← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 37571

منازل الحور العين في قلوب العارفين برب العالمين

عبد الكريم بن صالح الحميد

Полный текст (89 стр.). Показаны 71–89 · переход к 76.

стр. 71

ويقوى هذا السمع والطاعة عند كثير من العشاق حتى يبذل نفْسَه ويُسْلِمها للتلف في طاعة معشوقة، كما يبذل المجاهد نفسه لربه حتى يُقتل في سبيله. وإذا كان النبي ﷺ قد قال: " مُدْمن الخمر كعابد وثن " (١)، ومَرّ عليُّ ابن أبي طالب ﵁ بقومٍ يلعبون بالشطرنج فقال: " ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون ". فما الظن بالعاشق المتيّم الفاني في معشوقه؟!) انتهى (٢). وقال – ﵀: (والفتنة بعشق الصُّوَر تنافي أن يكون دين العبد كله لله بل ينقص من كوْن دينه لله بحسب ما حصل له من فتنة العشق، وربما أخرجتْ صاحبه من أن يبقى معه شيء من الدين لله) انتهى (٣)، وقال أيضاً: (وكذلك فتنة العشق من أعظم الفتن). وقال بعضُ أهلِ العلم: (وكم أكبَّت فتنة العشق رؤوساً على مناخرها في الجحيم، وأسلمتهم إلى مقاساةِ العذاب الأليم، وجَرَّعَتْهُم بين أطباق النار

стр. 72

كؤوس الحميم؛ وكم أخرجت من شاء الله من العلم والدين كخروج الشعرة من العجين؛ وكم أزالت من نعمة وأحلت من نقمة؛ وكم أنزلت مِن مَعقِلِ مَن عِزُّهُ عزيزاً فإذا هو من الأذلين، ووضعَت مِنْ شريفٍ رفيع القدر والمنصب فإذا هو في أسفل السافلين؛ وكم كشفت من عورة، وأحدثت من روعة، وأعقبت من ألم، وأحلت من ندم؛ وكم أضرمت من نار حسراتٍ أحرقت فيها الأكباد وأذهبت قدراً كان للعبد عند الله وفي قلوب العباد؛ وكم جَلَبت من جَهْد البلاء ودرك الشقاء وسوء القضاء وشماتة الأعداء، فَقَلَّ أن يفارقها زوال نعمة أو فُجَاءة نقمة أو تحويل عافية أو طروق بلية أو حدوث رزية، فلو سألت النِّعَمَ: ما الذي أزالكِ؟!، والنِّقَمَ: ما الذي أدالكِ؟!، والهمومَ والأحزانَ: ما الذي جلبكِ؟!، والعافيةَ: ما الذي أبعدكِ وجنبكِ؟!، والسترَ: ما الذي كشفكَ؟!، والوجهَ: ما الذي أذهبَ نُوركَ وكسَفَكَ؟! والحياةَ: ما الذي كدَّركِ؟!، وشمسَ الإيمانِ: ما الذي كوَّرَكِ؟!، وَعِزَّةَ النفْسِ: ما الذي أذلكِ وبالهوانِ بعْد الإكرامِ بدَّلكِ؟! .. لأجابتك بلسان الحال اعتباراً إن لم تجب بالمقال حواراً: هذهِ واللهِ بعضُ جناياتِ العشقِ على أصحابه لو كانوا يعقلون .. ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ (١)! .. ويكفي من مضرة العشق ما اشتهر من مصارع العشاق، وذلك موجود في كلِّ زمان) انتهى (٢).

