لكننا نلاحظ أن أكثر الأراضي خصوبةً في العالم- وتوجد في العراق وأندونيسيا- لم تُمَكِّن هذين البلدين من (الإقلاع).
فهناك فاقةٌ حقيقية في الأفكار تظهر في المجال السياسي والاقتصادي؛ على شكل موانع كابحة، تتوافق من وجهة نظر علم الاجتماع مع الخصائص النفسية- الاجتماعية التي يتميز بها العالم الإسلاميُّ في الوقت الحاضر.
هذه الصورة يمكن أن تجد تفسيرها لدى المؤرخين والاقتصاديين وعماء الاجتماع، كلٌّ حسب طريقته في التحليل.
لكننا نعتقد أننا نقدم لها هنا تفسيراً نفسيّاً اجتماعياً بالرجوع إلى نظرية الأزمنة الثلاثة؛ والتي سنجد مسوغاتها بسوابق المجتمعات المعاصرة.
وبصفة عامةٍ فعلى محور يمثل سائر مراحل التطور يحتل المجتمع التاريخي معاصراً كان أو تالداً مرحلةً محددةً.
والتاريخ يسجل منها ثلاثاً:
١ - مرحلة المجتمع قبل التحضر.
٢ - مرحلة المجتمع المتحضر.
٣ - مرحلة المجتمع بعد التحضر.
والمؤرخون يميزون جيداً في العادة بين الوضع الأول والثاني، ولكنهم لم يهتموا بالتمييز بين هذين الوضعين والوضع الثالث.
فهم يرون أن مجتمع ما بعد التحضُّر هو بكل بساطة مجتمع يواصل سيره على طريق حضارته، وهذا الخلط المؤسف يولد أنواعاً أخرى من الخلط والالتباس تزيف وتفسد المقدمات المنطقية التي يرتكز عليها الاستدلال على الصعيد الفلسفيّ والأخلاقيّ، وعلى صعيد علم الاجتماع، وحتى على الصعيدين الاقتصادي
стр. 37
والسياسي؛ عندما يزعم البعض أنه استناداً إلى مثل هذه المقدمات يمكن طرح مشكلات البلاد المتخلفة وإيجاد الحلول لها.
وقد يَستغلُّ هذا اللَّبْسَ أحياناً المتخصصون في الصراع الفكري؛ عندما يتولون هم أنفسهم أو يكلفون أحد تلاميذهم محاولة إقناعنا في قياسٍ منطقيٍ خاطئٍ بفشل الإسلام في بناء مجتمع متقدم (١).
ولكي نزيل هذا اللبس نقول: بأن مجتمع ما بعد التحضر ليس مجتمعاً يقف مكانه، بل هو يتقهقر إلى الوراء بعد أن هجر درب حضارته وقطع صلته بها.
ولم تفت ملاحظة هذه الظاهرة أحد المؤرخين فوصفها في أسىً بقوله: ((وكأني بالمشرق (الإسلامي) قد نزل به ما قد نزل بالمغرب، ولكن على مقدار ونسبة عمرانه وكأنما لسان الكون ينادي في العالم بالنوم والخمول، فأجاب)).
إنّه ابن خلدون الذي دوّن بعد قرن من سقوط بغداد وقبل قرن من سقوط غرناطة هذه النقطة الخاصة بانفصام دورة الحضارة الإسلامية؛ النقطة التي ابتدأ منها عصر ما بعد الموحِّدين، أي عصر التخلُّف الحضاريِّ في العالم الإسلاميّ.
وبتتبعنا لسيرة هذا المجتمع منذ نشأته التاريخيَّة المحددة بالتقويم الهجريّ يمكن تكوين فكرة عن المراحل التي اجتازتها ودلالتها النفسية- الاجتماعية.
في الأصل كان مجتمعاً قبلياً صغيراً، يعيش في شبه الجزيرة العربية، وفي عالم ثقافي محدود، حيث كانت المعتقدات نفسها تتمحور حول أشياء لا حياة فيها، إنها أوثان الجاهلية.
فالبيئة الجاهلية تمثل أصدق تمثيل مجتمعاً هو في عمر (الشيء)، ويجب أن
стр. 38
نلاحظ إضافة إلى ذلك أنه في هذا المستوى من مرحلة ما قبل التحضر؛ فإنّ عالم الأشياء يكون هو نفسه شديد الفقر وتكون الأشياء فيه بدائيَّة: كالسيف، والرمح، أو الوتد، والكنانة، والقوس، والسهام، والجمل، والحصان، والسرج، دون ركاب، أو مزود بسندٍ خشبي بسيط (هذا الركاب الحديدي سوف يخترعه المهلَّب بن أبي صُفرة فيما بعد) والخيمة، والأدوات المنزلية الهزيلة المقرونة بحياة البداوة.
