← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 37566

جالب السرور لربات الخدور

عبد الكريم بن صالح الحميد

Полный текст (68 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

جالب السرور لربات الخدور كتبه الشيخ عبد الكريم بن صالح الحميد حفظه الله تعالى

стр. 2

تقرئين في هذا الكتاب إن العيون لها كلام صامت ... قد لا يعبر عنه كل لسان! لغة العيون بليغة وصريعها ... لا يُفْتدى وهو الجريح العاني! إن تقربي ركب الغُواة فإنما ... ركب الغواة إلى الجحيم يسير ما أجمل الدين الذي صرنا به ... بين الهداية والضلال نفرّق! من ذا يقول بأن من ... يدعو النساء إلى السفور خيراً يريد بقوله ... لا .. والذي مرج البحور! لا تُخدعي إن الجمال لفي التُّقى ... وستذكرين نصيحتي يوم اللقا لكنه ذكْر يفوت آوانه ... إذ ما هناك سوى السعادة والشّقا فتأهبي للموت قبل نزوله ... ماذا لديك من الوسائل للبقا؟!! دعي داع دعاك إلى السعير ... أفيقي قبل قاصمة الظهور أما للقبر سعيك كل يوم ... وبعد القبر صائحة النشور قالوا السفور تقدم فتقدمي ... بشجاعة فارم الحجاب وأقدمي! من تستجيب لدعوة هدّامة ... للدين فهي على طريق جهنم إن الحرائر إن مشين سوافراً ... بين الرجال فعرضهن مهدّر كم من يُغَرّ بأنه متمسك ... بالدين وهو مغرر بأماني!! أين العقول وأبن الدين أين هما ... وهل نعيش بلا عقل ولا دين!!

стр. 3

لا يرتجى الخير من شر ولو كثرت ... فيه الأقاويل من مدح وتهوين! أنظر لعمرك إنه متقلّص ... كالظل .. وانظر سرعة الأيام عند انتهاء الخطْو تعلم أنما ... قد كنت في لهو وفي أحلام! إن السفور وسيلة لمفاسد ... تربو على الإحصاء والتبيان أنسيتموا ما حل فيمن قلنا ... من شؤم ما عملوا من العصيان! الشيخ/ عبد الكريم الحميد

стр. 4

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ المقدمة الحمد لله الهادي إلى أقوم طريق، والصلاة والسلام على الرحيم بأمته الناصح الشفيق .. ... أما بعد .. فهذه ذكرى لعلها أن تصادف من في قلبها حياة فتزداد بها إيماناً وتقوى، أو تصادف من قلبها تائه في أودية المهالك، فلعلها تؤوب وتنوب بعد أن سلكت تلك المسالك. وتعلم أنها لم تخلق لتلهو وتلعب، وتأكل وتشرب، فبالله ما الفرق بين هذه وبهيمة الأنعام إلا أمان البهيمة من سوء المنقلب. الأمر أكبر وأخطر مما يتصوره اللاهون، ويتخيله الغافلون ويظنه الجاهلون، (لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ).

стр. 5

إذا قيل .. إنك جميلة إذا قيل إنك جميلة، فهل يعني هذا أن تعرضي جمالك في أسواق الفساد والرذيلة، سائلي نفسك إن كنت نبيلة، أبهذا أمرت أم لهذا خلقت؟ أم تطمعين أن تكون للفجرة خليلة؟. إن الجمال نعمة إذا كان مصوناً محفوظاً عن الأدناس، وهو نقمة إذا كان سلعة تعرض على فجرة الناس. إن الصورة الجميلة إذا عُرضت للفتنة، بقيت في سخط الإله وصارت على صاحبتها بلية ومحنة. وكذلك الصوت الجميل، إذا استعمل في الغناء والأباطيل فهو صوت بغيض للجليل. إن الذي خلق الصور والأصوات، أراد أن تُستعمل في طاعته لا باتباع الهوى والضلالات، (إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً).

