منازل الحور العِين في قلوب العارفين برب العالمين
تأليف الفقيِر إلى ربه تعالى
عبد الكريم بن صالح الحميد
стр. 2
هذا الكتاب
جاء في (روضة المحبين، ص ٤٣٨) للإمام ابن القيم ﵀ أن الله تعالى أوحى إلى داود ﵇: (قل لشُبَّان بني إسرائيل: لِمَ تشغلون نفوسكم بغيري؟!، ماهذا الجفاء؟! .. ولو يعلم المدبْرِون عنِّي كيف انتظاري لهم ورفقي بهم ومحبتي لترك معاصيهم لماتوا شوقاً إليَّ وانقطعت أوصالهم من محبتي! .. هذه إرادتي للمدبرين عني فكيف إرادتي للمقبلين عليَّ!!).
وليُعلم أنه ليس المقصودُ بهذا الكتاب هو التزهيد بالجَنَّة، أو أن المسلم لا يسألها الله تعالى، أو يَحتقر مَا عظمَه الله من نعيمها كالحُور والمآكل والمساكن وغيرها، وإنما المقصود هو التفريق بين المعبود والمخلوق، وبيان معرفة حقيقة العبودية، وألاّ يحتجب العبدُ عن إرادة رَبِّه لذاته ولو لَمْ يكن هناك جنةً ولا ناراً كما جاء في الأثَر - الذي أورده شيخ الإسلام ابن تيمية في (درء تعارض العقل والنقل، ٦/ ٦٨)، والإمام ابن القيم في (مفتاح دار السعادة، ٢/ ٨٧،١٢٣) - أن الله تعالى قال: (لوْ لَمْ أخلُق جَنَّةً ولا ناراً ألَمْ أكنْ أهْلاً أنْ أُعْبَد)؟!، فتأمل ذلك، وليكن حبك لله الجليل الجميل وشوقك إليه أعلى وأكبر من حُبِّ كل شيء حتى من حُبِّ النبي (ومن حُبِّ الحُور العِين والشوق إليهنّ، ولا تنسَ قول رسول الله (في رؤية أهل الجنة لربهم : (فمَا أعطوا شيئاً أحبّ إليهم مِنَ النظرِ إلى ربِّهم)!، رواه مسلم من حديث صهيب ﵁.
стр. 3
الحمد لله رب العالمين وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى من اتبعهم بإحسان إلى يوم الدين .. ... أما بعد:
فإنه من الملاحظ في زماننا هذا تغليب الرجاء على الخوف مما أدّى إلى إدلال وانبساط ظاهر من كثرة ذكر الحور العين ونحو ذلك من المخلوقات التي هي في ذاتها مخلوقات، ولم تكن هذه حال الصحابة والسلف بل كانوا يُغلّبون الخوف إلا عند الموت فيُحسنون ظنونهم بالله .
والربُّ سبحانه وإن كان عَظّم الجنة المخلوقة فإن التعلق بها وأن تكون هي مبلغ العلم نقص كبير إذْ إنَّ حقيقة التألّه وهو التعبد إنما المراد منه تعلق القلب محبة وخوفاً ورجاء بذات المألوه المعبود سبحانه ليس بمخلوقات دونه، وهذا هو معنى كلمة التوحيد (لا إله إلا الله) لأن المألوه هو الذي يأْلَهه القلب محبةً وشوقاً وخوفاً ورجاءً.
يُوضح ذلك أن الرب سبحانه تعبّد عباده بهذه الكلمة وليس من شرطها أن يسكنهم جنة مخلوقة إذا هم أطاعوه حيث قال في الأثر:
стр. 4
(لوْ لَمْ أخلُق جَنَّةً ولا ناراً ألَمْ أكُنْ أهْلاً أنْ أُعْبَد) (١).
فهذا يبين حقيقة معنى (لا إله إلا الله) بحيث أنْ تتخيّل أنْ ليس عند معبودك حُوُرٌ وقصورٌ ومآكل ومشارب وما إلى ذلك مما في (الجنة المخلوقة) فكيف تكون محبتك له سبحانه؟!.
إن الذي خلق الله له عباده هو أن تُفضي محبة قلوبهم وشوقهم إليه لذاته بالقصد الأول، وإنما يعرف ذلك مَنْ عَرَفَ معنى كلمة التوحيد وما يتصف به الإله الحق سبحانه من صفات الجمال والجلال والكمال، فتأمل الآن ما ورَد في الحديث الصحيح أن رسول الله ﷺ قال عن رؤية أهل الجنة لربهم تعالى: (فَمَا أُعطُوا شَيئاً أحَبّ إليهِمْ مِنَ النَّظَرِ إلى رَبِّهِمْ) (٢).
ومعلوم أن المراد هنا هم أهل الجنة، والمعنى ظاهر واضح في أنه سبحانه لم يُعطهم في الجنة المشتملة على الحور العين والنعيم المقيم شيئاً أحب إليهم من النظر إلى وجهه، وحَسْبك أن تتفكر فيما جاء عنه ﷺ أنه قال عن ربه تعالى: (حجابه النور لوْ كشفه لأحرقت سُبُحَاتُ وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه) (٣)؛ والسُّبُحَاتُ بضمِّ السين والباء ورفع التاء في آخره
стр. 5
وهي جمع سُبحة، وقال جميع الشارحين للحديث من اللغويين والمحدثين: سُبُحَاتُ وجهه الكريم هي نوره وجلاله وجماله وبهاؤه (١).
ثم اعلم أنه لو اجتمع جمال الحور العين كلهنّ في واحدة فما قَدْره عند جمال المعبود الحق سبحانه، ولذلك يقول الإمام ابن القيم ﵀:
وهُوَ الجميلُ علَى الحقيقةِ كيفَ لاَ! مِنْ بعضِ آثارِ الجميلِ فربُّهَا ... فجَمَالهُ بالذاتِ والأوصَافِ والْ ... وَجَمَالُ سَائِرِ هَذِهِ الأكوَانِ ... أولَى وأجدَرُ عِندَ ذِي العِرْفَانِ ـأفعَالِ والأسمَاءِ بالبُرْهَانِ (٢) ... .
أما السُّبُحَات فقد قال ابن القيم ﵀ فيها: (فإذا كانت سبحات وجهه الأعلى لا يقوم لها شيء من خلقه، ولو كشف حجاب النور عن تلك السبحات لأحرق العالم العلوي والسفلي فما الظن بجلال ذلك الوجه الكريم وعظمته وكبريائه وكماله وجلاله وجماله) (٣)، فالرب سبحانه قد احتجب عن مخلوقاته بحجاب من نور مخلوق، جعله سبحانه يحجب نور وجهه الكريم وجلاله وجماله عن وصوله إلى المخلوقات حيث لا تحتمله؛ ولذلك يُعطِي الله المؤمنين في الجنة قوةً شديدة في أبصارهم ليطيقوا
стр. 6
رؤيته التي هي أعلى نعيمهم كما قال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ ? إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ (١) وحُقّ لها أن تُنَضَّر بهذا القُرْب والنَّظَر.
قال عثمان بن سعيد الدارمي ﵀ في قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (٢) قال: " معناه هو أحسن الأشياء وأجملها "، وقالت الجهمية: " معناه ليس هناك شيء "!! (٣)، والمراد أن انتهاء المعرفة ومبلغ العلم إذا كان يُصيِّر العبادة لمجرد المعاوضة بأشياء مخلوقة مهما بلغتْ فهذا قصور وجهل بالمعبود سبحانه وما يستحقه لذاته، وهذا حاصل لكثير من المسلمين حيث قصُرتْ معرفتهم لمعبودهم.