وعلى كل فإن (الشيء) يسترد سيطرته على الإنسان في مجتمع ما بعد التحضر، حتى يتمتع هذه المرة (شأنه شأن كل مجتمعٍ استهلاكيٍّ) بعالم مثقل بأشياء، بيد أنها أشياء خامدة وخالية من الفعاليّة الاجتماعيّة.
ومهما يكن من أمر فإنَّ عالم الأشخاص في المجتمع الجاهليِّ قد انحصر في حجم القبيلة، فيما عالم أفكار هـ قد تمثل بوضوحٍ في تلك القصائد المتألقة الشهيرة بالمعلقات، وهو بالإجمال - شأن عالم أشخاصه- عالمٌ محدود يستقي منه الشاعر الجاهلي أبياته البراقة ليشيد بمجد قبيلته وانتصارها في أحد الفصول الملحميَّة التي حفظتها ذاكرة التاريخ تحت اسم (أيّام العرب)، ويتغنى بذكرى حبيبته، أو يبكي كالحسناء، بطلاً هوى، أو يسعى لتخليد اسمٍ كاسم حاتم الطائي لجوده وحسن ضيافته.
هكذا كان وجه ذلك المجتمع الجاهلي المنغلق على نفسه والذي كانت تتلاشى على أرباضه حركات المد والجزر التاريخية للأمم العظيمة التي جاورته: الامبراطورية البيزنطية، والامبراطورية الفارسية، ومملكة الحبشة في الجنوب.
وفجأةً أضاءت فكرةٌ في غار، غار حراء، حيث مُنْعَنرلٌ يقوم فيه متأملاً. وحمل وميضها رسالةٌ بدأت بكلمةِ (اقرأ).
مزقت هذه الكلمة ظلمات الجاهلية، وقضت على عزلة المجتمع الجاهليِّ.
стр. 39
ورأى النورَ مجتمعٌ جديدٌ متفاعل مع العالم ومع التاريخ، فشرع بهدم ما بداخله من حدودٍ قبلية ليؤسس عالمه الجديد من الأشخاص؛ حيث كلٌّ أضحى حاملَ رسالته، وليبني عالماً ثقافياً جديداً تتمحور فيه الأشياء حول الأفكار.
في مبدأ الأمر، وعندما بدأت عملية اندماج المجتمع الإسلامي في التاريخ، تأسس عالم الأشخاص فيه على نموذج أصليٍّ، يتمثل بطائفة الأنصار والمهاجرين المتآخين في المدينة.
ولقد جسد هذا النموذخُ الفكرة الإسلامية. إذ أضحى النموذج المحتذى والمستلهم، والذي منه تُجْتَنى الذكريات التي ألهمت الكتابات الأولى في العالم الإسلامي؛ كطبقات ابن سعد.
وجميع خطوات المجتمع الجديد نحو عالم الأفكار - أي نحو عمر الفكرة- مرت عبر عالم الأشخاص هذا- أي عبر- عمر الشخص.
هكذا يتواصل الاطراد في المجتمع كما في الفرد حتى نقطة الارتداد والانكفاء. هنا تجمد الفكرة، وتتجه المسيرة نحو الوراء، إذ ينقلب المجتمع الإسلاميُّ على أعقابه ليعود على إثر مراحل عوالمه الثلاثة.
هنا لا يعود عالم أشخاصه على هيئة النموذج الأصليِّ الأوّل، بل يصبح عالم المتصوفين، ثم عالم المخادعين والدجالين من كل نوع، ولا سيما من نوع (الزعيم).
وعالم أشيائه لا يعود بسيطاً مستجيباً لضروراته كما كان حاله في الجاهلية. فالأشياء هنا تستعيد سلطتها على العقول والوعي، إذ غالباً ما تكون تافهةً براقةً، وتهبط الجيوب حين يتعين شراؤها من الخارج.
هكذا فالسيرورة منغلقة. والمجتمع الإسلامي العائد أدراجه يجد نفسه في النهاية ومنذ عدة قرون في عصر ما بعد الحضارة.
