← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 37586

الوجوه والنظائر لأبي هلال العسكري - معتزلي

أبو هلال العسكري

Полный текст (483 стр.). Показаны 456–483 · переход к 461.

стр. 456

والنشوز يكون من المرأة بمنع البضع ومن الرجل [رخو الطرف ومنع النفقة] والامتناع عن المباشرة، والصلح خير يعني أنه خير له من الفرقة، وقد استقصينا بيان هذا في التفسير. الثالث: النهوض من المجلس، قال الله: (وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا) أي: إذا قيل لكم: انهضوا فانهضوا، كما قال تعالى: (وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ) وقيل: معناه إذا قيل مكنوا لإخوانكم في المجلس فافعلوا، ويقال: فرس نشز إذا كان فارسه لا يكاد يستقر عليه.

стр. 457

النور قد ذكرنا أن أصل النار والنور واحد وهو البياض، وإنما غير البناء لاختلاف المعنى. وهو في القرآن على ثمانية أوجه: الأول: الإسلام، قال اللَّه: (يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ). وقوله: (يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ) والهداية هاهنا بمعنى الألطاف يعطيها اللَّه من يشاء على قدر المصالح، وكذلك قوله: (وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ). الثاني: بمعنى المنور، قال تعالى: (اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) أي: منورهما بالهداية إلى الدين فلما كان أهل السماوات والأرض يهتدون بالله في ذلك كما

стр. 458

يهتدون بالنور قال إنه: (نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ)، على وجه المجاز، وقد دلت العقول على أنه ليس بنور على الحقيقة؛ لأنه خالق الأنوار، ولو كان الله نورا على الحقيقة لما أظلمت الدنيا أبدا؛ لأن الله موجود ومع وجود النور لا تكون الظلمة ثم شبه نوره بمصباح أي: مثل دلالاته الخلق في وضوحها كمثل المصباح، ولا يجوز أن يشبه نفسه بالمصباح؛ لأنه لا شبيه له. الثالث: النهار، قال الله: (وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ) يعني: الليل والنهار. الرابع: ضوء القمر، قال اللَّه: (وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا). وقال أهل العربية: يجوز أن يكون: (فِيهِنَّ نُورًا)، وهو في السماء الدنيا؛ لأنهن كالشيء الواحد. وجاء في التفسير أن وجه الشمس يضيء لأهل الأرض وظهرها لأهل السماء، وقال بعضهم: (فِيهِنَّ نُورًا)، أي: معهن ضياء يستضيء به أهل الأرض. الخامس: قوله تعالى: (انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ) وقوله: (يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ) وهو نور يجعله الله للمؤمنين يمشون فيه إلى الموقف وعلى الصراط. السادس: بيان الحلال والحرام، قال الله: (إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ) ومثله: (قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ). السابع: القرآن، قال: (وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا) وقال: (وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ) وقوله: (جَعَلْنَاهُ نُورًا) وسُمِّي نورا للبيان الذي فيه؛ لأنه يهتدي به كما يهتدي بالنور.

стр. 459

الثامن: العدل، قال الله: (وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا) أي: بعدله، وإذا كان الظلم وغيره من الشدائد يشبه بالظلمة فنقول: هذا يوم مظلم إذا كان فيه شر، والوجه أن للَّه العدل بالنور، وقال النبي ﷺ " الظلمُ ظلماتٌ يومَ القيامةِ " (١).

стр. 460

الباب السادس والعشرون فيما جاء من الوجوه والنظائر في أوله واو الوكيل أصله التوكيل جعل الأمر إلى الغير، ورجل وكل أي ضعيف يتكل في أموره على غيره، والوكيل في أسماء الله بمعنى الكافي وبمعنى الحافظ، وقيل: هو على التشبيه له بالوكيل منا، وذلك أن جميع ما يفعله من الخير إنما يفعله منفعة للعباد [كما أن جميع سعي الوكيل إنما هو للموكل]. والوكيل في القرآن على أربعة أوجه: الأول: الحافظ، قال اللَّه: (أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا) أي: إن حفظوا وذب عنهم في الدنيا فمن الذي يحفظهم ويذب عنهم في الآخرة، ومعنى لفظ ْالاستفهام هاهنا أنه ليس للعصاة يوم القيامة ناصر يذب عنهم، وقال: (وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا) أي: حفيظا. الثاني: بمعنى الرَّب، قال:، (أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا) وقال: (فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا) وهو يرجع إلى الحفظ؛ لأن رب الشيء يحفظه.