стр. 73

وكلام ابن القيم وأهل العلم في ذلك واضح في أن المراد من العبودية لله تفريغ القلب من المحبوبِ المزاحمِ الدخيلِ الطارئ ليبقى القلبُ على الفطرةِ وهي محبة الله بلا مُشارك والتي غذاؤها واستنارتها بالشِّرْعة. قال فتح بن شَخرف: دخلت على ذي النون عند موته فقلت له: كيف تجدك؟!، فقال: أموتُ وما ماتتْ إليكَ صبابتي ... ولا رَوِيَتْ مِن صدقِ حُبِّكَ أوْطاري مُنايَ المُنى كلّ المنى أنتَ لي مُنى ... وأنت الغِنى كلّ الغِنى عندَ إقتاري وأنت مَدى سُؤْلي وغايةُ رغبتي ... ومَوِْضعُ آمالي ومكنون إضْماري (١) قال أبو الأشهب السائح: بينا أنا في الطواف إذا بجويْرية قد تعلقتْ بأستار الكعبة وهي تقول: (يا وَحْشتي بعد الأُنس، ويا ذُلِّي بعد العزّ، ويا فقري بعد الغِنى)، فقلت لها: مالكِ؟!، أذَهبَ لكِ مال أو أُصِبْتِ بمصيبة؟!، قالت: (لا، ولكن كان لي قلب فَفَقدته). قلت: هذه مصيبتكِ؟!، قالت: (وأيّ مصيبة أعظم من فقْد القلوب وانقطاعها عن المحبوب؟!)، فقلت لها: إن حُسْنَ صوتكِ قد عَطّل على مَن سمع الكلام الطواف!. فقالت: (يا شيخ!، البيت بيتُك أم بيتُه؟!) قلت: بل بيتُه. فقالت: (فالحرم حَرَمُك أم حرَمُه؟!) قلت: بل حَرَمُه. فقالت: (فَدَعْنا

стр. 74

نتدلّل عليه على قدْر ما اسْتَزارنا إليه)؛ ثم قالت: (بحبكَ لي إلاّ ردَدْتَ عليَّ قلبي)؛ قال: فقلت: مِن أين تعلمين أنه يحبك؟!، فقالت: (جَيَّش من أجْلي الجيوش، وأنفق الأموال، وأخرجني من دار الشرك وأدخلني في التوحيد، وعَرَّفني نفْسَه بعد جهلي إياه، فهل هذا إلاّ لِعِناية!)، قلت: كيف حبك له؟!، قالت: (أعظم شيء وأجَلّه) (١). قال الإمام الجنيد ﵀: (حججت على الوحدة فجاوَرْتُ بِمَكة، فكنتُ إذا جَنَّ الليل دخلت الطواف، فإذا أنا بجارية تطوف وتقول: أبى الحبّ أن يخفى وكم قد كتمتُه ... فأصبح عندي قد أناخَ وطنَّبا (٢) إذا اشتدّ شوقي هام قلبي بذكْرهِ ... وإنْ رُمْتُ قرباً من حبيبي تقرّبا قال: فقلت لها: يا جارية أما تتقين الله تعالى؟!، في مثل هذا المكان تتكلمين بمثل هذا الكلام؟!، فالتفتتْ إليّ وقالت: يا جنيد!: لَوْلاَ التُّقى لَمْ تَرَني ... أهْجُرُ طِيبَ الوَسَنِ إنَّ التُّقَى شَرّدَني ... كَمَا ترَى عَنْ وَطَنِي أفِرُّ مِنْ وَجْدي بِهِ ... فَحُبُّهُ هَيَّمَنِي ثم قالت: يا جنيد!، تطوف بالبيت أم برب البيت؟!، فقلت: أطوف

стр. 75

بالبيت؛ فرفعتْ رأسها إلى السماء وقالت: سبحانك ما أعظم مشيئتك في خلقك، خلْقٌ كالأحجار يطوفون بالأحجار!. ثم أنشأتْ تقول: يطوفونَ بالأحجارِ يَبْغونَ قُرْبةً ... إليكَ وهُمْ أقسى قلوباً مِنَ الصَّخْرِ وتاهوا فلمْ يدْروا مِنَ التِّيهِ مَنْ هُمُ ... وخلُّوا محلّ القُربِ في باطنِ الفكْرِ فلَوْ أخلصوا في الوُدِّ غابَتْ صِفاتهم ... وقامتْ صِفاتُ الوُدِّ للحقِّ بالذِّكر قال الجنيد: فغُشي عليّ من قولها!، فلما أفقتُ لم أرَها) انتهى (١). وقال سَري السقطي ﵀: (بَدَوْتُ (٢) يوماً من الأيام وأنا حَدَث، فطاب وقتي وجُنّ علي الليل وأنا بفناء جبل لا أنيس به، فناداني منادٍ من جوف الجبل: لا تدور القلوب في الغيوب حتى تذوب النفوس من مخافة فَوْت المحبوب!؛ قال: فتعجبت، وقلت: جِنى يناديني أم إنسي؟!؛ قال: بل جني مؤمن بالله ومعي إخواني؛ قال: قلت: فهل عندهم ما عندك؟!، قال: نعم وزيادة؛ قال: فناداني الثاني منهم: لا تذهب من البدن الفتْرة إلا بدوَام الغُربة؛ قال: فقلت في نفسي: ما أبْلَغَ كلامهم؛ فناداني الثالث منهم: مَن أنِسَ به في الظلام لا يبقى له اهْتمام؛ قال: فصعقت!، فما أفقتُ إلاّ برائحة الطيب وإذا نرْجسة على صدري، فشممتها فأفقت، فقلتُ: وصية يرحمكم الله جميعاً؟!.