стр. 40
الفصل الرّابع
الحضارة والأفكار
- الحضارة نتاج فكرةٍ جوهريَّةٍ تدفع بها في التاريخ.
- أطوار الحضارة: مرحلة الروح؛ مرحدة العقل، مرحلة الغريزة.
ــ
إن حضارةً ما هي نتاجُ فكرة جوهرية تَطْبع على مجتمع في مرحلة ما قبل التحضر الدفعة التي تدخل به التاريخ.
ويبني هذا المجتمع نظامه الفكريَّ طبقاً للنموذج الأصلي لحضارته. إنّه يتجذّر في محيط ثقافي أصليٍّ يحدد سائر خصائصه التي تميزه عن الثقافات والحضارات الأخرى.
إنّ الفكرة المسيحية قد أخْرجَت أوربة إلى مسْرح التاريخ. ولقد بنت عالمها الفكري انطلاقاً من ذلك. ومع عصر النهضة استعادت اكتشافها العالم الإغريقي فتعرَّفت على (سقراط) (١) باعث الأفكار، و (أفلاطون) (٢)
стр. 41
المؤرخ لتلك الأفكار، و (أرسطو) (١) مشترعها.
غير أن هذا العالم الذي التقت به ثانية وهي تقتفي أثر الحضارة الإسلامية، قد اكتسى منذ (توماس الأكويني) (٢) صبغةً مسيحية.
إنَّ دور الأفكار في حضارةٍ ما لا يقتصر على مجرد الزينة والزخرفة؛ كزخارف المدفأة في المنزل مثلاً، فهو لا يصبح كذلك إلا حينما يصبح المجتمع في عصور ما بعد التحضُّر.
ففي فترة اندماج مجتمعٍ ما في التاريخ يكون للأفكار دورٌ وظيفىّ؛ لأن الحضارة هي القدرة على القيام بوظيفةٍ أو مهمة معينةٍ.
ويمكن تعريف الحضارة في الواقع بأنها جملة العوامل المعنويّة والماديَّة التي تتيح لمجتمع ما أن يوفِّر لكلِّ عضوٍ فيه جميع الضمانات الاجتماعية اللازمة لتطوُّره.
فالفرد يحقق ذاته بفضل إرادةٍ وقدرةٍ ليستا نابعتين منه، بل ولا تستطيعان ذلك، وإنما تنبعان من المجتمع الذي هو جزء منه.
وإذا ما رَكَن لقدرته وحدها وإرادته وحدها فإن هذا الفرد المنعزل والمنقطع عن كل اتصالٍ بجماعته يصبح مجرد قشة ضعيفة؛ رغم كل وسائل التزيين الأدبي التي يستعين بها الكاتب الروائي ليحيط بها حياته.
стр. 42
فالحقيقة شيء والصورة الأدبيَّة شيء آخر. ومنذ نشر (دانيال دي فوى) قصة (روبنسون كروزو) فإن الأجيال التي قرأتها نسيت المغامرة المحزنة لذلك البحار الإنكليزي المسكين الذي وُجد بعد أربع سنوات من غرق سفينته في جزيرة جرداء في وسط المحيط، وأُعيد إلى إنكلترا وهو يرتدي ملابس مصنوعة من جلد الماعز الوحشي. إنّ هذه المغامرة هي التي ألهمت (دانيال دي فوي) (١)، بيد أنها بقيت طي النسيان.
فالفرد الذي يُتْرك لإرادته وحدها وقدرته وحدها في ظرفٍ مماثلٍ لما حدث للبحار الإنكليزي الذي وَجد نفسه منفصماً عن بيئته، تصبح هذه حقيقته، وهي أيضاً حقيقة الفرد الذي لم يعد يجد في البيئة التي ينتمي إليها لا الإرادة في تقديم العون ولا القدرة على فعل ذلك.
إنه حينئذ يشبه الفرد الذي يبقى حيّاً بعدما يندثر جنسه في كارثة أرضية، ومأساته شبيهة بمأساة آخر ماموث (٢) من العصر الجليدي يتيه في الفيافي المتجمدة القاسية حيث لا يجد القوت.
إن إرادة المجتمع وقدرته تُضفيان صفة الموضوعية على وظيفة الحضارة- وهي جملة العوامل المعنوية والمادية اللازمة لتنمية الفرد- وهي نفسها تتموضع في شكل سياسة، في صورة تشريع يمثلان إسقاطاً مباشراً لعالم الأفكار على الصعيد الاجتماعيّ والأخلاقيّ.
