← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 37568

حياة التابعين

ياسر الحمداني

Полный текст (2 289 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

وَمِن خَلْفِه» قَالَ محَمَّدُ بْنُ أَبي حَاتِمٍ الْوَرَّاق: حَدَّثَنَا محَمَّدُ بْنُ المُثَنىَّ صَاحِبُ بِشْرٍ قَال: قَالَ الإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَظَّمَ اللهُ أَجْرَهُ: قِيلَ لي: اكْتُبْ ثَلاَثَ كَلِمَاتٍ وَيُخَلَّى سَبِيلُك؛ فَقُلْتُ: هَاتُواْ، قَالُواْ: اكْتُبْ: اللهُ قَدِيمٌ لَمْ يَزَلْ؛ فَكَتَبْت؛ فَقَالُواْ: اكْتُبْ: كُلُّ شَيْءٍ دُونَ اللهِ مَخْلُوق؛ قُلْتُ: أَمَّا هَذِهِ فَلاَ، وَرَمَيْتُ بِالقَلَم» ٠ قَالَ أَبُو الْفَضْلِ عُبَيْدُ اللهِ الزُّهْرِيّ: قَالَ أَبُو بَكْرٍ المَرُّوذِيُّ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْه:

стр. 247

«قُلْتُ وَأَبُو عَبْدِ اللهِ بَيْنَ الْعُقَابَين: يَا أُسْتَاذ؛ قَالَ اللهُ جَلَّ وَعَلاَ: (لاَ تَقْتُلُواْ أَنْفُسَكُمْ (﴿النِّسَاء﴾ قَالَ ﵀: يَا مَرُّوذِيّ؛ اخْرُجْ وَانْظُرْ؛ فَخَرَجْتُ إِلىَ رَحْبَةِ دَارِ الخِلاَفَة؛ فَرَأَيْتُ خَلْقَاً لاَ يُحْصِيهِمْ إِلاََّ الله، وَالصُّحُفُ في أَيْدِيهِمْ، وَالأَقْلاَمُ وَالمَحَابِر، فَقَالَ لَهُمُ أَبُو بَكْرٍ المَرُّوذِيّ: مَاذَا تَعْمَلُون؟ قَالُواْ: نَنْظُرُ مَا يَقُولُ أَحْمَدُ فَنَكْتُبُه؛ فَدَخَلَ فَأَخْبَرَهُ؛ فَقَال: يَا مَرُّوذِيُّ أُضِلُّ هَؤُلاَءِ كُلَّهُمْ»؟

стр. 248

قَالَ حَنْبَل: «قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ ﵀: قَالَ بُرْغُوثُ [يَوْمَ المِحْنَة]: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِين، هُوَ كَافِرٌ حلاَلُ الدَّم، اضْرِبْ عُنُقَه، وَدَمُهُ في عُنُقِي، وَقَالَ شُعَيْبٌ كَذَلِكَ أَيْضَاً؛ فَلَمْ يَلْتَفِتْ أَبُو إِسْحَاقَ إِلَيْهِمَا، قَالَ أَبُو عَبْدِ الله: لَمْ يَكُنْ في الْقَوْمِ أَشَدُّ تَكْفِيرَاً لي مِنهُمَا، وَأَمَّا ابْنُ سِمَاعَةَ فَقَال: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِين؛ إِنَّه مِن أَهْلِ بَيْتِ شَرَفٍ ولَهُمْ قَدَم، وَلَعَلَّهُ يَصِيرُ إِلىَ الَّذِي عَلَيْهِ أَمِيرُ المُؤْمِنِين، فَكَأَنَّه رقَّ

стр. 249

عِنْدَهَا، وَكَانَ إِذَا كَلَّمَني ابْنُ أَبي دُوَادَ لَمْ أَلْتَفِتْ إِلىَ كَلاَمِه، وَإِذَا كلَّمَني أَبُو إِسْحَاقَ أَلَنْتُ لَهُ الْقَوْل؛ فَقَالَ في اليَوْمِ الثَّالِث: أَجِبْني يَا أَحْمَد، فَإِنَّهُ بَلَغَني أَنَّكَ تحِبُّ الرِّئَاسَة؛ وَذَلِكَ لَمَّا أَوْغَرُواْ قَلْبَه عَلَيّ، وَجَعَلَ بَرْغُوثُ يَقُول: قَالَ الجَبْرِيُّ كَذَا وَكَذَا [يَقْصِدُ لَعَنَهُ اللهُ الإِمَامَ أَحْمَد] ٠٠ كَلاَمٌ هُوَ الْكُفْرُ بِالله، فَجَعَلْتُ أَقُولُ مَا أَدْرِي مَا هَذَا، إِلاََّ أَنيِّ أَعْلَمُ أَنَّهُ أَحَدٌ صَمَدٌ لاَ شِبْهَ لَهُ وَلاَ عِدْل،

стр. 250

وَهُوَ كَمَا وَصَفَ نَفْسَهُ، فَسَكَتَ أَخْزَاهُ الله، ثُمَّ قَالَ ليَ المُعْتَصِم: يَا أَحْمَد؛ إِنيِّ لأُشْفِقُ عَلَيْكَ شَفَقَتي عَلَى ابْني هَارُون؛ فَأَجِبْني، وَاللهِ لَودِدْتُ أَنيِّ لَمْ أَكُن عَرَفْتُكَ يَا أَحْمَد؛ اللهَ اللهَ في دَمِك؛ فلَمَّا كَانَ في آخِرِ ذَلِكَ قَال: لَعَنَكَ الله؛ لَقَدْ طَمِعْتُ أَنْ تُجِيبَني، ثمَّ قَال: خُذُوهُ وَاسْحَبُوه [أَيْ عَلَى الْعَرُوسَة]؛ فَأُخِذْتُ ثُمَّ خُلِّعْت، وَجِيءَ بِعُقَابَيْنِ وَأَسْيَاط، وَكَانَ مَعِي شَعَرٌ مِنْ شَعَرِ النَّبيِّ ﷺ ، ثمَّ صُيِّرْتُ

