الأخ
أصل الأخ أخو على وزن فعل، ودليل ذلك أنك تقول في التثنية أخوان، وكذلك الأب؛ لأنك تقول في تثنيته أبوان.
قال المبرد: إئما حذفوا الواو من أخ علامة للتضمين، ومعنى التضمين عندنا أنك إذا قلت: أخ فقد ضمنت شيئا معلوما وهو أخ آخر، وكذلك إذا قلت: أب وابن وليس كذلك في مثل قولك: رأس؛ لأنك إذا قلت: رأس جاز أن تريد رأس عصا ورأس رجل ورأس بقرة، وليس يدل قولك: رأس على شيء بعينه، والمضمون في قولك: أخ وابن معلوم، ْوأصل اشتقاق الأخ من القصد، ومن ثم قيل: توخيت الشيء إذا قصدته وأصله تأخيت
стр. 72
الشيء ونأخبت أخا للفرق بين المعنيين، ويجوز أن يكون توخيت الشيء مأخوذا من الوحي، وهو الطريق القاصد وهنا أجود الوجهين.
وهو في القرآن على ستة أوجه:
الأول: الأخ من الأب والأم، قال: (فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ) وقال: (فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي)، ونحوه كثير،
وسماها سوأة؛ لأنها جيفة.
الثاني: الأخ في النسب، قال الله تعالى: (وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا) وقوله: (وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا) وقوله: (وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا) وقال: (فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ) فإن قيل: لم سمي وولي الدم أخا القاتل في هذه الآية، والقاتل فاسق والفاسق لا يكون أخا لمؤمن، قلنا: سماه بذلك كما سمي هودا أخا عاد، والقوم إذا كانوا من جيل واحد وقبيلة واحدة سموا إخوة؛ لأنهم ينتهون إلى أب واحد قريب أو بعيد، وسنفسر هذه الآية فيما بعد إن شاء الله.
الثالث: - الأخ في الكفر والشرك، قال الله: (وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ) وقال تعالى: (إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ) ونحوه: (كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا).
стр. 73
الرابع: الأخ في الإسلام، قال: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ) وقال: (فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا).
الخامس: الأخ في المودة، قال في وصف أهل الجنَّة: (إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ) السادس: الأخ بمعنى الصاحب، قال تعالى: (إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً) وقوله: (أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا) أي: لحم صاحبه.
ويجوز أن يكون معناه الأخ في الدين، فجعل؛ الغيبة أكل اللحم، قال أبو هريرة: قلت: يا رسول اللَّه ما الغيبة؟ قال: " ذكر أخيك بما يكره "، قال: قلت: أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: " إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه فقد بهته ". (١)
стр. 74
الإثم
الإثم عند العرب الذنب، وسُمِّيت الخمر إثما لأنَّهَا توقع في الذنوب، ويقال: أثم فهو آثم وأثيم مبالغة كما تقول: علم فهو عالم وعليم مبالغة.
وقال ابن السكيت: إن الإثم في قوله: (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ) يعني: به: الخمر، وأنشد:
شَرِبْتُ الإِثْمَ حتى ضَلَّ عَقْلي ... كذاكَ الإِثْمُ يَذْهَبُ بالعُقولِ
وجاء في القرآن على أربعة أوجه:
الأول: الكذب، قال تعالى: (لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ) أي: الكذب بأن عزيرا ابن الله وأن يد الله مغلولة.
الثاني: المعصية، قال الله تعالى: (غَيْرَ مُتَجَانِفٍ) أي: مائل إلى المعصبة، والجنف الميل.
وقال بعض الفقهاء: الإثم أن يأكل منه أكثر مما يحتاج إليه لسد جوعه، وقال غيره: له أن يأكل منه ما يريد ويتزوده فإذا استغنى عنه طرحه، والضرورة المذكورة في الآية تدفع ذلك، والأول قول أصحابنا.
وقال: (وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ) ولا يكون البغي إلا [بغير الحق]، وإنما هو مثل قولك: بغى عليَّ ظلما، ولا يجوز أن يبغني عليه عدلا، وإنَّمَا هو تأكيد في الكلام.
стр. 75
وقال تعالى: (وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ) هو الإثم وكذلك البغي.
وإنما كرر المعنى بغير لفظه أراد التأكيد كل ما بينا، ومثله: (وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ) يعني: ظاهر المعصية وباطها.
وقال بعضهم: أراد الزنا وليس له أن يقصره على الزنا وحده إلا بديل ولدليل فإن كان ما روي أن العرب كانت تحل الزنا باطنا وتحرمه ظاهرا فأخبر اللَّه تعالى بأن ذلك كله محرم صحيحا فهو الدليل.
الثالث: الحرج والضيق، قال الله تعالى: (فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ) أي: إن نفر الحاج من مكة اليوم الأول من أيام التشريق أو الثاني أو تأخر - بمنى إلى اليوم الثالث فلا حرج عليه: (لمِنِ اتَّقَى) أي: لمن توخى التقوى.
وهذا دليل على أن أعمال البر لا تنفع إلا مع الإيمان والتقوى والإثم الحرام، قال الله تعالى: (أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا) أي: حراما بينا، والبهتان. الباطل الذي يتحير في بطلانه، وأصله من قولهم: بهت الرجل إذا تحير، وقال الله: (فَبُهِت الذِي كَفَرَ).
الرابع: قوله تعالى: (فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا) جاء في بعض التفسير أنه أراد بالإثم الخطأ، وقيل: الجنف هاهنا الخطأ، وقيل: المعنى من علم من الموصي ميلا إلى ما هو إثم وجور في الوصية مما يعود بالضر على ورثته فسبيله أن يصلح بينه وبينهم حتى يرجع أمرهم إلى السداد، ولما قال: (جَنَفَا) دل على معدول عنه ومعدول إليه، وهم الموصي والورثة، فقال تعالى -: (فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ).
