أو لم يحصل لها.
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ (١) الآية إن أعظم ما كرّم الله به ابن آدم على الإطلاق هو أن خلق روحه على هذا الوصف المتقدم وفطرها عليه وهو إرادة وجهه الكريم محبة بإجلال وتعظيم، وأنه لا بديل لها منه سبحانه إلا ما تُعَذب به حَتْمًا بدون استثناء فإما هو أو البديل وهو: ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً﴾ (٢).
تأمل ذم الإله من صَدّ وأعرض عنه مولاه وأنه استبدل به عدوه ﴿وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ﴾ إن هذا لأسوأ اختيار يكون أن يدع الإنسان وَلّيه ويستسلم لعدوه، ثم انظر ختام الآية وأن هذا العدو بئس البديل وأن هذا لا
стр. 72
يحصل إلا للظالمين ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ (١) والذنوب مادون الشرك كلها ظلم فلا يخص هذا المشرك بل لمن ظلم نفسه بالكبائر فما دونها نصيب من هذا الخسران بحسبه ومنه هذا البديل بحسبه، ولما كان الأمر كذلك صارت كلمة (لا إله إلا الله) بهذه المنزلة العظيمة إذ هي تنفي كل مألوه للقلب سوى الحق سبحانه فتثبت إلهيته خِلْقَة وشِرْعة.
والمراد أن الرب سبحانه إنما كرّم ابن آدم بأن فطر روحه على التعلق بذاته محبة وإجلالاً وتعظيماً ومهابة وعبودية لأنه سبحانه مُتّصف بكل ما تحبه الروح وتريده وتطلبه فهو سبحانه له الجمال كله والجلال كله والعظمة كلها بلا مشارك ولا مماثل.
إن الروح لو جالت في الكون من جرم العرش حتى
стр. 73
الأرض السابعة لا تجد مُتعلَّقاً لعبوديتها الحقّة أبداً لأنها تصطدم بمخلوقات مثلها، فالعرش فما دونه مواد مخلوقه تشترك معها بوصف الافتقار الذاتي والتخليق، وأنها مواد خُلقت من العدم؛ والعدم ليس بشيء.
وكل ما تتعلق به دون معبودها الحق فله صورة يتصورها القلب على حقيقتها أو بما يماثلها فترتسم هذه الصورة في القلب فيعكف عليها إرادة وطلباً ومحبة فتكون حجاباً مانعاً له عن إفضائه إلى معبوده الحق، ومن هنا تأتيه القسوة والظلمة والوحشة والصفات التي تقدم بيانها لانقطاعه كلياً أو جزئياً عن إلهه الحق.
ولما كان الإله سبحانه ذو فضل ومَنّ وإحسان وبر وجلال وجمال، وكمال لا يبلغه وصف، وذو إحسان ذاتي لا تقابله أثمان، كيف والملْك كله له سبحانه وهو الغني الحميد فأراد برحمته وإحسانه ولطفه وكرمه أن
стр. 74
يُوجد هذا المخلوق ليُفيض عليه إحسانه فلم يرض له من مخلوقاته متعلَّقا محبوباً لذاته سواه لعلمه أن ما دونه لا يسدّ فاقة عبده وفقره الذاتي فخلقه مريداً له محباً مشتاقاً إليه لا لشيء يريده منه سوى قربه ومحبته ورضوانه لِما يتصف به سبحانه مما لا يغني روح عبده سواه ولا يسدّ فاقتها وفقرها الذاتي غيره ولوْ حِيز لها ما في الأكوان.
فمن هنا قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ فذكر ما سَخّر كوسيلة لأجَلّ الغايات وأسماها وهي علاقة هذا المكرم بالمنعِم المكرِم، إنها علاقة لا تشبه علاقة الولد بأبيه وأمه ولا أي محب بمحبوبه، إنها علاقة العبد بسيده ومعبوده الذي لا غنى له عنه طرفة عين، الذي إذا فَقَدَهُ فقد كل شيء ولو حصلت له كل أمانيه وإذا حصل له فنعيمه لا يشبهه نعيم لا في دنياه ولا آخرته.
