والضحاك وقتادة: هو أجل الحياة إلى الموت، وأجل الموت إلى البعث، وهذه الآية دليل على صحة البعث؛ لأن الذي قدر على الابتداء قادر على الإعادة.
وأولها: (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ) أيْ خلق آدم الذي أنتم ولده من الطين، كما تقول لقريش اليوم: أنتم أصحاب يوم الفجار، أي: آباؤكم أصحابه وليس هذا انقضاء؛ لقوله: (مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ)، لأنه أراد بذلك ولد آدم.
وقيل: أجلا أي: وقتا تحيون فيه،: (وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ) يعني أجل الساعة، وجعله عنده؛ لأنه لا يعرفه غيره، كما تقول: خبر فلان عندي .. أي: أنا العالم به دون غيري.
وقيل: (أَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ) يعني أوقات حياتكم في الآخرة وجعله عنده؛ لأنه حيث لا يحكم فيه غيره أيضا، وقيل: قضى أجل الماضين، وأجل مسمى عنده للباقين.
وقيل: أجل انقضاء الدنيا، وأجل ابتداء الآخرة،: (ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ) أي: خلقكم من طين، وجعل الظلمات والنور، وضرب لكم هذه ألآجال وأنتم مع هذا تشكون فيه فيعبدون غيره.
стр. 37
والامتراء الشك، وأصله من المري؛ وهو استخراج اللبن من الضرع، مرى الناقة يمريها مريا، ومنه ماراه إذا استخرج ما عنده بالمناظرة، وامترى امتراء إذا استخرج الشبه الموجبة له، ونظيره.: (وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى). يقول: إلى أجل الموت.
الثاني: أجل العذاب قال: (وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ). إن لم يؤمنوا إليه نزل عليهم العذاب. ومثله: (إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ). أي: أجل العذاب.
ومعنى أجل الله، أي: الأجل الذي ضربه اللَّه، ولا يكون الأجل أجلا إلا بالإخبار والتوقيت " وليس وقت كل شيء أجله، إنما سمي وقت الشيء أجلا إذا كان على ما وصفنا.
الثالث: قوله تعالى: (وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى) قالوا: يعني: أن مطالع الشمس والقمر لها غاية، ولا يتجاوزاه في شتاء: ولا صيف، ويجوز أن يكون المراد أن لهما أجلا مسمى ينتهيان إليه وهو الساعة.
الرابع: على الديون، قال الله تعالى: (إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ) أي: اكتبوا الأجل لأن لا يدعى فيه التقديم والتأخير غلطا أو عمدا، وقد تكلمنا في ذلك.
الخامس: قوله تعالى: (لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى). يقول: إلى أن تقلد فإذا قلدت لم تركب ولم تشرب ألبانها، يعني: البدن.
السادس: أجل الولادة. قال الله تعالى: (وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى). أي: إلى وقت الولادة.
السابع: انقضاء العدة، قال الله تعالى: (فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ). والمخاطبة لأولياء النساء.
وبلوغ الأجل انقضاء العدة، أي: لا تمنعوهن التزويج إذا انقضت عدتهن من مطلقتهن.
стр. 38
قال بعض الفقهاء: فيه دلالة على أن النكاح لا يصح إلا بولي، ولو صح بغير ولي لم يكن لمخاطبة الولي بهذا الخطاب فائدة.
والعضل: المنع من التزويج ثم كثر حتى قيل: عضل الرجل امرأته إذا ضارها؛ لأن مضارته إياها منع لها مما ينبغي عنده.
وأما قوله تعالى: (وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ). فالأجل " هاهنا مقاربة الخروج من العدة، أي: إذا طلقتموهن تطليقة أو تطليقتين فقاربن الخروج من العدة فأمسكوهن بمعروف، أي: إن أردتم حينئذ مراجعتهن فراجعوهن وأمسكوهن بجميل من الفعل أو خلوهن حتى تنقضي عدتهن فيتزوجن.
ومثل الأول: (وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ). والعزم: إيجابك فعل الشيء على غيرك أو على نفسك، ويقال: عزمت عليك لتفعلن، وقد وصف اللَّه به، فقيل: إن إلى يحب أن يؤخذ برخصه كما يحب أن يؤخذ بعزائمه. وهو مفارقة للإرادة عند أبي علي ﵁؛ لأنك تريد خروج زيد ولا يجوز أن تعزم على خروجه. والعزم أيضا يصح على الإرادة ولا يجوز أن تريد الإرادة.
الثامن: قوله تعالى: (وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى). لأن لا يعذب هذه الأمة بعذاب الاستثصال لانزل بهم العذاب، والكلمة: الساعة، وهو قوله: (بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ). والأجل المسمى هو الساعة أيضا، فكأنه قال: فلولا أني جعلت موعد الانتقام منكم الساعة لانتقمت منكم الاَن.
وقال الله تعالى لهم: (ذَلِكَ خَيرٌ). قالوا أنزل: (عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ).
стр. 39
إقام الصلاة
الأصل: إقامة الصلاة، فأسقطوا الهاء تخفيفا، ولا تسقط إلا عند الإضافة ليس.
يقال: أقام الصلاة إقاما، ويجوز أن يكون معنى إقامة الصلاة إدامتها، من قوله تعالى: (قَائِمًا بِالْقِسْطِ)، أي: مديما لفعله، وفلان يقيم أرزاق الجند أي: يجريها على إدامة. ويحتمل أن يكون عنى به اشتغالهم بها دون غيرها من قولهم: قامت الصلاة. أي: وقع الاشتغال بها.
وقيل: إقامتها إتمام الركوع والسجود ومراعاة المواقيت.
وقيل: هو مثل قوله: (وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ). والإقامة والتقويم سواء، وما خلاف الميل والاعوجاج.
وأصل الصلاة: الدعاء، وسميت صلاة؛ لما فيها من الدعاء.
والصلاة أيضا الترحم؛ لأنه دعاء، ومنه: الصلاة على الميت؛ لأنَّهَا دعاء لا ركوع فيها ولا سجود، وصلي فلان على فلان إذا دعا له.
قال الأعشى:
وقَابَلَهَا الريحُ فِي دِنها ... وصلى على دِنها وارتَسَم
وجاء في القرآن على وجهين:
الأول: الإقرار بالصلاة مع التصديق وغير التصديق، قال الله تعالى: (فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ). أي: فإن أقروا بهما، ولم يرد أنهم إذا أقاموها على اعتقاد صحيح فخلوا سبيلهم؛ لأن ذلك لا يعلمه إلا الله، وحقيقة
стр. 40
المراد دخولهم في الإسلام، وإنما ذكر الصلاة والزكاة؛ لأنهما من أجل شرائع الإسلام وأشهرها ومثله مع قوله: (فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ).