стр. 76
والفرق بين الجنف والحيف: أن الجنف هو العدول عن الحق والجنف الحمل على الشيء حتى تنقصه، وتحيفت الشيء تنقصته من حافاته.
فإن قيل: لم قال: (فَلا إِثمَ عَلَيه) وهو محسن؛ قلنا: لأن المتوسط من أنهن لا يعدم أن ينقص أحدهما بعض حقه الذي في ذلك من الصلاح، والصلح لا يكون إلا كذلك فبين أنه لا إثم عليه في النقصان والزيادة.
стр. 77
أنى
يكون على وجهين:
يكون - بعنى كيف في قوله تعالى: (أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا) أي: كيف يحييها؟!، وقوله: (فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ) إلا أنه في القبل لقوله: (فَأْتُوا حَرْثَكُمْ)، ولقوله: (نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ) إذ لا تعبر في الدبر بالحرث، ويكون المعنى من أين في قولك: (أنى لك هذا، أي: من أين لك هذا، وقوله: (أنى يَكونُ لَهُ وَلَدٌ) وقوله -: (قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ).
والمعنيان متقاربان يجوز أن يتأول كل واحد منهما على ما يتأول عليه الآخر.
قال الكميت:
أنَّى ومِنْ أين آبَكَ الطربُ ... مِنْ حيثُ لا صبوةٌ ولا رِيَبُ
فجاء بالمعنيين.
стр. 78
أو
قالوا: تجيء في القرآن على ثلاثة أوجه، وتأتي في غير القرآن للشك تقول: رأيت عبد الله أو محمدا، أو تكون للتخيير بين الشيئين كقوله: (إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ) وقوله: (فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ).
قالوا: وتجيء بمعنى واو النسق، قال الله: (فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا (٥) عُذْرًا أَوْ نُذْرًا (٦). وقوله: (وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا) وليس كذلك.
قال المبرد: أصل (أو) في الكلام واحد ثم تنقسم قسمين التخيير والإباحة، والتخيير قولك: خذ مني دينارا أو ثوبا فإنه وفاء بحقك وليس لك أن تأخذهما، وقولك: اضرب زيدا أو عمرا أي: كل واحد منهما أهل أن يضرب وأنت مخير في واحد لا تزيد عليه، وكذلك إذا شك المخير فقال: جاءني زيد وعمرو ولم يرد أنهما جاءه إلا أنه يعلم أن أحدهما جاء فهذا باب واحد.
والإباحة قولك: جالس زيدا أو عمرا أو خالدا وارو عن الحسن أو ابن سيرين، أي: جالس هذا الضرب وارو عن هذا الضرب من الناس، وإذا جالس واحدا منهم أو جالسهم جميعا فقد أطاعني؛ لأني أردت هذا الضرب، وعلى هذا قوله تعالى: (وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا) ولو قال: وكفورا فأطاع أحدهما ولم يطع الآخر لم يكن عاصيا، وإذا قال: أو كفورا صار كل واحد منهما لا يطاع على حياله، وأما قوله: (عُذْرًا أَوْ نُذْرًا) فمعناه أن الملْقِيَاتِ ذِكرا تجمع بين الإعذار والإنذار فتعذر في وقت وتنذر في وقت كما نقول: جاءني زيد وعمرو فتعلم بذلك أن كل واحد يجوز أن يجيء إلا أن قصدي في هذه الحال واحد منهما (عُرْفًا) أي: تباعا بعرف الفرس، و: (الْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا) الملائكة، وقيل: (عُذْرًا أَوْ نُذْرًا) جمع عذير ونذير، قال حاتم:
وقدْ عَذَرَتني في طِلَابِكُمُ العُذْرُ
стр. 79
قال: وتقول في الاستفهام: أتأخذ دينارا أو ثويا، وليس معناه أن يلزمه أحدهما، ولكن معناه أتأخذ هذين؟ فجواب هنا لا أو نعم، ولو أراد أن يلزمه واحدا لا محالة، يقال: أتأخذ دينارا أو درهما فجواب هنا لا يكون لا ولا نعم، ولكن تقول: دينارا أو درهما، وتقول: لا دينار آخذ ولا درهما، وتكون أو بمعنى بل في قول الفراء وأبي عبيدة قال: (وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ) وكذلك قوله تعالى: (وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ) وقوله: (فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى) وأنشد شاهدا على ما تقدم:
قضى عنكما شَهرَين أو نِصْفَ ثَا ... لِثٍ إلى ذاك مَا قدغَيبتني غِيابِيا
أي: ونصف ثالث لا يجوز هاهنا بل وكذلك في قوله: (عُذْرًا أَوْ نُذْرًا) وقيل: (أَوْ يَزِيدُونَ): أي أَوْ يَزِيدُونَ في تقديركم إذ رآهم رائي، قال هولا: (مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ)، فهذا هو القول، لأنه على أصل، أو وكذلك قوله: (أوْ هُوَ أقرَبُ) أي: لو رأي الرائي قدرة الله على إماتة الخلق وإحيائهم، لقال: وذلك يكون في قدر لمح البصر أو أقل، والساعة اسم لإماتة الخلق وإحيائهم وليس لذكر أن الساعة تأتي في أقرب من لمح البصر.
وكذلك يقال: (أو أدنى) أقل عندكم لو رأيتموه لقلتم أنه كذلك، والمراد أن النبي ﷺ أحب أن يرى جبريل صلوات الله عليه على صورته الحقيقية، وكان يهبط للوحي على صورة رجل فاستوى جبريل في الأفق على صورته فرآه رسول الله ﷺ : (ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى) جيريل فصار بينه وبين النبي صلوات الله عليهما القدر المذكور.
والمراد أنه دنا فتدلى فزاد قربا، وقيل: دنا فتدلى أي: تدلى فدنا على القلب، وهو في كلامهم واسع.
