← Фикх общий

Фикх общий · id 37578

ثمار يانعة وتعليقات نافعة

عبد الكريم بن صالح الحميد

Полный текст (69 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

ثمارٌ يانعة وتعليقاتٌ نافعة للشيخ عبد الكريم بن صالح الحميد حفظه الله

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ المقدمة الحمد لله رب العالمين وصلى الله على نبينا محمد. أما بعد فهذه فوائد من كلام العلماء وتعليقات عليها دعت الحاجة إليها لتشابه الأحوال في بعض الأقوال والأفعال والله ولي التوفيق.

стр. 3

معنى أجر خمسين العامل بالسنة في آخر الزمان المتمسك بدينه له أجر خمسين من الصحابة ﵃. هل يعني هذا أن يكون أفضل منهم؟ قد يُشكل هذا وقد يفتح لبعض الناس دعوى عريضة، فاعرف المراد: قال شيخ الإسلام (١) ابن تيمية ﵀: لكن تضعيف الأجر لهم في أمور لم يضعف للصحابة لا يلزم أن يكونوا أفضل من الصحابة. ولا يكون فاضلهم كفاضل الصحابة فإن الذي سبق إليه الصحابة من الإيمان والجهاد ومعاداة أهل الأرض في موالاة الرسول وتصديقه وطاعته فيما يخبر به ويُوجبه قبل أن تنتشر دعوته وتظهر كلمته وتكثر أعوانه وأنصاره وتنتشر دلائل نبوته. بل مع قلة المؤمنين وكثرة الكافرين والمنافقين وإنفاق المؤمنين أموالهم في سبيل الله ابتغاء وجهه في مثل تلك الحال أمر ما بقي يحصل مثله لأحد كما في الصحيحين عنه ﷺ : "لا تسبوا أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه" (٢). قول ابن تيمية: "ما بقي يحصل مثله لأحد" يوضحه ما قاله ابن عباس: "لا تسبوا أصحاب محمد ﷺ فلمقام

стр. 4

أحدهم ساعة (يعني مع النبي ﷺ خير من عبادة أحدكم عمره" (١). وقال ابن تيمية أيضاً في ذلك: وأما قوله: "لهم أجر خمسين منكم لأنكم تجدون على الخير أعواناً ولا يجدون على الخير أعوانا". فهذا صحيح إذا عمل الواحد من المتأخرين مثل عمل عمله بعض المتقدمين كان له أجر خمسين. لكن لا يُتصور أن بعض المتأخرين يعمل مثل عمل بعض أكابر السابقين كأبي بكر وعمر فإنه بقي يبعث نبي محمد بعمل معه مثلما عملوا مع محمد ﷺ . وأما قوله: "أمتى كالغيث لا يُدرى أوله خير أم آخره" (٢) مع أن فيه ليناً فمعناه: في المتأخرين من يشبه المتقدمين ويقاربهم حتى يبقى لقوة المشابهة والمقارنة لا يدري الذي ينظر إليه أهذا خير أم هذا؟ وإن كان أحدهما في نفس الأمر خيراً فهذا فيه بشرى للمتأخرين بأن فيهم من يقارب السابقين كما جاء في الحديث الآخر: "خير أمتي أولها وآخرها وبين ذلك ثبج أو عوج. وودت أني رأيت إخواني قالوا: أولسنا إخوانك؟ قال: أنتم أصحابي" (٣) هو تفضيل للصحابة فإنه لهم خصوصية الصحبة التي هي أكمل من مجرد الأخوّة (٤).

стр. 5

عدم العلم بالشيء لا يوجب نفيه قال ابن تيمية ﵀: ومن ظن أن مالا يعلمه هو لا يعلمه غيره كان من جهله فلا ينفي عن الناس إلا ما علم انتفاؤه عنهم وفوق كل ذي علم عليم أعلم منه حتى ينتهي الأمر إلى الله تعالى (١). يقع كثيراً أن ينفي الإنسان ما لا يعلم هو وإن كان مستيقناً عند غيره مثل من ينفي وجود الجن فيقال له: عدم علمك بذلك لا يوجب نفي وجودهم ولك نصيب من معنى قوله تعالى: (بَلْ كَذَّبُواْ بِمَا لَمْ يُحِيطُواْ بِعِلْمِهِ) (٢). ولذلك يقول ابن تيمية في بيان وكشف حال منكري الجن: وليس لمن أنكر ذلك حجة يعتمد عليها تدل على النفي. وإنما معه عدم العلم (٣). إذاً عدم العلم بالشيء ليس بعلم حتى تُنفى من أجله الحقائق الثابتة ولا هو حجة.