стр. 76

فقالوا جميعاً: " أبى الله أن تحيا به إلاّ قلوب المتقين، فمن طَمِعَ في غير ذلك فقد طمع في غير مطمع، ومَن تبع طبيباً مريضاً دامتْ عِلّته " وَوَدّعوني ومَضوْا، وقد أتى عليّ حِينٌ ولا أزال أرى بركة كلامهم موجودة في خاطري) انتهى (١)، ويا لها من موعظة!، فالتقوى وصية الله لعباده وهي وصية الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - لأممهم، وبها يَنال العبد رفيع الأحوال، ويبلغ غاية الآمال. وحيث إنه قد تبَيَّن موضوعُ هذا الكتاب فالسؤال الوارد الآن هو: هل من تحقيق المعرفة بالله ﷻ والصدق والإخلاص في إرادة وجهه الكريم والقرب منه ومحبته والشوق إليه أن يكون الغالب على فِكْرِ العبد إذا تفكَّر والسابقُ إلى قلبه في الإرادة والطلب نساءُ الجنةِ من الحوُرِ، وكذلك ما فيها من المآكل والمشارب والمساكن والقصور؟!. لقد ظَهَرَ لكَ أن هذا عند العارفين بمعبودهم الحقِّ قُصُور!، وإننا لو أنصفنا لعرفنا، فهل نَظَرْنا وتَدَبَّرْنا وتَفَكَّرْنا إذا حصَلَ عندما نَمُرّ بآيةٍ من آيات صفاتِ الإله ﷻ أو حديثٍ ممَّا يفتح بابَ معرفته ومحبته سبحانه يكون كنظرنا وتدبرنا وتفكرنا إذا حصل عندما نَمُرّ بآيةٍ أو حديثٍ فيه وصف الحور والمآكل والمشارب والقصور؟!. هذا ميزانٌ يَصْدُقُكَ في التفكُّرِ المقيَّد وكذلك التفكُّر الْمُطْلَق!.

стр. 77

ولا شك أن من الجفاء مع الله ﵎ إشغال النفْس بغيره من حُبٍّ له وشوقٍ إليه كعدم الوقوف عند ما يَرِد من الآياتِ والأحاديثِ من صفاته وأسمائه الحسنى وتدبر ذلك وتأمله مما يفتح باب معرفته وحُبّه ، وقد عاتب الله تعالى مَنْ هَذِه حَالُه حيث جاء في الأثر أنه تعالى أوحى إلى داود ﵇: (قل لشُبَّان بني إسرائيل: لِمَ تشغلون نفوسكم بغيري؟!، ماهذا الَجَفَاء (١)؟! .. ولو يعلم المدبرون عني كيف انتظاري لهم ورفقي بهم ومحبتي لترك معاصيهم لماتوا شوقاً إليَّ وانقطعت أوصالهم من محبتي! .. هذه إرادتي للمدبرين عني فكيف إرادتي للمقبلين عليَّ!) (٢)، فتأمل!. وقد تكلم ابن القيم – ﵀ – في كتابه النَّفِيس (مدارج السالكين) عن منزلة الإخلاص بكلام عظيم القدْر، واتصاله وثيق في موضوع هذا الكتاب؛ ومن كلامه – ﵀ – قوله: (يَعْرِض للعامل في عمله ثلاث آفات: رؤيته وملاحظته، وطلب العِوَض – أي الأجْر - عليه، ورضاه به وسكونه إليه) (٣)، ثم ذكر علاج هذه الأمراض وكيف يتخلص منها العبد ليخلص عمله لربه؛ ونحن وإن كان لنا من هذه الآفات النصيب الأوفر لقلة العلم بالله وعبوديته في زماننا وقواطع الذنوب لكن المراد هنا الآفة الثانية لاتصال معناها مباشرة بموضوع الكتاب، فقد قال ﵀ في علاج