стр. 6

لا تخدعي إن الجمال لفي التُّقى ... وستذكرين نصيحتي يوم اللقا لكنه ذكر يفوت أوانه ... إذ ما هناك سوى السعادة والشقا فاليوم توبي واخلعي ثوب الهوى ... هو ثوب سوء ما يزال مخرّقا وتأهبي للموت قبل نزوله ... ماذا لديك من الوسائل للبقا كم قد رأيت صحيحة ما راعها ... إلا النذير إلى المقابر سائقا

стр. 7

سكر الهوى خرجت بزينتها لعرض جمالها ... بعباءة زعمت ستستر حالها شغلت عيوناً مع قلوب أسلمت ... داعي الهوى أرسانها ورِحالها شعرت بأن الكل ينظر نحوها ... راع الخلائق حسنها وجمالها يا فرحة غمرت فؤاد غريرة ... ظنت سعادتها يهل هلالها فرحت بسخط إلهها وتنعمت ... بشقاوة حلت بها أثقالها لقد رأوك في السوق، بملابس الفجور والفسوق، خالعة جلباب الحياء، مسخطة من في السماء، مرضية من يجري منك في العروق، علموا أنك تزينت وتبرجت للناظرين، فاستجابت لك عيون الفاسقين، وتمنوا لو رأوك عارية كيوم تولدين، ليشبع منك نهمهم، ويقضوا منك وطرهم، وأنت وهم في غفلة عن عواقب هذا الأمر العظيم، وكأن من عصى الإله لم يُتوعد بنار الجحيم، إنك في سكر الهوى غاوية،

стр. 8

وعن ربك لاهية، ولدينك ناسية، والله لقد أصبت بداهية، ولكنك لا تشعرين. دعي داع دعاك إلى السعير ... أفيقي قبل قاصمة الظهور أما للقبر سعيك كل يوم ... وبعد القبر صانحة النشور جمالك قشرة وإلى زوال ... ولا تدرين عاقبة الأمور جمالك صار مجلبة لداء ... هو الإعجاب داعية الغرور سيذبل بعد يوم ثم يوم ... ويأتي الغم من بعد السرور لبست البنطلون، ووقفت ساعات أمام المرأة، ولسان حالها يقول هذه الكلمات، أين أنتم يا من ينظرون؟! لقد خرجت المسكينة من الوقار والسكينة إلى هَوَج يشبه الجنون!!. برزت في الأسواق تتبختر، قال لها إبليس لم يرك أحد إلا هام وتحيّر، أنت من الحور ولست من البشر، هي غافلة عن الغَرور (١)، ونفسها الأمارة بالشرور، ولو عاد لها عقلها ساعة، لتفكرت في قبح البضاعة، وأنها قشرة على أنجاس في غاية الفضاعة!!.

стр. 9

دواء للنساء والرجال من الإعجاب والكبر قال بعضهم: يا مُظهر الكبر إعجاباً بصورته ... أنظر خلاك فإن النتن تثريب لو فكر الناس فيما في بطونهم ... ما استشعر الكبر شبان ولا شيب هل في ابن آدم مثل الرأس مكرمة ... وهو بخمس من الأقذار مضروب أنف يسيل وأذن ريحها سهك ... والعين مرمصة والثغر ملعوب يا ابن التراب ومأكول التراب غداً ... أقصر فإنك مأكول ومشروب الرجيع في الأمعاء. والبول في المثانة. والمخاط في الأنف. والبزاق في الفم. والوسخ في الأذنين. والصديد تحت البشرة. والصنان تحت الإبط. ويغسل الغائط كل يوم مرتين. قال ابن مسعود ﵁: إذا أعجبت أحدكم امرأة فليذكر مناتنها.

стр. 10

يبين قول ابن مسعود ما قاله مالك بن دينار: إن لم تتعطر زفِرَت. وإن لم تستك بخِرَت وإن لم تمتشط وتدّهن قمِلت وشعثت. وإن تُعمّر عن قليل هرمت. ذات حيض وبول وأقذار جمة.