стр. 461

الثالث: المسلط، قال: (وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ) أي المسلط. الرابع: الشهيد، قال: (وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا) وقال: (إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ).

стр. 462

الوحي أصل الوحي الإشارة، يقال: وحيت إليه بطرفي أي: أشرت، قال الله: (فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا) ثم صار كل شيء دللت به على شيء وحيا، وحييت الكتاب وأوحيته إذا كتبته؛ لأنك تشير بالكتابة إلى المعاني التي تريدها، وهو بمعنى الإلهام، وبمعنى الإرسال وبمعنى الرؤيا، ويجوز أن يكون أصله السرعة، ومنه الوحي يقصر ويمد يقال: الوحا الوحا يراد السرعة، ويقال: من الوحي وحا، وأوحى. وهو في القرآن على خمسة أوجه: الأول: الإرسال، قال: (إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ) وقوله: (وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ) أي.: أرسل به إليَّ. الثاني: الإلهام، قال الله: (وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ) أي: ألهمتهم الإيمان، ومثله: (وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ) جمع واحده: نحلة مثل: نحل ونحلة، والمعنى أنه ألهمها اتخاذ المساكن وادخار العسل كما في غيرها من الحيوان التصرف في وجوه منافعها واجتناب أسباب مضارها، ومثله قوله: (بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا). الثالث الإشارة، قال الله: (فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا) أي: أومأ، ودليل هذا، قوله: (آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا) والرمز تحريك الشفتين والحاجين والعينين، وقال بعضهم: الوحي هاهنا الكتاب أي: كتب إليهم وقال ذلك [لأن الإشارة لا تنبئ عن الصلاة بكرة وعشيا].

стр. 463

الرابع: الأمر، قال الله: (وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا) أي: أمر أهلها بما يصلح الأمر به. الخامس: الوسوسة، قال الله تعالى: (وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ) أي: يوسوسون إليهم، ومثله: (يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ) وقال بعضهم: تقدير هذا بمعنى الأمر، أي: يأمر بعضهم بعضا بذلك.

стр. 464

الولي الولي خلاف العدو، والاسم الوَلاية بالفتح والوِلاية بالكسر ولاية الأعمال وقد مضى من كلامنا في هذا الحرف ما فيه كفاية. والولي في القرآن على ستة أوجه: الأول: الولد، قال: (فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا) أي: ولدا، وسمي الولد وليا لقربه من أبيه في النسب، وأصل هذه الكلمة القرب، ومنه ولي الشيء يليه إذا قرب منه. الثاني: الصاحب، قال اللَّه: (وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ) قالوا: معناه صاحب ينتصر به فيعز، ومثله: (فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا) وقوله: (فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِهِ) أي: أصحابا، ويجوز أن يكون المعنى في ذلك كله بخلاف العدو. الثالث: القريب، قال: (وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ) قالوا: يعني: الأقرباء، وهذا والأول عندي سواء. الرابع: بمعنى رب، قال: (قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا) أي: ربًّا، ومثله كثير. الخامس: خلاف العدو، قال اللَّه: (لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ) وقال: (لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ) أي: اتخذوهم أعداء حتى لا تناصحوهم، وقال: (وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ)

стр. 465

وهم لم يتولوا الشيطان على الحقيقة، ولكن لما كانت أعمالهم أعمال من يتولى الشيطان قال: إنهم أولياؤه، وأنت تقول لصاحبك: أنت ولى الشيطان وأنت تعلم أنه ليس بوليه ولكن تقول ذلك، لأنه يفعل ما يريده. السادس: بمعنى الناصر، قال اللَّه: (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ) فهو في الله بمعنى الناصر وفي الرسول بمعنى الهادي المرشد؛ لأن الولي ينصر وَليه ويهديه، وقال: (اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا) أي: ناصرهم ومرشدهم ومتكفل بأمورهم كولي الطفل يكفيه أموره، وأما قوله تعالى: (وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ) فمعناه أنه أي شيء لهم في رفع العذاب عنهم بوم القيامة وهم يصدون عن المسجد الحرام أراد أمر الحديبية، وما كانوا أولياء المسجد ما أولياؤه إلا المتقون وهم النبي والمؤمنون، وذلك أن اللَّه لم يجعل ولايته إليهم وإنما جعلها للمتقين، وولي البيت من يلي إصلاحه وعمارته كولي الطفل يلي إصلاح أمره وتثمير ماله ثم شرح ذلك بقوله: (إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ) وفي هذا دليل على أن ما يجعله اللَّه لبعض عباده يجوز أن يغلبه عليه غيره؛ لأنَّهُم كانوا يتصرفون في المسجد الحرام ولم يجعله الله لهم.