стр. 6

محبة ضارة في الوصل والهجر الإنسان مريد محب وهذه الإرادة والمحبة ليست ملكاً له حتى يعلقها بما يشاء مما يهوى. بل ذلك مملوك كباقي صفاته وأعماله لإلهه الحق وهو مفطور على محبة معبوده فلما فسدت الفطرة تعلقت المحبة والإرادة بالمخلوقات. فصار عمل القلب على خلاف ما فطر عليه فحلت به العقوبات المعجلة فهو متألم معذب بحصول محبوبه وبعدم حصوله كمن تعلق بمحبة الدنيا أو الرئاسة أو العشق ونحو ذلك فقد قال ابن تيمية: كذلك العاشق يضره اتصاله بالمعشوق مشاهدة وملامسة وسماعاً بل ويضره التفكر فيه والتخيل له وهو يشتهي ذلك فإن مُنِع من مشتهاه تألم وتعذب وإن أعطي مشتهاه قوي مرضه وكان سبباً لزيادة الألم (١) هذا يبين عظم اضطرار الإنسان وفاقته وفقده الذاتي لمعرفة معبوده الحق ومحبته لينجو من هذا العذاب والألم العاجل في الدنيا حيث أن تعلق قلبه بغيره مُعذّب مؤلم في الوصل والهجر. ولذلك قال: فكذلك إذا بُلي بحب من لا ينفعه العشق ونحوه سواء كان لصورة أو لرئاسة أو لمال ونحو ذلك فإن لم يحصل محبوبه

стр. 7

ومطلوبه فهو متألم ومريض سقيم وإن حصل محبوبه فهو أشد مرضاً وألماً وسقماً (١). قد لا نعجب من حصوص الألم والعذاب في القلب حال عدم حصول المحبوب المراد. لكن العجب والله من حصول الألم مع حصوله والتمتع به والتلذذ والتنعم بقربه ووصله أياً كان ذلك المحبوب رئاسة أو مالاً أو عشقاً أو غيره مما سوى الله فما هو السر يا ترى؟ يذكر أهل العلم أن اللذة الحاصلة بحصول المحبوب من جنس اللذة الحاصلة من أكل الطعام الشهي المسموم فتأمل فمعرفة ذلك توضح ذلك معنى "لا إله إلا الله".

стр. 8

مثال لعذاب القبر ونعيمه طوائف لا يحصيهم إلا الله من الناس كذبوا بعذاب القبر ونعيمه وهؤلاء يزعمون أنهم لا يصدقون ولا يؤمنون بغير المحسوس. ولذلك أنكروا ما ثبت بنصوص الكتاب والسنة وما دلت عليه أيضاً مشاهدات الناس وسماعهم لذلك مما لا يحصيه إلا الله. والذين ينكرون ذلك يلزمهم طرداً لهذا الأصل أن ينكروا أرواحهم وينكروا وجود الملائكة والجن بل وأعظم من ذلك أن ينكروا وجود الله. وقد وضع بعض الزنادقة زئبقاً على كتف ميت عند دفنه ثم نبشوه بعد مدة فوجدوا الزئبق على حاله فصاروا يجادلون بذلك المؤمنين. وإنك تجد هؤلاء الذين يُشككون فيما جاء به الرسول ﷺ عليه وسلم أردأ الخلق وأتعسهم وأضلهم وتجد أن نخوتهم الشيطانية تقودهم إلى ما يُضحك عليهم العقلاء كما قادت سيدهم إبليس نخوته عن شرف السجود لآدم طاعة وامتثالاً لأمر ربه إلى أسوء سوء وأقبح حال على الإطلاق. ومثل واحد نضربه لسوء حال من رغب عن الانقياد للصادق المصدوق ﷺ فيه عبره وموعظه. أهل القوانين الإبليسية، من قوانينهم منع تعدد الزوجات. وعقوبة من سولت له نفسه وتزوج بثانية السجن خمس سنوات.

стр. 9

رأوا مرة إنساناً يتردد على بيت ليس فيه إلا امرأة فشكوا أنه متزوج بها وهم يعلمون أن له زوجة غير هذه. فأمسكوه بتهمة الزواج بثانية ليطبقوا عليه قانون السجن فأثبت لهم أنه لم يتزوج بها وإنما هي عشيقته فأفلتوه. فانظر تلاعب الشيطان بمن ضل عن الصراط المستقيم الذي دعا إليه محمد ﷺ . والمراد هنا تقريب فهم عذاب القبر ونعيمه حيث قد يشكل على بعض الناس ولو لم يكذّب الرسول ﷺ . ذكر ابن القيم ﵀ أن أحكام البرزخ على الأرواح وأن الأبدان تبع لها حيث تجري الأحكام على الأرواح فتسري إلى الأبدان نعيماً أو عذاباً. ثم ضرب لذلك مثلاً فقال: وقد أرانا الله سبحانه بلطفه ورحمته وهدايته من ذلك أنموذجاً في الدنيا من حال النائم فإن ما يتنعم به أو يعذب في نومه يجري على روحه أصلاً والبدن تبع له وقد يقوى حتى يؤثر في البدن تأثيراً مشاهداً فيرى النائم في نومه أنه ضُرب فيصبح وأثر الضرب في جسمه. ويرى أنه قد أكل أو شرب فيستيقظ وهو يجد أثر الطعام والشراب في فيه ويذهب عنه الجوع والظمأ. وأعجب من ذلك أنك ترى النائم يقوم من نومه ويضرب ويبطش ويدافع كأنه يقظان وهو نائم لا شعور له بشيء من ذلك.

