانت بطب الأطباء، وبالأدوية التي أنزلها الله، المستخرجة وفق قوانين العلم، لم تأت أمرا ممنوعا ولم تخالف الدين. ولكن اذا اعتقدت (كما كان يعتقد عجائز الشام (١)): ان قرع حلقة (جامع الحنابلة) في جبل قاسيون أول جمعة من رجب، يسبب لها الحبل، أو توسلت إلى ذلك بربط خرقة على شباك أحد القبور، تكون قد ارتكبت ممنوعاً، وخالفت عقيدة التوحيد.
فتبين من هذا ان الاستعانة بقوانين الطبيعة، والرجوع إلى الرجل العالم بها، واتخاذ الأسباب المعتادة الحصول النفع، كل ذلك جائز مشروع، على أن نذكر أن النافع في الحقيقة هو الله تعالى وحده دون سواه. وان الاستعانة بقوة غيبية مزعومة، لم يؤيدها العلم التجريبي ولم يثبتها الدليل السمعي، انما هي استعانة ممنوعة، منافية لعقيدة التوحيد.
توحيد الألوهية
التحليل والتحريم لله وحده
وهذه المنافع التي نصل اليها بتطبيق قوانين الطبيعة منافع دنيوية، لأن الله سلط عقولنا على كشف هذه القوانين، ولم يسلطها على كشف ما وراء المادة، ولا على جلب المنافع الأخروية. فنحن نعمل على جلب النفع، ودفع الضرر، في حدود المادة، وفي هذه الدنيا، ولا نملك لأنفسنا في العالم الآخر نفعاً ولا ضرراً.
ولما كان الله قد جعل للنفع الاخروي سببا، وهذا السبب هو عمل الواجب وجعل للضرر الاخروي سببا، وهذا السبب هو فعل الحرام، كان
стр. 62
التحريم والتحليل، الذي يترتب عليه الثواب والعقاب لله وحده، وليس لاحد أن يقول برأيه، هذا حلال وهذا حرام. وليس لأحد أن يوجب أمراً لم يوجبه الله، أو يحرم أمراً لم يحرمه الله، ومن أعطى حق التحليل والتحريم لغير الله، يكون قد عبده من دونه، أو شاركه معه في عبادته (١).
توحيد الألوهية
حب الله وخشية الله
الانسان يحب ويكره، يحب الطعام اللذيذ، ويحب المنظر الجميل، ويحب الرجل المرأة، وقد يبالغ في هذا الحب (أي: العشق)، فيفيض عليه - كما قدمنا - بعض مظاهر العبادة، ولكنه يبقى مع ذلك مقيدا محدودا ككل، حب بشري.
فنحن نحب المنفعة التي ننالها من الشيء الذي نحبه، أو اللذة التي نحس بها بقرب الشخص الذي نعشقه، فاذا أصيب المحبوب بمرض مشوه تتساقط منه الجوارح، ويذهب معه الجمال، او فسد الطعام وركبه العفن، أو تبدل المنظر وذهب منه الجمال، انتهى هذا الحب، بل ربما تحول إلى كره.
أما حب الله الذي يحسه المؤمن فهو حب مطلق غير مقيد ولا محدود، بل ان ما نحبه في الدنيا، انما نحب فيه الخالق الذي خلقه وأوجده، وسخره لنا وأقدرنا على الانتفاع به، او التلذذ بمرآه أو ملمسه.
والانسان يخشى كثيرا من المخلوقات، يخشى النار المشتعلة، والوحش المفترس، والسم المميت، والظالم القوي. ولكنها خشية محدودة مقيدة، هي البعد عن الضرر الكامن في المخوف، او الناشئ عنه. فاذا أمن الضرر ذهب من نفسه الخوف، أما خوف الله فمطلق غير مقيد ولا محدود.