стр. 466

الوجه أصله التقدم، يقال: توجهت في الشيء. إذا تقدمت فيه ووجه كل شيء أوله، ومنه وجه النهار، أي: لوله ثم كثر حتى قيل: وجه الشيء لنفسه، تقول: هذا وجه الرأي أي: هو الرأي. والوجه في القرآن على أربعة أوجه: الأول: مجيئه بمعنى الشيء نفسه، قال: (كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ) أي: إلا هو، ولو كان له وجه غيره على ما يوجبه ظاهر الآية وعلى ما يقوله المشبهة لكان ينبغي أن يفنى جميعه ويبقى وجهه وليس هذا قولا لأحد إلا لبيان بن سمعان، وليس هو مما يعتد به لبيان بطلانه ودلالة العقل والإجماع على خلافه، ومثله: (إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ) أي: لله. الثاني: مجيئه بمعنى الأول، وهو قوله: (وَجْهَ النَّهَارِ) أي: أوله، وإنما قيل ذلك؛ لأن أول ما يلقاه من الشيء وجهه. الثالث: بمعنى الدين، قال: (أَسْلَمَ وَجْهَهُ) أي: أخلص دينه، وقوله: (وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ) والإسلام الإخلاص على ما تقدم ذكره، ويجوز أن يكون: (أَسْلَمَ وَجْهَهُ) أي: استسلم كما تقول: أعطى يده إذا استسلم، وقيل: الوجه العمل، و: (أَسْلَمَ وَجْهَهُ) أي: أخلص عمله، وقالوا: الوجه في قوله: (إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى) وهو الثواب.

стр. 467

أي: لم يفعل ذلك مجازاة ليد أسديت إليه إلا طلبا لثواب اللَّه، والآية نزلت في أبي بكر ﵁ حين أعتق بلالا. الرابع: قوله تعالى: (فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ) أى: الوجه الذي يريده اللَّه، وجاء في التفسير أنه أراد فَثَمَّ القبلة وخص المشرق والمغرب في هذه الآيه؛ لأنهما أشهر الجهات، وأراد ما بين المشرق والمغرب وذلك الدنيا كلها، والمراد أن الجهات وما فيها للَّه فأينما تستقبلوا من الوجوه المأمور باستقبالها فَثَمَّ الوجه الذي تتقربون به إلى اللَّه، وقيل: أراد فأينما وليتم وجوهكم وكونوا قاصدين للوجه الذي أمركم الله تعالى به فإذا عرفتم الكعبة فلتكن العرض، وإن لم تفعلوا به في ظلمة أو غيرها فالتحري لإصابتها، والدليل على ذلك قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) على عباده غير مضيق عليهم، وهذا مذهب الكوفيين، وقال الشافعي: من اجتهد فصلى إلى جهة ثم عرف أن القبلة غيرها استأنف، وفي هذه الآية كلام كثير وليس ذا موضع ذكره.

стр. 468

الباب السابع والعشرون فيما جاء من الوجوه والنظائر في أوله هاء الهدى أصله التقدم ممن ثم قيل للعنق: الهادي لتقدمه الجسد ثم استعمل في الإرشاد ثم جعل من الإرشادِ في الدين والإرشاد في الطريق فرق في المصدر، فقالوا: في الدين هدى وفي الطريق هداية، وسمي الهدْي هدْيا؛ لأنه يقدم للنحر، والهدية تقدم أمام الحاجة، والعروس هدى؛ لأنها تقدم إلى زوجها ويتبعها أهلها، والفرق بين الهدى والإرشاد أن الهدى يكون في الخير والشر يقال: هداه إلى السوء والمكروه، ومنه قوله تعالى: (فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ) ولا يكون الإرشاد إلا إلى الخير. والهدى في القرآن على اثني عشر وجها: الأول: البيان، قال: (أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ) أي: على بيان، وقال: (وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ) أي: بينا لهم، وقال: (أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِهَا)، وقوله: (فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى) أي: بيان والمعني به الكتاب والرسول، ومثله: (وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى) أي: البيان والمعني به القرآن، ومثله كثير.

стр. 469

الثاني: الطريق، قال: (إِنَّكَ لَعَلَى هُدًى مُسْتَقِيمٍ) أي: على طريق قويم وهو الإسلام، ومثله: (قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى) أي: السبيل الذي أمر الله سلوكها هو السبيل المرضي، وهو مثل ومعناه الإسلام أيضا كذا جاء عن السلف وهو عندنا والأول سواء؛ لأنه يقال: إنه لعلى هدى، أي: على بيان. الثالث: اللطف، قال: (وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى) أي: الذين اهتدوا إلى الإيمان بألطافنا زدناهم ألطافا ثوابا لأعمالهم ليزدادوا إيمانا. الرابع: الإيمان، قال الله: (إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ) أي: مؤمنون. الخامس: الهادي وهو المرشد، قال: (إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ) أي: مرشد يريد أنك هاد ومرشد لكل أحد، وفيه وجه آخر وهو أنك مرشد ولكل قوم مرشد، وقوله: (أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى) أي: رشدا، ويجوز أن يكون بيانا فيكون من القِسم الأول، ومثله: (لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) أي: لترشد. السادس: الدعاء، قال الله: (وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ) أي: يدعون، وقال: (وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا) وقال: (يَهْدُونَ بِالْحَقِّ) أي: يدعون وقال: (يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ) أي: يدعوا، وقوله: (فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ) أي: ادعوهم، ويجوز أن يكون المعنى [سوقوهم]. ويجوز أن يكون معنى قوله: (يَهْدُونَ بِالْحَقِّ) أي: يرشدون بالقول الحق، وكذلك قوله: (يَهدُونَ بِأَمْرِنَا). السابع: المعرفة، قال الله: (نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ) أي: تعرف، ونحوه: (وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ) أي: يعرفون الطرق.

стр. 470

الثامن: أمر محمد ﷺ ، قال: (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى) ومثله: (وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى) يعني: ما بين الله في التوراة والإنحيل من أمر محمد ﷺ . التاسع: الدين، قال: (إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ) يعني: دينه وهو راجع إلى البيان، وقيل: هو التوحيد وكانوا لا يسمونه هدى، وإنما قالوا ذلك على ما يقوله النبي ﷺ ، أي: الهدى بزعمك، وكذلك قالوا في قوله: (أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ) أي: بالتوحيد، ويجوز أن يكون الهدى هاهنا [البيان بربك المعجز] (١). العاشر: الاستنان بسنن الماضين، قال اللَّه: (وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ) أي: مستنون. الحادي عشر: الإصْلاح، قال: (وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ) أي: لا يصلحه بمعنى أنه لا يخبر بأنه صلاح. الثاني عشر: الإلهام، قال: (الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى) قالوا: صور الخلق وألهمه أمر معاشه، وعندنا أنه أراد إلهام المعاش لمن يلهم ذلك وإعلامه من يعلم، وقد دخل ذلك في قوله: (أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ) ومعنى هدى: أنه هدى المكلفين أي: بينه لهم.

стр. 471

هل يكون للاستفهام ويدخلها معنى التقرير، والتقرير على ضربين: تقرير على فعل يوجبه المقرر كقوله: هل أكرمتك؛ وهل أحسن إليك؟ وهل أوثرك وأقضي حاجتك؟. وتقرير على فعل لنفية كقولك: هل كان من شيء كرهته، وهل عرفت مني غير الجميل. وقد يتضمن هذان الوجهان معنى التوبيخ أيضا في بعض الأحوال. وجاء في القرآن على أربعة أوجه: الأول: مجيئه بمعنى ما، قال تعالى: (هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ) و: (هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ) و: (هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ) قال أهل التفسير: هذا كله بمعنى ما ينظرون إلا ذلك، وهو عند أهل العربية بمعنى الزجر والتهديد. الثاني: بمعنى قد، قال الله: (هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى) وقال: (هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ) قال الزجاج: معناه قد أتى أي: لم يأت على الإنسان، وقوله: (لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا) معناه أنه كان شيئا غير مذكور أي: كان ترابا ونطفة، وقال بعضهم: أتى على آدم الدهر وهو لا شيء ولا يجوز أن يكون لا شيء يأتي عليه الدهر. وقال المبرد: هل فى هذا الموضع بمعنى قد، وكذلك فى قوله: (وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ). قال سيبويه: قد تكون حروف الاستفهام لغير الاستفهام إلا الألف وأم لا تدخل على الألف؛ لأنها الأصل ويدخل على هل؛ لأنَّهَا قد تكون لغير الاستفهام، وأنشد: أم هل كبير بكى لم يقض عبرته ... أثر إلا حبه يوم البين مشكور

стр. 472

الثالث: بمعنى ألا، قال الله: (هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ) و: (هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ) معناه: ألا أدلكم. الرابع: بمعنى التوبيخ، قال الله: (هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ) وقوله: (هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ) ومعنى هذه الآية: الرد على عبدة الأوثان يقول: جعلتم الذي هو ملك اللَّه مثله، وأنتم لا تجعلون مماليككم أمثالكم.

стр. 473

الهلاك يقال: هلك الرجل إذا وقع في أمر شديد وإذا مات أيضا، والمستقبل يهلك بالكسر ولا يجوز الفتح، وإن كانت العامة قد أولعت به وهو الهلك والهلاك. وهو في القرآن على خمسة أوجه: الأول: الموت، قال اللَّه: (إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ). الثاني: الفناء، قال اللَّه: (كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ). الثالث: العذاب، قال اللَّه: (وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا) وقوله: (وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ) وقال: (وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ) ومثله: (وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى). الرابع: الذهاب، قال الله: (هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ). الخامس: الفساد، قال اللَّه: (وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ) وقال: (يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالًا لُبَدًا) وقال أهل التفسير: أى: أفسدت، ويجوز أن يكون بمعنى الإتلاف.

стр. 474

الباب الثامن والعشرون في ذكر لا (لا) إذا أدخلتها على نكرة رفعتها ونونتها ونصبتها بلا تنوين تقول: لا رجل في الدار فإن نعت النكرة لا رجل ظريف نصب بلا تنوين، ويجوز أن يقال: لا رجلا ظريفا، وإن شئت قلت: لا رجل ظريف والرفع مع التنوين لا غير فإن دخلت على الاسم المعرفه لم يكن فيه إلا الرفع، تقول: لا زيد في الدار ولا عمرو، فإن عطف بلا على اسم قد تقدمه لا كان ذلك على خمسة أوجه كقولك: لا رجل في الدار ولا امرأة، نصب بغير تنوين ولا رجل في الدار ولا امرأة ترفعهما جميعا، ورفع الأول ونصب الثاني لا رجل ولا امرأة، ونصب الأول بغير تنوين ونصب الثاني بتنوين لا رجل في الدار ولا امرأة. ولا في القرآن على وجهين: الأول: مجيئه بمعنى لم، قال: (فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى) أي: لم يصدق ولم يصل، وقال: (فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ) أي: لم يقتحم، وقال قائل للنبي ﷺ : " أرأيت من لا شرب ولا أكل، وقال الراجز: وَأي فِعلٍ سَيئٍ لا فَعَلَه أي لم يفعله، والأصْل في هذا أن الأحرف تنفي الماضي كما تنفي المستقبل، إذا قلت: لا أقوم ولا أذهب. الثاني: مجيئه على الأصْل، قال الله: (فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ) وأما قول من قال: إن لا تجيء زائدة في مثل قوله: (لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا

стр. 475

يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ) فإن ذلك عندنا غلط، ومعناه لأن لا يعلم أهل الكتاب أن المسلمين لا يقدرون على شيء من فضل الله، أي: هم قادرون على ذلك، وإنما جاء بنفيين ليثبت: ونفي النفي إثبات، وأما قول الشاعر: في بِئرٍ لَا حُورٍ سَرى وَمَا شَعَر فليس لا فيه زائدة، وإنما معناه في بئر لارجوع، أي: من وقع فيها، لا ترجع وجوز فعل من جاز يجوز.