وهو سبحانه فطر قلوب عباده على محبته لذاته والإنابة إليه لذاته لا لشيء آخر، وهذا واللهِ من أعظم ما أُكرم به هذا المخلوق، فلقد رفعه الله مقاماً ينقطع الوصف دونه، ولوْ جعل غايته ومنتهى طلبه وإرادته مجرد مخلوقات مهما كُمُلتْ وحسُنَتْ ودامتْ لَمَا صار له هذا الشأن العظيم، وإنما يحصل هذا لمن تمت عليه النعمة وسبقت له السعادة، قال ابن القيم – ﵀: (الشوق إلى مجرد الأكل والشرب والحور العين في الجنة ناقص جداً بالنسبة إلى شوق المحبين لله تعالى، بل لا نسبة له إليه البتة) انتهى (٤).
стр. 7
يريد بنقصه قِصَر التعلُّق بذلك لعَدَم تمكُّن محبة المعبود سبحانه في القلب، والعبد لم يُخلق لهذا بل خُلق لتتعلق محبته خالصة لخالقه .
أمَّا الأكل والشرب والحور والقصور في الجنة فهي نُزُلٌ - أي ضيافة لأولياء الله (١) -، ولأن الربَّ سبحانه كريم وذو فضل عظيم، ولأن المخلوق قد رُكِّبتْ فيه الشهوة للنساء والأكل والشرب ولأن قَوَام جسمه بذلك، فهذه شهوات ولذات كما في الدنيا، وغاية ما هناك أنها أرفع وأكمل وأجمل وأدْوم ولكن ليست هي في نفسها وذاتها غاية بحيث يقتصر الطلب والإرادة والهمّة عليها، فهذا ناقص جداً - كما ذكر ابن القيم -، ولذلك فإنَّ الملائكة ﵈ لا يأكلون ولا يشربون وليست لهم شهوة إلى النساء ومع هذا فهم في نعيم لا يبلغه وصْفنا من قربهم لربهم وحبهم له وشوْقهم إليه.
وقال ابن القيم ﵀ في وصف العارف بربه: (أنه لا يقطعه عن طلب مَن نسبة هذا النعيم الدائم - يعني الحور العين ومآكل الجنة ومشاربها ومساكنها - إلى نعيم معرفته ومحبته والأنس به والفرح بقربه كنسبة نعيم الدنيا إلى نعيم الجنة) انتهى (٢)؛ فتأمل هذا وكيف وصف ﵀ نعيم الجنة المخلوق بالنسبة إلى نعيم معرفة المعبود ومحبته سبحانه كنسبة نعيم الدنيا إلى نعيم الجنة المخلوق مع أن الفرق بين نعيم الدنيا ونعيم الجنة عظيم
стр. 8
جداً، فـ (موضع سوط في الجنة خيرٌ من الدنيا وما فيها) كما قال رسول الله ﷺ (١)، وقال ابن القيم ﵀ يصف الأنس بالإله الحق سبحانه: (والأنس به سبحانه أعلى من الأنس بما يرجوه العابد من نعيم الجنة) (٢).
وقال في قوله تعالى: ﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ (٣): (فيسيرٌ من رضوانه ولا يقال له " يسير " أكبر من الجنان وما فيها!) انتهى؛ فتأمل قوله: (أكبر من الجنان وما فيها)!.
وقال عثمان بن سعيد الدارمي ﵀: (فأما في الآخرة فما أكبر نعيم أهل الجنة إلا النظر إلى وجهه، والخيبة لمن حُرِمه!) (٤).
ثم ذكر أن الله تعالى (احتجب من خلقه لِيَبْلُوَ بذلك إيمانهم أيّهم يؤمن به ويعرفه بالغيب ولم يره، وإنما يجزي العباد على إيمانهم بالغيب، لأن الله لو تبدّى لخلقه وتجلى لهم في الدنيا لم يكن لإيمان الغيب هناك معنى، كما أنه لم يكفر به عندها كافر، ولا عصاه عاص، ولكن احتجب عنهم في الدنيا ودعاهم إلى الإيمان به بالغيب وإلى معرفته والإقرار بربوبيته، ليؤمن به من سبقت له منه السعادة، ويحق القول على الكافرين، ولوْ قد تجلى لهم لآمن
стр. 9
به مَن في الأرض جميعاً بغير رسل ولا كتب ولا دعاة ولم يعصوه طرفة عين، فإذا كان يوم القيامة تجلى لمن آمن به وصدق رسله وكتبه، وآمن برؤيته، وأقرّ بصفاته التي وصف بها نفسه حتى يروْه عياناً، مثوبة منه لهم وإكراماً ليزدادوا بالنظر إلى مَن عبدوه بالغيب نعيماً، وبرؤيته فرحاً واغتباطاً ولم يُحْرَموا رؤيته في الدنيا والآخرة جميعاً، وحُجب عنه الكفار يومئذ إذْ حُرموا رؤيته كما حرموها في الدنيا ليزدادوا حسرة وثبوراً) انتهى (١).
وعن عُبَيْدِ بنِ عُمَير أنه قال في قوله تعالى في قصة داود: ﴿وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ (٢)، قال: (يُدْنيه حتى يَمسَّ بعضه) (٣)؛ وقال شيخ الإسلام ﵀ بعد أن ذكره: (فلا جَرَمَ جاءت الأحاديث بثبوت الْمُمَاسَّة كما دل على ذلك القرآن وقاله أئمة السلف،
стр. 10
وهو نظير الرؤية، وهو متعلق بمسألة العرش وخلقِ آدم بيده (١)، وغير ذلك من مسائل الصفات) انتهى (٢)؛ أمَّا الجهمية فإنهم لا يطيقون هذا لنفيهم صفات الربِّ - سبحانه - وتعطيله، وأما السُّني ففي ذلك حياة قلبه ونعيم رُوحه.
قال ابن مسعود ﵁: (إن ربكم ليس عنده ليل ولا نهار، نور العرش من نور وجهه) انتهى (٣)، فإذا علمت أن العرش أكبر من السموات والأرض وأن نوره من نور وجه ربك صارت لك معرفة خاصة به سبحانه.
وقد روى الشافعي عن أنس بن مالك – ﵁ – أن النبي ﷺ قال عن تكليم الله لأهل الجنة: (ثم يتبسم الله إليهم، فيقول: سلوا؟!؛ فيقولون: ربنا نسألك رضوانك) (٤).
وليُعلم أنه ليس المقصود أن المسلم لا يسأل الله الجنة أو التزهيد بها، وإنما المقصود بيان حقيقة العبودية والتفريق بين المعبود والمخلوق.
стр. 11
وأما قوله ﷺ : (حولها ندندن) - يعني الجنة - (١) فهو ﷺ يقصد اسم الجنة الشامل الذي أعلاه وأعظمه محبة الله وقربه، ولك أن تتفكر في كون ربه اتخذه خليلا فهل يُزاحم هذه الخلّة مخلوق من الحور أو غيرها؟!.