وحب الله والخشية منه، هما من أسس التوحيد، وهما روح العبادة. ولا
стр. 63
بد من التنبيه على ان حب الله ليس معناه نظم قصائد الغزل بالله كما فعل ابن الفارض، ولا تسميته بالعشق الالهي كما نسبوا إلى رابعة العدوية.
وخوف الله ليس معناه الفزع المؤدي إلى الكره، ولا الجزع الموصل إلى الاختلال، بل ان حب الله بطاعته وإيثار مرضاته على شهوات النفس، ووساوس الشيطان، واتباع رسوله ﷺ فيما جاء به:
﴿قل ان كنتم تحبون الله فاتبعوني ... ﴾
فالاتباع هو مقياس الحب، وخوفه باجتناب محرماته، وايثار لذة الثواب في الآخرة، على لذة المعصية في الدنيا.
ثم ان الطاعة لله ليست كالطاعة لمخلوقاته، فنحن نطيع بعض البشر اما امتثالا لأمر الله كطاعة الرسول، او استجابة لدواعي الطبع، أو خوفا من الخطر. فالشعب يطيع الحاكم، والولد يطيع الوالد، والمرأة تطيع الزوج، والانسان يطيع من أحسن اليه اذا أمره بما لا يضره، وقد يكره أحدنا على الطاعة فيطيع خوفا من الأذى، ولكن هذه كلها (عدا طاعة الرسول فهي من طاعة الله) كلها طاعة محدودة، ليست الطاعة المطلقة التي لا حد لها، لأن الطاعة المطلقة لله، الطاعة في كل شيء، الطاعة فيما يسرنا وما يسؤونا، فيما نفهم حكمته وما لا نفهم حكمته، وهذه الطاعة هي ثمرة حب الله، وهي الدليل عليه.
توحيد الألوهية
أيات الصفات
لقد اجتنبت في هذا الكتاب الخوض في المسائل الكلامية، وأعرضت عن سرد اختلافات المتكلمين، ولكن مسألة (آيات الصفات) قد طال فيها المقال، وكثر الجدال، ولا بد من بعض البسط للكلام فيها.
لقد وصف ربنا نفسه في القرآن بألفاظ موضوعة في الأصل للدلالة على معانٍ أرضية، ومقاصد بشرية، مع أن الله ليس كمثله شيء، وهو الرب الخالق، تعالى عن أن يشبه المخلوقين. ولا يمكن أن تفهم هذه الألفاظ حين اطلاقها على الله، بالمعنى نفسه الذي تفهم به حين اطلاقها على المخلوق.
стр. 64
فنحن نقول فلان عليم، وفلان بصير، ونقول ان الله عليم، بصير، ولكن الكيفية التي يعلم بها العبد ويبصر - ليست هي التي يعلم بها ربنا ويبصر. وعلم العبد وبصره ليس كعلم الله وبصره، كذلك نقول استوى المعلم على منبر الفصل، ونقول استوى الله على العرش، ونحن نعرف معنى الاستواء (القاموسي) ونطبقه على المعلم، ولكن هذا المعنى لا يمكن أن يكون هو بذاته المقصود حين نقرأ ﴿الرحمن على العرش استوى﴾.
هذا كله متفق عليه بين العلماء، فهم جميعا مقرّون بأن آيات الصفات هي كلام الله. فاذا قال الله ﴿ثم استوى على العرش﴾. لم يستطع أحد أن يقول: ما استوى.
وهم جميعا معترفون بأن المعنى القاموسي البشري لكلمة (استوى). ليس هو المراد من قوله (استوى على العرش).