стр. 11

الحجاب [حوار مع فتاة نصرانية] جاءت فتاة نصرانية لأحد العلماء، وقالت له: أنا عرفت عن الإسلام الشيء الكثير، وقد أعجبت بهذا الدين وأحكامه، وأحببته حباً كثيراً، ولكن حكماً واحداً صار سبباً لعدم دخولي في الإسلام، وقد ناقشت حوله عدة أشخاص فلم أحصل منهم على جواب مقنع، وإذا استطعت أنت –أيها العالم- أن تبين لي فائدة هذا الحكم فإنني سأدخل في الإسلام؟ فقال العالم: وما هو ذلك الحكم؟ فقالت: حكم الحجاب، فلماذا فرض الإسلام الحجاب على المرأة؟، ولماذا لا يتركها تخرج سافرة كالرجل؟ فقال العالم: هل ذهبت إلى سوق الصاغة، وإلى المحلات التي تُباع فيها الذهب والمجوهرات؟.

стр. 12

فقالت الفتاة: نعم. فقال العالم: هل رأيت أن الصائغ قد وضع الذهب والمجوهرات في الصندوق وقفل باب الصندوق؟. فقالت: نعم. فقال لها: لماذا لم يترك المجوهرات في متناول الأيدي؟ ولماذا أودعها في الصندوق المقفول؟ فقالت: لكي يحرسها من اللصوص والأيدي الخائنة. فقال لها: وهذه هي فائدة الحجاب، إن المرأة ريحانة .. المرأة جوهرة .. ياقوتة يجب المحافظة عليها من الخائنين والفاسدين، ويجب حفظها في شيء يسترها من عيون المجرمين، -كما يحفظ اللؤلؤ في الصدف- حتى لا تقع فريسة لهم، والحجاب فقط هو الساتر والحافظ لها. إن المرأة المحجبة آمنة من الخائنين، لأن جسدها مستور ومحاسنها مستورة، فالناس لا يرون منها شيئاً، ولا يطمعون فيها، وهم في معزل عنها، ولا يلفتهم شيء منها،

стр. 13

بل يتهيبونها ويستحيون منها، كل ذلك لأجل (الحجاب) إذاً فالحجاب وقاية لك، وصيانة لشرفك وكرامتك. نعم، أيتها الفتاة، هذا جانب من فائدة الحجاب، وهنا تهلل وجه الفتاة النصرانية، وقالت: الآن اقتنعت بهذا الحكم الإسلامي، والآن عرفت الحكمة منه، والآن طاب لي الدخول في الإسلام، ثم تشهدت الشهادتين. هذا الحوار الجميل يبين لنا أن الله أراد المحافظة على كرامة المرأة، وأراد صيانة المجتمع وحمايته، فأوجب الحجاب كشرط أساسي لذلك. قالوا السفور تقدم فتقدمي ... بشجاعة فارم الحجاب وأقدمي إن الحجاب عن الحضارة حاجب ... فارميه ترقي للرقي بسلم هي خدعة من ماكر متحيّل ... داعي فجور فاسق ومذمم من تستجيب لدعوة هدامة ... للدين فهي على طريق جهنم حسدوا العفيفة والمصونة أنها ... تأبى التبذل للخبيث المجرم

стр. 14

هذا زمان المرأة الرَّجُلة، ترتكب الآثام لا خائفة من الله ولا من الناس خجلة، إنها حبالة الشيطان وشراكه، من وقع في شباكها صعب فكاكه، وقرب هلاكه.

стр. 15

المرأة الصالحة أما المرأة الصالحة فالشيطان عنها بعيد، يقترب من قلبها ليدعوها لحزبه ولكنه يندحر لما يرى فيه من آثار الوعد والوعيد، هذه أيقنت بوعد الله ووعيده، وأنها من جملة إمائة وعبيده، علمت أنها مملوكه ومالكها أمرها بالحجاب، صيانة لها عن الكلاب والذئاب، وحماية لها عن مواطن الارتياب. علمت أن في طاعة مالكها كل ما تسمو إليه النفوس الشريفة، وكل ما تصبو إليه الصالحة العفيفة. أليس أسمى المطالب وأعلاها مطلب السعادة؟!، وهل تدرك بغير طاعة من ثواب طاعته الحسنى وزيادة؟، إن هذا في الآخرة أما في الدنيا فعزة الإيمان وشرفه وسموه، وسرور المطيع وعلوه.