стр. 10

وذلك أن الحكم لما جرى على الروح استعانت بالبدن من خارجه ولو دخلت فيه لاستيقظ وأحس. فإذا كانت الروح تتألم وتتنعم ويصل ذلك إلى بدنها بطريق الإستتباع فهكذا في البرزخ بل أعظم فإن تجرد الروح هنالك أكمل وأقوى وهي متعلقة ببدنها لم تنقطع عنه كل الإنقطاع فإذا كان يوم حشر الأجساد وقيام الناس من قبورهم صار الحكم والنعيم والعذاب على الأرواح والأجساد ظاهراً بادياً أصلا. ثم قال ﵀: ومتى أعطيت هذا الموضع حقه تبين لك أن ما أخبر به الرسول من عذاب القبر ونعيمه وضيقه وسعته وضمه وكونه حفرة من حفر النار أو روضة من رياض الجنة مطابق للعقل وأنه حق لا مرية فيه وأن من أشكل عليه ذلك فمن سوء فهمه وقلة علمه أُتي كما قيل: وكم من عائب قولاً صحيحاً ... وآفته من الفهم السقيم وأعجب من ذلك أنك تجد النائمين في فراش واحد وهذا روحه في النعيم ويستيقظ وأثر النعيم على بدنه وهذا روحه في العذاب ويستيقظ وأثر العذاب على بدنه. وليس عند أحدهما خبر بما عند الآخر فأمر البرزخ أعجب من ذلك. ثم ذكر ﵀ أن الله سبحانه جعل أمر الآخرة وما كان متصلاً بها غيباً وحجبها عن إدراك المكلفين في هذه الدار وذلك من كمال حكمته وليتميز المؤمنون بالغيب من غيرهم فأول ذلك أن

стр. 11

الملائكة تنزل على المحتضر وتجلس قريباً منه ويشاهدهم عياناً ويتحدثون عنده ومعهم الأكفان والحنوط إما من الجنة وإما من النار ويؤمّنون على دعاء الحاضرين بالخير والشر وقد يسلمون على المحتضَر ويرد عليهم تارة بلفظه وتارة بإشارته وتارة بقلبه حيث لا يتمكن من نطق ولا إشارة (وقد سُمع) بعض المحتضرين يقول: أهلاً وسهلاً ومرحباً بهذه الوجوه. (وأخبرني) شيخنا عن بعض المحتضرين فلا أدري أشاهده أم أخبر عنه أنه سُمع وهو يقول: عليك السلام ها هنا فاجلس. وعليك السلام هاهنا فاجلس إلى آخر ما ذكر ﵀ (١).

стр. 12

صلاة الله على نبيه وصلاتنا عليه قال ابن القيم ﵀: فصلاة الله عليه ثناؤه وإرادته لرفع ذكره وتقريبه. وصلاتنا نحن عليه سؤالنا الله تعالى أن يفعل ذلك به (١).

стр. 13

هو الذي يسيركم في البر والبحر ذكر الطبري ﵀ في تاريخه (١) سبب إسلام عكرمة بن أبي جهل ﵁ قال: ولما استقر الفتح أمّن رسول الله ﷺ الناس كلهم إلا تسعة نفر فإنه أمر بقتلهم وإن وجدوا تحت أستار الكعبة منهم عكرمة ﵁. فكان عكرمة يُحدّث فيما يذكرون أن الذي رده إلى الإسلام بعد خروجه إلى اليمن أنه كان يقول: أردت ركوب البحر لألحق بالحبشة فلما أتيت السفينة لأركبها قال صاحبها: يا عبد الله لا تركب سفينتي حتى توحد الله وتخلع ما دونه من الأنداد فإني أخشى إن لم تفعل أن نهلك فيها. فقلت: وما يركب أحد حتى يوحد الله ويخلع ما دونه؟ قال: نعم لا يركبه أحد إلا أخلص. قال: فقلت: ففيما أفارق محمدا فهذا الذي جاء نابه فوا الله إن إلهنا في البحر لإلهنا في البر فعرفت الإسلام عند ذلك ودخل قلبي. إنتهى. إذا علمت هذا فسوف أذكر لك ما يبين صدق الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ في قوله: إن مشركي زماننا أعظم شركاً من الأولين فأولئك يشركون في الرخاء ويخلصون لله في الشدة وقد أخبر الله عنهم في القرآن.

стр. 14

فإنه جرى كلام بيني وبين أحد القادمين إلى هذه البلاد من بلاد مجاوره فقال: كنا سبعين رجلاً نريد أن نركب البحر لنقدم إلى هذه البلاد وعندما أردنا الركوب قالوا: تعالوا نصلي في مسجد الغريب حتى لا تغرق السفينة. فسألته عن مسجد الغريب. فقال: مسجد فيه قبر يتبركون فيه. يقول: فقلت لهم. ولماذا نذهب إلى الغريب حتى لا تغرق السفينة أهو ربنا؟. يقول: فذهبوا كلهم إلى مسجد الغريب وبقيت أنتظرهم لنسافر. وشاهد القصة الفرق بين الجاهلي الذي يقول لعكرمة: لا تركب البحر حتى تخلع الأنداد وتخلص وبين من يقولون. لا نركب البحر حتى نشرك. (كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ) (١) قال تعالى: (هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ) (٢). فالعبد هو السائر والرب ﷻ هو المسيّر وقال تعالى: (قُلْ مَن يَكْلَؤُكُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ) (٣) يعني بدلاً من الرحمن ويكلؤكم يحفظكم. وهؤلاء يجعلون الغريب والبدوي وأمثالهم هم الذين يسيّرون العباد في البر والبحر ويحفظونهم. تباً لهذه العقول .. وانظر في القادمين وأحوالهم وما نحن فيه فإلى الله المشتكى.