ولكنهم مع ذلك اختلفوا اختلافا كبيرا، في المراد المقصود، بعد اتفاقهم على ترك التعطيل والتشبيه، تساءلوا:
هل هذه الآيات حقيقة أم مجاز؟
وهل تؤوّل أم لا تؤول؟
أما الذين أوّلوا فقالوا بأن الحقيقة هي استعمال اللفظ بالمعنى الذي وضع له. وهذا هو تعريف الحقيقة عند عامة علماء البلاغة. ولا شك ان اللسان العربي الذي نزل به القرآن. وضعت فيه هذه الألفاظ قبل نزول القرآن. ووضعت لمعانٍ أرضية مادية، حتى انها لتعجز عن العبير عن العواطف والمشاعر البشرية. فضلا عن التعبير عن صفات الله خالق البشر، فان مظاهر الجمال وأشكاله لا حدّ لها، وما عندنا لها كلها الا كلمة (جميل) وأين جمال المنظر الطبيعي، من جمال القصيدة الشعرية، من جمال العمارة المزخرفة من جمال الغادة الحسناء؟ وفي النساء ألف لون من ألوان الجمال، وما عندنا لها كلها الا هذا اللفظ الواحد، فاللغات تعجز عن وصف الشعور بالجمال وكذلك القول في الحب، في تعداد أنواعه. واختلاف مشاعره. وضيق
стр. 65
الفاظ اللغة، عن وصف هذه الأنواع. ونعت هذه المشاعر فكيف تحيط بصفات الله، وتشرح كيفياتها؟
واذا كانت الحقيقة هي (استعمال اللفظ فيما وضع له) وكانت ألفاظ: استوى - وجاء - وخادع - ويمكر - ونسيهم. انما وضعت للمعاني الأرضية البشرية المادية، وكان استعمالها في القرآن في قوله ﴿استوى على العرش﴾ ﴿وجاء ربك﴾ ﴿وهو خادعهم﴾ ﴿ويمكر الله﴾ وقوله ﴿فنسيهم﴾ في غير هذا المعنى المادي الأرضي البشري الذي وضعت له - لم تكن اذن (حقيقة) بمقتضى تعريفهم هذا للحقيقة.
ومن ينكر انها مجاز، ومنهم ابن تيمية، يعرّف (الحقيقة) تعريفا آخر خاصاً به، غير التعريف الذي جرى عليه البلاغيون ويقول ما معناه: ان تأويل هذه الألفاظ، أي تفسيرها تفسيرا مجازيا، والجزم بأنه هو المراد مردود، لأن المعاني المجازية هي أيضاً معانٍ بشرية.
ولقد نظرت فوجدت أن هذه الآيات على ثلاثة أشكال:
١ - آيات وردت على سبيل الاخبار من الله، كقوله: ﴿الرحمن على العرش استوى﴾. فنحن لا نقول: "انه ما استوى"، فنكون قد نفينا ما أثبته الله. ولا نقول انه استوى على العرش، كما يستوي القاعد على الكرسي، فنكون قد شبهنا الخالق بالمخلوق، ولكن نؤمن بأن هذا هو كلام الله، وان لله مرادا منه لم نفهم حقيقته وتفصيله، لأنه لم يبيّن لنا مفصلا، ولأن العقل البشري (كما قدمنا) يعجز عن الوصول إلى ذلك بنفسه.
٢ - آيات، وردت على الأسلوب المعروف عند علماء البلاغة بالمشاكلة، والمشاكلة هي كقول القائل:
قالوا اقترح شيئاً نجدْ لك طبخه ... قلت اطبخوا لي جبة وقميصاً
وقول أبي تمام في وقعة عمورية، يرد على المنجمين الذين زعموا ان النصر لا يجيء الا عند نضج التين والعنب:
стр. 66
تسعون الفاً كآساد الشرى نضجت ... جلودهم قبل نضج التين والعنب
والآيات الوادرة على هذا الاسلوب كثيرة، كقوله تعالى: ﴿نسوا الله فنسيهم﴾.
فكلمة (نسوا) جاءت على المعنى (القاموسي) للنسيان. وهو غياب المعلومات عن الذاكرة. ولكن كلمة (فنسيهم) جاءت مشاكلة لها، ولا يراد منها ذلك المعنى، لأن الله لا ينسى: ﴿وما كان ربك نسياً﴾.