стр. 78

هذه الآفة: (والذي يُخلِّصُه من طلب العِوَض على العمل عِلْمُه بأنه عبدٌ مَحْض، والعبد لا يستحق على خدمته لسيِّدِهِ عِوَضاً ولا أُجْرة إذ هو يخدمه بمقتضى عبوديته، فَمَا يناله مِن سيِّدهِ من الأجر والثواب تفضُّل منه وإحسان إليه وإنعام عليه لا معاوَضة، إذِ الأُجْرَة إنما يستحقها الْحُرُّ أو عبدُ الغير، فأمَّا عبد ربِّهِ فَلاَ) انتهى (١). لقد كان اهتمامُ السَّلَف في معرفة معبودهم سبحانه وتصحيح عبوديته أكبر هَمِّهم وأعظم شُغلهم، ومن هنا ارتفعت مقاماتهم وصَلُحَت أعمالهم. ولذلك يقول ابن القيم: (فمِنْ أنفع ما للقلب النظر في حقِّ الله على العبد، فإن ذلك يورثه مَقْتَ نفْسِه والإزراء عليها ويُخَلِّصه من العُجْب ورؤية العمل، ويفتح له باب الخضوع والذُّلّ والانكسار بين يدي ربه واليأس من نفسه، وأن النجاة لا تحصل له إلا بعفو الله ومغفرته ورحمته) (٢). ثم قال – ﵀: (فهذا مَحَل نظَر أهل المعرفة بالله تعالى وبنفوسهم، وهذا الذي أيأسهم من أنفُسِهِم وعلَّقَ رجاءهم كلَّه بعفوِ الله ورحمته، وإذا تأملتَ حالَ أكثرِ الناس وجدتهم بضد ذلك ينظرون في حقهم على الله ولا ينظرون في حقِّ الله عليهم!) انتهى (٣).

стр. 79

وهنا قِف - وفقك الله -، وتأمل حالَنا مع اللهِ إذا زَعَمْنا أننا صلُحنا واستقمنا وكأنَّ لنا على اللهِ حقًّا نستوجبه بأعمالنا لعدم عِلْمِنا بحقيقة العبودية وما يستحقه المعبود سبحانه (١). ثم قال ابن القيم بعد الكلام السابق: (ومن ها هُنا انقطعوا عن الله وحُجِبَت قلوبهم عن معرفته ومحبته والشوق إلى لقائه والتنعم بذكره، وهذا غاية جهل الإنسان بربه وبنفسه!، فمحاسبة النفْس هي نظر العبد في حق الله عليه أولاً ثم نظرُه هل قام به كما ينبغي ثانياً. و أفضل الفِكْرِ الفِكْرُ في ذلك، فإنه يُسيِّرُ القلبَ إلى اللهِ ويطرحه بين يديه ذليلاً خاضعاً منكسراً كسْراً فيه جبره، ومفتقراً فقراً فيه غناه، وذليلاً ذُلاًّ فيه عِزُّه، ولو عَمِلَ مِن الأعمال ما عساه أن يعمل فإنه إذا فاته هذا فالذي فاته من البِرِّ أفضل من الذي أتى!) انتهى (٢). ثم ذكَر ابن القيم – ﵀ ما جاء في الأثر عند الإمام أحمد عن أبي الجلَد أن الله ﵎ أوحى إلى موسى – ﵇: (إذا ذكَرتني فاذكرني وأنت تنتفض أعضاؤك وكُن عند ذكري خاشعاً مطمئناً، وإذا ذكرتني فاجعل لسانك من وراء قلبك، وإذا قمتَ بين يدي فَقُم مقام العبد

стр. 80

الحقير الذليل، وذُمّ نفْسَك فهي أولى بالذم، وناجني حين تناجيني بقلبٍ وَجِلٍ ولسانٍ صادق!) انتهى (١). فتأمل هذا والذي قبله، وما أنفعه لك مع توفيق الله تعالى. وإذا كان موسى – ﵊ – يُؤَدَّب بهذا وهو الكليم الكريم فذلك لأنّ لمعرفةِ الله وعبوديته سبحانه شأنٌ كبيرٌ وعظيمٌ يطَّلِع عليه مَن كان ذلك أكبر همومه وأعظم شؤونه، أما مَن تَدَيُّنُه على مقتضى المربأ والمنشأ والعادة فهذا لَوْنٌ آخر!.