الثاني: إتمام الصلاة، قال الله تعالى: (وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ). أي: أتموها في أوقاتها، وقوله تعالى: (وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ). ونحوه كثير.
стр. 41
الاستطاعة
الاستطاعة: استفعال، من الطوع، وهو خلاف الكره، وذلك أن الفعل يقع بها طوعا ولا يجوز أن يسمى الله مستطيعا؛ لأنه من قولك: انطاع له الفعل بعد أن لم يكن كذلك، وهذا لا يجوز على الله. والطوع بمعنى: الانقياد، والانقياد بمعنى: الذل، يقال: طاع له طوعا وأطاعه إطاعة: إذا انقاد له. والطاعة الانقياد لمن يعتقد تعظيمه.
стр. 42
والاستفعال في الأصل للطلب ثم استعمل في غير ذلك، ففقل: استحسن الشيء واستقبحه. وقيل: فعلته طوعا. أي: فعلته في سهولة، ومثله: (فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ) أي: سهلته عليه، ومن هذا الوجه أيضا لا يقال لله مستطيع، كما لا يقال: أن هذا الفعل سهل عليه، ومن أجل أن استطاع طلب ذلك ولا يوصف اللَّه بأنه يطلب القدرة على الفعل ويطلب السهولة أو انطباع الفعل.
وقيل: طوعت: حسنت وزيتت، وهذا على المعنى وليس على اللفظ.
وقيل: طوعت: شجعت؛ وطوعت السقاء ملأته، وهو طواع الكف، أي: ملؤها، وطاع له الشيء إذا أتاه طوعا، وقيل: طوعت: له أطاعته وتابعته، وقرئ: (فَطَاوَعَتْ).
والاستطاعة في القرآن على أربعة أوجه:
الأول: السعة في المال، قال الله تعالى: (وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ). أي: لخرجنا معكم إلى تبوك، يعنون سعة ذات اليد للخروج وتخفيف النفقة للعيال. وقوله تعالى: (مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا). وتدخل في هذا سعة ذات اليد، وصحة البدن، وأمن الطريق، وتمام الوقت.
وقال: (لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً). أي: لا يجدون سعة يستعينون بها على الهجرة، ويجوز أن يكون أراد عدم الصحة والقوة على السفر، أو عنى أنهم ممنوعون من الخروج ببعض الموانع الكائنة من جهة الكفار.
وقوله تعالى: (وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا). والطول: السعة، وتطول الرجل أفضل من سعة وليس فيه طائل يرجع إلى هذا، أي: إذ لم تستطيعوا نكاح الحرائر لتعذر النفقة عليكم فانكحوا الأيامى ليقع الانتفاع لكم بهن وتكون نفقتهن على مواليهن ويقل مهرهن.
стр. 43
وقال: بعضهم: لا يجوز نكاح الأمة مع وجود الطول. وليس كذلك؛ لأن القدرة على نكاح امرأة " لا تحرم نكاح أخرى، قال الله تعالى: (وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ) فعم.
الثاني: الطاقة، قال تعالى: (وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ) فلو كانت الاستطاعة مع الفعل لكانوا عاجزين إذ لم يفعلوا؛ لأن الفعل معدوم، وإذا عدم الفعل عدم الاستطاعة، ولكان أيضا من وجد الزاد والراحلة وتمام الوقت، وهو صحيح البدن وعطل الحج ثم مات لكان معذورا؛ لأنه كان عاجزا وإنما يكون مستطيعا عند خصومنا في وقت وجود الحج ولا لوم على العاجز.
وقد أخبر الله تعالى أنهم لا يستطيعون السجود في الآخرة، فدل على أنهم كانوا يستطيعونه في الدنيا؛ لقوله: (وَهُمْ سَالمُونَ). وإلا فليس للكلام معنى يفهم.
وقوله تعالى: (فَمَا اسْتَطَاعُوا مِنْ قِيَامٍ). أي: لم يطيقوا القيام لعذاب الله، ومثله (فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ).
وقوله تعالى: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ). واسطاعوا: لغة في استطاعوا، يقال: اسطعت الشيء واستطعته.
وقوله: (وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ). أي: لا تطيقون ذلك في الحد، هذا في الرجل له زوجتان وثلاث وأربع، قال: وليس يستطيع أن يسوي بينهن في الشهوة، فتشتهي هذه كما تشتهي تلك؛ لأن الشهوة ليست من فعله فعذره فيما لا يستطيع واسع، وليس كما يذهب إليه المجبرة في أنه تعالى كلفه العدل بينهن، وهو لا يستطيعه، ألا ترى أن قوله: (فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ). دلالة على أنه في بعض الميل معذور، وهو الذي لا يستطيع خلافه، والمعنى النهي عن إيثار إحداهن للشهوة فيها والانصراف عن الأخرى حتى تصير كالمعلقة لا المتزوجة ولا المطلقة.
стр. 44
وقال (فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا وَلَا نَصْرًا). قال أبو علي ﵁ الخطاب للنبي ﵇ والمؤمنين بقوله (فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِمَا تَقُولُونَ). أي: كذبوك بما تقول من توحيد الله فلا يستطيعون صرف العذاب عن أنفسهم والانتصار لها.
وقال غيره: الخطاب للكفار يريد أن هؤلاء الذين اتخذوهم آلهة إذا سئلوا هل كان عبادتكم إياها بدعاء منكم لها: (قَالُوا سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ) فظهر لهم حينئذ أنهم لا يقدرون على صرف العذاب عنهم ولا على نصرهم مما يراد إنزاَله بهم.
الثالث: الاستثقال، قال الله تعالى: (مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ). أي: كانوا يستثقلون استماع القرآن والأمر بالإيمان، وهو كقولك: لا أستطيع أن أسمع كلام فلان. أي: يثقل عليَّ ذلك، وهذا معروف.