стр. 15

المرور بديار المعذّبين ذكر ابن القيم ﵀ من الفوائد في غزوة تبوك قال: ومنها أن من مر بديار المغضوب عليهم والمعذبين لم ينبغ له أن يدخلها ولا يقيم بها بل يسرع السير ويتقنع بثوبه حتى يجاوزها ولا يدخل عليهم إلا باكياً معتبراً ومن هذا إسراع النبي ﷺ السير في وادي مُحسّر بين مِنى وعرفه فإنه المكان الذي أهلك الله فيه الفيل وأصحابه (١). على هذا فإن من يمر بتلك الديار بحال عادية تظهر مخالفته لهدي رسول الله ﷺ وقلة خوفه من ربه. كيف إذاً ما يفعل في هذه الأزمان من المنكرات هناك فضلاً عن الضحك واللعب والكلام بالهزليات والصور وغير ذلك مما يشعر بخلو القلوب من خوف الجليل والبعد عن سواء السبيل.

стр. 16

الميل إلى الذكران قال ابن تيمية: فميل النفس إلى النساء عام في طبع جميع بني آدم. وقد يبتلى كثير منهم بالميل إلى الذكران كما هو المذكور عنهم فيبتلى بالميل إلى المردان وإن لم يفعل الفاحشة الكبرى ابتلي بما هو دون ذلك من المباشرة والمشاهدة. ولا يكاد أن يسلم أحدهم من الفاحشة إما في سره وإما بينه وبين الأمرد ويحصل للنفس من ذلك ما هو معروف عند الناس وقد ذكر الناس من أخبار العشاق ما يطول وصفه فإذا ابتلي المسلم ببعض ذلك كان عليه أن يجاهد نفسه في الله وهو مأمور بهذا الجهاد ليس أمراً أوجبه وحرمه هو على نفسه فيكون في طاعة نفسه وهواه بل هو أمر حرمه الله ورسوله ولا حيلة فيه. فيصير بالمجاهدة في طاعة الله ورسوله (١). وقال ﵀ في التوبة من مثل هذه الفواحش: وإنما الغرض أن الله يقبل التوبة من كل ذنب كما دل عليه الكتاب والسنة. والفواحش خصوصاً ما علمت أحداً نازع في التوبة منها، والزاني والمزني به مشتكران في ذلك إن تابا تاب الله عليهما ويبين التوبة خصوصاً من عمل قوم لوط من الجانبين ما ذكره الله في قصة قوم لوط فإنهم كانوا يفعلون الفاحشة بعضهم ببعض ومع هذا فقد دعاهم جميعهم إلى تقوى الله والتوبة منها.

стр. 17

فلو كانت توبة المفعول به أو غيره لا تقبل لم يأمره بما لا يقبل قال تعالى: (كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ، إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلَا تَتَّقُونَ، إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ، فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ) (١) فأمرهم بتقوى المتضمنة لتوبتهم من هذه الفاحشة. والخطاب وإن كان للفاعل فإنه إنما خُصّ به لأنه صاحب الشهوة والطلب في العادة بخلاف المفعول به فإنه لم تخلق فيه شهوة لذلك في الأصل. وإن كانت قد تعرض له عرض طارئ أو أجر يأخذه من الفاعل أو لغرض آخر. والله أعلم (٢).

стр. 18

أسباب صرع الجن للإنس ذكر ابن تيمية ﵀ أن لذلك ثلاثة أسباب: قال: تارة يكون الجن يحب المصروع فيصرعه ليتمتع به. وهذا الصرع يكون أرفق من غيره وأسهل. وتارة يكون الإنسي آذاهم إذا بال عليهم أو صبّ عليهم ماء حاراً أو يكون قتل بعضهم أو غير ذلك من أنواع الأذى وهذا أشد الصرع. وكثيراً ما يقتلون المصروع. وتارة يكون بطريق العبث به كما يعبث سفهاء الإنس بأبناء السبيل (١).

стр. 19

كتمان النصوص المخالفة وبغضها وبغض إظهارها طالب الحق الصادق همته ظهور الحق فلا يدفعه ويرده أو يلبسه بالباطل إذا ظهر على يد خصمه ومن لا يهواه. لأن الصادق يريد أن يكون الدين كله لله وهذا أعظم ما يتميز به السني. أما المبتدع فهو بخلاف ذلك فقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية: فلا تجد قط مبتدعاً إلا وهو يحب كتمان النصوص التي تخالفه ويبغضها ويبغض إظهارها وروايتها والتحدث بها ويبغض من يفعل ذلك كما قال بعض السلف: ما ابتدع أحد بدعة إلا نزعت حلاوة الحديث من قلبه (١). ما أقل من يسلم من هذا المرض الخطير. والذي ينبغي أن نعتني به هنا حتى لا يروج علينا زيف المبطل أنه أقل الناس اليوم من يرد الحق مباشرة ويصادمه مصادمة مكشوفة فقد ظهر من علم الحجة اليوم ما يبهر فلم يبق إلا اللبس. ولذلك قال الشيخ بعد الكلام السابق: ثم إن قوله الذي يعارض به النصوص لا بد أن يلبس فيه حقاً بباطل بحسب ما يقول من الألفاظ المجملة المتشابهة ثم استدل بقول

стр. 20

أحمد ﵀: "يتكلمون بالمتشابه من الكلام ويخدعون جهال الناس بما يشبهون عليهم". إنتهى. لقد رُدّ كل نص من نصوص الكتاب والسنة مخالف للهوى في زماننا هذا وعورض بحشد هائل من الألفاظ المجملة المتشابهة وهي المتشابه من الكلام وهي لبس الحق بالباطل فالله هو المستعان ورحم الله أئمتنا وعلمائنا ما أصدق عباراتهم وأصوبها.