هذا هو الأصل لخلق الخليقة إنما هو لِفَيض الإحسان
стр. 75
والإنعام والإكرام عليهم، لكن قَدَّر الحكيم سبحانه أن يُفاوِت بينهم فلم يجعلهم كلهم في قبول كرامته ونعمته سواء والتي هي تعلّق أرواحهم بذاته محبة وإجلالاً وتعظيماً الذي هو غاية كمالهم. بل قَدَّر على أكثرهم الكفر به لا عبثاً وسُدى ولا لأجل فقط أن يغضب وينتقم ويُعذب فليس من أسمائه الحسنى الغضبان ولم يقل: (الغضبان على العرش استوى) وإنما في سبعة مواضع من القرآن جاءت ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (١) وما خلق العباد لإنفاذ غضب هو مُتصف به فيحصل له بإنفاذه التشفّي كالمخلوق، ولم يكن قبل وجود ما أوْجد من خلقه غضباناً، فما الذي يُغضبه؟ فقد كان سبحانه ولا شئ غيره فلا ممانع ولا مضاد ولا نِدّ ولا مشارك لكنه له صفة الغضب فلما أراد سبحانه
стр. 76
ظهور آثارها كما أراد ظهور آثار صفة الرحمة واللطف والكرم والجود وغير ذلك من صفاته قدّر الكفر والمعاصي لِحكم باهرة، ظهورها أحبّ إليه من عدمه ولِما يُعقْب ذلك من عواقب حميدة هو سبحانه يعلمها، ولأجل ما قَدّره من الكفر والمعاصي خلق إبليس والشياطين وخلق جهنم وليست هي مُرادة له لذاتها، وإنما خلقها لحكمة وهي إصلاح ما فسد من الخليقة في النهاية وزاجر رادع عن المخالفة في البداية وغير ذلك من حِكم لا يحيط بها سوى علمه.
هذا هو اللائق بجلال المحسن الكريم الرحمن الرحيم وهو أن تكون الغاية من خلقه مَنْ خلق هو الإحسان والإنعام، وواجبٌ تنزيهه عما سوى ذلك.
ومن عرفه في غضب دائم بدوامه وعذاب دائم بدوامه فما قدره حق قدره، ولا يستطيع إثبات حكمة
стр. 77
الإله في خلق الشرور أبداً، إن معرفته سبحانه قبل خلقه المخلوقات وما يتصف به تُهَوِّن فهم ما تقدم وتفتح باب المحبة التي هي لبّ العبادة لأن العلم بالله أشرف العلوم على الإطلاق لكن العلم به وبأمره لابد أن يطابق المعلوم.
إن معرفة الرب بأنه غضبان منتقم أراد خلق بشر يُقدر عليهم الكفر والذنوب لينفذ فيهم غضبه بأن أعدّ لهم ناراً أشد حراً من نار الدنيا سبعين مرة يدوم عذابهم فيها بدوامه معرفة تفتح أبواب نفي رحمته وحكمته باتساع لنفاة ذلك، بل إنها معرفة مُنَفّرة من أرحم الراحمين يُنَزّه سبحانه عن ذلك، كما ينزه عن سائر ما يصفه به من لم يَقْدُره قدْره.
إن الغاية من الخلق والإيجاد والإعداد والإمداد هو الإحسان فهو الأصل كذلك الرحمة واللطف والكرم، أما الغضب فإنما هو حاصل لوجود مُتَعلَّقه الدخيل الطارئ
стр. 78
على الفطرة والخِلْقة الأصلية للحِكم الباهرة الناتجة من ذلك، ثم أنه لا يدوم بدوام الإله ولا يتساوى مع صفة الرحمة لا في الكيفية التي لا يعلمها إلا هو سبحانه ولا في الدوام الذي يستمر ويبقى بدوامه كالرحمة فالفضل ليس كالعدل.
إن الكلام في الحكمة والغاية التي خلق الله الخلق من أجلها أجل وأكبر من أن تحصرها كلمات كهذه وإنما هذه إشارة ونبذة مَنّ الله بها علينا وعَرفناها بواسطة شيخ الإسلام وتلميذه قدّس الله أرواحهما ورضي عنهما.