стр. 80
أم
إذا قلت: أزيد في الدار أم عمرو؟ فأنت لا تدري أيهما في الدار، ولا تدري أن أحدهما فيها أو لا، ويصلح في جوابه لا ونعم؛ لأنك تسأل عن الكينونة هل حصلت في الدار أم لا فإذا علمت أن أحدهما في الدار ولست تدري أيهما هو قلت: أزيد في الدار أم عمرو، ولا يصلح في جوابه لا ولا نعم؛ لأنك تسأل عن أحد الكائنين ففيه معنى أيهما.
قيل: و (أم) في القرآن على وجهين:
الأول: يكون بمعنى أو، قال اللَّه تعالى: (أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أُخْرَى) وقوله تعالى: (أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا).
قال بعض أهل العربية: هي في هذين الموضعين بمعنى أو، والمراد التحذير، أي: لا تأمنوا ذلك واحذروا ما دمتم على الشرك.
الثاني: مجيئه بمعنى ألف الاستفهام، قال اللَّه تعالى: (أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ) والاستفهام هاهنا بمعنى النهي، وقال اللَّه تعالى: (أَمْ لَهُ الْبَنَاتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ) أراد له البنات، وهذا الاستفهام بمعنى الزجر والتبكيت، قال: وليس من هذا: (أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصَارُ) فإن قيل: لم سوى بين السخري وبين زاغت الأبصار عنهم؟، قلنا: لأن المعنى أظلماهم بما قلنا فيهم وبما سخرنا منهم أم هم مستحقون له وقد زاغت أبصارنا عنهم وهم في النار، فهذا حق التسوية.
والصحيح في هذه الآيات أنه لما جاء بلفظ الاستفهام في أول الكلام جاء بأم بعده لأنه للاستفهام، والمراد بالاستفهام فيها التبكيت أو التعريف والتوقيف على ما ذكرناه، وقال:
стр. 81
(الم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ) ولم يتقدم في الكلام أيقولون كذا فنرد عليه أم يقولون، وقيل: إنما أراد أيقولون افتراه، والصحيح أن أم هاهنا بمعنى بل فرد قولهم، ثم قال: (هُوَ الحقُّ).
قال المبرد: لـ أم موضعان، وكلاهما استفهام، فأحدهما: أن تسأل عن شيء من شيئين أو أكثر من ذلك تدعي من الاثنين والجميع واحدا ولا تدري أيهما هو وذلك قولك: أزيد في الدار أم عمرو، وأزيد أفضل أم خالد، وعبد اللَّه عندك أم عمرو وأنت الآن مدع أن أحدهما عنده ولا تدري أيهما هو، ولا يصلح في جوابه لا ولا نعم على ما تقدم قبل، وإنما جوابه أن تقول: فلان عندي أو تقول: كلاهما عندي، أو تقول: لا زيد عندي ولا عمرو فإذا قلت: ليت شعري أزيد في الدار أم عمرو فإنما أخبرت أنهما قد استويا عندك في الكون هناك، وكذلك قولك: لا أبالي عمرا ضربت أم زيدا وسواء ذلك علي إن أدبر زيد أم أقبل.
وكل هذا تسوية وعلم في تقديره أنه سيقع، ومن ذلك قوله تعالى: (أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا) وقوله: (أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ) خرج مخرج التوقيف والتوبيخ، قال: واعتبر هذا يأتي فإنها تكون لأحد شيئين أو لأحد أشياء تقول: ما أبالي أي: ذلك كان وسواء علي أي: ذلك كان، وعلمت أي: ذلك كان، وأتى غير عامل فيها ما قبلها وإنما هي كقولك قد علمت أزيد في الدار أم عمرو.
وإذا قلت: أيهما في الدار فمعناه هذا أم هذا فمن ذلك قوله تعالى: (أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى) وأما قوله تعالى: (وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ) فـ (أي) منصوبة بـ (ينقلبون)، كما يقول: علمت أيهم في الدار.
والوجه الثاني: أن أم تجيء للإضراب عن الشيء إلى الشيء فتكون منقطعة عما قبلها خبرا كان أو استفهاما ذلك يكون لوجهين:
стр. 82
أحدهما: الشك.
والآخر: ترك خبر إلى خبر من غير شك أو غلط، وهذا مثل قوله تعالى: (أم يَقُولُونَ افْتراه) وقوله: (أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ)، وقول: (أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلَامُهُمْ بِهَذَا)، وقوله: (أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا) وقوله: (أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُمْ)، وفي هذه الوجوه ومع ما ذكرنا أنه يترك خبرا إلى خبر آخر معنى التوبيخ والتوقيف.
ومثله قوله تعالى: (أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ).
ومثله قولك للرجل: السعادة خير أم الشقاء، وإنَّمَا يراد بذلك التنبيه على ترك اختيار ما يصيره إلى الشقاء.
стр. 83
الإذن
أصله من العلم، أذنت الشيء إذا علمته، وآذنتهه غيري أي: أعلمته، وفي القرآن: (فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ)، ثم استعمل في الاسفهام لما يقع من الاستماع من العلم، أذن له إذا استمع له، قال الشاعر وهو عدي بن زيد:
وسماعِ يَأذَنُ الشيخُ لَه ... وحديث مثلِ ماذِي مُشار
ومن الأول: الآذان؛ لأنه إعلام بالصلاة.
وهو في القرآن على وجهين:
стр. 84
الأول: العلم، وهو قوله تعالى: (وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ) يعني: والله يعلم ذلك، وهو مجاز لهم عليه.
الثاني: الأمر، قال الله تعالى: (فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ) أي: فدل اللَّه المؤمنين إلى الحق من جملة ما اختلفوا فيه فلزموه بأمره، وقيل: بعلمه، وقال أبو عليٍّ ﵀: هداهم بإذنه أي: هداهم فاهتدوا بإذنه؛ لأن هدايته فعله، والله لا يفعل بإذن فحذف فاهتدوا لدلالة قوله: (بِإذنِهِ) عليه، قال الله تعالى: (وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ) والمعنى: أنهم لا يموتون دون الأجل فلا تجبنوا عن الجهاد، وفي الآية دليل على أن غير الله لا بقدر على الموت، وقال: (وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ) أي: بأمره الذي امتثلوه، وقال: (وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ) وقوله: (لِلِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ) وقال: (خَالِدِينَ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ) أي: بأمره وإذنه في ذلك، وقوله: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ) أي: بأمره، وذلك أنه أمر أن يطاع، وقيل: أرسله لأن يطاع؛ لأنه يقول ما يقول بإذن الله، وقيل: بإذنه بجميل صنعه وحسن توفيقه.