ونقول بعبارة أخرى: ان كلمة (نسوا) استعملت بالمعنى الذي وضعت له. وكلمة (فنسيهم) استعملت بغير هذا المعنى.
ومثلها قوله ﴿وهو معكم اينما كنتم﴾ اتفق الجميع على انها معيّة علم لا معيّة ذات، لأن صدر الآية ينص على أن الله استوى على العرش.
مثلها قوله ﴿سنفرغ لكم أيها الثقلان﴾، وقوله ﴿ومكروا ومكر الله﴾ وقوله ﴿يخادعون الله وهو خادعهم﴾.
كل هذه الآيات لا يجوز فهمها بالمعنى القاموسي، الماديّ، بل بمعنى يليق به جلّ وعلا.
آيات دلت على المراد منها آيات اخرى. كقوله تعالى: ﴿وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت ايديهم ولعنوا بما قالوا بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء﴾. تدل على المراد منها آية: ﴿ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط﴾. ويفهم منها ان بسط اليد يراد به الكرم والجود، ولا يستلزم ذلك، (بل يستحيل) أن يكون لله تعالى يدان كأيدي الناس والحيوان تعالى الله عن ذلك.
وقد جاء في القرآن قوله:
стр. 67
﴿بين يدي رحمته﴾، و ﴿بين يدي عذابٍ أليم﴾. والقرآن ﴿لا يأتيه الباطل من بين يديه﴾. وليس للرحمة ولا للعذاب ولا للقرآن، يدان حقيقيتان.
توحيد الألوهية
المحكم والمتشابه
بين الله في القرآن، ان فيه آيات محكمات، واضحة المعنى، صريحة اللفظ، وآيات وردت متشابهات، وهي التي لا يضح (١) المعنى المراد منها تماما بل تكثر افهام الناس لها، وتتشابه تفسيراتها حتى يتعسر أو يتعذر معرفة المراد منها، وآيات الصفات منها، وان على المؤمن، الا يطيل الغوص في معناها، ولا يتتبعها فيجمعها، ليفتن الناس بالبحث فيها (٢).
توحيد الألوهية
موقف المسلمين منها وكيف فهموها
المسلمون الاولون، وهم سلف هذه الامة، وخيرها وأفضلها، لم يتكلموا فيها، ولم يقولوا انها حقيقة، ولم يقولوا انها مجاز، ولم يخوضوا في شرحها، بل آمنوا بها كما جاءت من عند الله على مراد الله.
فلما انتشر علم الكلام، وأوردت الشبه على عقائد الاسلام، وظهرت طبقة جديدة من العلماء، انبرت لرد هذه الشبه، تكلم هؤلاء العلماء في آيات الصفات، وفهموها على طريقة العرب، في مجاوزة المعنى الأصلي للكلمة اذا لم يمكن فهمها به إلى معنى آخر، وهذا ما يسمى: (المجاز)، او (التأويل) (٣).
стр. 68
وهو موضع نزاع بين العلماء طويل. والحق ان هذه الآيات نزلت من عند الله، من أنكر شيئاً منها كفر. وان من عطلها تماما، فجعلها لفظا بلا معنى كفر. ومن فهمها بالمعنى البشري، وطبقه على الله فجعل الخالق كالمخلوق كفر والمسلك خطر، والمفازة مهلكة، والنجاة منها باجتناب الخوض فيها، واتباع سنن السلف، والوقوف عند حد النص، وهذا ما أدين الله به، وما أعقتده.
مظاهر العبادة
غاية العبادة
القلب الذي يؤمن بأن النفع والضرر كله من الله، وان التحليل والتحريم لله، وان الحب المطلق والخوف المطلق والطاعة المطلقة لله، يمتلئ بتعظيم الله، ويستعشر معنى (الله أكبر)، فيصغر معه كل شيء في جنب الله.