والتفاصيل مُودعة في مؤلفاتهما كنوز في حروز مفاتيحها التوفيق، والكلام في ذلك ليس من نافلة القول كيف وهو العلم بالله وحكمته سبحانه.
стр. 79
تحبيب الله إلى عباده
ذكر الإمام أحمد في كتاب الزهد أن الله أوحى إلى داود يا داود أحبني وأحبّ من يحبني وحبّب إليّ عبادي.
قال: يارب كيف هذا أحبك وأحب من يحبك فكيف أحبِّبك إلى عبادك؟ قال: تذكرني فلا تذكر إلا حسنا.
إن المطلوب تحبيب الله إلى عباده بمعرفته كما عرفه أنبياؤه وملائكته وخواص خلقه الذين عرفوه وأحبوه وعلموا ما يبهر العقول من حكمته ورحمته لا معرفة من استقل بفهمه فنفى عن الله ما أثبته لنفسه وأثبت له ما ينزه سبحانه عنه.
إذا عُلِمَ ما تقدم إجمالاً عُلِمَ أن ما ذُكر ليس خروجاً
стр. 80
عن المقصود بل دلالة تزيد المحبة للمعبود، لا تنفر عنه بسلوك طريق موحش ومسدود.
إذاً كرامة الله للعبد الموفق للسعي لنيل هذه الكرامة الذي سبقت له من ربه سابقة الإحسان قبل وجوده لا يحيط بها وصف واصف وكما تقدم فإنه لا أجَلّ من أن جعل الرب سبحانه مُتَعلَّق روح عبده ذاته العَلِيّة، وإذا كان نعيم أهل الجنة الذي منه مالا عين رأت ولا أُذن سمعت مما تشتهي الأنفس وتلذّ الأعين فوقه لهم نعيم يقول عنه الصادق المصدوق ﷺ : (فما أعطاهم شيئاً أحب إليهم من النظر إليه).
стр. 81
الروح تولد مرتين
في كتاب (الزهد) للإمام أحمد ﵀ أن المسيح ﵇ قال للحواريين: (إنكم لن تلجوا ملكوت السموات حتى تولدوا مرتين).
قال شيخ الإسلام ﵀: هي ولادة الأرواح والقلوب من الأبدان وخروجها من عالم الطبيعة كما وُلِدَتْ الأبدان من البدن وخرجت منه.
والولادة الأخرى هي الولادة الطبيعية، والله أعلم.
وقال: الولادة نوعان.
أحدهما: هذه المعروفة.
والثانية: ولادة القلب والروح وخروجهما من مشيمة النفس وظلمة الطبع.
وهذه الولادة لما كانت بسبب الرسول ﷺ كان
стр. 82
كالأب للمؤمنين، وقد قرأ أُبيّ بن كعب ﵁: (النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وهو أبٌ لهم).
وهذا معنى القراءة والآية في قوله تعالى: ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ (١) إذْ ثبوت أمومة أزواجه لهم فرع عن ثبوت أُبوّتِه ﷺ .
وقال ابن القيم عن النبي ﷺ أنه هو الأب الروحاني والوالد الأب الجثماني، وهو ﷺ سبب السعادة الأبدية للمؤمن في الدنيا والآخرة، والأب سبب لوجوده في الدنيا، ومعلوم أن الإنسان يجب عليه أن يطيع معلمه الذي يدعوه إلى الخير ويأمره بما أمر الله (٢) ولا يجوز له أن يطيع أباه في مخالفة هذا الداعي لأنه يدلّه على ما ينفعه
стр. 83
ويُقرّبه إلى ربه، ويحصل له باتباعه السعادة الأبدية.
فظهر فضل الأب الروحاني على الأب الجثماني، فهذا أبوه في الدين وذاك أبوه في الطين وأين هذا من هذا؟ انتهى.
تأمل هذا جيداً تعلم به قدْر علاقتك بنبيك ﷺ طاعة ومعصية وأن المراد إفرادك إياه بالطاعة وألا يحجبك أحد عنه بتقديمك قوله على قوله لا والد ولا غيره، واحذر أن تنقطع بينك وبينه هذه الأبوّة الروحية، فهذا العقوق لا يشبهه عقوق.
стр. 84
جلاء الحقيقة
واعلم أن أهل البصائر لا تخدعهم الظواهر وإنما لهم نظر ثاقب في الحال الحاضرة وما يكون في العواقب، وهذه قصة فيها عبرة وانقداح فكرة فإنه يُروى عن مالك بن دينار ﵀ أنه كان يوماً ماشياً في أزقّة البصرة فإذا هو بجارية من جواري الملوك راكبة ومعها الخدم.
فلما رآها مالك نادى: أيتها الجارية، أيبيعك موْلاكِ؟ قالت: كيف قلت يا شيخ؟ قال: أيبيعك مولاكِ؟ قالت: ولوْ باعني كان مثلك يشتريني؟ قال: نعم، وخيراً منك، فضحكت وأمرت أن يُحمل إلى دارها، فحُمل، فدخلت إلى مولاها فأخبرته فضحك وأمر به أن يُدخل إليه، فدخل، فأُلْقيت له الهيْبة في قلب السيد، فقال: ما حاجتك؟ قال: بِعني جاريتك، قال:
стр. 85
أو تُطيق أداء ثمنها؟ قال: فثمنها عندي نوَاتان مسوّستان، فضحكوا، وقالوا: كيف كان ثمنها عندك هذا؟ قال: لكثرة عيوبها، قالوا: وما عيوبها؟ قال: إن لم تتعطّر زفرت، وإن لم تسْتك بخرت، وإن لم تمتشط وتدّهن قمِلتْ وشعثتْ، وإن تُعَمّر عن قليل هرِمتْ، ذات حيض وبول وأقذار جمّة.
ولعلّها لا تودّك إلا لنفسها ولا تحبك إلا لشغفها بك. لا تفي بعهدك ولا تصدق في وُدِّك، ولا يخلف عليها أحد بعدك إلا رأته مثلك.
وأنا آخذ بدون ما سألت في جاريتك من الثمن جارية خُلقت من سلالة الكافور، لو مُزج بريقها أُجاج لطاب، ولو بدا معصمها للشمس لأظلمت دونه، ولوْ بدا في الليل لسطع نوره، ولو واجهت الآفاق بحليّها وحللها لتزخرفت، نشأت بين رياض المسك والزعفران،
стр. 86
وقُصرت في أكنان النعيم، وغُذّيت بماء التسنيم، فلا تخلف عهدها، ولا يتبدّل وُدّها فأيهما أحقّ برفعة الثمن؟ قال: التي وصفت، قال فإنها الموجودة الثمن القريبة المخطب، قال: فما ثمنها رحمك الله؟ قال: اليسير المبذول، أن تفرّغ ساعة في ليلك فتصلي ركعتين تخلصهما لربك، وأن يوضع طعامك فتذكر جائعك فتؤثر الله على شهوتك، وأن تقطع أيامك بالبُلغة، وترفع همتك عن دار الغفلة، فتعيش في الدنيا بعز القنوع، وتأتي غداً إلى موقف الكرامة آمناً، وتنزل غداً في الجنة مخلّدًا.
فقال الرجل: يا جارية أسمعتِ ما قال شيخنا هذا؟ قالت: نعم، قال: أفصدق أم كذب؟ قالت: بل صدق وبرّ ونصح، قال: فأنت إذاً حرة لوجه الله، وضيْعة كذا وكذا صدقة عليك، وأنتم أيها الخدام أحرار، وضيْعة كذا وكذا لكم، وهذه الدار بما فيها صدقة مع
стр. 87
جميع مالي في سبيل الله، ثم مَدّ يده إلى ستر خشن كان على بعض أبوابه فاجتذبه وخلع جميع ما كان عليه واستتر به.
قالت الجارية: لا عيش لي بعدك يا مولاي، فَرَمَتْ بكسوتها ولبست ثوباً خشناً وخرجت معه فودعهما مالك ودعا لهما وأخذ طريقاً وأخذا غيره، فتعبّدا جميعاً حتى جاء الموت فنقلهما على حال العبادة رحمة الله عليهما.
والحمد لله رب العالمين وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
كتبه /
عبد الكريم بن صالح الحميد
جمادى الآخرة - ١٤٢٣هـ