стр. 251

بَيْنَ الْعُقَابين؛ فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِين، اللهَ اللهَ، إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَال: «لاَ يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ يَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاََّ اللهُ وَأَنيِّ رَسُولُ اللهِ إِلاََّ بِإِحْدَى ثَلاَث» ٠ يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِين؛ فِيمَ تَسْتَحِلُّ دَمِي ٠٠؟! اللهَ اللهَ لاَ تَلْقَ اللهَ وَبَيْني وَبَيْنَكَ مُطَالَبَة، اذْكُرْ يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ وُقُوفَكَ بَينَ يَدَيِ اللهِ كَوُقُوفي بَيْن يَدَيْك، وَرَاقِبِ اللهَ ﷻ ؛ فَكَأَنَّهُ أَمْسَك؛ فَخَافَ ابْنُ أَبي دُوَادَ

стр. 252

أَنْ يَكُونَ مِنهُ عَطْفٌ أَوْ رَأْفَةٌ فَقَال: إِنَّه كَافِرٌ بِاللهِ تَقَدَّسَتْ أَسْمَاؤُهُ ضَالٌّ مُضِلّ» ٠٠!! حَدَّثَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الحَارِثِ الْعُبَادِيُّ قَال: قَال أَبُو محَمَّدٍ الطُّفَاوِيّ: «أَخْبِرْني بِمَا صَنعُواْ بِك ٠٠؟ قَالَ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْه: لَمَّا ضُربْتُ بِالسِّيَاط: جَعَلْتُ أَذْكُرُ كَلاَمَ الأَعْرَابيّ، ثمَّ جَاءَ ذَاكَ الطَّوِيلُ اللِّحْيَةِ [يَعْني عُجَيفَاً] فَضَرَبَني بِقَائِمِ السَّيْف، ثمَّ جَاءَ ذَاكَ فَقُلْتُ: قَدْ جَاءَ الْفَرَج ٠٠٠ يَضْرِبُ عُنُقِي فَأَسْتَرِيح؛ فَقَال لَهُ ابْن سَمَاعَة: يَا

стр. 253

أَمِيرَ المُؤْمِنِين، اضْرِبْ عُنُقَهُ وَدمُهُ في رَقَبَتي؛ فَقَالَ ابْنُ أَبي دُوَاد: لاَ يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ لاَ تَفْعَلْ؛ فَإِنَّهُ إِنْ قُتلَ أَوْ مَاتَ في دَارِكَ قَالَ النَّاس: صَبَرَ حَتىَّ قُتِلَ فَاتَّخَذَهُ النَّاسُ إِمَامَاً وَثَبَتُواْ عَلَى مَا هُمْ عَلَيْه، وَلَكِن أَطْلِقْهُ السَّاعَة؛ فَإِنْ مَاتَ خَارجَاً مِنْ مَنْزِلِكَ شَكَّ النَّاسُ في أَمْرِهِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَجَابَ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَمْ يُجِبْ» ٠ حَدَّثَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ إِسْحَاقَ عَنِ الحَسَنِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ الجَرَوِيِّ قَال:

стр. 254

«دَخَلْتُ أَنَا وَالحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ عَلَى أَحْمَدَ حِدْثَانَ ضَرْبِهِ؛ فَقَالَ لَنَا: ضُربْتُ فَسَقَطْتُ، وَسَمِعْتُ ذَاكَ [يَعْني ابْنَ أَبي دُوَادَ] يَقُول: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِين؛ هُوَ وَاللهِ ضَالٌّ مُضِلّ؛ فَقَالَ لَهُ الحَارِث: أَخْبَرَني يُوسُفُ بْنُ عُمَرَ عَنِ الإِمَامِ مَالِكٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ أَنَّهُ سُعِيَ بِهِ حَتىَّ ضُرِبَ بِالسِّيَاطِ وَعُلِّقَتْ كُتُبُهُ في عُنُقِه، ثمَّ قَالَ الإِمَامُ مَالِك: وَقَدْ ضُرِبَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ وَحُلِقَ رَأْسُهُ وَلِحْيَتُهُ، وَضُرِبَ أَبُو الزِّنَاد، وَضُرِبَ محَمَّدُ

стр. 255

بْنُ المُنْكَدِرِ وَأَصْحَابٌ لَهُ في حَمَّامٍ بِالسِّيَاط، وَمَا ذكرَ مَالِكٌ نَفْسَهُ، فَأُعْجِبَ أَحْمَدُ بِقَوْلِ الحَارِثِ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِمَا» ٠ قَالَ مَكِّيُّ بْنُ عَبْدَان: «ضَربَ جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ مَالِكَاً تِسْعِينَ سَوْطَاً سنَةَ ١٤٧ هـ» وَرُوِيَ عَنْ محَمَّدِ بْنِ أَبي سَمِينَةَ عَنْ شَابَاصَ التَّائِبِ قَال: «لَقَدْ ضُرِبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَظَّمَ اللهُ أَجْرَهُ ثَمَانِينَ سَوْطَاً، لَوْ ضَرَبْتَهُ عَلَى فِيلٍ لَهَدَّتْهُ» ٠

стр. 256

قَالَ محَمَّدُ بْنُ أَبي حَاتِمٍ الْوَرَّاق: «سَمِعْتُ أَبي يَقُول: أَتيْتُ أَبَا عَبْدِ اللهِ بَعْدَ مَا ضُرِبَ بِثَلاَثِ سِنِينَ أَوْ نَحْوِهَا؛ فَجَرَى ذِكْرُ الضَّرْبِ فَقُلْتُ لَهُ: ذَهَبَ عَنْكَ أَلَمُ الضَّرب ٠٠؟ فَأَخْرَجَ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِ يَدَيْه، وَقبضَ كُوعَيْهِ اليَمِينَ وَاليسَارَ وَقَال: هَذَا: كَأَنَّهُ يَقُولُ قَدْ خُلِعَا» ٠ حَدَّثَ ابْنُ أَبي حَاتمٍ الْوَرَّاقُ عَن أَبي زُرْعَةَ الرَّازِي أَنَّ المُعْتَصِمَ حِينَ خَشِيَ مِنْ ثَوْرَةِ الْعَامَّةِ غَضَبَاً عَلَى الإِمَامِ أَحْمَدَ مِنَ التَّلَفِ أَخْرَجَهُ

стр. 257

لِلنَّاسِ وَقَال: انْظُرُواْ إِلَيْه؛ أَلَيْسَ هُوَ صَحِيحَ الْبَدَن؟ قَالُواْ: نَعَمْ، قَالَ أَبُو زُرْعَةَ الرَّازِي: وَلَوْلاَ أَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ لكُنْتُ أَخَافُ أَنْ يَقَعَ شَيْءٌ لاَ يُقَامُ لَه؛ فَلَمَّا قَالَ قَدْ سَلَّمْتُه إِلَيْكُمْ صَحِيحَ الْبَدَنِ هَدأَ النَّاسُ وَسَكَنُواْ، وَلَوْ خَرَجَ عَلَيْهِ عَامَّةُ بَغْدَادَ رُبَّمَا عَجِزَ عَنهُمْ» ٠ قَالَ ابْنُ عَمِّهِ حَنْبَل: «لَمَّا أَمْرَ المُعْتَصِمُ بِتَخْلِيَةِ أَبي عَبْدِ الله: خَلَعَ عَلَيْهِ مُبَطَّنَةً وَقَمِيصَاً وَطَيْلَسَانَاً، وَقَلَنْسُوَةً وَخُفَّاً،

стр. 258

فَبَينَا نَحْنُ عَلَى بَابِ الدَّارِ، وَالنَّاسُ في المَيدَانِ وَالدُّرُوبِ وَغَيْرِهَا وَقَدْ غُلَّقَتِ الأَسْوَاق؛ إِذْ خَرَجَ أَبُو عَبْدِ اللهِ عَلَى دَابَّةٍ مِنْ دَارِ المُعْتَصِمِ في تِلْكَ الثِّيَاب، وَأَحْمَدُ بْنُ أَبي دُوَادَ عَنْ يَمِينِه، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَالي بَغْدَادَ عَنْ يسَارِه، فَلَمَّا صَارَ في الدِّهْلِيزِ قَبْلَ أَنْ يَخْرُجَ قَالَ لَهُمُ ابْنُ أَبي دُوَاد: اكْشِفُواْ رَأْسَهُ، وَبَعَثَ إِلىَ وَالِدِي وَإِلىَ جِيرَانِنَا وَمَشَايِخِ المَحَالِّ فَجُمِعُواْ وَأُدْخِلُواْ عَلَيْه، فَقَالَ لَهُمْ: هَذَا

стр. 259

أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَل، وَإِنْ كَانَ فِيكُمْ مَنْ يَعْرِفُهُ؛ وَإِلاََّ فَلْيَعْرِفْه» ٠٠ قَالَ هَذَا تَهْدِئَةً لِلنَّاس ٠ قَالَ حَنْبَل: «فَلَمَّا ذَهَبَ لِيَنْزِلَ احْتَضَنْتُهُ وَلَمْ أَعْلَمْ، فَوَقَعَتْ يَدِي عَلَى مَوْضِعِ الضَّرْب؛ فَصَاحَ ﵀؛ فَنَحَّيْتُ يَدِي؛ فَنَزَلَ مُتَوَكِّئَاً عَلَيَّ وَأَغْلَقَ الْبَاب، وَدَخَلْنَا مَعَهُ، فَرَمَى بِنَفْسِهِ عَلَى وَجْهِهِ لاَ يَقْدِرُ أَنْ يَتَحَرَّكَ إِلاََّ بِجَهْدٍ، وَنَزَعَ مَا كَانَ خُلِعَ عَلَيْهِ فَأَمَرَ بِهِ فَبِيعَ وَتَصَدَّقَ بِثَمَنِه» ٠

стр. 260

قَالَ محَمَّدُ بْنُ أَبي حَاتمٍ الْوَرَّاق: قَالَ أَبُو الْفَضْلِ صَالِح: «خُلِّيَ عَنهُ فَصَارَ إِلىَ المَنْزِل، وَوُجِّهَ إِلىَ المَطْبَق [كَالمُسْتَشْفَى]، فَجِيءَ بِرَجُلٍ مِمَّنْ يُبْصِرُ الضَّرْبَ وَالْعِلاَجَ فَنَظَر إِلىَ ضَرْبِهِ فَقَال: قَدْ رَأَيْتُ مَنْ ضُربَ أَلْفَ سَوْط؛ مَا رَأَيْتُ ضَرْبَاً مِثْلَ هَذَا؛ لَقَدْ جُرَّ عَلَيْهِ مِن خَلْفِهِ وَمِنْ قُدَّامِهِ، ثُمَّ أَخَذَ مِيلاً [أَيْ عُودَاً]، فَأَدْخَلَهُ في بَعْضِ تِلْكَ الجِرَاحَاتِ [لِيَسْبُرَ غَوْرَهَا، وَلِيَعْرِفَ هَلْ هِيَ جِرَاحَاتٌ سَطْحِيَّةٌ أَمْ عَمِيقَة]،