الرابع: الاستطاعة، بمعنى سؤال الفعل وطلبه، قال اللَّه تعالى: (هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ). والمعنى: سؤال النزول كما تقول: هل يستطيع فلان أن يقوم معناه وأنت تعلم أنه يستطيع ولكنك تجعل ذكر الاستطاعة سؤالا للقيام؛ لأنه ألطف وقرئ: (هَلْ تَسْتَطِيعُ رَبَّكَ). أي: هل تقدر على أن تسأل رَبَّكَ، وكانوا يعلمون أنه قادر على سؤال ربه، ولكن قالوا ذلك؛ لأنه ألطف في السؤال ومجازه هل يجوز أن، تسأل رَبَّكَ.
стр. 45
الأحزاب
جمع حزب، وهو: الجماعة المتعاونة، ومنه تحزب القوم إذا اجتمعوا وتعاونوا.
قال الراجز:
وكيف أضوي وبلال حزبي
أي: مغيثي.
وأصل الكلمة من الشدة، ومنه يقال: حزبي إذا استبد عليَّ، والاسم: حزابة، وأمر حازب وحزيب أي: شديد.
والأحزاب في القرآن على أربعة أوجه:
الأول: بنو أمية وبنو المغيرة وآل أبي طلحة، وهو قوله: (وَمِنَ الْأَحْزَابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ). هذا قول بعض المفسرين.
وقال غيره: (الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ). النبي ﷺ والمؤمنون. والكتاب: القرآن، أي: هم يفرحون به،: (وَمِنَ الْأَحْزَابِ) أي: هم الباقون. وقال: - منهم: (مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ) وهو المواضع التي تخالف دينهم، وكانوا لا ينكرون ما فيه من الحكم والأمثال والدعاء إلى المكارم، وليس في العقلاء من ينكر ذلك.
وسماهم أحزابا، لاختلاف مذاهبهم، وذلك أن اليهود فرقة، والنصارى فرقة وعُبَّاد الأوثان فرقة.
стр. 46
وقوله: (جُنْدٌ مَا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزَابِ). جاء في التفسير أنه عنى هؤلاء المذكورين أولا.
والوجه أن يكون من يحارب النبي ﷺ من فرق المخالفين.
وفيه بشارة له ﵇، أي: هؤلاء جند مهزوم بعد قليل، وأنت هازم لهم وظافر بهم. و " ما " في قوله: (جُنْدٌ مَا هُنَالِكَ). توكيد، كأنَّه قال: هم جند. وأتى جندهم وعظم أمرهم ليكون أعظم لأمر هازمهم؛ لأن غلب العدو القوي أبلغ في المدح.
الثاني: النصارى، قال الله تعالى: (فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ).
الثالث: قوم عاد وثمود وشعيب وفرعون، وهو قوله تعالى: (كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالْأَحْزَابُ). ويجوز أن يكون المعنى بذلك جميع من كذب الرسل من هؤلاء ومن غيرهم من بعدهم. وقال: (وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتَادِ (١٢) وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ أُولَئِكَ الْأَحْزَابُ). ومثله: (إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ). يعني: هؤلاء.
الرابع: أبو سفيان وأصحابه يوم الخندق، قال: (يَحْسَبُونَ الْأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزَابُ يَوَدُّوا). يعينهم.
стр. 47
الأمر
قد مضى القول في أصله:
وهو في القرآن على سبعة عشر وجها:
الأول: الدِّين، قال اللَّه تعالى: (وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ). يعني دينه، وقوله تعالى: (فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ). أي: الدِّين الذي جاء به نبيهم، فنسبته إليهم؛ لأنهم المتعبدون به والمندوبون إليه، والمعنى: أن الله أعلمهم أن أمر الأمة واحد، وأن دينه واحد وهو الإسلام وهم قد تقطعوا واختلفوا.
الثاني: القول، قال اللَّه تعالى: (إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ). قال: (فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى). أي: يتنازعون القول فيا يريدون العمل عليه؛ لأن مثل ذلك الأمر لا يتنازع وإنما يتنازع القول فيه.
الثالث: وقت الوعيد، قال: (حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا). أي: حضر وقت وعيدنا، ويجوز أن يكون على ظاهره أي: حتى جاء أمرنا بالعذاب، أي: حتى أمرنا بتعذيبهم.
الرابع: العذاب، قال: (وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ). أي: وجب العذاب، ويجوز أن يكون قضاء الأمر هاهنا فضل الحساب ووقوف كل فريق على ما له عند الله من الخير والشر. ومثله: (وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ). أي: وجب العذاب.
стр. 48
الخامس: تمام العذاب وبلوغ المراد منه، قال: (وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ).
السادس: بمعنى الشيء، قال: (وَإِذَا قَضَى أَمْرًا) أي: إذا أراد إحكام شيء لم يتعذر عليه.
ومثله: (أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ) أي: تصير الأشياء إلى حيث لا يحكم فيه سواه ولَا يقدر عليه غيره.
وجاء في التفسير أنه أراد بقوله تعالى: (وَإِذَا قَضَى أَمْرًا). عيسى ﵇ أنه يكون من غير أب.
السابع: هزيمة الكفار وقتلهم ببدر، قال الله تعالى: (وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا)، ثم قال: (لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا)، أراد هزيمة الكفار وأسرهم جزاء لهم على كفرهم ونصر المؤمنين عليهم.
الثامن: القيامة، قال اللَّه - تعالى: (فَإِذَا جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ قُضِيَ بِالْحَقِّ). يعني: القيامة، وقيل: أراد به قتل الكفار ببدر. والأول الوجه.
стр. 49
وقوله تعالى: (أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ). يعني: القيامة والإتيان هاهنا بمعنى الدنو كقول الشاعر:
وقيل المنادي أصبح القوم أدلجوا
أي: هنا الإصباح.
ومثله قوله: (وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ).
التاسع: فتح مكة، قال الله تعالى: (فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ) قالوا: أراد فتح مكة، ويجوز أن يكون المراد ظهور الإسلام وقوة أهله.
العاشر: قتل قريظة وجلاء النضير، قال الله وحده: (فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ). جاء في التفسير أنه أراد ذلك، ويجوز أن يكون المراد القيامة أيضا، ويجوز أن يكون أراد: اصفحوا عنهم إلى أن يأمركم الله بقتالهم فتنتقموا منهم.
الحادي عشر: بمعنى القضاء، قال الله تعالى: (يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ)، وقال.: (يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ) أي: يقضي القضاء.
الثاني عشر: الوحي، قال الله: (يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ) قال أهل التفسير: يعني: الوحي. وقال: (يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ) يعني: الوحي.
الثالث عشر: بمعنى النصر والسلطان، قال: (هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ). يعني: أن الغلبة لأولياء الله.