стр. 16

أثر المعاصي على القلوب إن للمعاصي آثار سوء في القلوب هي أعظم من آثار الآلام على الأبدان، إنها مجلبة للهموم والغموم والأحزان، إن لها عقوبات معجلة ذكر أهل العلم منها: نسيان العبد لنفسه فينسيه الله عيوب نفسه ونقصها وآفاتها فلا يخطر بباله إزالتها وإصلاحها. ويسيه أمراض نفسه وقلبه وآلامها فلا يخطر بقلبه مداواتها ولا السعي في إزالة عللها وأمراضها التي تؤول إلى الفساد والهلاك، فهو مريض مثخن بالمرض ومرضه مترام به إلى التلف ولا يشعر بمرضه ولا يخطر بباله مداواته، وهذا من أعظم العقوبة للعامة والخاصة. ومن تأمل هذا الموضع تبين له أن أكثر هذا الخلق قد نسوا أنفسهم حقيقة وأضاعوا حظها من الله وباعوها رخيصة

стр. 17

بثمن بخس بيع الغبن، وإنما يظهر لهم هذا عند الموت. ويظهر هذا كل الظهور يوم التغابن. ومن عقوباتها: أنها تزيل النعم الحاضرة وتقطع النعم الواصلة. فتزيل الحاصل وتمنع الواصل. ومن عقوباتها: أنها تباعد عن العبد وليه وأنصح الخلق له وأنفعهم له، ومن سعادته في قربه منه، وهو الملك الموكل به، وتدني منه عدوه وأغش الخلق وأعظمهم ضرراً له وهو الشيطان. فإن العبد إذا عصى الله تباعد منه الملك بقدر تلك المعصية، فليس شيء أنفع للعبد من صحبة الملك، وإذا اشتد قربه من العبد تكلم على لسانه وألقى على لسانه القول السديد. وإذا بَعُد منه وقرب الشيطان من العبد تكلم على لسانه قول الزور والفحش حتى يُرى الرجل يتكلم على لسان الملك والرجل يتكلم على لسان الشيطان. وإذا آذى العبد الملك بأنواع المعاصي والظلم والفواحش

стр. 18

دعا عليه ربه وقال: (لا جزاك الله خيراً) كما يدعو له إذا أكرمه بالطاعة والإحسان. قال بعض الصحابة ﵁: (إن معكم من لا يفارقكم فاستحيوا منهم وأكرموهم). ومن عقوباتها: أنها تستجلب مواد هلاك العبد في دنياه وآخرته، فإن الذنوب هي أمراض القلوب متى اسْتحكمت قتلت ولا بد.

стр. 19

طب الأبدان وطب الأديان وكما أن الجسم لا يكون صحيحاً إلا بغذاء يحفظ قُوته، واستفراغ يستفرغ المواد الفاسدة والأخلاط الردية التي متى غلبت عليه أفسدته جميعه، وحُمْية يمتنع بها من تناول ما يؤذيه ويخشى ضرره. فكذلك القلب لا تتم حياته إلا بغذاء من الإيمان والأعمال الصالحة تحفظ قوته. واستفراغ بالتوبة النصوح يستفرغ بها المواد الفاسدة والأخلاط الردية منه. وحُمْية توجب له حفظ صحته واجتناب ما يضادها، وهي عبارة عن ترك استعمال ما يضاد الصحة. والتقوى: اسم يتناول هذه الأمور الثلاثة فما فات منها فات من التقوى بقدره.

стр. 20

وإذا تبين هذا فالذنوب مضادة لهذه الأمور الثلاثة، فإنها تستجلب المواد المؤذية، وتستوجب التخليط المضاد للجميع. وتمنع الاستفراغ بالتوبة النصوح. فانظر إلى جسم عليل قد تراكمت عليه الأخلاط ومواد المرض وهو لا يستفرغها ولا يحتمي لها كيف تكون صحته وبقاؤه؟، ولقد أحسن القائل: جسمك بالحمية أحصنته ... مخافة من ألم طاري وكان أولى بك أن تحتمي ... من المعاصي خشية الباري فمن حفظ القوة بامتثال الأوامر، واستعمل الحمية باجتناب النواهي، واستفرغ التخليط بالتوبة النصوح لم يدع للخير مطلباً ولا من الشر مهربا.