ولما كان في أعمال الانسان ما يدل على التعظيم المطلق، كالدعاء والصلاة، والركوع والسجود، والنذر والذبح، والتسبيح والتهليل. فان المؤمن لا يصنعها الا الله، فلا يصلي لسواه، ولا يركع ولا يسجد الا له، ولا يقول لأحد غيره: سبحانك، ولا يطلب غفران الذنوب إلا منه، لأن هذه كلها من مظاهر التعظيم المطلق، الذي هو سرّ العبادة.
ومن أعظم مظاهره الدعاء، والدعاء في اللغة النداء، والشرع لا يمنع أن تدعو (أي تنادي) انسانا حيا يسمع صوتك، ليعينك بعلمه أو قوته، على جلب النفع لك، وليس هذا هو الدعاء الذي نتكلم عنه، بل الدعاء الذي نقصده هنا، والذي هو مخّ العبادة، هو طلب جلب النفع ودفع الضرر بلا سبب مادي ظاهر، وهذا الذي لا يوجّه الا الله وحده، رأسا بلا واسطة، فلا يطلب الشفاء نفسه من الطبيب ولو كان حيا، لأن الطبيب يصف الدواء والشفاء من الله، فأولى الاّ يطلبه - أو يطلب ما يشابهه - من ميت أو من جماد، لأنه لا يمنح النفع بلا سبب ظاهر الا الله.
стр. 69
فالمؤمن يتخذ الأسباب، ثم يطلب المسبب من الله، وما لا يعرف الناس له سببا يطلبه من الله وحده، يدعوه ويقول: "يا الله"، ويعتقد ان بابه مفتوح، وان اجابته حاصلة لا يدعو غيره بدله، ولا يدعو غيره معه، وال يتخذ غيره وسيطا في الدعاء بينه وبينه. هذا هو الدعاء الذي هو مخّ العبادة.
غاية العبادة:
قلت ان للعبادة جسدا هو الألفاظ التي ينطق بها اللسان، والأعمال التي تقوم بها الأعضاء، ولها روح وروحها العقيدة التي دفعت اليها، والغاية التي عملت من أجلها، أي النتائج التي قصدها من عملها وقد شرحت جانبا من هذه العقيدة، وسألمّ الآن بطرف من هذه المقاصد.
المقصد الصحيح للعبادة: أن يكون الباعث عليها، والمقصود بها رضا الله، فلا نعملها للمال، ولا للجاه، ولا لنيل اعجاب الناس، ولا نتخذها سلما إلى متع الدنيا، ولا نريد بها الشهرة بالصلاح، وهذا المقصد الصحيح يسمى (الاخلاص)، وما يداخله من المقاصد الاخرى يدعى (الرياء)، والذي يحدّد المقصد من العمل هو (النية). والله لا يسألنا يوم القيامة عن الأعمال فقط بل يسألنا لماذا عملناها، وقد يكون العمل صالحا في ذاته ولكن لم يصح المقصد منه، ولم تسلم النية، ولم تكن خالصة لله، فيتحول صلاحه إلى فساد، وحسنه إلى قبح.
الصلاة مثلا عمل صالح، ولكن اذا كانت نية المصلي أن يراه الناس، فيعتقدوا صلاحه فيعطوه الأموال، ويهدوا إليه الهدايا. ولم يصل امتثالا لأمر الله، وطلبا لرضاه، كانت صلاته هذه عملا سيئا، وان كانت الصلاة في الأصل من الأعمال الحسنة.
لذلك تفاوتت هجرة المهاجرين، فكان منها الحسن والسيء، وان كان ظاهرها واحدا، وكانوا جميعا قد اشتركوا في السفر والارتحال، ومشوا في وقت واحد، في طريق واحد. فمن كان يقصد الفرار بدينه، ورضا ربه، كانت سفرته هجرة لله، يثاب عليها ثواب المهاجرين، ومن كان خاطبا امرأة في
стр. 70
المدينة، يريد زواجها، فلما رأى المهاجرين، قال في نفسه: اني أصحبهم لأتزوج بهذه المرأة. أو كانت له تجارة فصحبهم ليعمل في تجارته، وكان هذا وحده هو مقصده من السفر، كانت سفرته للدنيا، ولم تكن لله.