стр. 85
إلا
قالوا: هي على أربعة أوجه:
أولها: الاستثناء، كقوله تعالى: (الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ) فاستثنى المتقين؛ لأنهم ليسوا بأعداء.
الثاني: بمعنى لكن، في قوله تعالى: (لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ) أي: لكن الذين ظلموا يحتجون عليكم بغير حجة لجهلهم، وقيل: معناه لكن الذين ظلموا فلا تخشوهم.
قال أبو عبيدة: إلا هاهنا بمعنى الواو وإليه ذهب أبو علي ﵀، أي: ولا الذين ظلموا عليكم حجة وهم من جملة الناس إلا أنه خصهم لشدة عبادهم كما خص النخل والرمان لفضلهما على غيرهما، وقال المبرد: هذا خطأ؛ لأن الواو للعطف، والإشراك، وإلا للاستثناء ولا يدخل أحدهما في باب الآخر.
ْقال: والأول صحيح؛ لأن حق الاستثناء أن يكون كله على معنى لكن، وفيه كلام كثير ليس هذا موضع ذكره.
واحتج أبو عبيدة بقول الشاعر:
إلَّا كناشرة الذي كلّفتم ... كالغصن في غلوائه المتنبّت
قال المبرد: معنى هذا لكن ناشرة الذي ضيعتم. والكاف زائدة، وناشرة اسم رجل أي: خرج عنكم وادعى فى بني أسد فتركتموه يخاطب بني مازن.
واحتج أبو عبيدة أيضا بقول الأعشى:
إلّا كخارجة المكلّف نفسه ... وابني قبيصة أن أغيب ويشهدا
قال: يعني وكخارجة، وقال المبرد: أراد ولكن كخارجة المتكلف خلاف ما عليه العشيرة.
стр. 86
وقال في قوله: (إِلا الذِينَ ظَلَموا) لكن الذين ظلموا أيقولون أن لهم حجة فالمعنى أنه لا أحد له حجة، والظالم يحتج بما لا حجة له فيه، قال: ومن كلامهم: ما لأحد على سبيل إلا من بغى فتأويله أنه لم يستثنه من باب سبيل، ولكن معناه لكن من بغى مخطئ ببغيه فلا يكون هذا الباب منفردا من الأول ألبتَّة.
وقوله تعالى: (فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ) وقوله: (لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ) أي: لكن من ظلم، ومثله كثير.
الثالث: بمعنى غير، قال اللَّه: (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا) أي: غير اللَّه، وقوله: (لا إِلَهَ إلا هُوَ) أي: لا إله غيره، هكذا جاء في التفسير.
والفرق بين إلا وغير أن إلا حرف وغير اسم وينوب مناب إلا في الاستثناء، وقد يكون صفة، تقول: هذا درهم غير قيراط معناه: إلا قيراطا، وغير قيراط على الصفة ولا يكون إلا مضافا، ولا معنى له إلا مخالفة ما يضاف إليه، ويكون فاعلا ومفعولا وظرفا ووصفا
стр. 87
واستثناء، تقول: جاءني غيرك فيكون فاعلا، وضربت غيرك يكون مفعول، ومررت برجل غيرك وصف: وجاءني زيد غير راكب حال، وجئتك غير يوم ظرف زمان، أما من المكان فطلبتك غير موضع، وجاءني القوم غير زيد، وما جاءني أحد غير زيد استثناء فتجريها في الإعراب مجرى الاسم الذي يجيء بعد إلا.
الرابع: ابتداء الكلام، قال: (ثُمْ رَدَدتا: (أَسْفَلَ سَافِلِينَ (٥) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) وأسفل السافلين مثل أرذل العمر أي: الكبر، والمعنى: والذين آمنوا فلهم أجر غير ممنون، ولا يكون مستثنى؛ لأن الذين آمنوا قد رد بعضهم إلى الكبر، وقيل.: معنى أسفل سافلين جهنم، والذين آمنوا مستثنون، فأما قوله تعالى: (فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ). فمعناه لكن؛ لأن الله لا يستثنى من المخلوقين، وكذلك: (إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي). وكذلك: (فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٣٠) إِلَّا إِبْلِيسَ) ويجوز أن يقال: استثنى إبليس منهم؛ لأنه كان معهم في الأمر، وقوله: (لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ (١٠) إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ) أي: لكن من ظلم، و (ثم) هاهنا بمعنى الابتداء كما تقول: أريد أن أحسن إليك ثم أكرمك، وقوله: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً).
قال قطرب: معناه إلا ما يسعه؛ لأن الخطأ واسع له؛ لأنه لا حيلة له فيه، وقوله: (إِلا اللمَمَ) مستثنى صحيح ومعناه إلا أن يكون العبد قد ألم
стр. 88
بفاحشة ثم تاب، ويجوز أن يكون معناه إلا أن يلم بذنب ويحسب أنه صغير أو يلم بذنب ويحسب أنه ليس بذنب، وقوله تعالى: (قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ) ثم قال: (إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ) معناه أن أصحاب إبراهيم تبرأوا من كفار قومهم وعادوهم على الدين ما خلا: (قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ)، فإن ذلك كان: (عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ) فقول إبراهيم هو استثناء من قول أصحابه، كان معنى قوله: إذ قالوا لقومهم قولهم لقومهم.
وقيل: معناه لكن قال إبراهيم لأبيه لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ، المعنى أن إبراهيم لم يقل ما قالوه ولكن قال: (لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ)، وقوله: (لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى) والموتة الأولى لم تكن في الجنة، ولكن المعنى على البدل كلامه قال: لا يذوقون إلا الموتة الأولى كما تقول: لقيت زيدا في الدار ولقيت عمرا فلما كررت الفعل جاز أن لا يكون عمرو ملقيا في الدار وإذا لم تكرر وقلت: ظننت زيدا في الدار وعمرا لم يجز أن يكون عمرو إلا مظنونا في الدار كذلك.
قال قطرب: وفيه نظر.
وأما قوله تعالى: (لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلَامًا) وهذا أيضا يدل على البدل ولا يكون استثناء؛ لأن اللغو ليس بسلام كأنَّه قال: لا يسمعون فيها إلا سلاما.
ومثله قول سعد بن مالك:
والحربُ لا يبقَى لجا ... حِمِها التَّخيُّلُ والمِراحُ
إلاَّ الفتَى الصبَّارُ في النَّ ... جداتِ والفرسِ الوَقاحِ
стр. 89
كأنه قال: لا يبقى إلا الفتى وليس باستثناء؛ لأن الفتى ليس من التخيل والمراح، وأما قوله تعالى: (مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ) وليس العلم من اتباع الظن فمعناه إلا أنهم يتبعون الظن، وقوله تعالى: (مَا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا) فمعنى ذلك: لكن حاجة، وكذلك قوله: (وَلَا هُمْ يُنْقَذُونَ (٤٣) إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا) أي: لكن رحمة.
وقال المبرد: لكن أن يرحمهم، وقوله: (لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ (٢٢) إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ) أي: لكن من تولى فإنك مسلط عليه بالقتل، وكذلك قوله: (إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ) أي: لكن لك على من اتبعك سُلْطَانٌ، ويجوز أن تكون إلا في قوله تعالى: (إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ) بمعنى الواو عند من يقول بذلك، وقوله: (لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ) معناه: لا معصوم من أمر الله إلا من رحم يريد المؤمنين الذين مع نوح ﵇ في السفينة كأنَّه قال: لا معصوم اليوم: (مِنْ أَمْرِ اللَّهِ) أي: من عذابه إلا المؤمن، وفاعل بمعنى مفعول غير كثير في العربية يقولون: سر كاتم أَي: مكتوم، والراحلة بمعنى مرحولة، وأمر عارف بمعنى معروف، ويقولون: العارضة لما تعرض له داء من الذكارة والإناث وإنما هي معروض لها، وكذلك تطليقة بائنة أي: مبانة، والعائذ الذي يعوذ بها ولدها، وعيشة راضية أي: مرضية، وجاء الآشر بمعنى المأشورة، ومثل هذا يجيء في مواضع لا يقع فيها التباس، ويجوز أن يكون المراد بـ إلا من رحمة اللَّه أي: لا عاصم غير الله، ويجوز أن يكون المراد به نوح؛ لأنه يعصم بأمر الله كما قال عيسى ﵇: (وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ).
قال المبرد: (لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ) أي: لا عاصم يعصم الناس عن أمر الله إلا من رحم فإنه تناله الرحمة، والعاصم الفاعل، ومن رحم معصوم، ولكن لذكره العصمة فهم المعنى، وقوله تعالى: (وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ)
стр. 90
فاستثنى من لفظه، والمعنى: أن من أهل الكتاب أحد إلا ليؤمنن به، قال الراجز:
لَوْ قُلْتُ مَا فِي قَوْمها لمْ تَيْثَمِ ... يَفْضُلها فِي حَسَب وَمَيْسمِ
أي: لو قلت ما في قومها أحد يفضلها، وقال تعالى: (وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى (١٩) إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى) أي: لا يقصد لذلك، ولكنه يقصد ابتغاء وجه ربه.
ومما يجري مع هذا الباب ما قاله المبرد: إن الاختيار في قوله: (وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا) أن يكون الاسم ما بعد إلا وليس مثل قوله: (وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً) لأن مكاء نكرة مصدر، والاسم فيما مضى معرفة والخبر معرفة " وكذلك قوله تعالى: (مَا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا): (وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا) وقوله تعالى: (ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا) وذلك أن إلا موجبة فاختاروا أن يجعلوا الموجب الاسم وهذا كله جائز إلا إذا كان الاسم والخبر معرفتين، وينشدون بيت الفرزدق:
وقد شهدَتْ قيسٌ فما كان نصرُها ... قتيبةَ إلا عضَّها بالأباهم
على الوجهين.
стр. 91
إلى
قال سيبويه: إلى منتهى لابتداء الغاية، تقول: من كذا إلى كذا، ويقول الرجل: إنما أنا إليك أي: أنت غايتي، وتقول: قمت إليه فتجعله منتهاك من مكانك.
وقال غيره: تقول: سرت إلى الكوفة فجائز أن تكون بلغت إليها ولم تدخلها، وجائز أن تدخلها ولم تجاوزها؛ لأن إلى غاية وما بعده شيء فليس بغاية.
وجاء في القرآن على وجهين:
الأول: غاية، كقوله تعالى: (أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ). أي تصير إلى حيث لا يحكم غيره.
الثاني: على ما قيل: بمعنى مع، قال: (وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ) أي: مع أموالكم كذا قيل.
والوجه أن يقال: لا تضيفوها إلى أموالكم فتأكلوها معها ولم يتح لهم أن يأكلوها مفردة وإنما هو نهي عام كما تقول: لا تشتم زيدا فيمن يشتمه، والمعنى: لا تشتمه مشاركا في شتمه ولا منفردا به، وأنه راجع إلى الأكل أي: أكله حوب كبير، والحوب: الإثم والمصدر الحوب حاب يحوب حوبًا، وذكر الأكل وأراد النفقة؛ لأن أكثر النفقة وأشهرها يكون فيما يؤكل، وسماهم بعد البلوغ يتامى بالاسم الأول.
والأصل أن يسقط عنه اسم اليتيم عند البلوغ، واليتيم في الناس من قبل الآباء وفي البهائم من قبل الأمهات.
стр. 92
الاستواء
أكثر ما يستعمل في الاستقامة ونتكلم في أصله بعد إن شاء الله.
وهو في القرآن على أربعة أوجه:
الأول: القصد، قال اللَّه تعالى: (ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ) أي: قصد لإخراجها من كونها دخانا إلى ما هي عليه من صلابة الخلقة، قال ابن عباس: استوى هاهنا علا أمره.
صورته يعني: جبريل فرآه النبي ﷺ على ما هو عليه من استواء الصورة [لا] كما ينزل بالوحي على صورة رجل.
стр. 95
الاستفهام
أصل الاستفهام الاستخبار بما جاء بمعنى التوقيف والإنكار فأمَّا الإنكار فقوله تعالى. (خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا) والدليل على أنه إنكار قوله تعالى: (لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا) وهكذا قوله: (أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ) ومثله كثير.
وأما التوقف والتعريف قوله تعالى: (أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ) وتأويله أنا قد فعلنا ذلك، ولولا ذلك لم يعطف على: (أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ) قوله: (وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ)؛ لأن (لم) عامله لا يقع على الفعل الماضي.
ومن التقرير قوله : (أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ) وأنزل تعالى قبل ذلك: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ). ثم قال: (أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ) وجاء على وجه التوبيخ، وذلك أنه لما كان البنون مرغوبا فيهم والبنات مكروهات ونسبوا إلى الخالق ما يكرهون ويحهم فقال: (أمِ اتخَذَ مِما
стр. 96
يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ) والدليل على أنه أراد التوبيخ قوله في مثل هذه القصة: (مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (١٥٤) أَفَلَا تَذَكَّرُونَ).
وقوله للمسيح: (أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي) تقرير وتوبيخ لقومه، وقوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ) توقيف له وإخبار ببطلان دعوى هذا المحاج.
стр. 97
الباب الثاني
في ما جاء من الوجوه والنظائر في أوله باء البوء
باؤوا: أصل البواء الرجوع، ومبوأ الرجل: منزله الذي يرجع إليه إذا فرغ من أموره، ثم كثر حتى سُمي الإنزال التبوئة، قال الله تعالى: (مُبَوَّأَ صِدْقٍ) وقال عمر بن معدي كرب:
كم مِن أخٍ لي صَالحٍ ... بَوَّأْتُه بيدَيَّ لَحْدا
ثم كثر حتى سُمي التسوية بين الشيئين: بواء، يقال: هذا بواء لهذا إذا كان مثله، وفلان بواء بفلان، إذا قتل به فرضي.
وجاءت هذه الكلمة وما تصرف منها في القرآن على ثلاثة أوجه:
الأول: (فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ) أي: احتملوا وزرا على وزر. وقيل: استوجبوا غضب الله والغضب من الله: العقاب، وقال: (بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ).
الثاني: الرجوع، قال الله تعالى: (أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ) أي ترجع إلى الله بإثم قتلي، وإثمك الذي من أجله لم يتقبل قربانك.
стр. 98
ويجوز أن يكون المعنى في هذا، وفي قوله: (فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ) واحدا وسمي الحصول في القيامة [رجوعا] إلى الله تعالى، وحقيقة ذلك الرجوع في الخلقة، لأنَّهُم يخلقون في القيامة بعد الفناء.
الثالث: التبوء من النزول. قال تعالى: (مُبَوَّأَ صِدْقٍ) وقال: (يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ) في الحشر: (تَبَوَّءُوا الدَّارَ) قالوا: معناه أوطنوا، وهذا قريب من الأول.
стр. 99
البصر
أصله من الوضوح. ومنه: أبصرته لمحا باصرا، أي: بصرا واضحا، وقيل: نظرا صائبا بتحدق. ومن ثَمَّ سُمي ضرب من الحجارة أبيض رخو بصرة، لما في البياض من الوضوح. وبه سُمِّيت البصرة.
والبصرة: العلم. لأن الأشياء تتبين بها وتصح وجوهها عند العالم. وقال: (وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً) أي: مشرقة واضحة. وقيل: معناه: مبصرا، أي: مضيئا.
стр. 100
وقيل إذا صار الناس يبصرون فيه، فهو مبصر، كلولك: رجل مخبث، إذا كان أهله خبثاء، ورجل مضعف: دوابه ضعاف، والنهار بصر: أهله بصراء. ومبصر فيه أجود. وهو كقولهم: أحمق الرجل، إذا جاء بأولاد حمقى وأصرم النخل، إذا أذن بالصرام وألبن الرجل صار ذا لبن.
ويجوز أن يكون أصل الكلمة من الصلابة ويصر الشيء: حيث يغلظ، تقول: هذا بصر الجبل والحائط، وبصر السماء؛ لأنه أقرب ما يبصر منها وهو أغلظها في رأي العين. وبصائر الدم: طرائقه على الجسد.
والبصر في القرآن على ثلاثة أوجه:
الأول: البصر بالقلب، قال الله: (أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كَانُوا لَا يُبْصِرُونَ) يعني: عمى القلب وبصر القلب.
ونحوه قوله: (وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ)، يعنى: المؤمن الذي يعلم والكافر الذي لا يعلم، ويجوز أن يكون بصر العين وعماها، ويكون المراد التنبيه على المنفعة بالإيمان، لأنه مشبه بالبصر، والمضرة بالكفر، لأنه مشبه بالعمى. الثاني: بصر العين، قال: (فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا).
وقال: (فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا).
الثالث: البصر بالحجة، وهو راجع إلى الوجه الأول، قال تعالى: (لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا). جاء في التفسير أنه أراد: لم جعلتني أعمى عن الحجة، وكنت في الدنيا بصيرا بها، ويجوز أن يكون من بصر العين، وأن اللَّه يشحره أعمى العين ليجعله نكالا لمن خلفه.
