← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 37568

حياة التابعين

ياسر الحمداني

Полный текст (2 289 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

فَسَكَت؛ فَلَمَّا صِرْنَا إِلىَ المَوْضِعِ المَعْرُوفِ بِبَابِ الْبُسْتَان: أُخْرِجْتُ، وَجِيءَ بِدَابَّة؛ فَأُرْكِبْتُ وَعَلَيَّ الأَقْيَاد، مَا مَعِي مَنْ يُمْسِكُني، فَكِدْتُ غَيْرَ مَرَّةٍ أَن أَخِرَّ عَلَى وَجْهِي لِثِقَلِ الْقُيود، فَجِيءَ بي إِلىَ دَارِ المُعْتَصِم؛ فَأُدْخِلْتُ حُجْرَةً، ثمَّ أُدْخِلْتُ بَيْتَاً، وَأُقْفِلَ الْبَابُ عَليَّ في جَوْفِ اللَّيْلِ وَلاَ سِرَاج؛ فَأَرَدْتُ الْوضُوء؛ فَمَدَدْتُ يَدِي؛ فَإذَا أَنَا بَإِنَاءٍ فِيهِ مَاءٌ وَطسْتٌ مَوْضُوع، فَتَوَضَّأْتُ وَصَلَّيْت، فلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ أَخْرَجْتُ

стр. 212

تِكَّتي [أَيْ حَبْلَ سِرْوَالي]، وَشَدَدْتُ بِهَا الأَقْيَادَ أَحْمِلُهَا [أَيْ بَدَلاً مِنْ جَرِّهَا وَهِيَ مِن حَدِيدٍ ثَقِيل] وَعَطَفْتُ سَرَاويلِي، فَجَاءَ رَسُولُ المُعْتَصِمِ فَقَال: أَجِبْ؛ فَأَخَذَ بِيَدِي وَأَدْخَلَني عَلَيْه، وَالتِّكَّةُ في يَدِي أَحْمِلُ بِهَا الأَقْيَاد، وَإِذَا هُوَ جَالِسٌ وَأَحْمَدُ بْنُ أَبي دُوَادَ حَاضِر، وَقَدْ جَمَعَ خَلْقَاً كَثِيرَاً مِن أَصْحَابِهِ؛ فَقَالَ لي المُعْتَصِم: ادْنُه ٠٠ ادْنُه؛ فَلَمْ يَزَلْ يُدْنِيني حَتىَّ قَرُبْتُ مِنهُ، ثمَّ قَال: اجْلِسْ؛ فَجَلَسْتُ وَقَدْ أَثْقَلَتْني

стр. 213

الأَقْيَاد، فَمَكَثْتُ قَلِيلاً، ثُمَّ قُلْتُ: أَتَأْذَنُ في الْكَلاَم ٠٠؟ قَالَ تَكَلَّمْ؛ فَقُلْتُ: إِلىَ مَا دَعَا اللهُ وَرَسُولُه ٠٠؟ فَسَكَتَ هُنَيَّةً، ثُمَّ قَال: إِلىَ شَهَادَةِ أَنْ لاَ إِلهَ إِلاََّ الله؛ فَقُلْتُ: فَأَنَا أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلهَ إِلاََّ الله؛ ثُمَّ قُلْتُ: إِنَّ جَدَّك ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُول: لَمَّا قَدِمَ وَفْدُ عَبْدِ الْقَيْسِ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ سَأَلُوهُ عَنِ الإِيمَان ٠٠؟ فَقَالَ ﷺ : «أَتَدْرُونَ مَا الإِيمَان» ٠٠؟

стр. 214

قَالُواْ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَم؛ قَالَ ﷺ : «شَهَادَةُ أَنْ لاَ إِلهَ إِلاََّ اللهُ وَأَنَّ محَمَّدَاً رَسُولُ الله، وَإِقَامُ الصَّلاَة، وَإِيتَاءُ الزَّكَاة، وَأَنَّ تُعْطُواْ الخُمُسَ مِنَ المَغْنَم» ٠ فَقَالَ المُعْتَصِم: لَوْلاَ أَنيِّ وَجَدْتُكَ في يَدِ مَنْ كَانَ قَبْلِي: مَا عَرَضْتُ لَك، ثُمَّ قَال: يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ إِسْحَاق؛ أَلَمْ آمُرْكَ بِرَفْعِ المِحْنَة ٠٠؟

стр. 215

فَقُلْتُ: اللهُ أَكْبَرُ إِنَّ في هَذَا لَفَرَجَاً لِلْمُسْلِمِين؛ ثُمَّ قَالَ لَهُمْ: نَاظِرُوهُ وَكَلِّمُوه، يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ كَلِّمْه؛ فَقَال: مَا تَقُولُ في الْقُرْآن ٠٠؟ قُلْتُ: مَا تَقُولُ أَنْتَ في عِلْمِ الله ٠٠؟ فَسَكَتَ، فَقَالَ لي بَعْضُهُمْ: أَلَيْسَ قَالَ اللهُ تَعَالىَ: (اللهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْء ([الرَّعْد/١٦﴾ وَالقُرْآنُ أَلَيْسَ شَيْئَاً ٠٠؟ فَقُلْتُ: قَالَ اللهُ : (تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ (﴿الأَحقَاف/٢٥﴾ فَدَمَّرتْ إِلاََّ مَا أَرَادَ الله ٠٠؟