стр. 43
وهي تتغير حسب الأطوار التي تمر بها الحضارة، والتي نجدها ممثلة على الرسم البياني التالي الذي استخدمناه في مكان آخر (١).
.......... ـ[صورة الرسم البياني]ـ ..........
هذا الرسم الذي يبين القيم النفسية الزمنية لإحدى الحضارات يعطينا فكرة عن تغيرات هذه القيم خلال المراحل الحضارية المختلفة.
وتنشأ إرادة المجتمع التي تموضع العوامل المعنوية عند نقطة الصفر. إنها تكون في أعلى درجاتها في المرحلة الأولى الروحية حيث المجتمع الوليد يواجه مشاكله بضغط حاجاته من جهة وباستخدام وسائله المتواضعة لتغطية أوسع قطاع ممكن فيها من جهة أخرى.
стр. 44
إنه الطور الحضاري الموسوم بأروع أشكال التقشف التي كان الرسول ﵊ مثلها الأعلى في حياته الشخصية والعائلية، وهو يتميز كذلك بالمواقف الأشدّ بذلاً من صحابته-كأبي بكر وعثمان- الذين وضعوا ثرواتهم في خدمة الإسلام والمجتمع الإسلاميّ.
أما قدرة المجتمع التي تموضع الشروط المادية وتسمح للمجتمع بالقيام بوظيفة العون فهي لا تزال في هذه الفترة في المرحلة الأولى من طور التكوين.
وهكذا نرى المجتمع الإسلامي من ناحية أخرى يضطر للدفاع عن (قدرته) بقوة السلاح حينما تهددت هذه القدرة بعد وفاة الرسول ﷺ بتلك الهرطقة (حرب الرِّدَّة) التي زعمت إبْطال حق الفقراء (الزكاة).
إذ لم يكن بوسعه أن يواجه هذه الردة لولا أنه احتفظ بإرادته البكر؛ أي بذلك التوتر الداخليِّ الذي منحه إياه الإلهام القرآني وتعاليم الرسول ﵊.
إنَّ هذا التوتُّر هو الذي يحدِّد خصائص مجتمع في منطلق حضارته؛ ويميّزه عن مجتمع آخر في مرحلة ما قبل التحضر، أو ما بعد التحضر، أو حتى المجتمع الذي لا يزال في مستوى حضاريّ يجتاز مرحلة AB التي أوضحناها في الرسم البياني؛ أي المرحلة التي يبدأ فيها عالم الأشياء وعالم الافكار بالتوازن ثم يأخذ (الشيء) يستحوذ على الفكرة، وخصوصاً في مرحلة BC.
هذا التوتر الذي طبع في عصرنا إقلاع الاتحاد السوفياتي مع التجربة (الستاخانوفية) (١) وأوضع للصين الشعبية ثبات إقلاعها خصوصاً منذ الثورة
стр. 45
الثقافية قد سجّل هو أيضاً المرحلة الأكثر تفجُّراً في سياق تكوين واندماج المجتمعات الوليدة.
والتوتر هذا فكرة دافعة، لا يمكن بثُّها عبر نظرية أو بأي إرشاد تعليميٍّ.
أما ظرفها المفضَّل للظهور فقد فسره مؤرخ كـ (توينبي) (١) بذلك الظرف الذي فيه تضطر جماعة بشرية للردّ على تحدٍ ما بعمل منظم.
وهذا التفسير لا يقدم لنا شرحاً لتكوين المجتمعات التاريخية الحاضرة، والتي لا يتجاوز عددها ربع دزينة.
فنحن لا نفهم لماذا المجتمع البوذي لم يستجب في بداية العصر المسيحي لتحدِّي نهضة الفكر الفيدي ( pensée védique) (٢) التي حكمت عليه بالنفي إلى بلاد الصين.
ولا نفهم كذلك لماذا لم يقاوم الفكر الفيدي في هذا القرن في موطنه الجديد تحدي الفكر الماركسي المستورد عبر (ماوتسي تونغ) والذي مسحه إلى الأبد من الخريطة الإيديولوجية في العالم.
стр. 46
أما ما هو جدير بالملاحظة في تجربة المجتمع الإسلامي المعاصر؛ فهو أنه لم يستطع أن يستمد دفعة الإقلاع الحضاري من العالم الثقافي للصفوة من أبنائه الذين نالوا تعليمهم في الجامعات الغربية، كما لم يستلهم روح الحضارة من الإيديولوجيات العملية التي طُوبت ثورية في البلاد العربية بإعطائها تلك الشعلة التي ألهبت روح الجماهير حتى مكّنتهم من سد الطريق أمام (موشي دايان) في حرب الأيام الستة!!، كما لم يستفد في أسلوبه من صرامة التفكير الموروثة من عصر (ديكارت).