الرابع عشر: الذنب، قال الله تعالى: (فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا) أي: جزاء ذنبها.
وأصل الوبال من الطعام الوبل، وهو الوخم الذي لا يمري، وقيل: الوبيل الشديد، وأصله من الكراهة، يقال: استوبلت المنزل إذا كرهته لقلة موافقته لك، قال الله: (فَذَاقُوا
стр. 50
وَبالَ أَمْرِهِم). أي: جزاء ذنبهم، وقال: (لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ).
الخامس عشر: الأمر خلاف النهي، قال الله: (أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا) أي: أمرناهم بالطاعة فعصوا، وقرئ: (أمَّرْنَا) أي: جعلناهم أمراء. وقيل: كثرناهم، وأمر الشيء: كثر، وقيل؛ أمرناه بالتخفيف معناه: كثرنا.
وروى الجرمي عن أبي زيد والأصمعي: أمَره وأمَّره. أي: كثره، وأمر هو، فهو آمر ومأمور ومؤمر من آمره، وأمرته أيضا: كثرته بالتثقيل، وهو مأخوذ من أمرته بالتخفيف؛ لأن فعلت بالتثقل في فعلت بالتخفيف مثل: ضربت وضربت، قال المبرد: ولا تكون ذلك من أمرت.
السادس عشر: إظهار أمر المنافقين، قال الله تعالى: (أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ) أي: أو أن يؤمر النبي ﷺ بإظهار أمر المنافقين فيعاقبوا،: (فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ) ويجوز أن يكون المعنى في هذا: ظهور الإسلام.
السابع عشر: العلم، قال اللَّه تعالى: (وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ) قيل: يعني: العلماء، وقيل: يعني: السلطان، وإنما تجب طاعة السلطان إذا كان محقا.
وقال ابن عباس: أولو الفقه في الدين.
وقال أبو علي ﵀: هم الأمة وأمراؤهم، وليس هم العلماء إلا أن يكونوا أمراء.
وقال: (فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ). أي: إلى الكتاب والسنة؛ لأنهما من الله ورسوله، وفيه دَليل على أن الإمامة ليست بحجة، وفيه دليل أيضا على صحة القياس وذلك أن جميع ما يتنازع فيه المتنازعان لا يوجد في القرآن والسنة مشروحا، ولكن يوجد أصل كل شيء فيهما أو في أحدهما، فأمر بحمل الفروع على الأصول الموجودة فيهما ليظهر. أحكامها، ولا يأتي ذلك إلا بالقياس.
والآية عموم في وجوب الرد إلى الكتاب والسنة في حياة الرسول وبعد وفاته.
стр. 51
والذي يقتضيه فحوى الكلام الرد إليهما فيما لانص فيه؛ لأن المنصوص عليه لا احتمال فيه لغيره ولا يقع فيه التنازع من الصحابة مع علمهم باللغة ومعرفتهم بما فيه احتمال مما لا احتمال فيه.
وأما الأمر في قوله تعالى: (لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا). فهو تفسير الرجعة، وذلك أنه إذا طلقها طلاق السنة ملك رجعتها.
وطلاق السنة عند الكوفيين يعتبر فيه معنيان:
أحدهما: الوقت. والآخر: العدد.
فالوقت: أن يطلقها طاهرا من غير جماع أو حاملا قد استبان حملها. والعدد: ألا يزيد في الطهر الواحد على تطليقة واحدة، فأما من لا عد عليها فيطلقها متى شاء في حيض أو طهر بغير المدخول بها.
стр. 52
الأرض
من الأراضة وهي الخلافة؛ مكان أريض: أي: خليقْ المنبت. وسُمِّيتْ الأرضة أرضة؛ لأنَّهَا تكون في بطن الأرض، وسمي الرعدة أرضا من الأرضة؛ لأنَّهَا إذا وقعت في الخشبة أكلتها فخفت فسميت الرعدة أرضا؛ لأنَّهَا خفة تعتري الإنسان.
وتجمع الأرض أرضين كل غير قياس. وكان الأصل في الأرض أرضة والشاهد أنها تجمع أرضات، مثل: تمرة وتمرات، وأسقطت الأرضة أصلا حتى أنها لا يقال، وأدخلت الواو والنون في الأرضين عوضا من الساقط وإنما أسقطت؛ لأن التمر ينفصل كل واحدة منهما بنفسها، والأرض ليست كذلك، وإنَّمَا هي اسم واحد يجمع أشياء لا ينفصل بعضها من بعض. وقولنا: أرض كقولنا: تمر. اسم للجنس، وربما جمعت على أراض مثل: تمر وأتمار.
وهي في القرآن على تسعة أوجه:
الأول: (أرض الجنة، قال الله تعالى: (أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ) يعني أرض الجنة، هكذا قيل .. وقيل: إنها أرض الدنيا، ودليل ذلك أن الأرض إذا جاءت مطلقة، فهي الأرض المعروفة لا غير، ولو لم يكن ذلك كذلك، لم يعرف بإطلاق اللفظ شيء.
الثاني: الأرض المقدسة، قال اللَّه تعالى: (وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا). أي: مشارق أرض الشام ومغاربها؛ لأنَّهَا تعلم أن بني إسرائل لم يملكوا أرض فارس ولا أرض خراسان، ومنه قوله
стр. 53
تعالى: (الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ). يعني: (أرض الشام وقوله تعالى: (وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا). أي أرض الشام.
الثالث: أرض المدينة خاصة، قال الله: (إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ) يأمرهم بالهجرة إليها، ثم فيه دلالة على أن من لا يمكنه عبادة الله في أرض فينبغي أن ينتقل عنها إلى حيث يمكنه ذلك.
والمراد على هنا التأويل أن أرض مكة تسعكم لا تجدون فيها ما تجدون في غيرها من المعاشر فانتقلوا إليها، ويجوز أن يكون المعنى أن الطرق غير مسدودة عليكم فاخرجوا إلى حيث تتمكنون من عبادة ربكم. ومثله قوله تعالى: (أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا). قالوا: يعني: أرض المدينة. وقالَ: (وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ). وقال: (وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً). أي؛ مذهبا واسعا، مأخوذ من الرغام، والمراغمة أيضا المغايظة والمناغضة، وأصله من الرغام وهو التراب. ويقال: راغمته إذا هاجرته وعاديته ولم لا تبال رغم أنفه. أم لا.