стр. 261

فَنَظَر إِلَيْهِ فَقَال: لَمْ يُنْقَبْ ٠٠؟ وَجَعَلَ يَأْتِيهِ بِالمَرَاهِمِ يُعَالِجُه، وَكَانَ قَدْ أَصَابَ وَجْهَهُ غَيْرُ ضَرْبَة، وَمَكَثَ مُنْكَبَّاً عَلَى وَجْهِه مَا شَاءَ الله، ثمَّ قَالَ لَهُ: إِنَّ هَا هُنَا شَيْئَاً أُرِيدُ أَن أَقْطَعَه؛ فَجَاءَ بحَدِيدَةٍ فَجَعَلَ يُعلِّقُ اللَّحْمَ بِهَا فَيَقْطَعُهُ بِسِكِّينٍ مَعَهُ، وَهُوَ صَابرٌ لِذَلِكَ يَجْهَرُ بحَمْدِ اللهِ في ذَلِك، فَبَرَأَ مِنهُ، وَلَمْ يَزَلْ يَتَوَجَّعُ مِنْ مَوَاضِعَ مِنهُ، وَكَانَ أَثَرُ الضَّرْبِ بَيِّنَاً في ظَهْرِه إِلىَ أَنْ تُوُفِّيَ، وَدَخَلْتُ عَلَيْهِ

стр. 262

يَوْمَاً فَقُلْتُ لَهُ: بَلَغَني أَنَّ رَجُلاً جَاءَ إِلَيْكَ فَقَالَ اجْعَلْني في حِلٍّ إذْ لَمْ أَقُمْ بِنُصْرَتِكَ فَقُلْتَ: لاَ أَجْعَلُ أَحَدَاً في حِلّ؛ فَتَبَسَّمَ أَبي وَسَكَتَ، وَسَمِعْتُ أَبي يَقُول: لَقَدْ جَعَلْتُ المَيِّتَ في حِلٍّ مِنْ ضَرْبِهِ إِيَّاي [أَيِ المُعْتَصِم] ثمَّ قَال: مَرَرْتُ بِهَذِه الآيَة: (فَمَن عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى الله (﴿الشُّورَى/٤٠﴾ فَنَظَرْتُ في تَفْسِيرِهَا؛ فَإذَا هُوَ مَا أَخْبَرَنَا هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ أَخْبَرَنَا المُبَارَكُ بْنُ فَضَالَةَ قَال:

стр. 263

أَخْبَرَني مَنْ سَمِعَ الحَسَنَ يَقُول: إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ جَثَتِ الأُمَمُ كُلُّهَا بَينَ يَدَيِ اللهِ رَبِّ الْعَالِمِين، ثُمَّ نُودِيَ أَنْ لاَ يَقُومَ إِلاََّ مَن أَجْرُه عَلَى الله؛ فَلاَ يَقُومُ إِلاََّ مَن عَفَا في الدُّنْيَا» ٠ فَجَعَلْتُ المَيِّتَ في حِلّ، ثُمَّ قَالَ عَظَّمَ اللهُ أَجْرَه: وَمَا عَلَى رَجُلٍ أَنْ لاَ يُعَذِّبَ اللهُ أَحَدَاً بِسَبِبِه» ٠ قَالَ أَبُو الحُسَيْنِ بْنُ المُنَادِي: حَدَّثَني جَدِّي أَبُو جَعْفَرٍ قَال:

стр. 264

«لَقِيْتُ أَبَا عَبْدِ الله؛ فرَأَيْتُ في يَدَيْهِ مِجْمَرَةً يُسخِّنُ خِرْقَةً، ثمَّ يَجْعَلُهَا عَلَى جَنْبِهِ مِنَ الضَّرْب، فَقَال: يَا أَبَا جَعْفَر؛ مَا كَانَ في الْقَوْمِ أَرَأَفُ بي مِنَ المُعْتَصِم» ٠٠ المِجْمَرَة: الَّتي يُوضَعُ فِيهَا الجَمْر قَالَ ابْنُ عَمِّهِ حَنْبَل: «لَمَّا أَرَدْنَا عِلاَجَهُ؛ خِفْنَا أَنْ يَدُسَّ ابْنُ أَبي دُوَادَ إِلىَ المُعَالِجِ فَيُلْقِيَ في دَوَائِهِ سُمَّاً؛ فَعَمِلْنَا الدَّوَاءَ وَالمَرْهَمَ عِنْدنَا فَكَانَ في بَرْنِيَّةٍ؛ فَإِذَا دَاوَاهُ رَفَعْنَاهَا، وَكَانَ إِذَا أَصَابَهُ الْبَرْدُ

стр. 265

ضَرَبَ عَلَيْه» ٠٠ أَيْ آلَمَهُ ٠ قَالَ محَمَّدُ بْنُ أَبي حَاتِمٍ الْوَرَّاق: حَدَّثَني أَحْمَدُ بْنُ سِنَانٍ قَال: «بَلَغَني أَنَّ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ جَعَلَ المُعْتَصِمَ في حِلٍّ يَوْمَ فَتْحِ عَاصِمَةِ بَابَكَ وَظَفَرِهِ بِهَا، أَوْ يَوْمَ فَتْحِ عَمُّورِيَّة، فَقَالَ عَظَّمَ اللهُ أَجْرَه: هُوَ في حِلٍّ مِنْ ضَرْبي» ٠ قَالَ حَنْبَل: «سَمِعْتُهُ عَظَّمَ اللهُ أَجْرَهُ يَقُول: كُلُّ مَنْ ذَكَرَني فَفِي حِلٍّ؛ إِلاََّ مُبْتَدِعَاً، وَقَدْ جَعَلْتُ أَبَا إِسْحَاقَ [يَعْني الخَلِيفَةَ المُعْتَصِمَ] في حِلٍّ؛ رَأَيْتُ اللهَ