стр. 21

القياس الفاسد أكثر ضلال الناس اليوم بسبب الأقيسة الفاسدة وهي أعظم ما يحتجون به على ما يهوون من الباطل. وذلك أنهم يُسوّون بين الشيئين لاشتراكهما في بعض الأمور مع أن بينهما من الفرق ما يوجب أعظم المخالفة. هذا كثير في وقتنا فمن ذلك قياس الغناء اليوم بغناء الجواري عند عائشة ﵂. وبلعب الحبشة بالحراب في مسجد رسول الله ﷺ . وقياس العلم وطلبه اليوم في العلم وطلبه في الماضي وغير ذلك ولهذا يقال: أول من قاس إبليس. وما عبدت الشمس والقمر إلا بالمقاييس. يعني المقاييس التي يشتبه فيها الشيء بما يخالفه وإنما يشتبه معه في بعض الأمور كالتسمية مثل اسم العلم يراد به في الماضي علم الدين واليوم زاحمته علوم. ويراد به في الماضي وجه الله واليوم زاحم ذلك إرادات. كذلك الإشتراك في اسم الغناء مع وجود الفرق الموجب أعظم المخالفة.

стр. 22

حرص الشياطين على إضلال بني آدم ورد في بعض أحاديث المعراج وقد رواه ابن أبي حاتم وأحمد وابن ماجه وذكره ابن كثير (١) أن النبي ﷺ قال: "فلما نزلت إلى السماء دنيا نظرت أسفل مني فإذا أنا برهج ودخان وأصوات فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هذه الشياطين يحومون على أعين بني آدم لا يتفكرون في ملكوت السموات والأرض ولولا ذلك لرأوا العجائب" (٢) انتهى. أما زماننا هذا فلا تحتاج الشياطين إلى ذلك في كل الأحوال حيث لم يعد منظر السماء كما كان يعني بالليل لوجود هذه الأضواء التي منعت وكدّرت رؤية السماء ونجومها وعجائبها وإني أعهد في صغري للسماء منظراً أتمنى اليوم رؤيته ولو في الأحلام وإنه ليفوق الوصف في إمتاعه. أما من نظر بعين التفكر والتدبر في هذه الآيات المشهود مستحضراً ما أمكنه من الآيات المتلوّه في ذلك. فلا شك أنه يجد من زيادة الإيمان ما يحسه ويشعر به لكن "لا يشعر تأئه بمصابه".

стр. 23

ويكفي في ذلك شاهد قوله تعالى: (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَابِ، الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) (١).

стр. 24

لذة العلم قال ابن تيمية: ولا ريب أن لذة العلم أعظم اللذات واللذة التي تبقى بعد الموت وتنفع في الآخرة هي لذة العلم بالله والعمل له، وهو الإيمان به. ثم قال: وأيضاً فنفس العلم به إن لم يكن معه حب له وعبادة له بل كان مع حب لغيره كائناً من كان فإن عذاب هذا قد يكون من أعظم العذاب في الدنيا والآخرة ثم أخبر عن الفلاسفة والباطنية أنهم يجهلون كمال اللذة في نفس العلم (١).

стр. 25

دعوى المحبة بلا غضب قال ابن تيمية ﵀: وكثير ممن يدعي المحبة هو أبعد من غيره عن اتباع السنة وعن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد في سبيل الله. ويدعي مع هذا أن ذلك أكمل لطريق المحبة من غيره لزعمه أن طريق المحبة لله ليس فيه غيرة ولا غضب لله وهذا خلاف ما دل عليه الكتاب والسنة (١). وقال: وإن كانت المحبة التامة مستلزمة لموافقة المحبوب في محبوبه ومكروهه وولايته وعداوته فمن المعلوم أن من أحب الله المحبة الواجبة فلا بد أن يبغض أعداءه (٢). وقال: فإذا كان في القلب حب الله ورسوله ثابتا استلزم موالاة أوليائه ومعاداة أعدائه (لَا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ) (٣). (وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِالله والنَّبِيِّ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاء) (٤) فهذا التلازم ضروري (٥).

стр. 26

مقصود القرآن بنفي الشفاعة قال ابن تيمية: ومقصود القرآن بنفي الشفاعة نفي الشرك وهو أن أحداً لا يعبد إلا الله ولا يدعو غيره ولا يسأل غيره ولا يتوكل على غيره لا في شفاعة ولا غيرها. فليس له أن يتوكل على أحد في أن يرزقه وإن كان الله يأتيه برزقه بأسباب. كذلك ليس له أن يتوكل على غير الله في أن يغفر له ويرحمه في الآخرة وإن كان الله يغفر له ويرحمه بأسباب من شفاعة وغيرها. فالشفاعة التي نفاها القرآن مطلقاً ما كان فيها شرك وتلك منتفية مطلقاً ولهذا أثبت الشفاعة بإذنه في مواضع. وتلك قد بين الرسول ﷺ أنها لا تكون إلا لأهل التوحيد والإخلاص فهي من التوحيد ومستحقها أهل التوحيد (١). الشفاعة الشركية أن يتوكل العبد على غير الله في أن يغفر الله له ويرحمه في الآخرة. هذا طلب الأمر من غير وجهه لأن الشافع لا يملك أن يشفع فيمن يشاء.