والنيات هي التي تفرق بين العادة والعبادة، فمن أفاق متأخرا، ومضى إلى عمله مستعجلا، وشغل عن طعامه وشرابه، فلم يدخل جوفه شيئا إلى الغروب، يكون قد قام بكل ما يطلب من الصائم ولكن لم ينل ثواب الصائمين، لأنه ما نوى الصيام ولا قصده (١)، والأعمال العادية، المباحة غير الممنوعة، اذا قصد بها صاحبها رضى الله، ونوى بها نية صالحة كانت له عبادة، ومن هنا قلنا ان جميع أعمال الانسان النافعة تكون له (بالنية) عبادة، فتشمل العبادة الحياة كلها، ويكون المرء متعبدا في طعامه وشرابه، وقيامه وقعوده، وكسبه وزواجه، ومن هنا يكون الفهم الصحيح لقوله تعالى: ﴿وما خلقت الجن والإنس الا ليعبدون﴾. فتكون العبادة بهذا المعنى الشامل، هي غاية الخلق.
مظاهر العبادة
الخلاصة
فتلخص من ذلك أن توحيد الالوهية - وهو القسم الرابع والقسم الاخص من الايمان بالله هو أن نعتقد ان النفع والضرر كله من الله وحده، فلا تطلب النفع الا منه، اما عن طريق السنن التي وضعها لهذا الكون المسماة بقوانين الطبيعة، واما منه رأسا بالدعاء، تدعوه وحده، لا تدعو غيره، ولا تدعوه مع غيره، ولا تتخذ اليه وسيطا، ولا تستعين الا به أو بالأسباب التي جعلها طريقا للنفع، مع ملاحظة أنه هوالنافع لا مجرد السبب، وأن تخصه بالحب المطلق الدافع إلى الطاعة المطلقة، والخشية الدافعة إلى اجتناب
стр. 71
المحرمات، وأن تخصه بالتعظيم المطلق، وبكل ما يدل عليه من قول وعمل، وأن تقصد رضاه وحده، لا تقصد بعبادتك الدنيا وأهلها ..
مظاهر العبادة
البحث العلمي
ولما كان الله قد أعطانا العقول، وأمرنا بالنظر في أسرار الوجود، وفي سننه العجيبة، وقوانينه التي أوجدها فيه، وكان علينا امتثال أمر الله، كان درس العلوم الطبيعية، واكتشاف أسرار الوجود عبادة. بشرط الاّ تقف عند معرفة القانون، بل تفكر في الاله العظيم الذي أوجده، فتزداد بهذا الفكر ايمانا بالله، واخلاصا في عبادته، وشرط آخر، هو ان تستعمل هذه الأسرار فيما ينفع الناس، ويرضي الله، لا فيما يضرهم ويؤذيهم، ويسبب في الأرض الفساد.
مظاهر العبادة
شبهة وردها
يسأل كثيرون، ما بال الكافر يعمل على ما ينفع الناس، يوزع الصدقات، ويبني الملاجئ والمستشفيات، ويفتح المدارس، ثم لا يكون له (عندكم) ثواب في الآخرة؟ والرد: ان الله لا يضيع عمل عامل من ذكر وأنثى، ولا يحرم محسنا ثمرة احسانه بل يعطيه ما يطلبه، أليس الجزاء الأعظم أن تعطي المحسن ما يطلبه.