стр. 81

خاتمة الكتاب وبالجملة فإن مقصود الكتاب ومداره هو أن يحقق العبدُ عبوديته لإلهه الحق سبحانه، والتي أصلها المحبة، وذلك بمعرفته والشوق إليه وتعلق القلب والروح به دون أن يغلب على قلبه الشوق والتعلق بمخلوق لم يُخلق ولم تُودَع المحبة في قلبه من أجله ولو كان الحور العين فضلاً عن محبوبات العالَم السفلي من الصُّوَرِ والمال والرياسة، مع أن هذا لا يعني التقليل من شأن الحور العين، وإنما المراد هو المعرفة وإنزال كل شيء منزلته لتجريد المحبة عمَّا يشوب أو يغلب. والله الموفق، وله الحمد في الأولى والآخرة، ونسأله برحمته كما مَنَّ بمعرفة ذلك مقالاً أن يَمُنَّ به حالاً، فالشأن ليس بمجرد الوصف وإنما الشأن كل الشأن فيما يصل إلى القلوب من هذا النعيم والجنة العاجلة التي قال فيها شيخ الإسلام ﵀: (في الدنيا جنة مَن لم يدخلها لا يدخل جنة الآخرة) (١)، وهي جَنَّة معرفته سبحانه، ومحبته، والشوق إليه. وإن مما ينبغي لنا أن نخافه أن يكون حِجَابُ الغَيرة قد حال بيننا وبين ما وصل إليه العارفون، وأناخ بفنائه المحبون، وأجاب حاديه المخلصون،

стр. 82

الذين بانَ لنا من مكنون ضمائرهم وصادق سرائرهم ما لا نشُمُّ له رائحة!. وتأمل ما قاله السري السقطي في معنى قوله تعالى ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجَاباً مَسْتُوراً﴾ (١)، قال ﵀: (أتدرون ما هذا الحجاب؟!، حجاب الغيرة!، ولا أحد أغير من الله، إن الله تعالى لم يجعل الكفارَ أهلاً لفهم كلامه ولا أهلاً لمعرفته وتوحيده ومحبته، فجعل بينهم وبين رسوله وكلامه وتوحيده حجاباً مستوراً عنِ العيونِ غيرةً عليه أن يناله من ليس أهلاً له) انتهى (٢). ومع هذا فلا نيأس من روْح الله، ولنتذكر ما تقدم من قول ابن القيم ﵀: (يامن هبَّتْ على قلبه جنوبُ المجانبه، فتكاثفت عليه غيوم الغفلة فأظلم أُفُقُ المعرفة: لا تيأس!، فالشمس تحت الغيم، لوْ تصاعد منك نَفَسُ أسَفٍ استحالت شمالاً فتقطع السحابُ فبانت الشمس تحته!) (٣). ثم لنتأمل وصية إبراهيم بن أدهم لأخٍ له في الله حيث قال له: (إنْ كنتَ تحبّ أن تكون للهِ وليًّا وهو لك محبٌّ فدعِ الدنيا والآخرة ولا ترغبنّ فيهما، وفرِّغ نفسَك منهما، وأقبل بوجهك على اللهِ يقبل الله بوجههِ عليك ويَلْطَف بك، فإنه بلغني أن الله أوحى إلى يحيى بن زكريا ﵉:

стр. 83

يا يحيى .. إني قضيتُ على نفسي أن لا يحبني عبدٌ من عبادي أعلم ذلك منه إلا كنتُ سمعه الذي يسمعُ به وبصره الذي يُبصر به ولسانه الذي يتكلم به وقلبه الذي يفهم به، فإذا كان ذلك كذلك بغضتُ إليه الاشتغال بغيري، وأدمتُ فكرته، وأسهرتُ ليله، وأظمأت نهاره .. يا يحيى .. أنا جليسُ قلبه وغايةُ أمنيته وأمله، أهَبُ له كُلَّ يومٍ وساعةٍ فيتقرب مني وأتقرب منه .. أسمع كلامه وأجيبُ تضرعه، فوعزتي وجلالي لأبعثنَّه مبعثاً يغبطه به النبيُّون والمرسلون (١)، ثم آمُر مُنادياً يُنادي: هذا فلانٌ بن فلانٍ وليُّ اللهِ وصفيُّه وخيرتُه من خلقه .. دعاه إلى زيارته ليشفي صدرهُ من النظر إلى وجهه الكريم، فإذا جاءني رفعتُ الحجابَ فيما بيني وبينه فنظرَ إليَّ كيف شاء، وأقولُ: أبشرْ!، فوعزتي وجلالي لأشفينَّ صدرك من النظر إليَّ ولأجدِّدَنَّ كرامتك في كل يومٍ وليلةٍ وساعة؛ فإذا توجهتِ الوفودُ إليه ﷻ أقبلَ عليهم فقال: أيها المتوجهون إليَّ ما ضركم ما فاتكم من الدنيا إذا كنتُ لكم حظاً، وما ضركم من عاداكم إذا كنتُ لكم سِلْماً) انتهى (٢).