стр. 21

من العقوبات الشرعية المترتبة على الذنوب فإن لم تَرُعْك تلك العقوبات –والتي تقدم ذكرها- ولم تجد لها تأثيراً في قلبك فأحضر العقوبات الشرعية التي شرعها الله ورسوله على الجرائم، كما قطع يد السارق في ثلاثة دراهم، وقطع اليد والرِّجل على قطع الطريق على معصوم المال والنفس، وشق الجلد بالسوط على كلمة قذف بها المحصن، أو قطرة خمر يدخلها جوفه، وقتل بالحجارة أشنع قتله في إيلاج الحشفة في فرج حرام، وخفف هذه العقوبة عمن لم تتم عليه نعمة الإحصان، وفرّق بين رأس العبد وبدنه إذا وقع على ذات محرم، أو ترك الصلاة المفروضة، أو تكلم بكلمة كفر، وأمر بقتل من وطئ ذكراً مثله وقتل المفعول به، وأمر بقتل من أتى بهيمة وقتل البهيمة معه (١).

стр. 22

وعزم على تحريق بيوت المتخلفين عن الصلاة في الجماعة، وغير ذلك من العقوبات التي رتبها الله على الجرائم.

стр. 23

من العقوبات العاجلة والمترتبة على الذنوب -كلما دعتك نفسك إلى مقارفة المعاصي والذنوب -فاستحضر بعض العقوبات التي رتبها الله عليها وجوّز وصولها إليك، واجعل ذلك داعياً للنفس إلى هجرانها. وأنا أسوق إليك منها طرفاً يكفي العاقل مع التصديق ببعضه فمنها: الختم على القلوب والأسماع، والغشاوة على الأبصار، والأقفال على القلوب، وجعل الأكنة عليها، والرَّيْن عليها، والطبع عليها، وتقليب الأفئدة والأبصار، والحيلولة بين المرء وقلبه، وإغفال القلب عن ذكر الرب، وإنساء العبد نفسه، وترك إرادة الله تطهير القلب، وجعل الصدر ضيقاً حرجاً كأنما يصعد في السماء، وصرف القلوب عن الحق، وزيادتها مرضاً على مرضها، وإركاسها، وإنكاسها. ومنها: التثبيط عن الطاعة والابتعاد عنها.

стр. 24

ومنها: جعل القلب أصم لا يسمع الحق، أبكم لا ينطق به، أعمى لا يراه. فتصير النسبة بين القلب وبين الحق الذي لا ينفعه غيره كالنسبة بين أذن الأصم والأصوات، وعين الأعمى والألوان، ولسان الأخرس والكلام. وبهذا يُعلم أن الصم والبكم والعمى للقلب بالذات والحقيقة، وللجوارح بالعَرَض والتبعية، (فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ). وليس المراد نفي العمى الحسي عن البصر وإنما المراد أن العمى التام على الحقيقة هو عمى القلب. والمقصود أن من عقوبات المعاصي جعل القلب أعمى أصم أبكم. ومنها: الخسف بالقلب كما يُخسف بالمكان وما فيه. فيخسف به إلى أسفل سافلين وصاحبه لا يشعر.

стр. 25

وعلامة الخسف به أنه لا يزال جوّالاً حول السفليات والقاذورات والرذائل. كما أن القلب الذي رفعه الله وقرّبه إليه لا يزال جوالاً حول البر والخير ومعالي الأمور من الأعمال والأقوال والأخلاق. قال بعض السلف: إن هذه القلوب جوالة، فمنها ما يجول حول الشر، ومنها ما يجول حول الخير. ومنها: مسخ القلب فيمسخ كما تمسخ الصورة. ويصير القلب على قلب الحيوان الذي شابهه في أخلاقه وأعماله وطبيعته. فمن القلوب ما يمسخ على خنزير لشدة شبه صاحبه به، ومنها ما يمسخ على قلب كلب أو حمار أو حية أو عقرب أو غير ذلك. فسبحان الله كم من قلب منكوس وصاحبه لا يشعر وقلب ممسوخ، وقلب مخسوف به، وكم من مفتون بثناء الناس عليه، ومغرور بستر الله عليه، ومستدرج بنعم الله

стр. 26

عليه. وكل هذه عقوبات وإهانات ويظن الجاهل أنها كرامة. (١) إنتهى كلام ابن القيم ﵀ مختصراً.