الرابع: أرض مكة، قال الله تعالى: (قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ) يعني: أرض مكة،: (قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً).
أي: أليس في أرض المدينة متسع ومحتمل، فليس لكم عذر في المقام بمكة على ذل وهوان.
الخامس: الأرض التي تفتح لأهل الإسلام، قال اللَّه تعالى: (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا). أي: أولم تروا أنا فتحنا على المسلمين من الأرض ما يبين لهم صدق الدعوة، وذلك أنه كان أخبره بفتحها عليهم، ففتحها كان بعض
стр. 54
المعجزات، وقيل: (نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا) موت أهلها وبنقص ثمارها، وقيل: موت العلماء والأرل الوجه.
السادس: أرض مصر خاصة، وهو قوله: (اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ) وإنما طلب ذلك نظرا للناس ليوسع عليهم وينصفهم في القسمة، وقوله:: (وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ). وقال: (فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ). وقال: (إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأرْضِ) وقوله: (وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ) وقوله: (أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ). المعنى بهذا كله أرض مصر. وكذلك قوله: (إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ) ويجوز أن يكون المعنى في هذا جميع الأرض المسكونة.
السابع: أرض الإسلام، قال الله تعالى: (أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ) قال أهل التفسير: يقاتلون حيث توجهوا من الأرض ولا يتركون فارين في شيء من أرض المسلمين، وقيل.: معناه أن دمائهم مباحة فإن يقتلهم لم يؤخذ بهم، ويقال: نفيت الشيء نفيا، والنفاية ما ينفى مثل: النحاتة والبراية.
الثامن: جميع الأرضين، قال الله: (وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا) وقال: (وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ)
стр. 55
وقوله: (إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ)، والفرق بين مَكَّنَّا لَهُ ومَكَّنَّاهُ أن معنى مَكَّنَّا لَهُ: جعلنا له ما يتمكن به في الأرض، ومعنى مَكَّنَّاهُ: أقدرناه على ملك الأرض.
وقوله: (وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً)، والمراد: أنا نسير الجبال فيحلوا منها وجه الأرض فتراها بارزة أي: ظاهر لا شيء فيها، ويجرز أن تكون بارزة بمعنى: مبرزة أي: قد أبرز جميع ما في بطنها، وجاءت على فاعلة على النسبة كما قيل: الحاسة وهي من أحسست على النسبة لا على طلب الفعل، أي: هي ذات كذا، ويجوز أن يكون المعنى أنك ترى أهل الأرض بارزين كما قال: (وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا) وقال: (وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ).
التاسع: محي الأرض مثلا، وهو قوله: (مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ) لم يرد أرضا بعينها، وإنما هو على حسب قول العرب في معنى الأبد: لا أفعل ذاك ما اختلف الليل والنهار وما طما اليحر وما أقام الجبل ومَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ.
هذا وإن كان اللفظ الليل والنهار والجبل والأرض والسماء، فإنما المراد به الأبد، وإنما جعلوا هذه الأشياء أمثالا في الأبد؛ لأنَّهَا عندهم لا تتغير، ويجوز أن يكون المراد أرض الجنة والنار.
стр. 56
الاشتراء
أصل الشراء من الإمالة ومنه الشرى وهو الناحية، فقولهم: اشتريت الشيء. كأنك جعلته في شراءك، أي: ناحيتك، كما تقول: احتقبته إذا جعلته في حقيبتك، وهو من الأضداد، اشتريته إذا أخذته بثمن واشتريته إذا بعته، وكذلك شريته إنما سمي المشتري والبائع باسم واحد؛ لأن كل واحد منهما يأخذ شيئا ويعطي شيئا فلتماثلهما من هذا الوجه اشتركا في الاسم الواحد، ويجوز أن يكون من قولك: شريت به. إذا لمحت به، ومنه يقال: شرى البرق إذا كثر لمعانه كأنَّه لهج بذلك.
وهو في القرآن على ثلاثة أوجه:
الأول: الاختيار، قال: (اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى) أي: اختاروا الكفر على الإيمان، ومنه: (وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا) أي: اختاروا على الإيمان ما نالوه من حطام الدنيا، وسماه قَلِيلًا؛ لأن كل شيء من الدنيا قليل لانقطاعه.
وقال: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ). يعني: يختار باطل الحديث على القرآن.
وعلى هذا التقدير يصح هنا التأويل؛ لأن الأختيار: إيثار الشيء على غيره وهو ضرب من الإرادة واقع على هذا الوجه، وإذا لم يقع كذلك لم يسم اختيارا.
стр. 57
وأصله من الخير كأنَّك تؤثر خير الشيئين عندك، وقالوا: لهو الحديث الغناء؛ لأنه يلهي عن الذكر، قالوا: نهى رسول الله ﷺ عن شرى المرأة المغنية.
وقيل: هو جميع ما يلهي عن الذكر، وقِيل: نزلت في النضر بن الحارث بن كلدة الداري وكان يشتري من كتب الأعاجم فارس والروم ويقرأوها على قريش فيستحنونها ويعجبهم ما يسمعون من أخبارهم فيها فيشتغلون بها عن استماع القرآن.
وقوله: (وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا). يعني: سيل الله، ومعناه الإسلام.
الثاني: الابتياع، قال اللَّه: (إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ). هكذا قيل، وهو مجاز وحقيقته أنه جعل الجنة ثوابا لهم على بذلهم نفوسهم وأموالهم في سبيل الله، وسمي ذلك اشتراء؛ لأنه جعل الجنه بدلا من ذلك كما أن ثمن السلعة بدل منها.
الثالث: بمعنى البيع، قال تعالى: (بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ) أي: باعوها، وهذا أيضا مجاز، ومعناه أنهم أذنبوا فاستحقوا النار فإذا صاروا إليها لم ينتفعوا لنفوسهم فكأنهم باعوها؛ لأن من باع الشيء حرم الانتفاع به.
стр. 58
الأحد
أصله الانفراد، يقال: رجل وحد إذا كان منفردا، ولهذا قالوا: مررت برجل وحده. لما أرادوا معنى الانفراد، كأنهم أرادوا برجل أفرادا، وأفرادا منصوب نصب المصدر فنصبوا وحده؛ لأنه جعل موضع أفراد.
стр. 59
وجاء في كلامهم نسيج وحده، وعبير وحده، وجحيش وحده بالجر، وإنما هذا مضاف إلى المصدر كأنهم قالوا: نسيج إفرادا لا يوجد مثله؛ لانفراده بدأبه وعمله.