стр. 84

ومِمَّا ينبغي تأمله جيِّداً لشدَّةِ الحاجة إليه في وقتنا قولُ مؤمني الجن المتقدِّم (في ص: ٧٦): (ومَن تبع طبيباً مريضاً دامتْ عِلّتُه!)، وَوَاضح أن مرادهم طبيبَ القلوب المبيِّن أمراضها الدالّ على شفائها، فمَنْ طلب هذا العلم الرباني العظيم الدال على معرفة ربِّ العالمين فإنه يجده في كتب سلفنا الصالح مثل ابن القيم وشيخه شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمهما الله -. * تنبيه: عَلِمتُ أخيراً وفي هذا الشهر الكريم رمضان المبارك الذي عظَّمه الله ورسوله ﷺ أن قوماً خَذَلهم الله وأهانهم ﴿وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ﴾ (١)، والذي قال الحسن البصري ﵀ في أمثالهم: (هانوا على الله فعصوْه، ولوْ عَزُّوا عليه لعَصَمَهُم) (٢)؛ عَلِمتُ أنهم اتخذوا موضوع (الحور العين) للسُّخرية والتندُّر، وذلك بمسلسل خبيث يعرضونه على الناس ليستهينوا بما عظَّم الله من أزواج أنبيائه وأوليائه والشهداء في سبيله في الدار الآخرة (٣)، وهذا واللهِ مُنذِرٌ بعقوباتِ قد تُعجَّل إلا بدَفْعٍ من الحليم سبحانه الذي يُمهِل ولا يُهمل، وقد قيل: (أمهل الله العُصَاة حتى ظنَّ المغرورون بالله أن إمهال الله إهمال!)؛ وما أكثر المغرورين بالله لا كثَّرهم الله!. ويا عَجباً: أَيَهْزَأُ بِالْحُورِ الْحِسَانِ مُسَلْسَلُ ... بِشَهْرٍ بِهِ الشَّيْطَانُ دَوْماً مُسَلْسَلُ! غير أنه لا عجبْ إذا عَلِمْنا أننا في زمانٍ لم يسبق له في الفرعنة والشَّيْطنة مثيلاً حتى أصبح مِن الإنس مَن يَفُوقون شياطين الجنِّ في إغواء الناس وإشاعة المنكرات والدعوة للكُفر والفساد!، حتى في هذا الشهر المبارك الذي قال فيه رسول الله ﷺ : (إذا دخل رمضان فُتِحَت أبوابُ الجنةِ، وغُلِّقَت أبوابُ جهنَّم، وسُلْسِلت الشياطين) (٤)، فَبَدَلاً من أن يكون شهراً يتخذ فيه المسلمُ فرصةَ تقييدِ شياطينِ الجنِّ ليتزوّد فيه من الطاعات يأبَى شياطينُ الإنسِ إلا أنْ يَنُوبُون عن إخوانهم من شياطين الجنِّ حتى جعلوا من هذا الشهر المبارك مَوسماً للتنافس في ترويج فسادهم وإفسادهم والعياذ بالله. وقد ذكَر العلماءُ أنّ الحدَّ من شرِّ الشياطين في رمضان إنما هو للمؤمنين وليس للفجَرة، وإنما الفَجَرة يزداد فُجُورُهم في رمضان!. وقد ذكر شيخ الإسلام ﵀ أن الشياطين إنما تتمكَّن من بني آدم بسبب الشهوات، فإذا كفُّوا عن الشهوات صُفِّدت الشياطين (٥). واليوم يتوفّر في رمضان ويكثر إلى حدِّ الإسراف من الشهوات ما لا يكون في غيره من الأوقات، فهل تُصفّد الشياطين عن كلِّ أحد تصفيداً يُضعِف تمكُّنهم!.