فان كان المحسن مؤمنا، مصدقا بالآخرة، وطلب ثوابها، أعطاه الله ثواب الآخرة وان كان (هو نفسه) لا يريد الا الدنيا، الشهرة، والذكر الحسن، وان تكتب الجرائد عنه، ويسجل التاريخ اسمه، أعطاه ما يطلبه. هو لا يريد الآخرة، فلماذا تحزن أنت، وتعترض اذا لم يمنح ثوابها؟.
مظاهر العبادة
جدال في غير طائل
امتلأت كتب علم الكلام بالجدال: في (الصفات) و (الذات)، هل علم الله تعالى (مثلا) بذاته، أم بصفة العلم فيه، وبالتفريق بين صفات الذات، كالعلم والقدرة، وصفات الأفعال كالخلق والرزق. والجدل في كلام الله الذي جر إلى فتنة كبيرة، ما كان لها من داع، هي فتنة الامتحان
стр. 72
بالقول بخلق القرآن، وفي الحسن والقبح، والصلاح والاصلاح، وفي القضاء والقدر، وارادة الانسان، وأمثالها. ووجه الحق في هذه المسائل، هو رفض البحث فيها، والجدال عليها، وهي (اذا استعرنا لغة المحاكم) دعوى مردودة شكلا.
أولا: لأن السلف وهم أفضل المسلمين، وخيار هذه الأمة، من الصحابة والتابعين الكبار ما عرفوها، ولا بحثوا فيها. وكان دينهم أسلم، وايمانهم أصح، وهم قدوتنا في ديننا.
ثانيا: لأن من يدقق في أقوال الفرق المختلفة، يجدها كلها مبنية على أساس واحد، هو قياس الخالق على المخلوقين، وتطبيق منطق العقل البشري، وأحوال النفس الانسانية علىالله. وذلك باطل، لأن الخالق لا يشبه بالمخلوق، ولأن الله ليس كمثله شيء.
ثالثا: لأن هذه الأمور كلها، مما وراء المادة، أي من عالم الغيب، وقد تقدم في القاعدة الخامسة من قواعد الايمان، ان العقل قاصر حكمه على عالم المادة، لا يستطيع أن يحكم على ما وراء المادة، ولا يستطيع أن يدركه.
مظاهر العبادة
وجه الحق فيها
وأنا أدعو إلى شيء جديد، شيء هو أقرب إلى الحق، وأنفع لنا، هو أن ننقل الموضوع من جدال في صفات الله، إلى سلوك في الحياة يوصل إلى رضاه، فبدلا من أن نبحث (بحثا غير منتج) في القرآن هل هو مخلوق، أم غير مخلوق، نقول، ان القرآن أنزله الله لنعمل به، فلنعمل به، ولنأتمر بأمره، ولنقف عند نهيه. وبدلا من البحث في علم الله، وهل هو بذاته أم بصفة زائدة على الذات، نقول: اذا كان الله يعلم عنا كل شيء من سرنا وجهرنا، وانفرادنا واجتماعنا. فيجب أن نسلك في الحياة سلوكا موافقا لشرع ربنا، حتى يعلم عنا ما يرضيه علينا.
стр. 73
هذا هو الحق، وما مثل من يصنع هذا ومثل من يجادل في صفات الله، الا كمثل طلاب المدرسة، الذين يقال لهم: انها ستأتي لجنة عليا من الوزارة تتولى هي امتحانكم، فالعاقل منهم يقول: اذا كانت هذه اللجنة ستتولى الامتحان، فينبغي أن أستعد وأدرس، ولا أدع من المنهج المقرر شيئا لا أحفظه، والأحمق يجادل في هذه اللجنة، كيف يكون امتحانها، هل تتولاه كلها أم أفراد منها. وهل عددها (شفع) أم (وتر)، وهل تجيء بالسيارة أم بالطيارة، ولا يزال في هذا وشبهه حتى يأتي يوم الامتحان، وهو لم يعد له شيئا.