стр. 216

فَقَالَ بَعْضُهُمْ: (مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَث (﴿الأَنْبيَاء/٢﴾ أَفَيَكُونُ مُحْدَثٌ إِلاََّ مَخْلُوقَاً ٠٠؟ فَقُلْتُ: قَالَ اللهُ ﷻ : (ص، وَالقُرْآنِ ذِي الذِّكْر (﴿ص/١﴾ فَالذِّكرُ هُوَ الْقُرْآن، وَتِلْكَ لَيْسَ فِيهَا أَلِفٌ وَلاَم ٠٠ [أَيْ لَيْسَتْ مُعَرَّفَة] وَذَكرَ بَعْضُهُمْ حَدِيثَ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ: «إِنَّ اللهَ خَلَقَ الذِّكْرَ» ٠ فَقُلْتُ: هَذَا خَطأٌ، حَدَّثَنَا غَيْرُ وَاحِدٍ: «إِنَّ اللهَ كَتَبَ الذِّكْرَ» ٠ وَاحتجُواْ بِحَدِيثِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁:

стр. 217

«مَا خَلَقَ اللهُ مِنْ جَنَّةٍ وَلاَ نَارٍ وَلاَ سَمَاءٍ وَلاَ أَرْضٍ أَعْظَمَ مِنْ آيَةِ الْكُرْسِيِّ» ٠ فَقُلْتُ: إِنَّمَا وَقَعَ الخَلْقُ عَلَى الجَنَّةِ وَالنَّارِ وَالسَّمَاءِ وَالأَرْضِ، وَلَمْ يَقَعْ عَلَى الْقُرْآن؛ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: حَدِيثُ خَبَّابٍ: «يَا هَنَتَاهُ، تَقَرَّبْ إِلىَ اللهِ بِمَا اسْتَطَعْتَ، فَإِنَّكَ لَنْ تَتَقَّربَ إِلَيْهِ بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ كَلاَمِهِ» ٠٠ فَقُلْتُ: هَكَذَا هُو، قَالَ صَالِح: وَجَعَلَ ابْنُ أَبي دُوَادَ يَنْظُرُ إِلىَ أَبي كَالمُغْضَب

стр. 218

قَالَ أَبي: وَكَانَ يَتَكَلَّمُ هَذَا؛ فَأَرُدُّ عَلَيْه، وَيَتَكَلَّمُ هَذَا؛ فَأَرُدُّ عَلَيْه، فَإِذَا انْقَطَعَ الرَّجُلُ مِنهُمْ اعْتَرَضَ ابْنُ أَبي دُوَادَ فَيَقُول: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِين، هُوَ وَاللهِ ضَالٌّ مُضِلٌّ مُبْتَدِع؛ فَيَقُولُ المُعْتَصِم: كَلِّمُوهُ وَنَاظِرُوه؛ فَيُكلِّمُني هَذَا فَأَردُّ عَلَيْه، وَيُكَلُّمُني هَذَا فَأَردُّ عَلَيْه، فَإِذَا انْقَطَعُواْ يَقُولُ المُعْتَصِم: وَيْحَكَ يَا أَحْمَدُ مَا تَقُول ٠٠؟

стр. 219

فَأَقُول: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِين؛ أَعْطُوني شَيْئَاً مِنْ كِتَابِ اللهِ أَوْ سُنَّةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ حَتىَّ أَقُولَ بِهِ؛ فَيَقُولُ أَحْمَدُ بْنُ أَبي دُوَاد: أَنْتَ لاَ تَقُولُ إِلاََّ مَا في الْكِتَابِ أَوِ السُّنَّة ٠٠؟ فَقُلْتُ لَهُ: تَأَوَّلْتَ تَأْوِيلاً فَأَنْتَ أَعْلَم، وَمَا تَأَوَّلْتُ مَا يُحْبَسُ عَلَيْهِ وَلاَ يُقَيَّدُ عَلَيْه» ٠ أَيْ: وَمَا قُلْتُ مَا يَسْتَوْجِبُ الْقَيْدَ وَالحَبْس ٠

стр. 220

قَالَ حَنْبَل: قَالَ أَبُو عَبْدِ الله: «لَقَدِ احْتَجُّواْ عَلَيَّ بِشَيْءٍ مَا يَضِيقُ بِهِ صَدْرِي وَلاَ يَنْطَلِقُ لِسَاني: أَنْكَرُواْ الآثَار، وَمَا ظَنَنْتُهُمْ عَلَى هَذَا حَتىَّ سَمِعْتُه، وَجَعَلُواْ يَرُوغُون: يَقُولُ الخَصْمُ كَذَا وَكَذَا، فَاحْتَجَجْتُ عَلَيْهِمْ مِنَ القُرْآنِ بِقَولِه تَعَالى: (يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لاَ يَسْمَعُ وَلاَ يُبْصِر ( أَفَهَذَا مُنْكَرٌ عِنْدَكُمْ؟ [فَإِنَّ المَفْهُومَ مِنْ كَلاَمِ إِبْرَاهِيمَ ﵇ أَنَّهُ دَعَاهُمْ لِمَنْ يَسْمَعُ وَيُبْصِر]

стр. 221

فَقَالُواْ: شَبَّهَ يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِين ٠٠ شَبَّه» ٠٠!! عَن أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَال: «قَرَأَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ? إِنَّهُ كَانَ سَمِيعَاً بَصِيرَاً ? فَوَضَعَ إِصْبَعَةَ الدُّعَاءِ عَلَى عَيْنَيْهِ وَإِبْهَامَيْهِ عَلَى أُذُنَيْه» ٠ [قَالَ الإِمَامُ الذَّهَبيُّ في التَّلْخِيص: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الإِمَامِ مُسْلِم، رَوَاهُ الحَاكِمُ في المُسْتَدْرَكِ بِرَقْم: ٦٣]