стр. 85

وقال شيخ الإسلام - أيضاً - عن الشياطين: (كما أنَّ كيدهم في شهر رمضان ضعيف إذْ كانوا فيه يُسَلْسلون ولكن لَم يبطُل فعلُهم بالكُلِّية بل ضعُف، فشرُّهم فيه على أهل الصَّوم قليل بخلاف أهل الشراب وأهل الظلمات فإن الشياطين هنالك مجالهم) انتهى (١). إن الملاحظ في عصرنا هذا أن لرمضان عند كثير من الخلْق أهمية بالغة لشَغْله بفنون الباطل حتى اتُّخِذَ موسماً لذلك، فيتحصَّل فيه ما لا يتحصل في غيره! (٢). ثم إنَّ مَن يقرأ هذا الكتاب يعلم أنه يُعالِج أمراً كبيراً يُشْعِر مِن نفْسِه أنه واقع فيه أو مُقاربه، وهو قوة الطلب والإرادة للخيْراتِ الحِسان، ثم إنه إذا تفكَّر في السبب الذي دعاه لذلك عَلِمَ أنه تعظيم الله ورسوله ﷺ لَهُنَّ بوصفهن بما لا مزيد عليه من الجمال والكمال والْحُسْن والإحسان حتى احتاج إلى مَن يُنبِّهه إلى الفرقان بين محبة الرحمن وبين محبة هذه الْخَيْرات الحِسان؛ قال تعالى: ﴿وَحُورٌ عِينٌ ? كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ﴾ (٣)، وقال سبحانه: ﴿كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ﴾ (٤)، وأخبر رسول الله ﷺ عن حُور الجنان بقوله: (ولو أن امرأة من نِساء أهل الجنة اطلعت إلى الأرض لَمَلأت ما بينهما ريحاً، ولأَضاءت ما بينهما، ولَنَصِيفها - يعني الخِمَار - خيرٌ من الدنيا وما فيها) (٥)، وغير ذلك من الوصف البليغ أيضاً. فالخلاصة والنتيجة أن مَن هذا بعض شأنهن كيف يُشوَّهن ويُزدَريْن بأن يجعل من اسمهِنَّ الكريم اسماً لمسلسل في جهازٍ مُحرَّمٍ مليء بالمحرَّمات، وأين مالك بن دينار اليوم ليرى العار والشنار حيث وصَف نساء الجنة بما يليق ووصَف نساء الدنيا بالتحقيق!.

стр. 86

وإليك قصة مالك مع ملك من ملوك البصرة وجاريته لتعتَبر في وضْع الشيء مواضعها وتعظيم السَّلَف لِمَا عظَّم الله تعالى، فقد رُوِي عن مالك بن دينار ﵀ أنه كان يوماً ماشياً في أزقة البصرة، فإذا هو بجارية من جواري الملوك راكبة ومعها الخدم، فلما رآها مالك نادى: أيتها الجارية أيبيعك مولاك؟!، قالت: كيف قلت يا شيخ؟!، قال: أيبيعك مولاك؟!، قالت: ولو باعني كان مثلك يشتريني!، قال: نعم، وخيراً منك، فَضَحِكت وأمَرَت أن يُحمل إلى دارها، فَحُمِل، فَدَخلت إلى مولاها فأخبرته، فضحك وأمَرَ أن يَدخل إليه، فَدَخل، فأُلقيت له الهيبة في قلب السيد، فقال: ما حاجتك؟!، قال: بعني جاريتك؛ قال: أو تطيق أداء ثمنها؟!، قال: فثمنها عندي نواتان مَسُوِّسَتان، فضحكوا، وقالوا: كيف كان ثمنها عندك هذا؟!، قال: لكثرة عيوبها، قالوا: وما عيوبها؟!، قال: إن لَمْ تتعطَّر زَفِرَتْ، وإن لَم تَسْتك بَخِرَت، وإن لَم تَمْتشط وتدَّهِن قَمِلَت وشَعِثت، وإن تُعَمَّر عن قليل هَرِمت، ذاتِ حيض وبوْل وأقذار جَمَّة، ولعلها لا تودّك إلا لنفْسها، ولا تحبك إلا لشغَفِها بك، لا تفي بعهدك ولا تَصْدُق في وُدِّك، ولا يخلف عليها أحدٌ من بعدك إلا رأته مثلك، وأنا آخذ بدون ما سَأَلْتَ في جاريتك مِنَ الثمن جاريةً خُلِقَتْ من سُلاَلَةِ الكافُور، لوْ مُزِجَ بِرِيقِها أجاجٌ لطابَ)، ثم قال: (ولو بدا مِعْصَمُها للشمس لأظلَمَت دونه، ولو بَدَا في الليل لَسَطَع نورُه، ولو واجهت الآفاق بِحُلِيها وحُلَلِها لتزخرَفَت، نَشَأَتْ بين رياض المسكِ والزَّعْفَرَانِ، وقُصرت في أكنانِ النعيم، وغُذِّيَتْ بماء التسنيم، فلا تُخْلِف عهدها، ولا يتبدل وُدّها، فأيهما أحقُّ بِرِفْعَة الثَّمن؟!، قال: التي وَصَفْت؛ قال: فإنها الموجودة الثمن القريبة الْمَخْطَب.