стр. 101
الباء
هي لإلصاق الشيء الشيء وخلطه به، فإذا قلت: مررت بزيد، فقد أضفت المرور إلى زيد، وألصقته به. وجائز أن يكون معه استعانة كقوله: كتبت بالقلم.
وتزاد في خبر المنفي توكيدا وتثبيتا، كقولك: ليس زيد بقائم. وجاءت زيادة في قولك: حسبك بزيد. هذا قول الفراء ومن يقول بقوله.
وعندنا أنها دخلت على معنى قولك: اكتف بزيد، لأن معنى قولك: حسبك هذا أي: اكتفِ به، وأحسبني الشيء: كفاني. وسنتكلم في ذلك.
قالوا: وهو في القرآن على الوجهين:
الإلصاق، والزيادة في قول الفراء.
وعلى تقدير الإلصاق كقوله تعالى: (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ) كأنك ألصقت الاستعانة به، وقوله: (وَبالآخِرَةِ هُم يُوقِنونَ). كأن [إيقانهم] التصق بالآخرة. ومثله كثير.
وأما الزيادة على قول من يقول بذلك، فقوله: (وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا) وقوله تعالى: (وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ) قال: المعنى: ومن يرد فيه إلحادا، وقوله: (تَنبُتُ بِالدهْنِ) معناه: تنبت الدهن.
والصحيح أن ذلك لمعان، وليس بزيادة. فأمَّا قوله: (وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا) فمعناه: اكتف بالله شهيدا، وكذلك: حسبك بزيد، أي: اكتف بزيد؛ لأن حسبك بمعنى يكفيك فالباء تدخل في هذا على التقدير. وقوله: (وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ) فإنما تحمل هذا على مصدره، والمراد: من كانت إرادته واقعة بالإلحاد، فدخلت الباء للمصدر. وكذلك: (تَنبُتُ بِالدهْنِ) معناه: تنبت نبتها بالدهن، وقوله: (وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ) أي: وقع الأمر لأن أكون.
стр. 102
وقال سيبويه: بحسبك زيد. ومعناه - على ما ذكرنا - أي: اكتف بزيد، ويجوز أن يكون معنى قوله تعالى: (تَنبُتُ بِالدهْنِ): إنما تنبت ما يكون منه الدهن، وهو - ثمرها، والتقدير: تنبت ثمرها بالدهن، أي: ومعه الدهن.
ومعنى الباء هناك كمعناه في قولك: أذهبته، إذا حملته على أن يذهب به. ويجوز أن يجعل أنبت هاهنا بمعنى نبت على ما يقوله أهل اللغة، كما قال زهير:
حتى إذا أَنْبَتَ البَقْلُ
وأنبت ونبت عندنا لغتان فصيحتان.
стр. 103
البأس
أصله: الشدة. وفي القرآن: عذابا بئيسًا، أي: شديدا.
وأكثر ما جاء عن العرب: البأس في الحرب، والبؤس: الشدة في المعيشة. وكذلك البأساء.
وفي القرآن: (مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ) ذكرهما للتوكيد، وهما واحد، كما قال: العدل والإحسان. هذا قول.
وأجود. منه أن يقال: البأساء: الشدة في الحرب، والضراء: الشدة في المعيشة، والعدل: الإنصاف في الحكم والإحسان في ذلك، وفي غيره من الأفعال الحسنة.
وقوله تعالى: (فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ) أي.: لا تغتم. والابتئاس: حزن في استكانة.
والبأس في القرآن على ثلاثة أوجه:
الأول: العذاب، قال تعالى: (فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا) أي: عذابنا، وقال: (فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا) وقال: (فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ).
الثاني: الحرب، قال الله في البقرة: (وَحِينَ الْبَأْسِ) يعني: الحرب.
البطلان
أصله من الذهاب وسمي الباطل باطلا لأنه لا ثبات له مع الحق، على حسب قوله تعالى: (وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا). ورجل بطل: شجاع، لأنه إذا قاوم قرنا لم يقم له القرن. والبطل والباطل سواء.
وهنا الحرف وما يتشعب منه في القرآن على خمسة أوجه:
الأول: الكذب، قال: (لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ) يعني: الكذب، إذا لم يكن قبله كتاب يشهد بتكذيبه، ولا يجيء بعده كتاب يكذبه. ويجوز أن يكون معناه: إن الله يحفظه من أن ينفض؛ فيأتيه الباطل من بين يديه، أو يزاد فيه فيأتيه الباطل من خلفه. وعلى هذا تأويل قوله تعالى: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ).
الثاني: الإحباط، قال: (لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ) أي: لا تحبطوها، بالمن والأذى وقال: (لَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ).
والثالث: خلاف الحق، قال اللَّه تعالى: (وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ) وقيل: يعني: به هاهنا الشرك. فإذا جعلته خلاف الحق كان أعم.
والمراد على القول الأول أن الإسلام قد جاء فهلك الكفر وذهب. والزهوق والزهق: الهلاك،: (إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا) أي: من شأن الباطل إذا جاء الحق أن يذهب ويبطل ولا يثبت، وذلك من شأنه في ما تقدم، فكان هنا يفيد ما قلناه.
стр. 106
الرابع: ما يحبد من دون الله، قال تعالى: (وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْبَاطِلِ وَكَفَرُوا بِاللَّهِ) وقال: (أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ) وسماه باطلا، لأنه لا حجة لأهله يثبتون عبادتهم إياه بها.
والخامس: الظلم، قال: (وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ) أي: بالظلم. وبطلان الشيء: ذهابه، فسمي الظلم باطلا، لأن الله حكم فيه بأن يبطل ولا يثبت.