стр. 27

ولذلك ورد في بعض أحاديث الشفاعة أنه ﷺ يقول: "ثم أشفع فيحد لي حداً فأدخلهم الجنة" (١). فهؤلاء إنما نفعهم إخلاصهم لله حيث لم يطلبوا الشفاعة من أحد.

стр. 28

تثنية ذكر القصص في القرآن قال شيخ الإسلام ﵀: وهكذا ما يثني ذكره من القصص في القرآن كقصة موسى وغيرها ليس المقصود بها أن تكون سمرا بل المقصود بها أن تكون عبراً كما قال تعالى: (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُوْلِي الأَلْبَابِ) (١). فالذي وقع شيء واحد وله صفات. فيعبر عنه بعبارات متنوعة كل عبارة تدل على صفة من الصفات التي يعتبر بها المعتبرون وليس هذا من التكرار في شيء (٢). ومن هذا الباب ما ثنى الله في سورة "الرحمن" وهو قوله تعالى: (فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ) (٣) فقد قال ابن تيمية ﵀: وقد شبّهوا ما في سورة "الرحمن" بقول القائل لمن أحسن إليه وتابع عليه الأيادي وهو ينكرها ويكفرها: ألم تك فقيراً فأغنيتك أفتنكر هذا؟ ألم تك عرياناً فكسوتك. أفتنكر هذا؟ ألم تك خاملاً فعرفّتك؟ ونحو ذلك (٤). يُذكر أن بعض المفترين قال لسلطان زمانه: في القرآن تكرار لا فائدة فيه ولا معنى وأريد أن أختصره فقال له السلطان: قبل ذلك أريد أن أختصرك فأمر بتقطيع أعضائه.

стр. 29

حكمة الإستياك باليسرى سُئل شيخ الإسلام ﵀ عن السواك: هل هو باليد اليسرى أولى من اليد اليمنى أو بالعكس وهل يسوغ الإنكار على من يستاك باليسرى وأيما أفضل؟ فأجاب: الحمد لله رب العالمين. الأفضل أن يستاك باليسرى نص عليه الإمام أحمد في رواية ابن منصور الكوسج ذكره عنه في مسائله وما علمنا أحداً من الأئمة خالف ذلك. وذلك لأن الإستياك من باب إماطة الأذى فهو كالإستنثار والإمتخاط ونحو ذلك مما فيه إزالة الأذى وذلك باليسرى. كما أن إزالة النجاسات كالإستجمار ونحوه باليسرى وإزالة الأذى واجبها ومستحبها باليسرى (١).

стр. 30

قدر حاجة أهل الأرض إلى الرسول قال ابن تيمية (١) قدس الله روحه: والدنيا كلها ملعونة ملعون ما فيها إلا ما أشرقت عليه شمس الرسالة وأسس بنيانه عليها. ولا بقاء لأهل الأرض إلا ما دامت آثار الرسل موجودة فيهم فإذا درست آثار الرسل من الأرض وانمحت بالكلية خرّب الله العالم العلوي والسفلي وأقام القيامة. وليست حاجة أهل الأرض إلى الرسول كحاجتهم إلى الشمس والقمر والرياح والمطر. ولا كحاجة الإنسان إلى حياته ولا كحاجة العين إلى ضوئها والجسم إلى الطعام والشراب بل أعظم من ذلك وأشد حاجة من كل ما يقدّر ويخطر بالبال. فالرسل وسائط بين الله وبين خلقه في أمره ونهيه وهم السفراء بينه وبين عباده. وكان خاتمهم وسيدهم وأكرمهم على ربه محمد بن عبد الله ﷺ يقول: "يا أيها الناس إنما أنا رحمة مهداة" وقال الله تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ) (٢).

стр. 31

الذي يقول: كل يعمل في دينه الذي يشتهي قال شيخ الإسلام: (١) وأما قول القائل: كل يعمل في دينه الذي يشتهي فهي كلمة عظيمة يجب أن يستتاب منها وإلا عوقب. بل الإصرار على مثل هذه الكلمة يوجب القتل. فليس لأحد أن يعمل في الدين إلا ما شرعه الله ورسوله دون ما يشتهيه ويهواه. قال تعالى: (وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ) (٢) إلى آخره. يقع مثل هذا كثير في زماننا لكن بعبارة أخرى أعظم مما ذكر الشيخ حيث يؤمر الإنسان بمعروف أو ينهى عن منكر فيقول: أنا حر أو كل حر ونحو ذلك. وهذه الحرية التي هي التفلت من العبودية لرب العالمين هي حقيقة العبودية لأعدى أعداء الإنسان وهو الشيطان. وعبودية الرب هي حقيقة التخلص من عبودية هذا العدو وأسره كل بحسبه فانظر كيف سماها الشيطان "حرية" وهي أخبث ألوان العبودية.