стр. 87

قال: فما ثَمَنها - رحمك الله -؟!؛ فذَكر له مالِك ﵀ – عبادة ربه وبعضاً من خِصال الخير يفعلها، وقال: (وترفع هِمَّتك عن دار الغفلة، فتعيش في الدنيا بعزِّ القنوع، وتأتي غداً إلى موقف الكرامة آمناً، وتنْزل غداً في الجنة مخلداً)، فقال الرجل: يا جارية .. أسمعت ما قال شيخنا هذا؟!، قالت: نعم، قال: أفَصَدَق أم كَذَب؟!، قالت: بل صدق وبَرَّ ونَصَح، قال: " فأنتِ إذاً حُرَّة لوجه الله ". ثم تصدَّق بما تصدّق به من مالِه وقصَد لُزوم العبادة بعد اللَّهْو والغفلة حيث أثَّرَت به موعظةُ مالِك ﵀. ثم قالت الجارية: " لا عيش لي بعدك مولاي! "، فودَّعهما مالك ودعا لهما، فتعبَّدا جميعاً حتى جاء الموت فنقلهما على حال العبادة - رحمة الله عليهما -) انتهى (١). وهكذا وضَع مالِك الأمورَ موْضِعها، ومَع أنَّ هذا الوضْع شَرْعيٌّ طبيعيٌّ فهو عقليٌّ أيضاً، وهذا تلازُم لا ينفك منه ولا جزءٌ يسير من أجزاء الدِّين المتصل بأمور الدنيا، وإنما الشأن في التَّفَكُّر السليم ولزوم الصراط المستقيم، فكما ظهَر لك مِن وصْف مالك ﵀ لنساء الدنيا ونساء الجنة فَمَا عليك إلا أن تسْحبَ ذَيْلَ هذا المقياس على الدنيا وما فيها والجنة وما فيها ليتجلَّى لك الفرقُ والفرقانُ، وتنقشع عن قلبك زخارفُ الخيَال وأمانيّ الشيطان.

стр. 88

وهذا كله في مجال المواد المخلوقة في العالَم السُّفلي والعالَم العلوي؛ أمَّا إن سَمَت رُوحُك فوق ذلك كله فقد عرَفت معنى قول ابن القيم ﵀ في صفات الملِك ﷻ : وهُوَ الجميلُ علَى الحقيقةِ كيفَ لاَ! ... وَجَمَالُ سَائِرِ هَذِهِ الأكوَانِ مِنْ بعضِ آثارِ الجميلِ فربُّهَا ... أولى وأجدَرُ عِندَ ذِي العِرْفَانِ (١) ١). وعَرفت معنى البيت الثالث من الأبيات التالية المأخوذة من ميميته ﵀ في وصف (الحور العين): ... تَقَسَّمَ مِنها الْحُسْنُ في جَمْعِ وَاحِدٍ ... فَيَا عَجَباً مِنْ وَاحِدٍ يَتَقَسَّمُ! لهَا فِرَقٌ شَتَّى مِنَ الْحُسْنِ أَجْمَعَتْ ... بِجُمْلَتِهَا أَنَّ السُّلُوَّ مُحَرَّمُ تُذَكِّرُ بالرَّحْمَنِ مَنْ كَانَ نَاظِراً ... فَيَنْطِقُ بِالتَّسْبِيحِ لاَ يَتَلَعْثَمُ (٢) ... .

стр. 89

ونسأل الله أن يجعل كيدَ من يَهزؤون بثوابه وعقابه في نحورهم، وأن يرينا بهم عجائب قدرته ويكفينا والمسلمين شرورهم. كما نسأله تعالى بما سأله عبدُه ورسولُه ﷺ أن يرزقنا لذةَ النظرِ إلى وجهه الكريم والشوق إلى لقائه في غير ضراء مضره ولا فتنة مضلة، وأن يزينا بزينة الإيمان ويجعلنا هداةً مهتدين (١) .. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلِّم تسليماً كثيراً. عبد الكريم بن صالح الحميد بريدة - ربيع الأول، رمضان / ١٤٢٦هـ