وقد أخبر النبي ﷺ أنه حُبِّب إليه من الدنيا النساءَ والطيبَ وجُعلت قرةُ عينهِ في الصلاة (٢)، وذلك لأن الصلاة مناجاة لربه ففيها تتغذى روحه الطاهرة بزيادة محبته لمعبوده، وهذا لا يُقارب ما حُبِّبَ إليه في الدنيا من النساء والطيب، كما أن حبه للحور العين لا يقارب حبه لربه لذاته سبحانه، فتأمل هذا يُطْلعك على بعض أسرار العبادة؛ وكما أنه ﷺ في الدنيا يحب زوجاته خاصة عائشة ويحب أصحابه إلا أن هذه المحبة لا تُزاحم ولا تقارب محبته لربه ، وقِسْ على هذا شأنه ﷺ في الجنة مع الفارق بين الدنيا والآخرة.
وقد جاء في الصحيحين: (أن الله خلق آدم على صورته) الحديث (٣)، وفي الحديث الصحيح: (إن الله خلق آدم على صورة الرحمن) (٤)، وفي السِّفْر الأول من التوراة: (سنخلق بَشَراً على صُورَتنا يُشْبِهها).
стр. 12
قال شيخ الإسلام بعد سياقه هذه الأحاديث والأثر: (وأما المثبتة فعندهم قدْر الله تعالى أعظم، وحَدّه لا يعلمه إلا هو، وكرسيه قد وسِع السماوات والأرض، والكرسي في العرش كحلقة ملقاة بأرض فلاة، والعرش لا يقدر قدره إلا الله تعالى وقد قال تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ (١).
وقد تواترت النصوص عن النبي ﷺ من حديث أبي هريرة وابن عمر وابن مسعود وابن عباس أن الله يقبض السموات والأرض بيديه (٢). قال ابن عباس ﵄: " ما السموات السبع والأرضون السبع وما بينهما وما فيهما في يد الرحمن إلا كخردلةٍ في يد أحدكم " رواه ابن جرير في تفسيره بإسناد حسن (٣).
ثم قال شيخ الإسلام بعد ذكر أحاديث الصورة: (وإذا كان الأمر كذلك كان أكبر وأعظم من أن يقدر بهذا القدْر - يعني بقدر آدم، فإثبات صورة الرحمن وأن الله خلق آدم على صورته سبحانه لا يقتضي ذلك - فإنها تقتضي نوعاً من المشابهة فقط، لا تقتضي تماثلاً لا في حقيقة ولا قدْر).
стр. 13
وقال ﵀: (بل من المعلوم أن الشيئين المخلوقين قد يكون أحدهما على صورة الآخر مع التفاوت العظيم في جنس ذواتهما وقَدْر ذواتهما، وقد تظهر السموات والقمر في صورة ماء أو مرآة في غاية الصِّغَرِ ويُقال: هذه صورتها، مع العلم بأن حقيقة السموات والأرض أعظم من ذلك بِما لا نسبة لأحدهما إلى الآخر) انتهى (١).
قال ابن القيم ﵀: (اعلم أن القلب إذا خلا من الاهتمام بالدنيا والتعلق بما فيها من مال أو رئاسة أو صورة وتعلق بالآخرة والاهتمام بها من تحصيل العُدّة والتأهب للقدوم على الله فذلك أول فُتُوحِه وتباشير فجره.
فعند ذلك يتحرك قلبه لمعرفة ما يرضى به ربه منه فيفعله ويتقرب به إليه، وما يسخطه منه فيجتنبه، وهذا عنوان صدق إرادته، فإن كل من أيْقن بلقاء الله وأنه سائله عن كلمتين يُسأل عنهما الأولون والآخرون: " ماذا كُنتُم تعبدُون؟ " و: " ماذا أجبتمُ المرسلين؟ " لابد أن يتنبه لطلب معرفة معبوده والطريق الموصلة إليه.
فإذا تمكّن في ذلك فُتح له باب الأنس بالخلوة والوحدة والأماكن الخالية التي تهدأ فيها الأصوات والحركات، فلا شيء أشوق إليه من ذلك فإنها تجمع
стр. 14
عليه قُوَى قلبه وإرادته، وتسدّ عليه الأبواب التي تُفرق هَمَّه وتشتّت قلبه، فيأنس بها ويستوحش من الخلق (١).
ثم يُفتح له باب حلاوة العبادة بحيث لايكاد يشبع منها، ويجد فيها اللذة والراحة أضعاف ما كان يجده في لذة اللهو واللعب ونيْل الشهوات) انتهى.
فأين المعرضون عن حبيبهم المخدوعون بلذات تحجبهم عن اللذة والنعيم الذي خلقوا له، لقد وُصِفَتْ هذه اللذات والشهوات بمشناق من عسل، وهذا يبين سوء عاقبتها وإن كانت حلوة المذاق وقت مباشرتها.
ثم قال ﵀: (بحيث أنه إذا دخل في الصلاة وَدَّ أن لا يخرج منها، ثم يُفتح له باب حلاوة استماع كلام الله فلا يشبع منه وإذا سمعه هدأ قلبه به كما يهدأ الصبي إذا أُعطي ما هو شديد المحبة له.
ثم يُفتح له باب شهود عظمة الله المتكلم به وجلاله وكمال نعوته وصفاته وحكمته ومعاني خطابه، بحيث يستغرق قلبه في ذلك حتى يغيب فيه ويُحسّ بقلبه وقد دخل في عالَمٍ آخر غير ما الناس فيه.
стр. 15
ثم يُفتح له باب الحياء من الله، وهو أول شواهد المعرفة، وهو نور يقع في القلب، يُريه ذلك النور أنه واقف بين يدي ربه فيستحيي منه في خلواته وجلواته، ويُرزق عند ذلك دوام المراقبة للرقيب، ودوام التطلع إلى حضرة العلي الأعلى كأنه يراه ويشاهده فوق سمواته مستوياً على عرشه ناظراً إلى خلقه سامعاً لأصواتهم مشاهداً لبواطنهم.
فإذا استولى عليه هذا المشهد غطى عليه كثيراً من الهموم بالدنيا وما فيها، فهو في وجود والناس في وجود آخر .. هو في وجود بين يدي ربه ووليه .. ناظراً إليه بقلبه والناس في حجابِ عالَم الشهادة في الدنيا).
ثم قال – ﵀: (ثم يُفتح له باب الشعور بمشهد القيومية ، فيرى سائر التقلبات الكونية وتصاريف الوجود بيده سبحانه) .. وذكر كلاماً، ثم قال: (فإن استمر على حاله واقفاً بباب مولاه لا يتلفت عنه يميناً ولا شمالاً ولا يُجيب غير من يدعوه إليه ويعلم أن الأمر وراء ذلك وأنه لَم يصل بَعْدُ، ومتى توهّم أنه قد وصل انقطع عنه المزيد .. - ثم قال ﵀: رُجي أن يُفتح له فتحٌ آخر هو فوق ما كان فيه!).
ثم قال: (ويبقى له وجود قلبي روْحاني مَلَكي فيبقى قلبه سابحاً في بحر من أنوار آثار الجلال، فتنبع الأنوار من باطنه كما ينبع الماء من العين، حتى يجد الملكوت الأعلى كأنه في باطنه وقلبه ويجد قلبه عالياً على ذلك كله، صاعداً إلى من ليس فوقه شيء) انتهى.
стр. 16
هل تعلم أنه بهذا السِّفْر المبارك لا يُعَرِّج على الحور العين، بل تمرّ رُوحُه مجتازةً قصورَ الجنةِ وما فيها، صاعدةً إلى مَن ليس كمثله شيء سبحانه وبحمده لأنه بذاته هو مراد المؤمن وغاية مطلبه ﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى﴾ (١)، فما بعده غاية تُطلب لذاتها ولا قبله أيضاً، وهذا يحصل والعارف حيٌّ في الدنيا حيث هو لُباب التعبد، وهو سفر الآخرة الذي يُقطع بالقلوب كما أن سفر الدنيا يُقطع بالأقدام - كما ذكر العلماء -.