стр. 32

إحسان العمل رأيت في كلام المتأخرين من الحث على الإخلاص في العمل أي عمل ويستدلون بمثل قوله تعالى: (لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً) (١) وقد قال الفضيل بن عياض ﵀ على هذه الآية: أخلصه وأصوبه. فقيل: يا أبا علي: ما أخلصه وأصوبه؟ فقال: إن العمل إذا كان صواباً ولم يكن خالصاً لم يقبل وإذا كان خالصاً ولم يكن صواباً لم يقبل حتى يكون خالصاً صواباً. والخالص: أن يكون لله والصواب أن يكون على السنة. انتهى. فانظر كيف يُقيّد العلماء العمل الخالص بأن يكون صوابا. والصواب هو أن يكون على السنة بخلاف من يستدل بهذه الآية ونحوها على أي عمل بل وعلى أعمال مخالفة للسنة ويوهمون أن هذا هو المراد. ومثله الإستدلال بحديث: من غشنا فليس منا" (٢). يُستدل به على أمور هي في نفسها غش. فيوهم استدلالهم بذلك أن الآفة منحصرة في هذا وهو من باب قول القائل: النظر إلى وجه الأجنبية حرام. يقول لها ذلك لتغطي وجهها وهو يزني بها. وهذا من جنس الورع الشيطاني.

стр. 33

فقه الصدِّيق قال عمر بن الخطاب لأبي بكر ﵄: كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله ﷺ : "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله فإذا قالوها فقد عصموا مني دمائهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله"؟. فقال له أبو بكر: فإن الزكاة من حقها. والله لو منعوني عناقاً كانوا يؤدونها إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم على منعها. قال عمر: فما هو إلا أن رأيت الله قد شرح صدر أبي بكر للقتال فعلمت أنه الحق. قال ابن تيمية قبل هذا: وأيّما طائفة انتسبت إلى الإسلام وامتنعت من بعض شرائعه الظاهرة المتواترة فإنه يجب جهادها باتفاق المسلمين حتى يكون الدين كله لله" (١).

стр. 34

هل يقبل الله الدعاء الملحون سئل ابن تيمية عن رجل دعا دعاء ملحوناً فقال له رجل: ما يقبل الله دعاء ملحونا. فأجاب: من قال هذا القول فهو آثم مخالف للكتاب والسنة ولما كان عليه السلف. وأما من دعا الله مخلصاً له الدين بدعاء جائز سمعه الله وأجاب دعاءه سواء كان معرباً أو ملحوناً. والكلام المذكور لا أصل له. بل ينبغي للداعي إذا لم تكن عادته الإعراب أن لا يتكلف الإعراب. قال بعض السلف: إذا جاء الإعراب ذهب الخشوع. وهذا كما يكره تكلف السجع في الدعاء. فإذا وقع بغير تكلف فلا بأس به فإن أصل الدعاء من القلب واللسان تابع القلب. ومن جعل همته في الدعاء تقويم لسانه أضعف توجّه قلبه ولهذا يدعوا المضطر بقلبه دعاء يفتح عليه لا يحضره قبل ذلك. وهذا أمر يجده كل مؤمن في قلبه. والدعاء يجوز بالعربية وبغير العربية والله سبحانه يعلم قصد الداعي ومراده وإن لم يُقوّم لسانه فإنه يعلم ضجيج الأصوات باختلاف اللغات على تنوع الحاجات (١).

стр. 35

عفوا تعف نساؤكم قال ابن تيمية (١) ﵀: فإنه إذا كان يزني بنساء الناس كان هذا مما يدعو المرأة إلى أن تمكّن منها غيره كما هو الواقع كثيراً فلم أر من يزني بنساء الناس أو ذكران إلا فيحمل امرأته على أن تزني بغيره مقابلة على ذلك ومغايظة. وأيضاً: فإذا كان عادته الزنا استغنى بالبغايا فلم يكف امرأته في الإعفاف فتحتاج إلى الزنا. وأيضاً: فإذا زنى بنساء الناس طلب الناس أن يزنوا بنساءه كما هو الواقع. فامرأة الزاني تصير زانية من وجوه كثيرة. وإن استحلت ما حرمه الله كانت مشركة. وإن لم تزن بفرجها زنت بعينها وغير ذلك فلا يكاد يُعرف في نساء الرجال الزناة المصرين على الزنا الذين لم يتوبوا منه امرأة سليمة سلامة تامة. وطبع المرأة يدعو إلى الرجال الأجانب إذا رأت زوجها يذهب إلى النساء الأجانب. وقد جاء في الحديث: "بروا آباءكم تبركم أبناءكم وعفوا تعف نساؤكم" (٢).