стр. 476

الباب التاسع والعشرون فيما جاء من الوجوه والنظائر في أوله ياء اليسير أصل اليسير السهولة ونقيضه العسير وهو الصعوبة، واليسار الغني؛ لأن صاحبه في سهولة من العيش والفقر العسر؛ لأن صاحبه في صعوبة، وياسرت الرجل ساهلته، واليد اليسرى؛ لأنها لا تعاني ما تعانيه اليمنى، وكأن اليمنى في صعوبة واليسرى في سهولة، أو لأن [الرمي والطعن والضرب على اليسار] أسهل منها على اليمين وإن كانت باليسار أصعب وميسور الأمر ما ينسهل منه ومعسور ما يتصعب. ويكون الميسور المصدر مثل المعقول، وهو بمعنى اليسر سواء. وجاء اليسر في القرآن على ثلاثة أوجه: الأول: بمعنى الهين، قال تعالى: (إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ). الثاني: قوله: (ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا) قالوا: يعني: خفيا، ويجوز أن يكون معناه السهولة، أي: قبضا سهلا لا صعوبة فيه علينا. الثالث قوله تعالى: (كَيْلٌ يَسِيرٌ) قالوا: معناه سريع.

стр. 477

قال أبو هلال ﵀: معنى ذلك أن الملك يكيل لنا بيسر وسهولة [ولا يحبسنا كما يحبس غيرنا]، وفيه وجه آخر، وهو أن الذي حملناه من الميرة يسير في جنب ما تحملنا إذا نفذ معنا أخونا، وقوله:. (وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ) يعني: البعير الذى يركبه أخوهم يوفر لهم، والمراد ما يكال ويحمل على البعير، والبعير من الإبل تقع على الذكر والأنثى، مثل الإنسان من الناس.

стр. 478

اليوم ذكر بعضهم أصل اليوم أعجمي معرب، وَلا أدري ما صحة ذلك، ولا أعرف له اشتقاقا، وأظنه اسما أول. وهو في القرآن على وجهين: الأول: اليوم من أيام السنة، قال اللَّه: (خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ) ويوم القيامة يجري مجراه. الثاني: الحين، قال الله: (يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ) يعني: حين ذلك؛ لأنه لا يجوز أن يكون الظعن ليلا، وإنما أراد حين الظعن فذكر اليوم؛ لأن اليوم حين.

стр. 479

اليد أصل اليد يدي والدليل على ذلك قولهم: أيد لأن قولهم أيد أفعل وأفعل جمع فعل، مثل: فلس وأفلس في النسبة إلى اليد يدين ترد ما ذهب، وهو الياء ثم تحرك موضع العين، وإنما دعاك إلى تحريكه أنك تفرق بينهما وبين ما لم يتحرك قط نحو: باطني وميم رمي فيقول في طي طيي، وفي رمي رميي، وكذنا في ثدي ثديي، وأما اليد قد تحركت عينها بالحركات الثلاث فقيل: هذه يد، ومررت بيد ورأيت يدا. واليد في القرآن على أربعة أوجه: الأول: بمعنى النعمة، قال الله: (بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ) وهو جواب قول اليهود: (يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ) أي: هو بخيل ولم يريدوا أنها مغلولة على الحقيقة، وهذا مثل قوله: (وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا

стр. 480

تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ) بأمره عز رجل بالتوسط في النفقة والعطية ولم يرد الغل ولا البسط على الحقيقة فقال: (بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ) أي: نعمتاه الظاهرة والباطنة، أو نعمته في باب الدين ونعمته في باب الدنيا مبسوطتان على الخلق ينفق كيف يشاء يتوجه إلى نعمته في الدنيا أي؛ يرزق منها من يشاء ما يشاء. الثاني: بمعنى التوكيد، وهو قوله تعالى: (خَلَقْتُ بِيَدَيَّ) أي: خلقت أنا، كما تقول: هذا ما كسبت يدك فتذكر اليد توكيدا، والمعنى: أنت كسبت. الثالث: بمعنى الجارحة، قال اللَّه: (وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ). الرابع: بمعنى القدرة، قال تعالى: (قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ) أي: هو القادر عليه: (يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ) أي: يعطيه من يريده إذا كان يصلح له، وقيل: الفضل هاهنا النبوة، وقِيل: هو الإحسان والنعمة، والله أعلم، واليد أيضا في غير القرآن السلطان في قولهمِ.: ليس لك عليه يد، ويجوز أن يكون هذا بمعنى القدرة، وجاءت أيضا كناية عن الملك، في قولهم: هذا في يدي أي: في ملكي، ويستعمل في ابتداء العمل في قولهم: وضع يده في العمل أي: ابتدأه. واليد البركة في قوله ﵇ " يد الله على الشريكين " أي: بركته، وتجيء صلة في قولهم: لا كلمتك يد الدهر، واليد الحفظ والكلاء. في قوله ﵇[" لا تزال هذه الأمة تحت يد اللَّه ما لم تمال في كذا شيء "] (١) ذكره وقد أنسيته.