وقالوا: في جمع أحد آحاد، وجمع واحد وحدان وأحدان، ويقولون: أحد الرجلين ولا يقولون: واحد الرجلين، ولزموا أحدا وإحدى في العدد.
ولو استعملوا في أحد وعشرين وإحدى وعشرين واحدا وعشرين وواحدة وعشرين كان جائزا ولكن لما كان باب العدد وباب التعبير لزموا فيه أحدا وإحدى وهما مغيران عن الأصل، وقالوا: واحد ولم يقولوا في التثنية: واحدان لأن واحدا اسم لما لا ثاني له، وقالوا: اثنان حين أرادوا أن كل واحد منهما ثالث للآخر.
وأحد في القرآن على ثلاثة أوجه:
الأول: يعني: الله ، وهو قوله: (أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ) يعني: أن لن يقدر عليه الله، أو أن يحسب أن لن يقدر الله أن يبعثه.
وكذا قوله - قحالى: (أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ) وأول الآية: (يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالًا لُبَدًا) أي: أنفقت المال الكثير في وجوه كثيرة، ومن أحصاه عليَّ فيحاسبني به، فقال الله: (أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ) أي: لم يره الله.
الثاني: النبي ﷺ ، قال: (وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا) يعنون النبي ﷺ ، وكذلك قوله: (إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ) يعني: على النبي ﵇؛ لأنه ثبت حين انهزموا فمروا على وجوههم، ولم يقيموا عليه، ويجوز أن يكون المعنى أن بعضكم لم يقم على بعض.
الثالث: قوله: (وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى) جاء في التفسير أنه عني بلالا مولى أبي بكر ﵁ وأراد أنه لم تكن لبلال نعمة عند أبي بكر يعتقه من أجلها، وإنما أعتقه لوجه الله، ويجوز أن تكون الآية فيه وفي غيره ممن يفعل الخير لا ليد يجازي بها ولكنها لله تعالى.
стр. 60
الآل
ْأصل الآل من الأول وهو الرجوع، والآل الشخص يوفع في الصحاري للناظر فيراه ليس بشيء، وسمي آلاء؛ لأته يخفى ثم يرجع فيظهر، وبه سمي شخص الرجل آلاه، والأله الشدة من شدائد الدهر؛ لأنَّهَا تذهب ثم ترجع قالت الخنساء:
سأحملُ نَفْسي عَلَى آلَة] فَـ ... إمَّا عَلَيهَا وَإِمَّا لهَا
والآلة: الحالة؛ لأنَّهَا لا تبقى.
والآل ربما جاء بمعنى الأهل، وبينهما فرق يقال: أهل العلم وأهل البلد، ولا يقال: آل العلم وآل البلد، - ويقال: أهل الرجل لأقاربه وهم آله أيضا وآله أتباعه، فكان الآل من جهة القرابة والصحبة، والأهل من جهة النسب والأختصاص.
وقيل: العرب تقول في تصغير آل: أُهيل فهذا يدل على أن أصل الهمزة في (آل) هاء.
وهو في القرآن على ثلاثة أوجه:
الأول: بمعنى الأتباع، قال اللَّه تعالى: (وَلَقَدْ جَاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ) يعني: أتباعه، والمعنى: جاءته النذر وجاءكم أيضا، ومثله: (آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ) فاكتفى في بذكرهم عن ذكره لدلالته عليه، ومعلوم أنها إذا جاءتهم لأجل كفرهم وهو كافر مثلهم، فقد جاء به وهنا عن الإيجاز المحمود.
الثاني: أهل بيت الرجل، قال اللَّه تعالى: (إِلَّا آلَ لُوطٍ نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ).
стр. 61
الثالث: الذرية، قال الله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ) يعني: إسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط، (وَآلَ عِمْرَانَ) يعني: موسى وهارون؛ اختارهم على عالمي زمانهم.
والفرق بين الولد والذرية: أن الذرية يقع كل أولاد الرجل الذكور والإناث، وعلى أولاد بنيه وبناته من الذكور والإناث، والدليل على ذلك أن اللَّه تعالى يقول: (وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ) ثم عد عيسى مع المذكورين، وولد الرجل هم من ولدهم لا يدخل أولاد البنات فيهم؛ لأن أولاد البنات منسوبون إلى آبائهم، قال الشاعر:
بَنُونا بنو أبنائِنا، وبناتُنا ... بنوهُنَّ أبناءُ الرجالِ الأباعدِ
فأما تسميته الحسن والحسين ﵉ ولدي رسول الله ﷺ فإن ذلك شيء خصا به دون غيرهما تكريما لهما واختصاصا.
стр. 62
أوى
أصله الميل، ومأوى الرجل منزله الذي يميل إليه ويقيم فيه، أويب أنا وأويت غيري إذا ضممته إليك كأنَّك أملته إليك بعطفك ورحمتك.
وجاء في القرآن على وجهين:
الأول: الضم، قال: (وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ) أي: ضمهما.
الثاني: الانتهاء، قال اللَّه تعالى: (إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ) وقال: (فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ) أي: انتهوا، ويجوز أن يكون أراد الميل في الوجهين،: (آوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ) أملناهما،: (إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ) ملنا،: (فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ) مالوا. والمعين: الماء الطاهر التي تناله العين وهو من قولك: عنته إذا أبصرته واختار لهم الربوة؛ لأنها أبعد من اللثق وما يكون فيها من الماء والخضرة فهو أحسن والعرب تقول: أحسن من رياض الحزن، قال الأعشى:
ما رَوْضَةٌ مِنْ رياض الحَزْنِ مُعْشِبَةٌ ... خضراءُ جادَ عليها مُسْبِلٌ هَطِلُ
والحزن: ما ارتفع من الأرض في غلظ.
стр. 63
الأول
أول كل شيء ما ابتدئ فيه واشتقاقه من الأول، وهو الرجوع، كأن كل شيء ترجع صفته إلى ما ابتدئ منه، والأول في أسماء الله تعالى بمعنى أنه لا شيء قبله.
وهو في القرآن على أربعه أوجه:
الأول: أول من كفر من أهل الكتاب، وهو قوله: (وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ) أي: أول من كفر به من أهل الكتاب؛ لأن قريشا كفروا به قبلهم، ودلهم هذا على أن جميع من كفر منهم بعد فإنه سببه. ويلزمهم مثل وزره.