стр. 222

قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ محَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْبُوشَنْجِيّ: حَدَّثَني بَعْضُ أَصْحَابِنَا أَنَّ أَحْمَدَ بْنَ أَبي دُوَادَ أَقْبَلَ عَلَى أَحْمَدَ يُكَلِّمُهُ؛ فَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَيْه؛ حَتىَّ قَالَ المُعْتَصِم: يَا أَحْمَد؛ أَلاَ تُكَلِّمُ أَبَا عَبْدِ الله؟ فَقُلْتُ: لَسْتُ أَعْرِفُهُ مِن أَهْلِ الْعِلْمِ فَأُكَلِّمَه» ٠٠ الإِمَامُ أَحْمَدُ لَيْسَ مِن أَهْلِ الْعِلْم؛ أَبْعَدَكَ الله

стр. 223

قَالَ ابْنُهُ صَالِح: «وَجَعَلَ ابْنُ أَبي دُوَادَ يَقُول: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِين؛ وَاللهِ لَئِن أَجَابَك، لَهُوَ أَحَبُّ إِليَّ مِن أَلْفِ دِينَارٍ وَمِاْئَةِ أَلْفِ دِينَار ٠٠٠ فَيَعُدُّ مِنْ ذَلِكَ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَعُدّ؛ فَقَال: لَئِن أَجَابَني لأُطْلِقَنَّ عَنهُ بِيَدِي، وَلأَرْكَبَنَّ إِلَيْهِ بِجُنْدِي، وَلأَطَأَنَّ عَقِبَه [أَيْ أَقْتَدِي بِهِ وَأَسْتَشِيرُه] ثُمَّ قَال: يَا أَحْمَد، وَاللهِ إِنيِّ عَلَيْكَ لَشَفِيق، وَإِنيِّ لأُشْفِقُ عَلَيْكَ شَفَقَتي عَلَى ابْنيَ هَارُون ٠٠ مَا تَقُول ٠٠؟

стр. 224

فَأَقُول: أَعْطُوني شَيْئَاً مِنْ كِتَابِ اللهِ جَلَّ وَعَلاَ، أَوْ سُنَّةِ رَسُولِه ﷺ ٠ فَلَمَّا طَالَ المَجْلِسُ: ضَجِرَ وَقَال: قُومُواْ، وَحَبَسَني عِنْدَه، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِسْحَاقَ يُكَلِّمُني، يَقُول: وَيْحَكَ أَجِبْني؛ فَقَالَ الإِمَامُ أَحْمَد: وَيْحَكَ أَلَمْ تَكنْ تَأْتِينَا؟ [أَيْ تَطْلُبُ الْعِلْمَ بَينَ يَدَيّ] فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِسْحَاقَ لِلْخَلِيفَةِ المُعْتَصِم: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِين؛ أَعْرِفُهُ مُنْذُ ثَلاَثِينَ سَنَة، يَرَى طَاعتَكَ وَالحَجَّ وَالجِهَادَ مَعَك

стр. 225

؛ فَيَقُول: وَاللهِ إِنَّهُ لَعَالِم، وَإِنَّهُ لَفَقِيه، وَمَا يَسُوءُني أَنْ يَكُونَ مَعِي يَرُدُّ عَنيِّ أَهْلَ المِلَل، ثُمَّ قَال: مَا كُنْتَ تَعْرِفُ صَالِحَاً الرَّشِيدِيّ ٠٠؟ قُلْتُ: قَدْ سَمِعْتُ بِهِ؛ قَال: كَانَ مُؤَدِّبي، وَكَانَ في ذَلِكَ المَوْضِعِ جَالِسَاً، وَأَشَارَ إِلىَ نَاحِيَةٍ مِنَ الدَّار، فَسَأَلَني عَنِ الْقُرْآن؛ فَخَالَفَني؛ فَأَمَرْتُ بِهِ فُوُطِئَ وَسُحِب؛ يَا أَحْمَد؛ أَجِبْني إِلىَ شَيْءٍ لَكَ فِيهِ أَدْنىَ فَرَجٍ حَتىَّ أُطْلِقَ عَنْكَ بِيَدِي؛ قُلْتُ: أَعْطُوني شَيْئَاً مِنْ كِتَابِ اللهِ أَوْ

стр. 226

سُنَّةِ رَسُولِه؛ فَطَالَ المَجْلِس، وَقَامَ الخَلِيفَةُ وَرُدِدْتُ إِلىَ المَوْضِع، فلَمَّا كَانَ بَعْدَ المَغْرِبِ وَجَّهَ إِلَيَّ رَجُلَيْنِ مِن أَصْحَابِ ابْنِ أَبي دَاوُد، يَبِيتَانِ عِنْدِي وَيُنَاظرَانِني وَيُقِيمَانِ مَعِي، حَتىَّ إِذَا كَانَ وَقْتُ الإِفْطَارِ جِيءَ بِالطَّعَام، وَيَجْتَهِدَانِ بي أَن أُفْطِرَ فَلاَ أَفْعَل، وَوجَّهَ المُعْتَصِمُ إِلَيَّ ابْنَ أَبي دُوَادَ في اللَّيْلِ فَقَال: يَقُولُ لَكَ أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ مَا تَقُول ٠٠؟