стр. 27

الثياب الشفافة يا من تثير غرائز الرجال، بثياب شفافة زعمت أنها للجمال، كذبت بل هذه ثياب الإبتذال للفسقة والأنذال، وليست هذه ثياب، إنها ثقوب لتمرير عيون الذئاب، ماذا تريدين بهذا أيتها الفاتنة المفتونة؟. أما خشيت أن تبوئي بسخط من الله فتصبحين وتمسين ملعونة؟. أين الستر وأين الصيانة؟، وأين منك زواجر الشريعة والديانة؟، تتشبهين بالعجم، وهم أراذل الشعوب والأمم. غَرَّتك منهم دنياً مزخرفة جذابة، قد أصبحت للقلوب والعقول خلابة، أتراك مستيقنة أم أنت مرتابة؟، أما علمت أنها جنتهم التي بها في هذه الدنيا يتنعمون وعليها يتنافسون وأنهم وقود جهنم فيها يخلدون.

стр. 28

سُلِبْت عقلك مع دين خُلِقْت له ... وزاكي العقل مقرون مع الدين طلبت أنسك في درب سيمحقه ... ويورث الهم في كل الأحايين فطاعة الله لا أنس يماثلها ... ومؤثر الغي مأسور الشياطين هموم قلبك لا شيء يفرّجها ... إلا الإنابة أو خسران مغبون شفاء قلبك في توحيد خالقه ... ففطرة الله في شرع وتكوين

стр. 29

النقاب حِيَل تدور على العباءة والنقاب وسائر الثياب، والمطلب واحد وإن تعددت الأسباب، وهو التكشف والعُري لإثارة الغرائز وتهييجها، وإشعال نار الشهوات الكامنة وتأجيجها، وقتل الحياء بالتدريج ووأد العفة بالتهييج. نار الشهوة إذا انطلقت متفلتة من زمام التقوى وخطامها فهي لا تُبقي ولا تذر، فالحذر الحذر، فأول السيل قطر ثم ينهمر. إن كان عقلك حاضر فتصوري العواقب إنه لا يتم للشيطان مكره إلا حين يكون عقلك عازب، وشياطين الإنس والجن يزحزحونه بهذه المقدمات لتحصل لهم الأغراض والمطالب.

стр. 30

الحب والحبيب أراك سمعت عن الحب والحبيب، من منافقين لا حظ لهم في الآخرة ولا نصيب، أغروك بزخرف القول من الغزل والتشبيب، فظننت أن ذلك غاية المطالب، ونهاية المآرب، وأنه الجالب للسعادة والسرور، والنعيم والحبور. إن هؤلاء قطاع طريقك عن حقيقة الحب وعن من ليس لك سواه حبيب، وإنما أرادوا بهذه الوسائل الحصول على أغراضهم منك وبعد ذلك فلك منهم التضييع والتسييب. أتصدّقين الفاسق الفاجر وتظنين أن له أمانة، وقد خان مولاه معك هذه الخيانة، هو مأمور مثلك بغض البصر وحفظ الفرج والبعد عن مواطن التهم والريب، لكنه عصى ربه ولبس ثياب الفسق والعيب، فصار يبحث عن خليلة، يحتال بكل حيلة. ويتوسل بكل وسيلة. يعطيك معسول الكلام لتنقادي له مطيعة ذليلة.

стр. 31

إن الذي أودع قلبك هذه المحبة لا يرضى بذلها للأغيار إنها أصل العبودية ولبها فكيف تبذلينها للفسقة والفجار، حتى الزوج المطيع لربه، ليس له منك، ولا لك منه إلا المودة والرحمة، لا مجاورة الحد بالمحبة، فما طوفان الحب والمحبة في هذا الزمان، إلا أثر الزيغ والطغيان، وما خلق الله الصور الجميلة لتعبد من دونه وإنما للابتلاء والإمتحان. وما أودع المحبة القلوب إلا لتتعلق به دون من سواه من الخلائق، لأنها في الحقيقة قواطع وعوائق، أما سمعت بيوم المزيد، حيث يتجلى الحبيب الحق للعبيد، فيغشاهم نوره وينظرون إليه بأبصارهم من فوقهم، فلا تزيغ أبصارهم عن رؤية معبودهم وإلههم، لكمال لذتهم وتمام نعيمهم وغاية فرحهم وسرورهم. هذا هو المطلب الأسني، فلا تكوني مغبونة بالتعلق بالخسيس الفاني الأدنى، إن كنت فهمت المعنى وإلا فروحك سفلية، لا تصلح للمقامات العلية، والحلل السنية،