стр. 36

الحكايات المفتعلة سُئل ابن تيمية من يتحدث بين الناس بكلام وحكايات مفتعلة كلها كذب هل يجوز ذلك؟ فأجاب: أما المتحدث بأحاديث مفتعلة ليضحك الناس أو لغرض آخر فإنه عاص لله ورسوله وقد روى بهز بن حكيم عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ قال: "إن الذي يحدث فيكذب ليضحك القوم ويل له ويل له ثم ويل له" (١). وقد قال ابن مسعود: إن الكذب لا يصلح في جد ولا هزل ولا يَعِد أحدكم صبيّه شيئاً ثم لا ينجزه. وأما إن كان في ذلك ما فيه عدوان على مسلم وضرر في الدين فهو أشد تحريماً من ذلك. وبكل حال ففاعل ذلك مستحق للعقوبة الشرعية التي تردعه عن ذلك والله أعلم. (٢) سوق الحكايات المفتعلة وما يسمونه النكت والمضحكات رائج في وقتنا ويعتبر فناً من الفنون. وأخطره ما يجاور ويُصاحب علوم الدين وقصصه. ولا أقصد بذلك أن تساق هذه الهزليات سخرية بالدين صرحية. فهذا حكمه معروف لكن المراد هنا ما تحوي هذه الحشود الهائلة من النسخ والصحف والمجلات التي يختلط فيها هذا وهذا. وإن الناظر في مؤلفات السلف من الأئمة والعلماء المقتدى بهم لا يجد من ذلك شيئاً وحاشاهم من هذا التخليط القبيح غير المليح.

стр. 37

حجب عن حقائق القرآن قال ابن تيمية: ولا يجعل همته فيما حجب به أكثر الناس من العلوم عن حقائق القرآن. إما بالوسوسة في خروج حروفه وترقيقها وتفخيمها وإمالتها والنطق بالمد الطويل والقصير والمتوسط وغير ذلك. فإن هذا حائل للقلوب قاطع لها عن فهم مراد الرب من كلامه. (١) إذا كان هذا مما يحجب عن حقائق القرآن مع أن بعض أهل الوقت يوجبه فكيف يطلب الدنيا بالقرآن؟ وقال ﵀: والمطلوب من القرآن هو فهم معانيه والعمل به فإن لم تكن هذه همة حافظه لم يكن من أهل العلم والدين. والله سبحانه أعلم (٢).

стр. 38

بدعة منكرة قال ابن تيمية: وأما المؤذنون الذين يؤذنون مع المؤذن الراتب يوم الجمعة في مثل صحْن المسجد فليس أذانهم مشروعاً باتفاق الأئمة بل ذلك بدعة منكرة. (١) يعني أن الأذان يكون بأصوات متعددة ولقد حدث في زماننا أمور وأمور. وقال ﵀: وإنما الغرض هنا أن النبي ﷺ لما كره بوق اليهود المنفوخ بالفم وناقوس النصارى المضروب باليد علّل هذا بأنه من أمر اليهود وعلل هذا بأنه من أمر النصارى. لأن ذكر الوصف عقيب الحكم يدل على أنه علة له. وهذا يقتضي نهيه عن كل ما هو من أمر اليهود والنصارى (٢).

стр. 39

بعض أضرار البدع قال ابن تيمية: لا يخفى ما جعل الله في القلوب من التشوق إلى العيد والسرور به والاهتمام بأمره إنفاقاً واجتماعاً وراحة ولذة وسروراً. وكل ذلك يوجب تعظيمه لتعلق الأغراض به فلهذا جاءت الشريعة في العيد بإعلان ذكر الله فيه حتى جعل فيه من التكبير في صلاته وخطبته وغير ذلك مما ليس في سائر الصلوات فأقامت فيه من تعظيم الله وتنزيل الرحمة خصوصاً العيد الأكبر ما فيه صلاح الخلق كما دل على ذلك قوله تعالى: (وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ، لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ) (١). فصار ما وسّع على النفوس فيه من العادات الطبيعية عوناً على انتفاعها بما خصّ به من العبادات الشرعية. ثم قال ﵀ في الأعياد المزاحمة: فإذا أعطيت النفوس في غير ذلك اليوم حظها أو بعض الذي يكون في عيد الله فترت عن الرغبة في عيد الله وزال ما كان له عندها من المحبة والتعظيم فنقص بسبب ذلك تأثير العمل الصالح فيه فخسرت خسراناً مبينا.

стр. 40

وقال قبل ذلك: ولهذا قال النبي ﷺ في العيدين الجاهلين "إن الله قد أبدلكم بهما يومين خيراً منهما" (١). فيبقى اغتذاء قلبه من هذه الأعمال المبتدعة مانعاً من الإغتذاء أو من كمال الاغتذاء بتلك الأعمال النافعة الشرعية فيفسد عليه حاله من حيث لا يعلم كما يفسد جسد المغتذي بالأغذية الخبيثة من حيث لا يشعر. وبهذا يتبين لك بعض ضرر البدع. وقال قبل ذلك: فالعبد إذا أخذ من غير الأعمال المشروعة بعض حاجته قلّت رغبته في المشروع وانتفاعه به بقدر ما اعتاض من غيره بخلاف من صرف نهمته وهمته إلى المشروع فإنه تعظم محبته له ومنفعته به ويتم دينه ويكمل إسلامه. ولهذا تجد من أكثر من سماع القصائد لطلب صلاح قلبه تنقص رغبته في سماع القرآن حتى ربما يكرهه. ومن أكثر من السفر إلى زيارة المشاهد ونحوها لا يبقى لحج البيت المحرم في قلبه من المحبة والتعظيم ما يكون في قلب من وسعته السنة. ومن أد من على أخذ الحكمة والآداب من كلام حكماء فارس والروم لا يبقى لحكمة الإسلام وآدابه في قلبه ذاك الموقع. ومن أد من على قصص الملوك وسيرهم لا يبقى لقصص الأنبياء وسيرهم في قلبه ذاك الإهتمام ونظائر هذه كثيرة.
следующие страницы →