стр. 227

فَأَرُدُّ عَلَيْهِ نَحْوَاً مِمَّا كُنْتُ أَرُدّ؛ فَقَالَ ابْنُ أَبي دُوَاد: وَاللهِ لَقَدْ كَتَبَ اسْمَكَ في السَّبْعَة: يحْيىَ بْنِ مَعِينٍ وَغَيْرِه؛ فَمَحَوْتُهُ، وَلَقَدْ سَاءَني أَخْذُهُمْ إِيَّاك، ثُمَّ يَقُول: إِنَّ أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ قَدْ حَلَفَ أَنْ يَضْرِبَكَ ضَرْبَاً بَعْدَ ضَرْب، وَأَنْ يُلْقِيَكَ في مَوْضِعٍ لاَ تَرَى فِيهِ الشَّمْس، وَيَقُول [أَيِ المُعْتَصِم]: إِن أَجَابَني جِئْتُ إِلَيْهِ حَتىَّ أُطْلِقَ عَنهُ بِيَدِي، ثمَّ انْصَرَف، فَلَمَّا أَصبَحْنَا؛ جَاءَ رَسُولُهُ فَأَخَذَ بِيَدِي حَتىَّ ذَهَبَ بي إِلَيْه؛

стр. 228

فَقَالَ لَهُمْ: نَاظِرُوهُ وَكَلِّمُوه؛ فَجَعَلُواْ يُنَاظِرُونَني فَأَردُّ عَلَيْهِمْ؛ فَإذَا جَاؤُواْ بِشَيْءٍ مِنَ الْكَلاَمِ مِمَّا لَيْسَ في الْكِتَابِ وَالسُّنَّة قُلْتُ: مَا أَدْرِي مَا هَذَا؛ فَيَقُولُون: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِين؛ إِذَا تَوَجَّهَتْ لَهُ الحجَّةُ عَلَيْنَا ثَبَتَ، وَإِذَا كَلَّمْنَاهُ بِشَيْءٍ يَقُولُ لاَ أَدْرِي مَا هَذَا؛ فَقَالَ نَاظِرُوه؛ فَقَالَ رَجُل: يَا أَحْمَد؛ أَرَاكَ تَذْكُرُ الحَدِيثَ وَتَنْتَحِلُه [أَيْ تَدَّعِيه]؛ فَقُلْتُ: مَا تَقُولُ في قَوْلِهِ:

стр. 229

(يُوصِيكُمُ اللهُ في أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْن (﴿النِّسَاء/١١﴾ ٠٠؟ قَال: خصَّ اللهُ بِهَا المُؤْمِنِين؛ قُلْتُ: مَا تَقُولُ إِنْ كَانَ قَاتلاً أَوْ عَبدَاً ٠٠؟ [الحُكْمُ يَخْتَلِف] فَسَكَتَ، وَإِنَّمَا احْتَجَجْتُ عَلَيْهِمْ بِهَذَا؛ لأَنَّهُمْ كَانُواْ يَحْتَجُّونَ بِظَاهِرِ الْقُرْآن ٠ فحَيْثُ قَالَ لي: أَرَاكَ تَنْتَحِلُ الحَدِيثَ احْتَجَجْتُ بِشَيْءٍ مِنَ القُرْآنِ عَامٍّ خَصَّصَتْهُ السُّنَّة: فَالسُّنَّةُ خَصَّصَتِ الْقَاتِلَ وَالعبد؛ فَأَخْرَجَتْهُمَا مِنَ الْعُمُوم، فَلَمْ يَزَالُواْ كَذَلِكَ إِلىَ قُرْبِ

стр. 230

الزَّوَال، فَلَمَّا ضَجِرَ قَالَ قُومُواْ، ثُمَّ خَلاَ بي وَبعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ إِسْحَاق، فَلَمْ يَزَلْ يُكَلِّمُني، ثُمَّ قَامَ وَدَخَلَ وَرُدِدْتُ إِلىَ المَوْضِع، فَلَمَّا كَانَتِ اللَّيْلَةُ الثَّالِثَةُ، قُلْتُ: خَلِيقٌ أَنْ يحْدُثَ غَدَاً مِن أَمْرِي شَيْء؛ فَقُلْتُ لِلْمُوكَّلِ بي: أُرِيدُ خَيْطَاً؛ فَجَاءَني بخَيْطٍ فَشَدَدْتُ بِهِ الأَقْيَادَ وَرَدَدْتُ التِّكَّةَ إِلىَ سَرَاويلِي مَخَافَةَ أَنْ يحْدُثَ مِن أَمْرِي شَيْءٌ فَأَتَعَرَّى، فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ أُدْخِلْتُ إِلىَ الدَّار؛ فَإذَا هِيَ غَاصَّةٌ [أَيْ

стр. 231

بِالنَّاس]، فَجَعَلْتُ أُدْخَلُ مِنْ مَوْضِعٍ إِلىَ مَوْضِع، وَقَوْمٌ مَعَهُمُ السُّيُوف، وَقَوْمٌ مَعَهُمُ السِّيَاطُ وَغَيْرُ ذَلِك، وَلَمْ يَكُنْ في اليَومِينِ المَاضِيَينِ كَبِيرُ أَحَدٍ مِن هَؤُلاَء؛ فَلَمَّا انْتَهَيْتُ إِلَيْهِ قَالَ اقْعُدْ، ثمَّ قَال: نَاظِرُوهُ وَكَلِّمُوه؛ فَجَعَلُواْ يُنَاظِرُونَني، يَتَكَلَّمُ هَذَا فَأَرُدُّ عَلَيْه، وَيَتَكَلَّمُ هَذَا فَأَرُدُّ عَلَيْه، وَجَعَلَ صَوْتي يَعْلُو أَصْوَاتَهُمْ، فَجَعَلَ بَعْضُ مَن هُوَ قَائِمٌ عَلَى رَأْسِي يُومِئُ إِلَيَّ بِيَدِهِ؛ فَلَمَّا طَالَ المَجْلِسُ نَحَّاني،

стр. 232

ثُمَّ خَلاَ بِهِمْ، ثُمَّ نَحَّاهُمْ وَردَّني إِلىَ عِنْدِهِ وَقَال: وَيْحَكَ يَا أَحْمَد؛ أَجِبْني حَتىَّ أُطْلِقَ عَنْكَ بِيَدِي؛ فرددْتُ عَلَيْهِ نَحْوَ ردِّي؛ فَقَال: عَلَيْكَ وَعَلَيْكَ ٠٠٠ وَذَكَرَ اللَّعْنَ خُذُوه، اسْحَبُوه، خَلِّعُوه؛ فَسُحِبْتُ وَخُلِّعْت؛ قَال: وَقَدْ كَانَ صَارَ إِلَيَّ شَعَرٌ مِنْ شَعَرِ النَّبيِّ ﷺ في كُمِّ قَمِيصِي؛ فَوَجَّهَ إِلَيَّ إِسْحَاقَ بْنَ إِبْرَاهِيمَ يَقُول: مَا هَذَا المَصْرُور ٠٠؟

стр. 233

قُلْتُ شَعْرٌ مِنْ شَعَرِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَسَعَى بَعْضُهُمْ لِيُخَرِّقَ الْقمِيصَ عَنيِّ؛ فَقَالَ المُعْتَصِم: لاَ تَخَرِّقُوه؛ فَنُزِعَ؛ فَظَننْتُ أَنَّهُ إِنَّمَا دُرِئَ عَنِ الْقمِيصِ الخَرْقُ بِالشَّعَر، وَجَلَسَ المُعْتَصِمُ عَلَى كُرْسِيٍّ ثمَّ قَال: الْعُقَابَينِ وَالسِّيَاط؛ فَجِيءَ بِالعُقَابَينِ فَمُدَّتْ يَدَاي، فَقَالَ بَعْضُ مَن حَضَرَ خَلْفِي: خُذْ نَاتِئَ الخَشبَتَينِ بِيَدَيْكَ وَشُدَّ عَلَيْهِمَا؛ فَلَمْ أَفْهَمْ مَا قَال؛ فَتَخَلَّعَتْ يَدَاي» ٠

стр. 234

قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ محَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْبُوشَنْجِيّ: ذَكَرُواْ أَنَّ المُعْتَصِمَ أَلاَنَ في أَمْرِ أَحْمَدَ لَمَّا عُلِّقَ في الْعُقَابَين، وَرَأَى ثبَاتَهُ وَتَصْمِيمَهُ وَصَلاَبَتَه، حَتىَّ أَغْرَاهُ أَحْمَدُ بْنُ أَبي دُوَادَ وَقَال: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِين؛ إِنْ تَرَكْتَهُ قِيلَ قَدْ تَرَكَ مَذْهَبَ المَأْمُونِ وَسَخِطَ قَوْلَه؛ فَهَاجَهُ ذَلِكَ عَلَى ضَرْبِهِ» ٠ وَقَالَ ابْنُهُ صَالِح: «قَالَ أَبي: وَلَمَّا جِيءَ بِالسِّيَاطِ نَظَرَ إِلَيْهَا المُعْتَصِمُ فَقَال: ائْتُوني بِغَيْرِهَا، ثمَّ قَالَ لِلْجَلاََّدِينَ

стр. 235

تَقَدَّمُواْ؛ فَجَعَلَ يَتَقَدَّمُ إِلَيَّ الرَّجُلُ مِنهُمْ فيَضْرِبُني سَوْطَين؛ فَيَقُولُ لَهُ: شُدَّ قَطَعَ اللهُ يَدَك، ثُمَّ يَتَنَحَّى وَيَتَقَدَّمُ آخَرُ فَيَضْرِبُني سَوْطَين، وَهُوَ يَقُولُ في كُلِّ ذَلِكَ شُدّ، قَطَعَ اللهُ يَدَك؛ فَلَمَّا ضُربْتُ سَبْعَةَ عَشَرَ سَوْطَاً قَامَ إِلَيَّ المُعْتَصِمُ فَقَال: يَا أَحْمَد، عَلاَمَ تَقْتُلُ نَفْسَك؟ إِنيِّ وَاللهِ عَلَيْكَ لَشَفِيق؛ وَجَعَلَ عُجَيْفٌ يَنخَسُني بِقَائِمَةِ سَيْفِهِ وَيَقُول: أَتُرِيدُ أَنْ تَغْلِبَ هَؤُلاَءِ كُلَّهُمْ؟

стр. 236

وَجَعَلَ بَعْضُهُمْ يَقُول: وَيْلَك؛ إِمَامُكَ عَلَى رَأْسِكَ قَائِم، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِين؛ دَمُهُ في عُنُقِي، اقْتُلْهُ؛ فَأَقُول: أَعْطُوني شَيْئَاً مِنْ كِتَابِ اللهِ أَوْ سُنَّةِ رَسُولِ اللهِ أَقُولُ بِهِ؛ فَرَجَعَ وَجَلَسَ وَقَالَ لِلْجلاََّد: تَقَدَّمْ وَأَوْجِعْ قَطَعَ اللهُ يَدَك، ثمَّ قَامَ الثَّانيَةَ وَجَعَلَ يَقُولُ وَيْحَكَ يَا أَحْمَدُ أَجِبْني؛ فَجَعَلُواْ يُقْبِلُونَ عَلَيَّ وَيَقُولُون: يَا أَحْمَد؛ إِمَامُكَ عَلَى رَأْسِكَ قَائِم، وَجَعَلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ يَقُول: مَنْ صَنَعَ مِن

стр. 237

أَصْحَابِكَ في هَذَا الأَمْرِ مَا تَصْنَع ٠٠؟ وَالمُعْتَصِمُ يَقُول: أَجِبْني إِلىَ شَيْءٍ لَكَ فِيهِ أَدْنىَ فَرَجٍ حَتىَّ أُطْلِقَ عَنْكَ بِيَدِي، ثمَّ رَجَعَ وَقَالَ لِلْجَلاََّد: تَقَدَّمْ؛ فَجَعَلَ يَضْرِبُني سَوْطَينِ وَيَتَنَحَّى، وَهُوَ في خِلاَلِ ذَلِكَ يَقُول: شُدَّ قَطَعَ اللهُ يَدَك؛ فَذَهَبَ عَقْلِي، ثمَّ أَفَقْتُ بَعْد، فَإِذَا الأَقْيَادُ قَدْ أُطْلِقَتْ عَنيِّ؛ فَقَالَ لي رَجُلٌ مِمَّن حَضَر: كَبَبْنَاكَ عَلَى وَجْهِكَ وَطَرَحْنَا عَلَى ظَهْرِكَ بَارِيَّةً [أَيْ حَصِيرَاً] وَدُسْنَاك؛ قَالَ أَبي: فَمَا شَعَرْتُ بِذَلِك

стр. 238

، وَأَتَوْني بِسَوِيقٍ وَقَالُواْ: اشْرَبْ وَتَقَيَّأْ؛ فَقُلْتُ لاَ أُفْطِر، ثُمَّ جِيءَ بي إِلىَ دَارِ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيم؛ فَحَضَرْتُ الظُّهْر، فَتَقَدَّمَ ابْنُ سَمَاعَةَ فَصَلَّى، فَلَمَّا انْفَتَلَ مِنْ صَلاَتِهِ قَالَ لي: صَلَّيْتَ وَالدَّمُ يَسِيلُ في ثَوْبِك ٠٠؟ قُلْتُ: قَدْ صَلَّى عُمَرُ ﵁ وَجُرْحُهُ يَثْعَبُ دَمَاً، قَالَ صَالِح: ثمَّ خُلِّيَ عَنهُ فَصَارَ إِلىَ مَنْزِلِه، وَكَانَ مُكْثُهُ في السِّجْنِ مُنْذُ أُخِذَ إِلىَ أَنْ ضُرِبَ وَخُلِّيَ عَنهُ ثَمَانيَةً وَعِشْرِينَ شَهْرَاً ٠

стр. 239

قَالَ صَالِح: وَلَقَدْ حَدَّثَني أَحَدُ الرَّجلَينِ اللَّذيْنِ كَانَا مَعَهُ فَقَال: يَا ابْنَ أَخِي؛ رَحْمَةُ اللهِ عَلَى أَبي عَبْدِ الله؛ وَاللهِ ما رَأَيْتُ أَحَدَاً يُشْبِهُهُ، وَلَقَدْ جَعَلْتُ أَقُولُ لَهُ في وَقْتِ مَا يُوَجَّهُ إِلَيْنَا بِالطَّعَام: يَا أَبَا عَبْدِ الله، أَنْتَ صَائِمٌ وَأَنْتَ في مَوْضِعِ تَفِئَة [أَيْ قَرِيبٍ مِنَ الْقُدُومِ عَلَى الله]، وَلَقَدْ عَطِشَ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِ فَقَالَ لِصَاحِبِ الشَّرَاب: نَاوِلْني؛ فَنَاوَلَهُ قَدَحَاً فِيهِ مَاءٌ وثَلْج؛ فَأَخَذَهُ وَنَظَرَ فِيهِ ثُمَّ رَدَّهُ وَلَمْ

стр. 240

يَشْرَبْ، فَجَعَلْتُ أَعْجَبُ مِنْ صَبْرِهِ عَلَى الجُوعِ وَالعطشِ وَهُوَ فِيمَا هُوَ فِيهِ مِنَ الهَوْل، قَالَ صَالِح: فَكُنْتُ أَلْتَمِسُ وَأَحْتَالُ أَن أُوَصِّلَ إِلَيْهِ طعَامَاً أَوْ رَغِيفَاً في تِلْكَ الأَيَّامِ فَلَمْ أَقْدِرْ، وَأَخْبَرَني رَجُلٌ حَضَرَهُ أَنَّهُ تَفَقَّدَهُ في الأَيَّامِ الثَّلاَثَةِ وَهُمْ يُنَاظِرُونَهُ؛ فَمَا لَحَنَ في كَلِمَة؛ فَقَال: مَا ظَننْتُ أَنَّ أَحَدَاً يَكُونُ في مِثْلِ شَجَاعَتِهِ وَشِدَّةِ قَلْبِه ٠ قَالَ ابْنُ عَمِّهِ حَنْبَل: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللهِ ﵀ يَقُول:

стр. 241

«ذَهَبَ عَقْلِي مِرَارَاً؛ فَكَانَ إِذَا رُفِعَ عَنيِّ الضَّرْبُ رَجَعَتْ إِلَيَّ نَفْسِي، وَإِذَا اسْتَرْخَيْتُ وَسَقَطْتُ رُفِعَ الضَّرْب، أَصَابَني ذَلِكَ مِرَارَاً، وَرَأَيْتُ المُعْتَصِمَ قَاعِدَاً في الشَّمْسِ بِغَيْرِ مِظَلَّة؛ فَسَمِعْتُهُ وَقَد أَفَقْتُ يَقُولُ لاِبْنِ أَبي دُوَاد: لَقَدِ ارْتَكَبْتُ إِثْمَاً في أَمْرِ هَذَا الرَّجُل؛ فَقَال: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِين، إِنَّهُ وَاللهِ كَافِرٌ مُشْرِك، قَدْ أَشْرَكَ مِن غَيْرِ وَجْه؛ فَلاَ يَزَالُ بِهِ حَتىَّ يَصْرِفَهُ عَمَّا يُرِيد، وَقَدْ كَانَ أَرَادَ تَخْلِيَتي بِلاَ ضَرْب

стр. 242

؛ فَلَمْ يَدَعْهُ وَلاَ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيم» ٠ عَن أُمِّ المُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ ﵂ عَنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: «مَنْ وَلِيَ مِنْكُمْ عَمَلاً، فَأَرَادَ اللهُ بِهِ خَيرَاً: جَعَلَ لَهُ وَزِيرَاً صَالِحَاً، إِنْ نَسِيَ ذَكَّرَه، وَإِنْ ذَكَرَ أَعَانَه» ٠ [صَحَّحَهُ الْعَلاَّمَةُ الأَلْبَانيُّ في الصَّحِيحِ وَالصَّحِيحَةِ بِرَقْمَيْ: ٦٥٩٦، ٤٨٩، وَفي سُنَنِ الإِمَامِ النَّسَائِيِّ بِرَقْم: ٤٢٠٤]

стр. 243

عَن أَبي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: «مَا بَعَثَ اللهُ ﵎ مِنْ نَبيٍّ وَلاَ اسْتَخْلَفَ مِن خَلِيفَةٍ: إِلاَّ كَانَتْ لَهُ بِطَانَتَان: بِطَانَةٌ تَأْمُرُهُ بِالمَعْرُوفِ وَتَحُضُّهُ عَلَيْه، وَبِطَانَةٌ تَأْمُرُهُ بِالشَّرِّ وَتَحُضُّهُ عَلَيْه؛ فَالمَعْصُومُ مَن عَصَمَ اللهُ جَلَّ وَعَلاَ» [رَوَاهُ الإِمَامُ البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ بِرَقْم: ٧١٩٨ / فَتْح]

стр. 244

عَن أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: «مَا مِنْ وَالٍ إِلاَّ وَلَهُ بِطَانَتَان: بِطَانَةٌ تَأْمُرُهُ بِالمَعْرُوفِ وَتَنْهَاهُ عَنِ المُنْكَر، وَبِطَانَةٌ لاَ تَأْلُوهُ خَبَالاً ـ أَيْ لاَ تُقَصِّرُ في تَضْلِيلِهِ ـ فَمَنْ وُقِيَ شَرَّهَا فَقَدْ وُقِيَ، وَهُوَ مِنَ الَّتي تَغْلِبُ عَلَيْهِ مِنهُمَا» ٠ [صَحَّحَهُ الْعَلاَّمَةُ الأَلْبَانيُّ في سُنَنِ الإِمَامِ النَّسَائِيِّ بِرَقْم: ٤٢٠١، وَالأُسْتَاذ وَحُسَيْن سَلِيم أَسَد في مُسْنَدِ الإِمَامِ أَبي يَعْلَى بِرَقْم: ٦٠٠٠]

стр. 245

قَالَ حَنْبَل: بَلَغَني أَنَّ المُعْتَصِمَ قَالَ لاَِبْنِ أَبي دُوَادَ بَعْدَ مَا ضُرِبَ أَبُو عَبْدِ الله: كَمْ ضُرِبَ؟ قَال: أَرْبَعَةً أَوْ نَيِّفَاً وَثَلاَثِينَ سَوْطَاً» ٠ قَالَ محَمَّدُ بْنُ أَبي حَاتِمٍ الْوَرَّاق: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ محَمَّدِ بْنِ الْفَضْلِ الأَسَدِيُّ قَال: «لَمَّا حُملَ أَحْمَدُ لِيُضْرَب: جَاؤُواْ إِلىَ بِشْرِ بْنِ الحَارِثِ وَقَالُواْ: قَدْ وَجبَ عَلَيْكَ أَنْ تَتَكَلَّم؛ فَقَال: أَتُرِيدُونَ مِنيِّ أَقُومَ مَقَامَ الأَنْبِيَاء؛ لَيْسَ ذَا عِنْدِي، حَفِظَ اللهُ أَحْمَدَ مِنْ بَينِ يَدَيْهِ

