Полный текст (2 289 стр.). Показаны 2241–2280 · переход к 2246.
стр. 2241
تِلْكَ الشَّعْرَاتُ الَّتي أَخَذَهَا مِنهُ قَائِمَةً حَتىَّ مَات» ٠
وَحَدَّثَ عَبْدُ الوَاحِدِ بْنُ زَيْدٍ قَال: «أَتىَ رَجُلٌ العَلاَءَ بْنَ زِيَادٍ فَقَال:
«أَتَاني آتٍ في مَنَامِي فَقَال: ائْتِ الْعَلاَءَ بْنَ زِيَادٍ فَقُلْ لَهُ: لِمَ تَبْكِي؛ قَدْ غُفِرَ لَك ٠٠؟!
فَبَكَى ﵀ وَقَال: الآنَ حِينَ لاَ أَهْدَأ» ٠
وَحَدَّثَ عُبَيْدُ اللهِ العَنْسِيُّ عَنْ سَلَمَة بْنِ سَعِيدٍ قَال:
стр. 2242
«رُؤِيَ الْعَلاَءُ بْنُ زِيَادٍ أَنَّهُ مِن أَهْلِ الجَنَّة؛ فَمَكَثَ ثَلاَثَاً لاَ تَرْقَأُ لَهُ دَمْعَةٌ وَلاَ يَكْتَحِلُ بِنَوْمٍ وَلاَ يَذُوقُ طَعَامَاً؛ فَأَتَاهُ الحَسَنُ فَقَال: أَيْ أَخِي؛ أَتَقْتُلُ نَفْسَكَ أَنْ بُشِّرْتَ بِالجَنَّة ٠٠؟!
فَازْدَادَ بُكَاءً؛ فَلَمْ يُفَارِقْهُ حَتىَّ أَمْسَى، وَكَانَ صَائِمَاً فَطَعِمَ شَيْئَاً» ٠
وَحَدَّثَ جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ مَالِكِ بْنِ دِينَارٍ عَن هِشَامِ بْنِ زِيَادٍ أَخِي الْعَلاَءِ قَال:
стр. 2243
«تَجَهَّزَ رَجُلٌ مِن أَهْلِ الشَّامِ لِلْحَجّ؛ فَأَتَاهُ آتٍ في مَنَامِهِ: ائْتِ البَصْرَةَ، فَائْتِ الْعَلاَءَ بْنَ زِيَاد، فَإِنَّهُ رَجُلٌ رَبْعَةٌ أَقْصَمُ الثَّنِيَّةِ بَسَّامٌ؛ فَبَشِّرْهُ بِالجَنَّة ٠٠ [أَقْصَمُ الثَّنِيَّة: أَيْ مَكْسُورُ السِّنِّ الأَمَامِيَّة]
فَقَال: رُؤْيَا لَيْسَتْ بِشَيْء؛ فَأَتَاهُ في اللَّيْلَةِ الثَّانيَة، ثُمَّ في الثَّالِثَة، وَجَاءهُ بِوَعِيدٍ؛ فَأَصْبَحَ وَتَجَهَّزَ إِلىَ العِرَاق، فَلَمَّا خَرَجَ مِنَ البُيُوتِ إِذَا الَّذِي أَتَاهُ في مَنَامَهِ يَسِيرُ بَيْنَ يَدَيْه [أيِ الآتي الَّذِي أَتَاهُ
стр. 2244
في الرُّؤْيَا فَأَمَرَهُ وَزَجَرَهُ، رَآهُ في الْيَقَظَةِ كَعَلاَمَةٍ عَلَى صِدْقِ الرُّؤْيَا وَأَنَّهَا لَيْسَتْ أَضْغَاثَ أَحْلاَم] فَإِذَا نَزَلَ فَقَدَهُ؛ فَجَاءَ فَوَقَفَ عَلَى بَابِ العَلاَء، فَخَرَجْتُ إِلَيْهِ فَقَال: أَنْتَ الْعَلاَء ٠٠؟
قُلْتُ لاَ، انْزِلْ رَحِمَكَ اللهُ فَضَعْ رَحْلَك؛ قَالَ لاَ، أَيْنَ العَلاَء ٠٠؟
قُلْتُ في المَسْجِد؛ فَجَاءَ العَلاَء، فَلَمَّا رَأَى الرَّجُلَ تَبَسَّمَ فَبَدَتْ ثَنِيَّتُه [أَيْ ظَهَرَتْ سِنُّهُ المَكْسُورَة] فَقَال: هَذَا وَالله هُو ٠
стр. 2245
فَقَالَ العَلاَء: هَلاََّ حَطَطْتَ رَحْلَ الرَّجُل، أَلاَ أَنْزَلْتَه ٠٠؟
قَالَ: قُلْتُ لَهُ فَأَبَى؛ قَالَ العَلاَء: انْزِلْ رَحِمَكَ الله؛ قَالَ أَخْلِني [أَيْ فَأَخْلِ الطَّرِيق] فَدَخَلَ الْعَلاَءُ مَنْزِلَهُ وَقَال: يَا أَسْمَاء؛ تَحَوَّلِي؛ فَدَخَلَ الرَّجُلُ فَبَشَّرَهُ بِرُؤْيَاهُ ثُمَّ خَرَجَ فَرَكِب ٠٠
فَأَغْلَقَ العَلاَءُ بَابَهُ وَبَكَى ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ أَوْ سَبْعَةً، لاَ يَذُوقُ فِيهَا طَعَامَاً وَلاَ شَرَابَاً ٠
فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ في خِلاَلِ بُكَائِهِ: أَنَا ٠٠؟ أَنَا ٠٠؟
стр. 2246
وَكُنَّا نَهَابُهُ أَنْ نَفْتَحَ بَابَهُ، وَخَشِيتُ أَنْ يَمُوت؛ فَأَتَيْتُ الحَسَنَ فَذَكَرْتُ لَهُ ذَلِك؛ فَجَاءَ فَدَقَّ عَلَيْه؛ فَفَتَحَ وَبِهِ مِنَ الضُّرِّ شَيْءٌ اللهُ بِهِ عَلِيم ٠
ثُمَّ تَكَلَّمَ الحَسَنُ فَقَال: وَمِن أَهْلِ الجَنَّةِ إِنْ شَاءَ الله ٠٠؟ أَفَقَاتِلٌ نَفْسَكَ أَنْت ٠٠؟
قَالَ هِشَام: فَحَدَّثَنَا العَلاَءُ لي وَللْحَسَنِ بِالرُّؤْيَا وَقَال: لاَ تُحَدِّثُواْ بِهَا مَا كُنْتُ حَيَّا» ٠
اللَّهُمَّ احْشُرْنَا في زُمْرَةِ هَؤُلاَءِ الصَّالحِين، وَاجْعَلْ أَفْئِدَتَهُمْ تَهْوِي إِلَيْنَا، في الدُّنيَا وَالآخِرَة ٠
стр. 2247
سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيز
هُوَ الإِمَامُ الْقُدْوَةُ سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبي يحْيىَ التَّنُوخِيُّ الدِّمَشْقِيّ ٠
وُلِدَ سَنَةَ ٩٠ هـ في حَيَاةِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ وَأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵂، وَتُوُفِّيَ سَنَةَ ١٦٧ هـ ٠
وَقَرَأَ الْقُرْآنَ عَلَى ابْنِ عَامِرٍ وَيَزِيدَ بْنِ أَبي مَالِك ٠
وَتَلاَ عَلَيْهِ الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ وَأَبُو مُسْهِر ٠
ـ أَشْهَرُ شُيُوخِهِ:
حَدَّثَ عَنْ مَكْحُول، وَالزُّهْرِيّ، وَنَافِعٍ مَوْلىَ ابْنِ عُمَر، وَيُونُسَ بْنِ مَيْسَرَة، وَعِدَّة ٠
стр. 2248
ـ أَشْهَرُ تَلاَمِذَتِه:
حَدَّثَ عَنهُ الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِم، وَأَبُو مُسْهِر، وَأَبُو اليَمَانِ الحِمْصِيّ، وَابْنُ المُبَارَك، وَوَكِيع، وَابْنُ شَابُور، وَيحْيىَ بْنُ حَمْزَة، وَبَقِيَّةُ بْنُ الْوَلِيد، وَأَبُو عَاصِمٍ النَّبِيل، وَعَبْدُ الرَّزَّاق، وَأَبُو نَصْرٍ التَّمَّار، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ التِّنِّيسِيّ، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ كَثِيرٍ المُقْرِئُ الطَّوِيلُ، وَالوَلِيدُ بْنُ مَزْيَدٍ الْعُذْرِيّ، وَآخَرُون، وَحَدَّثَ عَنهُ مِن أَقْرَانِهِ شُعْبَةُ وَالثَّوْرِيّ ٠
стр. 2249
وَانتَهَتْ إِلَيْهِ مَشْيَخَةُ الْعِلْمِ بَعْدَ الأَوْزَاعِيِّ بِالشَّام، عَاشَ بَعْدَهُ عَشْرَةَ أَعْوَام ٠
وَقَدْ جَمَعَ الإِمَامُ الطَّبَرَانيُّ مَرْوِيَّاتِ سَعِيدٍ في جُزْءٍ وَاحِدٍ ٠
ـ قَالُواْ عَنْ فِقْهِهِ:
قَالَ الْوَلِيدُ بْنُ مَزْيَد: «كَانَ الإِمَامُ الأَوْزَاعِيُّ إِذَا سُئِلَ عَنْ مَسْأَلَةٍ وَسَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ حَاضِرٌ قَالَ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْه: سَلُواْ أَبَا محَمَّد» ٠
قَالَ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِي رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْه: «كَانَ أَبُو مُسْهِرٍ يُقدِّمُ سَعِيدَاً عَلَى الأَوْزَاعِيّ» ٠
стр. 2250
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ الحَاكِمُ [صَاحِبُ المُسْتَدْرَكِ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْه]: «سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ لأَهْلِ الشَّام؛ كَمَالِكٍ لأَهْلِ المَدِينَةِ في التَّقَدُّمِ وَالفِقْهِ وَالأَمَانَة» ٠
قَالَ عَنهُ الإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلَ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِ في مُسْنَدِه:
«لَيْسَ بِالشَّامِ رَجُلٌ أَصَحَّ حَدِيثَاً مِنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيز» ٠
ـ قَالُواْ عَنِ خُشُوعِهِ وَبُكَائِهِ مِن خَشْيَةِ الله:
حَدَّثَ أَبُو زُرْعَةَ عَن أَبي النَّضْرِ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِ أَنَّهُ قَال:
كُنْتُ أَسْمَعُ وَقْعَ دُمُوعِ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَلَى الحَصِيرِ في الصَّلاَةِ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْه» ٠
стр. 2251
حَدَّثَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ مَرْوَانُ بْنُ محَمَّدٍ الطَّاطَرِيُّ عَنْ محَمَّدِ بْنِ المُبَارَكِ الصُّورِيِّ أَنَّهُ قَال: «كَانَ سَعِيدٌ إِذَا فَاتَتْهُ صَلاَةُ الجَمَاعَةِ بَكَى» ٠
حَدَّثَ يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ عَن أَبي مُسْهِرٍ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِ أَنَّهُ قَال: «مَا رَأَيْتُ سَعِيدَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ ضَحِكَ قَطُّ وَلاَ تَبَسَّم، وَلاَ شَكَا شَيْئَاً قَطّ» ٠
قَالَ أَبُو مُسْهِرٍ: «سَمِعْتُ رَجُلاً يَقُولُ لِسَعِيدٍ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيز: أَطَالَ اللهُ بَقَاءَك؛ فَقَال: بَلْ عَجَّلَ اللهُ بي إِلىَ رَحْمَتِه» ٠
стр. 2252
المُعَافَى بْنُ عِمْرَان
هُوَ الإِمَامُ الحَافِظ المُعَافَى بْنُ عِمْرَانَ بْنِ نُفَيْلِ بْنِ جَابِرِ بْنِ جَبَلَةَ الأَزْدِيُّ المَوْصِلِيّ ٠
وُلِدَ سَنَةَ ١٢٥ هـ، وَتُوُفِّيَ سَنَةَ ١٨٥ هـ ٠
ـ أَشْهَرُ شُيُوخِهِ:
سَمِعَ مِن هِشَامَ بْنَ حَسَّان، وَابْنَ جُرَيْج، وَالأَوْزَاعِيّ، وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيّ، وَمِسْعَرَ بْنَ كِدَام، وَابْنَ أَبي عَرُوبَة، وَمَالِكَ بْنَ مِغْوَل، وَمُوسَى بْنَ عُبَيْدَة، وَيُونُسَ بْنَ أَبي إِسْحَاق، وَخَلْقَاً سِوَاهُمْ ٠
стр. 2253
ـ أَشْهَرُ تَلاَمِذَتِه:
حَدَّثَ عَنهُ مُوسَى بْنُ أَعْيَن، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ المُبَارَك، وَبَقِيَّةُ بْنُ الْوَلِيد، وَوَكِيعُ بْنُ الجَرَّاح [وَهُمْ مِنْ جِيلِهِ] وَبِشْرُ بْنُ الحَارِث، وَالحَسَنُ بْنُ بِشْر، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الهَرَوِيّ، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ أَبي خِدَاش، وَوَلَدُهُ أَحْمَدُ بْنُ المُعَافَى، وَعَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ فُلَيْحٍ المَكِّيّ، وَمُوسَى بْنُ مَرْوَانَ الرَّقِّيّ ٠
ـ قَالُواْ عَنْ تَوْثِيقِهِ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْه:
قَالَ عَنهُ يحْيىَ بْنُ مَعِينٍ عَظَّمَ اللهُ أَجْرَه: «المُعَافَى ثِقَة» ٠
وَقَالَ وَكِيعُ بْنُ الجَرَّاحِ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْه:
«حَدَّثَ المُعَافَى عَظَّمَ اللهُ أَجْرَهُ وَكَانَ مِنَ الثِّقَات» ٠
стр. 2254
ـ قَالُواْ عَن عِلْمِهِ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْه:
حَدَّثَ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ يُونُسَ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِ أَنَّهُ قَال: «امْتَحِنُواْ أَهْلَ المَوْصِلِ بِالمُعَافَى» ٠
أَيِ احْكُمُواْ عَلَيْهِمْ بِعِلْمِهِ: أَيْ حَسْبُكُمْ مِن عِلْمِ أَهْلِ المَوْصِلِ بِهَذَا المَوْصِلِيِّ إِذَا رَأَيْتُمُوه ٠
قَال عَنهُ الإِمَامُ الأَوْزَاعِيّ:
«لاَ أُقَدِّمُ عَلَى المُعَافَى المَوْصِلِيِّ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِ أَحَدَاً» ٠
стр. 2255
ـ ثَنَاءُ الأَئِمَّهِ عَلَيْه؛ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْه:
قَالَ عَنهُ الإِمَامُ الذَّهَبيُّ ﵀: «كَانَ مِن أَئِمَّةِ الْعِلْمِ وَالعَمَل، قَلَّ أَنْ تَرَى الْعُيُونُ مِثْلَه»
قَالَ أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْه:
«كَانَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَظَّمَ اللهُ أَجْرَهُ يَقُول: المُعَافَى بْنُ عِمْرَان: يَاقُوتَةُ الْعُلَمَاء» ٠
стр. 2256
قَال محَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَارَة: «رَأَيْتُ المُعَافَى بْنَ عِمْرَانَ وَلَمْ أَرَ أَفْضَلَ مِنهُ» ٠
وَقَالَ الهَيْثَمُ بْنُ خَارِجَةَ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْه: «مَا رَأَيْتُ رَجُلاً آدَبَ مِنَ المُعَافىَ بْنِ عِمْرَان» ٠
ـ قَالُواْ عَنْ صَلاَحِهِ وَتَقْوَاه، وَأَحْوَالِهِ مَعَ الله:
حَدَّثَ محَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمَّارٍ عَن عِيسَى بْنِ يُونُسَ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِ قَال:
«يُرِيدُ بِعِلْمِهِ اللهَ تَعَالىَ» ٠
стр. 2257
حَدَّثَ بِشْرٌ الحَافِي عَن عَبْدِ اللهِ بْنِ المُبَارَكِ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ إِذَا حَدَّثَ عَنهُ:
«حَدَّثَ الرَّجُلُ الصَّالِح» ٠
قَالَ بِشْرُ بْنُ الحَارِثِ عَظَّمَ اللهُ أَجْرَه: «إِنيِّ لأَذْكُرُ المُعَافَى رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِ اليَوْم؛ فَأَنْتَفِعُ بِذِكْرِهِ»
رَوَى جَمَاعَةٌ عَن بِشْرٌ الحَافِي رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِ أَنَّهُ قَال:
«كَانَ المُعَافَى في الْفَرَحِ وَالحَزَنِ وَاحِدَاً، قَتَلَتِ الخَوَارِجُ لَهُ وَلَدَيْنِ فَمَا تَبََيَّنَ عَلَيْهِ شَيْء، وَجَمَعَ أَصْحَابَهُ وَأَطْعَمَهُمْ ثُمَّ
стр. 2258
قَالَ لَهُمْ: آجَرَكُمُ اللهُ في فُلاَنٍ وَفُلاَن» ٠
ـ قَالُواْ عَنْ جُودِهِ وَسَخَائِهِ عَظَّمَ اللهُ أَجْرَه:
وَقَالَ الهَيْثَمُ بْنُ خَارِجَةَ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْه:
«بَلَغَنَا أَنَّهُ كَانَ أَحَدَ الأَسْخِيَاءِ المَوْصُوفِين، أَفْنىَ مَالَهُ الجُود، كَانَ إِذَا جَاءَهُ مَغَلُّهُ [أَيْ حَصَادُهُ]، أَرْسَلَ مِنهُ إِلىَ أَصْحَابِهِ مَا يَكْفِيهِمْ سَنَةً، وَكَانُواْ أَرْبَعَةً وَثَلاَثِينَ رَجُلاً» ٠
قَالَ عَنهُ بِشْرٌ الحَافِي رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْه: «كَانَ المُعَافَى صَاحِبَ دُنْيَا وَاسِعَةٍ وَضِيَاعٍ كَثِيرَة»
стр. 2259
ـ مِن أَقْوَالِهِ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْه:
حَدَّثَ المُعَافىَ بْنُ عِمْرَانَ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَن حَجَّاجِ بْنِ فُرَافِصَةَ عَنْ بُدَيْلٍ ﵀ قَال:
«مَن عَرَفَ اللهَ أَحَبَّه، وَمَن أَبْصَرَ الدُّنْيَا زَهِدَ فِيهَا» ٠
حَدَّثَ المُعَافىَ بْنُ عِمْرَانَ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَن حَجَّاجِ بْنِ فُرَافِصَةَ عَنْ بُدَيْلٍ ﵀ قَال:
«المُؤْمِنُ لاَ يَلْهُو حَتىَّ يَغْفُل، فَإِذَا تَذَكَّرَ حَزِن» ٠
стр. 2260
حَدَّثَ بِشْرُ بْنُ الحَارِثِ عَنِ المُعَافَى بْنِ عِمْرَانَ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِ أَنَّهُ قَال: «إِذَا لَمْ يَكُنْ للهِ في الْعَبْدِ حَاجَةٌ: نَبَذَهُ إِلىَ السُّلْطَان» ٠
أَيْ هَيّأَ لَهُ الْعَمَلَ لَدَى السَّلاَطِين ٠
حَدَّثَ بِشْرٌ الحَافي عَنِ المُعَافىَ بْنِ عِمْرَانَ أَنَّ رَجُلاً قَالَ لَهُ مَرَّةً:
«مَا أَشَدَّ الْبَرْدَ اليَوْم؛ فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ المُعَافَى وَقَال: اسْتَدْفَأْتَ الآن ٠٠؟! [أَيْ هَلْ أَغْنَتْ هَذِهِ الشَّكْوَى عَنْكَ شَيْئَا] لَوْ سَكَتَّ لَكَانَ خَيْرَاً لَك» ٠
стр. 2261
أَبُو الحَسَنِ أَحْمَدُ بْنُ أَبي الحَوَارِيّ
هُوَ الْعَابِدُ الزَّاهِدُ أَبُو الحَسَنِ أَحْمَدُ بْنُ أَبي الحَوَارِيِّ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَيْمُونٍ الثَّعْلَبيُّ الْغَطَفَانيُّ الدِّمَشْقِيّ ٠
وُلِدَ سَنَةَ ١٦٤ هـ، وَتُوُفِّيَ سَنَةَ ٢٤٦ هـ ٠
ـ أَشْهَرُ شُيُوخِهِ:
وَسَمِعَ مِنْ: سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَة، وَعَبْدِ اللهِ بْنِ إِدْرِيس، وَالوَلِيدِ بْنِ مُسْلِم، وَعَبْدِ اللهِ بْنِ وَهْب، وَأَبي الحَسَنِ الْكِسَائِيّ، وَوَكِيعِ بْنِ الجَرَّاح، وَحَفْصِ بْنِ غِيَاث، وَشُعَيْبِ بْنِ حَرْب، وَدَخَلَ دِمَشْقَ فَصَحِبَ الشَّيْخَ أَبَا سُلَيْمَانَ الدَّارَانيَّ مُدَّةً، كَمَا أَخَذَ عَن أَبي مُسْهِرٍ الْغَسَّانيّ ٠
стр. 2262
ـ أَشْهَرُ تَلاَمِذَتِه:
حَدَّثَ عَنهُ سَلَمَةُ بْنُ شَبِيب، وَأَبُو زُرْعَةَ الرَّازِي، وَأَبُو حَاتِمٍ الرَّازِي، وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَة، وَابْنُهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ أَحْمَد، وَيُوسُفُ بْنُ الحُسَيْنِ الرَّازِي، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ نَائِلَةَ الأَصْبَهَانيّ، وَخَلْقٌ كَثِير
ـ قَالُواْ عَنْ صَلاَحِهِ وَتَقْوَاه، وَخُشُوعِهِ في الصَّلاَة، وَحُسْنِ عِبَادَتِهِ لله:
قَالَ فَيَّاضُ بْنُ زُهَيْر: سَمِعْتُ يحْيىَ بْنَ مَعِينٍ أَنَّهُ ذكَرَ أَحْمَدَ بْنَ أَبي الحَوَارِيِّ فَقَال: «أَظُنُّ أَهْلَ الشَّامِ يَسْقِيهُمُ اللهُ بِهِ الْغَيْث» ٠
стр. 2263
حَدَّثَ هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الأَيْلِيُّ عَنْ يحْيىَ بْنِ مَعِينٍ أَنَّهُ ذكَرَ أَحْمَدَ بْنَ أَبي الحَوَارِيِّ فَقَال: «أَهْلُ الشَّامِ بِهِ يُمْطَرُون» ٠
قَالَ أَحْمَدُ بْنُ عَطَاء: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ أَحْمَدَ بْنِ أَبي الحَوَارِيِّ يَقُول:
«كُنَّا نَسْمَعُ بُكَاءَ أَبي بِاللَّيْلِ حَتىَّ نَقُول: قَدْ مَات، ثمَّ نَسْمَعُ ضِحْكَهُ حَتىَّ نَقُول: قَدْ جُنَّ» ٠
стр. 2264
قَالَ محَمَّدُ بْنُ عَوْفٍ الحِمْصِيّ: رَأَيْتُ أَحْمَدَ بْنَ أَبي الحَوَارِيِّ بِأَنْطَرْسُوس [بَلْدَةٌ لُبْنَانِيَّة]، فَلَمَّا صَلَّى الْعَتَمَةَ قَامَ يُصَلِّي؛ فَاسْتَفْتَحَ بِـ ﴿الحَمْدُ لله﴾ إِلىَ ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِين﴾، فَطُفْتُ الحَائِطَ [أَيِ البُسْتَانَ] كُلَّهُ، ثمَّ رَجَعْت؛ فَإِذَا هُوَ لاَ يُجَاوِزُهَا، ثمَّ نِمْت، ثمَّ مَرَرْتُ في السَّحَرِ وَهُوَ يَقْرَأ: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُد﴾، فَلَمْ يَزَلْ يُرَدِّدُهَا إِلىَ الصُّبْح» ٠
стр. 2265
ـ قَالُواْ عَنْ سِيَاحَتِهِ في الأَرْضِ طَلَبَاً لِلْحِكْمَةِ وَالتَّصَوُّفِ المُعْتَدِل:
قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ في «تَارِيخِ الصُّوفِيَّة»:
«سَمِعْتُ محَمَّدَ بْنَ جَعْفَرِ بْنِ مَطَرٍ قَال: سَمِعْتُ إِبْرَاهِيمَ بْنَ يُوسُفَ الهِسِنْجَانيَّ يَقُول: رَمَى أَحْمَدُ بْنُ أَبي الحَوَارِيِّ بِكُتُبِهِ في الْبَحْرِ وَقَال: نِعْمَ الدَّلِيلُ كُنْتِ؛ وَالاِشْتِغَالُ بِالدَّلِيلِ بَعْدَ الْوُصُولِ فُضُول» ٠
стр. 2266
قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ في كِتَابِهِ «تَارِيخِ الصُّوفِيَّة»:
«سَمِعْتُ محَمَّدَ بْنَ عَبْدِ اللهِ الطَّبَرِيَّ يَقُول: سَمِعْتُ يُوسُفَ بْنَ الحُسَيْنِ يَقُول: طَلَبَ أَحْمَدُ بْنُ أَبي الحَوَارِيِّ الْعِلْمَ ثَلاَثِينَ سَنَة، ثمَّ حَمَلَ كُتُبَهُ كُلَّهَا إِلىَ الْبَحْرِ فَغَرَّقَهَا وَقَال: يَا عِلْم؛ لَمْ أَفْعَلْ بِكَ هَذَا اسْتِخْفَافَاً، وَلَكِنْ لَمَّا اهْتَدَيْتُ بِكَ اسْتَغْنَيْتُ عَنْك» ٠
стр. 2267
ـ ثَنَاءُ الأَئِمَّهِ عَلَيْه؛ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْه:
ذَكَرَ محْمُودُ بْنُ خَالِدٍ أَحْمَدَ بْنَ أَبي الحَوَارِيِّ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِ فَقَال:
«مَا أَظُنُّ بَقِيَ عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ مِثْلُه» ٠
قَالَ الإِمَامُ الجُنَيْد: «أَحْمَدُ بْنُ أَبي الحَوَارِيّ: رَيْحَانَةُ الشَّام» ٠
قَالَ عَنهُ الإِمَامُ الذَّهَبيُّ ﵀:
«عُنِيَ بهَذَا الشَّأْنِ [أَيِ التَّصَوُّفُ أَتَمَّ الْعِنَايَة] أَتَمَّ عِنَايَةٍ» ٠
قَالَ محَمَّدُ بْنُ أَبي حَاتِمٍ الْوَرَّاق: سَمِعْتُ أَبي يُحْسِنُ الثَنَاءَ عَلَيْهِ وَيُطْنِبُ فِيه» ٠
стр. 2268
ـ عَقِيدَتُهُ وَمَذْهَبُهُ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْه:
قَالَ أَبُو الدَّحْدَاحِ الدِّمَشْقِيّ: حَدَّثَنَا الحُسَيْنُ بْنُ حَامِد:
«وَرَدَ كِتَابُ المَأْمُونِ عَلَى إِسْحَاقَ بْنِ يحْيىَ أَمِيرِ دِمَشْق: أَن أَحْضِرِ المحَدِّثِينَ بِدِمَشْقَ فَامْتَحِنْهُمْ؛ فَأَحْضَرَ هِشَامَ بْنَ عَمَّار، وَسُلَيْمَانَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَن، وَابْنَ ذَكْوَانَ، وَابْنَ أَبي الحَوَارِيّ؛ فَامْتَحَنَهُمُ امْتِحَانَاً لَيْسَ بِالشَّدِيد، فَأَجَابُواْ خَلاَ أَحْمَدَ بْنَ أَبي الحَوَارِيّ؛ فَجَعَلَ يَرْفُقُ بِهِ وَيَقُول:
стр. 2269
أَليْسَ السَّمَاوَاْتُ مَخْلُوقَةً ٠٠؟
أَلَيْسَ الأَرْضُ مَخْلُوقَةً ٠٠؟!
وَأَحْمَدُ بْنُ أَبي الحَوَارِيِّ يَأْبَى أَنْ يُطِيعَه؛ فَسَجَنَهُ في دَارِ الحِجَارَة، ثُمَّ أَجَابَ بَعْدُ فَأَطْلَقَهُ» ٠
قَالَ أَحْمَدُ السُّلَمِيُّ في كِتَابِهِ «مِحَنِ الصُّوفِيَّة»:
أَحْمَدُ بْنُ أَبي الحَوَارِيِّ شَهِدَ عَلَيْهِ قَوْمٌ أَنَّهُ يُفَضِّلُ الأَوْلِيَاءَ عَلَى الأَنْبيَاء، وَبَذَلُواْ الخُطُوطَ عَلَيْه؛ فَهَرَبَ مِنْ دِمَشْقَ إِلىَ مَكَّة؛ حَتىَّ كَتَبَ إِلَيْهِ السُّلْطَانُ يَسْأَلُهُ أَنْ يَرْجِعَ فَرَجَع» ٠
стр. 2270
ـ دِفَاعُ الإِمَامِ الذَّهَبيِّ عَنهُ:
قَالَ الإِمَامُ الذَّهَبيُّ عَظَّمَ اللهُ أَجْرَهُ وَرَفَعَ اللهُ ذِكْرَهُ مُعَلِّقَاً عَلَى هَذَا:
«إِنْ صَحَّتِ الحِكَايَة: فَهَذَا مِنْ كَذِبِهِمْ عَلَى أَحْمَد؛ فَهُوَ كَانَ أَعْلَمَ بِاللهِ مِن أَنْ يَقُولَ ذَلِك» ٠
ـ مِن أَقْوَالِهِ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْه:
قَالَ سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الحَلَبيّ: سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ أَبي الحَوَارِيِّ عَظَّمَ اللهُ أَجْرَهُ يَقُول: «مَن عَمِلَ بِلاَ اتِّبَاعِ سُنَّة: فَعَمَلُهُ بَاطِل» ٠
قَالَ أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاق: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ نَائِلَةَ قَال: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبي الحَوَارِيِّ قَال: «سَمِعْتُ شُعَيْبَ بْنَ حَرْبٍ يَقُولُ لِرَجُل: إِنْ دَخَلْتَ الْقَبْرَ وَمَعَكَ الإِسْلاَمُ فَأَبْشِرْ» ٠
стр. 2271
ابْنُ سَمْعُون
المُحَدِّثُ الإِمَامُ الْوَاعِظُ الْكَبِيرُ / أَبُو الحُسَيْنِ محَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَنْبَسٍ الْبَغْدَادِيّ، شَيْخُ زَمَانِهِ بِبَغْدَاد، وَ «سَمْعُون»: هُوَ لَقَبُ جَدِّهِ إِسْمَاعِيل ٠
وُلِدَ سَنَةَ ٣٠٠ هـ، وَتُوُفِّيَ سَنَةَ ٣٨٧ هـ ٠
ـ أَشْهَرُ شُيُوخِهِ:
سَمِعَ أَبَا بَكْرٍ بْنَ أَبي دَاوُد، وَمحَمَّدَ بْنَ مَخْلَدٍ الْعَطَّار، وَمحَمَّدَ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْبَخْتَرِيّ، وَعِدَّةً ٠
стр. 2272
ـ أَشْهَرُ تَلاَمِذَتِه:
حَدَّثَ عَنهُ الحَسَنُ بْنُ محَمَّدٍ الخَلاََّل، وَأَبُو طَالِبٍ الْعُشَارِيّ، وَأَبُو الحُسَيْنِ بْنُ الأَبَنُوسِيّ، وَخَدِيجَةُ بِنْتُ محَمَّدٍ الشَّاهَجَانِيَّةُ، وَأَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ محَمَّدِ بْنِ حَمَّدُوهُ الحَنْبَلِيُّ، وَآخرُون ٠
стр. 2273
ـ نُبْذَةٌ عَن حَيَاتِهِ الشَّخْصِيَّة:
قَالَ نَصْرُ اللهِ بْنُ محَمَّد: أَخْبَرَنَا أَبُو الْفَتْحِ نَصْرُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَال: أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ الزَّعْفَرَانيُّ قَال: حَدَّثَني أَبُو محَمَّدٍ السُّنِّيُّ صَاحِبُ أَبي الحُسَيْنِ بْنِ سَمْعُونَ قَال:
«كَانَ ابْنُ سَمْعُونَ في أَوَّلِ أَمْرِهِ يَنْسَخُ بِالأُجْرَةِ وَيُنْفِقُ عَلَى نَفْسِهِ وَأُمِّه؛ فَقَالَ لَهَا يَوْمَاً: أُحِبُّ أَن أَحُجّ؛ فَقَالَتْ: وَكَيْفَ يُمْكِنُكَ ٠٠؟
стр. 2274
فَغَلَبَ عَلَيْهَا النَّوْم، فَنَامَتْ وَانْتَبَهَتْ بَعْدَ سَاعَةٍ فَقَالَتْ:
يَا وَلَدِي؛ حُجَّ، رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ في النَّوْمِ يَقُول: دَعِيهِ يَحُجُّ فَإِنَّ الخَيْرَ لَهُ في حَجِّهِ، فَفَرِحَ وَبَاعَ دَفَاتِرَهُ، وَدَفَعَ إِلَيْهَا مِنْ ثَمَنِهَا، وَخَرَجَ مَعَ الْوَفْد» ٠
ـ ثَنَاءُ الأَئِمَّهِ عَلَيْه؛ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْه:
قَالَ عَنهُ أَبُو بَكْرٍ الخَطِيب: «كَانَ أَوْحَدَ دَهْرِهِ وَفَرْدَ عَصْرِهِ في الْكَلاَمِ عَلَى عِلْمِ الخَوَاطِر، دَوَّنَ النَّاسُ حِكَمَهُ وَجَمَعُواْ كلاَمَهُ، وَكَانَ بَعْضُ شُيُوخِنَا إِذَا حَدَّثَ عَنهُ يَقُول: حَدَّثَنَا الشَّيْخُ الجَلِيلُ المُنْطَقُ بِالحِكْمَة» ٠
стр. 2275
ـ قَالُواْ عَنْ شَجَاعَتِهِ عَظَّمَ اللهُ أَجْرَهُ وَرَفَعَ ذِكْرَهُ في الدُّنيَا وَالآخِرَة:
قَالَ الخَطِيب: حَدَّثَنَا الْوَزِيرُ أَبُو الْقَاسِمِ قَال: حَدَّثَنَا أَبُو عَلِيٍّ بْنُ أَبي مُوسَى الهَاشِمِيُّ قَال: «حَكَى لي مَوْلىَ الطَّائِعِ أَنَّ الطَّائِعَ أَمْرَهُ فَأَحْضَرَ ابْنَ سَمْعُون؛ فرَأَيْتُ الطَّائِعَ غضبَان، وَكَانَ ذَا حِدَّةٍ؛ فَسَلَّمَ ابْنُ سَمْعُونَ بِالخِلاَفَة، ثمَّ أَخَذَ في وَعْظِهِ فَقَال: رُوِيَ عَن أَمِيرِ المُؤْمِنِينَ عليٍّ كَرَّمَ اللهُ وَجْهَهُ كَذَا، وَوَعَظَ حَتىَّ بَكَى الطَّائِعُ وَسُمِعَ شَهِيقُه، وَابْتَلَّ مِنْدِيلٌ مِنْ دُمُوعِهِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ سُئِلَ الطَّائِعُ عَنْ سَبَبِ طَلَبِهِ فَقَال: رُفِعَ إِليَّ أَنَّهُ يَنْتَقِصُ عَلِيَّاً، فَأَرَدْتُ أُقَابِلَهُ، فَلَمَّا حَضَرَ افْتَتَحَ بِذِكْرِهِ وَالصَّلاَةِ عَلَيْه، وَأَعَادَ وَأَبْدَى في ذِكْرِهِ، فَعَلِمْتُ أَنَّهُ وُفِّق، وَلَعَلَّهُ كُوشِفَ بِذَلِك» ٠
стр. 2276
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ الْقُضَاعِيّ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ نَصْرٍ قَال: حَدَّثَنَا أَبُو الثَّنَاءِ شُكْرٌ الْعَضُدِيُّ قَال: «لَمَّا دَخَلَ عَضُدُ الدَّوْلَةِ بَغْدَادَ وَقَدْ هَلَكَ أَهْلُهَا قَتْلاً وَخَوْفَاً وَجُوعَاً؛ لِلفِتنِ الَّتي اتَّصَلَتْ بَيْنَ السُّنَّةِ وَالشِّيعَةِ قَال: آفَةُ هَؤُلاَء: الْقُصَّاص [أَيْ مَا أَغْرَى بَيْنَهُمْ إِلاَّ الْوُعَّاظُ وَالخُطَبَاء]؛ فَمَنَعَهُمْ وَقَال: مَن خَالَفَ أَبَاحَ دَمَهُ؛ فَعَرفَ ابْنُ سَمْعُونَ ﵀؛ فَجَلَسَ عَلَى كُرْسيِّهِ ـ أَيْ يَعِظُ النَِّاس ـ فَأَمَرَني عَضُدُ الدَّوْلَةِ فَأَحْضَرْتُه؛ فَدَخَلَ رَجُلٌ عَلَيْهِ نُور؛ قَالَ شُكْر: فَجَلَسَ جَنْبي غَيْرَ مُكْتَرِثٍ؛ فَقُلْتُ: إِنَّ هَذَا المَلِكَ جَبَّارٌ عَظِيم،
стр. 2277
مَا أُوثِرُ لَكَ مُخَالَفَتَه، وَإِنيِّ مُوَصِّلُكَ إِلَيْه؛ فَقَبِّلِ الأَرْضَ بَينَ يَدَيْه، وَتَلَطَّفْ وَلاَ تُوغِرَنَّ صَدْرَهُ عَلَيْكَ وَاسْتَعِنْ بِاللهِ عَلَيْه؛ فَدَخَلَ وَحَوَّلَ وَجْهَهُ إِلىَ دَارِ عِزِّ الدَّوْلَةِ الَّتي شَهِدَتْ مَصْرَعَهُ ثُمَّ تَلاَ: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَة﴾ [هُود: ١٠٢] ثمَّ حَوَّلَ وَجْهَهُ وَقَرَأَ: ﴿ثمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلاَئِفَ في الأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُون﴾ [يُونُس: ١٤]
ثُمَّ أَخَذَ في وَعْظِهِ فَأَتَىَ بِالْعَجَب؛ فَدَمَعَتْ عَينُ المَلِك، وَمَا رَأَيْتُ ذَلِكَ مِنهُ قَطّ، وَشَرَّكَ كُمَّهُ عَلَى وَجْهِهِ، فَلَمَّا خَرَجَ أَبُو الحُسَينِ عَظَّمَ اللهُ أَجْرَهُ وَرَفَعَ ذِكْرَهُ في الدُّنيَا وَالآخِرَةِ قَالَ لَهُ عَضُدُ الدَّوْلَة: اذْهَبْ إِلَيْهِ بثَلاَثَةِ آلاَفِ دِرْهَمٍ وَعَشْرَةِ أَثْوَابٍ مِنَ الخِزَانَة؛ فَإِنِ امْتَنَعَ فَقُلْ لَهُ: فَرِّقْهَا في أَصْحَابِك،
стр. 2278
وَإِنْ قَبِلَهَا فَجِئْني بِرَأْسِهِ؛ فَفَعَلْت؛ فَقَال: إِنَّ ثِيَابي هَذِهِ فُصِّلَتْ مِنْ نحْوِ أَرْبَعينَ سَنَةً أَلْبَسُهَا يَوْمَ خُرُوجِي وَأَطْوِيهَا عِنْدَ رُجُوعِي، وَفِيهَا مُتْعَةٌ وَبَقِيَّة، وَنَفَقَتي مِن أُجْرَةِ دَارٍ خَلَّفَهَا أَبي، فَمَا أَصْنَعُ بِهَذَا ٠٠؟
قُلْتُ: فَرِّقْهَا عَلَى أَصْحَابِك؛ قَال: مَا في أَصْحَابي فَقير؛ فَعُدْتُ فَأَخْبَرْتُه ٠
فَقَالَ أَبْعَدَهُ الله: الحَمْدُ للهِ الَّذِي سَلَّمَهُ مِنَّا وَسَلَّمَنَا مِنهُ» ٠
стр. 2279
ـ بَعْضُ كَرَامَاتِهِ؛ في حَيَاتِهِ وَبَعْدَ وَفَاتِهِ:
قَالَ أَبُو بَكْرٍ الخَطِيب: حَدَّثَنَا محَمَّدُ بْنُ محَمَّدٍ الظَّاهِرِيُّ قَال: سَمِعْتُ ابْنَ سَمْعُونَ يَذْكُرُ أَنَّهُ أَتَىَ بَيْتَ المَقْدِسِ وَمَعَهُ تَمْر، فَطَالَبَتْهُ نَفْسُهُ بِرُطَب؛ فَلاَمَهَا، فَعَمِدَ إِلىَ التَّمْرِ وَقْتَ إِفْطَارِهِ فَوَجَدَهُ رُطَبَاً؛ فَلَمْ يَأْكُلْ مِنهُ، ثمَّ ثَانيَ لَيْلَةٍ وَجَدَهُ تَمْرَاً» ٠
стр. 2280
قَالَ أَبُو بَكْرٍ الخَطِيب: سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ عَلِيٍّ الْبَادِيَّ قَال: سَمِعْتُ أَبَا الْفَتْحِ الْقَوَّاسَ قَال: «لَحِقَتْني إِضَاقَةٌ، فَأَخَذْتُ قَوْسَاً وَخُفَّيْنِ لأَبِيعَهُمَا؛ فَقُلْتُ: أَحْضُرُ مَجْلِسَ ابْنِ سَمْعُونَ ثمَّ أَبِيع، فَحَضَرْتُ؛ فَلَمَّا فَرَغَ نَادَاني: يَا أَبَا الْفَتْح؛ لاَ تَبِعِ الخُفَّيْنِ وَالقَوْسَ فَإِنَّ اللهَ سيَأْتِيكَ بِرِزْقٍ مِن عِنْدِهِ» ٠
قَالَ أَبُو بَكْرٍ الخَطِيب: حَدَّثَنَا الْوَزِيرُ أَبُو الْقَاسِمِ قَال: حَدَّثَني أَبُو طَاهِرٍ بْنُ الْعَلاََّفِ قَال: «حَضَرْتُ ابْنَ سَمْعُونَ عَظَّمَ اللهُ أَجْرَهُ وَهُوَ يَعِظُ وَأَبُو الْفَتْحِ الْقَوَّاسُ إِلىَ جَنْبِ الْكُرْسِيّ؛ فَنَعِسَ؛ فَأَمْسَكَ أَبُو الحُسَيْنِ عَنِ الْكَلاَمِ سَاعَةً حَتىَّ اسْتيقظَ أَبُو الْفَتْح؛ فَقَالَ لَهُ أَبُو الحُسَيْن: رَأَيْتَ رَسُولَ اللهِ ﷺ في نَوْمِك ٠٠؟
قَالَ نَعَمْ؛ فَقَالَ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْه: لِذَلِكَ أَمْسَكْتُ خَوْفَاً أَنْ تَنْزَعِج» ٠
следующие страницы →