قال أبو العباس المبرد: أول يضاف إلى ما بعده على وجهين:
أحدهما: أن يكون ما بعده متصلا به.
والآخر؛ أن يكون مقدرا لذلك، وذلك قوله تعالى: (وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ) إنما قال هذا للمخاطبين؛ لأنهم قبل غيرهم ممن يلزمهم ما لزمهم فقيل لهم: أنتم أيها المخاطبون لا تكفروا بما سمعتم فيكون بعدكم الكافر والمؤمن فلا تكونوا أول الكفار، وكافر في موضع الجماعة إذا كانوا واحدا واحدا، وقبيلا قبيلا، يقول: كل رجل في الدار فأعطه درهما، أي: أعطهم رجلا رجلا حتى يعطي كلهم، ولو قال قائل: أول من يأتني فله درهم فأتاه واحد ولم يأت غيره لوقع عليه اسم الأول؛ لأنه في التقدبر أن يأتي غيره، ولو قال: آخر رجل يأتيني وآخر عبدا ملكه لم يعلم إلا بعد موته؛ لأن الأول مقدر لما بعده، والآخر لا يقع عليه هذا الاسم، وكذلك إذا قال: أول عبد لي حر فأول عبد يشتريه يعتق، فإذا قال: آخر عبد لم يعلم ذلك إلا بعد موته.
стр. 64
الثاني: النبي ﷺ قال الله تعالى: (قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ) قِيل: أول الموحدين لله من أهل زمانه، ومثله: (قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ) وقوله تعالى: (وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ) أي: ابتدئ بإظهار الإسلام ليتلو في الناس.
الثالث: أول المؤمنين، أي: أول المؤمنين بذلك، ويجوز أن يكون معناه أنه أول المؤمنين بهذا وبغيره مما هو من دين اللَّه ليس أنه لم يكن مؤمنا به قبل ذلك وإنما أراد أنه يجدد له إيمانن بعد إيمان قبل أن يتجدد ذلك لغيره فهو أول فيه.
الرابع: قوله تعالى: (إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ) أي: أول المؤمنين من اتباع فرعون، وقيل: كانوا أول مؤمني أهل دهرهم، وذلك غلط؛ لأن موسى وهارون ﵉ كانا مؤمنين قبلهم، وقوله تعالى: (فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ) دليل على أن موسى كان قد علم أن من بني إسرائيل من هو مؤمن، وكان فرعون يتعبدهم؛ فطلب منه إرساله إياه.
стр. 65
الاستئناس
أصله طلب الأنس، والإيناس من الرؤية يفيد الأنس بما يراه المؤنس، ولهذا لا يقال للَّه تعالى يؤنس كما يقال: إنه يرى.
وجاء في القرآن على وجهين:
الأول: الاستئذان، قال الله تعالى: (حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا) ونسق التلاوة يدل على أنه أراد الاستئذان، وهو قوله: (وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ).
وقرأ ابن عبَّاس ﵀: (حَتى تستأذِنوا)، وقال: غلط الكاتب وإنما سمي استئذانهم استئناسا؛ لأنهم إذا استأنسوا أنس بعضهم ببعض.
стр. 66
وفي قوله تعالى: (حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا) جواز الدخول بعد الاستئذان وإن لم يكن صاحب الدار أذن، ولذلك قال مجاهد: هو التنحم والتنحنح كأنَّه أراد أن يعلمهم بدخوله.
وهذا الحكم ثابت فيمن جرت عادته بالدخول من غير إذن ومعلوم أن الإذن مشروط في إباحة الدخول، ويدل عليه أيضا قوله تعالى: (فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ) فحظر الدخول إلا بالإذن.
الثاني: طلب الأنس بالحديث، قال اللَّه تعالى: (وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ) وقال عمر ﵁: أأستانس يا رسول اللَّه، فقال له: استأنس يعني: استئناس الحديث.
ومستأنسين نصب على الحال من محذوف، أي: فلا تدخلوها مستأنسين أو لا تجلسوا بعد الفراغ من الأكل، وقيل: موضعه خفض مستأنسين على اتباع: (نَاظِرِينَ إِنَاهُ).
стр. 67
الآية
أصل الآية العلامة الثابتة من قولك: تأييت بالمكان إذا أقمت به وثبت فيه: ومن ثم يقال: لأجعلنك آية، أي: علامة، وسُمِّيت الاية من القرآن آية؛ لأنها بمفارقتها كلام البشر علامة على صدق الدعوة، وقيل: الآية جماعة حروف من قولهم: خرج القوم على آيتهم أي: بجماعتهم.
وهي في القرآن على وجهين:
الأول: العبرة، قال الله تعالى: (وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً) أي: عبرة يعتبر بها، وتكون علامة لصدقه وشاهدا على أن الله تعالى قادر على ما يريده، ويجوز أن يكون قولهم؛ لأجعلنك آية من ذلك أي: عبرة، ومثله: (وَجَعَلْنَاهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ) ولم يقل: وجعلنا ابن مريم وأمه آيتين؛ لأن الأمر فيهما يؤول إلى شيء واحد.
الثاني: العلامة، قال: (وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ) وقوله: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ) وقوله: (وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ).
стр. 68
وقوله: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا) أي: ومن العلامات على ربوبيته
والوجهان متقاربان يصلح استعمال أحدهما في موضع الآخر، وإنما أوردناهما على حسب ما جاء في التفسير.
стр. 69
الآخرة
سُمِّيت الآخرة آخرة؛ لأن الدنيا تؤدي إليها، وآخر الشيء خلاف أوْله فأوله ما بدئ منه وآخره ما ينقطع عند تمامه.
وقد يجوز مع ذلك أن يجعل أول الشيء آخره، وَآخر الشيء أوله إذ قدر غير التقدير الأول، وقد استقصينا ذلك في كتاب الفرق.
وآخر الشيء منه كما أن أوله منه، وليست الآخرة من الدنيا على أنه لولا الدنيا لم يقل آخره، وأنثت الآخرة على تأنيث الدار.
وهي في القرآن على خمسة أوجه:
الأول: القيامة، قال الله تعالى: (وَأَنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ) يعني: القيامة.
الثاني: الجنة يعينها، قال اللَّه تعالى: (وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ) أي: ما لهم في الجنة من نصيب، والخلاق النصب وسُمِّي خلاقا؛ لأنه قدر لصاحبه، وأصل الخلق التقدير وسنذكره، وقال تعالى: (وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ) وقال: (تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا) ونظير الأول قوله تعالى: (وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ).