إن الله لا يسألنا يوم القيامة عن شيء مما ينى عليه المتكلمون جدالهم، وأقاموا عليه مختلف مذاهبهم، وملأوا به كتبهم. ولو كان ذلك من شروط الايمان، لبحث فيه رسول الله ﷺ وأصحابه، فلنتركه كله، فإنه أثر من آثار الفلسفة اليونانية القديمة التي دالت دولتها، وبطلت أكثر نظرياتها، ووهت أدلتها، وحل محلها في مسائل (الميتافيزيك) ما وراء المادة، فلسفة جديدة، لا تقل عنها ضلالا وتخبطا في مهامه الظنون، فلنجعل كتاب الله أمامنا، وليكن عليه اعتمادنا، وما كان فيه من ذكر لأمور مغيبة لم يعرض الا إلى جزء منها، آمنا بما جاء فيه، وفوضنا ما خفي عنا إلى من أنزله علينا.
стр. 74
مظاهر الإيمان
الايمان والعمل
التلميذ الذي يؤمن بأن الامتحان قريب، لم يبق دونه الا اسبوع، ثم لا يستعد له، ولا يهتم به، بل يشتغل عنه باللهو واللعب، لا يكون كامل الايمان بقرب الامتحان. والتائه الذي ترشده إلى الطريق الموصل، فيصدقك ويؤمن بكلامك، ثم يمشي إلى الشمال بدلا من اليمين، لا يكون تام الايمان بصدق المرشد. فالايمان الكامل تبدو آثاره في أعمال المؤمن، وفي سلوكه.
الايمان والعمل:
فالايمان لا ينفك عن العمل، لأن العمل نتيجة له، وثمرة من ثمراته، وهو مظهره الذي يظهر به للناس. ولذلك قرن الله الايمان بالعمل الصالح.
﴿إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيماناً وعلى ربهم يتوكلون الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون اولئك هم المؤمنون حقاً ... ﴾ ﴿إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله وإذا كانوا معه على أمرٍ جامعٍ لم يذهبوا حتى يستأذنوه ... ﴾ ﴿قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون والذين هم عن اللغو معرضون والذين هم للزكاة فاعلون والذين هم لفروجهم حافظون الا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون والذين هم على صلواتهم يحافظون ... ﴾
стр. 75
﴿ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس ... ﴾.
مظاهر الإيمان
الايمان يزيد
من العلماء من نظروا إلى الايمان، باعتباره عقيدة، لا تقبل التجزئة، فلا يكون المرء إلا واحداً من اثنين: مؤمنا، أو كافراً، ولا توسط بينهما، فذهبوا إلى ان الايمان لا يزيد ولا ينقص.
ولكن الجمهور نظر اليه، مقرونا بالعمل الصالح، فرأوه يزيد بازديادها، وهذا هو الحق الذي وردت به النصوص القاطعة، قال تعالى: ﴿واذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا ... فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا ... وما زادهم الا إيماناً وتسليماً﴾.
مظاهر الإيمان
ترك العمل لا يكفر
والعلماء من أهل السنة متفقون على أن مجرد ارتكاب المحرم من غير انكار لحرمته، وترك الواجب من غير انكار لوجوبه، ولا استخفاف به، يعرّض صاحبه لعذاب الآخرة لكنه لا يكفر صاحبه، ولا يخلده في النار.
وما ورد في الحديث، من ان الزاني لا يزني حين يزني وهو مؤمن، معناه أنه لا يكون ساعة الزنا ذكرا ان الله مطلع عليه، ولو ذكر ذلك لمنعه منه حياؤه من الله، ولو ان فاسقا أعد عدة الزنا، وهم، فرأى أباه يطل عليه ويراه - هل يستطيع أن يمضي فيه، أم يمنعه منه الحياء من أبيه؟ فكيف لا يمنعه الحياء من الله، وهو ذاكر انه يراه؟.
ثمرات الايمان
الذكر
وثمراته هي هذه الأعمال القلبية، التي لخصها رسول الله ﷺ ، في