стр. 246

وَمِن خَلْفِه» قَالَ محَمَّدُ بْنُ أَبي حَاتِمٍ الْوَرَّاق: حَدَّثَنَا محَمَّدُ بْنُ المُثَنىَّ صَاحِبُ بِشْرٍ قَال: قَالَ الإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَظَّمَ اللهُ أَجْرَهُ: قِيلَ لي: اكْتُبْ ثَلاَثَ كَلِمَاتٍ وَيُخَلَّى سَبِيلُك؛ فَقُلْتُ: هَاتُواْ، قَالُواْ: اكْتُبْ: اللهُ قَدِيمٌ لَمْ يَزَلْ؛ فَكَتَبْت؛ فَقَالُواْ: اكْتُبْ: كُلُّ شَيْءٍ دُونَ اللهِ مَخْلُوق؛ قُلْتُ: أَمَّا هَذِهِ فَلاَ، وَرَمَيْتُ بِالقَلَم» ٠ قَالَ أَبُو الْفَضْلِ عُبَيْدُ اللهِ الزُّهْرِيّ: قَالَ أَبُو بَكْرٍ المَرُّوذِيُّ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْه:

стр. 247

«قُلْتُ وَأَبُو عَبْدِ اللهِ بَيْنَ الْعُقَابَين: يَا أُسْتَاذ؛ قَالَ اللهُ جَلَّ وَعَلاَ: (لاَ تَقْتُلُواْ أَنْفُسَكُمْ (﴿النِّسَاء﴾ قَالَ ﵀: يَا مَرُّوذِيّ؛ اخْرُجْ وَانْظُرْ؛ فَخَرَجْتُ إِلىَ رَحْبَةِ دَارِ الخِلاَفَة؛ فَرَأَيْتُ خَلْقَاً لاَ يُحْصِيهِمْ إِلاََّ الله، وَالصُّحُفُ في أَيْدِيهِمْ، وَالأَقْلاَمُ وَالمَحَابِر، فَقَالَ لَهُمُ أَبُو بَكْرٍ المَرُّوذِيّ: مَاذَا تَعْمَلُون؟ قَالُواْ: نَنْظُرُ مَا يَقُولُ أَحْمَدُ فَنَكْتُبُه؛ فَدَخَلَ فَأَخْبَرَهُ؛ فَقَال: يَا مَرُّوذِيُّ أُضِلُّ هَؤُلاَءِ كُلَّهُمْ»؟

стр. 248

قَالَ حَنْبَل: «قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ ﵀: قَالَ بُرْغُوثُ [يَوْمَ المِحْنَة]: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِين، هُوَ كَافِرٌ حلاَلُ الدَّم، اضْرِبْ عُنُقَه، وَدَمُهُ في عُنُقِي، وَقَالَ شُعَيْبٌ كَذَلِكَ أَيْضَاً؛ فَلَمْ يَلْتَفِتْ أَبُو إِسْحَاقَ إِلَيْهِمَا، قَالَ أَبُو عَبْدِ الله: لَمْ يَكُنْ في الْقَوْمِ أَشَدُّ تَكْفِيرَاً لي مِنهُمَا، وَأَمَّا ابْنُ سِمَاعَةَ فَقَال: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِين؛ إِنَّه مِن أَهْلِ بَيْتِ شَرَفٍ ولَهُمْ قَدَم، وَلَعَلَّهُ يَصِيرُ إِلىَ الَّذِي عَلَيْهِ أَمِيرُ المُؤْمِنِين، فَكَأَنَّه رقَّ

стр. 249

عِنْدَهَا، وَكَانَ إِذَا كَلَّمَني ابْنُ أَبي دُوَادَ لَمْ أَلْتَفِتْ إِلىَ كَلاَمِه، وَإِذَا كلَّمَني أَبُو إِسْحَاقَ أَلَنْتُ لَهُ الْقَوْل؛ فَقَالَ في اليَوْمِ الثَّالِث: أَجِبْني يَا أَحْمَد، فَإِنَّهُ بَلَغَني أَنَّكَ تحِبُّ الرِّئَاسَة؛ وَذَلِكَ لَمَّا أَوْغَرُواْ قَلْبَه عَلَيّ، وَجَعَلَ بَرْغُوثُ يَقُول: قَالَ الجَبْرِيُّ كَذَا وَكَذَا [يَقْصِدُ لَعَنَهُ اللهُ الإِمَامَ أَحْمَد] ٠٠ كَلاَمٌ هُوَ الْكُفْرُ بِالله، فَجَعَلْتُ أَقُولُ مَا أَدْرِي مَا هَذَا، إِلاََّ أَنيِّ أَعْلَمُ أَنَّهُ أَحَدٌ صَمَدٌ لاَ شِبْهَ لَهُ وَلاَ عِدْل،

стр. 250

وَهُوَ كَمَا وَصَفَ نَفْسَهُ، فَسَكَتَ أَخْزَاهُ الله، ثُمَّ قَالَ ليَ المُعْتَصِم: يَا أَحْمَد؛ إِنيِّ لأُشْفِقُ عَلَيْكَ شَفَقَتي عَلَى ابْني هَارُون؛ فَأَجِبْني، وَاللهِ لَودِدْتُ أَنيِّ لَمْ أَكُن عَرَفْتُكَ يَا أَحْمَد؛ اللهَ اللهَ في دَمِك؛ فلَمَّا كَانَ في آخِرِ ذَلِكَ قَال: لَعَنَكَ الله؛ لَقَدْ طَمِعْتُ أَنْ تُجِيبَني، ثمَّ قَال: خُذُوهُ وَاسْحَبُوه [أَيْ عَلَى الْعَرُوسَة]؛ فَأُخِذْتُ ثُمَّ خُلِّعْت، وَجِيءَ بِعُقَابَيْنِ وَأَسْيَاط، وَكَانَ مَعِي شَعَرٌ مِنْ شَعَرِ النَّبيِّ ﷺ ، ثمَّ صُيِّرْتُ
следующие страницы →