стр. 481

اليقين أصله العلم يقع بالشيء بعد أن لم يكن واقعا به، ولهذا لا يقال: لله أنه متيقن، وهو اليقين واليقن، ولا يقال إلا علما يثلج معه الصدر، ولهذا يقال: ثلج اليقين، ولا يقال: ثلج العلم، ومن أجل ذلك أيضا لا يوصف اللَّه به وهو أبلغ من العلم، ألا تراهم يقولون: أعلم وأيقن ومن عادتهم أن يؤخروا الأبلغ. ُهو في القرآن على ثلاثة أوجه: الأول: العلم، قال اللَّه: (وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ) أي يعلمون. الثاني: الموت، قال اللَّه: (حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ) يعني: الموت. قالوا الثالث: القرآن، قال اللَّه: (حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ) وأضاف الحق إلى اليقين لاختلاف اللفظين، وهما واحد كما قال: (حَبْلِ الْوَرِيدِ)، وهذا مذهب بعض أهل العربية، وهو عند المحققين منهم خطأ، والصواب أن يقال: معناه إنه لمحض اليقين كما تقول: هذا حق الشيء، ولو كان اليقين هنا لم يجز أن يضاف إليه كما لا يقال: هذا رجل الظريف إنما هو كقوله: (عَيْنَ الْيَقِينِ) كما قال الله تعالى: (لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ).

стр. 482

اليمين أصلها القوة، وقيل: اليد اليمنى لقوتها على اليسرى، واليمين القسم؛ لأنه قوة لدفع الدعوى، وأصلها أنهم إذا تحالفوا تصافقوا بأيمانهم فسمى الحلف يمينا، وهي في اللغة توكيد القول بذكر عظيم عند القائل كقولك: بأبي وأمك، وهي في الشريعة توكيد القول بذكر الله أو بإيجاب قربه في المآل أو على النفس بدلالة قوله ﵇ إذا حلفتم فاحلفوا بالله واصدقوا "، واليمين تدخل فيما ينوى فيه الصدق، والكذب من الكلام دون غيره. وهي في القرآن على ثلاثة أوجه: الأول: بمعنى القسم، قال الله: (لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ). الثاني: القوة، قال اللَّه: (لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ) أي: لانتقمنا منه بقوة، ومعنى ذلك: أنا قادرون عليه، ومنه قول الشماخ: إذا ما رَايَةٌ رُفِعَتْ لِمَجْدٍ ... تَلَقَّاها عَرَابَةُ باليَمِين ومنه قوله تعالى: (وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ) أي: بقدرته، ويجوز أن يكون المعنى باليمين المبالغة كما قال: (خَلَقْتُ بِيَدَيَّ).

стр. 483

الثالث: بمعنى الاحتواء والملك، قال الله: (وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ) يعني: ما حصل لك من الغنائم، ونحوه: (وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ). قد أتينا على الأبواب التي تقدم بها الشرط في أول الكتاب: وشرحنا من مضمونها ما احتاج إلى الشرح في غير إكثار ولا إقلال، ورغبنا إلى الله في النفع بها عاجلا وآجلا، وهو وليُّ المنة بذلك إن شاء اللَّه وحسبنا اللَّه ونعم الوكيل، وصلواته على نبيه محمد وآله المختارين. وكتب عبد ذليل المولى فقد فرغ منه في شهر ربيع الآخر سنة ثمانين وأربعمائة، حامدا الله تعالى ومصليا على نبيه وعلى آله الطيبين الطاهرين وعلى الأخيار من أمته. وفرغ من تحريره، محمد بن الحسَن بن محمد الحافظ الدهقي غفر الله له ولأبويه ولمن قال: آمين في العشر الأخير من شهر ربيع الأول سنة سبع وأربعين وخمسمائة حامدًا ومصليًا.