ثم قال ﵀: (ثم يُرقّيه الله سبحانه فيُشهده أنوار الإكرام بعد ما شهد أنوار الجلال، فيستغرق في نور من أنوار أشعة الجمال، وفي هذا المشهد يذوق المحبة الخاصة الملهبة للأرواح والقلوب، فيبقى القلب مأسوراً في يد حبيبه ووليه ممتحناً بحبه.
وإن شئت أن تفهم ذلك تقريباً فانظر إليك وإلى غيرك وقد امْتُحِنْتَ بصورة بديعة الجمال ظاهراً وباطناً فملكَتْ عليك قلبك وفكرك وليلك ونهارك فيحصل لك نار من المحبة، فتضرم في أحشائك يَعِزُّ معها الاصطبار، و ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ (٢)؛ فيَالَهُ من قلب ممتحن مغمور مستغرق بما ظهر له من أشعة أنوار الجمال الأحدي، والناس مفتونون ممتحنون بما يفنى من المال والصور والرياسة، معذبون بذلك قبل حصوله وحال حصوله وبعد حصوله!.
стр. 17
وأعلاهم مرتبة: مَن يكون مفتوناً بالحور العين أو عاملاً على تمتعه في الجنة بالأكل والشرب واللباس والنكاح) انتهى.
تأمل قوله: (وأعلاهم مرتبة مَن يكون مفتوناً بالحور العين) ومتى نصل نحن إلى هذه المرتبة العالية بالنسبة للتعلقات والفتن الدنيوية التي ذكرها وهي المال والصور والرياسة.
إن التعلق والافتتان بالحور العين والتمتع بالجنة المخلوقة بالنسبة لِلمُوثَق بالسفليات درجة رفيعة، وإذا كانت الفتنة بالحور العين قاطعة عن المراد في لغة العارفين فكيف تكون حالنا؟!.
ثم قال ﵀: (وهذا المحب قد ترقى في درجات المحبة على أهل المقامات، ينظرون إليه في الجنة كما ينظرون إلى الكوكب الدري الغابر في الأفق لِعلوِّ درجته وقرب منزلته من حبيبه ومعيته معه، فإن المرء مع من أحب (١)، ولكل عمل جزاء وجزاء المحبةِ المحبةُ والوصول والاصطناع والقرب، فهذا هو الذي يصلح وكفى بذلك شرفاً وفخراً في عاجل الدنيا، فما ظنك بمقاماتهم العالية عند مليك مقتدر؟!).
لقد جاء في حديث سؤال موسى ﵊ ربه تعالى عن
стр. 18
أدنى وأعلى أهل الجنة منزلة، فلما بين له ربه تعالى أدنى أهل الجنة منزلة، سأل ربه تعالى قائلاً: (ربِّ فأعلاهم منزلة؟!، قال: أولئك الذين أردتّ، غرستُ كرامتهم بيدي وختمت عليها فلم ترَ عينٌ ولم تسمع أذن ولم يخطر على قلب بشر!، قال: ومصداقه في كتاب الله ﴿فَلاَ تَعْلمُ نَفْسٌ مَا أخْفِيَ لهَمْ مِنْ قُرَّةِ أعْيُنٍ﴾ (١)(٢).
وهل تليق هذه المنزلة العظيمة إلاَّ لمن قدّمَ حُبَّ الله تعالى والشوق إليه على حبِّ ماسواه!، مع العلم أنَّ مَن ينال مِن اللهِ تعالى تلك المنزلة من المحبين والعارفين فقد نال بلا شك أعلى النعيم المخلوق من الحور والقصور وغيرها زيادة على مايحضون به من القرب من ربهم تعالى وعظيم التنعم برؤيته!.
ثم قال ابن القيم ﵀ – عن المحبين لله: (فكيف إذا رأيتهم في موقف القيامة وقد أسمعهم المنادي:" لينطلق كلُّ قوم مع ما كانوا يعبدون "، فيبقون في مكانهم ينتظرون معبودهم وحبيبهم الذي هو أحب شيء إليهم حتى يأتيهم فينظرون إليه ويتجلى لهم ضاحكاً (٣) انتهى (٤).
стр. 19
تأمل قوله (ينتظرون معبودهم وحبيبهم الذي هو أحب شيء إليهم) وهذا في القيامة، فالقوم متعلقة قلوبهم بمعبودهم الحق سبحانه بالقصد الأول ليس ليكون واسطة ووسيلة لمحبوبهم من الحور العين وغير ذلك من النُّزُل والضيافة بل مرادهم ربهم لذاته إذْ محبته في قلوبهم لا تُدانيها ولا تُقاربها محبة.
أما محبة الله سبحانه ليكون وسيلة للأغراض فهذا عندهم مدخول مشُوب، ولذلك فهم يُجَرّدون المحبة وإن كانوا يريدون من ربهم خير الدنيا والآخرة، فليس مرادنا هنا الشَّطَح، وتأمل قوله تعالى عن أوليائه: ﴿يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ (١)، فهذه إرادة خالصة لا لغرض آخر؛ وهذا هو الإخلاص وهو التوحيد.
قال شيخ الإسلام ﵀: (فإن حقيقة التوحيد انجذاب الروح إلى الله تعالى جملة) (٢).
وقال – أيضاً -: (إن الإخلاص هو انجذاب القلب إلى الله تعالى) (٣).
ثم قال ابن القيم ﵀: (والمقصود أن هذا العبد لا يزال الله يُرقيه طبقاً بعد طبق ومنزلاً بعد منزل إلى أن يُوصله إليه ويُمكِّن له بين يديه أوْ يموت في الطريق فيقع أجره على الله؛ فالسعيد كل السعيد والموفَّق
стр. 20
كُلّ الموَفَّق مَن لَمْ يَلْتَفِت عَن ربِّه ﵎ يميناً ولا شمالاً ولا اتخذ سواه ربًّا ولا وكيلاً ولا حبيباً ولا مدبِّراً ولا حَكَماً ولا ناصِراً ولا رازقاً) انتهى (١).
لتعْلَم أنّ كلام ابن القيم وشيخه وعلماء السلف الربّانيين بيانٌ وتفسير لنصوص الكتاب والسنة، وقد أثمر لهم صدقهم وإخلاصهم هذه الثمار الطيبة، وليست محبة الله مجرد مقام في طريق السالك بل هذا أصل الأصول وهو حقيقة العبودية وهو معنى كلمة التوحيد، وتأمل قوله ﷺ : ... (فَمَا أُعطُوا شَيئاً أحَبّ إليهِمْ مِنَ النَّظَرِ إلى رَبِّهِمْ) (٢) فهذا بعد دخولهم الجنة ومباشرة نعيمها.
وفي الحديث الآخر قال رسول الله ﷺ : (بينا أهل الجنة في نعيمهم إذْ سطع لهمْ نورٌ فرفعوا رؤوسهم، فإذا الربُّ قد أشرف عليهم من فوقهم فقال: السلام عليكم يا أهل الجنة، قال: وذلك قول الله تعالى: ﴿سَلاَمٌ قَوْلاً مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ (٣)، قال: فينظر إليهم وينظرون إليه، فلا يلتفتون إلى شيء من النعيم ما داموا ينظرون إليه حتى يحتجب عنهم ويبقى نورُه وبركته عليهم في ديارهم) (٤).
стр. 21
وإذا كان الأنس به سبحانه في الدنيا - كما يقول ابن القيم (١) - أعلى من الأنس بما يرجوه العابد من نعيم الجنة فالأمر إذاً عظيم، والاقتصار على التعلق بالحور العين قصورٌ ونقص!.
ثم قال ابن القيم ﵀: (وإرادة السِّوَى (٢) توقف السالك وتنكس الطالب وتحجب الواصل، فإياك وإرادة السوى وإن علا!، " تأمل قوله: وإن علا " فإنك تُحجب عن الله بقدْر إرادتك لغيره، قال تعالى عن عباده المقربين: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُوراً﴾ (٣) انتهى (٤).
وليس المراد أن المؤمن لا يريد من الله، أو يَحتقر مَا عظَّمَه الله من نعيم الجنة كالْحُور والمآكل والمساكن وغيرها، وإنما المقصود معرفة حقيقة العبودية وألاّ يحتجب العبدُ عن إرادة رَبِّه لذاته ولو لم يكن هناك جنةً ولا ناراً (٥).
ولو لم يوجب محبة الله إلا أنه خالق العبد ومالكه وسيّده، كيف ما يتصف به سبحانه من صفات الجمال والكمال والقلوب مفطورة على حب الصُّوَر الجميلة لكن المؤمن مُتعَبَّد بغَضِّ بَصَره لئلاّ تَنْتَقِش
стр. 22
هذه الصُّوَرُ في قلبه، فيعكف عليها محبةً تصرف قلبه عما خُلق له العبدُ من النظَر في الآخرة إلى خالق الجمال سبحانه، وهو أوْلى به.
وهنا أنقل كلاماً كتبته قديماً في كتاب (معرفة الكبير المتعال بالعظمة والجلال والجمال)، وهو:
(وإنما سأل موسى الرؤية لِشَوْق ألْهَبَ قلبه بعد سماع كلام ربه وحُقّ لَه.
ولوْلا مَدَدُ الله للأنبياء بالصبر المناسب مع مقاماتهم ومعرفتهم بربهم لما صبروا اشتياقاً إليه ومحبة لكمال معرفتهم به سبحانه ولكماله وجلاله وجماله.
وإذا كان يحصل مِن محبةِ مخلوقٍ لمخلوقٍ مِن انجذابِ الروح إليه والصبابة والشوق ما يكون عجباً مثل العشق - مع أنه في الحقيقة مرض في القلب صارف له عما فُطر عليه من محبة معبوده الحق - فكيف بمحبة مَن لوْلا تعلق المحبة به لما خُلقت المحبة أصلاً، فهي إنما وُجدت لهذا الغرض.
من هذا يتبين أن كل محبة لسواه فهي صرف حقه لغيره، وهي ألَمٌ في القلب يُعَذّب به لانصرافه وانحرافه عن فطرته التي فُطر عليها من محبة إلهه الحق إلا ما كان من الحب فيه، فهذا داخل في محبته غير مُعارض كمحبة أنبيائه وأوليائه وما يُحب بشرط عدم الغلو في ذلك بألا يُرفع أحد إلى درجة محبته
стр. 23
أو يُماثَل فيها) انتهى (١).
قال شيخ الإسلام: (ولهذا يكون اشتغال أهل الجنة بذلك أعظم من كل شيء كما في الحديث: " إن أهلَ الجنةِ يُلهمُون التسْبيحَ كَمَا يُلهَمُونَ النَّفَس " (٢) وهو يبين غاية تنعمهم بذكر الله ومحبته) انتهى (٣).
فهذا نعيم لا يشغلهم عنه ولا يلهيهم ما بين أيديهم من النعيم المخلوق لأن لذّته أعظم مما هم فيه.
ولتمام الفائدة تعلم أن ربهم فوقهم حتى وهم في الجنة فعرشه سبحانه سقف الفردوس كما أن السماء الدنيا سقف الأرض قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفاً مَحْفُوظاً﴾ (٤).
يبين هذا ما جاء في الحديث المتقدم عن النبيِّ ﷺ أنه قال: (بينا أهل الجنة في نعيمهم إذْ سطع لهمْ نورٌ فرفعوا رؤوسهم، فإذا الربُّ قد أشرف عليهم من فوقهم فقال: السلام عليكم يا أهل الجنة، قال: وذلك قول الله تعالى: ﴿سَلاَمٌ قَوْلاً مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ (٥) قال: فينظر إليهم وينظرون إليه،
стр. 24
فلا يلتفتون إلى شيء من النعيم ما داموا ينظرون إليه حتى يحتجب عنهم، ويبقى نوره وبركته عليهم في ديارهم) (١).
قال ابن القيم بعد أن ذكر الحديث: (فهذا نور مشاهد قد سطَع حتى حرّكهم واسْتفزهم إلى رفع رؤوسهم إلى فوق) انتهى (٢).
وليس المراد الاقتصار على معرفة جمال المعبود - سبحانه وبحمده - والذي من أسمائه (الجميل) بل وتعظيمه وإجلاله سبحانه على مقتضى اسمه (الجليل).
قال ابن القيم ﵀ في محبة العبد لربه وأنه لابد فيها من الإجلال والتعظيم، قال: (ولا ريب أن الحب والأنس المجرَّد عن التعظيم والإجلال يَبْسط النفس ويحملها على بعض الدعاوي والرّعونات والأماني الباطلة وإساءة الأدب والجناية على حق المحبة.
فإذا قارن المحبة مهابة المحبوب وإجلاله وتعظيمه وشهود عِزّ جلاله وعظيم سلطانه انكسرت نفسه له وذلّتْ لعظمته واسْتكانت لعزته وتصاغرت لجلاله، وصَفَتْ مِن رُعُونات النفْسِ وحماقاتها ودعاويها الباطلة وأمانيها الكاذبة.
стр. 25
ولهذا في الحديث يقول الله : (أين المتحابون بجلالي؟!، اليوم أظلهم في ظلي يوم لا ظل إلا ظلي) (١)؛ فقال: (أين المتحابون بجلالي) فهو حُب بجلاله وتعظيمه ومهابته ليس حباً لمجرد جماله فإنه سبحانه الجليل الجميل.
والحب الناشئ عن شهود هذين الوصفين هو الحب النافع الموجب لكونهم في ظل عرشه يوم القيامة.
فشهود الجلال وحده يوجب خوفاً وخشيةً وانكساراً، وشهودُ الجمالِ وحده يوجب حباً بانبساط وإدلال ورعونة.
وشهود الوصفين مما يوجب حباً مقروناً بتعظيم وإجلال ومهابة، وهذا هو غاية كمال العبد، والله أعلم) انتهى (٢).
وينبغي أن يُعلم أن شدة التعلق بالثواب المخلوق في الجنة من الحور وغيرها إذا كان معه محبة لله ضعيفة فإنه يُخشى أن يكون - كما قال ابن القيم ﵀ –: (أنه إذا نال ذلك الحظ من محبوبه فَتَرَتْ محبته وسكن قلبه وترحّل قاطن المحبة من قلبه كما قيل "من وَدّكَ لأمرٍ ولّى عِندَ انقضائه "، فهذه محبة مشوبة بالعِلل، بل المحبة الخالصة أن يحب المحبوبَ لكماله وأنه أهل
стр. 26
أن يُحب لذاته وصفاته) انتهى (١).
وقال ﵀: (فليس في الكائنات ما يسكن العبد إليه ويطمئن به ويتنعم بالتوجه إليه إلا الله سبحانه، ومَن عَبَدَ غيره وأحبه وإن حصل له نوع من اللذة والمودّة والسكون إليه والفرح والسرور بوجوده ففساده به ومضرته وعَطَبُه أعظم من فساد أكل الطعام المسموم اللذيذ الشّهي الذي هو عذْبٌ في مَبْدَئِه عذابٌ في نهايته كما قال القائل:
مَآرِبُ كانت في الشبابِ لأهْلِهَا
عِذاباً فَصَارتْ فِي الْمَشِيبِ عَذابَا (٢)
إذاً فلاَبدَّ من معرفة المعبود الحق سبحانه الموجبة للشعور به مع العمل الخالص لأن المحبة تابعة للشعور.
ولذلك يقول الإمام ابن القيم ﵀: (فإن أوصاف المدعوّ إليه ونعوت كماله وحقائق أسمائه هي الجاذبة للقلوب إلى محبته وطلب الوصول إليه، لأن القلوب إنما تحب مَن تعرفه وتخافه وترجوه وتشتاق إليه وتلتذّ بقربه وتطمئن إلى ذكره بحسب معرفتها بصفاته) انتهى (٣).
стр. 27
وقد تكلم ابن القيم في تجريد المحبة لله وتصفية القصد وتهذيبه وتجريده فقال ﵀ – عن ذلك: (يكون قصده وعبوديته محبة لله بلا عِلّة، وأن لا يحب الله لِما يعطيه ويحميه منه فتكون محبته لله محبة الوسائل، ومحبته بالقصد الأول لِما يناله من الثواب المخلوق فهو المحبوب له بالذات، بحيث إذا حصل له محبوبه تَسَلَّى به عن محبة من أعطاه إياه، فإن من أحبك لأمرٍ والاك عند حصوله ومَلَّكَ عند انقضائه، والمحب الصادق يخاف أن تكون محبته لِغرضٍ من الأغراض، فتنقضي محبته عند انقضاء ذلك الغرض.
وإنما مراده أن محبته تدوم لا تنقضي أبداً، وأن لا يجعل محبوبه وسيلة له إلى غيره، بل يجعل ما سواه وسيلة له إلى محبوبه.
وهذا القدْر هو الذي حام عليه القوم وداروا حوله وتكلموا فيه وشمّروا إليه) انتهى (١).
أنظر قوله ﵀: (وأن لا يجعل محبوبه وسيلة له إلى غيره) فهذا حقاً مخيف!.
وقال ﵀ في هذا المعنى أيضاً: لِـ (تكُن إجابتك لِداعي الحق خالصة، إجابة محبة ورغبة، وطلب للمحبوب ذاته، غير مشوبة بطلب غيره من الحظوظ والأعواض، فإنه متى حصل لك حصل لك كل عوض وكل
стр. 28
حظّ به وكل قسم، كما في الأثر الإلهي: " ابن آدم .. اطلبني تجدني، فإن وجدتني وجدت كل شيء، وإن فُتّك فاتك كل شيء، وأنا أحب إليك من كل شيء " (١) انتهى.
تأمل كيف أن هذا الأثر يطابق ما في الحديث المتقدم " فَمَا أُعطُوا شَيئاً أحَبّ إليهِمْ مِنَ النَّظَرِ إلى رَبِّهِمْ " (٢).
ثم قال: (فمن أعرض عن طلب ما سوى الله ولم يَشب طلبه له بعوَض، بل كان حباً له وإرادة خالصة لوجهه فهو في الحقيقة الذي يفوز بالأعواض والأقسام والحظوظ كلها، فإنه لَمّا لم يجعلها غاية طلبه تَوَفرتْ عليه في حصولها وهو محمود مشكور مقرّب، ولوْ كانت مطلوبهُ لنقصتْ عليه بحسب اشتغاله بطلبها وإرادتها عن طلب الرب تعالى لذاته وإرادته.
فهذا قلبه ممتلئ بها والحاصل له منها نزرٌ يسير، والعارف ليس قلبه متعلقاً بها وقد حصلت له كلها، فالزهد فيها لا يُفيتكها بل هو عين حصولها، والزهد في الله هو الذي يُفيتكه ويُفيتك الحظوظ) انتهى (٣).
وهنا يضرب أهلُ العلمِ مثالاً ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى﴾ (٤)، وذلك بما
стр. 29
رُوي عما فعلته جارية من جواري هارون الرشيد؛ فقد كان من عادته أن يُتحف جواريه في الأعياد بهدايا من الجواهر ونحوها، فكان يأمر بوضع تلك الهدايا في مجلس من مجالسه، ويقول لجواريه: " من أرادت من ذلك شيئاً وأعجبها فلتضع يدها عليه " – أي بحيث يكون لها -، فوضعت كل جارية يدها على ما أحبت من تلك التُّحَف إلا واحدة منهن فإنها وضعت يدها على رأس هارون!، فسألها عما أرادت بهذا الفعل؟!، فقالت: " أنت طلبت من كل واحدة منا أن تضع يدها على ما تحب وأنا لاشيء يعدل حبي لأمير المؤمنين! "، فأعجبه ذلك منها وصارت أحظى جواريه عنده!، فتأمل ذلك، وهكذا نحن عند الله!.
ويضرب ابن القيم – ﵀ – مثلاً آخراً فيقول: (وإذا كان لك أربعة عبيد؛ أحدهم: يريدك ولا يريد منك بل إرادته مقصورة عليك وعلى مرضاتك.
والثاني: يريد منك ولا يريدك بل إرادته مقصورة على حظوظه منك.
والثالث: يريدك ويريد منك.
والرابع: لا يريدك ولا يريد منك بل هو متعلق القلب ببعض عبيدك فلَهُ يريد، ومنه يريد، فإن آثر العبيد عندك وأحبهم إليك وأقربهم منك منزلة والمخصوص من إكرامك وعطائك بما لا يناله العبيد الثلاثة هو
стр. 30
الأول، هكذا نحن عند الله!) انتهى (١).
فالخوف علينا أن نكون من جنس العبد الثاني، وياليتنا نسير بدرب العبد الثالث!، أما العبد الأول فلغته لا نعرفها فلا نخوض بالكلام في إرادته وطلبه، ورحم الله امرءاً عرف قدر نفسه!.
وحيث إن عمل العبد على حسب شاهده فسوف أكتب هنا شواهد السائر إلى الله والدار الآخرة مما يُبين ويُوضح معنى ما سبق إن شاء الله:
الشاهد الأول: قال ابن القيم ﵀: (فأول شواهد السائر إلى الله والدار الآخرة أن يقوم به شاهد من الدنيا وحقارتها وقلّة وفائها وكثرة جفائها وخِسَّة شركائها وسرعة انقضائها، ويرى أهلها وعشاقها صرعى حولها قد بَدّعَتْ بهم وعذبتهم بأنواع العذاب وأذاقتهم أمَرَّ الشراب، أضحكتهم قليلاً وأبكتهم طويلاً، سقتْهم كؤوس سمّها بعد كؤوس خمرها فسكروا بحبها وماتوا بهجرها.
الشاهد الثاني: فإذا قام بالعبد هذا الشاهد منها ترحَّل قلبه عنها وسافر في طلب الدار الآخرة وحينئذ يقوم بقلبه شاهد من الدار الآخرة ودوامها وأنها هي الحيوان حقاً، فأهلها لا يرتحلون منها ولا يظعنون عنها، بل هي دار القرار ومحطّ الرحال ومنتهى السير، وأن الدنيا بالنسبة إليها كما قال
стр. 31
النبي ﷺ : (ما الدنيا في الآخرة إلا كما يجعل أحدكم إصبعه في اليم فلينظر بِمَ ترجع) (١).
وقال بعض التابعين: " ما الدنيا في الآخرة إلا أقلّ من ذرة واحدة في جبال الدنيا ".
الشاهد الثالث: ثم يقوم بقلبه شاهد من النار وتوقدها واضطرامها وبُعْد قعرها وشدة حرها وعظيم عذاب أهلها، فيشاهدهم وقد سِيقوا إليها سود الوجوه زرق العيون، والسلاسل والأغلال في أعناقهم.
فلما انتهوا إليها فُتِّحت في وجوههم أبوابها، فشاهدوا ذلك المنظر الفظيع وقد تقطعت قلوبهم حسرة وأسفاً ﴿وَرَأى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفاً﴾ (٢) فيراهم شاهد الإيمان وهم إليها يُدفعون، وأتى النداء من قِبَل رب العالمين ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُولُونَ﴾ (٣) ثم قيل لهم: ﴿هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ ? أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ ? اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (٤) فيراهم شاهد الإيمان وهم في الحميم على وجوههم
стр. 32
يسحبون، وفي النار كالحطب يسجَرون ﴿لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ﴾ (١) فبئس اللِّحَاف وبئس الفِرَاش، إنِ استغاثوا من شِدة العطش ﴿يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ﴾ (٢) فإذا شربوا قطّع أمعاءهم في أجوافهم وصهر ما في بطونهم، شرابهم الحميم وطعامهم الزقوم ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ ? وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾ (٣).
فإذا قام بقلب العبد هذا الشاهد انخلع من الذنوب والمعاصي واتباع الشهوات ولَبِسَ ثياب الخوف والحذر، وأخصب قلبه من مطر أجفانه وهانَ عليه كل مصيبة تصيبه في غير دينه وقلبه.
وعلى حسب قوة هذا الشاهد يكون بعده من المعاصي والمخالفات، فيذيب هذا الشاهد من قلبه الفضلات والمواد المهلكة وينضجها ثم يخرجها، فيجد القلب لذّة العافية وسرورها.
الشاهد الرابع: فيقوم به بعد ذلك شاهد من الجنة وما أعَدّ الله لأهلها فيها مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، فضلاً عما
стр. 33
وصفه الله لعباده على لسان رسوله من النعيم المفصل الكفيل بأنواع اللذة من المطاعم والمشارب والملابس والصور والبهجة والسرور.
فيقوم بقلبه شاهد دار قد جعل الله النعيم المقيم الدائم بحذافيره فيها تربتها المسك وحصباؤها الدّر وبناؤها لَبِن الذهب والفضة وقصب اللؤلؤ وشرابها أحلى من العسل وأطيب رائحة من المسك وأبرد من الكافور وألّذ من الزنجبيل، ونساؤها لوْ برز وجه إحداهن في هذه الدنيا لغلب على ضوء الشمس، ولباسهم الحرير من السندس والإستبرق، وخدمهم ولدان كاللؤلؤ المنثور، وفاكهتهم دائمة لا مقطوعة ولا ممنوعة، وفرش مرفوعة، وغذاؤهم لحم طير مما يشتهون وشرابهم عليه خمرة لا فيها غوْل ولا هم عنها ينزفون وخضرتهم فاكهة مما يتخيرون، وشاهدهم حور عين كأمثال اللؤلؤ المكنون، فهم على الأرائك متكئون، وفي تلك الرياض يُحبرون، وفيها ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين، وهم فيها خالدون.
الشاهد الخامس: فإذا انضم إلى هذا الشاهد شاهد يوم المزيد والنظر إلى وجه الرب ﷻ وسماع كلامه منه بلا واسطة، كما قال النبي ﷺ : (بينا أهل الجنة في نعيمهم إذْ سطع لهمْ نورٌ فرفعوا رؤوسهم، فإذا الربُّ قد أشرف عليهم من فوقهم فقال: السلام عليكم يا أهل الجنة، قال: وذلك
стр. 34
قول الله تعالى: ﴿سَلامٌ قَوْلاً مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ (١)، قال: فينظر إليهم وينظرون إليه، فلا يلتفتون إلى شيء من النعيم ما داموا ينظرون إليه حتى يحتجب عنهم ويبقى نورُه وبركته عليهم في ديارهم) (٢)، فإذا انضم هذا الشاهد إلى الشواهد التي قبله فهناك يسير القلب إلى ربه أسرع من سير الرياح في مهابِّها فلا يلتفت في طريقه يميناً ولا شمالاً) انتهى.
قد يظن القارئ أن هذا منتهى المسير، والحقيقة أننا إن انتهينا إلى هذا انتهينا إلى غاية جليلة عظيمة، فهذا المقام بالنسبة لعلمنا وزماننا وأحوالنا مَنْ يناله؟!، وإنما لم ينته المسير بَعْد، وما يأتي وهو الشاهد السادس هو الذي عليه مدار معاني هذا الكتاب لبيان خطأ التعلق الشديد بالحور العين وخشية الانقطاع أو ضعف التعلق بالمعبود الحق سبحانه، وإن كانت هذه المقامات لا تليق بنا ولا بزماننا وإنما نرجو رحمة الله وأن يتوب علينا وينجينا من النار، ونريد هنا بيان إخلاص التوحيد وتجريد المحبة وتصحيح العبودية، والتوفيق بيد الله، وَفضْلُه عظيمٌ يؤتيهِ مَنْ يَشاء، وقبل أن أنقل هنا الشاهد السادس من شواهد السائر إلى ربه أسأل الله أن يغفر لي ولجميع المسلمين، ولا مانع وإن كنا لسنا بأهل أن يتجاوز كلامنا وصْف جهنم فهو نقل عن السلف والعلم شيء والحال شيء آخر، فلا يُحمّل الكاتب مالا يحتمل، وكما يقال:
стр. 35
فالخوف أوْلى بالمسي ... ءِ إذا تَألَّهَ والحَزَنْ
والْحُبُّ يَجْمُلُ بالتُّقا ... ءِ وبالنَّقَاءِ مِنَ الدّرَنْ
الشاهد السادس: ثم قال ابن القيم - قدس الله روحه -: (هذا وفوق ذلك شاهد آخر تضمحل فيه هذه الشواهد، ويغيب به العبد عنها كلها، وهو شاهد جلال الرب تعالى وجماله وكماله وعزّه وسلطانه وقيوميته وعلوّه فوق عرشه، وتكلمه بكتبه وكلمات تكوينه وخطابه لملائكته وأنبيائه.
فإذا شاهده شاهد بقلبه قيّوماً قاهراً فوق عباده مستوياً على عرشه منفرداً بتدبير مملكته، آمرًا ناهياً مرسلاً رسله ومنزلاً كتبه، يرضى ويغضب ويثيب ويعاقب ويعطي ويمنع ويعز ويذل ويحب ويكره، ويرحم إذا اسْتُرحم ويغفر إذا استُغفر، ويعطي إذا سُئل، ويجيب إذا دُعي ويُقيل إذا اسْتقيل، أكبر من كل شيء وأعظم من كل شيء وأعز من كل شيء وأقدر من كل شيء وأعلم من كل شيء وأحكم من كل شيء).
ثم قال: (ولوْ قُدِّر جمال الخلق كلهم على واحد منهم ثم كانوا كلهم بذلك الجمال، ثم نُسِب إلى جمال الرب تعالى لكان دون سراج ضعيف بالنسبة إلى عين الشمس).
ثم قال: (فالسموات السبع في كَفِّه كخردلة في كف العبد، ولوْ أن الخلق كلهم من أولهم إلى آخرهم قاموا صفاً واحداً ما أحاطوا بالله ،
стр. 36
لوْ كشف الحجاب عن وجهه لأحرقت سُبُحَاتُه ما انتهى إليه بصره من خلقه (١).
فإذا قام بقلب العبد هذا الشاهد اضمحلت فيه الشواهد المتقدمة من غير أن تُعدم.
بل تصير الغلبة والقهر لهذا الشاهد، وتندرج فيه الشواهد كلها!.
وَمَنْ هذا شاهده فله سلوك وسيْر خاص ليس لغيره ممن هو عن هذا في غفلة أوْ معرفة مجملة.
فصاحب هذا الشاهد سائر إلى الله في يقظته ومنامه وحركته وسكونه وفطره وصيامه، له شأن وللناس شأن، هو في واد والناس في واد ..
خَلِيلَيَّ لاَ وَاللهِ مَا أنا مِنكمَا ... إذا عَلَمٌ مِن آلِ لَيْلَى بَدَا لِيَا (٢)
قال الحسن البصري ﵀: (لوْ عَلِمَ العابدون أنهم لا يروْن ربهم يوم القيامة لذابتْ أنفسُهم!) (٣)؛ وقال: (إن أحبّاء الله هم الذين ظفروا بطيب الحياة، وذاقوا لذة نعيمها بما وصلوا إليه من مناجاة حبيبهم
стр. 37
وما وجدوا من حلاوة حبه في قلوبهم، ولاسيما إذا خطر على بال أحدهم ذكر تكليمه وكشْف ستورِ الحُجُب عنه في المقام الأمين والسرور الدائم، وأراهم جلاله وأسمعهم لذيذ كلامه، وَرَدّ عليهم جواب ما ناجَوْه به أيام حياتهم إذْ قلوبهم به مشغوفة، وإذْ مودّتهم إليه معطوفة، وإذْ هم له مؤثرون، وإليه منقطعون.
فليبشر المصفّون له وُدّهُمْ بالمنظر العجيب بالحبيب، فواللهِ ما أراه يحلّ لعاقل ولا يجمل به أن يسْتَوْعبه حب أحد سوى حب الله انتهى (١).
قال أبو تراب النخشبي:
لا تُخدعَنّ!، فللمُحِبِّ دَلاَئلُ ... ولَديْه مِنْ تُحفِ الحبيبِ وسائلُ
منها تنعّمُهُ بِمُرّ بَلاَئِهِ ... وسرُوره في كُلِّ مَا هُوَ فاعِلُ
فالمنعُ منه عَطِيَّة مَقبُولةٌ ... والفقرُ إكرامٌ وبِرٌّ عاجلُ
وَمِن الدلائلِ أن يُرى مِنْ عَزْمِهِ ... طَوْع الحبيبِ وإنْ ألَحَّ العاذِلُ
وَمِن الدلائلِ أن يُرى متبسِّماً ... والقلبُ فيهِ مَنَ الحبيبِ بَلاَبلُ
وَمِن الدلائلِ أن يُرى مُتفهِّماً ... لِكلام من يُحظى لديْه السَّائلُ
وَمِن الدلائل أن يُرى متقشِّفاً ... متحفِّظاً في كُلِّ مَا هُوَ قائِلُ (٢) ٢)
стр. 38
ومن أسمائه سبحانه (الودود)، قال ابن عباس – ﵄: (الودود) الحبيب (١).
وقال ابن القيم ﵀: (الودّ أصفى الحب وألطفه) (٢)، وقد قال تعالى عن أوليائه: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ (٣) وقال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ (٤).
إن كثيراً من الناس لا يعرف من العبادة إلا الأعمال الظاهرة، أما حال القلب وعمله وحبه وشوْقه وتعلّقه فقد لا يبالي أن ينصرف لأي وِجْهةٍ ويسلك أيّ سبيل لِقصور فهمه ونقص علمه، ولذلك فإن فَهْم معنى التعبّد والعبادة يبين الأمر على جليَّته.
قال ابن القيم ﵀: (وأما التعبد فهو غاية الحب وغاية الذّل، يُقال: عَبَّدَه الحب - أي ذلّله -، وطريق مُعَبّدٌ بالأقدام - أي مُذلّل - وكذلك المحب قد ذلّله الحب وَوَطَّأه، ولا تصلح هذه المرتبة لأحد غير الله .
ولا يغفر الله سبحانه لمن أشرك به في عبادته ويغفر ما دون ذلك لمن
стр. 39
شاء، فمحبة العبودية هي أشرف أنواع المحبة، وهي خالص حق الله على عباده) انتهى (١).
ومن أعظم القواطع عن محبة الله وعبوديته العشق الذي قال فيه ابن القيم: (إنه شرك في المحبة وفراغ عن الله، وتمليك للقلب والروح والحب لغيره).
وقال – ﵀: (فإن إفساد عشق الصور للقلب فوق كل إفساد، بل هو خمر الروح الذي يُسكرها ويصدها عن ذكر الله وحبه، والتلذذ بمناجاته، والأنس به؛ ويُوجب عبودية القلب لغيره، فإن قلب العاشق متعبّد لمعشوقه، بل العشق لُبّ العبودية، فإنها كمال الذل والحب والخضوع والتعظيم) انتهى (٢).
ولاشك أن التعلق بالدنيا والسُّفْلِيَّات وشِدَّة الرغبة فيها يُوثِق القلب ويقيّد الروح أنْ تصعد لمرادها الحق، فَتَجُول في العالَم السُّفلي المظلم الموحِش فلا تجد سوى الظلمة والوحشة، وتكون بذلك مُعذّبة بحسب قوة ذلك التعلق وضعفه.
قال شيخ الإسلام ﵀: (وكلما كان قلبه في محبة الله وذكره وطاعته كان معلقاً بالمحل الأعلى، فلا يزال في عُلوِّ مادام كذلك، فإذا أذنب
стр. 40
هبط قلبه إلى أسفل فلا يزال في هبوط مادام كذلك) انتهى (١).
وعن عطاء بن يسار، قال: قال موسى ﷺ : (ياربّ مَن أهْلُكَ الذين هم أهْلُكَ الذين تظلهم في ظِلِّ عَرْشِك؟!، فذكر صفاتهم ومنها: " ويَكْلَفُون (٢) بُحُبِّي كما يكْلَف الصبيُّ بحب الناس، ويغضبون لمحارمي إذا استُحِلّت كما يغضب النِّمْرُ إذا حَرِب (٣) ") انتهى (٤).
لقد كان سلف هذه الأمة يتنافسون في هذا لكمال علمهم ومعرفتهم بمعبودهم الحق سبحانه، ومن هنا صاروا أولياء لله، ولذلك استحقوا أن يقول فيهم سبحانه كما في الحديث القدسي: (من أهان لي ولياً فقد بارزني بالمحاربة) (٥)، وفي رواية أخرى قال رسول الله ﷺ : قال الله تعالى: (من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب) الحديث (٦).