بينما الفكرة الدافعة للإسلام نقلت شعلات الجمر المضيئة منذ أربعة عشر قرناً من الجزيرة العربية إلى الأقطار البعيدة؛ موحِّدةً جميع الشعوب الإسلاميّة في ذلك العمل المنسق الرائع؛ ألا وهو الحضارة الإسلاميَّة التي استمرَّت حتى سقوط بغداد وسقوط غرناطة.
وحتى حينما رجع المجتمع الإسلاميّ القهقرى ووصل إلى النقطة c من الرسم البياني، أي مرحلة ما بعد الموحدين (١) فإنَّ هذه الفكرة الدافعة سمحت له أيضاً بمقاومة العدوان الاستعماري ثم استعادة استقلاله.
стр. 47
إنَّ المعجزات الكبرى في التاريخ مرتبطة دائماً بالأفكار الدافعة، والإيديولوجية السوفييتية هي التي سمحت للمجتمع السوفياتي أن يوقف في ستالينجراد زحف الجيش الهتلري خلال الحرب العالمية الأخيرة.
وإذا كان هذا التفسير الخارجي لا يكفي لتوضيح منشأ هذه القوّة في جميع الحالات، فينبغي أنْ نلاحظ مع ذلك أن هذه القوى هي التي جعلت تلك المجتمعات تنبثق من العدم، ونثرتها على مسرح التاريخ حيث بقيت قائمة بقدر ما بقيت هذه القوى تدعمها.
стр. 48
الفصل الخامس
الطاقة الحيوية والأفكار
• اطراد اندماج الفرد في المجتمع
• الطاقة الحيوية وتطور المجتمع
• المعادلة الصعبة
١ - تحرير الطاقة يدمر المجتمع
٢ - تحييد الطاقة يعيق سيرورة المجتمع
٣ - التوسط في الطاقة يساعد على عمارة المجتمع
ــ
يتوجب على الفرد تلبية حاجاته الحيوية مهما كان نوع الحياة التي يحياها، سواء أكان منعزلاً مثل (حي بن يقظان) أو ساكناً في مدينة كبيرة.
لذا يتعين عليه أن ينفق من طاقته الحيوية التي خُصَّت بها طبيعته، غير أن الطاقة هذه- وهي في طبيعتها البهيميَّة- لا تندمج مع الحياة في المجتمع؛ بحيث إن اندماج الفرد الاجتماعي يجب أن يراعي احتياجاته من ناحية، واحتياجات المجتمع الذي يندمج فيه من ناحية أخرى.
والمجتمع في الواقع يفرض قواعد وضوابط وقوانين وتقاليد، وحتى بعض الأذواق والأحكام المسبقة هي بالنسبة إليه ليست بأقل حيوية.
وإذن فإن اطراد اندماج الفرد يتدرج مستجيباً لطبيعته من ناحية، ومن ناحيةٍ أخرى مستجيباً لنسق من أصول وقواعد في الحياة يمكن تعريفه وهو في مرحلة متقدمة بمثابة عقد اجتماعي.
стр. 49
من هنا يأخذ الاطراد معنى يحدد تكيفاً للطاقة الحيوية للفرد. ومدرسة (بافلوف (١) pavlov) أعطت الإيضاحات الأولى حول التكيف عامة.
وواحد من أتباع هذه المدرسة، سيرج تاكوتين، قدم لنا في كتابٍ هام بعنوان (اغتصاب الجماهير) تحليلاً وتصنيفاً للطاقة الحيوية في صورة مايسميه (الدوافع الغريزية).
فهل الدوافع الغريزية الأربعة التي أشار إليها تكفي لتصنيف هذه الطاقة بمجملها أم لا؟ سنترك هذا النقاش جانباً.
لكن الذي يهمنا التحقق منه هو الحدود التي تعمل أو ينبغي أن تعمل في إطارها الطاقة الحيوية؛ كي يتمكن النشاط المنظم لمجتمع ما، في جميع أشكاله من تمثلها واستيعابها.
