← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 37586

الوجوه والنظائر لأبي هلال العسكري - معتزلي

أبو هلال العسكري

Полный текст (483 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

أحدهما: ما يتعلق، وجوب الرجم على الزاني، وهو أن يكون حرا بالغا عاقلا مسلما، وقد تزوج امراة نكاحا صحيحا ودخل بها وهما كذلك. والآخر: الإحصان الذى يجب به الحد على قاذفه، وهو أن يكون حرا بالغا عاقلا مسلما عفيفا ولا نعلم خلافا بين الفقهاء في هذا، وخص قاذف المحصنات، وأجمعوا على أن قاذف المحصنين مثله، واتفقوا على أن المراد القذف بالزنا دون القذف بالسرق وشرب الخمر والكفر وغير ذلك. والمحصنات في القرآن على أربعة أوجه: الأول: الحرائر، قال الله: (وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ) يعني: الحرار، أي: من لم يتسع حاله ليتزوج الحرائر لما يحتاج إليه من زيادة النفقة والمهر تزوج الإماء؛ لأن مهرهن أقل ونفقتهن على مواليهن، وسميت الحرة محصنة؛ لأنَّهَا تحصن أي: تمنع وليست كالأمة تبتذل وتمتهن. الثاني: ذوات الأزواج، قال اللَّه: (وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ) وذلك أن أزواجهن أحصنوهن فعطف بهن على قوله: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ) أي: وذوات الأزواج محرمات عليكم،: إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ) يعني: سبايا المشركين، فإنهن محللات لكم إذا استبرأتموهن، وإن كان لهن أزواج في بلاد الشرك. الثالث: العفائف، تجال اللَّه: (مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ) أي: عفيفات، وكذلك قوله: (مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ) أي: أعفاء غير زناة، وقوله: (وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ) أراد أنه أحل لكم طعام أهل الكتاب، وأحل لكم العفائف من المؤمنات، والعفائف من اليهود والنصارى. وقال بعضهم: أراد اللاتي كن على اليهودية والنصرانية ثم أسلمن وهذا غلط؛ لأنه ذكر المؤمنات، فلم يكن لذكرهن ثانية وجه، قال الشعبي: إحصان الكتابية أن تغتسل من الجنابة

стр. 422

وتحصن فرجها من الزنا، قالوا: وأما قوله: (وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ)؛ فإن إطلاق اسم الشرك لا يتاول أهل الكتاب، وإنما يتناول عُبَّاد الأوثان؛ لأن الله فرق بينهم في قوله: (لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ) فعطف المشركين على أهل الكتاب. الرابع: المسلمات، كذا قال بعض أهل التفسير، ولم يقل: الذين يرمون المحصنين، لأن قوله: (الْمُحْصَنَاتُ) دليل عليهم، وذلك أن المرأة ترمى بالرجل، كما قال (سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ) ولم يذكر البرد، لأنَّهَا إذا وقت الحر وقت البرد، وخص المحصنات بالذكر؛ لأن ذلك [اتسع]، وأكثر أهل التفسير على أن المحصنات هاهنا العفائف.

стр. 423

المثل المثل في الأصْل يشتمل على ذكر تماثل الشيئين كقولهم: كما تدين تدان، وهو من قولك: هذا مثل الشيء، ومثله كما تقول شبهه وشبهه، وبين المثل والشبه فرق ذكرناه في كتاب " البديع في الفروق " ثم جعل كل حكمة [وسائرة ومثلا]، وقد يأتي القائل بما يحسن أن يتمثل به، إلا أنه لا يتفق له أن يسير فلا يكون مثلا. وهو في القرآن على أربعة أوجه: الأول: الشبه، قال الله: (مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا) وقال: (مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا). وقوله: (٧٥) وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا) أي:. وصف شبها، وضرب المثل جعله يسير في البلاد من قولك ضرب في الأرض إذا سار فيها. الثاني: العبرة، قال اللَّه: (فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ) وقوله: (وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ) والمعنى أنه صارت له شهرة كشهرة الأمثال السائرة، وأراد أن من بعدهم يتمثل بهم إذا رأي مثل حالهم. الثالث: على ما قيل الصفة، قال اللَّه: (مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ) أي: صفتها أن فيها أنهارا.

стр. 424

وقال بعضهم: إن مثل ما يوعدون من أنهار الماء واللبن والخمر في الجنة ما يعرفون من هذه الأشياء في الدنيا، كأنَّه قال: مثل الجنة التي توعدون في الآخرة والجنة التي تعقلونها بهذه الصفة، وهذا هو الوجه المختار. الرابع: السنن، قال الله: (أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ) يعني: سنن الذين من قبلكم، أي: [ما أخروا عليه في الدنيا من السراء والضراء] وهذا بعيد. والوجه أن يقال: إنه أراد ولما يصبكم مثل ما أصابهم من السراء والضراء، وقيل: الشبه والمثل في الشبه والمثل في الهيئة في أكثر الكلام، وقد يقال فيه: مثل ومثل لغتان، والشبه في المتماثلين من كل شيء، وبيان ذلك مشروح في كتابنا في الفروق، وليس هذا موضع الإطالة فيه، وعندنا أن المماثلة تكون بين الذوات والمشابهة بين الصفات، ومثله قوله: (وَمَضَى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ) أي: سننهم. ومثله قوله: (وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ)، يعني: سنن العذاب، كذا قيل، والصحيح أنه أراد: (أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ) أي: أخبارا تكون لكم مثلا، وعبرة تعتبرونها فتنتفعون بها في آيات الدِّين والدنيا، وهكذا معنى قوله: (وَمَضَى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ) أي: مضى في القرآن من أخبارهم ما يكون مثلا.

