بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
ـ[الوجوه والنظائر لأبي هلال العسكري (معتزلي)]ـ
المؤلف: أبو هلال الحسن بن عبد الله بن سهل بن سعيد بن يحيى بن مهران العسكري (المتوفى: نحو ٣٩٥هـ)
الناشر: مكتبة الثقافة الدينية - القاهرة -.
عدد الأجزاء: ١
أعده للشاملة/ أبو إبراهيم حسانين
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
стр. 2
مقدة المصنف .
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وبهِ أسْتعينُ، وعَلَيه أتوكلُ
الحمدُ للَّه ذي النعمِ الجليلةِ والمِنَنِ الجزيلةِ، الداعي إلى الرشادِ، والهادِي إلى السدادِ، ذي الفَضْلِ الجسيمِ والإحسانِ العميمِ، الشاملِ لطفُه، الكريمِ عطفُه، الغالبِ سلطانُه، الواضحِ برهانُه، المتم نورَه: (وَلَو كرِه الْكافِرُونَ)، المعلي دينه ولو رغم المنافقون.
وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، الذي له الأسماء الحسنى والصفات العلى، وبيده الآخرة والأولى، وما عنده خير وأبقى، لا يجلب الخير إلا بمعوته، ولا يدفع الضر إلا بمغوثته.
وأشهد أن محمدا عبده المجتبى ورسوله المرتضى، صلى الله عليه وعلى آله الذين اصطفى، وبعد،
فإنك - سددك الله - ذكرت أنك طالعت الكتب المصنفة في الوجوه والنظائر من كتاب الله جل ثناؤه، فوجدت فيها تأويلات تطرد على أصول أهل الحق من القائلين بالتوحيد والعدل.
فأردت أن يرد كل شيء منها إلى حقه، وألفيت في معانيها ما يدخل بعضه في بعض، فالتمست إيراد كل نوع منها على وجهه، وترخيت أن يكون ما تفرق منها مجموعا في كتاب واحد على وجه يقرب استخراج ما يراد منه عند الحاجة إليه، ويزاد عليه ما كان من جنه مما لم تتكلم فيه السلف.
فعملت كتابي هذا مشتملا على أنواع هذا الفن، محمولا على ما طلبت، ومسلوكا به طريق ما سألت، قد نفي اللبس عن جميعه، ويبين الصواب في صنوفه، وميزت وجوهه تمييزا صحيحا، وقسمت أبوابه تقسيما مليحا.
وذكر أصل كل كلمة منه واشتقاقها في العربية؛ لتكثر فائدتك به، ونظم على نسق حروف المعجم؛ ليتيسر الوصول إلى المطلوب من أنواعه، ويتسهل نيل ما ينبغي من أصنافه.
стр. 3
فابتدئ منه بما كان في أوله ألف أصلية أو زائدة، ثم بما كان في أوله باء، ثم كذلك إلى آخر الحروف.
والله المعين على ما فيه رضاه، وهو حسبنا ونعم الحسيب.
стр. 4
الباب الأول
في ما جاء من الوجوه والنظائر في أوله ألف إمام
قال - الشيخ أبو هلال الحسن بن عبد اللَّه بن هلال ﵀:
الإمَام أصله القصد.
стр. 5
وسمي الإمام إماما؛ لأنك تقصد قصده في أفعاله.
وقيل للخليفة: إمام؛ لأنك تقصد قصد أوامره، أو لأنه يتقدم، فتتبع أثره.
والطريق: إمام؛ لأنه يقصد. وقد أممت، إذا قصدت.
وأصل التيمم: التأمم، وهو تفعل من ذلك. وأمر أمم: قصد، وهو ما بين القريب والبعيد.
وأم الشيء: أصله، ترجع إلى هذا؛ لأن كل من يريد الشيء فإنما يقصد أصله، فيبتدئ به في أكثر الحال.
وأم الدماغ: الجلدة الرقيقة التي تجمعه.
وسميت الأم أما؛ لأن ولدها يتبعها.
وسميت سورة الحمد: أم الكتاب؛ لأنها تتقدم الكتاب، فهو تابع لها كما يتبع الولد أمه.
والإمام في القرآن على أربعة أوجه:
أولها: بمعنى القائد، قال الله تعالى: (إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا)، أي: قائدا في الخير مقتدى بك.
стр. 6
والجعل هاهنا بمعنى القضاء، أي: قاض لك بالتقدم على الناس بالنبوة ليقتدوا بك،: (قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي)، يجوز أن يكون سؤالا: (أن يجعل من ذريته أنبياء، ويجور أن يكون استخبارا، فقال: (قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ)، أيِ: - ينال عهدي المؤمنين من ذريتك دون الظالمين لأنفسهم.
والعهد هاهنا: النبوة والوحي، وقيل: الرحمة، وقيل: الوعد، والأول الوجه.
ْ .. ومثله: (وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا)، أي: الطُف بنا حتى
نصير من التقوى والصلاح بحيث يقتدي بنا المتقون. ويجوز أن يكون المعنى: حتى نكون يوم القيامة في أئمة المتقين نتقدمهم في المضي إلى الجنة ويتبعوننا.
وقال: إماما،، وأراد أئمة، سمَّاهم بالمصدر.
أمَّ يؤم إماما وإمامة، كما تقول: جل جلالا وجلالة، ومثله: الكتاب والكتابة، وقيل: معناه: اجعلنا للمقين بالائتمام بهم، أي: اجعلنا أتباعا لهم.
ونحوه قوله تعالى: (وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً)،، يعني: التوراة يقتدى بها.
الثاني: الكتاب، قال الله تعالى: (يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ)، أي: بكتابهم الذي فيه أعمالهم. وقيل: بداعيهم الذي دعاهم إلى الهدى أو الضلالة. وقيل بدينهم.
الثالث: قوله تعالى: (وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ)، يعني: اللوح المحفوظ، والشاهد قوله: (وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ)، أي: نكتب ما سلف من أعمالهم، وما أثروه في الدنيا من سنن الخير أو الشر، ثم قال: (وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ) أي: وكتبنا كل شيء في اللوح المحفوظ؛ لتعتبر الملائكة بما يكون من ذلك لأوقاته، لا لمخافة النسيان؛ لأن النسيان لا يجوز على الله.
стр. 7
الرابع: الطريق، قال الله تعالى: (وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ). أي: بطريق واضح تمرون عليها في أسفاركم، يعني: القريتين المهلكتين؛ قرية قوم - لوط وأصحاب الأيكة.
стр. 8
الأمة
راجعة إلى القصد، وهي: الجماعة التي تقصد الأمر بتضافر وتعاون. وقولنا: أمة محمد ﷺ ، معناه: الجماعة القاصدة لتصديقه، المتفقة في أصول دينه، وإن اختلفت في الفروع.
ويجوز أن يكون أصل الكلمة الجمع. فقيل للرجل: (أمة؛ لأنه يسد مسد الجماعة.
والإمام: إمام؛ لاجتماع القوم عليه. والأم؛ لجمعها أمر الولد.
- والأمة: الدهر؛ لأنَّهَا جماعة شهور وأعوام، وهو قوله: (وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ). وقيل: يريد بعد حين أمة فحذف.
وأمه: إذا قصد الاجتماع معه. وفلان حسن الأمة، أي: القامة؛ وذلك لاجتماع خلقه عل الاستواء.
والأمي: قيل: عن الأمة الجماعة، أي: على أصل ما عليه الأمة، وقيل: هو من الأم. وهي في القرآن على عشرة أوجه:
стр. 9
أولها؛ الجماعة، قال الله تعالى: (وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ)، أي: جماعة، ومثله: (تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ)، وقوْله تعالى: (أُمَّةٌ قَائِمَةٌ)، وقوله: (مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ)، وقوله: (وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ).
الثاني: الملة، قال الله تعالى: (كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً).
يعني: (أهل أمة واحدة، أي: ملة؛ فحذف لبيان المعنى، كما قال: (وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ).
وسُمِّيتْ الملة أمة؛ لاجتماع أهلها عليها، ويجوز أن يقال: إنها سميت أمة؛ لأنَّهَا تقصد وتتبع.
والمراد أن الناس كانوا على الكفر فيما بين آدم ونوح، أو ما بين نوح وإبراهيم، فبعث الله النبيين ﵈ بالأوامر والنواهي والبشارات والزواجر،: (وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ): - الذي فيه الحق؛ لكون فصلا بين المختلفين بما فيه من التمييز بين الصواب والخطأ، وهو مثل قولك: ذهب به، وخرج به، وما أشبهه.
стр. 10
الثالث: أهل الإسلام بعينه، قال الله تعالى: (وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا)، يعني:. حالهم على عهد آدم، وما كانوا عليه في سفية نوح. ومثله: (وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً)، ومثله في المائدة، أي: لو شاء الله لجعلكم متفقين على الإسلام قهرا، كما قال تعالى: (فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ).
الرابع: قوله: (إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً). أي: ملتكم، فهي هاهنا الملة بعينها، وفي الأول: الجماعة المتفقة على الملة الواحدة كما بينا.
قال الزجاج: (إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً): (أُمَّتُكُمْ)، رفع؛ لأنه خبر هذه، المعنى: (أن هذه أمتكم في حال اجتماعها على الحق، فإذا افترقت فليس من خالف الحق داخلا فيها، فنصب: (أُمَّةً وَاحِدَةً) على الحال.
وقرئ: (أمة واحدة) على أنها خبر بعد خبر، ومعناه: إن هذه أمة واحدة [ليست أمما]، ويجوز أن يكون نصب: (أمتكُم)، على التوكيد كأنه قال: إن أمتكم كلها أمة واحدة.
الخامس: قوله تعالى: (وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ). يعني: سنين.
ومثله قوله تعالى: (وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ). أي: بعد حين ..
وسمي الحين أمة؛ لأنه جماعة أوقات وشهور. وقيل: هو على حذف: (أي: بعد حين أمة، أي: جماعة.
стр. 11
وقرئ: بعد أمه، أي: بعد نسيان. وقيل: (إِلَى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ)، أي: جماعة معدودة، بأنه ليس فيها من يؤمن، فإذا صارت كذلك أهلكت بالعذاب.
السادس: قوله ئعالى: (أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ)، يعني: قوما يكونون أربى من قوم؛ أيْ: (أكثر عددا، ومنه الربا؛ لأنه زيادة في أصل المال.
ومثله (وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا). أراد أنه جعل لكل أمة من الأمم التي خلت فيها الرسل مَنْسَكًا؛ وهو الذبائح التي كان أمرهم أن يتقربوا بها إلى الله - ونتكلم في ذلك فيما بعد إنْ شاء الله - ولم يرد جميع الأمم؛ لأنه لم يجعل للمجوس وعباد الأصنام مناسك.
السابع: الإمام، قال الله تعالى: (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ).
أي.: إماما يقتدى به في الخير.
وقيل الأمة الرجل العظيم، وسمي بذلك؛ لأنه يؤم في الحوائج؛ أي: يقصد.
стр. 12
الثامن: أمة كل رسول؛ يعني: من بعث إليه الرسل من أمثال عاد، وثمود، وقوم لوط " وهو قوله تعالى: (مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا)؛. يعني: من هذه الأمم لم تبق أجلها في العذاب.
وقوله تعالى: (وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ). يعني: الأمة من هذه الأمم؛ لأن الفرس والسند والهند والزنج أمم ولم يبعث فيها نذير، وإنما كانوا متعبدين بتصديق من بعث في غيرهم من الأنبياء، " على حسب ما يعبدوا بتصديق محمد ﷺ ، ولم يعت فيهم.
التاسع: قوله: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ).
يعني: أمة محمد ﷺ خاصة.
وقوله تعالى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا). أي: عدلا.
وهو من واسطة القلادة، وليس من قولهم: هذا شيء وسط. إذا كان بين العالي والمنحط، ومنه قول النبي ﷺ : " أنا أوسط قريش نسبا ".
وله وجه آخر: وهو أن الوسط: العدل، وسمي بذلك؛ لأنه بين غلو الغالي وتقصير المقصر.
стр. 13
ومعنى الآية على هذا: إنكم لم تغلوا في الأنبياء. كغلو النصارى في عيسى، إذ قالوا: إنه إله. ولم تقصروا فيهم تقصير اليهود؛ إذ قالوا: إنه كذاب.
ومن الأول قولهم: فلان وسيط في حسبه، أي: هو الكامل المتناهي.
وفي الآية دليل على أن الأمة لا تجتمع على الباطل.
والوسط بالإسكان: الموضع.
والوسط بالتحريك: ما بين طرفي كل شيء، وأصل الكلمة العدل، فالمكان لا يمتد إلى المسافة إلى أطرافه.
والرجل الأوسط في قومه: الذي تكللُه الشرف من نواحيه.
العاشر: قوله تعالى: (كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهَا).
يعنى: الكفار من أمة محمد ﷺ ، وقد تقدم ذكر الأمم والرسل في القرآن، فعطف قوله: (كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ). على أولئك الرسل، فكأنه قال: كما أرسلنا إلى أمم رسلا من قبل أرسلناك إلى أمة، يعنى: هذه الأمة، و: (خَلَتْ) أي: مضت ولم تبق منهم باقية.
وفي هذا التزهيد في الدنيا والحث على الاعتبار بمن سلف. ثم قال: (لِتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ). أي: لتتلوه عليهم وتدعوهم إلى العمل به فحذف ذلك.
وقوله: (وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ) موصول بقوله (أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ). الكفر بالرحمن دينهم.
والأصل في هذا كله واحد إلا أن موضع الاستعمال يختلف.
стр. 14
وهاهنا وجه آخر، وهو قوله: (وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ). لما جعلها أمثالهم في الخلق والموت والبعث جعلها أمما.
стр. 15
الأخذ
أصله: الجمع، ومنه يقال للموضع الذي مجتمع فيه ماء السماء: الأخذ، والجمع إخاذ، ويقال له؛ وخذ - أيضا، ويقال: ولي على الشام وما أخذ إخذه؛ أي: اجتمع مع أعماله. ومآخذ الطير: مصائدها؛ لأنَّهَا تجتمع فيها، والاتخاذ: أخذ الشيء لأمر يستمر.
واستعمل في القرآن على ستة أوجه:
أولها: القبول، قال اللَّه تعالى: (إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ). أي: اقبلوه. وقوله: (وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ)، أي: يقبلها، ومعنى قبوله لها إثابته عليها. وقوله تعالى: (وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَا يُؤْخَذْ مِنْهَا). أي: لا يقبل منها فدية، والعدل: الفدية، وسنذكره إن شاء الله.
ومثله قوله: (خُذِ الْعَفْوَ). أي: اقبل الفضل من أموالهم.
стр. 16
قال ابن عبَّاس: العفو ما عفا من أموالهم؛ وهو الفضل منها بعد الكل والعيال، ثم نزلت آية الزكاة، وهو قول مقاتل:
وقال الحسَن ومجاهد: أمر النبي ﷺ أن نأخذ العفو من أخلاق الناس.
والعفو هو التيسير والتسهيل، والمعنى: استعمال العفو، وقبول ما سهل من الأخلاق، وترك الاستقصاء في المعاملات، وقبول العذر من المذنب، وإلى نحو هذا ذهب أبو علي ﵁
وقال بعضهم: خذ ما أتاك عفوا من إيمان قومك وغيرهم، وينبغي أن يكون هنا قبل فرض السيف.
وقوله: (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ). أي: اقبلوه واعملوا به.
الثاني: الحبس، قال اللَّه تعالى: (فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ). أي: احبس،: (قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ). أي: نحبس، ومثله: (مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ). وذلك أنه إذا حبس فقد حصل محصل الأسير، والأسير، يقال له: الأخيذ.
الثالث: العقاب، قال اللَّه تعالى: (فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ). أي: عاقبتهم. وقوله: (وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى). أي: عقابه. وقوله: (فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ). أي: عاقبنا، وفي هذا دليل على أن من لم يفعل ما وجب عليه فقد فعل ذنبا.
الرابع: القتل، قال الله تعالى: (وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ). أي: ليقتلوه. كذا قيل، والصواب: ليتمكنوا منه، فإما أن يقتلوه، أو يخرجوه، أو يحبسوه، وذلك أن ما أخذته فقد تمكنت منه.
стр. 17
الخامس: الأسر، قال الله تعالى: (وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ). أي: أسروهم واحبسوهم عن وجوههم فإن أسلموا وإلا فاقتلوهم، وإنما أمر بقتلهم وأسرهم وحبسهم ليخافوا النكال فيؤمنوا.
والأشهر الحرم في هذه الآية: رجب، وذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم؛ فواحد منها فرد، وثلاثة متوالية، وليست هذه الأشهر الأربعة المذكورة في قوله تعالى: (فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ). لأن آخر تلك انقضاء عشر من شهر ربيع الأول، وانقضاء الأشهر الحرم انقضاء المحرم والأربعة الأشهر الأولى، وهي أشهر العهد، والكلام في هذا طويل ليس ذا موضع ذكره.
السادس: الإصابة بالمكروه، قال. اللَّه تعالى (فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ).
كذا قيل، والصحيح أنه بمعنى الإهلاك؛ أي أهلكتهم هذه الصيحة، ويجوز أن يكون نظير قوله: (فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ)؛ لأن الصيحة عقاب.
стр. 18
الاعتداء
أصله تجاوز الحد، ومنه قيل عداء جاوزه إذا جاوز قدره، وسمي العدو عدوا لتجاوز حد السعي والمشي، ويجوز أن يكون أصله من الميل، ومنه قيل: عدوة الوادي وهي جانبه، وفي القرآن: (إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى).
стр. 19
ومن ذلك قيل: العلو لميله عمن يعاديه، وسمي الظلم اعتداء؛ لأنه ميل عن الحق، كما سمي جورا؛ لأنه ميل.
وهو في القرآن على وجهين:
أولهما: التجاوز، قال الله تعالى: (تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا). أي: لا تجاوزوها إلى غيرها،: (وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ)، أي: يتجاوزها، ومثله: (وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ).
الثاني: الظلم، قال اللَّه تعالى: (فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ). أي: فمن ظلمكم فجازر. بظلمه، سمي الجزاء على الظلم ظلما.
قال الشاعر:
ألَا لَا يجهَلَن أحَدْعَلينَا ... فنجهَلُ فَوقَ جَهلِ الجاهِلِينَا
لم يفتخر هنا الشاعر بالجهل وإنما أراد الجزاء على الجهل.
والجهل هاهنا: ركون الرأس في السر، وليس هو ضد العلم.
وأول الآية: (الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ).
والمعنى: أن المشركين سألوا النبي ﷺ عن القتال في الشهر الحرام، فأنزل اللَّه: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ).
فأرادوا أن يغزوه في الشهر الحرام طمعا أن تكف عنهم فسألوا منه، فأنزل الله: (الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ): إن استحلوا منك في الشهر الحرام شيئا فاستحل منهم مثله فيه، وأكد ذلك بقوله: (وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ). أي: لا يجوز ذلك بالمسلمين إلا قصاصا. ثم قال: (فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ). والمعنى: إنهم إن اعتدوا فقاتلوكم في الشهر الحرام فلا تقصروا عن قتالهم فيه، فيكون الاعتداء من المشركين الظلم، ومن المسلمين الانتقام.
стр. 20
وقوله: (فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ). أي: فمن قَبِل الدية ثم قتل فله العذاب؛ لأنه ظالم. وفي قوله تعالى: (فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ). دليل على أن الحر يقتل بالعبد؛ لأن من قتل وليه فقد اعتدى عليه.
стр. 21
الأمر بالمعروف
يعبر عن كل شيء بالأمر، وأصله في اللغة؛ الظهور، ومنه قيل، للعلامة: أمارة؛ لظهورهما، والإمرة، لظهور أمرها، والأمير ظاهر على ما يعلم، وأمر الشيء إذا كثر، ومع الكثرة ظهور الشأن.
والمعروف كله: ما تقبله النفس وتحبه، والمنكر كل ما تكرهه وترده.
وأصل العرفان والمعروف واحد؛ وهو الطمأنينة والسكون، وذلك أنك إذا عرفت الشيء سكنت إليه إن كان محبوبا، وإن كان مكروها عملت في إزالته لتسكن.
والعرف الريح الطيبة؛ لأن النفس تسكن إليها.
والعرف. الصبر؛ لأنه يعقب ما يسكن معه، ورجل عروف: صبور، والعرف والمعروف سواء، والعرف، عرف الدابة معروف.
стр. 22
وهو في القرآن على وجهين:
الوجه الأول: الأمر بتوحيد اللَّه، [والنهي عن] الشرك، قال الله تعالى: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ). جاء في التفسير أنه أراد توحيد الله،: (وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ)،. يعني: الشرك باللَّه، ومثله قوله: (يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ). أي: بتوحيد الله: (وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ) أي: عن الشرك.
الوجه الثاني: قيل: هو اتباع الرسول، قال اللَّه تعالى: (لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ)، ثم قال: (وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ). أي: باتباع الرسول، (وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ)، أي: عن التكذيب به، هكذا قالوا.
قال أبو هلال ﵀: وعندنا أن أحد هذين الوجهين داخل في الآخر، وهما جميعا يكونان الأمر بوجوه المحاسن والطاعات كلها.
والنهي عن المنكر: النهي عن المعاصي والقبائح بيعها.
стр. 23
أدنى
أفعل، من الدنو وهو القرب، وتأنيث أدنى: دنيا، وتجمع: دنى، مثل: كبرى وكبر، وسميت الدنيا دنيا؛ لأنَّهَا تؤدي إلى آخرة.
وهو في القرآن على أربعة أوجه:
أحدها: بمعنى: (أجدر، قال اللَّه تعالى: (وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا). أي: أجدر أن لا تشكلوا إذا رأيتم خطوطكم يخاطب الشهود. وقال: (ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ). يعني: الكتب .. وأقسط: (أعدل؛ لأنه أبعد من التظالم وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ؛ يعني: أنها إذا كانت مكتوبة كانت أثبت وأبعد من اعتراض شك فيه؛ لأن صاحبها إذا رأي خطه بها لم يشك في صحتها في أكثر الحال.
- ومثله: (أدنى ألا تَعُولُوا). أي: أجدر ألا تجوروا وتميلوا، والعول: الميل عن الحق، والعول؛ النفقة على العيال، عالهم عولا.
وأول الآية: (وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ)، الآية، والمراد؛ أن أحدهم كان فيما مضى يتزوج عشر نسوة فتعظم المؤونة عليه، فيمد يده إلى مال اليتامى الذي يلي أمرهم وهو مشفق من ذلك، فقيل له: كما خفت على نفسك في أموال اليتامى فخف عليها في حقوق النساء، فإنهن أيضا إلى الضعف والحاجة إلى مالهن، ولا يتزوج منهن أكثر مما يتسع له، ثم قال: (ذَلِكَ أدنى ألا تَعُولُوا). أي: تزوجكم الواحدة أقرب ألا تجوروا.
وقيل: كانوا يتزوجون العشر من اليتامى رغبة في مالهن، فربما عجزوا عن التسوية بينهن في النفقه والفراش، فقال الله: (وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى)
стр. 24
أي: في نكاح اليتامى؛ صنف النكاح ودل عليه بقوله: (فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ). يعني: من هؤلاء اليتامى، ولم يقل: ما طاب لكم منهن؛ لأن لا يظن أن الخطاب مقصور عليهن دون سائر النساء، وأراد أن يبين أن هذا ينبغي أن يستعمل فيهن وفي غيرهن من النساء، وإذا ذكر النساء دخل اليتامى فيهن، وإذا ذكر اليتامى لم يدخل فيه غيرهن.
الثاني: بمعنى: أقرب، قال الله تعالى: (وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى). يعني: الجوع والضر والخوف في الدنيا،: (دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ) في الآخرة وهي النار. هكذا قالوا.
وهو عندنا بمعنى أيسر؛ لأنه جعله مع كبر، وقوله تعالى: (فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى). أي: أقرب لا غير.
الثالث: بمعنى: أقل؛ قال الله تعالى: (وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ) أي: أقل.
الرابع: بمعنى: أدون، قال الله تعالى: (أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ). أي: الأرفع وهو المن والسلوى بالأوضع، هو ما طلبوه من نبات
стр. 25
الأرض، و: (خَيْرٌ) هاهنا بمعنى أفعل؛ وجعل المن والسلوى أرفع من غيرهما، إذ لم يكن في نيلهما تعب ولا إثم.
стр. 26
الإسلام
أصله السكون، ومنه قِيل: السلم خلاف الحرب؛ لما فيه من السكون. ثم استعمل في الخضوع، فقيل: أسلم الرجل واستسلم إذا خضع وتواضع؛ لأن مع الخضوع سكون الأطراف، ومنه قوله تعالى: (وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا).
стр. 27
ثم استعمل في الإخلاص، فيقال: أسلم الرجل إذا أخلص للَّه، وسلم الغلام في صناعة كذا إذا أخلصه لها، وسلم فلان على فلان كأنَّه عرفه خلوص سريرته، وقد سلم العبد أمره؛ أي -: فوضه إليه وأخلص التوكل فيه عليه.
والسلامة: الخلاص من الشر، وقوله: (أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ) أي: أخلصت ديني.
ومثله: (وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ). أي: يخلص دينه له. وهو في القرآن على ثلاثة أوجه:
أولها: الإخلاص، قال الله تعالى (إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ). أي: أخلص: (قَالَ أَسْلَمْتُ). أي: أخلصت.
الثاني: الإقرار، قال الله تعالى: (وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا).
أي: أقر بالعبادة طوعا. باللسان أو كرها؛ لما فيه من الدلالة على صنع الله فيه، على سبيل ما قال الحكماء: كل صامت ناطق. وهذا يقوم مقام الإقرار وإن لم يكن به.
وقال تعالى: (وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ). أي: إقرارهم بالإسلام؛ يعني: المنافقين، فسمى الإقرار إسلاما؛ لأنه من شرائط الإسلام.
стр. 28
الثالث: الخضوع والاستسلام، قال الله تعالى: (قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا)؛ وخضعنا مخافة السبي والقتل، وهذه الآية خاصة في قوم من الأعراب، وإن كان لفظها عاما فيهم، إذ كان فيهم من أخلص، كما قال: (الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ). وإنما. قال لهم ذلك نفر، وقيل: بل رجل واحد.
стр. 29
الإيمان
أصل الإيمان السكون والطمانينة، ومن أمنك فقد سكن إليك، ولهذا لا يصح أن يقال: إن الله يأتمن أنبيائه إذ لا يوصف بأنه يسكن إليهم، ولا يوصف الأنبياء بأنهم يأتمنونه، كما لا يوصفون بأنهم يسكنون إليه.
وقوله تعالى: (وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا)، أي: بساكن إلينا.
والمؤمن في أسماء الله بمعنى أنه يؤمن عباده من ظلمه، ويسكن قلوبهم حتى لا يخافوا ذلك منه.
ثم استعمل الإيمان بمعنى التصديق؛ لأنك لا تصدق الرجل إلا وقد سكنت إلى خبره.
ويكون المؤمن في أسماء الله تعالى بمعنى أنه مصدق لأوليائه، وتصديقه لهم تسكين عباده إلى قولهم، ويقال: آمنت لرجل إذا صدقته، ومنه قول الشاعر:
وَمِن قبلُ آمنَّا وَقَد كانَ قو ... مُنَا يُصلُّونَ الأَوثَانَ قبلَ مُحَمَّدَا
ويجوز أن يكون معنى قوله: (وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا). أي: بمصدق قولنا.
وقوله تعالى: (آمَنتُمْ لَهُ)، مفارق لقوله: (آمَنتُمْ بِه). معنى: (آمَنتُمْ بِه): صدقتموه. ومعنى: (آمَنتُمْ لَهُ): أظهرتم ما أظهرتموه من عجزكم عن معارضته إعانة له لأمر توافقتم عليه، ولستم تعرفون صدقه.
стр. 30
وهذا كما تقول: فعلت ذلك لفلان. أي: ميلا إليه وإعانه له، وإنما قال فرعون هذا القول ليوهم غيرهم أنهم على اعتقاد التكذيب لموسى؛ لأن لا يكون ما ظهر منهم داعية لغيرهم إلى الإيمان به.
وهو في القرآن على أربعة أوجه:
الأول: بمعنى: الإقرار باللسان من غير اعتقاد؛ قال اللَّه تعالى: (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا). يعني: أقروا علانية وكفروا سرًّا. وقوله تعالى: (أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ)، وقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ)، هكذا جاء في التفسير.
ويجوز عندنا أن تكون المخاطبة في هذه الآيه وما قبلها مخاطبة للمؤمنين حقا يأمرهم بخضوع القلوب وترك تولي المغضوب عليهم في يستقبل من أعمارهم.
وقيل: قوله: (أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ)، أن هؤلاء قوم من المؤمنين قصروا بعض التقصير ولم يطهر عليهم أثر الإسلام؛ خشوعه ووقاره فاستعتبهم الله بهذه الآية.
وقال بعضهم: كانوا بمكة مجتهدين فلما هاجروا أصابهم الزيف ففتروا عما كانوا عليه، وأن الشيء يبين، وأنى يأتي بمعنى دنا.
الثاني: التصديق سرا وعلانية " قال اللَّه تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ).
الثالث: التوحيد، قال الله تعالى: (وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ)، قالوا: أراد بالتوحيد، والمعنى على هذا: ومن يكفر بالله الموحد ويجوز أن يكون، الكفر هاهنا الجحد: أي: من جحد الإيمان بهذه الأحكام التي تقدم ذكرها فقد حبط عمله، وفيه دليل على أن من نذر طاعة ثم ارتد بطل نذره.
الرابع: إقرار الشرك ببعض ما يوافق المسلم، قال الله تعالى: (وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ) أي: إذا سألتم عن خالقهم قالوا: اللَّه.
стр. 31
وهم بعد ذلك لا يعبدونه ويعبدون الأصنام - ونحو ذلك، قوله تعالى: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ)، وسمى بعض المفسرين هذا القول منهم إيمانا.
ونحن لا نطلق عليه اسم الإيمان؛ لأنه لو كان إيمانا لكان صاحبه مؤمنا بالإطلاق، ولكنا نقول: إنه إقرار باللَّهِ والمقر باللَّهِ يجوز أن يكون كافرا ولا يجوز أن يكون المشرك مؤمنا، وكل ما كان من أسماء الدين مدحا فإنه لا يطلق إلا على من يستحق الثواب، مثل المؤمن والمسلم والمتقي ويجري على غيره مقيدا، فيقول: إن اليهودي مؤمن باللَّه وهو متق لكذا.
стр. 32
الاستغفار
أصله في اللغة الستر، ومنه قيل: للكلمة من الزرد مغفر؛ لأنَّهَا تستر الرأس،. وقد غفرت الشيء سترته، وفي الحديث عن عمر ﵁ " حصنوا المسجد فإنه أغفر للنخامة وفي هنا جواز التنخم في المسجد.
والغفر منزل من منازل القمر، وذلك أن القمر إذا نزل به ستره بضوئه.
والغفر أيضا النكس في المرض لأنه يحول بين صاحبه وبين العافية فكأنه سترها عنه؛
والغفارة من الشعر الضفيرة، عن أبي مالك؛ لأنها تستر ما تحتها، وقال غيره: الغفارة خرقة حمراء تشد على العمائم، والجمع غفائر وهذا أصح.
وهو في القرآن على ثلاثة أوجه:
الأول: التوبة، قال تعالى: (اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا)، أي: توبوا إليه، وجعل الاستغفار التوبة؛ لأن في التوبة الاستغفار.
والتوبة على الحقيقة: هي الندم على ما مضى والعزم على ترك مثله في المستقبل، ولو. قلت: إن الندم توبة. لم تقرنه بشيء آخر صح؛ لأنه لا يجوز أن يندم على ما فات وهو يعزم
стр. 33
عل معاودة مثله، وقوله تعالى: (وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ). الاستغفار هاهنا التوبة وإنَّمَا فصل بينهما للتوكيد، وتكرر الألفاظ على المعنى الواحد توكيد، و: (ثُمَّ) على هذا التأويل بمعنى الواو، وهو قول الأخفش.
ويجوز [أن يكون] قوله: (وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ). أي: استغفروه استغفارا بعد استغفار، وعن علي ﵇ أنه قال: الحمد للَّه ثم الحمد للَّه أي: الحمد للَّه مرة بعد أخرى.
ويجوز أن يكون المراد: أنكم كلما ذكرتم الذين استغفروا منه، ويجوز أن يكون المعنى: أن استغفروا مما مضى وتوبوا مما تواقعون في المستقبل.
والفرق بين الاعتذار والتوبة؛ أن التوبة ندم على ذنب تقر بأنه لم يكن لك في إتيانه عذر، والاعتذار إظهار ندم على ذنب تذكر أنه كان لك في إتيانه عذر.
الثاني: الصلاة، قال الله تعالى: (وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ)، وقال: (وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ) هكذا جاء في التفسير.
ويجوز أن يكون معناه أنهم يصلون الليل ويستغفرون بالأسحار، فجعل استغفارهم بالأسحار دليلا على صلاتهم بالليل ولم يذكرها.
وقالوا في قوله: (وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ)، أنه يعني: يصلون كذا قيل.
ويجوز أن يكون المراد أن الله لا يبعث عليهم العذاب الذي طلبوه في قوله: (أَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ)، وأنت فيهم وليس بالصلاح لك ولهم أن يأمرك بالخروج عنهم ولا ينزل بهم العذاب أيضا، ومنهم من يتوب في المستقبل. والاستغفار التوبة.
قال مجاهد: يستغفرون يسلمون أي: في المستقبل.
стр. 34
الثالث: طلب المغفرة وهو الأصل، قال: (اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا) والمعنى: سل الله أن يقبل استغفارنا؛ لأنه لا يجوز أن يذنبوا هم ويستغفر لهم غيرهم إلا إذا تابوا، وليس ذلك إلا سؤال قبولهم.
وقوله تعالى: (وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ). قالوا معناه استغفري زوجك؛ لأنَّهَا كانت مشركة، وكانوا مع الإشراك يحرمون الزنا، ويجوز عندنا - أن يكون أمرها باستغفار الله ذنبها وإن كانت مشركة؛ لأن المشرك يقال له ذلك لأجل شركه ولغير شركه من ذنوبه، وعلى أنه لا يقال: استغفرت إلا الله واستغفرت الرجل ليس بمعروف، وإن كان صحيحا في العربية.
стр. 35
الأجل
أجل الشيء: وقته، وحد الأجل هو الوقت المضروب لانقضاء الأمد، [فهو أجل يجعل]، جاعل له، وما علم أنه يكون في وقت فلا أجل له إلا أن يحكم بأنه يكون فيه.
فأجل الإنسان هو وقت انقضاء عمره، وأجل الدين محله،: وأجل الموت هو وقت حلوله، وأجل الآخرة هو الوقت لانقضاء ما تقدم قبلها قبل ابتدائها، هكذا وجدته عن بعض العلماء.
وأصله من التأخير، وقد أجلته إذا أخرته.
والآجل نقيض العاجل، والإِجْلُ: القطيع من بقر الوحش، وذلك لتأخير بعضه على بعض حتى يجتمع.
وآجل المال يأجله أجلا إذا حبسه في المرعى كما يحبس الآجل من البقر بعضه على بعض حتى يجتمع.
وآجل عليهم شرا: إذا جناه؛ لأنه حبسه عليهم لإلحاقه بهم، والمأجل حوض واسع يؤجل فيه الماء حتى يجتمع ثم يفجر في الزرع.
وللأجل في القرآن ثمانية مواضع:
الأول: أجل الدنيا، قال تعالى: (ثُمَّ قَضَى أَجَلًا) أي: أجل الدنيا،: (وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ) يعني: أجل الآخرة " وقال. الحسن
стр. 36
والضحاك وقتادة: هو أجل الحياة إلى الموت، وأجل الموت إلى البعث، وهذه الآية دليل على صحة البعث؛ لأن الذي قدر على الابتداء قادر على الإعادة.
وأولها: (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ) أيْ خلق آدم الذي أنتم ولده من الطين، كما تقول لقريش اليوم: أنتم أصحاب يوم الفجار، أي: آباؤكم أصحابه وليس هذا انقضاء؛ لقوله: (مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ)، لأنه أراد بذلك ولد آدم.
وقيل: أجلا أي: وقتا تحيون فيه،: (وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ) يعني أجل الساعة، وجعله عنده؛ لأنه لا يعرفه غيره، كما تقول: خبر فلان عندي .. أي: أنا العالم به دون غيري.
وقيل: (أَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ) يعني أوقات حياتكم في الآخرة وجعله عنده؛ لأنه حيث لا يحكم فيه غيره أيضا، وقيل: قضى أجل الماضين، وأجل مسمى عنده للباقين.
وقيل: أجل انقضاء الدنيا، وأجل ابتداء الآخرة،: (ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ) أي: خلقكم من طين، وجعل الظلمات والنور، وضرب لكم هذه ألآجال وأنتم مع هذا تشكون فيه فيعبدون غيره.
стр. 37
والامتراء الشك، وأصله من المري؛ وهو استخراج اللبن من الضرع، مرى الناقة يمريها مريا، ومنه ماراه إذا استخرج ما عنده بالمناظرة، وامترى امتراء إذا استخرج الشبه الموجبة له، ونظيره.: (وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى). يقول: إلى أجل الموت.
الثاني: أجل العذاب قال: (وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ). إن لم يؤمنوا إليه نزل عليهم العذاب. ومثله: (إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ). أي: أجل العذاب.
ومعنى أجل الله، أي: الأجل الذي ضربه اللَّه، ولا يكون الأجل أجلا إلا بالإخبار والتوقيت " وليس وقت كل شيء أجله، إنما سمي وقت الشيء أجلا إذا كان على ما وصفنا.
الثالث: قوله تعالى: (وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى) قالوا: يعني: أن مطالع الشمس والقمر لها غاية، ولا يتجاوزاه في شتاء: ولا صيف، ويجوز أن يكون المراد أن لهما أجلا مسمى ينتهيان إليه وهو الساعة.
الرابع: على الديون، قال الله تعالى: (إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ) أي: اكتبوا الأجل لأن لا يدعى فيه التقديم والتأخير غلطا أو عمدا، وقد تكلمنا في ذلك.
الخامس: قوله تعالى: (لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى). يقول: إلى أن تقلد فإذا قلدت لم تركب ولم تشرب ألبانها، يعني: البدن.
السادس: أجل الولادة. قال الله تعالى: (وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى). أي: إلى وقت الولادة.
السابع: انقضاء العدة، قال الله تعالى: (فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ). والمخاطبة لأولياء النساء.
وبلوغ الأجل انقضاء العدة، أي: لا تمنعوهن التزويج إذا انقضت عدتهن من مطلقتهن.
стр. 38
قال بعض الفقهاء: فيه دلالة على أن النكاح لا يصح إلا بولي، ولو صح بغير ولي لم يكن لمخاطبة الولي بهذا الخطاب فائدة.
والعضل: المنع من التزويج ثم كثر حتى قيل: عضل الرجل امرأته إذا ضارها؛ لأن مضارته إياها منع لها مما ينبغي عنده.
وأما قوله تعالى: (وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ). فالأجل " هاهنا مقاربة الخروج من العدة، أي: إذا طلقتموهن تطليقة أو تطليقتين فقاربن الخروج من العدة فأمسكوهن بمعروف، أي: إن أردتم حينئذ مراجعتهن فراجعوهن وأمسكوهن بجميل من الفعل أو خلوهن حتى تنقضي عدتهن فيتزوجن.
ومثل الأول: (وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ). والعزم: إيجابك فعل الشيء على غيرك أو على نفسك، ويقال: عزمت عليك لتفعلن، وقد وصف اللَّه به، فقيل: إن إلى يحب أن يؤخذ برخصه كما يحب أن يؤخذ بعزائمه. وهو مفارقة للإرادة عند أبي علي ﵁؛ لأنك تريد خروج زيد ولا يجوز أن تعزم على خروجه. والعزم أيضا يصح على الإرادة ولا يجوز أن تريد الإرادة.
الثامن: قوله تعالى: (وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى). لأن لا يعذب هذه الأمة بعذاب الاستثصال لانزل بهم العذاب، والكلمة: الساعة، وهو قوله: (بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ). والأجل المسمى هو الساعة أيضا، فكأنه قال: فلولا أني جعلت موعد الانتقام منكم الساعة لانتقمت منكم الاَن.
وقال الله تعالى لهم: (ذَلِكَ خَيرٌ). قالوا أنزل: (عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ).
стр. 39
إقام الصلاة
الأصل: إقامة الصلاة، فأسقطوا الهاء تخفيفا، ولا تسقط إلا عند الإضافة ليس.
يقال: أقام الصلاة إقاما، ويجوز أن يكون معنى إقامة الصلاة إدامتها، من قوله تعالى: (قَائِمًا بِالْقِسْطِ)، أي: مديما لفعله، وفلان يقيم أرزاق الجند أي: يجريها على إدامة. ويحتمل أن يكون عنى به اشتغالهم بها دون غيرها من قولهم: قامت الصلاة. أي: وقع الاشتغال بها.
وقيل: إقامتها إتمام الركوع والسجود ومراعاة المواقيت.
وقيل: هو مثل قوله: (وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ). والإقامة والتقويم سواء، وما خلاف الميل والاعوجاج.
وأصل الصلاة: الدعاء، وسميت صلاة؛ لما فيها من الدعاء.
والصلاة أيضا الترحم؛ لأنه دعاء، ومنه: الصلاة على الميت؛ لأنَّهَا دعاء لا ركوع فيها ولا سجود، وصلي فلان على فلان إذا دعا له.
قال الأعشى:
وقَابَلَهَا الريحُ فِي دِنها ... وصلى على دِنها وارتَسَم
وجاء في القرآن على وجهين:
الأول: الإقرار بالصلاة مع التصديق وغير التصديق، قال الله تعالى: (فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ). أي: فإن أقروا بهما، ولم يرد أنهم إذا أقاموها على اعتقاد صحيح فخلوا سبيلهم؛ لأن ذلك لا يعلمه إلا الله، وحقيقة
стр. 40
المراد دخولهم في الإسلام، وإنما ذكر الصلاة والزكاة؛ لأنهما من أجل شرائع الإسلام وأشهرها ومثله مع قوله: (فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ).
الثاني: إتمام الصلاة، قال الله تعالى: (وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ). أي: أتموها في أوقاتها، وقوله تعالى: (وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ). ونحوه كثير.