مالك بن نبي
مشكلات الحضارة
***************
مشكلة الأفكار
في العالم الإسلامي
دار الفكر المعاصر- بيروت لبنان
دار الفكر-دمشق سورية
стр. 2
مالك بن نبي
مشكلات الحضارة
مشكلة الأفكار
في العالم الإسلامي
ترجمة:
الدكتور بسام بركة
الدكتور أحمد شعبو
إشراف وتقديم المحامي عمر مسقاوي
دار الفكر المعاصر- بيروت لبنان
دار الفكر-دمشق سورية
стр. 3
إعادة
١٤٢٣هـ = ٢٠٠٢م
ط١: ١٩٨٨م
стр. 4
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
في عام ١٩٧١، ترك أستاذنا مالك بن نبي، ﵀، في المحكمة الشرعية في طرابلس لبنان، وصية سجلت تحت رقم ٢٧٥/ ٦٧ في ١٦ ربيع الثاني ١٣٩١ الموفق ١٠ حزيران ١٩٧١، وقد حملني فيها مسؤولية كتبه المعنوية والمادية.
وتحملاً مني لهذه الرسالة، ووفاء لندوات سقتنا على ظمأ صافي الرؤية، رأيت تسمية ما يصدر تنفيذاً لوصية المؤلف بـ (ندوة مالك بن نبي).
وهي مشروع نطرحه كنواة لعلاقات فكرية، كان ﵀ يرغب في توثيقها.
وإنني لأرجو من أصدقاء مالك وقارئيه، مساعدتنا على حفظ حقوق المؤلف في كل ما ينشر بالعربية أو الفرنسية مترجماً من قبل المترجمين أو غير مترجم. فقد حمّلني، ﵀، مسؤولية حفظ هذه الحقوق، والإذن بنشر كتبه. فإن وجدت طبعات لم تذكر فيها إشارة إلى إذن صادر من قبلنا، فهذه طبعات غير مشروعة، ونرجو إبلاغنا عنها.
طرابلس لبنان
١٨ ربيع الأول ١٣٩٩
١٥ شباط (فبراير) ١٩٧٩
عمر مسقاوي
стр. 5
تقديم
هذا الكتاب
نقدمه في ترجمته الجديدة وثوبه الجديد. قد اعتمدنا أصله الفرذسي الذي استلمته مكتوباً على الآلة الكاتبة من المؤلف ﵀، مصححاً بخطه مراجعاً منه.
لقد طلبت إلى كل من الدكتور بسام بركة والدكتور أحمد شعبو، أستاذَي الأدب الفرنسي في الجامعة اللبنانية، العناية بترجمته من جديد.
ثم إني راجعت الترجمة، فقابلت بينها وبين أصلها باللغة الفرنسية، فتخيرت لنسقها أسلوباً موحداً هو أقرب إلى نهج الأستاذ مالك في الكتابة، مستعيناً بخبرة اكتسبتها من مصاحبتي له في القاهرة، حين توفر على إخراج كتبه بالعربية، وهو يشرف ويدقق في أعمال الترجمة في نهاية الخمسينات، بل حين اختار أخيراً الكتابة باللغة العربية مباشرة.
ولقد رغبنا في مزيد من توضيح أفكار الكتاب، فأضفنا إلى كل فصل حواشيَ تُعَرِّف بالأعلام والمواقع، وتضيف إلى تحليلات بن نبي خلفية تسبر مراميها، وتكشف أحداثها.
فعسى أن يكون عملنا مع الزميلين المترجمين قد أوفى بالمهمة، وأوسع للهدف الذي من أجله وضع الكتاب.
ولسائل أن يسأل عن الفائدة من إعادة الترجمة، بعدما قام بترجمته في مصر
стр. 6
الأستاذ محمد عبد العظيم علي، وتولت طبعه دارالفكر في بيروت عام ١٩٧١م.
وجوابي على ذلك أنني منذ توليت الاضطلاع بمسؤولية إنتاج بن نبي بناء لوصيته، واتفقت مع دار الفكر في دمشق على إخراج مؤلفات بن نبي في ثوب جديد، كنت أطمع في ترجمة جديدة لهذا الكتاب تلتزم أصوله ونصوصه، ولا تجحد جهود الترجمة السابقة وأمانتها.
وقد زكى هذا الاتجاه ما انتشر من طبعات متناثرة لتلك الترجمة عبر دور نشر غير مأذون لها. فأردنا أن نمنح هذا الكتاب حلة جديدة وجهداً جديداً يرفد وضوح الأفكار التي اشتمل عليها.
ولأن المؤلف- ﵀ كان متأثراً في شرح أفكار هـ ببعض معطيات أحاطت به زمن التأليف، وأدلت بها أحداث نهاية الستينات، فقد بدت الإشارة إلى بعض الأشخاص من الأحياء حكماً يجلو للقارئ نسق تحليله لمشكلة الأفكار في العالم الإسلامي، التي هي المحور الذي يجمع أطراف الكتاب.
ولأنه لم يكن لتلك الأحكام معنىً أبعد من ضرب الأمثال، لم نجد فائدة من العودة إلى ذكر الأسماء ذاتها، إلا ما كان لابد منه لاستقامة السياق ووضوح التحليل.
نقول هذا ونحن في فسحة مما تركه المؤلف لنا من خيار؛ خيار لا يجاوز بحالٍ وفاءنا لأفكار هـ والتزامنا بتبليغها كما تركها نَقِيَّةً من كل تحريف غَنيَّةً بكل توضيح.
فالقارئ هدف المؤلف أينما كان وفي أي موقع كان. وهو لذلك هدفنا نبلغه فكر بن نبي من أقرب السبل وأوثقها أتصالاً وأبعدها مرمىً في ضميره. فكل ما يشوب سبلنا إليه مما يعلق بالفكرة ولا يمازجها فنحن في سعة من أمرنا فيه.
стр. 7
ثم إن هذا الكتاب قد جمع زبدة ما أنتج بن نبي، إذ طالما كانت الإرادة الحضارية طوع الفكرة كما يقول في تضاعيف مؤلفاته، فإننا إزاء عصر التلقين المستبد بتصوراتنا ومفاهيهنا نواجه انهيار هذه الإرادة حتى لا تقوى على احتضان المصير.
والصراع الفكري يجد إطاره الأوسع في البلاد المحكومة بشبكة من الإيحاءات، تُدْلي بها مراصد الاستعمار، لتصنع مُتَقلَّبَ الأحداث وسوء مُنْقَلبها حيال كل نهضة فاعلة في عالمنا الإسلامي.
فالمشكلة مشكلة أفكار في النهاية، بها ننظم خطانا في ثبات الأديم، وندفع طاقتنا في مضاء العزيمة، ونحشد وسائلنا في وثيق الإنجاز.
والحضارة إذا كانت في عناصرها الأساسية: الإنسان، التراب، الزمن. كما يشرح بن نبي في مؤلفاته. والثقافة إذا كانت في مهمتها أسلوب حضارة تحرك الإنسان ووسائله عبر القنوات الأربع: المبدأ الأخلاقي، الذوق الجمالي، المنطق العملي، التقنية، فإن مسيرة الحضارة هذه تسير بالمجتمع قُوّةً وضعفاً، دَفْعاً وهَوْناً، صُعوداً وهبوطاً، تبعاً لدرجة تمحوره حول الأفكار أو حول الأشياء المحيطة به.
إن لكل حضارة نمطها وأسلوبها وخيارها. وخيار العالم الغربي ذي الأصول الرومانية الوثنية قدى جَنَح بصرُهُ إلى ما حوله مما يحيط به: نحو الأشياء.
بينما الحضارة الإسلامية عقيدة التوحيد المتصل بالرسل قبلَها، سَبَح خيارُها نحو التطلع الغيبي وما وراء الطبيعة: نحو الأفكار.
وتستوي الحضارة على ظَهْرِ التاريخ كلما كانت في تَوازنٍ فَعَّال يدلي بنتائجه في أفكار موضوعة تستلهم أصوله ونماذجه. أي أفكار هـ المطبوعة الأصيلة. فإذا ما فقدت الأفكار المطبوعة في نَماذِجها الأساسية إلهامَها، وافتقدت الأفكار ُ الموضوعة
стр. 8
استلهامها لتلك النماذج، أصاب الخلل المسيرة وجَمَح بها ظهْرُ التاريخ فأصبحت شروداً تغالي في الانحراف.
((فالفكر الغربي يجنح على ما يبدو أساساً إلى الدوران حول مفهوم الوزن والكم، وهو عندما ينحرف نحو المغالاة يصل حتماً إلى الماديَّة في شكليها: الشكل البورجوازي للمجتمع الاستهلاكي، والشكل الجدلي للمجتمع السوفياتي.
وحينما يكون الفكر الإسلامي في أفوله كما هو شأنه اليوم، فإن المغالاة تدفعه إلى التصوف والمبهم والغامض وعدم الدقة والتقليد الأعمى والافتتان بأشياء الغرب)).
غير أن هذه النتيجة ليست هي المدار الأصلي في اندفاع الحضارة الإسلامية، كما وضعها القرآن الكريم. فالإسلام دفع الرؤية الغيبيّة في إطار الحياةِ لِتوثيق الروابط الاجتماعية وتمحورها حول فكرة الخيْر، التي يجب أن تُقارِنَ كُلَّ قواها وكل فعل. وهذا ما يعطي للرابط الاجتماعي النابع من الفكر الإسلامي طابعاً خاصاً يجعل وجود ما يسمى ((التناقضات في وسط الجماهير ظاهرة غير قابلة للتفسير في المجتمع الإسلامي ".
فلكي ندرك واقع المجتمع الإسلامي المعاصر علينا أن نحدد مرحلته التاريخية وموقعه من دورة الحضارة. وهذا ما فات الكتّاب الغربيين الذين يجهلون لحظات انبثاق الحضارة وَسكَرات أفولها.
فهناك مرحلة يكون المجتمع فيها بدائياً فقير الوسائل، فإذا ما أدركته فكرة جوهرية تستقطب روحه، اندمج في دورة التاريخ واندفع جهده اليومي نحو مثل أعلى يجعل لأفكار هـ دوراً وظيفياً ((لأن الحضارة هي القدرة على القيام بوظيفة أو مهمة معيّنة)) وهناك مرحلة يخرج فيها المجتمع من دورة الحضارة، ويصبح ما بعد الحضارة مُثْقَلاً بديون خَلَّفتها عصور حضارته السابقة، وهي
стр. 9
تتصرف برصيدها الروحي. هنا تصبح المشكلة أشد تعقيداً لأن علينا أن نتخلص من تلك الديون التي أفلس بها مخزون المجتمع الروحي ومخزونه التِقَنِيُّ حيال وسائله، وهذه هي مرحلة مجتمعنا الإسلامي.
فإرادة الفرد تنبع دائماً من الإطار العام للمجتمع الذي هو جزء منه، وكلما كان المجتمع متماسكاً وللأفكار فيه دور وظيفي انتظمت إرادة الفرد في اطِّرادها وتنافست الجهود في مسيرتها المتناغمة. وهكذا فإن المجتمع وقدرته ((تُضيفان صفة الموضوعية على وظيفة الحضارة)).
فالطاقة الحيوية في غرائز الفرد شَرودٌ لا تندمج بطبيعتها في مسيرة الجماعة.
وهي من ناحية أخرى لابد لها من اندماج اجتماعي تجد فيه خِصْبَ إشباعها. فالعمل الجماعي والغريزة المطلقة متناقضان، لكننا لا نستطيع أن نلغي الطاقة الحيوية من ناحية ولا المجتمع من ناحية أخرى ((فعندما نلغي الطاقة الحيوية فإننا نهدم المجتمع، وعندما نحررها تحريراً كاملاً فإنها تهدم المجتمع. لذلك يتوجب على الطاقة الحيوية أن تعمل بالضرورة ضمن هذين الحدين)).
فوظيفة الحضارة هي العمل ضمن هذين الحدين اللذيْن فيهما تَتَكَيَّفُ الطاقة الحيوية لتتأهب للانطلاق في دورة التاريخ.
هنا إذن ندخل في عالم الأفكار الذي يَرْبِطُ على الغريزة، لِتُرابِطَ الطاقة الحيوية في خدمة المجتمع والتاريخ.
فهناك أفكار رائدة تحتضن نشاط المجتمع، وهي في مرحلة انبثاق مخزونه الأخلاقي الذي توظفه الفكرة الدينيّة الملهمة. وهناك أفكار عملية توجه النشاط، وهي في ساعة الاندفاع وسائله التقنية المتاحة له في وسطه ((فعلى عتبة حضارة ما، ليس هو عالم الأشياء الذي يتبدل، بل بصورة أساسية عالم الأشخاص)) وشبكة العلاقات الجديدة هي التي تضع للطاقة الحيوية الغرِيزية حدود نشاطها.
стр. 10
والإنسان حينما ينَظِّم شبكة علاقاته الاجتماعية بوحي الفكرة في انبثاقها، فإنه يتحرك في مسيرته عبر الأشخاص والأشياء المحيطة به فيتخذ العالم الثقافي إطاره في إنجاز هذه المسيرة، ويأخذ طابعه تبعاً للعلاقة بين العناصر الثلاثة المتحركة: الأشياء، الأشخاص، الأفكار.
فهناك توازن لابد منه بين هذه العناصر الثلاثة يسكب مزيجها في قوالب الإنجاز الحضاري، فإذا ما استبدَّ واحد من هذه العناصر وطغى على حساب العنصرين الآخرين فثمة أزمة حقيقيَّة في مسيرة الحضارة تلقي بها خارج التاريخ فريسة طغيان الشيء أو طغيان الشخص.
((ففي بلد متخلف يفرض الشيء طغيانه بسبب ندرته، تنشأ فيه عقد الكبت والميل نحو التكديس الذي يصبح في الإطار الاقتصادي إسرافاً محضاً.
أما في البلد المتقدم وطبقاً لدرجة تقدمه، فإن الشيء يسيطر بسبب وفرته ويُنْتِج نوعاً من الإشباع. إنه يفرض شعوراً لا يُحتمل من الشؤم البادي من رتابة ما يرى حوله، فيولد ميلاً نحو الهروب إلى الأمام الذي يدفع الإنسان المتحضر دائماً إلى تغيير إطار الحياة و (الموضة))).
لكن طغيان الشخص يؤدي إلى نتائج في الإطار السياسي والاجتماعي تهدم في بنيان الفكرة حينما تتجسد فيه. وكثيراً ما تعمد مراصدُ الرقابة في حركة العالم الثالث إلى دفع هذا الاتجاه المرضي إلى نهايته في عقول الجماهير لتُحَطِّم الفكرة البَنَّاءة من وراء سقوط الأشخاص الذين يمثلونها في النهاية، وتدفع الجماهير للبحث عن بديل للفكرة الأصيلة من الشرق والغرب عبر بطل جديد.
فعدم التوازن بين العناصر الثلاثة يفضي إلى انهيار المجتمع ((والمجتمع الإسلامي يعاني في الوقت الحاضر بصورة خاصة من هذه الاتجاهات، لأن نهضته لم يُخَطَّط لها، ولم يفكر بها بطريقة تأخذ باعتبارها عوامل التبديد والتعويق، فمثقفو
стр. 11
المجتمع الإسلامي لم ينشئوا في ثقافتهم جهازا للتحليل والنقد إلا ما كان ذا اتجاه تمجيديّ يهدف إلى إعلاء قيمة الإسلام)).
والمجتمع الإسلامي لا يدرك بالتالي حركته وأصالة مصادره. فهو لذلك يعيش في حالة نفسية تخلط بين الأصالة والفعالية.
ذلك أن العالم الصناعي الغربي اليوم فَعَّال وتمتد فعاليَّته لتحتويَ العالم بأسره، لكنه ليس أصيلاً؛ أي أنه لا يرتكز إلى مبادئ صحيحة موضوعياً. وهذا سر أزمته في العالم المعاصر.
((فالأصالة ذاتية وعينيَّة وهي مستقلة عن التاريخ))، وبالتالي فليس بالضرورة أن تُدْلِيَ صِحَّتُها إلى فعَّالِيَّة مستمرة في مسيرة التاريخ.
((فحين تبصر النور الأفكار ُ التي صنعت تاريخ العالم، فإنها دائماً فعالة طالما أنها أثارت العواصف وشيَّدت شيئاً أو هدمته، أو أنها اكتفت بقلب صفحة من تاريخ الإنسانية. وليست هذه الأفكار بالضرورة صحيحة بأكملها فالفكرة تكون صحيحة أو باطلة في المجال العقيدي والمنطق العلمي والاجتماعي)).
ولأن النخبة المسلمة لا تملك جهازاً يُميِّز بين فعالية الفكرة وأصالتها سواء في الإطار العلمي والتقني، حيث تكتسب العلم من جامعات الغرب، عبر الكتاب لا عبر الحياة وأصالة المعرفة، أو في الإطار الاجتماعي السياسي حيث تُقَلِّدُ تجارب الآخرين واطراد مسيرتهم الخاصة بهم، فإن في تكوينها ((خلطاً يُرثى له بين مظهرين متميزين لفكرة واحدة: أصالتها وفعاليتها)) ((والأساتذة الكبار الذين يمسكون بأسرار ووسائل هذا الصراع يعرفون تماماً كيف يستفيدون من هذا اللَّبْس حين يُقابلون أمام أنظار شبابنا الجامعي بين أصالة الفكرة الإسلامية وفعَّاليَّتها)).
стр. 12
لذا فإن على المجتمع الإسلامي في مواجهة العصر أن يعطي لأصالة فكرته فعَّالِيَّةً تضمن لها النجاح. إنه مدعو لأن يستعيد تقاليده العليا ومعها حِسُّ الفعالية.
وبدلاً من أن يغرق في تمجيد أصالة فكرته، لابد له أن يبحث عن وسائل فعاليتها في عصرنا الحديث. والمسألة مسألة مناهج وأفكار، وإن لنا في نهضة الدول؛ كاليابان في منتصف القرن التاسع عشر، والصين في منتصف القرن العشرين، مثالاً على كيفية الاقتباس من العلوم الغربية وتوظيف حركة المجتمع في فعالية تَستَمِدُّ أصالتها من نماذجها الخاصة بها.
وإذا كان لابد لنهضتنا من ثورة تحرّك الطاقة، فالثورة ليست كل شيء، إذ يمكن أن يكون مصيرها عابراً غير محقق، إذا لم تمتلك جهاز رقابة وتصحيح يَسْتَمدُّ من أصالة الفكرة وموضوعية فعاليتها سُبُلَ تصحيحها.
فحينما يصبح الهدف في حركة الثورة: الحقيقة وأصالةَ الاتحاه: ((فإنَّ العلم الذي ينشد الحقيقة يصبح نظامًا أخلاقياً، لا يطيق الصبر على الخطأ من غير أن يجري التصحيح المطلوب. ويبدو أن البلاد الإسلامية لا يَروقُها أن تلقي نظرة خلفها)).
فالمشكلة مشكلة أفكار. والعالم الإسلامي منذ انحطاطه ما بعد عصر الموحدين يواجه مشكلة أفكار لا مشكلة وسائل.
فتراثه الذي ورثه من عصور الحضارة الإسلامية غدا أفكار اً ميتة. أما نماذجه الروحية التي تعود إلى العهد الأول فقد خانتها أفكار هـ الموضوعة التي خالفت عن نسق النموذج المطبوع الذي أرساه العصر الأول.
وحينما افتقد الإحاطة بمشاكل وولّى وجهه شطر العالم الغربي؛ فإن أفكار هـ
стр. 13
المقتولة بفعل الانحطاط قد استقدمت من الحضارة الغربية أفكار اً انبتّتْ عن جذورها وامتصتها مع سمومها القاتلة. فلا هي أدركت نمط الحضارة الغربية في اندفاعه التطوري الفَعَّال المستمد من أصالته المقيمة في حدودها الجغرافية، ولا هي أحيَت نماذجها الأصلية في انبثاقها الروحي.
وهكذا تضافرت أفكار ها الموروثة الميتة، والأفكار القاتلة المجتثة من جذورها الغربية، لتنتقم من هذا العالم كما ينتقم جسر سيِّءُ البناء بالانهيار على من بناه.
هذه الفكرة المحورية تجد تأصيلها في هذا الكتاب وهو يجمع زبدة التجربة التي خاضها، بن نبي عبر كتاباته وقد تمحورت حول مشكلة الحضارة في العالم الإسلامي والعالم الثالث على سواء.
فمالك بن نبي وقف فكره على مشكلة النهضة؛ النهضة التي تُقيل عثرة عالم أضرحى رهين إنتاج الآلة، قد طغت وفرة الإنتاج على طفرة الروح، فاستعبدت الإنسان وأحْكمت القيد.
وأخيرًا:
فإنني أشكر الزميلين الدكتور بسام البركة وأحمد شعبو، كما أشكر كل من عاونني على إخراج هذا الكتاب في حلته الجديدة وبالخصوص الصديق الدكتور محمد نديم الجسر.
طرابلس ٢٥/ ١٢/ ١٩٨٦ عمر مسقاوي
стр. 14
مقدمة
هذا كتابٌ شرعت في تأليفه منذ عشرة أعوام، وكنت أُقيم في القاهرة، وما أن استجمعت له في نفسي ومن حولي العناصر الضروريَّة لإتمامه، حتى أوقفني ظرف مفاجئ، لا مجال لروايته هنا خاصة في مقدمة كتاب. إنما يكفي أنْ أقول: إنّه ظرفٌ يتّصل بالصراع الفكريّ، وإنه اضطرني إلى تغيير برنامج عملي حين ألزمني بتأليف كتابٍ آخر لأواجه بالذات ذلك الظرف.
منذ ذلك الزمن توالت الأعوام، وكان استئناف العمل يُؤَجَّلُ عاماً بعد عام. حتى إذا زارني منذ عهد قريب صديقي الدكتور (عمّار طالبي) الذي عاد من مصر بعد أن أتمَّ دراسته فيها، وكان يعْلم حين كان طالباً في القاهرة الحال التي تركت عليها هذه الدراسة، فأقنعني إلحاحُه بأهمية إتمام ما بدأت به من عمل.
كنت أُدرك حينما قررت العودة إلى هذا العمل مقدار ما ضاع إلى الأبد من المسَوَّدة القديمة التي جَبَّرتُها على عَجَلٍ في القاهرة. بيد أني حينما تناولت مدوّناتي وجدت كلماتي بعينها رغم أني لم أجد فيها الموضوع الذي أردت أن أُضَمِّنَه إيَّاها.
كانت هذه مدوناتٍ ضَمَّنتها نقاطَ إرشادٍ، أو علاماتٍ تعينني على الاهتداء إلى العناصر الكامنة في نفسي؛ والتي كانت تتكامل بمن يحيط بي أو بما أستشفُّه على رفِّ مكتبة، أو أستقيه من مكان آخر.
لذا كانت مدوناتي ميِّتةً في مجملها؛ كعظامٍ نعثر عليها عند نبش قبرٍ قديم، وكان مضمونها يبدو لي بعيداً، وغامضاً غير أكيد، وأفضِّل أن أتركها للذكرى ...
стр. 15
وربما استطاع يومًا قارئها الصبور أن يكتشف في ثنايا صفحاتها الْمُصْفَرَّةِ خَيْطها المقطوع حين يتأمل صفحات هذا الكتاب وما وراءها، إذ سيكون له بمثابة خيط (أريان) (١) الذي يقوده بثقةٍ في مشكلة الأفكار في المجتمع الإسلامي.
فنحن هنا أبعد من أن نُقدِّم دراسة شاملة لهذه المشكلة، ولكن بسبرنا لغورها ولِبُناها الخاصَّة نعتقد أنَّ هذا الكتاب سيعطينا عن أهميتها فكرة أوضح، ليس فقط في المجتمع الإسلامي بل في كل مجتمع.
وبقَدْر ما نوفَّق في إبراز هذه الفكرة فإن الغاية المنشودة من هذا الكتاب تكون قد تحققت.
الجزائر ٢٢ نوفبر ١٩٧٠م
مالك بن نبي
стр. 16
الفصل الأول
الإجابتان عن الفراغ الكوني
- موقف الإنسان في عزلته: ماديّ (الثقافة الغربية) أو فكريّ (الثقافة الإسلاميّة).
- المسلم مكلَّف بحمل فكرة واحدة: حبِّ الخير، وكُرْهِ الشرّ.
ــ
إذْ يعتزل الإنسان وحيداً، ينتابه شعورٌ بالفراغ الكوني، لكنَّ طريقته في مَلْء هذا الفراغ؛ هي التي تحدِّد طُرُزَ ثقافته وحضارته؛ أي سائر الخصائص الداخلية منها والخارجية لوظيفته التاريخية.
هناك أساساً طريقتان لملء الفراغ.
فإما أنْ ينظر المرء حول قدميه، أي نحو الأرض.
وإما أنْ يرفع بصرَه نحو السماء.
فالطريقةُ الأولى تملأ وحدَته بالأشياء حيث يَجْمَح بَصَرُه المتسلِّط لامتلاكها.
والطريقة الثانية تملأ وحدته بالأفكار ويبحث عن الحقيقة بنظره المتسائل.
هكذا ينشأ عبر الطريقتين نموذجان من الثقافة:
ثقافةُ سيطرةٍ ذات جذور تقنية.
وثقافة حضارةٍ ذات جذور أخلاقية وغَيْبيَّة.
стр. 17
فالظاهرة الدينية تبدو حين يُوَجِّه الإنسان بصرَه نحوَ السماء. هنا يظهرُ الرسول: صاحب الدعوة والرسالة، أيْ ذلك الإنسان الذي يملك أفكار اً يريد تبليغها إلى الناس مثل أرمية، وعيسى، ومحمد ﷺ .
فأوروبة، مهدُ عديد من الرجال العظماء، تبدو مع ذلك خارج الظاهرة الدينية في مستوى تلك الرسالات، كما لو أن طبيعة الأوربي الممتلئة بآدميّته لا تدع مجالاً للألوهيَّة.
بالمقابل فإنّ الرجل الساميَّ يبدو مُهَيَّئاً للفكرة الغيبية؛ بحيث لم تدع الألوهيَّةُ في ذاته غير قليل من المشاغل الأرضيَّة.
ويأْتي في منتصف الطريق بين الساميَّة والآريَّة الشماليَّة، اليونان الذي يشغل عالَمه بالأشكال ويملأ وحدته بمشاعر الجمال حتى إنه ليسميه (الخير) كما لاحظ تولستوي في تأملاته العميقة حول الفن (١).
بالإجمال فإن أوربة رَكَّبت في مضمون ثقافتها مزيجاً من الأشياء والأشكال من التقنيّة والجماليَّة. بينما الشرقُ الإسلاميُّ رَكَّب في ثقافته مزيجاً من فكرتين: الحقيقةِ والخيرِ.
هذه الخطَّة لا تتوافق مع مرحلة معينة من التاريخ فحسب، بل مع سائر مراحله التي فيها يتداول كرقاص الساعة في دقاته المزدوجة، صعودُ الحضارة العالميَّة إلى القمة وهبوطها إلى الحضيض.
стр. 18
فحيناً تكون القمة لثقافة من تلك الثقافتين والحضيض للأخرى، وحيناً يكون العكس، وبينهما في المراحل الوسيطة نسجِّل فتراتِ إخصابٍ متبادل يَكتنفها لحظات اختلاط في البابليَّات التاريخية كما هو عصر بابل القرن العشرين (١).
تلكم هي الحضارة في أحيانها وتقلباتها: تكون في الأوج حضارةً تتركز فيها الأشياء حول فكرة حيناً، وحيناً تبلغ الأوج حضارةً أخرى تتركز فيها الأفكار حول الشيء.
وتبدو هذه الظاهرة بجلاء عندما يعبر الفكر عن نفسه بحرية كاملة، وتِلْقائيَّة تامة، دون مواربة أو سراديب بلاغية، وبتواصلٍ مباشر مع جذور الثقافة.
والأدب الشعبي كاشف في هذا المجال. بل الأدب في عمومه حتى المتَكلَّفُ منه يحمل مع ذلك تلك الخاصيَّة الشعبيَّة في طبيعة موضوعه.
وليس كالقصة تُجَلِّي عُمْقَ تلك الجذور.
ويمكن لتوضيح ما أسلفنا أن نأخذ نموذجاً: قصتين: الأولى (روبنسون كروزو) والأخرى (حي بن يقظان).
فبطلا القصتين المنعزلان؛ هما في الحقيقة المثلان اللذان يُعبِّران بوضوح عن نَمَطَي الثقافة.
стр. 19
فالأولى ينطلق بها دانيال دي فوي من محوٍ كاملٍ للوسائل (أي الأشياء) حينما يبدأ بطلُ قصته المغامرة (١).
والثانية ينطلق بها ابن طفيل من محوٍ كاملٍ للأفكار، حينما يتدرج في مراحل أحداثها.
ففي كلا القصتين تكمن العبقرية في الطريقة التي ملأ بها مؤلفاهما وقت عزلة بطليهما.
وهاكم طريقة استخدام الزمن ليومٍ واحدٍ، في حياة (روبنسون كروزو) على الجزيرة التي نجا بنفسه إليها بعد غرق سفينته:
((بدأت أُنظِّم وقت عملي وخروجي، وقت راحتي ونُزهاتي، وانطلاقاً من هذه القاعدة التي واظبت على مراعاتها، كنت أخرج في الصباح إذا لم يكن الطقس ممطراً، ومعي بندقيتي لمدة ساعتين أو ثلاث، ثم أعمل بعد ذلك إلى ما يقارب الساعة الحادية عشرة، ثم آكل ما كنت أستطيع الحصول عليه، وكنت أنام من الظهر حتى الساعة الثانية بسبب الحرّ المضني. وفي المساء كنت أستأنف العمل. لقد أنفقت وقتي كلَّه في ذلك اليوم، وفي اليوم التالي في صنع طاولةٍ لنفسي، ذلك أنني لم أكن آنذاك سوى عاملٍ بائسٍ، ولكن الزمن والحاجة جعلاني فيما بعد صانعاً ممتازاً)).
تلك شريحة من زمن (روبنسون كروزو) في عزلته في الجزيرة. فالوقت يجري منذ البداية في وقائع محسوسة. أكْل- نوْم- عَمَل. وهي وقائع تكمن في
стр. 20
طبيعة خاصة، تضع ثواني الزمن في خدمة اقتصادٍ شخصيٍّ نفعيٍّ بحْت.
فروبنسون كروزو يتغلّب على كآبة الوحدة بالعمل. وخلال هذا الوقت من ذلك اليوم فإنّ عالمَ أفكار هـ كلَّه يتركز حول (شيء): إنّها الطاولة التي كان يريد صنعها لنفسه.
أما بالنسبة لحي بن يقظان فإنّ مغامرة الوحدة تتخذ لها اتجاهاً مختلفاً تماماً. فهي لا تبدأ في الواقع إلا بعد أن نَفَقَتِ الغزالةُ التي تَبَنَّت الطفلَ المنعزل كأمّ ترعاه: ((فكان يرتاد بها المراعي الخصبة، ويجتني لها الثمرات الحلوة، ويطعمها. وما زال الهزال والضعف يستولي عليها ويتوالى، إلى أن أدركها الموت، فسكنت حركاتها بالجملة، وتعطلت جميع أفعالها، فلما رآها الصبيُّ على تلك الحالة، جزع جزعاً شديداً، وكادت نفسه تفيض أسفاً عليها. [ ... ] فكان ينظر إلى أذنيها وإلى عينيها فلا يرى بها آفة ظاهرة، وكذلك كان ينظر إلى جميع أعضائها فلا يرى بشيءٍ منها آفة. فكان يطمع أن يعثر على موضع الآفة فيزيلها عنها، فترجع إلى ما كانت عليه فلم يتأتَّ له شيء من ذلك ولا استطاعة)) (١).
لم يعثر حي بن يقظان على موطن الداء: لكن ابن طفيل يجعلنا نتتبع صعود ذهنه كيما يكتشف شيئاً فشيئاً (الروح) ثم (خلود الروح) وأخيراً (فكرة خالق).
منذ تلك اللحظة تتتابع المغامرة تأملاً يسمح لابن يقظان أن يَدْلُفَ بعد عدة محاولات فاشلة إلى إدراك النظام الإلهي؛ إلى رؤيةٍ داخليةٍ للإله، وإلى مفهومِ صفاته.
стр. 21
إنَّ الزمن يجري هنا في مراحل من ذلك الصعود بالفكر إلى لحظة شبيهة بلحظة (زرادشت) عند (نيتشة) حينما نزل من جبله حاملاً رسالته. فحي بن يقظان سيذهب مع رفيق الصدفة ((آسال))؛ حاملاً إلى مواطني ورعايا الحكيم (سلمان) ثمرة تفكيره.
إن العالم هنا؛ عالم تتركز فيه الأشياء حول الفكرة. فحي بن يقظان لا يتغلّب على كآبة الشعور بالوحدة بصنع طاولة؛ بل ببناء الأفكار واكتشافها. إنَّه عالمٌ لا يتحدَّد فيه الزمنُ لصالح شيءٍ ما.
في مؤتمر علم الاجتماع الذي عُقد مؤخراً في (فارنا) لم يكن الأستاذ (سيكار) على خطأ تام، رغم أنه لم يكن على صواب تام، في تفسيره حينما لاحظ ((أن الزمن الصناعي المتواصل؛ لا يدع على الإطلاق للإنسان المنعزل أن يواجه نفسه وذلك في مقابل الزمن غير المتواصل في بلاد العالم الثالث)).
فكلُّ من وجد نفسه منخرطاً في اطِّراد الإنتاج الصناعي يدرك في الواقع أن الآلةَ التي تنتج والشيء المنْتَجَ لا يدعان للإنسان (لحظةً للذات) ولا أيِّ إحساسٍ بالزهو، أو سُكونٍ إلى النفس.
لقد امتلأ يوم (روبنسون كروزو) بصنع (طاولة).
بيد أن الأستاذ (سيكار) إذا كان على حق في ملاحظته، فإنّه على خطأ في تفسيره.
إذْ لا جدال في أنه في مقابل وتيرة الزمن المحيطة بالإنتاج في البلاد الصناعية؛ هناك الزمن متقطع الوتيرة في البلاد المتخلِّفة.
ويبدو هذا التقطع في الوتيرة عند سيكار في شكل ((فراغات لا حصر لها تربط- إذا صح التعبير- بين لحظات الحياة)).
стр. 22
وهنا نقول عن طيب خاطر- إذا سمح لنا الأستاذ سيكار-: إن تحليله صحيح في موضوعيته، وقد أشرنا نحن أيضاً في دراسة سابقة إلى ظاهرة تَقَطُّع الزمن في العالم الإسلامي المعاصر (١). لذا فهو يكشف لنا بدقة عن الجذور التي سبق أن ألمحنا إليها.
فالزمن في نظر الأستاذ (سيكار) لا اعتبار له إلا في عالم الأشياء. والحياة نفسها لا معنى لها إلا حينما تنساب لحظاتها في طاولة (روبنسون كروزو) على سبيل المثال.
لكن هذا في الحقيقة غُلوٌّ في تقدير الأمور عبر الزمن، والمجتمع الغربي يستطيع اليوم حساب نتائجه المدمّرة.
وإذا كان ينبغي على البلاد الإسلاميّة أن تعرف كيف تقدّر في (ثقافتها) الحاضرة- إذا جاز التعبير- الآثار السلبية للتفريط بقيمة الزمن في نشاطها، فإنَّ عليها بالمقابل أن لا تغلو في الإفراط في تقديره حيث نستطيع أن نرى بسهولة نتائجه السلبيَّة في البلاد الصناعية.
والإشارة إلى المغالاة في جانبَي الإفراط والتفريط لا تحجب عنا حقيقةً أساسيَّةً؛ هي أننا نتناول ثقافتين في لحظة أُفولها. وهذا ما فات الأستاذ (سيكار) في مؤتمر علم الاجتماع بفارنا. فالفكر الأوربي يجهل قانون التداول بين الأوج والحضيض في مسيرة الحضارة.
ذلك أنَّ أوربة كانت قبل (لوكراس) (٢) وبعده. وقبل (بلانك) (٣) وبعده
стр. 23
الأرض المختارة للفكر الكمِّي ولوضعيَّة (أوجست كونت) (١) وماديَّة (ماركس) (٢).
فالفكر الغريي يجنَح على ما يبدو أساساً إلى الدوران حول مفهوم الوزن والكمِّ. وهو عندما ينحرف نحو المغالاة فهو يصل حتماً إلى المادية في شكلَيْها:
الشكلِ البورجوازيِّ للمجتمع الاستهلاكي.
والشكلِ الجدلِّي للمجتمع السوفياتي.
وحينما يكون الفكر الإسلاميُّ في أُفوله كما هو شأنه اليوم فإن المغالاة تدفعه إلى التصوُّفِ، والمبهم، والغامض، وعدم الدقة، والتقليد الأعمى، والافتتان بأشياء الغرب.
لكن هذا ليس مداره الأصليّ. ففي الأصل حينما أعطاه القرآن اندفاعه الأَوَّليَّ اتَّخذ الفكرُ الإسلاميّ مداره أساساً حول فكرةٍ واحدة تكون حيناً ((حبَّ الخير))، وحيناً آخرَ ((كره الشر)).
تلك هي رسالة الفكر الإسلامي عَبَّر عنها القرآن الكريم بقوله ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ .. ﴾ [آل عمران: ٣/ ١١٠].
стр. 24
فالمسلم مكلّف بحملِ تلك الرسالة؛ في الجليل من الأُمور والصغير منها. فتقسيم التَّرِكة عند وفاة صاحبها هي بلا ريب ظرف اجتماعيٌّ عاديٌّ. لكن انظر ما يقول القرآن فيه ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ ... ﴾ [النساء: ٤/ ٨].
قد يقال لنا: إنَّ هذا حكمٌ يمكن أنْ يرِدَ في كلِّ قانونٍ مدنيٍّ تقدميٍّ. هذا صحيح؛ لكنّ القرآن يُرَغِّب بأكثرَ من هذا. فهو لا يريد أنْ يقومَ المجتمع بتقسيم المال كآلةِ توزيع القِطَعِ المعدنية، فهذا شيءٌ يستطيع المجتمع الاستهلاكي أن يفعله.
لكن ينبغي على المجتمع الإسلاميّ أن يفعل أكثر من توزيع أموال تركة، وذلك بأنْ يوزِّع في الوقت نفسه الخير.
فالآية التي استشهدنا بها قد تَعمّدْنا ذكرها ناقصةً لنبيِّن ما يمكن أن تشترك فيه مع تشريع مدني لكنّ الآية تنتهي بتوصيةٍ أخرى، بحكمٍ آخر: ﴿ .. وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ [النساء: ٤/ ٨].
الآن اكتملت الآية: وزِّعوا أموالاً طبعاً، لكن أضيفوا إليها فكرةً، أو كلمةً، أو لفتة تعبِّر عن شعوركم، عن مفهومكم، عن فكرة (الخير) عندكم.
إنَّ هذه التكملة ذات الصبغة الروحية الخالصة؛ لا يمكن تصوُّرها في أيِّ تشريع مدنيٍّ.
إنَّها تُعطي للرابط الاجتماعي النابع من الفكر الإسلاميّ طابعاً خاصّاً يجعل وجودَ ما يُسَمَّى (التناقضات في وسط الجماهير) ظاهرةً غير قابلة للتفسير في المجتمع الإسلامي.
стр. 25
الفصل الثاني
الطفل والأفكار
١ - الطفل يتدرج في عوالم ثلاثة: الأشياء- الأشخاص- الأفكار.
٢ - الأفكار وسيلة اندماج الفرد في المجتمع وتتقايس فيه العوالم الثلاثة جنباً إلى جنب وتتفوق إحداها على الأخرى وفق نمط الثقافة.
٣ - الشيخوخة انحدار من عالم الأفكار إلى الأشخاص إلى الأشياء ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا﴾.
٤ - الفرد يدفع ضريبة اندماجه الاجتماعي وكلما كان المجتمع مختلاً في نموه ارتفعت قيمة الضريبة.
ــ
لا يستطيع الإنسان المنعزل أن يعيش طويلاً في وحدته؛ دون أن يصنع لنفسه وفي فترةٍ من الزمن محدودة بالضرورة، التجربة الأزليّة التي بها يتكيّف المجتمع مع بيئته (١).
فإمّا أنْ تبدأ مغامرتُه انطلاقاً من صفحة بيضاء خاليةٍ من الأفكار مثل (حي بن يقظان)، وإما انطلاقاً من صفحة بيضاء خالية من الوسائل والأشياء
стр. 26
إذا كان قد حمل معه (عالم أفكار هـ) كما فعل (روبنسون كروزو) قبل غرق سفينته.
ولكن مهما تكن درجةُ تجريده ونموذج الثقافة التي يمثّل، فإنّ نشاطه يخضع دائماً في ضمانِ بقائه لتطوراتٍ نفسيَّةٍ- بدنيَّةٍ، نرى مثلها في سائر أشكال النشاط البشريِّ.
والشكل الأبسط لهذا النشاط يتجلَّى في عملِ الحرفيِّ المنكبِّ على عمله والمقصُّ في يده، بالحارث المنحني على محراثه، بالجنديِّ المسلَّح ببندقيته.
في سائر هذه الحالات، فالعمل: الحرفي، الزراعي، أو الحربيُّ يتمّ انطلاقاً من عنصريْن ظاهرين:
الإنسانِ والآلةِ.
لكن هذين العنصرين يحجبان حقيقةً أخرى أكثر تعقيداً، ذلك أنَّ العمل لا يتم فعليّاً إلا في ظروفٍ تتوافق بالضرورة مع سؤالِ (كيف) و (لماذا).
فنحن لا نعمل كيفما اتَّفق حتى لا يصبح العمل مستحيلاً. ولا نعمل بغير سببٍ حتى لا نمارس عملاً عابثاً.
فالعمل لا يمكن إذن أن يتحدَّد خارج خطة تحتوي إضافة إلى عناصره الظاهرة، عنصراً فكرياً مُمَثلاً لمُسَوِّغاته، ولأنماطه التنفيذية التي تلَخِّص كل تقدم اجتماعي وتقني، لمجتمع ما، بما يُميِّزه عن غيره من المجتمعات.
وباعتباره عامل تمييزٍ في المستوى البشريِّ؛ فإنّ عنصر الفكرة ألْهم (ماركس) هذا التأمل الرائع:
((إن ما يميز من الوهلة الأولى أسوأ مهندس معمار عن أمهر نحلة هو أنَّ
стр. 27
المهندس يبني الخليَّة في رأسه قبل أن يبنيها في القفير، وأن العمل ينتهي إلى نتيجة موجودة مسبقاً فكرياً في خيال العامل)).
هكذا إذن تتضمن عناصر العمل في نهاية التحليل ثلاث فئاتٍ: فئة الأشياء، وفئة الأشخاص، وفئة الأفكار.
وجميع الخصائص الاجتماعيّة والاقتصادية والسياسيّة لعملٍ ما تطْبع بالضرورة في مجموعته الخاصة؛ التي حيكت هن خيوط تلك الفئات الثلاث على الشبكة العامة لكل عمل.
هذه المجموعة تكون بسيطة التركيب في حالة الفرد المنعزل. وهي بالضرورة بسيطة؛ إمّا لنقصٍ في الوسائل (في الأشياء) في حال (روبنسون كروزو)، وإمّا لنقصٍ في الأفكار في حال (حي بن يقظان).
ولكن بمقدار ما يندمج الفرد في المجتمع الذي باشر في تقسيم العمل، فإن العنصر الفكريّ يأخذ شيئاً فشيئاً أهميته. وتبدو هذه الأهمية في عملٍ لابدَّ أن يكون متخصصاً، يحترم القواعد، ويراعي الأصول؛ من أجل اندماجه في العمل الجماعي.
أما الشروط الأخلاقيَّة والتقنيّة لهذا الاندماج فتندرج في سياقاتٍ نفسيَّةٍ جسديَّةٍ لا يتم تمثلها بسهولةٍ، كما لاحظ (روبنسون) عند قيامه بصناعة الطاولة.
والطفلُ إنسان منعزل في طريقه إلى الاندماج، ولابد له أن يمرَّ بهذه السياقات؛ كيما يحقق اندماجه المناسب. وغنيٌّ عن البيان أن العائلة والمدرسة تساعدانه في ذلك.
هذه المساعدة الاجتماعية تستطيع، بل ويجب أن تعمل بطريقةٍ تختصر وتكمِّل عملية اندماج الطفل، فهي لا تستطيع أن تلغيه.
стр. 28
فلْنتابع ببساطة خطواته كي ندرك مراحل ذلك الاطراد:
عندما يرى الطفل النور؛ تكون الأشياء والأشخاص والأفكار منتظمةً حوله؛ في ثلاثة عوالم غريبةٍ عنه.
فيده بالنسبة إليه شيءٌ. تُسَلِّيهِ كما يسليه المصباح المتدلِّي فوق سريره. إنّها تدعه يخدش خده، وذلك شيء آخر لم يندمج بعد في ذاته.
غير أنه يبدأ على الأقل يشعر حوله بعالم من الأشياء ممثلاً بيده، بأصابعه، بمصاصته، وبالصباح المتدلي فوق سريره.
في هذه المرحلة، ليس لديه بعدُ أيُّ إدراك لعالم الأشخاص، حيث لا يتعرف على وجه أمِّه التي ليست بالنسبة إليه سوى الثدي الذي يغذّيه، شيء يمكن للرضّاعة أن تَحُلَّ مَحَلَّه بسهولة؛ إذا ما افتقد الأم لحادث سوء. إنه لا يتعرَّف على نفسه ككيان مكتملٍ؛ لأنه ليس لديه بَعْدُ أيُّ إحساس محدَّد عن (أناه).
وشيئاً فشيئاً يكتسب خبرة في عالم الأشياء، فبصره يبدأ يتعرف الوجوه.
إنَّه يعرف وجه أمه أولاً بالطبع، ووجه أبيه، ووجه إخوته وأخواته، وهذه الوجوه جميعها تبدأ في أن تشكل من حوله عالم الأشخاص الغريب.
بيد أنَّ اطمئنَانه إلى هذا العالم لم يأخذ مداه بعد، حتى حين يكون له من العمر ثلاث أو أربع سنوات. ويكفي أن ندعه وحيداً على الرصيف بالقرب من عتبة منزل العائلة؛ لنرى كيف ترتسم في الحال على وجهه علاماتُ كآبة الوحدة التي يشعر بها أمام المارَّة الذين لا يعرفهم.
وحتّى في السنة السادسة؛ يُعَدُّ يومُ دخولِ المدرسة بالنسبة إليه تجربةً قاسية جداً في عالم كل من الأشخاص غريبٍ عنه. وهو لا يندمج إلا تدريجياً، وشيئاً فشيئاً، وتبعاً لنقطة تحددها درجة ألفته الاجتماعية، إذ هذه الدرجة تتفاوت بين
стр. 29
الأطفال لأسباب لا يمكن حصرها بأجمعها. ولكن يمكن أن نصنفها ربما وفقاً لنظرية (يونغ) في علم النفس بالنسبة لنموذجيها (١).
فالمنفتح يكْتشف عالم الأشخاص بسرعة أكثر من النموذج المنغلق، وهذا الأخير يكتشف ربما بسرعة أكبر عالم الأفكار، ولكن دون أن يختصر المراحل.
غير أنَّ اكتشاف عالم الأفكار يأتي دائماً بالنسبة لكلا النموذجين بعد اكتشاف عالم الأشخاص.
واطراد اندماج الطفل في المجتمع هو بيولوجي ومنطقي في آن. إنه يشكل على أعمارٍ ثلاثة:
١ - العمر الذي يكتشف فيه تلقائياً عالم الأشياء، وهو يلعب بأصابعه وبمصاصته.
٢ - العمر الذي يكتشف فيه تدريجياً عالم الأشخاص، وهو يتعرف فيه على وجه أمه بادئ الأمر.
٣ - العمر الذي يكتشف فيه أخيراً عالم الأفكار. وهذا الكشف الأخير هو الذي يهمُّنا أن نتناوله هنا بالتحليل.
إنَّنا نعلم أنّ اكتشاف الأشياء عند الطفل إنما يتم بامتلاكها. والرابطة التي
стр. 30
تقوم بينه وبينها رابطة غذائية: فهو يحمل الشيء تلقائياً إلى فمه.
غير أن اكتشافه لعالمِ الأشخاص يتمُّ بمقدار ما يرتبط بها بعلاقات عاطفية ثم اجتماعيَّة.
والأمر نفسه في دخوله عالم الأفكار؛ إذ يبدأ من اللحظة التي يتمكن فيها من تكوين روابط شخصية مع مفاهيم تجريديّة.
إنّ علينا أنْ نرى طفلاً يفشل في مسألة صغيرة لنقدِّر المجهود المصحوب باليأس أحياناً في اقتحام باب هذا العالم.
هذه المأساويات الصغيرة تمرُّ على العموم دون أن تفطن لها الأُسر والمدارس. غير أنّ الطفل يتذكر أحياناً أنه بعد أن اصطدم بصعوبة عدة مرات دون أن يقهرها يكشف له يوماً تفكيرُه وعقله سبيلاً لقهرها فيجد الحلَّ وحده.
فهذه اللحظة بالنسبة إليه هي لحظة (أرخميدس)، ويستطيع أن يصرخ مثله (أوريكا)، وتكون هذه اللحظة ما بين السابعة والثامنة من العمر؛ حيث يضع قدمه في عالم الأفكار دون أن يعتمد على أحد.
هذه الخطوة هي حاسمة في اطراد اندماجه الاجتماعي، لأنها تُؤَصله في محيط ثقافيٍّ أصيل يجعل منه (حي بن يقظان) أو (روبنسون كروزو).
فعندما يَعْبُر الطفل عالم الأفكار يضع قدمه في محيطٍ ثقافيٍّ، وأحياناً في أنظمةٍ إيديولوجية، لها من خصائصها ما يفصل بينها وبين المجتمعات المحايدة أو الخامدة.
هذا التغيير في المستوى النفسي يكشف له عن آفاقٍ جديدةٍ، وأبعادٍ لا تخطر له ببال. وإذ يحوّل هذا الاكتشاف كيانه النفسي؛ فإنّ كيانه الجسديَّ يتحول هو الآخر.
стр. 31
إن للأفكار أثراً حيويّاً يميز- حتى من حيث المظهر- الشخص الأمِّي من ذلك الذي استعمل الحروف الأبجدية لقراءة فكرةٍ، أو للتعبير عن فكرته.
ينبغي أن نلاحظ هذه الحقيقة بادئ الأمر في عملية اندماج الطفل من أجل أن نستطيع عقد المقارنات الضرورية، مع علامات الطفولية في سن النضج.
إن السمة البارزة لدى طفلٍ في سنيه الأولى هي فمه المفتوح قليلاً، المستعدُّ لتلقف ومصِّ أيِّ شيء. لكن كلما تقدم في السن فإنَّ فمه ينغلق بتأثير دوافع داخليَّةٍ.
ويتوافق هذا التفصيل الجسديُّ مع مرحلةٍ معينة من تطوُّره النفسيِّ، فهذا التفصيل لحظةٌ من لحظات عملية الاندماج، ويمكن أن تتجلى دلالتُه إما بأن نطابقه على لحظةٍ موازيةٍ من عملية اندماج شخص ناضج إذا استطعنا أن نجري مثل هذه التجربة، أو أن نلاحظه بمقارنة بين شخصين بالغَين من أسرةٍ واحدةٍ أحدهما متعلِّمٌ والآخر أميٌّ.
لقد سنحت لي الفرصة لأقوم بتجربة مع فريق من العمال الجزائريين الأميّين، حين اضطلعت بمهمة تعليمهم القراءة والكتابة في فرنسا عام (١٩٣٨).
وكلما تقدمت التجربة شيئاً فشيئاً والتي تابعتها تسعة أشهر كنت أرى وجوه تلاميذي تتغير.
كانت الوجوه ذات وميضٍ وحشيٍّ، وقد تأنّست تدريجيّاً. لقد اختفى بريقها الحيوانيُّ ليحل محلَّها شيءٌ ما، ينمُّ عن فكرةٍ داخليةٍ، عن حضور فكرةٍ.
من ناحية أخرى، فالشفاه أطبقت أو ازداد تقاربها. الرأس الذي تلقى فكرةً قد شغل عضلات الصدغ؛ التي تعمل كنابض يشدّ نحو الأعلى الفك الأسفل الذي يغلق الفم.
стр. 32
حينئذ تتغيَّر ملامح الوجه بطريقة ظاهرة، يمكن على ما أعتقد قياسها بالنسبة للَّذين يهتمُّون بالعلاقات الجسديَّة النفسيَّة.
وبالإمكان أن نتوصّل إلى الملاحظة نفسها بمقارنة مباشرة بين ملامح وجه أخوين يختلف المستوى الفكريُّ عندهما.
وهذه الحالة مألوفةٌ خاصةً في المناطق الريفية الجزائرية؛ حيث تكون فرص التعليم موزعةً بطريقةٍ غير متساويةٍ، حتى داخل الأسرة الواحدة. فنحن في نجد فيها مثلاً أخوين أحدهما متعلّم والآخر أمِّيٌّ.
صحيح أنه يوجد بينهما التشابه الذي يشير إلى أصلهما الوراثي المشترك، ولكن توجد خارج ذلك فوارق بارزةٌ في النظرات، وملامحِ الوجه، التي تنبئ عن اختلاف في اطراد الاندماج الاجتماعي.
وبوجه عام ففي سكان بلد ما هنالك النموذج الريفي، والنموذج المديني يميز بينهما علماء الاجتماع ببعض تفاصيل الملبس.
وحتى لو كان رجل المدينة في ملابس ريفيَّة فإنَّه يسهل التعرف عليه إذ يبدو كريفيّ مزيَّفٍ. ورجل الريف في ملابس الأعياد يبدو مدنياً مزيفاً. والشقيقان من أصل وراثيٍّ واحد وبيئة ريفية واحدة يتمايزان كذلك بعلاماتٍ واضحةٍ جليةٍ إذا كان أحدهما قد تردَّد إلى المدرسة دون أن يفعل الآخر ذلك، فدرجة اندماج الفرد الذي يضع قدمه في عالم الأفكار تتحدد بهذه العلامات.
على أنه بعد هذه الخطوة الأولى فالاندماج يأخذ مداه باطراد في سائر مراحل الحياة: النضج، والشيخوخة، وما بعد الشيخوخة، لتتحول شيئاً فشيئاً إلى اطرادٍ نحو عدم الاندماج.
стр. 33
ففي الشيخوخة، يبدو الفرد يعكس خط سيره، ويعود القهقرى في مراحل حياته النفسية ويترك على التوالي:
١ - عالم الأفكار بفقده كل قدرةٍ خلاقةٍ.
٢ - عالم الأشخاص نتيجة اللامبالاة أو النفور.
٣ - عالم الأشياء نتيجة الضعف وعدم الإقبال.
وهكذا يرحل أخيراً عن الحياة في نهاية عملية كاملة، ألمح إليها القرآن الكريم: ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً﴾ [الروم: ٣٠/ ٥٤].
لكن العوالم الثلاثة هذه تتعايش طوال حياة الإنسان جنباً إلى جنب مع تفوق أحدها تبعاً للفرد ولنموذج المجتمع الذي يندمج فيه.
وفي المجتمع الذي يدور فيه عالم الأفكار حول محور الأشياء تأخذ الميول الفردية الوجهة ذاتها. ولقد حدث أن سألت طفلاً في إحدى البلاد العربية عما كانوا (يعطونه) في المدرسة ولم ركن استعمالي فعل (أعطى) متعمَّداً، لكن جوابه العفويَّ كان ذا دلالة ظاهرة فقد أجابني: إنهم يعطوننا بسكويت. ومن الواضح أن معنى (أعطى) عنده يتمفصل بادئ الأمر بعالم الأشياء، حتى حينما يستعمل الفعل في الإطار المدرسيِّ في صيغة سؤالٍ.
وهكذا فالفرد يدفع ضريبة عن اندماجه الاجتماعيِّ إلى الطبيعة وإلى المجتمع. وكما كان المجتمع مختلاً في نموه ارتفعت قيمة الضريبة.
стр. 34
الفصل الثالث
المجتمع والأفكار
١ - المجتمع عبر العوالم الثلاثة: الشيء - الشخص- الفكرة رجحان أحد هذه العوالم هو الذي يميز كل مجتمع عن سواه.
٢ - المجتمع التاريخي يسجل مراحل ثلاثاً: مرحلة ما قبل التحضّر، ومرحلة التحضّر والدورة الحضارية، ومرحلة ما بعد التحضر.
٣ - مجتمع ما قبل التحضّر وما بعد التحضر لا يفتقر للوسائل وإنما للأفكار.
٤ - المجتمع الإسلامي مرَّ بهذه المراحل الثلاث منذ العصر الأول وحتى سقوط دولة الموحِّدين. وهو يعيش عصرَ ما بعد الحضارة.
ــ
يعتبر علماء الأحياء (البيولوجيون) أنَّ علم الأجنّة يصوِّر المراحل التكوينية للجنس البشريّ.
وليس ثمة سببٌ فقهيٌّ من وجهة النظر الإسلامية لتأكيد هذه القضية أو الشك فيها.
فالفكر القرآني قد بقي مجازياً في هذه القضية كما في سواها شأن كلّ فكرٍ ديني
стр. 35
أما على الصعيد التاريخي فالأمر مختلف، إذ يمكن الإشارة إلى أوجه التشابه بين بعض مظاهر النمو العقليِّ عند الفرد، والتطوُّر النفسيِّ- الاجتماعيِّ للمجتمع، وهذا الأخير يمر هو أيضا بالأعمار الثلاثة:
١ - مرحلة الشيء.
٢ - مرحلة الشخص.
٣ - مرحلة الفكر.
بيد أن الانتقال هنا من مرحلةٍ إلى أخرى ليس بالوضوح الذي نراه عند الفرد. فكل مجتمع مهما كان مستواه من التطور له عالمه الثقافي المعقد.
ففي نشاطه المتناغم هنالك تشابك بين العوالم الثلاثة: الأشياء، والأشخاص، والأفكار.
وغيٌّ عن البيان أنَّ خطة هذا النشاط- مهما كان بدائياً- تنطوي بالضرورة على مسوِّغات وأنماط تنفيذية: بواعث في المستوى الأخلاقي، وأفكار تقنية. ولكن يظلُّ هنالك دائماً رجحان لأحد هذه العوالم الثلاثة. وبهذا الرجحان الذي يظهر في سلوك المجتمع وفكره يتميز كلّ مجتع عن سواه من المجتمعات.
فالمجتمع المتخلّف ليس موسوماً حتماً بنقيصٍ في الوسائل المادية (الأشياء)، وإنما بافتقارٍ للأفكار، يتجلى بصفةٍ خاصةٍ في طريقة استخدامه للوسائل المتوفرة لديه؛ بقدر متفاوت من الفاعلية، في عجزه عن إيجاد غيرها، وعلى الأخصِّ في أسلوبه في طرح مشاكله أو عدم طرحها على الإطلاق؛ عندما يتخلى عن أيِّ رغبة ولو مترددة بالتصدّي لها.
ووفقاً لتعبير الاقتصاديين الدارسين لمشاكل العالم الثالث؛ فالأرض هي الوسيلة الأصلح لتأمين (إقلاع) مجتمع ما يمرُّ في مرحلته البدائية، ويتأهب للانتقال إلى مرحلة ثانوية كالصين الشعبية منذ عام ١٩٥١.
стр. 36
لكننا نلاحظ أن أكثر الأراضي خصوبةً في العالم- وتوجد في العراق وأندونيسيا- لم تُمَكِّن هذين البلدين من (الإقلاع).
فهناك فاقةٌ حقيقية في الأفكار تظهر في المجال السياسي والاقتصادي؛ على شكل موانع كابحة، تتوافق من وجهة نظر علم الاجتماع مع الخصائص النفسية- الاجتماعية التي يتميز بها العالم الإسلاميُّ في الوقت الحاضر.
هذه الصورة يمكن أن تجد تفسيرها لدى المؤرخين والاقتصاديين وعماء الاجتماع، كلٌّ حسب طريقته في التحليل.
لكننا نعتقد أننا نقدم لها هنا تفسيراً نفسيّاً اجتماعياً بالرجوع إلى نظرية الأزمنة الثلاثة؛ والتي سنجد مسوغاتها بسوابق المجتمعات المعاصرة.
وبصفة عامةٍ فعلى محور يمثل سائر مراحل التطور يحتل المجتمع التاريخي معاصراً كان أو تالداً مرحلةً محددةً.
والتاريخ يسجل منها ثلاثاً:
١ - مرحلة المجتمع قبل التحضر.
٢ - مرحلة المجتمع المتحضر.
٣ - مرحلة المجتمع بعد التحضر.
والمؤرخون يميزون جيداً في العادة بين الوضع الأول والثاني، ولكنهم لم يهتموا بالتمييز بين هذين الوضعين والوضع الثالث.
فهم يرون أن مجتمع ما بعد التحضُّر هو بكل بساطة مجتمع يواصل سيره على طريق حضارته، وهذا الخلط المؤسف يولد أنواعاً أخرى من الخلط والالتباس تزيف وتفسد المقدمات المنطقية التي يرتكز عليها الاستدلال على الصعيد الفلسفيّ والأخلاقيّ، وعلى صعيد علم الاجتماع، وحتى على الصعيدين الاقتصادي
стр. 37
والسياسي؛ عندما يزعم البعض أنه استناداً إلى مثل هذه المقدمات يمكن طرح مشكلات البلاد المتخلفة وإيجاد الحلول لها.
وقد يَستغلُّ هذا اللَّبْسَ أحياناً المتخصصون في الصراع الفكري؛ عندما يتولون هم أنفسهم أو يكلفون أحد تلاميذهم محاولة إقناعنا في قياسٍ منطقيٍ خاطئٍ بفشل الإسلام في بناء مجتمع متقدم (١).
ولكي نزيل هذا اللبس نقول: بأن مجتمع ما بعد التحضر ليس مجتمعاً يقف مكانه، بل هو يتقهقر إلى الوراء بعد أن هجر درب حضارته وقطع صلته بها.
ولم تفت ملاحظة هذه الظاهرة أحد المؤرخين فوصفها في أسىً بقوله: ((وكأني بالمشرق (الإسلامي) قد نزل به ما قد نزل بالمغرب، ولكن على مقدار ونسبة عمرانه وكأنما لسان الكون ينادي في العالم بالنوم والخمول، فأجاب)).
إنّه ابن خلدون الذي دوّن بعد قرن من سقوط بغداد وقبل قرن من سقوط غرناطة هذه النقطة الخاصة بانفصام دورة الحضارة الإسلامية؛ النقطة التي ابتدأ منها عصر ما بعد الموحِّدين، أي عصر التخلُّف الحضاريِّ في العالم الإسلاميّ.
وبتتبعنا لسيرة هذا المجتمع منذ نشأته التاريخيَّة المحددة بالتقويم الهجريّ يمكن تكوين فكرة عن المراحل التي اجتازتها ودلالتها النفسية- الاجتماعية.
في الأصل كان مجتمعاً قبلياً صغيراً، يعيش في شبه الجزيرة العربية، وفي عالم ثقافي محدود، حيث كانت المعتقدات نفسها تتمحور حول أشياء لا حياة فيها، إنها أوثان الجاهلية.
فالبيئة الجاهلية تمثل أصدق تمثيل مجتمعاً هو في عمر (الشيء)، ويجب أن
стр. 38
نلاحظ إضافة إلى ذلك أنه في هذا المستوى من مرحلة ما قبل التحضر؛ فإنّ عالم الأشياء يكون هو نفسه شديد الفقر وتكون الأشياء فيه بدائيَّة: كالسيف، والرمح، أو الوتد، والكنانة، والقوس، والسهام، والجمل، والحصان، والسرج، دون ركاب، أو مزود بسندٍ خشبي بسيط (هذا الركاب الحديدي سوف يخترعه المهلَّب بن أبي صُفرة فيما بعد) والخيمة، والأدوات المنزلية الهزيلة المقرونة بحياة البداوة.
وعلى كل فإن (الشيء) يسترد سيطرته على الإنسان في مجتمع ما بعد التحضر، حتى يتمتع هذه المرة (شأنه شأن كل مجتمعٍ استهلاكيٍّ) بعالم مثقل بأشياء، بيد أنها أشياء خامدة وخالية من الفعاليّة الاجتماعيّة.
ومهما يكن من أمر فإنَّ عالم الأشخاص في المجتمع الجاهليِّ قد انحصر في حجم القبيلة، فيما عالم أفكار هـ قد تمثل بوضوحٍ في تلك القصائد المتألقة الشهيرة بالمعلقات، وهو بالإجمال - شأن عالم أشخاصه- عالمٌ محدود يستقي منه الشاعر الجاهلي أبياته البراقة ليشيد بمجد قبيلته وانتصارها في أحد الفصول الملحميَّة التي حفظتها ذاكرة التاريخ تحت اسم (أيّام العرب)، ويتغنى بذكرى حبيبته، أو يبكي كالحسناء، بطلاً هوى، أو يسعى لتخليد اسمٍ كاسم حاتم الطائي لجوده وحسن ضيافته.
هكذا كان وجه ذلك المجتمع الجاهلي المنغلق على نفسه والذي كانت تتلاشى على أرباضه حركات المد والجزر التاريخية للأمم العظيمة التي جاورته: الامبراطورية البيزنطية، والامبراطورية الفارسية، ومملكة الحبشة في الجنوب.
وفجأةً أضاءت فكرةٌ في غار، غار حراء، حيث مُنْعَنرلٌ يقوم فيه متأملاً. وحمل وميضها رسالةٌ بدأت بكلمةِ (اقرأ).
مزقت هذه الكلمة ظلمات الجاهلية، وقضت على عزلة المجتمع الجاهليِّ.
стр. 39
ورأى النورَ مجتمعٌ جديدٌ متفاعل مع العالم ومع التاريخ، فشرع بهدم ما بداخله من حدودٍ قبلية ليؤسس عالمه الجديد من الأشخاص؛ حيث كلٌّ أضحى حاملَ رسالته، وليبني عالماً ثقافياً جديداً تتمحور فيه الأشياء حول الأفكار.
في مبدأ الأمر، وعندما بدأت عملية اندماج المجتمع الإسلامي في التاريخ، تأسس عالم الأشخاص فيه على نموذج أصليٍّ، يتمثل بطائفة الأنصار والمهاجرين المتآخين في المدينة.
ولقد جسد هذا النموذخُ الفكرة الإسلامية. إذ أضحى النموذج المحتذى والمستلهم، والذي منه تُجْتَنى الذكريات التي ألهمت الكتابات الأولى في العالم الإسلامي؛ كطبقات ابن سعد.
وجميع خطوات المجتمع الجديد نحو عالم الأفكار - أي نحو عمر الفكرة- مرت عبر عالم الأشخاص هذا- أي عبر- عمر الشخص.
هكذا يتواصل الاطراد في المجتمع كما في الفرد حتى نقطة الارتداد والانكفاء. هنا تجمد الفكرة، وتتجه المسيرة نحو الوراء، إذ ينقلب المجتمع الإسلاميُّ على أعقابه ليعود على إثر مراحل عوالمه الثلاثة.
هنا لا يعود عالم أشخاصه على هيئة النموذج الأصليِّ الأوّل، بل يصبح عالم المتصوفين، ثم عالم المخادعين والدجالين من كل نوع، ولا سيما من نوع (الزعيم).
وعالم أشيائه لا يعود بسيطاً مستجيباً لضروراته كما كان حاله في الجاهلية. فالأشياء هنا تستعيد سلطتها على العقول والوعي، إذ غالباً ما تكون تافهةً براقةً، وتهبط الجيوب حين يتعين شراؤها من الخارج.
هكذا فالسيرورة منغلقة. والمجتمع الإسلامي العائد أدراجه يجد نفسه في النهاية ومنذ عدة قرون في عصر ما بعد الحضارة.
стр. 40
الفصل الرّابع
الحضارة والأفكار
- الحضارة نتاج فكرةٍ جوهريَّةٍ تدفع بها في التاريخ.
- أطوار الحضارة: مرحلة الروح؛ مرحدة العقل، مرحلة الغريزة.
ــ
إن حضارةً ما هي نتاجُ فكرة جوهرية تَطْبع على مجتمع في مرحلة ما قبل التحضر الدفعة التي تدخل به التاريخ.
ويبني هذا المجتمع نظامه الفكريَّ طبقاً للنموذج الأصلي لحضارته. إنّه يتجذّر في محيط ثقافي أصليٍّ يحدد سائر خصائصه التي تميزه عن الثقافات والحضارات الأخرى.
إنّ الفكرة المسيحية قد أخْرجَت أوربة إلى مسْرح التاريخ. ولقد بنت عالمها الفكري انطلاقاً من ذلك. ومع عصر النهضة استعادت اكتشافها العالم الإغريقي فتعرَّفت على (سقراط) (١) باعث الأفكار، و (أفلاطون) (٢)