стр. 32

فاسألي ربك البتوفيق للهداية، وأن يجنبك سبل الضلالة والغواية. صور الجمال إلى الفناء تصير ... وإلى التحول فالزمان يسير يا من تعلق قلبها في صورة ... هذا افتتان قد أتاك نذير فتعوذي بالله من غاو طغى ... وحداك فيه من الأمور خطير من خان مولاه احذريه فإنه ... سيكون في كل الشرور جدير أنت الملومة بالتعرض للذي ... تُنْهين عنه وقد نهاك خبير إن تقربي ركب الغواة فإنما ... ركب الغواة إلى الجحيم يسير

стр. 33

الأغاني يا من هيجتها الأغاني، وفتحت لها أبواب الخيالات والأماني، أنت الملومة بتعرضك للمحظور، وجرأتك على عظائم الأمور. إن الغناء مفسد للقلوب، ومن أعظم الصوارف عن المحبوب، يُهيج ويغري بالسفليات المليئة بالآفات والعيوب، هو قرآن الشيطان، فلا يجتمع في القلب هو وقرآن الرحمن. سكر الغناء أشد من سكر الشراب، إنه يخطف الأرواح ليجول بها في مهامه الخيال ومفاوز السراب. من شُغِفت به تلاعب بها الشيطان وأسلمها للذئاب، إن حقيقة ما يُصوّت به المغني كلام يجاوز به الحدود، فيصف العيون والخدود، والثغور والقدود.

стр. 34

شاطح بالخيال، داع إلى عبادة الجمال، يظهر الحزن والتأوه تلك الساعة، ليروّج على السفهاء فاسد البضاعة، وتصاحبه آلات لها طنين ورنين، تُستخف بها عقول الفاسقين، وكل ذلك خيال كالأحلام إن كنت تعقلين. إذا سكت المغني من أصواته، وسكتت آلاته، فالسامع من رأى حلماً في نومه ثم أفاق من سباته، لا شيء بين يديه إلا التخيل والأماني الباطلة، مع زيادة ظلمة الران على قلبه والكدر على روحه العاطلة. إن وظيفة المغني صرف قلبك عما خلق له من محبة المعبود، وهو يعلم أنه لا يحصل له ذلك إلا بالتخييل بلا حدود، هو يصور الرجل للمرأة بأنه غاية الأماني والمراد ويصور المرأة للرجل مثل ذلك ليستحكم الفساد. ما يزال في ذكر الحب والحبيب، والعشق والتشبيب وكأن الله أودع المحبة قلوب عبيده وإمائه ليتعلق بعضهم ببعض، ومن أجل ذلك خلق الله السموات والأرض.

стр. 35

وقد قال تعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ). المراد: بغاية الذل والمحبة يوحدون. التشريك بالمحبة داء لا يشبه الأدواء، وهو من عظيم المصائب والبلوى، كيف بمن يصرح بإخلاص المحبة لمخلوق محشو بالأنجاس، وهو كسائر الناس، جماله قشرة تغشي الأقذار والأدناس، وسرعان ما تذبل وتتحول جيفة في الآخر نطفة مهينة في الأول، وبين ذلك تحمل النتن والريح في الباطن تتجول، خلق الله الخلق هكذا ليعرف العبد قدره وقدر غيره من العباد، فلا يهيم بكل واد، وينسى البعث يوم المعاد، ويضل عن معبوده الجميل الجليل الذي لا يرضى مشاركة الأنداد. الذي يحب لجماله محبة مقرونة بإجلاله. فمحبته لجماله محركة للإرادة والطلب وصدق الإنابة. وإجلاله يوجب الخوف من مقته وطرد العبد عن بابه.

стр. 36

إن الغنا لَرُقى الزنا ومُفتّحٌ ... أبواب تخييل لمن هو عاطل فيهيم في وديان غيّ سارحاً ... ويظل في أوقاته متخايل متصور عشق الجمال نعيمه ... وكمال لذته وما هو آمل قرآن شطان وعقد قرانه ... لا يرتضيه من الرجال العاقل هو منبت في القلب داء نفاقه ... هو في البداية والنهاية باطل

стр. 37

الخلوة جالبة للشقوة كم خلوة دون المحارم أفسدت ... عِرْضاً مصوناً والتجارب تُخبر يا ثالث (١) يغري بكل محرم ... ويُهوّن الفحشاء حتى تصغر كم صاد في هذا التحيّل غافلاً ... يا حيلة هي للعقول تحيّر قُرب الحمى مُغرٍ بكسر سياجه ... ما حام حول حمى الإله مظفر إن التي تخلو بغير محرم متعرضة للذم وموجبات الحسرة والندم، كم من جريئة لذلك فعلت فتحسرت وندمت، الحذر الحذر من مقاربة ما نهى عنه المشرّع وزجر، فالشارع حكيم، ومقاربة ذلك اقتراب من العذاب الأليم. بالخلوة تمكن للشيطان لا يدركه بغيرها من الأمور، ومن حام حول الحمى يوشك أن يقع في المحذور.

стр. 38

تنخلع العصمة، وتستحكم الغفلة، وتثور الشهوة، وتغطي القلب الظلمة، والشيطان يزيّن ويهوّن ما يوجب العذاب والشقوة. كيف التخلص من هذه البلوى، إلا بدخول حصن التقوى، فالحذر الحذر، فإن النار تشتعل بصغار الشرر.

стр. 39

الأزياء وجمال الخِرَق المصبوغة التي تُتابع ما يسمونه (الأزياء) مفتونة عمياء، مالها مسلوب، ودينها محروب، مسرفة في المال، مخدوعة بالجمال، وستعلم في المآل أن أعمالها هذه وبال. التجمل بالثياب ليس التشبه بالكافرات والعاهرات، وإنما للستر والتجمل الذي لا يكون بفساد الدين واتباع الضلالات، إن لباس التقوى أجمل لباس، لكن حرمه أكثر الناس، لأن القلوب أظلمت من الذنوب وكثرة العيوب والأدناس. يا من تظن جمالها بخُرَيْقة ... مصبوغة بزواهي الألوان نسجت على زي ليظهر جسمها ... ليكون مقودها مع الشيطان توبي فإنك بالفتون مقيمة ... خافي العذاب وحامي النيران أنت الجميلة بالتقى لا بالهوى ... كل الجمال بطاعة الرحمن وغداً ترين عجائباً في حشرنا ... والله ما خطرت على إنسان هول شديد والعري لباسنا ... أمر عظيم روع الثقلان عرض على الرحمن ﷻ ... وصحائف نشرت بلا كتمان إن الحساب لمذهل لعقولنا ... والوزن حق ليس بالبهتان

стр. 40

أعمالنا إما هباءاً طائراً ... عمل الضلال محقق الخسران أو أنها أعمال تقوى يُرتجى ... فيها الزكاء مثقل الميزان ثم الصراط على جهنم ظاهراً ... بالعين ننظره بلا نكران إما كبرق أو أجاود خيلنا ... هذا مرور محققي الإيمان والويل للهاوي بقعر مظلم ... فوق التصور ما هناك يعاني أما التقي فقد مضى بطريقه ... مستقبلاً بالروح والريحان فيرى الجنان ونورها متلألئ ... ويرى القصور مشيدة البنيان يا للنعيم مع الخلود وقرة ... للعين ما خطرت على الأذهان أعط روحك من العناية ولو بعض ما تعطينه جسمك من الاهتمام والرعاية، حتى لا تخسري في النهاية. فروحك خُلقت للدوام في دار الشقاء أو دار النعيم والإنعام، والجسم غداً ستأكله الديدان والهوام، وأنت تبنين آمالاً لدنيا فانية، وأنت فيها على وشك النّقلة والترحال!!. المستقبل هو ما أمامك من العذاب أو النعيم، ولا نجاة إلا بسلوك الصراط المستقيم، هو معنوي في الدنيا سلوكه التزام طاعة الله باتباع رسوله الكريم، وفي الآخرة حسي وهو الذي
следующие страницы →