стр. 425

المتاع أصله الطول والامتداد، ومنه قيل: متع النهار إذا امتد، وتمتعت بالشيء إذا طال تلذذك به. وهو في القرآن على ثلاثة أوجه: الأول: المدة، قال اللَّه: (وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ) أي: مدة تمتد إلى حين، كذا جاء في التفسير، ويجوز أن يكون المراد المنفعة أي: لكم مستقر ومنفعة إلى حين. الثاني: ما ينتفع به من آلة، قال الله: (وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ). الثالث: المنفعة " قال الله: (نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ) يعني: النار. جعلها الله تذكرة بنار جهنم، ومنفعة للمقوين. قال أهل العربية: للمقوي الضعيف،. والقوي وهو من الأضداد، وقيل: للمقوي الذي صار إلى القواء، وهو القفر من الأرض، ومثله: (مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ) وقال اللَّه: (لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ) أي: منفعة يعني: أنها تقيكم من الحر والبرد، ومنه متعة المطلقة وهي أن تطلق المرأة قبل تسمية المهر، والدخول. قال أصحابنا: المتعة في هذا واجبة لقوله تعالى: (مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ) فأمر بها، والأمر على الوجوب ثم أكد بقوله: (حَقًّا عَلَى

стр. 426

الْمُحْسِنِينَ) وليس في ألفاظ الإيجاب أوكد من هذا؛ لأنه جعلها من شرائط الإحسان.، وعلى كل أحد أن يكون محسنا، وإذا وجبت عليهم وجبت على غيرهم، لأن أحدا لا يفرق بين المحسن والمسيء في الفروض، ولا يجوز أن تكون ندبا؛ لأن الندب لا يختلف فيه المحسنون وغيرهم، وعند أصحابنا أن المتعة لا تكون أكثر من نصف مهر المثل، وفيه كلام كثير أوردناه في التفسير. وأما قوله: (وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ) فالمتاع هنا نفقة العدة، وأوردنا هذه الوجوه على ما جاء عن السلف، وعندنا أن المراد بجميع ذلك المنفعة مع التلذذ، ومثله: (بَلْ مَتَّعْنَا هَؤُلَاءِ وَآبَاءَهُمْ). وقال بعض أهل اللغة: أصل التمتع التزود، والمتاع الزاد، وتستعمل في التلذذ، وقوله تعالى: (فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ). قال المفضل: إلى هاهنا بمعنى مع، والتمتع بالعمرة إلى الحج، وهو أن يأتي بعمرة في أشهر الحج وهي شوال وذو القعدة وعشر ذي الحجة، حى إذا قضاها حل من إحرامه ثم أحرم من عامه بالحج فعليه ما استيسر من الهَدْي، واستيسر وتيسر واحد مثل استأخر وتأخر، وأدنى ذلك شاة، ويجوز مثلها في الأضاحي، وكذلك القادر، وليس على المفرد هدْي، وأما متعة النساء فحرام، ومن خالف فيه فهو خارج من الإجماع، والإجماع قد سبق بتحريمه، ونهى عمر ﵁ عنها لنهي رسول اللَّه ﷺ عنها، والشاهد ما روى أبو هريرة أن النبي ﷺ حرم المتعة بالِطلاق والنكاحِ "، وقول الله : (فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ) والمتعة هي وراء ذلك، وأما متعة الحج فإن النبي ﷺ أحله بثلاثة أيام ثم حرمه، وكان ابن عباس يحل المتعة فقال له علي ﵇ " أنت امرؤ تائه نهى رسول الله ﷺ عن متعة النساء، وأكل حمر الأهلية بخيبر "، فرجع ابن عبَّاس عن هذا القول، ونادى يوم عرفة بأعلى صوته: " أنا عبد الله بن العباس ألا إن المتعة حرام كالميتة والدم ".

стр. 427

المولى المعتِق " والمعتَق، والعصبة، وابن العم، والخليفة، والصاحب، والولي، والأولى بالشيء، قال رسول اللَّه ﷺ : " أية امرأة نكحت بغير إذن مولاها فنكاحها باطل "، أيْ بغير إذن وليها، ويقال لمن تولاه الرجل وإن لم يكن قريبا له مولى. وهو في القرآن على ثلاثة أوجه: الأول: الولي، قال اللَّه: (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ) أي: لا ولي لهم، وقوله: (لَبِئْسَ الْمَوْلَى) أي: لبئس الولى، وقِيل: لا مولى لهم أي: ناصر لهم، وقيل: المولى هو المتولي للتدبير لمن ولاه، تقول: نصر اللَّه النبي والمؤمنين بما تولى لهم من التدبير،: (وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ) أي: لا متولي لأمرهم عند أخذ اللَّه إياهم. الثاني: العصبة قال الله: (وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي) يعني: العصبة، ومثله: (وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ) كذا قيل، ويجوز أن يكون المولى هاهنا بمعنى الأولى بالشيء، والمعنى أن لكل شيء مما ترك الوالدان والأقربون وارثا هو أولى به. من غيره، ومنه قيل لمالك: العبد مولاه؛ لأنه أولى به. الثالث: ابن العم،، قال اللَّه: (فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ) أي: وبنو أعمامكم، ويجوز أن يكون المعنى: (وَمَوَالِيكُمْ)

стр. 428

أولياءكم في الدِّين، ويجوز أن يقال: أراد أنهم أصحابكم؛ لأنكم تستعينون بهم في بعض أموركم، وهم أيضا [منضافون إليكم]، وصاحب الرجل منضاف إليه، قال الشاعر: لست بمولى سوأة أدعى لَهَا ... فَإِن لسوآت الْأُمُور مواليا

стр. 429

(مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ)، و (مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ) جاء هذا الحرف في القرآن على ثلاثة أوجه: الأول: (يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ) أي: ما كان قبلهم، وما يكون بعدهم. الثاني: في سورة مريم: (لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا) يعني: الآخرة،: (وَمَا خَلْفَنَا) ما يكون من أمور الدنيا ومثله ما حكاه عن إبليس في قوله: (ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ) قال: لأخبرنهم أن لا بعث (وَمِنْ خَلْفِهِمْ) أن أزين لهم الدنيا وقريب منه، قوله:، (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ) يعني: عذاب الآخرة وعذاب الدنيا، وقال: (اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ) عن صنع الله في الأمم الخالية،: (وَمَا خَلْفَكُمْ) يعني: عذاب الآخرة.

стр. 430

الثالث: بمعنى قبل وبعد، قال الله: (وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ) أي: قبل بعثه وبعده، يعنى: هودا ﵇.

стр. 431

المنسك أصل النسك: الذبح، والنسيكة الذبيحة، ثم كثر ذلك حتى قيل لكل عبادة نسك، وكل عابد ناسك، ومنه مناسك الحج. والمنسك في القرآن على وجهين: الأول؛ المراد به الذبائح، وهو قوله: (وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا) أي: جعلنا لكل أمة من الأمم التي بعث فيها الأنبياء ذبائح يتقربون بها إلى الله، والشاهد قوله تعالى: (لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ) وأصل المنسك المصدر فعبر به عن الذبائح، وفي قوله: (لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ) دليل على بطلان قول المجبرة إذ قالوا: إنه تعالى جعل للكفار منهم ذلك ليذكروا عليه اسم الأصنام. الثاني: الضرب من العبادات، وهو قوله: (لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ) أي: جعلنا لكل أمة بعثنا فيها نبيا ضربا من العبادات والشرائع، وقال بعضهم: المنسك الموضع الذي يجب أن يتعهد، وقرئ (مَنْسِكًا) أي: مكان نسك، مثل المجلس لمكان الجلوس.

стр. 432

المصيبة أصل الإصابة القصد، وفي المثل: أصاب الصواب فأخطأ الجواب أي: أراد، ومنه قوله: (رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ) أي: أراد وصاب الشيء إذا نزل من علو إلى سفل، كأنَّه يقصد الوجهة التي يمر فيها، وكذلك في إصابة السهم. والمصيبة في القرآن على وجهين: الأول: مكاره الدنيا من القحط والجدب والمرض، قال اللَّه: (وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ) وقوله: (مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ) فالمصيبة في الأرض الجدب، وفي الأنفس المرض، ودليل هذا قوله: (لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ) ولو أراد بالمصيبة الطاعة، والمعصية على ما يقوله المجبرة لم يقل: (لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ) وقوله: (مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ) يعنى: هذه المكاره؛ وقال: (أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ)، فهذا دليل على أن المصبية ليست بالمعصية، إذ ذكر أنه لم يأذن بالمعصية، وأذن بالمصيبة، والمصائب من الله حسنة، والإذن على هذا التفسير الأمر، وهو أن يأمر الملك بإنزال المصيبة فيهم، ويجوز أن يكون بمعنى العلم، والمراد أن اللَّه يعلمها ويجازيهم عليها بالحسنى. الثاني: الهزيمة والقتل، قال الله: (وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ) يعني: أنكم إن هزمتم استصوب المنافقون بخلفهم عن القتال معكم، والأصل في هذه الوجوه واحد وهو الخلة المكروهة الشديدة الكراهة بترك الإنسان.

стр. 433

المقام المقام يكون مصدرًا يقال: قام الرجل مقاما حسنا، أي: قياما، ويكون موضع القيام ويجمع مقامه، ومنه: (مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ) وأصله من الاستواء، قوم الشيء إذا سواه، وأقام الوزن أي: عدله، وقام الرجل لاستوائه منصبا، ويقال: مقام ومقامة مثل مكان ومكانة هذا قول، وقول آخر أن المكانة الطريقة، ومنه قوله تعالى: (اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ) أيْ: على طريقتكم في الكفر والمقامة الجماعة، قال زهير: وفيهمْ مَقاماتٌ حِسانٌ وجوهُهمْ والمقامة بالضم المجلس يؤكل فيه، والمقامة بالفتح المجلس يتحدث فيه، والمقام الإقامة، وفي قوله: (وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى) خلاف. قال ابن عباس، ومجاهد: يعنى: الحج كله، وروى عن مجاهد أيضا أنه قال: أي مُصَلًّى أو مدعى من صليت إذا دعوت. وروي عن ابن عباس أيضا قال: هو المقام بعرفة، وقال قتادة: هو الأمر بالصلاة عند المقام وإلى هذا ذهب أبو علي ﵁ وقال: هو الحجر الذي فيه أثر قدم إبراهيم ﷺ فأمَّا المقام فالإقامة أقام إقامة ومقاما. والمقام في القرآن على ثلاثة أوجه: الأول: قوله: (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ) قال: معناه مساكن أمن أهلها، ومثله: (كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٢٥) وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (٢٦) يعني: مساكن حسانا، وقيل: المقام الكريم المنابر.

стр. 434

الثاني: القيام، قال الله: (يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ) أي: لا يقومون لهم، فهذا كل هذا التأويل مصدر، ويجوز أن يكون المكان، وقرئ: (لا مُقَامَ لَكم) بضم الميم، أي: لا إقامة لكم، يقال: أقمت بالبلد مقاما وإقامة ونحوه: (وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ) يعني: من خاف القيام بين يدي ربه في الحساب، فترك المعصية، وقيل: من خاف مقام اللَّه عند المعصية عرضت فذكر أنه يسأل عنها فتركها، وحقيقة ذلك مقام العبد بحيث بدله الله عاصيا. الثالث: المكان، قال الله: (وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ) أي: مكان يعبد فيه ربه، والمعنى ما منا إلا من له مقام معلوم، فحذف من، كما قال الشاعر: لو قلت ما فِي قومها لم تيثم ... يفضلها فِي حسبٍ وميسم وقد مر ذلك.

стр. 435

المفاتح قد ذكرنا أصل هذه الكلمة فيما تقدم، وهو في القرآن على وجهين: الأول: جمع مفتح، وهو الذى يفتح به القفل وغيره، قال اللَّه: (مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ) وقيل: المفاتح هاهنا الكنوز، واحدها مفتح. الثاني: قوله: (أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ) قال ابن عباس: أراد الرجل يوكل بضيعة الرجل فرخص له أن يأكل من ثمرتها أو مواشيه فرخص له أن يشرب من ألبانها. وقال أبو علي: أراد الثبوت التي مفاتيحها بأيديكم وأنتم مؤتمنون عليها؛ فجعل من الوجه الأول.

стр. 436

الباب الخامس والعشرون فيما جاء من الوجوه والنظائر في أوله نون الناس أصل الناس: أناس أسكنت الهمزة منه فأدغمت اللام، كما قيل: لكنا، وقيل: الناس لغة مفردة، والأناس لغة أخرى، ولو كان أصله أناسا لقيل في التصغير أنيس، وإنما يقال: نويس وتجمع أناس على أناسي، وقيل: (أناسي جمع، إنسي واشتقاقه من الأنس، خلاف الوحشية، لأن بعضهم يأنس ببعض، والناس جماعة لا واحد لها من لفظها، وواحدها إنسان على المعنى. وهو في القرآن على ستة أوجه: الأول: (أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ) جاء في التفسير أنه أراد النبي ﵇ قيل: وهو مثل قوله: (الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ) وكان الذي أخبرهم بجمع أهل مكة نعيم بن مسعود الأشجعي، ويجوز عندنا أن يكون معنى قوله: (أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ) النبي ﷺ والمؤمنين، فقوله: (الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ) لفظ عام، والمعنى مخصوص؛ لأن الناس كلهم لم يخبروهم ولم يجمعوا لهم أنصار، وبيان هذا مستقصي في كتابنا في التفسير،

стр. 437

ويذهب بعضهم إلى أنه لا صيغة للعموم في اللغة، قال: لأن كل لفظ صيغته صيغة العموم، قد جاء مثله في الخصوص، وليس الأمر كذلك؛ لأن صيغة العموم معروفة، ولا يخص إلا دلالة وحيث لا دليل فهو على أصل العموم، ألا ترى أن قوله: (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ) لا يجؤز أن تخص، لأنه لا دليل فيه فهو على العموم، وصيغته صيغة العموم، وأما قوله تعالى: (وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ) فقد دل على أنه مخصوص، فكأنه قال: قد أوتيت أكثر الأشياء فهذا الأصل، والأول مجاز، وإذا خرج شيء عن الأصل؛ فإن الأصل لا يبطل به، وكل شيء موقوف على دليله، وألفاظ العموم من فيمن يعقل وما فيما لا يعقل، وأين في الأمكة، ومتى في الأزمنة، وكل فيمن يعقل وفيما لا يعقل، وغير ذلك فيما ذكره العلماء. الثاني: المؤمنون خاصة، قال اللَّه: (أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ) يعني: أن للمؤمنين يلعنونهم فاللفظ عام، والمعنى خاص، ويجوز أن يعني: أن بعضهم يلعن بعضا في الآخرة مع لعن المؤمنين لهم، فيكون معنى الآية على ظاهره، وتأويل هذا قوله تعالى: (كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا). وقال الربيع: يراد لعن المؤمنين لهم ويخرج هذا على قولك المؤمنون هم الناس؛ كأنَّه لا يعتد بغيرهم، ومثل هذه الآية قوله: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ) أي كما آمن غيركم من الناس، وقيل: يعني بالناس هاهنا عبد اللَّه بن سلام وأصحابه. الثالث: بنو إسرائيل خاصة، قال الله: (أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي). الرابع: من كان على عهد آدم وأهل سفينة نوح ﵇، قال اللَّه: (كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً) وقد مضى القول في هذا.

стр. 438

الخامس: أهل مصر خاصة، قال الله: (لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ) وقال: (عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ). السادس: الناس كلهم، قال: (إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ) أي: هو قادر على جميع الناس لا يفوتونه ولا يعجزونه، والمحيط في أسماء اللَّه تعالى بمعنى القادر القاهر الغالب. وقيل: الناس هاهنا أهل مكة خاصة، ومن العام الذى معناه العموم قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ)، ولو جاء بصروف العموم عن ظاهره بغير دليل مجاز في هذا لأن علمه، وإن كان محيطا بالأشياء كلها، فقد يجوز أن يخبر عن بعضها أنه عالم به، كقوله تعالى: (يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ) وقوله: (يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ) وأما العام الذي بمعنى الخصوص؛ فقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ) وذلك أن المراد المكلفون والخاص الذي بلفظ الخصوص: (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ) والعام الذي جاء بلفظ الخصوص. قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ) وقوله: (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ) ويكون عام يدخله الخصوص على غير هذا الوجه، كقوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ). وقد دلت السنة والإجماع على أن طائفة إذا أقاموا بذلك سقط عن الآخرين على أن جميع المؤمنين مأمورين به، إن عليهم ذلك ما لم يقم به بعضهم، والعرب تقول: أحمر البشر، وإن لم يحمر جميعه، لأن منه ما هو أصفر، وغسلت ثيابي وإن لم يرد كل ثوب وكساه جبة، وإنما أراد هذا أوان احمرار البشر، وهو أوان فراغي من الغسل.

стр. 439

النار أصل النار والنور واحد، والألف في النار أصلها واو، ولذلك يقال: تنورت النار إذا أبصرتها، ويسمون السمة نارا؛ لأنَّهَا بالنار تكون، قال الراجز: قد سبقت آباءَهم بالنارِ إلى النارِ أي لما رأي أهل الماء سماتها خلوا لها الماء حتى شربت، وأصل الكلمة البياض، ومنه قيل: النورة لبياضها. وهي في القرآن على وجهين: الأول: مثل وهو قوله تعالى: (كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ) والعرب تشبه الحرب بالنار، ويقولون: [فلان محش حرب]، إذا كان يقوم: بأمرها، وأصل الحش الإيقاد. الثاني: النار بعينها، قال اللَّه: (آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا).

стр. 440

النسيان أصله الترك، وسمي خلاف الذكر نسيانا؛ لأن الناسي للشيء تارك له، قال الله تعالى: (وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا) أي: مغفولا عني متروكا، والنسيان الذي هو خلاف الذكر يفعله الله في الإنسان عند اشتغاله عن حاجته، وصرف الاهتمام عنها، ونسبه الله إلى الشيطان في قوله تعالى.: (وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ) لأنه كان نسيها عند وسوسته إياه. وهو في القرآن على ثلاثة أوجه: الأول: الترك، قال الله: (وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ) ولم يذكر أنه نسي نهي الله إياه. عن أكل الشجرة؛ لأنه لو كان كذلك، لم يكن له ذنب ولا عليه إثم، وإنما المعنى أنه أكل من مثل الشجرة التى نهي عنها، وظن أن النهي مقصور عليها، وترك الدليل الذي لو اعتمد لدله على أن النهي عام في جميع الجنس فصار ذنبه ترك الدليل، ومثله،: (وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ) أي: استعملوه. ولا تتركوه، وقال: (نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ) أي: تركوا طاعته فصارت عليهم بمنزلة المنسي فتركهم من رحمته.

стр. 441

وأصل الترك في الله مجاز وحقيقته هاهنا أنه أوجب لهم العذاب، ويجوز أن يكون المراد أنهم تركوا ذكر الله فمنعهم اللَّه الخير وذلك أن خيرك لا يبلغ من أنت ناسيه، ويجوز أن يكون معناه أنهم تركوا طاعته فعاقبهم اللَّه بنسيانهم إياها فسمي الجزاء على النسيان نسيانا. الثاني: بمعنى التخليد فِى العذاب، قال اللَّه: (فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا إِنَّا نَسِينَاكُمْ) المعنى خلدناكم في العذاب، وجعله نسيانا؛ لأنه جزاء بالنسيان، وهو ترك العمل للقاء ذلك اليوم، وليس هو خلاف الذكر، لأن ذلك فعل الله، ولا يجوز أن يفعله بهم ويعذبهم عليه على أنه يجوز أن يسمى سبب النسيان الكائن مهنم نسيانا، ويذكر أنه يعذبهم على النسيان، وهو يريد أن يعذبهم على سببه. الثالث: خلاف الذكر، قال اللَّه تعالى: (سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى (٦) إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ) خبر وليس بنهي، وقوله: (لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ) وأراد بقوله: (فَلَا تَنْسَى) الإخبار بفضيلة النبي ﷺ ، وذلك أن جبريل يقرأه عليه، وهو أمي فيحفظه ولا ينسى منه شيئا، ثم يقرأ أصحابه، وقيل: (إلا ما شاء اللَّه) أن ينسخه بعد العمل فينسبه النبي ﵇ أمير المؤمنين، ومنه قوله: (مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا).

стр. 442

النشوء أصله الابتداء ومنه نشأت السحابة؛ إذا ابتدأت ترتفع من الأفق، وهو نشوء حسن، والنشوء من الناس الإيقاع يقع على الذكر والأنثى، قال نصيب: ولَولاَ أن يُقَالُ صَبَا نُصِيب ... لقلت نَفْسي النشوءُ الصغارُ بِنَفْسي كُل مَهْضُومِ الحشَايَا ... إذَا ظُلِمَت فَلَيس انْتِصَارُ إذَا مَا الذُلُ ضَاعَفنَ الحشايَا ... كفَاهَا إن بُلان لها الآزارُ وقد نشأت إنشاء إذا شئت، والمشيء في أسماء الله تعالى المبتدئ في الأشياء على غير مثال. والنشوء في القرآن على ثلاثة أوجه: الأول الخلق، لأنه يبدأ به، قال الله: (ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ) وقال: (إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً) وقوله: (قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ). الثاني: قوله تعالى: (أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ) يعني: البنات،: (وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ) أي: الأنثى لا تكاد تستوفي الحجة، وجاء عن السلف لا تكاد تحتج المرأة بحجة إلا عليها، أي: جعلوا لله بنات والبنت هذه صفتها. الثالث: قوله: (إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ) يعني: ساعات الليل، وقال الأصم: ناشئة الليل هو أن منشوء من منامك لصلاتك، وقال بعضهم: الليل كله

стр. 443

ناشئة، وقال آخرون: بعد صلاة العشاء ناشئة،: (هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا) أي: أشد لمواطاة القلب السمع لخلو البال بالليل، ومن هذا قولهم.: أمن عمل بليل، [وقرئ: (أَشَدُّ وَطْئًا) ومعناه أبلغ في القيام]، وأبلغ في القول، ويجوز أن يكون معناه أغلظ على الإنسان من القيام بالنهار، لصعوبة السهر، وقال بعضهم: (أَشَدُّ وَطْئًا)، اثبت في همك لما تقرأ: (وَأَقْوَمُ قِيلًا) لأنه لا يشغلك شيء فيعرف صواب ما يقول؛ وفي النهار عوارض تشغلك عن ذلك، وقال بعضهم: (أَشَدُّ وَطْئًا) اثبت في الدين،: (وَأَقْوَمُ قِيلًا) اثبت في القراءة.

стр. 444

النفس النفس الدم، ومنه قيل: النفساء سيلان الدم عنها، وقال السموأل: تسيل على حد السيوف نفوسنا ... وليست على غير السيوف تسيل ثم سميت الروح نفسا؛ لأن الإنسان يعيش بها كما يعيش بالدم، وأما النفس فالسعة، وفي الحديث الريح من نفس الله أي: من سعة رحمته على عبادة، ومنه قولهم: فلان في نفس من أمره أي. في سعة، ومنه قوله: (وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ) إذا اتسع ضوءه، وكل هذا يرجع إلى النفاسة، وهي أصل الكلمة وأولها. والنفس في القرآن على ستة أوجه: الأول: ذكر النفس، والمعنى لحملة الإنسان، قال الله: (وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ) أي: يتوسوس به هو، وهتا مثل قولهم: كسبت يده ورأت عينه. والمعنى أنه كسب هو ورأي، ومثله: (وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ) أي: [ما أبرءوني]، ونفس الشيء حقيقته يقال: هلكت نفس زيد، أي: هلك هو، وعلى هذا فسر قوله: (تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ) أي: تعلم ما أعلم، ولا أعلم ما تعلم.

стр. 445

ويجوز أن يكون معنى ذلك إنك تعلم ما أخفيه، ولا أعلم ما تخفيه عني، وجعل النفس عبارة عن هذا المعنى؛ لأن ما يخفيه الإنسان يخفيه في نفسه؛ فأخرج الكلام على العرف، ويجوز أن يكون المعنى تعلم غيبي، ولا أعلم غيبك؛ لأن ما في النفس غيب فلما ذكر النفس قابله بمثله ليحسن نظم الكلام، والمعنى معروف. الثاني: قوله تعالى: (لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ) أي: منكم. الثالث: مجيء الأنفس بمعنى الإخوان، قال اللَّه: (فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ) أي: على إخوانكم، وهو قريب من الأول: (تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ) لأن الله بينها،: (مُبَارَكَةً طَيِّبَةً) أي: يبقى أجرها وطيبها لكم، والبركة البقاء والثبات. الرابع: مجيئها بمعنى الإنسان، قال اللَّه: (النَّفْسَ بِالنَّفْسِ) أي: الإنسان بالإنسان، وفي هذا دليل على أن الحُرَّ يقتل بالعبد؛ لأن شرائع من قبلنا. ثابتة الحكم علينا، ما لم يثبت نسخها، ودليل هذا قوله تعالى: (وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ). وقال رسول الله ﷺ : " المؤمنون تتكافأ دماؤهم "، وقد استوى الحر والعبد في الإيمان. وعند أبي حنيفة، وأبي يوسف، ومحمد، وزفر: أنه لا قصاص بين الحر والعبد إلا في النفس. وعند ابن أبي ليلى: أنه يجب بينهما في النفس وفي جميع الجراحات التي تستطاع فيها القصاص.

стр. 446

وعند مالك: أنه لا قود بين الحر والعبد في شيء من الجراح، والعبد يقتل بالحر، والحر لا يقتل بالعبد. وقال الشافعي: من جرى عليه قصاص في نفس جرى عليه القصاص في الجراح، ولا يقتل الحر بالعبد، [ولا نقيد منه فيما دون النفس]، وقول الله: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى) يوجب القصاص على المؤمن في كل قتيل العموم لفظه، قإن قال فقوله: (فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ)، يدل على أن المراد القتلى من المؤمنين، لأن الكافر لا يكون أخا للمؤمن، قلنا: يحتمل أن يذكر لفظا عاما ثم يعطف عليه بحكم خاص، كما قال: (وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ) وهو عام في المطلقة ثلاثا، وما دونها، ثم قال: (وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ) فعطف عليه بحكم يختص بعض المطلقات على أن يكون العبد أخا للحر في الإيمان، فإن قيل: (الْحُرُّ بِالْحُرِّ) يدل على ما ذكرنا، قلنا: لا خلاف أن الحكم ليس بمقصور على هذا دون غيره، لاتفاق الجميع على جواز قتل العبد بالحر وقال (وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ) يعنى: الإنسان، لأن النفس على الحقيقة لا تقتل، والحق هاهنا القصاص، أي: لا تقتلوه قصاصا. الخامس: الرُّوح، قال: (أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ) أي: أرواحكم، والمعنى إنا نخرجها، كما تقول للرجل وأنت تقتله: انزع الآن روحك، وليس نزع روحه إليه. السادس: آدم ﵇، قال الله: (خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ) فأنث على اللفظ، وهو الوجه، وأنت تقول: أتاني إنسان واحد يعني: امرأة، وشربت شرابا طيبا، وأنت تريد الخمر.

стр. 447

النصيب أصله ما يخص الإنسان عن مقاسمة كأنَّه تصد له ليأخذه، ثم استعمل في غير ذلك، والفرق بينه وبين الحظ، أن الحظ ما يرتفع به الإنسان، ولهذا يقال: لفلان حظ في التجارة، ولا يقال: له نصيب فيها. والنصيب في القرآن على وجهين: الأول: الحصة من الثلث، وهو قوله تعالى: (وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ) قد تم الكلام عند ذلك؛: (وَلِكُلٍّ) يعني التركات، والموالي: أقارب الميت، لأنهم أولى بالميراث، وفي الآية حذف، فالمراد: لكل شىء من الميراث أصحابهم أولى فاقصروه عليه ثم ابتدأ، فقال: (وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ) يعني: من الثلث، ويريد الحلفاء، وهو مثل قوله: (إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا) وقِيل: يعني: نصيبهم من النصر والمؤازرة. الثاني: الجزاء، قال: (لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْ) أي: لهم جزاء بما عملوا ونحوه،: (أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا) يعني: الثواب، وقوله: (أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ) يعني: العقاب، وفي هذه الآية وجوه أخرى ذكرناها في التفسير.

стр. 448

النكاح أصل النكاح الجماع، ومنه قول العرب في بعض أمثالها: أنكح من خوات أي: أكثر مجامعه، وله حديث معروف ويروى عن بعض نسائها أنه كان يقال لها، فيقول نكح يريد الجماع، ثم استعمل في التزويج، ومنه قول حكيمها المناكح: الكريمة مُدرَجَة لِلشرفِ ويقال: أنكح الرجل المرأة إذا جامعها، ونكحت المرأة الرجل إذا تزوجته من قوله: (فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ) وجاء في القرآن على وجهين: فأما ما جاء بمعنى التزويج، فقوله تعالى: (إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ) أي: تزوجتموهن؛ لأنه ذكر عدم الدخول

стр. 449

فلا نشك في أنه أراد التزويج، وقال: (فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ) أي: تزوجوهن؛ لأن الزوج لا يلزم أن يجامع امرأته بإذن أهلها. والوجه الآخر: قوله: (وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ) أراد الجماع، وذلك أن الرجل إذا مات وله امرأة قال وارثه: قد ورثت امرأته كما ورثت ماله وألقى عليها ثوبا فيملك بذلك نكاحها على الصداق الأول بغير عقد ثان، والتزويج إنما هو اسم، وكان الولد الذي يكون بينهما يقال له: المقتي. وقال الله تعالى: (إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا) والمقت اسم يجمع للبغض والاستقباح، ومقت فلان نفسه إذا ذمها على قبيح، والمعنى أن ذلك معصيته يمقتها اللَّه. وقال أبو الحسن: جميع ما في القرآن من ذكر النكاح فهو التزويج إلا حرفا واحدا في سورة النور، وروي عن بعضهم أنه أراد الجماع، وهو عند غيره أراد التزويج. قال أبو هلال ﵀ هو قوله: (الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً) قال أبو بكر: لا تخلوا الآية من أن تكون خبرا أو نهيا، وقد علمنا أنه ليس بخبر؛ لوجودنا رأينا بتزويج غير الزانية فثبت أنه أراد النهي ثم لا تخلوا أن تكون نهيا عن الوطء أو العقد أو عنهما جميعا؛ ولا يجوز أن يكون المراد العقد، لأن حقيقة النكاح الوطء. ولا يجوز حمل الكلام على المجاز دون الحقيقة من غير دلالة فثبت أن المراد الوطء على ما يقوله ابن عبَّاس، ومن تابعه أو تكون الآية منسوخة على ما يقوله سعيد بن المسيب، وغيره. وقال في قوله: (وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ) حقيقة النكاح الوطء، فكأنه قال: [ولا تنكحوا ما وطئ آباؤكم في كل وطء حراما كان أو حلالا؛ كما أن الضرب والقتل ولا يختص بالحلال من ذلك دون الحرام].

стр. 450

ويدل على أن الاسم حقيقة في الوطء، ومجاز في العقد، أن سائر العقود من البياعات والهبات ولا يسمى نكاحا، وإن كان قد يتوصل بها إلى وطء الجارية، إذ لم تختص هذه العقود بإباحة الوطء " لأنَّهَا تصح فيمن يخطر وطؤها كالأخت من الرضاعة، ومن السبب وكأُمِّ الزوجة، وسمي العقد المختص بإباحة الوطء نكاحا إذ من لا يحل للرجل وطؤها؛ لا يحل له نكاحها. ويدل على هذا ما قاله غلام ثعلب، قال: الذي حصلناه عن ثعلب عن الكوفيين والمبرد عن البصريين أن النكاح من الجمع بين الشيئين، تقول العرب: أنكحنا الفراء فسنرى، وهو مثل ضربوه في الأمر يجتمعون على المشورة فيه، ثم ينظر عن ماذا يصدرون منه، والمعنى جمعنا بين الحمار والأتن لننظر ما ينتج هذا الجمع إذا كان اسما للجمع، فهو حقيقة في الوطء؛ لأنه هو الجمع حقيقة دون العقد.

стр. 451

النظر أصله في العربية المقابلة، يقال: داري ينظر إلى دارك، أي: يقابلها، والدار أن يتناظران أي: يتقابلان، والنظر بالعين الإقبال بها حيال المرئي، ونظر القلب الإقبال إلى أحوال ما تطلب معرفته. وقال علي بن عيسى: النظر طلب ظهور الشيء، والناظر الطالب لظهور الشيء، والله ناظر لعباده بظهور رحمته إياهم، ويكون الناظر الطالب لظهور الشيء بإدراكه من جهة حاسة البصر أو غيرها من حواسه، ويكون الناظر إلى لين هذا الثواب من لين غيره. والنظر بالقلب نظر العلم من جهة الفكر والتأمل لأحوال الأشياء، ألا ترى أن الناظر عل هذا الوجه لابد من أن يكون مفكرا؛ إذا المفكر على هذا الوجه سمي ناظرا، وهو معنى غير الناظر والمنظور فيه، ألا ترى أن الإنسان يفصل بين كونه ناظرا وكونه غير ناظر، ولا يوصف القديم بالنظر؛ لأن النظر لا يكون إلا مع فقد العلم، ومعلوم أنه لا يصح النظر في الشيء ليعلم إلا وهو مجهول، والنظر يشاهد، ولهذا نفرق بين نظر الغضبان ونظر الراضي. والنظر في القرآن على ثلاثة أوجه: الأول: النظر بالعين، وهو قوله: (أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ) وقوله: (انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ) فكأن موسى يعلم أن الله لا يرى بالأبصار، ولكن سأل ذلك ليجيء الجواب من الله؛ لتكون أوكد للحجة على قوم من أمته سألوه ذلك.

стр. 452

الثاني: الإمهال والتأخير، وهو قوله: (فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ) وناظرة هاهنا مصدر وفاعله في المصادر كثير مثل العافية والعاقبة والكاذبة في قوله تعالى: (لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ (٢) خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ (٣).، والواقعة، ورفع - ناظرة على إضمار كأنَّه قال: فالواجب ناظرة أو فعتكم ناظرة، ومثله: (فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ) وقرئ: (فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ) وهي التأخير، وقد أنظرته أخرته لينظر في أمره؛ أي: إن كان الذي عليه أصل المال [معسرا، فالواجب عليه تأخيره إلى أن يوسر]، وأن تصدقوا بالمال على المعسر خير لكم، قال مجاهد: كانوا إذا حلَّ دَينهم وصادفوا المديون معِّسرا [زادوا فيه] وأنظروه فأمره اللَّه بالإنظار، وأبطل الزيادة. الثالث: النظر بمعنى الرحمة، وهو قوله تعالى: (وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) أي: لا يرحمهم، كقول العربي انظر إلى نظر اللَّه إليك، أي: ارحمني رحمك الله، وعدى النظر بـ إلى، وإن كان بمعنى الرحمة فكذلك عداه بإلى في قوله: (إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ) وإن كان بمعنى الانتظار (١).

стр. 453

النجم أصل النجم الطلوع، نجم القرآن إذا طلع، وسُمِّي النجم نجما لطلوعه، والنجم من النبات ما ليس له ساق تبقى في الصيف، والشجر ما له ساق يبقى في الصيف، وأصل الكلمة الظهور والبروز، ومنه أنجم السحاب إذا أقلع فظهر أديم الماء ومنجما الفرس، العظمان الناتيان وون العرقوبين، وسميا بذلك لظهورهما. والنجم في القرآن على وجهين: الأول: الكوكب، قال اللَّه: (النَّجْمُ الثَّاقِبُ) والثاقب المضيء مأخوذ من ثقوب النار، وهو ضوءها، وقيل: ثاقب كأنَّه يثقب الأفق؛ فيطلع، وقوله: (وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ) والعلامات الجبال والرمال والروابي، وما شاكل ذلك، وقوله: (فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ) أي: أقسم برب مواقع النجوم؛ وهي مساقطها في المغرب، ومنه: (لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ) معناه لأن لا يعلموا و (لا) يدخل في هذا الموضوع توكيدا؛ كأنَّه قال: أقسم قسما بعد قسم، ولأن لا يعلم أهل الكتاب علما بعد علم، هذا قول، وأجود منه أن يقال: لا يأتيه، والمعنى أن الأمر الذي ذكره أمر ظاهر ثابت في العقول؛ [لا أحتاج أن أقسم عليه، وسنتكلم في قوله: (لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ). وقيل: (وَبِالنَّجْمِ) أي: وبالنجوم هم يهتدون، ويجوز أن يكون أراد الثريا، واسمها عند العرب النجم، وربما قالوا لها: النظم قال بعض المفسرين: أراد نجوم القرآن، وذلك أنه كان تنزل الآية، والآيتان.

стр. 454

قال ومثله: (وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى) يعني: نجوم القرآن إذا هوى به جبريل ﷺ أي: نزل وليس هذا بوجه مختار؛ لأن الظاهر لا يترك لغير علة. الثاني: النبت، قال اللَّه: (وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ) أي: يدلان على خالقهما بآثار الصنعة فيهما فكأنما يسجدان له، وقيل: سجودهما دوران الظل معهما كما قال: (يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ) وإنما ذكر السجود؛ لأنه أبين أحوال الخضوح وهو مشاهد، ومن عادة العرب أن يشبه الشيء الذي يقع عليه البصر بما يقع عليه البصر حتى يكون السامع به كالرائي له، وعلى هذا جاء قوله - تعالى: (فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى) أي هو بمنزلة من قد استمسك بالعروة الشديدة المأمونة الانقطاع، ومن ذلك قولهم: فلان من شجرة صالحة لما كانت الشجرة على أصل يتشعب منه غصونها، شبه أبو العشيرة التي تجمعها بها وجعلت أغصانها كولده، ونحوه قوله: (أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ) وتأويله العز والمنعة كما يفعل الأركان.

стр. 455

النشوز أصل النشوز الارتفاع، والنشز الأرض المرتفع، وقرئ: (وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا) أي: ترفع بعضها على بعض حتى تستوي القامة، فكأن المرأة إذا نشزت عن زوجها كأنها ارتفعت عنه، فلم ينلها الزوج. والنشوز في القرآن على ثلاثة أوجه: الأول: نشوز المرأة على زوجها، وهو عصيانها له، قال: (وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ) وقد تكلمنا في هذه الآية. الثاني: الأثرة، قال اللَّه: (وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا) وهو أن يؤثر عليها غيرها من نسائه يقول: لا إثم عليها أن يتصالحا على أمر يتفقان عليه مثل أن يصطلحا على إيثار غيرها عليه ولا يفترقا: (وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ) أي: المرأة تشح على نصيبها من زوجها، ويشح الزوج بنصيبه من الأخرى. قال أبو علي ﵀: الصلح أن تدفع المرأة إلى زوجها شيئا ترضيه به وله أن يأخذ ذلك إذا لم يكن في الأصل ظالما لها. وقال غيره: أراد الاصطلاح على مال يدفعه الرجل إلى امرأته الكبيرة ليترك حظها منه للشابة. وقال غيره: أراد النشوز إذا وقع من الرجل استكثارا للصداق فلا جناح عليهما أن يصطلحا على بعضه، وقيل: هي المرأة يكرهها الرجل فتقول: لا تطلقني وأنت في حِلٍّ من أمري.

стр. 456

والنشوز يكون من المرأة بمنع البضع ومن الرجل [رخو الطرف ومنع النفقة] والامتناع عن المباشرة، والصلح خير يعني أنه خير له من الفرقة، وقد استقصينا بيان هذا في التفسير. الثالث: النهوض من المجلس، قال الله: (وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا) أي: إذا قيل لكم: انهضوا فانهضوا، كما قال تعالى: (وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ) وقيل: معناه إذا قيل مكنوا لإخوانكم في المجلس فافعلوا، ويقال: فرس نشز إذا كان فارسه لا يكاد يستقر عليه.

стр. 457

النور قد ذكرنا أن أصل النار والنور واحد وهو البياض، وإنما غير البناء لاختلاف المعنى. وهو في القرآن على ثمانية أوجه: الأول: الإسلام، قال اللَّه: (يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ). وقوله: (يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ) والهداية هاهنا بمعنى الألطاف يعطيها اللَّه من يشاء على قدر المصالح، وكذلك قوله: (وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ). الثاني: بمعنى المنور، قال تعالى: (اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) أي: منورهما بالهداية إلى الدين فلما كان أهل السماوات والأرض يهتدون بالله في ذلك كما

стр. 458

يهتدون بالنور قال إنه: (نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ)، على وجه المجاز، وقد دلت العقول على أنه ليس بنور على الحقيقة؛ لأنه خالق الأنوار، ولو كان الله نورا على الحقيقة لما أظلمت الدنيا أبدا؛ لأن الله موجود ومع وجود النور لا تكون الظلمة ثم شبه نوره بمصباح أي: مثل دلالاته الخلق في وضوحها كمثل المصباح، ولا يجوز أن يشبه نفسه بالمصباح؛ لأنه لا شبيه له. الثالث: النهار، قال الله: (وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ) يعني: الليل والنهار. الرابع: ضوء القمر، قال اللَّه: (وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا). وقال أهل العربية: يجوز أن يكون: (فِيهِنَّ نُورًا)، وهو في السماء الدنيا؛ لأنهن كالشيء الواحد. وجاء في التفسير أن وجه الشمس يضيء لأهل الأرض وظهرها لأهل السماء، وقال بعضهم: (فِيهِنَّ نُورًا)، أي: معهن ضياء يستضيء به أهل الأرض. الخامس: قوله تعالى: (انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ) وقوله: (يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ) وهو نور يجعله الله للمؤمنين يمشون فيه إلى الموقف وعلى الصراط. السادس: بيان الحلال والحرام، قال الله: (إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ) ومثله: (قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ). السابع: القرآن، قال: (وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا) وقال: (وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ) وقوله: (جَعَلْنَاهُ نُورًا) وسُمِّي نورا للبيان الذي فيه؛ لأنه يهتدي به كما يهتدي بالنور.

стр. 459

الثامن: العدل، قال الله: (وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا) أي: بعدله، وإذا كان الظلم وغيره من الشدائد يشبه بالظلمة فنقول: هذا يوم مظلم إذا كان فيه شر، والوجه أن للَّه العدل بالنور، وقال النبي ﷺ " الظلمُ ظلماتٌ يومَ القيامةِ " (١).

стр. 460

الباب السادس والعشرون فيما جاء من الوجوه والنظائر في أوله واو الوكيل أصله التوكيل جعل الأمر إلى الغير، ورجل وكل أي ضعيف يتكل في أموره على غيره، والوكيل في أسماء الله بمعنى الكافي وبمعنى الحافظ، وقيل: هو على التشبيه له بالوكيل منا، وذلك أن جميع ما يفعله من الخير إنما يفعله منفعة للعباد [كما أن جميع سعي الوكيل إنما هو للموكل]. والوكيل في القرآن على أربعة أوجه: الأول: الحافظ، قال اللَّه: (أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا) أي: إن حفظوا وذب عنهم في الدنيا فمن الذي يحفظهم ويذب عنهم في الآخرة، ومعنى لفظ ْالاستفهام هاهنا أنه ليس للعصاة يوم القيامة ناصر يذب عنهم، وقال: (وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا) أي: حفيظا. الثاني: بمعنى الرَّب، قال:، (أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا) وقال: (فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا) وهو يرجع إلى الحفظ؛ لأن رب الشيء يحفظه.
следующие страницы →