والمعنى على ما قال الحسن: هو أن يكون للرجل على صاحبه حق فإذا طالبه دعاه إلى الحاكم، فيحلف له، ويبطل حقه، والحاكم يحكم على الظاهر. وأصل الإدلاء: إلقاه الدلو في البئر. ويقال: أدليت الدلو، إذ أنزلتها في البئر، وفي القرآن: (فَأَدْلَى دَلْوَهُ) ثم صار كل إلقاء إدلاء، يقال: أدلى فلان حجته، إذا أرسلها على صحة، ودلوت الدلو، إذا أخرجتها من البئر، ومنه دلى فلان على فلان، إذا توسل به، قال الشاعر:
فقد جعلت إِذا مَا حَاجَتي نزلت ... بِبَاب دَارك أدلوها بِأَقْوَام
стр. 107
البر
أصله: السعة. ومنه: البر، خلاف البحر. ثم استعمل في الزيادة، فقيل: أبر فلان على فلان، إذا زاد عطية. والجواد المبر: السابق لكل ما سبقه، كأنَّه اتسع لما يتسع له غيره.
وقيل: رجل بار وبر. وفعل بمعنى فاعل معروف. مثل رجل سمح، ويوم قر. ونحوه: رجل ندب، أي: منتدب للأمور. ثم استعمل في القبول، فقيل: بر حجك، أي: قبل، وصدقت وبررت تأكيد للصدق.
وهو في القرآن على أربعة أوجه:
الأول: الصلة، قال تعالى: (وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا) يعني أن تصلوا القرابة. وقيل: معنى: (أَنْ تَبَرُّوا) أن لا تَبَرُّوا. وقيل: لا يجوز أن يكون حذف لا وإثباتها سواء في شيء في الكلام.
وإنما المعنى أنه نهاهم عن كثرة [الأيمان]، وعن الجرأة على الله، ليكونوا بررة أتقياء، والمعنى: لأن تبروا. وكانوا ربما حلفوا ألا يبروا أقرباءهم، ولا يتكلموا في صلح لأمر معرض لهم. فالذي وتشتمل عليه الآية أمران:
أحدهما: النهي عن أن يجعل يمينه مانعة من البر والتقوى والإصلاح بين الناس، فإذا طلب منه ذلك قال: قد حلفت، والذي ينبغي في هذا أن يفعل ما حلف عليه، ويكفر عن يمينه.
стр. 108
وثانيهما: كثرة الأيمان، وهو ضرب من الجرأة على اللَّه، وابتذال لاسمه في كل حق وباطل، وتقول: هذا الشيء عرضتي، إذا كنت لا تزال معرض له، وهو عرضة للناس، إذا كانوا لا يزالون يقعون فيه، والناقة عرضة أسفار؛ إذا كان صاحبها لا يزال يسافر عليها، وقال حسان:
هُمُ الأنظَارُ عُرضَتهُا اللقاءُ
وقال الله في الممتحنة: (أنْ تَبَرُّوهُم).
الثاني: بمعنى الطاعة؛ قال الله: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى) أي: على طاعة الله، ومثله: (وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى) أي: بالطاعة دون المعصية، وقال: (وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ) أي: مطيعا لها، وقال: (كِرَامٍ بَرَرَةٍ)، أي: مطيعون، وقال: (كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ) أي: المطيعين، كذا جاء في التفسير، وهو وجه، ولو جعلت ذلك بمعنى الصلة واللطف.
الثالث: بمعنى الثواب، قال الله: (لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ) يعني: الثواب.
الرابع: التقوى، قال: (لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ) يعني: التقوى، وأراد توكيد ما احتج به على سفهاء أهل الكتاب في إنكارهم على المسلمين توجههم إلى الكعبة بعد توجههم إلى بيت المقدس، فقال: ليس البر كله في التوجه إلى االمشرق والمغرب في الصلاة: (وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ) أي: البر بر من آمن باللَّه، وهو التقوى، هكذا جاء في التفسير.
وليس ببعيد أن يكون البر هاهنا بمعنى الطاعة، ويسمى الطاعة برا في قولهم: هذا، من أعمال البر، أي: مما يطاع الله به، وحذف البر الثاني لبيان المعنى، كما قال الشاعر:
وَكَيفَ تُخالِلُ مَن أصبَحَتْ ... خِلالَتُه كأبِي مرجب
أي كخلال أبي مرجب.
стр. 109
وهكذا في قوله: (وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى) أي: ولكن البر بر من اتقى،
وأول الآية: (وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا) وهو مثل ضربه الله للمشركين في تأخيرهم أشهر الحرم فأخبر الله أن ذلك عكس البر، كما أن من أتى البيت من ظهوره؛ فقد عكس أمر الدخول.
وقيل: إن قوما من قريش وثقيف وخزاعة وطائفة من عامر بن صعصعة؛ كانوا إذا حرموا لا يأقطون الأقط؛ ولا يأكلون السمن، ولا يدخلون البيوت من أبوابها؛ ولكن من ظهورها وأدبارها، وظهورها: سطوحها، فسموا حماة، والأحمى: المتشدد في دينه، فأخبر الله أن ذلك ليس من البر، وأن البر بر من اتقى معاصي اللَّه.
стр. 110
البرهان
قال على بن عيسى ﵀: البرهان: شاهد صدق في نفسه وشهادته.
والبرهان: حق في نفسه وشهادته.
والبرهان: بيان صدق يظهر به صحة أمر.
والبرهان: ما ثبت المعنى في النفس على ثقة به، وذلك بالبيان الذي فيه.
والبرهان: ما فصل الحق من الباطل، وميز الصحيح من الفاسد بالبيان الذي فيه.
والبرهان: ما أوجب الثقة وأزال التهمة بالييان الذي فيه.
والبرهان ما أوصل النفس إلى إدراك الحق بالبيان الذي فيه؛ فكان البرهان آلة بها يتم إدراك النفس للحق.
وقل: جاء البرهان بمعنى الدليل والدلالة.
والفرق بين الدلالة والبرهان. أن الدلالة: ما أحضر المعنى النفس، والبرهان: ما ثبت المعنى في النفس بالبيان الذي فيه؛ فكأن الدلالة آلة الإحضار، والبرهان آلة لتثبيته في النفس