стр. 266

عَزَّ وَجَلَّ يَقُول: (وَلْيَعْفُواْ وَلْيَصْفَحُواْ أَلاَ تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَكُم (﴿النُّور/٢٢﴾ وَأَمَرَ النَّبيُّ ﷺ أَبَا بَكْرٍ بِالعَفْوِ في قِصَّةِ مِسْطَح، وَقَالَ عَظَّمَ اللهُ أَجْرَهُ وَرَفَعَ اللهُ ذِكْرَه: وَمَا يَنْفَعُكَ أَنْ يُعَذِّبَ اللهُ أَخَاكَ المُسْلِمَ بِسَبَبِك» ٠٠؟! ـ مِحْنَةُ الْوَاثِق: قَالَ حَنْبَل: «لَمْ يَزَلْ أَبُو عَبْدِ اللهِ بَعْدَ أَنْ بَرِئَ مِنَ الضَّرْبِ يَحْضُرُ الجُمُعَةَ وَالجَمَاعَةَ وَيُحَدِّثُ وَيُفْتي حَتىَّ مَاتَ المُعْتَصِمُ وَوَلِيَ ابْنُهُ الْوَاثِق؛

стр. 267

فَأَظْهَرَ مَا أَظْهَرَ مِنَ المِحْنَةِ وَالمَيْلِ إِلىَ أَحْمَدَ بْنِ أَبي دُوَادَ وَأَصْحَابِه؛ فَلَمَّا اشْتَدَّ الأَمْرُ عَلَى أَهْلِ بَغْدَاد، وَأَظْهَرَتِ الْقُضَاةُ المِحْنَةَ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ وَفُرِّقَ بَيْنَ فَضْلٍ الأَنْمَاطِيِّ وَبَيْنَ امْرَأَتِه، وَبَيْنَ أَبي صَالِحٍ وَبَيْنَ امْرَأَتِه، كَانَ أَبُو عَبْدِ اللهِ يَشْهَدُ الجُمُعَةَ وَيُعِيدُ الصَّلاَةَ إِذَا رَجَعَ وَيَقُول: تُؤْتىَ الجُمُعَةُ لِفَضْلِهَا، وَالصَّلاَةُ تُعَادُ خَلْفَ مَنْ قَالَ بِهَذِهِ المَقَالَة؛ فَجَاءَ نَفرٌ إِلىَ أَبي عَبْدِ اللهِ فَقَالُواْ: هَذَا

стр. 268

الأَمْرُ قَدْ فَشَا وَتفَاقم، وَنَحْنُ نَخَافُهُ عَلَى أَكْثَرَ مِن هَذَا، وَذَكَرُواْ ابْنَ أَبي دُوَادَ عَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ وَأَنَّهُ عَلَى أَنْ يَأْمُرَ المُعَلِّمِينَ بِتَعْلِيمِ الصِّبْيَانِ في المكَاتِبِ الْقُرْآنُ كَذَا وَكَذَا، فَنَحْنُ لاَ نَرْضَى بِإِمَارَتِه؛ فَمَنَعَهُمْ مِنْ ذَلِكَ وَأَمَرَهُمْ بِالصَّبْر، فَبَيْنَمَا نَحْنُ في أَيَّامِ الْوَاثِقِ إِذْ جَاءَ يَعْقُوبُ لَيْلاً بِرِسَالَةِ الأَمِيرِ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ إِلىَ أَبي عَبْدِ اللهِ يَقُولُ لَكَ الأَمِير: إِنَّ أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ قَدْ ذَكَرَك؛ فَلاَ

стр. 269

يَجْتَمِعَنَّ إِلَيْكَ أَحَد، وَلاَ تُسَاكِنيِّ بِأَرْضٍ وَلاَ مَدينَةٍ أَنَا فِيهَا؛ فَاذْهَبْ حَيْثُ شِئْتَ مِن أَرْضِ الله؛ فَاخْتَفَى أَبُو عَبْدِ اللهِ بَقِيَّةَ حَيَاةِ الْوَاثِق، وَكَانَتْ تِلْكَ فِتْنَةً، وَقُتِلَ أَحْمَدُ بْنُ نَصْرٍ الخُزَاعِيّ، وَلَمْ يَزَلْ أَبُو عَبْدِ اللهِ مُخْتَفِيَاً في الْبَيْتِ لاَ يَخْرُجُ إِلىَ صَلاَةٍ وَلاَ إِلىَ غَيْرِهَا حَتىَّ هَلَكَ الْوَاثِق» ٠ قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ هَانِئ: «اخْتَفَى أَبُو عَبْدِ اللهِ عِنْدِي ثَلاَثَاً ثمَّ قَال: اطْلُبْ لي مَوْضِعَاً؛ قُلْتُ: لاَ آمَنُ عَلَيْك ٠٠ قَالَ

стр. 270

افْعَلْ؛ فَإِذَا فَعَلْتَ أَفَدْتُك؛ فَطَلَبْتُ لَهُ مَوْضِعَاً، فَلَمَّا خَرَجَ قَال: اخْتَفَى رَسُولُ اللهِ ﷺ في الْغَارِ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ ثُمَّ تَحَوَّل» ٠٠ عَظَّمَ اللهُ أَجْرَهُ وَرَفَعَ ذِكْرَه؛ حَتىَّ في هُرُوبِهِ يَقْتَدِي بمَحْبُوبِهِ ﷺ ٠ كَتَبَ الحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الجَعْدِ قَاضِي بَغْدَادَ إِلىَ ابْنِ أَبي دُوَاد: «إِنَّ أَحْمَدَ قَدِ انْبَسَطَ في الحَدِيث؛ فَبَلَغَ ذَلِكَ الإِمَامَ أَحْمَد؛ فَقَطَعَ الحَدِيثَ إِلىَ أَنْ تُوُفِّيَ» ٠

стр. 271

قَالَ ابْنُهُ صَالِح: «وَجَّهَ إِسْحَاقُ إِلىَ أَبي: الْزَمْ بَيْتَكَ وَلاَ تَخْرجْ إِلىَ جَمَاعَةٍ وَلاَ جُمُعَة، وَإِلاََّ نَزَلَ بِكَ مَا نَزَلَ بِكَ أَيَّامَ المُعْتَصِم» ٠ ـ قِصَّتُهُ عَظَّمَ اللهُ أَجْرَهُ وَأَثَابَ صَبرَهُ مَعَ الخَلِيفَةِ المُتَوَكِّل: قَالَ ابْنُ عَمِّهِ حَنْبَل: «وَلِيَ المُتَوَكِّلُ جَعْفَرٌ، فَأَظْهَرَ السُّنَّةَ وَفَرَّجَ عَنِ النَّاس، وَكَانَ أَبُو عَبْدِ اللهِ يُحَدِّثُنَا وَيُحَدِّثُ أَصْحَابَهُ في أَيَّامِ المُتَوَكِّل» ٠ قَالَ ابْنُ عَمِّهِ حَنْبَل:

стр. 272

«إِنَّ المُتَوَكِّلَ ذَكَرَهُ، وَكَتَبَ إِلىَ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ في إِخْرَاجِهِ إِلَيْه؛ فَجَاءَ رَسُولُ إِسْحَاقَ إِلىَ أَبي عَبْدِ اللهِ يَأْمُرُهُ بِالحُضُور؛ فَمَضَى أَبُو عَبْدِ اللهِ ثمَّ رَجَع، فَسَأَلَهُ أَبي عَمَّا دُعِيَ لَهُ ٠٠؟ فَقَالَ الإِمَامُ أَحْمَدُ عَظَّمَ اللهُ أَجْرَه: قَرَأَ عَلَيَّ كِتَابَ جَعْفَرٍ يَأْمُرُني بِالخُرُوجِ إِلىَ الْعَسكر [بِسُرَّ مَنْ رَأَى] وَقَالَ لي إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيم: مَا تَقُولُ في الْقُرْآن ٠٠؟

стр. 273

فَقُلْتُ: إِنَّ أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ قَدْ نَهَى عَن هَذَا؛ فَقَالَ لي: لاَ تُعْلِمْ أَحَدَاً أَنيِّ سَأَلْتُكَ عَنِ الْقُرْآن؛ فَقُلْتُ لَهُ: مَسْأَلَةُ مُسْتَرْشِدٍ أَوْ مَسْأَلَةُ مُتَعَنِّت ٠٠؟ قَال: بَلْ مُسْتَرْشِد؛ قُلْتُ: الْقُرْآنُ كَلاَمُ اللهِ لَيْسَ بِمَخْلُوق» ٠ قَالَ صَالحُ بْنُ الإِمَامِ أَحْمَدَ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْه: قَالَ أَبي عَظَّمَ اللهُ أَجْرَه: قَالَ لي إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيم: اجعَلْني في حِلٍّ مِن حُضُورِي ضَرْبَك؛ فَقُلْتُ: قَدْ جَعَلْتُ كُلَّ مَن حَضَرَني في حِلّ، وَقَالَ لي: مِن أَيْنَ قُلْتَ:

стр. 274

إِنَّهُ غَيْرُ مَخْلُوقٍ ٠٠؟ فَقُلْتُ: قَالَ اللهُ جَلَّ وَعَلاَ: (أَلاَ لَهُ الخَلْقُ وَالأَمْر (﴿الأَعْرَاف/٥٤﴾ فَفَرَّقَ بَيْنَ الخَلْقِ وَالأَمْر؛ فَقَالَ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيم: الأَمْرُ مَخْلُوق؛ ثمَّ قَال: يَا سُبْحَانَ الله؛ أَمَخْلُوقٌ يَخْلُقُ خَلْقَاً ٠٠؟! [أَيْ إِنْ كَانَتْ «كُنْ» مَخْلُوقَةً؛ أَمَخْلُوقٌ يَخْلُقُ خَلْقَاً] ٠٠؟! ثُمَّ قَالَ لي [أَيْ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ يَقُولُ لِلإِمَامِ أَحْمَد]: عَمَّنْ تَحْكِي أَنَّهُ لَيْسَ بِمَخْلُوق ٠٠؟

стр. 275

قُلْتُ: عَنْ جَعْفَرِ بْنِ محَمَّدٍ قَال: لَيْسَ بِخَالِقٍ وَلاَ مَخْلُوق» ٠ قَالَ حَنْبَل: لَمْ يَكُن عِنْدَ أَبي عَبْدِ اللهِ مَا يَتَحَمَّلُ بِهِ أَوْ يُنْفِقُهُ، وَكَانَتْ عِنْدِي مِاْئَةُ دِرْهَم؛ فَأَتَيْتُ بِهَا أَبي؛ فَذَهَبَ بِهَا إِلَيْه، فَأَصْلَحَ بِهَا مَا احْتَاجَ إِلَيْهِ وَاكْتَرَى وَخَرَج، وَلَمْ يَمْضِ إِلىَ محَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، وَلاَ سَلَّمَ عَلَيْه؛ فَكَتَبَ بِذَلِكَ محَمَّدٌ إِلىَ أَبِيه؛ فَحَقَدَهَا إِسْحَاقُ عَلَيْهِ وَقَال: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِين؛ إِنَّ أَحْمَدَ خَرَجَ مِنْ بَغْدَادَ

стр. 276

وَلَمْ يَأْتِ مَولاَكَ محَمَّدَاً؛ فَقَالَ المُتَوَكِّلُ: يُرَدُّ وَلَوْ وَطِئَ بِسَاطِي، وَكَانَ أَحْمَدُ قَدْ بَلَغَ بُصْرَى [مَدِينَةٌ جَنُوبَ سُورِيَّةَ قُرْبَ الأُرْدُن]؛ فَرُدَّ، فَرَجَعَ وَامْتَنَعَ مِنَ الحَدِيثِ إِلاََّ لِوَلَدِهِ وَلَنَا، وَرُبَّمَا قَرَأَ عَلَيْنَا في مَنْزِلِنَا، ثُمَّ إِنَّ رَافِعَاً رَفَعَ إِلىَ المُتَوَكِّلِ: إِنَّ أَحْمَدَ رَبَّصَ عَلَوِيَّاً في مَنْزِلِهِ يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَهُ وَيُبَايِعَ عَلَيْه، وَلَمْ يَكُن عِنْدنَا عِلم؛ فَبَينَا نحْنُ ذَاتَ لَيْلَةٍ نِيَامٌ في الصَّيْف؛ سَمِعْنَا الجَلَبَةَ

стр. 277

وَرَأَيْنَا النِّيرَانَ في دَارِ أَبي عَبْدِ الله؛ فَأَسْرَعْنَا، وَإِذَا بِهِ قَاعِدٌ في إِزَار، وَمُظَفَّرُ بْنُ الْكَلْبيِّ صَاحِبُ الخَبَرِ وَجَمَاعَةٌ مَعَهُمْ؛ فَقَرَأَ صَاحِبُ الخَبَرِ كِتَابَ المُتَوَكِّل: «وَرَدَ عَلَى أَمِيرِ المُؤْمِنِينَ أَنَّ عِندَكُمْ عَلَوِيَّاً رَبَّصْتَهُ لِتُبَايِعَ لَهُ وَتُظْهِرَهُ ٠٠٠٠٠ في كَلاَمٍ طَوِيل، ثُمَّ قَالَ لَهُ مُظَفَّر: مَا تَقُول ٠٠؟ قَال: مَا أَعْرِفُ مِن هَذَا شَيْئَاً، وَإِنيِّ لأَرَى لَهُ السَّمْعَ وَالطَّاعَةَ في عُسْرِي وَيُسْرِي وَمَنْشَطِي وَمَكْرَهِي وَأَثَرَةٍ عَلَيّ، وَإِنيِّ

стр. 278

لأَدْعُو اللهَ لَهُ بِالتَّسْدِيدِ وَالتَّوْفِيقِ في اللَّيْلِ وَالنَّهَار ٠٠٠٠٠ في كَلاَمٍ كَثِير؛ فَقَالَ مُظَفَّر: قَدْ أَمَرَني أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ أَن أُحَلِّفَك؛ فَأَحْلَفَهُ بِالطَّلاَقِ ثَلاَثَاً أَنَّ مَا عِنْدَهُ طِلْبَةَ أَمِيرِ المُؤْمِنِين، ثُمَّ فَتَّشواْ مَنْزِلَ أَبي عَبْدِ اللهِ وَالسَّرْبَ وَالغُرَفَ وَالسُّطُوح، وَفَتَّشُواْ تَابُوتَ الْكُتُب، وَفَتَّشُواْ النِّسَاءَ وَالمَنَازِل؛ فَلَمْ يَرَوْا شَيْئَاً؛ فَوَلَّواْ مُدْبِرِين، وَرَدَّ اللهُ كَيْدَ الخَائِنِين، وَكُتِبَ بِذَلِكَ إِلىَ المُتَوَكِّل؛ فَوَقَعَ ذَلِكَ

стр. 279

مِنهُ مَوْقِعَاً حَسَنَاً، وَعَلِمَ أَنَّ أَبَا عَبْدِ اللهِ مَكْذُوبٌ عَلَيْه، وَكَانَ الَّذِي دَسَّ عَلَيْهِ رَجُلٌ مِن أَهْلِ الْبِدَع، وَلَمْ يَمُتْ حَتىَّ بَيَّنَ اللهُ أَمْرَهُ لِلْمُسْلِمِين: وَهُوَ ابْنُ الثَّلْجِيّ» وَفي رِوَايَةٍ أُخْرَى لاِبْنِ الْكَلْبيّ: «أُرِيدُ أَن أُفتِّشَ مَنْزِلَكَ وَمَنْزِلَ ابْنِك؛ فَقَامَ مُظَفَّرٌ وَابْنُ الْكَلْبيِّ وَامْرَأَتَانِ مَعَهُمَا؛ فَفَتَّشواْ، وَدَلَّوْاْ شَمْعَةً في الْبِئْرِ وَنَظَرُواْ فِيهَا، ثُمَّ خَرَجُواْ، فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ يَوْمَيْن: وَرَدَ كِتَابُ عَلِيِّ بْنِ الجَهْم:

стр. 280

إِنَّ أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ قَدْ صَحَّ عِنْدَهُ بَرَاءتُك ٠٠٠» ٠ وَيُكْمِلُ حَنْبَلٌ رِوَايَتَهُ قَائِلاً: «فلَمَّا كَانَ بَعْدَ أَيَّامٍ بَيْنَا نَحْنُ جُلُوسٌ بِبَابِ الدَّار: إِذَا يَعْقُوبُ أَحَدُ حُجَّابِ المُتَوَكِّلِ قَدْ جَاءَ فَاسْتَأْذَنَ عَلَى أَبي عَبْدِ الله؛ فَدَخَلَ وَدَخَلَ أَبي وَأَنَا، وَمَعَ بَعْضِ غِلْمَانِهِ بَدْرَةٌ عَلَى بَغْل، وَمَعَهُ كِتَابُ المُتَوَكِّل؛ فَقَرَأَهُ عَلَى أَبي عَبْدِ الله: «إِنَّه صَحَّ عِنْدَ أَمِيرِ المُؤْمِنِينَ بَرَاءَةُ سَاحَتِك، وَقَدْ وَجَّهَ إِلَيْكَ بِهَذَا المَالِ تَسْتَعِينُ بِهِ»

стр. 281

فَأَبَى أَنْ يَقْبَلَهُ ﵀ وَقَال: مَا لي إِلَيْهِ حَاجَة؛ فَقَال: يَا أَبَا عَبْدِ الله؛ اقْبَلْ مِن أَمِيرِ المُؤْمِنِينَ مَا أَمَرَكَ بِه؛ فَإِنَّهُ خَيْرٌ لَكَ عِنْدَه، فَإِنَّكَ إِنْ رَدَدْتَهُ خِفْتُ أَنْ يَظُنَّ بِكَ سُوءَاً؛ فَحِينَئِذٍ قَبِلهَا، فَلَمَّا خَرَجَ قَال: يَا أَبَا عَلِيّ؛ قُلْتُ لَبَّيْك؛ قَال: ارْفَعْ هَذِهِ الْبَدْرَةَ وَضَعْهَا تَحْتَهَا أَيْ تَحْتَ الْبَغْلَة، ثُمَّ تَمَلْمَلَ عَظَّمَ اللهُ أَجْرَهُ عَلَى فِرَاشِهِ فَمَا نَامَ حَتىَّ دَعَا بَعْضَ أَصْفِيَائِهِ فَكَتَبُواْ مَنْ يَعْرِفُونَ مِن أَهْلِ

стр. 282

البِرِّ وَالصَّلاَحِ مِنْ فُقَرَاءِ طَلَبَةِ الْعِلْم؛ فَفَرَّقهَا كُلَّهَا مَا بَيْنَ الخَمْسِينَ إِلىَ الماْئَةِ وَالماْئَتَيْن؛ فَمَا بَقِيَ في الْكِيسِ دِرْهَم، فلَمَّا كَانَ بَعْدَ ذَلِك، مَاتَ الأَمِيرُ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَابْنُهُ محَمَّد، ثمَّ وَلِيَ بَغْدَادَ عَبْدُ اللهِ بْنُ إِسْحَاق؛ فَجَاءَ رَسُولٌ إِلىَ أَبي عَبْدِ اللهِ فَذَهَبَ إِلَيْه، فَقَرَأَ عَلَيْهِ كِتَابَ المُتَوَكِّل، وَقَالَ لَه: يَأْمرُكَ بِالخُرُوج [يَعْني: إِلىَ سَامَرَّاء]؛ فَقَالَ ﵀: أَنَا شَيْخٌ ضَعِيفٌ عَليل؛ فَكَتَبَ لَهُ بِذَلِك

стр. 283

ابْنُهُ عَبْدُ اللهِ يَرُدُّ عَلَيْه؛ فَوَرَدَ جَوَابُ الْكِتَاب: إِنَّ أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ يَأْمُرُهُ بِالخُرُوج؛ فَوجَّهَ عَبْدُ اللهِ بْنُ إِسْحَاقَ أَجْنَادَاً فَبَاتُواْ عَلَى بَابِنَا أَيَّامَاً، حَتىَّ تَهَيَّأَ أَبُو عَبْدِ اللهِ لِلْخُرُوج، فَخَرَجَ وَمَعَهُ صَالِحٌ وَعَبْدُ اللهِ وَأَبي» ٠ ـ زُهْدُهُ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِ مَعَ الْغِنى وَكَثْرَةِ المَال: قَالَ ابْنُ عَمِّهِ حَنْبَل: أَخْبَرَني أَبي إِسْحَاقُ ﵀ قَال:

стр. 284

«دَخلْنَا إِلىَ الْعَسْكَر؛ فَإِذَا نَحْنُ بِمَوْكِبٍ عَظِيمٍ مُقْبِل؛ فَلَمَّا حَاذَى بِنَا قَالُواْ: هَذَا وَصِيف، وَإِذَا بِفَارِسٍ قَدْ أَقْبَلَ فَقَالَ لأَبي عَبْدِ الله: الأَمِيرُ يُقْرِئُكَ السَّلاَمَ وَيَقُولُ لَك: إِنَّ اللهَ قَدْ أَمْكَنَكَ مِن عَدُوِّكَ [يَقْصِدُ ابْنَ أَبي دُوَاد] وَأَمِيرُ المُؤْمِنِينَ يَقْبَلُ مِنْك؛ فَلاَ تَدَعْ شَيْئَاً إِلاََّ تَكَلَّمْتَ بِه؛ فَمَا رَدَّ عَلَيْهِ أَبُو عَبْدِ اللهِ شَيْئَاً، وَجَعَلْتُ أَنَا أَدْعُو لأَمِيرِ المُؤْمِنِين، وَدَعَوْتُ لِوَصِيف، وَمَضَيْنَا فَأُنْزِلْنَا في دَارِ

стр. 285

إِيتَاخ، وَلَمْ يَعْرِفْ أَبُو عَبْدِ الله؛ فَسَأَلَ بَعْدُ لِمَن هَذِهِ الدَّار ٠٠؟ قَالُواْ: هَذِهِ دَارُ إِيتَاخ؛ قَالَ عَظَّمَ اللهُ أَجْرَه: حَوِّلُوني، اكْتَرُواْ لي دَارَاً؛ قَالُواْ: هَذِهِ دَارٌ أَنْزَلَكَهَا أَمِيرُ المُؤْمِنِين؛ قَال: لاَ أَبِيْتُ هَا هُنَا، وَلَمْ يَزَلْ حَتىَّ اكْتَرَيْنَا لَهُ دَارَاً، وَكَانَتْ تَأْتِينَا في كُلِّ يَوْمٍ مَائِدَةٌ فِيهَا أَلْوَانٌ يَأْمُرُ بِهَا المُتَوَكِّل، وَالثَّلْجُ وَالفَاكِهَةُ وَغَيْرُ ذَلِك؛ فَمَا ذَاقَ مِنهَا أَبُو عَبْدِ اللهِ شَيْئَاً وَلاَ نَظَرَ إِلَيْهَا، وَكَانَ
следующие страницы →