← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 37573

عوائق في طريق العبودية

عبد الكريم بن صالح الحميد

Полный текст (87 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

شهوة النفوس إذا سمعت بالفاحشة قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: النفوس تتحرك وتشتهي إذا سمعت بالفاحشة وتتمنى. فإذا رأى الإنسان أو سمع أو تخيّل من يفعل ما يشتهيه كان ذلك داعياًَ إلى الفعل. والنساء متى رَأيْن البهائم تَنْزوا الذكور على الإناث مِلْنَ إلى الفاحشة والجماع. والرجل إذا سمع من يفعل مع المردان والنساء الفواحش أو رأى ذلك أو تخيّله في نفسه دعاه ذلك إلى الفعل. وإذا ذكر الإنسان طعاماً اشتهاه ومال إليه، وإذا وُصِف له ما يشتهيه من لباس أو امرأة أو مسكن أو غير ذلك مالَتْ نفسه إليه.

стр. 37

والغريب عن وطنه متى ذُكّرَ بالوطن حَنّ إليه. انتهى. (١). إذا كانت هذه جبلّة الآدمي هكذا وأنه يميل طبعاً إلى ما كَمُن في باطنه طَلَبُهُ وإرادتهُ والانجذاب إليه وأن ذلك حركة نفسه فهو إن لم يكن متأدّباً بآداب الشرع صار أمره فرطا وذلك باستجابته لداعي الهوى والطبع، وهنا مناط الابتلاء والتكليف. قال تعالى: ﴿وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً﴾ (٢). طريقان لا ثالث غيرهما إمّا غفلة القلب عن ذكر الرب سبحانه وهذا يُقارنه اتباع الهوى. وإمّا زَمّ النفس بزمام التقوى، وهذا معنى قولهم:

стр. 38

نفسك إن لم تَشْغلها بالحق شغلتك بالباطل. والطريق الأول يُفضي إلى معنى قوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ (١) قيل: هذا إشارة إلى ما هو لازم لهم في الدنيا والآخرة، من آلامهم النفسية غماً وحزناً وقسوة وظلمة قلب وجهلاً، فإن للكفر والمعاصي من الآلام العاجلة الدائمة ما الله به عليم، ولهذا تجد غالب هؤلاء لا يُطيِّبون عيشهم إلا بما يزيل عقولهم ويُلهي قلوبهم من تناول مسكر أو رؤية مُلْهٍ أو سماع مطرب ونحو ذلك، فهذا للكفار منه النصيب الكامل وللعصاة نصيب منه بحسب معاصيهم. الطريق الثاني: يُفضي إلى قوله تعالى في المؤمنين: ... ﴿أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ﴾ (٢) فإن الله يُعجلّ للمؤمنين من الرحمة في قلوبهم وغيرها بما يجدونه من حلاوة الإيمان

стр. 39

ويذوقونه من طعمه، وانشراح صدورهم للإسلام، إلى غير ذلك من السرور والإيمان والعلم النافع والعمل الصالح بما لا يمكن وصفه. انتهى وهاتان الإشارتان ذكرهما ابن تيمية ﵀. (١) من تأمل كلام الشيخ السابق عرف عظم خطر وبليغ ضرر الشاشات بلا استثناء سواء التلفاز والفضائيات والفيديوهات والسينما وغيرها، وأنها مهيجة للغرائز، والطبائع المركبة في الإنسان تثيرها وتؤجج نيرانها وتفتح أبواب التخيل والتمني، وأنها ومن أول خطوة تزحزح العقل عن موضعه إذْ لابد من عزله عن وظيفته للانخراط في العالَم الحيواني الشهواني غير المقيّد بالعقل والدين. إن وظيفة هذه الشاشات القضاء على الوازع الديني والعقلي حتى تبقى أبواب القلب مفتحة لا حراس عليها

стр. 40

ولا أقفال، وهنا لا تسأل عمن يجوس خلال الديار من أعداء خبرتهم قديمة بإيصال الأضرار، إنهم من حين إمساكهم الرّسَن يحسنون القبيح ويقبحون الحسن، معالم الخير في القلب لا تلائمهم فهم بمعاول الفسق والفجور يهدمونها، وأرض القلب ببذور الضلال وغراس الباطل يزرعونها، وما أسرع ثمر هذا الغرس وأكثر جناه لكنه ثمرُ شجرة الزقوم، جنىً خبيث طعمه أمَرّ الطعوم. فيالِله كم من قتيل وجريح، وكم من أسير أمنيته الموت لظنه أنه بالموت يستريح، وما عَلِم أنه بالموت يستقبل الأهوال والشدائد، لأن عمران فطرته مخرب فاسد ومَعْلم الدين في قلبه تالف بائد. كم عفيف أطلق نظره في شاشة الضلال والتضليل، فما رجع إليه طرفه إلا وهو كليل عليل، انفتح له باب الجرأة على الحرمات ونسي الوعيد وأمن حلول العقوبات،

стр. 41

فأصبح وقلبه يغلي بالحسرات، حيث يرى مالا يقدر عليه ولا يصبر عنه وهذا أسوأ ما يُبتلى به المتبع لهواه من البليات. وكم من عفيفة سلكت نفس الطريق، فوقعت في الحريق، باتت تشكو الألم، ومرّ السقم، رأت ما كان عنها محجوب ومستور، فوقعت في عظائم الأمور.

стр. 42

النظرة كأس من خمر والعشق سُكْر ذلك الشراب قال ابن القيم ﵀: فالنظرة كأس من خمر والعشق سُكْر ذلك الشراب، وآفات العشق تكاد تقارب الشرك فإن العشق يتعبّد القلب الذي هو بيت الرب للمعشوق. قال عيسى ﵇: النظرة تزرع في القلب الشهوة وكفى بها خطيئة. وقال الحسن البصري ﵀: من أطلق طرفه كَثُرَ أسَفُه. وذكر ابن القيم أن اللحظات رائدة الشهوة ورسولها، وحفظها أصل حفظ الفرج، فمن أطلق بصره أورده موارد الهلكات.

стр. 43

قال ابن الجوزي في قول النبي ﷺ : (فلا تتبع النظرة النظرة فإنما لك الأولى وليست لك الآخرة) (١) قال: ربما تحايَل أحد على جَوَاز القصد للأولى وليس كذلك وإنما الأولى التي لم يقصدها. انتهى. المعنى أن بعض الناس يتحايل في شأن النظر فينظر النظرة الأولى بالتذاذ وتأمل للمحاسن باعتبار أن النظرة الأولى له وليس الأمر كذلك إنما المراد نظرة الفجأة، وهذا يحصل بلا تعمّد فيصرف الإنسان بصره مباشرة. وفي حديث جرير بن عبدالله ﵁ قال: سألت رسول الله ﷺ : عن النظرة الفجأة قال: (اصرف نظرك). (٢) قال ابن الجوزي في الحديث: وهذا لأن الأولى لم يحضرها القلب ولا يتأمل بها المحاسن ولا يقع الالتذاذ بها

стр. 44

فمتى استدامها مقدار حضور الذهن كانت كالثانية في الإثم. قال ابن عبد القوي في (منظومة الآداب): وطرْفُ الفتى ياصاحِ رائدُ فرْجهِ ... وَمُتْعِبُهُ فاغْضُضْهُ ما اسْطَعْتَ تَهْتَدِ قال السفاريني في الشرح: (مُتْعِبُهُ) أي سبب تعبه وسلبه الاستراحة متى أرْسَله ولم يغْضضه. ومن ثم قال: (فاغْضِضِه) أي احفظه واحْتمل المكروه منه. قال في النهاية: غَضَّ طرفه أي كسَره وأطْرق ولم يفتح عينه، وفي قصيدة كعب: وما سُعاد غداة البيْن إذْ رَحلوا ... إلا أغَنَّ غضيض الطرف مكحول قال ابن هشام في شرحه لقصيدة كعب: غَضُّ الطرف عبارة عن ترك التحديق واستيفاء

стр. 45

النظر، فتارة يكون ذلك لأن في الطرف كسْراً وفتوراً خُلُقِيَّيْن وهو المراد في كلام كعب، وتارة يكون لقصد الكف عن التأمل حياء من الله تعالى وهو المراد في كلام الناظم [يعني ابن عبد القوي] فإن مراده رحمه الله تعالى: (فاغضض طرفك) امتثالاً لقوله تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ (١) انتهى. قال الحجاوي: فضول النظر أصل البلاء لأنه رسول الفرج، أعني الآفة العظمى والبليّة الكبرى، والزنا إنما يكون سببه في الغالب النظر وهو من الأبواب التي تفتح للشيطان على ابن آدم، وما أحسن قول الصرصري ﵀. وغضّ عن المحارم منك طرفاً ... طموحاً يفتن الرجل اللبيبا فخائنة العيون كأُسْدِ غاب ... إذا ما أُهْملتْ وثَبَتْ وثوبا ومن يغضض فضول الطرف عنها ... يجد في قلبه رَوْحاً وطِيبا

стр. 46

انتهى ما ذكره الحجاوي، قال ابن القيم: فإن فضول النظر يدعو إلى الاستحسان ووقوع صورة المنظور إليه في القلب والاشتغال به والفكر في الظفر به، فمبدأ الفتنة من فضول النظر. وقال ابن القيم في بدائع الفوائد: يا رامياً بسهام اللحظ مجتهداً ... أنت القتيل بما ترمي فلا تُصِبِ وباعث الطرف يرتاد الشفاء له ... تَوَقَّهُ إنه يَرْتَدُّ بالعَطَب ترجو الشفاءَ بأحداق بها مرضٌ ... فهل سمعتَ ببرء جاء من عَطَب وَمُفْنِياً نفسه في إثْر اقْبحهم ... وصْفاً لِلَطْخ جمال فيه مُسْتَلَب ووَاهباً عمره في مثل ذا سَفَها ... لوْ كنت تعرف قدْر العمر لم تَهَب وبائعاً طِيب عيش مالَه خطرٌ ... بِطْيف عيش من الأيام مُنْتَهَب غُبْنتَ والله غبناً فاحشاً فلَواسْـ ... ـتَرْجعتَ ذا العقد لم تُغْبن ولم تخِب وقال ﵀: والنظر أصل عامة الحوادث التي تصيب الإنسان فإن النظرة تولد خطرة ثم تولد الخطرة فكرة ثم تولد الفكرة شهوة ثم تولد الشهوة إرادة ثم

стр. 47

تقوى فتصير عزيمة جازمة فيقع الفعل ولابد مالم يمنع منه مانع. انتهى. انظر كيف يجلب الإنسان الداء الدّويّ لنفسه بإطلاق نظره. ومن كان يؤتى من عدوٍّ وحاسدٍ ... فإنيَ من عيني أُتيتُ ومِن قلبي هما اعْتَوَراني نظرةً ثم فكرةً ... فما أبْقَيا لي من رقاد ولا لُبّ قال ابن الجوزي في كتاب (آداب النساء) واعلم أن أصل العشق إطلاق البصر، وكما يُخاف على الرجل من ذلك يُخاف على المرأة. قال: وقد ذهب دين خَلْق كثير من المتعبدين بإطلاق البصر وما جلَبَه، فليُحذر من ذلك.

стр. 48

النظر إلى المردان قال شيخ الإسلام ابن تيمية: من كرر النظر إلى المردان ونحوه وقال: لا أنظر لشهوة كذب في دعواه. قال الشيخ موسى الحجاوي في شرح الآداب: وجدت في ظهر ورقة في كتاب أبياتاً منظومة كأنها والله أعلم جواب سؤال رجل كان يُعلّم أولاداً مُرداً فخاف أن تميل نفسه إليهم أو كادت تميل، وهذا ما وجدت: أيا سائلاً بالله إن كنت ذا تُقى ... وترجو ثواب الله في جنة الخلدِ فإياكَ والأحداث لا تقربنّهم ... ولا ترسلن الطرف فيهم على عَمْد وإرسال طرفٍ منك لا تحقرنّه ... ففي ضِمْنه سهم يفوق على الهند فإنك إنْ أرسلت طرفكَ رائداً ... تُمَتِّعُهُ يا صاح بالناعم الخدّ تبوءُ بإثمٍ ثم تُسْلَبُ أْنعماً ... ثلاثاً بهنّ الله يهدي إلى الرشد حلاوة إيمان ونور فراسةٍ ... وثالثها إيمان ذي القوة الجَلْد فما بعد ذا الخسران ربح فخلِّهم ... يُعلِّمهم ذو عِفَةٍ حسن القصد ما أعظم الخسارة إذا سلب العبد واحدة من هذه

стр. 49

الثلاث فما بالك بها كلها، حلاوة الإيمان وهل هناك إيمان بلا طعم ولذة؟ وانطماس البصيرة، وذهاب الفراسة فيضل المرء تائها بلا دليل، وثالثة الأثافي ضعف الإيمان بذهاب قوته وَوَهَن عمله. قال ابن القيم: وقد جعل الله العين مرآة القلب، فإذا غض العبد بصره غض القلب شهوته وإرادته، وإذا أطلق بصره أطلق القلب شهوته. وأرى السهام تأمّ من يُرْمى بها ... فعلامَ سهم اللحظ يُصْمي مَنْ رَمى

стр. 50

رسالة من محب إلى محبوبه وجوابها تبيتُ بلا هَمِّ وقلبكَ ساليا ... فلَيتكَ تدْري عن هُموم اللياليا وليتكَ تدري عن صَبابة عاشقٍ ... عليلٍ يكاد الشوق يَرْثى لِحَالِيا بذكركِ قلبي هائمٌ أنت سلوتي ... وإنْ كان حَظي منك طول التنائيا فجد يا حبيبي بالوصال فإنما ... شفاء فؤادي لَوْ رأيتُكَ خاليا تداركني قبل الفواتِ فإنني ... طريحٌ جريحٌ نارَ حبك صاليا الجواب الجميل من الشاب النّبيل أقولُ باسم الله والله عالمٌ ... سَريرة نفسي والذي كان خافيا قرأتُ كتاباً جاء منك فهالني ... تَبَاريح وَجْدٍ ما خَطَرْنَ بِبالِيا وما كنتُ أدري أن مثلك عاشقٌ ... لِمِثْلي ولا أدري هُموم اللياليا وهل يُعْشَق الذكران أم أنت حالمٌ ... وهل يُعْشق الذكران أم أنتَ هاذِيا أعوذ بوجه الله فهو يُجيرني ... ويحفظني من كيد من كان عاديا أمِنْ قوم لوطٍ أنت ياشرَّ وَاطءٍ ... على الأرض أم قد صِرْتَ للقوم تاليا أما تقرأ القرآن فيهِ زَوَاجرٌ ... وفيه وعيدٌ لا محالة آتيا وكيف أتى جبريلُ قوماً تَمَرّدُوا ... فعاقبهم فيما يُشِيبُ النواصيا

стр. 51

فلو تُبْصر الفسّاق تحتَ دِيارهم ... رأيتَ من الأهوال ما كان كافيا لِزَجر نفوسٍ أُفْلِتَتْ مِنْ عِقَالِها ... لأهوائها سارت تُجيب المناديا عذابٌ وخزيٌ والقيامة مَوْعِدٌ ... لمن هَتكَ الأستارَ أو كان عادِيا هُناكَ يَوَدّ المرءُ لوْ كان بَيْنَهُ ... وبين فِعال السوء بُعْد الفيافيا أمَا قال خير الخلق ملعونُ فاعلٌ ... وكرّرها مَعْدودةً بالتواليا وقد ذكروا أن الملاوطَ خارجٌ ... من القبر مَعْ خِلٍّ حبيب مُوَاتيا وقدْ فُضِحوا بين الخلائق كلها ... وعَوْراتهم تُبْدي قبيح المساويا أعوذ بربي منكَ ما أفظع الذي ... تبُوح به إني لمثلك قاليا ومَن تاب فالرحمنُ يغفر ذنبه ... ومن عاث إفساداً فللنّار صاليا وصلِّ إلهي كل وقتٍ على الذي ... نهى عن فِعالِ السوءِ مادمتَ شائيا

стр. 52

عواقب المعاصي وثواب الحسنات قد كتبتُ كلاماً في هذا في نسخة (دِشٌ ودين كيف يجتمعان) ومن المناسب هنا الكلام في ذلك ليُعْلم جيداً أن في التعبّد للإله الحق حِكَمٌ وصْفها فوق ما يخطر بالبال ويجول في الخيال، وأن آثار الحسنات والسيئات مباشر لروح العبد وبدنه يؤثر فيه حُسْناً وقبحاً، استنارة وظلمة أُنْساً ووحْشة، طيب رائحة وضدها في حال حياته وأن الله سبحانه كان محسناً في الأزل وله الجلال والجمال والكمال بلا مشارك وأنه أراد أن يُفيض إحسانه على مخلوق يخلقه وهو الإنسان خلاصة الوجود وموضع فضل الإله فصَوّره بأحسن صورة وأسبغ عليه نعمه ظاهرة وباطنة وسخر له كل شيء وإنما خلقه من أجله لا من أجل المخلوقات، فإذا تعلّق قلبه بالمخلوقات انقطع عن إلهه ومعبوده الحق.

стр. 53

صورة روح الإنسان المستمر على الفطرة والإيمان يوضح ما تقدم الكلام على الروح وصورتها وصفاتها فهذا هو الكاشف على الحقيقة لِسِرِّ العبودية وحقيقة التألّه والكاشف بجلاء لتأثير الحسنات والسيئات المباشر في هذه الحياة. روح الإنسان يخلقها الإله من نفخة الملَك الموكّل بنفخ الروح في الرِّحم كما أنه سبحانه هو الخالق لِلمَلك ونفخته. ففي حال النفخ يخلق الله الروح فتدخل في الجنين سارية فيه سريان الماء في الإسفنج، وإن شئت قلت: تلابسه في كل جزء منه وهذه الروح لها صورة جميلة وهي صورة الإنسان نفسه في الحقيقة، وغاية البدن أنه

стр. 54

مركباً لها. ولها استنارة وإشراق، وقد أوْدَعَها بارؤها معرفته ومحبته وإرادته فِطرْةً فطرها عليها. وهذا شامل لكل أرواح بني آدم المؤمن والكافر إذْ أن الخير والصلاح والجمال والكمال والنضرة وطِيب الرائحة أصليّ في فطرة الروح وخِلْقتها. أما الشر والفساد والقبح والنقص والظلمة ونَتَنُ الرائحة فطارئ دخيل، وهو مقارن وملازم للتغيير ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ (١). كذلك فإن الأُنس والسرور أصيل والهم والغم طاريء دخيل مع التغيير، إن هذا الذي فُطر عليه الإنسان في الغاية من الحُسْن والكمال لكنه لا يكفي وحده بل لابد من مُكَمِّل لهذا الكمال ومُجَمِّل لهذا الحسن والجمال

стр. 55

وهو معرفة الروح لما يحبه معبودها فتعمله بتوفيقه ومعرفة ما يبغضه فتجتنبه بتوفيقه أيضاً لتتم عليها النعمة. والمراد بالتوفيق هنا خلق العمل وإبرازه إلى الوجود على مقتضى ما يحبه الإله باختيار العبد وإرادته. وهذا لا يستقل عقل الإنسان بمعرفته كما أن قدرته لا تستقل بإيجاده بل لابد فيه من الرسل، وهذه وظيفتهم وهي إبلاغ العباد تفاصيل ما يحبه معبودهم ليعلموه وليس هو بالغريب عليهم بل إن في فطرتهم الأصلية إرادته ومحبته لأن معبودهم يحبه كما تقدمت الإشارة إلى هذا. وكذلك وظيفتهم إبلاغ العباد تفاصيل ما يبغضه معبودهم ليجتنبوه ويبغضوه، وكما أن محبة ما يحبه معبودهم سبحانه ليست غريبة عليهم وأنها مركوزة في فطرهم فكذلك بغض ما يبغضه.

стр. 56

إذا تبين ما تقدم فيقال هنا: إن الإنسان إذا نشأ ولم يعرض لِفطرته وخِلْقته عارض صارف لها عما فُطِرتْ عليه فإن روحه تبقى على الأصل الذي تقدم بيانه فتطلب وتستدعي ما جاءت به الرسل طلباً بإرادة ومحبة كما يطلب البدن السليم ويستدعي الأغذية والأشربة الملائمة الطيبة التي فيها قوام حياته إذْ أن ما أتتْ به الرسل هو قوام الأرواح وحياتها والعمل به هو رَوْحِها وفيه سرورها ونعيمها، وبالقيام به يحفظ الله لها ما أصَّلَ فيها في الخِلْقة الأولى ويُنَمِّيه ويزيده كل بحسب إخلاصه ومتابعته. فبالعمل بالشريعة تقوم الروح بوظيفتها التي من أجلها خُلِقت، ومن هنا تترقى في درجات الجمال والكمال بتوافق الفطرة والشرْعة، حتى تصل إلى المقام والحد الذي سبق لها بتقدير فاطرها الوصول إليه في ختام حياتها، وهنا اسْتَحْضِرْ ما صح عن رسول الله ﷺ في

стр. 57

شأن الأرواح وقت المغادرة للدنيا والقدوم على الآخرة، فروح المؤمن لها إشراق هو نور جمالها وكمالها وروح الكافر والفاجر ضدّ ذلك، وكذلك الرائحة طيبة وخبيثة. إذا تبين ما تقدم وظهر عُلِمَ منه سِرّ العبودية والتألّه، وهو أن في قلب العبد وروحه تأّله مُوجب للإرادة والطلب وأن ذلك فطرة وخِلْقة تُغَذيها وتنميها الشِّرعة، وأن المراد من ذلك التهيئة الصالحة المناسبة للقرب من المعبود وسكنى داره، وكمال النعيم بجواره، حيث لا يصلح لهذا المقام كل أحد. إن مسالك هذه الغاية مقفلة مغلقة، مع محمد ﷺ مفاتيحها، وفي هذا معنى كبيراً من معاني شهادة أن محمداً رسول الله. وحيث أن الكلام هنا صار في الطلب والإرادة والمحبة الفطرية التي تُغذيها وتُنميها الرسالة الشرعية فما زلنا في

стр. 58

مجال ومحيط التعلّق فلابد من الكلام في مُتَعَلَّق ذلك وغايته لكن يأتي هذا إن شاء الله بعد بيان المسلك الآخر للروح والقلب وهو المضادّ لِما تقدم وصْفه ففي ذكر الشيء ومضادّه تنكشف حقائق وتتجلّى علوم لا تحصل بدون ذلك.

стр. 59

صورة روح الإنسان الملازمة لها مع الانحراف والطغيان تقدم الكلام في أصل الخِلقة وحسنها وأن حصول كمالها بالشِّرعة المبيِّنَة مَواضع رضى المعبود ومواضع سخطه وأن طلب الأول وإرادته ومحبته والعمل به هو طريق التهيئة والتحْلية بحلل الجمال والحسن والكمال وأنه لا يحصل هذا إلا ببغض الثاني ورَفضه والبعد عنه. فهنا يقال: حيث تقدم الكلام في الأصل فيبقى الكلام الآن في الطارئ الدخيل المغيِّر. قد أخبر النبي ﷺ في الحديث الصحيح أن كل مولود يُولد على الفطرة وليس كل أحد يستمر على هذا الأصل بل الكثير مُعَرّضون للطارئ الدخيل عليها، وليس في ذكر الأبوين حصر للصارف عن الفطرة وإنما ذلك يحصل

стр. 60

بسببهما في الغالب لِمَكانهما من التربية. تأمل أصل الروح ومادتها السماوية الملَكية بجمالها وحسنها وإشراقها. إن ملائكة الإله في الغاية من الجمال والكمال وإن أصل خِلقتهم النور كما ورد في الحديث وهذه الروح خُلقت من نفخة هذه الذات العَلِيّة الشريفة فحُق لها أن تكون كما سبق الوصف لها، فإذا جاء الكلام على الدخيل عليها فقد دخلنا في وصف الظلمة والوحشة والقبح والهم والغم والنكد، وهذا ملازم لروح من انحرف وانصرف عن الفطرة والشرعة، فإمّا إلى الكفر وهذا لِرُوحه وافر الحظ والنصيب من هذه الصفات، وأما إلى الفسق والفجور فلِروح هذا نصيب من ذلك بحسبه. إن صلاح كل عضو من أعضاء الإنسان أن يستمر على خِلْقته السويَّة مُؤَدِّياً عمله المنوط به كما أراد الذي

стр. 61

خلقه، وبعض هذه الأعضاء قد يتعطل نهائياً كعمى العين وصمم الأذن وبكم اللسان وقد يكون العطل جزئياً كالعشى للعين والثقل للسمع واللثّة للسان ونحو ذلك، وهذا كله ليس هو المراد، إنما المراد الروح والقلب، فهل يقال: إن هذه الأعضاء من السمع والبصر وبقية الأعضاء لها وظائف كمالها بتأديتها على الوجه المطلوب، وألمها ونقصها في تعطّلها من ذلك والقلب والروح لا وظيفة لهما ولا تأثير للتعطل الكلي ولا الجزئي عليهما؟ معلوم أن هذا ظاهر البطلان وأن حقيقة الإنسان هي روحه وقلبه والمعوّل على ذلك. وقد أخبر النبي ﷺ أنه بصلاح القلب يحصل صلاح الجسد وبفساده يفسد، والمراد بالصلاح استقامة الدين، وبالفساد الانحراف عنه فالاهتمام إذاً بصلاح الروح هو أساس البناء إذ الأعضاء كلها تابعة لصلاح القلب

стр. 62

والروح. وحيث أنه قد تبين فيما تقدم جمال صورة الروح بطاعة خالقها فالمقابل لذلك فسادها بتأثير معصيته سبحانه وقبح صورتها وخبث رائحتها. إنها تفسد في الوقت الحالي الذي تباشر فيه ارتكاب محرّم أو تترك فعل واجب ويظهر أثر ذلك عليها ظلمة وقبح صورة ووحشة ونتن رائحة إلا إن تداركها الله بتوبة تدافع الأثر السَّيِّئ أو حسنات ماحية. ومن هنا يشعر العاصي بالكآبة والحزن ويُصاحبه الهم والغم وذلك للآثار التي حصلت لروحه وهو لا يعرف السبب ثم هو يريد أن يهرب من هذا العذاب والضنك والضيق فيُعاود المخالفة لأنه يجد بها لذّة تُواري عنه ما يُحس به من الألم والهم والغم. وتأمل كلمة (تُوَاري) بدلاً من أن يقال: (تُذهب)

стр. 63

لأن فساد روحه وألمها لم يفارقها بل زاد بزيادة المخالفة لكنه متخدّر لا يشعر، وإنما يذهب الألم وتحصل العافية بالتوبة. الخلاصة أن الروح طول الحياة تُمدّها وتُعِدّها مادتان: مادة حُسْن وجمال وكل ما فيه كمال، تُعَدّ بذلك وتُهَيّأ للرضوان وسكنى الجنان. ومادة قبح وأنتان وكل ما فيه ذلّ وهَوَان تُعَدّ بذلك لسكنى النيران، والعبد لِمَا غلب عليه. ثم إن الآثار في كِلا الحالتين تظهر على الأبدان، لكن هذا يعرفه ويميزه من نوّر الله قلبه بنور الإيمان الذي يُثمر له هذا التمييز والفرقان. إذا ظهر هذا ظهرت الحكمة من الأمر والنهي وأنه اللطف والرحمة وحقيقة النعمة. وظهرت أيضاً حكمة أن ما تعارف من الأرواح

стр. 64

ائتلف وما تناكر منها اختلف بأنها المشابهة والمشاكلة وموجبات الوِدّ والمحبة بين أهل الإيمان والبغض والنّفرة لأهل المعاصي والطغيان، كذلك فإن لهؤلاء ائتلاف ومودة فيما بينهم لأجل المشابهة والمشاكلة أيضاً لكنها لأغراض مضمحلة فانية تزول بزوال مُتَعلَّقها فتنقلب عداوة قال تعالى: ﴿الأ خلاّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ الْمُتَّقِينَ﴾ (١). انقطعت بانقطاع أسبابها وانقلبت عداوة ثماراً لِغِراسها. إذْ هي باطلة من أساسها. ولك الآن أن تتصوّر إنساناً في الغاية من الجمال ظاهراً وباطنا وعليه حُللاً بَهيّة نظيفة ويعْبق من الرائحة الزكيّة وهو سائر في طريق رحْب آمن مُسْتنير، وعن يمين الطريق وعن شماله طرق مظلمة موحشة قذرة ومخيفة فانحرف هذا السائر عن طريقه إلى تلك الطرق فغَشَتْه

стр. 65

الظلمة وعَلَتْه الوحشة وتلطخ بقاذوراتها وصار مأسوراً لمن دعاه إلى سلوكها يُعاني من الهموم والغموم ما الله به عليم. هذا مثل من انحرف عن طاعة الله إلى معصيته، وقد أبان النبي ﷺ ذلك غاية البيان ففي حديث ابن مسعود ﵁: (خط لنا رسول الله خطاً وخط خطوطاً على جنبتيه) الحديث فالخط المستقيم هو معْنوي في الدنيا حِسِّي في الآخرة وفي مثل سَيْر العبد عليه في الدنيا يكون سيْره على صراط جهنم في الآخرة، وكوْنه معنويّ في الدنيا لأنه ليس كالطرق المحسوسة فالإنسان المطيع يكون جالساً يذكر الله أو يعمل عملاً صالحاً في هذه الحال سائراً إلى الله على الصراط المستقيم، ثم قد يتكلم هذا الشخص نفسه بكلام باطل في مجلسه ذلك فينحرف آخذاً بتلك الطرق الجانبية بحسب انحرافه بُعداً وقرباً،

стр. 66

وكذلك لو عمل عملاً يسخط الله، وقد يحصل له مثل ذلك وهو سائر في طريق من طرق الدنيا حِسِّية لكن لا دخل للطريق هنا فالشأن بالأمور المعنوية بالنسبة للطريق نفسه، إنما المراد أنه قد يكون ذاكراً الله أو متفكراً في آلاء الله وهو سائر فرأى صورة لا يحل له النظر إليها فصرفته بأثرها السَّيء عن طريق سيره فانقطع بالأسر أو ضَعُفَ سيره بالأماني الباطلة وانشغال الفكر لأجل نظرة أوْرَثته حسرة. وقد تقدمت قصة الطائر وزوال جماله وتلطخه بما تطلخ به ثم اغتساله ولُبْسَه مِسْكه وعودته إلى حاله، وموضعها في هذا الفصل إنما قدّمتها لأهميتها ولأنها توضح معنى الكتاب كله. فالآثار تكون على الروح وعلى البدن لكنها على الروح أظهر، ثم إنه لا تخفى حال من قرب منه عدوه

стр. 67

وتمكن منه فإنه يأسره ويعذّبه فما شئت من حصول الهم والغم والمعيشة الضنك لكن قد لا يشعر بذلك لانغماره بشهواته وملذوذاته ولجهله أيضاً وغفلته مع أن العذاب يعمل بروحه عمله. وفي النهاية تُخْرَج هذه الأرواح من الأبدان التي كانت فيها، وهذا هو القدوم على الله ويكون خروجها على الصفة التي كانت عليها في الدنيا وما تأثرت به من آثار الحسنات أو السيئات، وليس الكلام هنا في الحالات الاستثنائية من إبطال آثار السيئات بالحسنات أو الأمراض والمصائب المكفّرة المطهِّرة، كذلك شدة النزع والسكرات، إنما الكلام هنا بالإجمال لبيان سِرّ عبودية الإله وحسن الطاعة وقبح المعصية. وتأمل الآن قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ

стр. 68

سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ (١). فهذا التقسيم يوضحه ما تقدم، وآيات من القرآن مثل قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ (٢) وهذا البياض والسواد وصف لصور المطيعين والعاصين وهو ما تكون عليه الوجوه في القيامة من الجمال والكمال والسرور وضدّ ذلك الوجوه المسودة.

стр. 69

مُتَعَلَّق الروح الحق قد ظهر مما تقدم أن الروح خُلِقَتْ خِلْقة وفُطِرَتْ فطرة على أنها مريدة محبة لفاطرها وأن هذا عملها وهذه وظيفتها كوظيفة الإبصار للعين والسمع للأذن وبقية الأعضاء لوظائفها، وأن الروح هي الأصل والأعضاء فروع بالنسبة إليها إذْ هي المتصرفة في أعضاء البدن بتصريف خالقها لها. والمراد أن لها مراداً واحداً ومطلباً واحداً ومحبوباً واحداً إذا صُرفت عن إرادته وطلبه وحبه فهي ولابد مُتألمة معذّبة، فألَمها وعذابها بالوحشة التي حصلت لها بدل الأنس بمحبوبها الحق الذي فطرت عليه، وألمها وعذابها بالتغيّر الذي اعتراها من الجمال إلى القبح ومن الإشراق إلى الظلمة ومن العز إلى الذل ومن السّعة

стр. 70

والانشراح إلى الضيق والضنك لأجل قرب عدوها الشيطان منها وتمكّنه من إفسادها، وقد تقدمت الإشارة إلى هذا. والقصد هنا المتعلّق نفسه المراد المطلوب المحبوب الذي بحصوله نعيم الروح وسعادتها وكمالها في الدنيا قبل القبر وقبل القيامة ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (١) وبحصول غيره لها مراداً ومطلباً ومحبوباً عذابها في الدنيا ولابد ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ (٢) ولا فكاك من هذا أبداً سواء حصل لها ذلك الغيْر وتلذذت به تلذذها بأكل الطعام الشهي المسموم

стр. 71

أو لم يحصل لها. قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ (١) الآية إن أعظم ما كرّم الله به ابن آدم على الإطلاق هو أن خلق روحه على هذا الوصف المتقدم وفطرها عليه وهو إرادة وجهه الكريم محبة بإجلال وتعظيم، وأنه لا بديل لها منه سبحانه إلا ما تُعَذب به حَتْمًا بدون استثناء فإما هو أو البديل وهو: ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً﴾ (٢). تأمل ذم الإله من صَدّ وأعرض عنه مولاه وأنه استبدل به عدوه ﴿وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ﴾ إن هذا لأسوأ اختيار يكون أن يدع الإنسان وَلّيه ويستسلم لعدوه، ثم انظر ختام الآية وأن هذا العدو بئس البديل وأن هذا لا

стр. 72

يحصل إلا للظالمين ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ (١) والذنوب مادون الشرك كلها ظلم فلا يخص هذا المشرك بل لمن ظلم نفسه بالكبائر فما دونها نصيب من هذا الخسران بحسبه ومنه هذا البديل بحسبه، ولما كان الأمر كذلك صارت كلمة (لا إله إلا الله) بهذه المنزلة العظيمة إذ هي تنفي كل مألوه للقلب سوى الحق سبحانه فتثبت إلهيته خِلْقَة وشِرْعة. والمراد أن الرب سبحانه إنما كرّم ابن آدم بأن فطر روحه على التعلق بذاته محبة وإجلالاً وتعظيماً ومهابة وعبودية لأنه سبحانه مُتّصف بكل ما تحبه الروح وتريده وتطلبه فهو سبحانه له الجمال كله والجلال كله والعظمة كلها بلا مشارك ولا مماثل. إن الروح لو جالت في الكون من جرم العرش حتى

стр. 73

الأرض السابعة لا تجد مُتعلَّقاً لعبوديتها الحقّة أبداً لأنها تصطدم بمخلوقات مثلها، فالعرش فما دونه مواد مخلوقه تشترك معها بوصف الافتقار الذاتي والتخليق، وأنها مواد خُلقت من العدم؛ والعدم ليس بشيء. وكل ما تتعلق به دون معبودها الحق فله صورة يتصورها القلب على حقيقتها أو بما يماثلها فترتسم هذه الصورة في القلب فيعكف عليها إرادة وطلباً ومحبة فتكون حجاباً مانعاً له عن إفضائه إلى معبوده الحق، ومن هنا تأتيه القسوة والظلمة والوحشة والصفات التي تقدم بيانها لانقطاعه كلياً أو جزئياً عن إلهه الحق. ولما كان الإله سبحانه ذو فضل ومَنّ وإحسان وبر وجلال وجمال، وكمال لا يبلغه وصف، وذو إحسان ذاتي لا تقابله أثمان، كيف والملْك كله له سبحانه وهو الغني الحميد فأراد برحمته وإحسانه ولطفه وكرمه أن

стр. 74

يُوجد هذا المخلوق ليُفيض عليه إحسانه فلم يرض له من مخلوقاته متعلَّقا محبوباً لذاته سواه لعلمه أن ما دونه لا يسدّ فاقة عبده وفقره الذاتي فخلقه مريداً له محباً مشتاقاً إليه لا لشيء يريده منه سوى قربه ومحبته ورضوانه لِما يتصف به سبحانه مما لا يغني روح عبده سواه ولا يسدّ فاقتها وفقرها الذاتي غيره ولوْ حِيز لها ما في الأكوان. فمن هنا قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ فذكر ما سَخّر كوسيلة لأجَلّ الغايات وأسماها وهي علاقة هذا المكرم بالمنعِم المكرِم، إنها علاقة لا تشبه علاقة الولد بأبيه وأمه ولا أي محب بمحبوبه، إنها علاقة العبد بسيده ومعبوده الذي لا غنى له عنه طرفة عين، الذي إذا فَقَدَهُ فقد كل شيء ولو حصلت له كل أمانيه وإذا حصل له فنعيمه لا يشبهه نعيم لا في دنياه ولا آخرته. هذا هو الأصل لخلق الخليقة إنما هو لِفَيض الإحسان

стр. 75

والإنعام والإكرام عليهم، لكن قَدَّر الحكيم سبحانه أن يُفاوِت بينهم فلم يجعلهم كلهم في قبول كرامته ونعمته سواء والتي هي تعلّق أرواحهم بذاته محبة وإجلالاً وتعظيماً الذي هو غاية كمالهم. بل قَدَّر على أكثرهم الكفر به لا عبثاً وسُدى ولا لأجل فقط أن يغضب وينتقم ويُعذب فليس من أسمائه الحسنى الغضبان ولم يقل: (الغضبان على العرش استوى) وإنما في سبعة مواضع من القرآن جاءت ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (١) وما خلق العباد لإنفاذ غضب هو مُتصف به فيحصل له بإنفاذه التشفّي كالمخلوق، ولم يكن قبل وجود ما أوْجد من خلقه غضباناً، فما الذي يُغضبه؟ فقد كان سبحانه ولا شئ غيره فلا ممانع ولا مضاد ولا نِدّ ولا مشارك لكنه له صفة الغضب فلما أراد سبحانه
следующие страницы →