الثالث: جهنم خاصة، قال: (يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ) أي: يحذر جهنم.
الرابع: قوله تعالى: (يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ) وجاء في التفسير أنه أراد القبر حين يأتيه منكر ونكير، ويجوز أن يكون معناه القيامة يثبته الله فيها على الصراط.
стр. 70
الخامس: قوله تعالى: (مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ) وهي ملة عيسى - عليه اللام -، كذا قيل، ويجوز عندنا أن يكون معناه: ما سمعنا أن مثل ما تأتي به يكون في آخر الزمان.
стр. 71
الأخ
أصل الأخ أخو على وزن فعل، ودليل ذلك أنك تقول في التثنية أخوان، وكذلك الأب؛ لأنك تقول في تثنيته أبوان.
قال المبرد: إئما حذفوا الواو من أخ علامة للتضمين، ومعنى التضمين عندنا أنك إذا قلت: أخ فقد ضمنت شيئا معلوما وهو أخ آخر، وكذلك إذا قلت: أب وابن وليس كذلك في مثل قولك: رأس؛ لأنك إذا قلت: رأس جاز أن تريد رأس عصا ورأس رجل ورأس بقرة، وليس يدل قولك: رأس على شيء بعينه، والمضمون في قولك: أخ وابن معلوم، ْوأصل اشتقاق الأخ من القصد، ومن ثم قيل: توخيت الشيء إذا قصدته وأصله تأخيت
стр. 72
الشيء ونأخبت أخا للفرق بين المعنيين، ويجوز أن يكون توخيت الشيء مأخوذا من الوحي، وهو الطريق القاصد وهنا أجود الوجهين.
وهو في القرآن على ستة أوجه:
الأول: الأخ من الأب والأم، قال: (فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ) وقال: (فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي)، ونحوه كثير،
وسماها سوأة؛ لأنها جيفة.
الثاني: الأخ في النسب، قال الله تعالى: (وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا) وقوله: (وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا) وقوله: (وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا) وقال: (فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ) فإن قيل: لم سمي وولي الدم أخا القاتل في هذه الآية، والقاتل فاسق والفاسق لا يكون أخا لمؤمن، قلنا: سماه بذلك كما سمي هودا أخا عاد، والقوم إذا كانوا من جيل واحد وقبيلة واحدة سموا إخوة؛ لأنهم ينتهون إلى أب واحد قريب أو بعيد، وسنفسر هذه الآية فيما بعد إن شاء الله.
الثالث: - الأخ في الكفر والشرك، قال الله: (وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ) وقال تعالى: (إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ) ونحوه: (كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا).
стр. 73
الرابع: الأخ في الإسلام، قال: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ) وقال: (فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا).
الخامس: الأخ في المودة، قال في وصف أهل الجنَّة: (إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ) السادس: الأخ بمعنى الصاحب، قال تعالى: (إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً) وقوله: (أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا) أي: لحم صاحبه.
ويجوز أن يكون معناه الأخ في الدين، فجعل؛ الغيبة أكل اللحم، قال أبو هريرة: قلت: يا رسول اللَّه ما الغيبة؟ قال: " ذكر أخيك بما يكره "، قال: قلت: أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: " إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه فقد بهته ". (١)
стр. 74
الإثم
الإثم عند العرب الذنب، وسُمِّيت الخمر إثما لأنَّهَا توقع في الذنوب، ويقال: أثم فهو آثم وأثيم مبالغة كما تقول: علم فهو عالم وعليم مبالغة.
وقال ابن السكيت: إن الإثم في قوله: (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ) يعني: به: الخمر، وأنشد:
شَرِبْتُ الإِثْمَ حتى ضَلَّ عَقْلي ... كذاكَ الإِثْمُ يَذْهَبُ بالعُقولِ
وجاء في القرآن على أربعة أوجه:
الأول: الكذب، قال تعالى: (لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ) أي: الكذب بأن عزيرا ابن الله وأن يد الله مغلولة.
الثاني: المعصية، قال الله تعالى: (غَيْرَ مُتَجَانِفٍ) أي: مائل إلى المعصبة، والجنف الميل.
وقال بعض الفقهاء: الإثم أن يأكل منه أكثر مما يحتاج إليه لسد جوعه، وقال غيره: له أن يأكل منه ما يريد ويتزوده فإذا استغنى عنه طرحه، والضرورة المذكورة في الآية تدفع ذلك، والأول قول أصحابنا.
وقال: (وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ) ولا يكون البغي إلا [بغير الحق]، وإنما هو مثل قولك: بغى عليَّ ظلما، ولا يجوز أن يبغني عليه عدلا، وإنَّمَا هو تأكيد في الكلام.
стр. 75
وقال تعالى: (وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ) هو الإثم وكذلك البغي.
وإنما كرر المعنى بغير لفظه أراد التأكيد كل ما بينا، ومثله: (وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ) يعني: ظاهر المعصية وباطها.
وقال بعضهم: أراد الزنا وليس له أن يقصره على الزنا وحده إلا بديل ولدليل فإن كان ما روي أن العرب كانت تحل الزنا باطنا وتحرمه ظاهرا فأخبر اللَّه تعالى بأن ذلك كله محرم صحيحا فهو الدليل.
الثالث: الحرج والضيق، قال الله تعالى: (فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ) أي: إن نفر الحاج من مكة اليوم الأول من أيام التشريق أو الثاني أو تأخر - بمنى إلى اليوم الثالث فلا حرج عليه: (لمِنِ اتَّقَى) أي: لمن توخى التقوى.
وهذا دليل على أن أعمال البر لا تنفع إلا مع الإيمان والتقوى والإثم الحرام، قال الله تعالى: (أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا) أي: حراما بينا، والبهتان. الباطل الذي يتحير في بطلانه، وأصله من قولهم: بهت الرجل إذا تحير، وقال الله: (فَبُهِت الذِي كَفَرَ).
الرابع: قوله تعالى: (فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا) جاء في بعض التفسير أنه أراد بالإثم الخطأ، وقيل: الجنف هاهنا الخطأ، وقيل: المعنى من علم من الموصي ميلا إلى ما هو إثم وجور في الوصية مما يعود بالضر على ورثته فسبيله أن يصلح بينه وبينهم حتى يرجع أمرهم إلى السداد، ولما قال: (جَنَفَا) دل على معدول عنه ومعدول إليه، وهم الموصي والورثة، فقال تعالى -: (فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ).