← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 37571

منازل الحور العين في قلوب العارفين برب العالمين

عبد الكريم بن صالح الحميد

Полный текст (89 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

لوْ كشف الحجاب عن وجهه لأحرقت سُبُحَاتُه ما انتهى إليه بصره من خلقه (١). فإذا قام بقلب العبد هذا الشاهد اضمحلت فيه الشواهد المتقدمة من غير أن تُعدم. بل تصير الغلبة والقهر لهذا الشاهد، وتندرج فيه الشواهد كلها!. وَمَنْ هذا شاهده فله سلوك وسيْر خاص ليس لغيره ممن هو عن هذا في غفلة أوْ معرفة مجملة. فصاحب هذا الشاهد سائر إلى الله في يقظته ومنامه وحركته وسكونه وفطره وصيامه، له شأن وللناس شأن، هو في واد والناس في واد .. خَلِيلَيَّ لاَ وَاللهِ مَا أنا مِنكمَا ... إذا عَلَمٌ مِن آلِ لَيْلَى بَدَا لِيَا (٢) قال الحسن البصري ﵀: (لوْ عَلِمَ العابدون أنهم لا يروْن ربهم يوم القيامة لذابتْ أنفسُهم!) (٣)؛ وقال: (إن أحبّاء الله هم الذين ظفروا بطيب الحياة، وذاقوا لذة نعيمها بما وصلوا إليه من مناجاة حبيبهم

стр. 37

وما وجدوا من حلاوة حبه في قلوبهم، ولاسيما إذا خطر على بال أحدهم ذكر تكليمه وكشْف ستورِ الحُجُب عنه في المقام الأمين والسرور الدائم، وأراهم جلاله وأسمعهم لذيذ كلامه، وَرَدّ عليهم جواب ما ناجَوْه به أيام حياتهم إذْ قلوبهم به مشغوفة، وإذْ مودّتهم إليه معطوفة، وإذْ هم له مؤثرون، وإليه منقطعون. فليبشر المصفّون له وُدّهُمْ بالمنظر العجيب بالحبيب، فواللهِ ما أراه يحلّ لعاقل ولا يجمل به أن يسْتَوْعبه حب أحد سوى حب الله انتهى (١). قال أبو تراب النخشبي: لا تُخدعَنّ!، فللمُحِبِّ دَلاَئلُ ... ولَديْه مِنْ تُحفِ الحبيبِ وسائلُ منها تنعّمُهُ بِمُرّ بَلاَئِهِ ... وسرُوره في كُلِّ مَا هُوَ فاعِلُ فالمنعُ منه عَطِيَّة مَقبُولةٌ ... والفقرُ إكرامٌ وبِرٌّ عاجلُ وَمِن الدلائلِ أن يُرى مِنْ عَزْمِهِ ... طَوْع الحبيبِ وإنْ ألَحَّ العاذِلُ وَمِن الدلائلِ أن يُرى متبسِّماً ... والقلبُ فيهِ مَنَ الحبيبِ بَلاَبلُ وَمِن الدلائلِ أن يُرى مُتفهِّماً ... لِكلام من يُحظى لديْه السَّائلُ وَمِن الدلائل أن يُرى متقشِّفاً ... متحفِّظاً في كُلِّ مَا هُوَ قائِلُ (٢) ٢)

стр. 38

ومن أسمائه سبحانه (الودود)، قال ابن عباس – ﵄: (الودود) الحبيب (١). وقال ابن القيم ﵀: (الودّ أصفى الحب وألطفه) (٢)، وقد قال تعالى عن أوليائه: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ (٣) وقال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ (٤). إن كثيراً من الناس لا يعرف من العبادة إلا الأعمال الظاهرة، أما حال القلب وعمله وحبه وشوْقه وتعلّقه فقد لا يبالي أن ينصرف لأي وِجْهةٍ ويسلك أيّ سبيل لِقصور فهمه ونقص علمه، ولذلك فإن فَهْم معنى التعبّد والعبادة يبين الأمر على جليَّته. قال ابن القيم ﵀: (وأما التعبد فهو غاية الحب وغاية الذّل، يُقال: عَبَّدَه الحب - أي ذلّله -، وطريق مُعَبّدٌ بالأقدام - أي مُذلّل - وكذلك المحب قد ذلّله الحب وَوَطَّأه، ولا تصلح هذه المرتبة لأحد غير الله . ولا يغفر الله سبحانه لمن أشرك به في عبادته ويغفر ما دون ذلك لمن

стр. 39

شاء، فمحبة العبودية هي أشرف أنواع المحبة، وهي خالص حق الله على عباده) انتهى (١). ومن أعظم القواطع عن محبة الله وعبوديته العشق الذي قال فيه ابن القيم: (إنه شرك في المحبة وفراغ عن الله، وتمليك للقلب والروح والحب لغيره). وقال – ﵀: (فإن إفساد عشق الصور للقلب فوق كل إفساد، بل هو خمر الروح الذي يُسكرها ويصدها عن ذكر الله وحبه، والتلذذ بمناجاته، والأنس به؛ ويُوجب عبودية القلب لغيره، فإن قلب العاشق متعبّد لمعشوقه، بل العشق لُبّ العبودية، فإنها كمال الذل والحب والخضوع والتعظيم) انتهى (٢). ولاشك أن التعلق بالدنيا والسُّفْلِيَّات وشِدَّة الرغبة فيها يُوثِق القلب ويقيّد الروح أنْ تصعد لمرادها الحق، فَتَجُول في العالَم السُّفلي المظلم الموحِش فلا تجد سوى الظلمة والوحشة، وتكون بذلك مُعذّبة بحسب قوة ذلك التعلق وضعفه. قال شيخ الإسلام ﵀: (وكلما كان قلبه في محبة الله وذكره وطاعته كان معلقاً بالمحل الأعلى، فلا يزال في عُلوِّ مادام كذلك، فإذا أذنب

стр. 40

هبط قلبه إلى أسفل فلا يزال في هبوط مادام كذلك) انتهى (١). وعن عطاء بن يسار، قال: قال موسى ﷺ : (ياربّ مَن أهْلُكَ الذين هم أهْلُكَ الذين تظلهم في ظِلِّ عَرْشِك؟!، فذكر صفاتهم ومنها: " ويَكْلَفُون (٢) بُحُبِّي كما يكْلَف الصبيُّ بحب الناس، ويغضبون لمحارمي إذا استُحِلّت كما يغضب النِّمْرُ إذا حَرِب (٣) ") انتهى (٤). لقد كان سلف هذه الأمة يتنافسون في هذا لكمال علمهم ومعرفتهم بمعبودهم الحق سبحانه، ومن هنا صاروا أولياء لله، ولذلك استحقوا أن يقول فيهم سبحانه كما في الحديث القدسي: (من أهان لي ولياً فقد بارزني بالمحاربة) (٥)، وفي رواية أخرى قال رسول الله ﷺ : قال الله تعالى: (من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب) الحديث (٦).

стр. 41

وكما في كلام الله تعالى لموسى ﵇: (واعلم أنه من أهان لي ولياً أو أخافه فقد بارزني بالمحاربة) وهذا يوافق ما عندنا في الحديث المتقدم، وقد ذَكره الإمام أحمد من رواية وهب بن منبه في كلام الله لموسى في الطور لما أراد سبحانه إرساله إلى فرعون؛ وسوف أنقل هنا بعضه لما فيه من العِبر والآيات، ولِما فيه مما يُصدِّق ما عندنا، ولمناسبته لِحالنا وما يجري في زماننا. قال سبحانه في كلامه لموسى في الطور: (إني قد أقمتك اليوم مقاماً لا ينبغي لبشر بعدك أن يقوم مقامك، أدْنيْتك وقربتك حتى سمعت كلامي، وكنت بأقرب الأمكنة مني، فانطلق برسالتي فإنك بعيني وسمعي، وإن معك يدي ونصري، وإني قد ألْبستك جُنَّة من سلطاني تستكمل بها القوة في أمري، فأنت جند عظيم من جنودي، بعثتك إلى خلق ضعيف من خلقي، بَطِر نعمتي وأمِنَ مكري، وغرّته الدنيا عني حتى جحد حقي وأنكر ربوبيتي وعُبِدَ من دوني، وزعم أنه لا يعرفني، وإني أُقسم بعزتي لوْلا العذر والحجة اللذان بيني وبين خلقي لبطشت به بطشة جبار يغضب لغضبه السموات والأرض والجبال والبحار، فإن أمرت السماء حصبته، وإن أمرت الأرض ابتلعته، وإن أمرت الجبال دَمّرته، وإن أمرت البحار غرّقته، ولكنه هان عليّ وسقط من عيني ووسعه حلمي، واستغنيت بما عندي وحُقّ لي .. إني أنا الغني لا غني غيري، فبلّغه رسالاتي وادعه إلى عبادتي وتوحيدي وإخلاص اسمي، وذكّره بأيامي، وحذّره نقمتي وبأسي، وأخبره أنه لا يقوم شيء لغضبي، وقل له فيما بين ذلك قولاً ليناً لعله يتذكر أو يخشى، وأخبره أني إلى العفو والمغفرة

стр. 42

أسرع مني إلى الغضب والعقوبة، ولا يَروعَنَّك ما ألْبسته من لباس الدنيا فإن ناصيته بيدي، ليس يطرف ولا ينطق ولا يتنفس إلا بإذني. قل له: أجب ربك فإنه واسع المغفرة، وأنه قد أمهلك أربعمائة سنة وفي كلها أنت مبارز لمحاربته، تَشبَّه وتَمَثَّل به وتصد عباده عن سبيله وهو يمطر عليك السماء ويُنبت لك الأرض، لم تسقم ولم تهرم ولم تفتقر ولم تُغلَب، ولوْ شاء أن يُعجل ذلك لك أوْ يسلبكه فعل، ولكنه ذو أناةٍ وحِلْمٍ عظيم. وجاهده بنفسك وأخيك وأنتما محتسبان لجهاده فإني لو شئت أن آتيه بجنود لا قِبَلَ له بها لفعلت ولكن ليعلم هذا العبد الضعيف الذي قد أعجبته نفسه وجموعه أن الفئة القليلة ولا قليل مني تغلب الفئة الكثيرة بإذني، ولا يعجبكما زينته ولا ما مُتِّع به ولا تمدان إلى ذلك أعينكما فإنها زهرة الحياة الدنيا وزينة المترفين وإني لوْ شئت أن أزينكما من الدنيا بزينة يعلم فرعون حين ينظر إليها أن مقدرته تعجز عن مثل ما أُوتيتما فعلت، ولكني أرغب بكما عن ذلك وأزْويه عنكما، وكذلك أفعل بأوليائي، وقديماً ما خِرْتُ لهم (١) في ذلك فإني لأذودهم عن نعيمها ورخائها كما يذود الراعي الشفيق إبلَه عن مراتع الهلكة، وإني لأجنبهم سلْوتها وعيشها كما يجنب الراعي الشفيق إبله عن مبارك العرّة (٢)؛ وما ذلك لِهَوَانِهم عَلَيّ، ولكن ليستكملوا نصيبهم من كرامتي سالماً موفوراً، لم تكْلمْه الدنيا، ولم يُطْغِه الهوى.

стр. 43

واعلم أنه لم يتزين لي العباد بزينة هي أبلغ من الزهد في الدنيا فإنها زينة المتقين، عليهم منها لِباس يُعرفون به من السكينة والخشوع، سيماهم في وجوههم من أثر السجود (١)، أولئك أوليائي حقاً، فإذا لَقيتَهم فاخفض لهم جناحك، وذلّل لهم قلبك ولسانك. واعلم أن من أهان لي وَلياً أو أخافَه فقد بارزني بالمحاربة، وبدأني، وعَرَّض بنفسه ودعاني إليها، فأنا أسرع شيء إلى نصرة أوليائي .. أيظن الذي يحاربني أن يقوم لي؟! .. أوَ يظُن الذي يُغازيني أن يُعجزني؟! .. أوَ يظُن الذي يبارزني أن يسبقني أوْ يفوتني؟!؛ وكيف وأنا الثائر لهم في الدنيا والآخرة، لا أكِلُ نصرتهم إلى غيري ... ) إلى آخره (٢).

стр. 44

والشاهد هنا عناية الله بأوليائه، وما بلغوا ذلك إلا بتجريد محبتهم لمعبودهم سبحانه، فهم كما قال ابن القيم – ﵀: (فالنفوس العليّة الزكيّة تعبده لأنه أهل أن يُعبد ويُجَلّ ويُحَبّ ويُعظّم، فهو لذاته مستحق للعبادة، ولا يكون العبد كأجير السوء إن أُعطي أُجرةً عَمِل، وإن لم يُعط لم يعمل، فهذا عبد الأجرة لا عبد المحبة والإرادة!) انتهى (١). وذكر ﵀ محبة خواص أولياء الله، وأنهم يريدون قربه، ووصولهم إليه، واشتغالهم به عما سواه والتنعم بحبه، ولذّة الشوق إلى لقائه. وذكر أن هذا هو مطلوبهم الأعظم وأنه إذا انضاف إلى هذا المطلب الأعظم المقصود بالقصد الأول طلبهم لِثوابه المخلوق المنفصل فلا عِلّة في هذه العبودية. وعلماء السلف ﵏ يُبيّنون التوحيد ليتجرّد ويتصفى من العِلل والشوائب. ولذلك يقول ابن القيم ﵀: (والعارفون عملهم على المنزلة والدرجة، والعمال عملهم على الثواب والأجرة، وشتّان ما بينهما) (٢). وليس المراد مما تقدم عَيْب سؤال الله الجنة، وإنما العَيْب أن يكون مبلغ

стр. 45

العلم ومنتهى الإرادةِ والطلبِ هو الجنة المخلوقة، والغيْبَة عن حقيقة التعَبُّدِ والتألّه، فالشأن كلّ الشأن في العلم بالله تعالى ومعرفته وحُبه. والنبي ﷺ قال: (إذا سألتم الله فاسألوه الفردوس فإنه وسط الجنة وأعلى الجنة وفوقه عرش الرحمن ومنه تفجر أنهَارُ الجنة) (١). ولذلك قال ابن القيم في هذا الحديث: (ومعلوم أن هذا مسْكن خاصة الخاصة وسادات العارفين، فسؤالهم إياه ليس عِلّةً ولا قدحاً فيه) (٢). وقال ﵀ عن الجنة:) (وقد حَضّ النبي ﷺ عليها أصحابه وأمته فَوصفها وجلاّها لهم ليخطبوها وقال: " ألا مشمرٌ للجنة!، فإنَّ الجنةَ لا خطر لها، هي وربِّ الكعبةِ نور يتلألأ، وريحانه تهتز، وقصْر مَشِيد، ونهر مُطَّرِد، وفاكهة كثيرة نَضِيجَة، وزوجة حسناء جميلة، وحُلَل كثيرة في مقامٍ أبداً، في حَبْرة ونضْرَة، في دُورٍ عاليةٍ سليمةٍ بَهيةٍ "، فقال الصحابة: نحن المشمرون لها. فقال ﷺ : " قولوا: إن شاء الله " (٣). إذاً ليس المراد الشَّطَح، وإنما المراد بيان حقيقة التوحيد والعبودية والفرقان

стр. 46

بين المخلوق مهما يكن حتى الحور العين وبين الخالق سبحانه المعبود الحق. وحتى لا يكون التعبُّد فقط لإحسان الله إلى عبده سواء في الدنيا أو الآخرة بل يكون لِذات المعبود سبحانه. ولذلك يقول ابن القيم ﵀: (المحبة المقصورة على إحسان الربِّ على عبده هي محبة العوام لأن مَنْشأها من الأفعال لا من الصفات والجَمال، ولوْ قُطِع الإحسان عن هذه القلوب لتَغيّرتْ وذهبت محبتها أو ضعفت فإن باعِثها إنما هو الإحسان، ومَن وَدَّكَ لأمرٍ ولىّ عند انقضائه، فهو برؤية الإحسان مشغول، وبتوالي النعم عليه محمول) انتهى (١). إن من الواجب علينا أن نتفقد أحوالَنا بِعِلْم لأن الفرق كبير بين فهمنا وفهوم سلف هذه الأمة. ولتعلم حقيقة كلام ابن القيم الأخير في ذَمّ المحبة المقصورة على الإحسان فقد قال أبو الدرداء ﵁: (من لم يعرف نعمة الله عليه إلا في مطعمه ومشربه فقد قلَّ علمه وحضر عذابه) (٢). وقال ابن أبي الحواري - رحمه الله تعالى -: سُئل أبو سليمان الداراني ﵀ وأنا حاضِر: ما أقرب ما يُتقرب به إلى الله ؟!،

стр. 47

فبكى ﵀!، ثم قال: (مثلي يُسأل عن هذا؟!، أقرب ما يُتقرب به إليه أن يطّلع على قلبك وأنت لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو) (١). وقال يحيى بن معاذ ﵀: (النُّسُك هو العناية بالسرائر وإخراج ما سِوى الله من القلب) (٢). وقال سهل بن عبد الله التستري ﵀: (ما من ساعة إلاَّ واللهُ سبحانه يطّلع فيها على قلوبِ العبادِ فأيُّ قلبٍ رأى فيه غَيره سلّط عليه إبليس!) انتهى (٣). والكلام في هذا الكتاب مداره على المعرفة بالله وبحقه وألا يتداخل حقه سبحانه بحق المخلوق، ولذلك قال ابن القيم في قول أبي فراس الحمداني في شِعْره: فليتكَ تحلُو والحياةُ مَرِيرةٌ ... وليتكَ ترضَى والأنامُ غِضَابُ وليتَ الذي بيني وبينكَ عامرٌ ... وبيني وبينَ العالمينَ خَرَابُ إذا صَحَّ منكَ الودُّ فالكلُّ هَيِّنٌ ... وكُلُّ الذي فوقَ الترابِ ترابُ (٤)

стр. 48

قال – ﵀ – عن هذه الأبيات: (أساء كل الإساءة في قوله إذْ يقوله لمخلوق لا يملك له ولا لنفسه نفعاً ولا ضراً) .. أيْ أن هذا لا يصلح إلا للهِ . وقد ذكر أهلُ العلمِ أنَّ مِنْ علامات العارفِ باللهِ أنه مستأنس بربه، مُسْتَوْحش ممن يقطعه عنه. وأن المعرفة بالله تعالى على ثلاثة أركان: الهيْبة، والحياء، والأُنس. وقالوا: (لكل شيء عقوبة وعقوبة العارف انقطاعه عن ذكر الله). وقال يحيى بن معاذ – ﵀: (يخرج العارف من الدنيا ولم يقضِ وطَره من شيئين: بكاءٍ على نفسه، وثناءٍ على ربه). قال ابن القيم: (وهذا من أحسن الكلام، فإنه يدل على معرفته بنفسه وعيوبه وآفاته، وعلى معرفته بربه وكماله وجلاله، فهو شديد الإزراء على نفسه لهج الثناء على ربه، ومَن عرف الله تعالى صفا له العيش، فطابت له الحياة، وهابَه كلُّ شيء، وذهب عنه خوف المخلوقين، وأنِسَ بالله؛ ومَن عرف الله قرّتْ عينه بالله، وقرّت عينه بالموت، وقرّت به كل عين، ومَن لم يعرف الله تقطع قلبه على الدنيا حسرات؛ ومَن عرف الله لم يبق له رغبة فيما سواه؛ ومَن ادّعى معرفة الله وهو راغب في غيره كذَّبَتْ رغبتُه معرفتَه، ومَن عرف الله أحبّه على قدر معرفته به وخافه ورجاه وتوكل عليه وأناب

стр. 49

إليه ولَهج بذكره واشتاق إلى لقائه واستحيا منه وأجَلّه وعظّمه على قدر معرفته به؛ والمعرفة حياة القلب مع الله. ومجالسة العارف تدعوك من سِتٍّ إلى سِتٍّ: من الشك إلى اليقين، ومن الرياء إلى الإخلاص، ومن الغفلة إلى الذكر، ومن الرغبة في الدنيا إلى الرغبة في الآخرة، ومن الكِبر إلى التواضع، ومن سوء الطويّة إلى النصيحة) (١). وقال بعض السلف: (مَن رَكَنَ إلى الدنيا أحرقته بنارها فصار رماداً تذروه الرياح، ومن ركن إلى الآخرة أحرقته بنورها فصار سبيكة ذهب يُنتفع به، ومن ركن إلى الله أحرقه نور التوحيد فصار جوْهراً لا قيمة له! (٢) (٣)؛ فانظر كيف فَرَّقتْ المعرفة بالله بين الركون إليه والركون إلى الآخرة. قال أبو زيد البحراني – ﵀: دخلت على عابد بالبحرين فإذا هو مكبوب على وجهه ويقول: (وعزتك يا حبيبي لقد أذاب قلبي الشوقُ إلى النظرِ إلى وجهك الكريم)، قال: فأبكاني واللهِ، فلم يلبث بعد ذلك إلا أياماً حتى مات - رحمه الله تعالى -؛ فرأتْ امرأةٌ من أهله كأنها دخلت الجنة وقد زُخرفتْ، فقالت: لِمن زُخرفت الجنة؟!؛ فقالوا: لولي من أولياء الرحمن قد مات البارحة؛ فقالت: فخرج وعلى يده كوب ياقوت، فلما

стр. 50

رأيته بُهِتُّ – أيْ دُهِشْت -!، فقال: (لن تراعي!، إنما هي الجنة للمليك يُتحف بها من أحبَّ من عباده)، قالت: قلت بأبي أنتَ! .. بِمَ نِلْتَ هذه المنزلة من الله؟!، قال: (بمحبته وإيثار محابِّه عز َّوَجل). قال أبو سليمان الداراني: (لوْ لم يكن لأهل المعرفة إلا هذه الآية الواحدة لاكْتفوا بها: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ ? إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ (١) (٢). وقال أحمد بن أبي الحواري: سمعت أبا سليمان الداراني يقول: أي شيء أراد أهل المعرفة؟!، واللهِ ما أرادوا إلا ما سأل موسى ﵇ (٣)؛ يريد قوله: ﴿قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾ (٤). وكان سعيد بن علقمة من نُسَّاكِ النخع وكانت أمه طائية؛ قالت: كان بيننا وبين داود الطائي جدار قصير، فكنت أسمع حنينه عامّة الليل لا يهدأ، قالت: ولربما سمعته في جوف الليل يقول: (اللهم همّك عطّل عليَّ الهموم وحال بيني وبين السُّهاد، وشوقي إلى النظر إليك منع مني اللذات والشهوات فأنا في سجنك أيها الكريم مطلوب)، قالت: (ولربما ترنّم في السحر بشيء من القرآن فأرى أن جميع نعيم الدنيا جُمع في ترنّمه تلك الساعة) (٥).

стр. 51

وقال عبد العزيز بن محمد: رأيت فيما يرى النائم كأنّ قائلاً يقول: مَنْ يحضر مَنْ يحضر؟!؛ فأتيته، فقال لي: ما تريد؟!، فقلت: سمعتك تقول: مَنْ يحضر مَنْ يحضر؟!، فأتيتك أسألك عن معنى كلامك، فقال لي: أما ترى القائم الذي يخطب الناس ويخبرهم عن أعلى مراتب الأولياء، فأدْرِكْ فلعلك تلحقه وتسمع كلامه قبل انصرافه، قال: فأتيته فإذا الناس حوْله وهو يقول: ما نالَ عَبْدٌ مِنَ الرحمنِ منْزِلَةً ... أعلَى مِنَ الشوقِ إنَّ الشوقَ محمودُ! قال: ثم سَلّم ونزل؛ فقلت لرجل إلى جنبي: مَنْ هذا؟!؛ فقال: أمَا تعرفه؟!؛ فقلت: لا؛ فقال: هذا داود الطائي؛ فعجبت في منامي منه؛ فقال: أتعجب مما رأيت!، واللهِ لَلَّذي لداود عند اللهِ أعظمُ من هذا وأكثر! (١). ورأى إبراهيم بن أدهم في المنام كأنّ جبريل ﵇ قد نزل إلى الأرض، فقال له إبراهيم: لِمَ نزلت إلى الأرض، قال: لأكتب المحبين. قال: مثل مَن؟! قال: مثل مالك بن دينار وثابت البناني وأيوب السخّتياني، وعَدَّ جماعات. قال إبراهيم: أنا منهم؟! قال: لا؛ فقلت: فإذا كتبتهم فاكتب تحتهم: محبٌ للمحبين. قال: فنزل الوحي: أكتبه أولهم! (٢).

стр. 52

وقبل سنتين ونصف تقريباً حدثني أحد الإخوان في الله أن صاحباً له كان ممن مَنَّ الله عليه بمعرفته والشوق إليه والإقبال عليه، وكان كلما جلس في مجلس وسمع البعض يتكلمون فيه عن الحور العين والشوق إليهن قال لهم متعجباً: أفلا أدلكم على ما هو أعظم من الحور العين؟!، فيسألونه بتعجب عن ذلك وقد كانوا غافلين عنه!. فيقول لهم: إن رؤية الله تعالى والشوق إليه أعظم نعيماً من الحور العين والشوق إليهن!. وفي حدود عام ١٤٢٣هـ توفي ذلك الرجل الصالح، فرآه أحدُ أصحابه في المنام بعد أيام من وفاته فسأله: أين أنت الآن؟، فقال: أنا في الجنة بحمد الله؛ فقال له الرائي: هل تصف لنا الجنة وحورها الحسان؟. فقال له: ويحك!، أفَلاَ تسألني عن رؤية الله تعالى!، ثم قال: (والله لقد أعطاني الله أن أرى وجهه الكريم متى ما أردتُّ!) انتهى. فتأمل ذلك!، ولا عجب فقد جاء في حديث صهيب الرومي ﵁ – الذي تقدم ذكره أن رسول الله ﷺ قال في رؤية أهل الجنة لربهم - سبحانه وبحمده -: (فَمَا أُعطُوا شَيئاً أحَبّ إليهِمْ مِنَ النَّظَرِ إلى رَبِّهِمْ) (١)، وقال الإمام ابن القيم ﵀: (الشوق إلى مجرد الأكل والشرب والحور العين في الجنة ناقص جداً بالنسبة إلى شوق المحبين لله تعالى، بل لا نسبة له إليه البتة!) انتهى (٢).

стр. 53

وقال الإمام ابن الأثير ﵀: (رؤية الله هي الغاية القصوى في نعيم الآخرة، والدرجة العليا من عطايا الله الفاخرة، بلغنا الله منه ما نرجو) انتهى (١). ولذلك فإن الملائكة ﵈ لا يأكلون ولا يشربون وليست لهم شهوة إلى النساء، ومع هذا فهم في نعيم لا يبلغه وصفنا من قربهم لربهم وحبهم له وشوقهم إليه!. وبهذه المناسبة فقد أورد الإمام ابن رجب ﵀ – أبياتاً رقيقة في محبة الله تعالى لأحد العارفين، يقول فيها (٢): هَنِيئاً لِمَنْ أضْحَى وَأنتَ حَبِيبُهُ ... وَلَوْ أنَّ لَوْعات الغرَامِ تُذِيبُهُ وَطُوبَى لِصَبٍّ أنتَ سَاكِن سِرِّهِ ... وَلَوْ بَانَ عنهُ إلفُهُ وَحَبِيبُهُ وَمَا ضَرَّ صَباً أن يَبِيتَ وَمَا لَهُ ... نصِيبٌ مِنَ الدُّنيَا وأنتَ نَصِيبُهُ ... فمَا ضرَّهُ في الناسِ مَن يَستغيبُهُ ... وَيَا مَرَضاً فِي القلْبِ أنتَ طَبيبُهُ ... إذا لَمْ تُجِبْهُ أنتَ مَنْ ذا يُجيبُهُ!. ... . وَمَنْ تكُ رَاضٍ عَنْهُ في طَيِّ غَيْبهِ ... فَيَا عِلَّةً في الصَّدْرِ أنتَ شِفَاؤهَا ... عُبَيْدُكَ فِي بَابِ الرَّجَا مُتَعَلِّقٌ ... . وعن أبي سليمان الداراني ﵀ قال: حدثني سعيد الأفريقي، قال: (كنت ببيت المقدس مع أصحاب لي في المسجد، فإذا أنا بجارية عليها

стр. 54

درع شعر وخمار من صوف، فإذا هي تقول: إلهي وسيدي ما أضْيق الطريق على مَن لَمْ تكن دليله وأوْحش خلْوة من لم تكن أنيسه!. فقلت: يا جارية ما قطع الخلق عن الله ؟!، فقالت: حبُّ الدنيا إلاّ أن للهِ عباداً أسقاهم من حُبِّه شربةً فَوَلَهَتْ قلوبهم فلم يُحبوا مع الله غيره) انتهى (١). وقال ابن القيم ﵀: (وهل تعلّقت المحبة بموجود مُحْدَث إلا لِكمال في وجوده بالنسبة إلى غيره؟!، وهل ذلك الكمال إلا من آثار صُنع الله الذي أتقن كل شيء؟!، وهل الكمال كله إلا له؟!. فكل مَن أحبّ شيئاً لِكمالِ ما يدعوه إلى محبته فهو دليل وعبرة على محبة الله وأنه أوْلى بكمال الحب من كل شيء. ولكن إذا كانت النفوس صغاراً كانت محبوباتها على قدرها!، وأما النفوس الكبار الشريفة فإنها تبذل حبها لأجَلّ الأشياء وأشرفها) (٢). إذاً لابد من العلم بصفات المعبود الحق سبحانه لأن المحبة تابعة للشعور، ولذلك فإن المنكِر لوجوده سبحانه لا يُشعر به، أما المسلم فيُشعر بوجوده بقدر علمه به سبحانه، والتفاوت بين المسلمين في ذلك كبير، والعمل الصالح المقبول يُقوّي الشعور جداً.

стр. 55

قال ذو النون المصري: (بينما أنا أسير على ساحل البحر إذْ بَصرتُ بجارية عليها أطمار شعر، وإذا هي ذابلة ناحلة، فدنوت منها لأسمع ما تقول وإذا هي متصلة الأحزان بالأشجان، وعصفت الرياح وأنا واقف عندها فاضطربت الأمواج، فصرختْ ثم سقطتْ على الأرض. فلما أفاقت نَحَبَتْ، ثم قالت: يا سيدي بِكَ تفرّد المتفردون في الخلوات، ولعظمتك سَبّحتْ الحيتان في البحار الزاخرات، ولجلال قُدْسِك اصطفقت الأمواج المتلاطمات .. أنتَ الذي سجد لك سواد الليل وضوء النهار، والفَلَك الدّوْار، والبحر الزَّخّار، والقمر النوّار .. يا مُؤنِسُ الأبْرَارِ فِي خَلَوَاتِهَا يا خَيْر مَنْ حَطّتْ بِهِ النُّزَّالُ! ثم شهقت شهقة فإذا هي قد فارقت الدنيا!. فبقيت أتعجب مما رأيت منها، فإذا بِنِسْوةٍ قد أقبلنَ عليهنَّ مدارع الشعر فاحتملنها فغيّبْنَهَا عني، فغسّلنها ثم أقبلن بها في أكفانها، فقلن لي: تقدم فصلِّ عليها، فتقدمت فصليت عليها، ثم احتملنها ومضيْن) انتهى (١)؛ والمراد هو الكلام على المعرفة بالله سبحانه وأنها هي التي تُوجب مع التوفيق صفاء المعاملة.

стр. 56

قال ابن القيم ﵀: (هذا الصِّدِّيق يمسك بلسانه ويقول: هذا أوردني الموارد!، وعمر يناشد حذيفة: هل أنا منهم؟!، والمخلِّط على بساط الأمن!. يا من يستعظم أحوال القوم تنقل في المراقي تصل، مَن جمع بين العلم بالسنة ومتابعتها أَنْتَجَا لَهُ المعاني البديعة، فهي تنادي على رؤوس الأشهاد: وُلدتُ من نكاح لا من سفاح!، ومَن قرَن بين البدعة والهوى أنْتجا له ضروب الهذيان، فهي تنادي على رؤوس الأشهاد: أيها الفَطِن لا تغتر!. تقف في صلاتك بجسدك وقد وجّهت وجهك إلى القبلة ووجهت قلبك إلى قِطْرٍ آخر!، ويْحك ما تصلح هذه الصلاة مهر الجنة فكيف تصلح ثمناً للمحبة؟!، إما أن تصلي صلاةً تليق بمعبودك وإما أن تتخذ معبوداً يليق بصلاتك. استغث بمقلب القلوب يُعينك، فإن تأخرت الإجابة فابْعث رائد الانكسار خلفها تجده عند المنكسرة قلوبهم!. اللطف مع الضعف أكثر، فتضاعف ما أمكنك. لا تنس العناية بالسحرة جاءوا يحاربونه ويحاربون رسله وخُلَعُ الصُّلح قد فُصِّلت وتيجان الرضى قد وُضعِت.

стр. 57

لَمَّا غَلَبَت عليهم المحبةُ صُلبوا في جذوع النخل، واعجباً لِعَزَماتٍ ما ثناها ﴿لأَُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلاَفٍ﴾ (١) سَجَدوا له سجدةً واحدةً فمَا رفعوا رؤوسهم حتى رأوا منازلهم من الجنة!، فغلبهم الوجْدُ وتمكن منهم الشوق فقالوا: ﴿فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ (٢): تَمُرُّ الصَّبا صُبحاً بساكن ذي الغضا قريبةُ عَهْدٍ بالحبيب وإنما ... ويُصدَع قلبي أن يَهب هبوبُها هوى كلّ نفْس أينَ حَلّ حبيبُها ضيف المحبة مالَه قِرى إلا المُهج، إذا رأيت محباً ولم تَدْرِ لمن حُبه، ضع يدك على نبْضه وسَمِّ له من تُطبِّه به فإن النبض ينزعج عند ذكره .. ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ (٣). إحذر معاشرة البطَّالين فإن الطبعَ لِصّ .. لا تُصادقَنَّ فاسقاً ولا تَثِق إليه فإن مَن خان أوَّلَ مُنعمٍ عليه لا يفي لك. ويحك لا تحقر نفْسَك فالتائبُ حبيبٌ والمنكسر صحيحٌ، إقرارك بالإفلاس عين الغنى، تنكيس رأسك بالندم هو الرفعة، اعترافك بالخطأ نفس الإصابة. عُرضت سلعةُ العبوديةِ في سوقِ البيع فَبَذَلت الملائكةُ نَقْد: ﴿وَنَحْنُ

стр. 58

نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ﴾ (١) فقال آدم: ما عندي إلا فلوس الإفلاس نقشها: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا﴾ (٢). فقيل: هذا الذي ينفق على خزانة الخاص، أنِين المذنبين أحب إلينا من زَجَل المسبحين!. لو أبصرت طلائعَ الصِّدِّيقين في أوائل الركب أو سمعت استغاثة المحبين في وسط الركب أو شاهدت ساقة المستغفرين في آخر الركب لعلمت أنك قد انقطعت تحت شجرة أم غيلان، واحَسْرتا لمنقطع دون الركب يعد المنازل .. أعُدُّ الليالِي لَيْلَةً بَعْدَ لَيْلَةٍ ... وَقَدْ عِشْتُ دَهْراً لا أَعَدُّ اللَّياليا وَقَدْ يَجْمَعُ الله ُالشَّتِيتِيْنِ بَعْدَمَا ... يَظُنَّانِ كُلَّ الظَّنِّ أن لاَ تلاَقيا إلى متى الرَّوَاح في الهوى والتغليس؟!، وحتى متى السعي في صحبة إبليس؟!، وكم بَهْرَجَة في العمل وتدليس؟!. أين أقرانك!، هل تسمع لهم من حسيس، أمَا علمت أنهم اشتد ندمُهم وحسرتُهم على إيثار الخسيس!، تالله لقد وَدّوا لو كانوا طلقوا الدنيا قبل المسيس ..

стр. 59

عينُ المنبِّه تُغضي غير مُطْرقةٍ ... وطرْف مطلوبها مُذْ كَانَ وَسْنانُ جَهْلاً تمكَّنَ منهُ حِينَ مَوْلدهُ ... فالنطقُ صاحَ ولبُّ المرءِ سكرانُ لوْ سُقي الحنظل بماء السُّكَّرِ لم يخرج إلا مُرّا. شجر الأثل والصفصاف والحَوْر ونحوها ولوْ دام الماء في عروقها لا تثمر أبداً .. سحاب الهوى قد طبّق بَيْداء الأكوان وأمطر مشارق الأرض ومغاربها ولكن قيعان قلبك لا تمسك ماءاً ولا تنبت كلأً، ومع هذا فلا تيأس. يا من هبّت على قلبه جنوبُ المجانبة فتكاثفت عليه غيوم الغفلة فأظلم أُفُقُ المعرفة: لا تيأس!، فالشمس تحت الغيم، لوْ تصاعد منك نَفَسُ أسَفٍ استحالت شمالاً فتقطع السحاب فبانت الشمس تحته. رَميْتَ صخرة الهوى على ينبوع الفطنة فاحتبس الماءُ فإن لم تُطق رَفْعَها فانِقب حولها لعل ينابيع الماء تتفجر. عشاق الدنيا بين مقتول ومأسور .. ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً﴾ (١). يا طالبي العلم! .. قد كتبتم ودرستم فَلَوْ طَلَبَكُم العلمُ في بيت العمل فُلِّسْتُم، وإن ناقشكم الإخلاص أفْلسْتم!.

стр. 60

شجرة الإخلاص أصلها ثابت لا يضرها زعازع .. ﴿أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾؟! (١). عمل المرائي بَصَلَة كلها قشور!، المرائي يحشو جراب الزُّوَادة رملاً يُثقله في الطريق وما ينفعه!، ريح الرياء جيفة تجافاها مَشَامُّ القلوب) انتهى (٢). وقال ﵀ كلاماً يُفسِّر المعاني المرادة بهذا الكتاب. قال: (إذا كانت مشاهدة مخلوق يوم ﴿اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ﴾ (٣) استغرقت إحساس الناظرات فقطّعن أيديهن وما شعرن، فكيف بالحال يوم المزيد!) انتهى (٤). يوضح هذا قول عبد الرحمن بن أبي ليلى ﵀ الآتي: (كأن ذا لم يكن شيئاً فيما رأوه). وارجع في التأمل في حديث صهيب ﵁: (فَمَا أُعطُوا شَيئاً أحَبّ إليهِمْ مِنَ النَّظَرِ إلى رَبِّهِمْ) (٥). قيل لعبد الرحمن بن أبي ليلى: أرأيت قوله: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى

стр. 61

وَزِيَادَةٌ﴾ (١) قال: إن أهل الجنة إذا أُعطوا فيها ما أُعطوا من الكرامة والنعيم نودوا: يا أهل الجنة إن الله وعدكم الزيادة!، فيتجلى لهم. قال ابن أبي ليلى – ﵀: فما ظنك حين ثقلت موازينهم وحين صارت الصحف في أيمانهم، وحين جاوزوا جسر جهنم وأُدخلوا الجنة وأُعطوا ما فيها ما أُعطوا من الكرامة والنعيم كأن ذا لم يكن شيئاً فيما رأوه) انتهى (٢). وقد قال ضيغم الحلاَّب عن محبة الله تعالى ورؤيته : (إن حُبَّه شغل قلوب مريديه عن التلذذ بمحبة غيره، فليس لهم في الدنيا مع حُبهِ لذة، ولا يأملون في الآخرة من كرامته الثواب أكثر عندهم من النظر إلى وجهه الكريم) انتهى (٣). وقال ذو النون المصري: (قرأت في التوراة أن الأبرار الذين يؤمنون، والذين في سبيل خالقهم يمشون، وعلى طاعته يقبضون .. أولئك إلى وجه الجبار ينظرون، فغاية أمل الآمِلِ المحبِّ الصادقِ النظر إلى وجه الله الكريم فلا ينعمهم في مجلسهم بشيء أكبر عندهم من النظر إلى وجهه) انتهى (٤).

стр. 62

وأنشدَ يحي بن معاذ وغَيرُه: كُلُّ مَحْبوبٍ سِوَى اللهِ سَرَفْ ... وهُمُومٌ وغمُومٌ وأسَفْ كُلُّ مَحْبُوبٍ فَمِنْهُ خَلَفٌ ... ما خَلاَ الرَّحمنِ مَا مِنْهُ خَلَفْ ... لاَ بِدَارٍ ذاتِ لَهْوٍ وتَرَفْ إنَّ ذَا الْحُبِّ الَّذِي يُعْنَى بِهِ ... لاَ ولاَ الحوْرَاءِ مِنْ فَوْقِ غُرَفْ! ... ظَهَرَتْ مِنْ صَاحِبِ الْحُبِّ عُرِفْ ... ذاهبُ الفِكْرِ وباللهِ كَلِفْ لاَ ولاَ الفِرْدوسِ لايألفُهَا ... حُبُّهُ غَايَةُ غايَاتِ الشَّرَفْ إنَّ لِلْحُبِّ دَلاَلاَتٌ إذا ... وَعَلاَهُ الشَّوْقُ مِمَّا قَد كَشَفْ هَمُّهُ فِي اللهِ لاَ في غَيْرِهِ ... وأمَامَ اللهِ مَوْلاَهُ وَقَفْ دائمُ التِّذكارِ مِنْ حُبِّ الذي ... فإذا أمْعَنَ فِي الْحُبِّ لَهَى ... بَاشَرَ الْمِحْرَابَ يَشكُوُ بثَّهُ ... قائِماً قُدَّامَهُ مُنْتِصِباً ... رَاكِعاً طَوْراً، وطَوْراً سَاجِداً ... لَهِجاً يَتلُو بآيَاتِ الصُّحُفْ باكِياً والدَّمْعُ للهِ يَكِفْ (١) وقال بعضهم عن العارفين بالله وما أثمر لهم حبُّهُم لَربهم : قُلُوبُ العارفينَ لَهَا عيُونٌ ... تَرَى ما لا يَرَاهُ النَّاظِرُونَا (٢) ... تَغِيبُ عَنِ الكِرامِ الكاتبينا وَألْسِنَةٌ بأسْرارٍ تُنَاجِي ... إلَى مَلكُوتِ رَبِّ العَالمينَا وأجْنِحَةٌ تَطِيرُ بغيْرِ رِيشٍ ... دَنوْا مِنْهُ فَصَارُوا وَاصِلِينَا عِبَادٌ أَخْلَصُوا للهِ حَتَّى

стр. 63

وقال أبو الوفاء القزويني وغيره في وصف العارفين بالله تعالى المحبين له: تشَاغلَ قَوْمٌ بِدنياهُمُ ... وَقَوْمٌ تَخَلَّوْا لِمَوْلاَهُمُ فَألزَمَهُمْ بَابَ مَرْضَاتِهِ ... وَعَنْ سَائِرِ الْخَلْقِ أَغْنَاهُمُ فَمَا يَعْرفُونَ سِوَى حُبِّهِ ... وَطَاعَتِهِ طُولَ مَحْيَاهُمُ يَصُفُّونَ بالليلِ أَقْدَامَهُمْ ... وَعَيْنُ المُهَيْمِنِ تَرْعَاهُمُ فَطَوْراً يُنَاجُونهُ سُجَّداً ... وَيَبْكُونَ طَوْراً خَطَايَاهُمُ إِذَا فَكَّرُوا فِي الَّذِي أَسْلَفُوا ... أَذَابَ القُلُوبَ وَأَبكَاهُمُ وَإِنْ يَسْكُنِ الْخَوْفُ لاَذُوا بِهِ ... وَبَاحُوا إِلَيْهِ بِشَكْوَاهُمُ وأضحَوْا صِيَاماً عَلَى جَهْدِهِمْ ... هُمُ القومُ أَعطَوْا مَلِيكَ الْمُلُوك ... تَبَارَكَ مَنْ هُوَ قَوَّاهُمُ هُمُ الْمُجْتَبَوْنَ بنياتهمْ ... صِدْقَ القُلُوبِ فَوَالاَهُمُ وأَسْكَنَهُمْ فِي فَرَادِيسِهِ ... أرادوا رِضَاهُ فأعْطَاهُمُ فَنَالُوا المُرَادَ بِرُؤيَتِهِ ... وَأَعلاَ المنازِلِ بَوَّاهُمُ فَطُوبَى لَهُمْ ثُمَّ طُوبَاهُمُ (١) وقال أبو عبدالله الحكيم الترمذي: (فأما أهلُ المعرفةِ وهم المقرَّبون فغمومهم من البقاء في الدنيا، فإنّ الدنيا "سِجْن" المقربين ينتظرون متى الراحة منها، وهو قول رسول الله ﷺ : " الدنيا سجن المؤمن " (٢)، وأما أحزانهم فمن ظمأ الشوق إلى الله ، فهذان الصنفان لم ينفكوا من الغموم

стр. 64

والأحزان، وسائرهم مخلِّطون بطَّالون لِعُمُرِهم غافلون .. عن الآخرة سكارى حيارى .. سكارى عن وعده ووعيده .. حيارى في سيرهم إليه وركض الليل والنهار بهم إلى الله تعالى، فهُمُ الذين يفزعون من غموم الدنيا ورين الذنوب المعذبة لقلوبهم في ظلمات سجون المعاصي إلى المرجاح تلهياً وتلعباً، يتفرَّجون ويتنشطون ويتلبسون ويلتمسون النزهة ونسِيمَها ولا يعلمون أن النزهة في نزاهة القلوب وتطهيرها من آفاتِ النفْسِ وخدعِها ورينِ الذنوب حتى يجدوا نسيمَ الملكوتِ وروْحَ قُربِ الله تعالى على قلوبهم في عاجل دنياهم .. روي عن رسول الله ﷺ أنه قال: (الإيمان حلوٌ نزه فنزهوا) (١)، فإذا التمس العبدُ هذه النزهة فهو نور على نور، والقلب مشحونٌ بالنور، والصدر مشرق بالنور، يعلم من ربه ويعلم ما مَنَّ به عليه ربُّه وهو عنه غَنِىٌّ ولكنه رحِمَه فمَنَّ عليه مما يرى عنده، فأيُّ فرَحٍ يتسع مع هذا الفرح في قلب!، وكيف يبقى في قلب فيه هذا الفرح بالله متسعٌ للفرح بالدنيا وأحوالها!، فالقلوب التي تعتوِرُها غمُومُ الآخرةِ هي نورانية تنفرج بتلك الأنوار التي يطالع بها الآخرة وعظيم الرجاء من عند الماجد الكريم، وأما القلوبُ التي تعتوِرُها ظُلماتُ المعاصي فهي قلوبٌ مُعذَّبةٌ ونفوسٌ لَقِسة (٢)، وجوارح كَسِلة،

стр. 65

يريدون أن يسترْوِحُوا إلى مثل هذه الأشياء من الملاهي ويتنفَّسُوا في فسيح النُّزُهات وقد أخذت غموم النفْسِ بأنفاسهم وجَرَّعَتْهُم الغيْظَ في أنهم لا يصِلُون إلى مُناهم على الصفاء!) (١)؛ فتأمل ذلك، وكيف هو الفرق كبيرٌ جداً بين نعيم المحبين لله تعالى وبين لذاتِ أهل الشهوات المسمومة!. هذا، وقد قال ابن القيم في أمر الرحمن خليله إبراهيم بذبح ولده إسماعيل ﵉: (مَنْصِبُ الخُلَّةِ منصبٌ لا يقبل المزاحمة بغير المحبوب، وأخذ الولد شُعْبة من شِعاب القلب، غار الحبيب على خليله أن يسكن غيره في شُعْبةٍ من شعاب قلبه فأمره بذبحه، فلما أسلم للامتثال خرجت تلك المزاحمة وخلصت المحبة لأهلها، فجاءته البشرى: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ (٢) .. ليس المراد أن يُعَذِّب ولكن يبتلي لِيُهَذِّب، ليس العجب من أمر الخليل بذبح الولد إنما العجب من مباشرة الذبح بيده!؛ ولَوْلا الاستغراق في حُبِّ الآمِرِ لَمَا هانَ مثل هذا المأمور، فلذلك جُعلت آثارُها مثابة للقلوب تحنّ إليها أعظم من حنين الطيور إلى أوْكارها) (٣). وقال ﵀ في هذه الآثار التي جعلها الله مثابة للقلوب: (وهذا يدُلُّك على الاعتناء منه سبحانه بهذا البيت العظيم، والتنويه بذكره، والتعظيم لشأنه، والرفعة من قدره، ولَوْ لم يكن له شرف إلا إضافته إياه إلى نَفْسه

стр. 66

بقوله: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ﴾ (١) لكفى بهذه الإضافة فضلاً وشرفاً. وهذه الإضافة هي التي أقبلت بقلوب العالمين إليه وسَلَبَتْ نفوسهم حباً له وشوقاً إلى رؤيته، فهو المثابة للمحبين يثوبون إليه ولا يقضون منه وطراً أبداً، كلما ازدادوا له زيارة ازدادوا له حباً وإليه اشتياقاً، فلا الوصال يشفيهم ولا البعاد يُسْليهم كما قيل: أطوفُ بهِ والنفسُ بَعْدُ مَشُوقةٌ ... إليهِ، وهلْ بعدَ الطَّوافِ تَدَاني وألثمُ منهُ الركنَ أطلبُ بَردَ مَا ... بقلبيَ مِنْ شوقٍ ومِن هَيَمَاني فوَ اللهِ مَا أزدادُ إلاَّ صَبَابة ... ولا القلبُ إلا كثرةُ الخفقانِ فيا جنة المأوى ويا غاية المنى ... ويا منيتي مِنْ دونِ كلِّ أمانِ أبَتْ غلبَاتُ الشوقِ إلا تقرباً ... إليكَ فمالي بالبِعادِ يَدانِ وما كان صَدّي عنك صَدُّ مَلالةٍ ... ولي شاهدٌ مِنْ مُقلتي ولساني دعوتُ اصطباري عنك بعدك والبكا ... فَلَبّى البكا والصبرُ عنكَ عصاني وقد زعموا أن المحبَّ إذا نأى ... سيَبْلَى هواهُ بَعدَ طُولِ زمَانِ ولوْ كان هذا الزعمُ حقاً لكانَ ذا ... دواءُ الهوى في الناسِ كُلّ أوانِ بلى إنَّهُ يَبْلَى التصبُّرُ والهوَى ... علَى حالهِ لم يُبْلِهِ الملَوَانِ (٢) وهذا محبٌّ قادَهُ الشوقُ والهوَى ... بغيرِ زِمامٍ قائدٍ وَعِنَانِ أتاكَ على بُعْدِ المَزارِ ولَوْ وَنَتْ ... مطيَّتُه جاءتْ بهِ القَدَمَان

стр. 67

واعلم أن مدار معرفة الله سبحانه على ما وصف به نفسه سبحانه ووصفه به رسوله ﷺ ، ولذلك يقول العلماء عنه : (كلّ ما خطر ببالك فهو على خلاف ذلك)، وهم يريدون بذلك أن الكُنْهَ والكيْفَ لله تعالى لا يدركه البشر في الدنيا لعدم المثيل والنظير. ولذلك يقول عمرو بن عثمان المكي ﵀: (واعلم رحمك الله أن كل ما تَوَهّمَه قلبُك أوْ رسخ في مجاري فكرتك أوْ خطر في معارضات قلبك من حُسْن أوْ بَهاء أو إشراق أو ضياء أو جمال، أو شبحٍ ماثِل أو شخصٍ متمثّل فالله بخلاف ذلك كله، بل هو تعالى أعظم وأجلَّ وأكمل؛ ألم تسمع إلى قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (١) وقوله : ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ (٢) أي لا شبيه ولا نظير ولا مساوي ولا مثل، وقِفْ عند خبره مسلِّماً مستسلماً، مذعناً مصدقاً بلا مباحثة التنقير، ولا مفاتشة التفكير جَلّ الله وعلا الذي ليس له نظير ولا يبلغ كنه معرفته خالص التفكير، ولا تحويه صفة التقدير، السموات مطويات بيمينه، والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة، أقام لِقلوب الموقنين حداً يمسكه التسليم عن التيه في بحور الغيوب المضروبة دون ذي الجلال والكبرياء فشكر لهم تسليمهم واعترافهم بالجهل بما لا علم لهم به وسَمّى ذلك منهم رسوخاً وربانية وإيماناً فقال تعالى: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ

стр. 68

عِنْدِ رَبِّنَا﴾ (١) وما أخبر عن ملائكته إذْ قالوا: ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ (٢) عجزت الملائكة المقربون أن تحدّ أحسن الخالقين، أو تُكيِّف صفة رب العالمين، فهم خشوع خضوع خنوع ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ﴾ (٣) انتهى (٤). ولتمام الفائدة وما نحن بصدده من معرفة الرب فإننا نذكر هنا إشارة إلى رؤيته سبحانه في المنام من كلام شيخ الإسلام – ﵀. قال: (كذلك فالإنسان قد يرى ربه في المنام ويخاطبه، فهذا حق في الرؤيا، ولا يجوز أن يعتقد أن الله في نفسه مثل ما رأى في المنام فإن سائر ما يرى في المنام لا يجب أن يكون مماثلا ولكن لا بد أن تكون الصورة التي رآه فيها مناسبة ومشابهة لاعتقاده في ربه، فإن كان إيمانه واعتقاده مطابقا أتي من الصور وسمع من الكلام ما يناسب ذلك وإلا كان بالعكس. قال بعض المشايخ: إذا رأى العبد ربه في صورة كانت تلك الصورة حجاباً بينه وبين الله. وما زال الصالحون وغيرهم يرون ربهم في المنام ويخاطبهم، وما أظنّ

стр. 69

عاقلاً يُنكر ذلك، فإن وجود هذا مما لا يمكن دفعه إذِ الرؤيا تقع للإنسان بغير اختياره، وهذه مسألة معروفة، وقد ذكرها العلماء من أصحابنا وغيرهم في أصول الدين) (١). وقال: (والنقل بذلك متواتر عمن رأى ربه في المنام) (٢). وقال: (ليس في رؤية الله في المنام نقص ولا عيب يتعلق به ، وإنما ذلك بحسب حال الرائي وصحة إيمانه وفساده واستقامة حاله وانحرافه وقول من يقول ما خطر بالبال أو دار في الخيال فالله بخلافه، ونحو ذلك إذا حُمِل على مثل هذا كان محملاً صحيحاً، فلا نعتقد أن ما تخيله الإنسان في منامه أو يقظته من الصور أن الله في نفسه مثل ذلك، فإنه ليس هو في نفسه مثل ذلك بل نفس الجن والملائكة لا يتصورها الإنسان ويتخيلها على حقيقتها، بل هي على خلاف ما يتخيله ويتصوره في منامه ويقظته وإن كان ما رآه مناسباً مشابهاً لها، فالله تعالى أجل وأعظم) انتهى (٣). هذا، وليس من التكرار ذكر العشق وأنه من أعظم ما يقطع عن الله لكثرة البلوى به في هذا الزمان ولِتَوفر أسبابه، فتأمل الآن ما قاله ابن القيم وانظر الواقعَ المخيف.

стр. 70

قال ﵀: (قال بعض العلماء: ليس شيء من المحبوبات يسْتوعب محبة القلب إلا محبة الله أوْ محبة بشر مثلك؛ أما محبة الله فهي التي خُلق لها العباد، وبها غاية سعادتهم وكمال نعيمهم؛ وأما البشر المماثل من ذكر أو أنثى فإن فيه من المشاكلة والمناسبة بين العاشق وبينه ماليس مثله بينه وبين جنس آخر من المخلوقات، ولهذا لا يُعرف في محبة شيء من المحبوبات المخالفة للمحب في الجنس ما يُزيل العقل ويُفسد الإدراك ويُوجب انقطاع الإرادة لغير ذلك المحبوب، وإنما يُعرف ذلك في محبته لجنسه) انتهى (١). يريد ابن القيم ﵀ أنه وإن كان حب المال والرياسة ونحو ذلك من المحابِّ التي يُبتلى بها أربابُ القلوبِ الفارغةِ من محبة الله عظيماً في القلوب يصرفها عن المحبة التي خلقت لها إلاّ أن محبة البشر المماثل تستحوذ على القلب وتسْتوعب محبته كلها كما قال ﵀ أن قلب العاشق ليس فيه موضع لغير معشوقه كما قيل: ما في الفؤاد لغير حبك موْضعٌ ... كلا ولا أحَدٌ سواك يَحُلّهُ ثم قال بعد الكلام السابق: (فتستوعب قلبه، وتسلب لُبَّه، ويصير لمعشوقه سامعاً مطيعاً كما قيل: إنَّ هواكَ الذي بقلبي ... صَيَّرني سامِعاً مُطيعاً

стр. 71

ويقوى هذا السمع والطاعة عند كثير من العشاق حتى يبذل نفْسَه ويُسْلِمها للتلف في طاعة معشوقة، كما يبذل المجاهد نفسه لربه حتى يُقتل في سبيله. وإذا كان النبي ﷺ قد قال: " مُدْمن الخمر كعابد وثن " (١)، ومَرّ عليُّ ابن أبي طالب ﵁ بقومٍ يلعبون بالشطرنج فقال: " ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون ". فما الظن بالعاشق المتيّم الفاني في معشوقه؟!) انتهى (٢). وقال – ﵀: (والفتنة بعشق الصُّوَر تنافي أن يكون دين العبد كله لله بل ينقص من كوْن دينه لله بحسب ما حصل له من فتنة العشق، وربما أخرجتْ صاحبه من أن يبقى معه شيء من الدين لله) انتهى (٣)، وقال أيضاً: (وكذلك فتنة العشق من أعظم الفتن). وقال بعضُ أهلِ العلم: (وكم أكبَّت فتنة العشق رؤوساً على مناخرها في الجحيم، وأسلمتهم إلى مقاساةِ العذاب الأليم، وجَرَّعَتْهُم بين أطباق النار

стр. 72

كؤوس الحميم؛ وكم أخرجت من شاء الله من العلم والدين كخروج الشعرة من العجين؛ وكم أزالت من نعمة وأحلت من نقمة؛ وكم أنزلت مِن مَعقِلِ مَن عِزُّهُ عزيزاً فإذا هو من الأذلين، ووضعَت مِنْ شريفٍ رفيع القدر والمنصب فإذا هو في أسفل السافلين؛ وكم كشفت من عورة، وأحدثت من روعة، وأعقبت من ألم، وأحلت من ندم؛ وكم أضرمت من نار حسراتٍ أحرقت فيها الأكباد وأذهبت قدراً كان للعبد عند الله وفي قلوب العباد؛ وكم جَلَبت من جَهْد البلاء ودرك الشقاء وسوء القضاء وشماتة الأعداء، فَقَلَّ أن يفارقها زوال نعمة أو فُجَاءة نقمة أو تحويل عافية أو طروق بلية أو حدوث رزية، فلو سألت النِّعَمَ: ما الذي أزالكِ؟!، والنِّقَمَ: ما الذي أدالكِ؟!، والهمومَ والأحزانَ: ما الذي جلبكِ؟!، والعافيةَ: ما الذي أبعدكِ وجنبكِ؟!، والسترَ: ما الذي كشفكَ؟!، والوجهَ: ما الذي أذهبَ نُوركَ وكسَفَكَ؟! والحياةَ: ما الذي كدَّركِ؟!، وشمسَ الإيمانِ: ما الذي كوَّرَكِ؟!، وَعِزَّةَ النفْسِ: ما الذي أذلكِ وبالهوانِ بعْد الإكرامِ بدَّلكِ؟! .. لأجابتك بلسان الحال اعتباراً إن لم تجب بالمقال حواراً: هذهِ واللهِ بعضُ جناياتِ العشقِ على أصحابه لو كانوا يعقلون .. ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ (١)! .. ويكفي من مضرة العشق ما اشتهر من مصارع العشاق، وذلك موجود في كلِّ زمان) انتهى (٢).

стр. 73

وكلام ابن القيم وأهل العلم في ذلك واضح في أن المراد من العبودية لله تفريغ القلب من المحبوبِ المزاحمِ الدخيلِ الطارئ ليبقى القلبُ على الفطرةِ وهي محبة الله بلا مُشارك والتي غذاؤها واستنارتها بالشِّرْعة. قال فتح بن شَخرف: دخلت على ذي النون عند موته فقلت له: كيف تجدك؟!، فقال: أموتُ وما ماتتْ إليكَ صبابتي ... ولا رَوِيَتْ مِن صدقِ حُبِّكَ أوْطاري مُنايَ المُنى كلّ المنى أنتَ لي مُنى ... وأنت الغِنى كلّ الغِنى عندَ إقتاري وأنت مَدى سُؤْلي وغايةُ رغبتي ... ومَوِْضعُ آمالي ومكنون إضْماري (١) قال أبو الأشهب السائح: بينا أنا في الطواف إذا بجويْرية قد تعلقتْ بأستار الكعبة وهي تقول: (يا وَحْشتي بعد الأُنس، ويا ذُلِّي بعد العزّ، ويا فقري بعد الغِنى)، فقلت لها: مالكِ؟!، أذَهبَ لكِ مال أو أُصِبْتِ بمصيبة؟!، قالت: (لا، ولكن كان لي قلب فَفَقدته). قلت: هذه مصيبتكِ؟!، قالت: (وأيّ مصيبة أعظم من فقْد القلوب وانقطاعها عن المحبوب؟!)، فقلت لها: إن حُسْنَ صوتكِ قد عَطّل على مَن سمع الكلام الطواف!. فقالت: (يا شيخ!، البيت بيتُك أم بيتُه؟!) قلت: بل بيتُه. فقالت: (فالحرم حَرَمُك أم حرَمُه؟!) قلت: بل حَرَمُه. فقالت: (فَدَعْنا

стр. 74

نتدلّل عليه على قدْر ما اسْتَزارنا إليه)؛ ثم قالت: (بحبكَ لي إلاّ ردَدْتَ عليَّ قلبي)؛ قال: فقلت: مِن أين تعلمين أنه يحبك؟!، فقالت: (جَيَّش من أجْلي الجيوش، وأنفق الأموال، وأخرجني من دار الشرك وأدخلني في التوحيد، وعَرَّفني نفْسَه بعد جهلي إياه، فهل هذا إلاّ لِعِناية!)، قلت: كيف حبك له؟!، قالت: (أعظم شيء وأجَلّه) (١). قال الإمام الجنيد ﵀: (حججت على الوحدة فجاوَرْتُ بِمَكة، فكنتُ إذا جَنَّ الليل دخلت الطواف، فإذا أنا بجارية تطوف وتقول: أبى الحبّ أن يخفى وكم قد كتمتُه ... فأصبح عندي قد أناخَ وطنَّبا (٢) إذا اشتدّ شوقي هام قلبي بذكْرهِ ... وإنْ رُمْتُ قرباً من حبيبي تقرّبا قال: فقلت لها: يا جارية أما تتقين الله تعالى؟!، في مثل هذا المكان تتكلمين بمثل هذا الكلام؟!، فالتفتتْ إليّ وقالت: يا جنيد!: لَوْلاَ التُّقى لَمْ تَرَني ... أهْجُرُ طِيبَ الوَسَنِ إنَّ التُّقَى شَرّدَني ... كَمَا ترَى عَنْ وَطَنِي أفِرُّ مِنْ وَجْدي بِهِ ... فَحُبُّهُ هَيَّمَنِي ثم قالت: يا جنيد!، تطوف بالبيت أم برب البيت؟!، فقلت: أطوف

стр. 75

بالبيت؛ فرفعتْ رأسها إلى السماء وقالت: سبحانك ما أعظم مشيئتك في خلقك، خلْقٌ كالأحجار يطوفون بالأحجار!. ثم أنشأتْ تقول: يطوفونَ بالأحجارِ يَبْغونَ قُرْبةً ... إليكَ وهُمْ أقسى قلوباً مِنَ الصَّخْرِ وتاهوا فلمْ يدْروا مِنَ التِّيهِ مَنْ هُمُ ... وخلُّوا محلّ القُربِ في باطنِ الفكْرِ فلَوْ أخلصوا في الوُدِّ غابَتْ صِفاتهم ... وقامتْ صِفاتُ الوُدِّ للحقِّ بالذِّكر قال الجنيد: فغُشي عليّ من قولها!، فلما أفقتُ لم أرَها) انتهى (١). وقال سَري السقطي ﵀: (بَدَوْتُ (٢) يوماً من الأيام وأنا حَدَث، فطاب وقتي وجُنّ علي الليل وأنا بفناء جبل لا أنيس به، فناداني منادٍ من جوف الجبل: لا تدور القلوب في الغيوب حتى تذوب النفوس من مخافة فَوْت المحبوب!؛ قال: فتعجبت، وقلت: جِنى يناديني أم إنسي؟!؛ قال: بل جني مؤمن بالله ومعي إخواني؛ قال: قلت: فهل عندهم ما عندك؟!، قال: نعم وزيادة؛ قال: فناداني الثاني منهم: لا تذهب من البدن الفتْرة إلا بدوَام الغُربة؛ قال: فقلت في نفسي: ما أبْلَغَ كلامهم؛ فناداني الثالث منهم: مَن أنِسَ به في الظلام لا يبقى له اهْتمام؛ قال: فصعقت!، فما أفقتُ إلاّ برائحة الطيب وإذا نرْجسة على صدري، فشممتها فأفقت، فقلتُ: وصية يرحمكم الله جميعاً؟!.
следующие страницы →