ومن الجليِّ أننا لو ألغينا، على سبيل الافتراض، واحداً من أشكال الطاقة الحيوية كالذي يسميه (سرج ناكوتين) مثلاً بالدافع الغذائي، أو دافع التملك، أو الدافع التناسلي- فإن جميع الإمكانات البيولوجية لحياة اجتماعية ما سوف تلغى دفعة واحدة، وإذا افترضنا أن فعلنا العكس فحرّرنا الطاقة الحيوية من كل قيد فإن النظام الاجتماعي سيجد نفسه وقد أخلى موقعه لنظامٍ طبيعي خالص.
стр. 50
والفرد سيعيش تبعاً لذلك في ظل قانون الانتخاب البيولوجي (شريعة الغاب) التي تقصر الحياة على الأكثر قوة لا على الأفضل.
إذن عندما نلغي الطاقة الحيوية فإننا نهدم المجتمع. وعندما نحررها تحريراً كاملاً فإنها تهدم المجتمع. لذلك يجب على الطاقة الحيوية أن تعمل بالضرورة ضمن هذين الحدين.
ومن هنا يحق لنا أن نتساءل: ما هي السلطة التي تخضع الطاقة الحيوية لتحتويها هذه الحدود.
هذا السؤال حينما يطرح في منشأ اطراد اندماج مجموعةٍ إنسانيةٍ خرجت من مرحلة ما قبل التحضر، وتتأهب للانطلاق نحو مرحلة تاليةٍ فإنه يكشف لنا طبيعة التكيُّف الذي يجب على الطاقة الحيوية تحمُّله لتضطلع بمهمات هذا الاجتياز، وتستجيب لضروراته.
وبمعنًى آخر، فإن السلطة التي تضمن هذا التكيُّف مرتبطة ارتباطاً جوهرياً بالعوامل التي لها دور في وجود حضارة، وبوجه خاص مرتبطة بذلك الذي يلعب دورًا رئيسيّاً في تحول مجتمع إنساني بدائي (قبل التحضر) إلى مجتمع متحضر، والمجتمع الجاهلي في هذه الحالة يقدم لنا صورة مثلى لهذا التطور.
في المبدأ نرى أنفسنا أمام طرازٍ من المجتمعات، الطاقة الحيوية فيه غير متكيفة بشيءٍ ما تقريباً، فالعالم الثقافي الجاهلي كان في الحقيقة شبه خالٍ من مبادئ الإلزام الاجتماعي. فمبادئه اقتصرت على بعض قواعد الشرف وشيءٍ من الواجبات نحو المجموعة (التضامن القبلي الذي أثبت ابن خلدون أهميته السياسية في نشوء ممالك شمالي إفريقية، تحت اسم العصبية) وبعض المعتقدات التي جعلت منها مكة القرشية تجارة.
стр. 51
لم تكن الطاقة الحيوية قد تكيفت بشيءٍ بعد، فقد كانت في طبيعتها الأولية التي لا تأتلف مع شروط الحياة الخاصة بحضارة.
وحينما حدث لهذا المجتمع تحول من المجتمع البدائي إلى المجتمع الحضاري لم يكن باستطاعة المؤرخ وعالم الاجتماع أن يلاحظ في هذه الحقبة من الزمن ظهور أي حادث جديد يفسر هنا التغيير. فالعالم الثقافي الذي ظهر مع الفكرة القرآنية قد كان الحدث الوحيد. والعلاقة السببية بين الحدثين: القرآن والحضارة باديةٌ بشكل صارم عبر تلازمهما؛ فالفكرة الإسلامية هي التي طوّعت الطاقة الحيوية للمجتمع الجاهلي لضرورات مجتمع متحضر.
ويستحيل علينا أن نجد تفسيراً آخر يكشف لنا هذا التكيف الذي نظّم القوى البيولوجية للحياة كيما يضعها في خدمة التاريخ.
والواقع أنه في أصل جميع الحضارات فالاطراد واحد في تكامل وانسجام الطاقة الحيوية، وفي الظروف التي تؤهلها لوظيفتها التاريخية.
لكنَّ القدرة علي التكامل والانسجام ليست بالضرورة متشابهة بالنسبة لدورات مختلفة وبالأحرى بالنسبة لمُختَلِف المراحل في الدورة الواحدة.
ومن جهة أخرى فإن ظروف هذا الانسجام لا تراعى بالطريقة نفسها في جميع الحضارات.
فمثلاً نرى المجتمع المسيحي يسعى إلى إلغاء الدافع الجنسي بدلاً من أن يحتويه في الحدود العملية. إنه يواجه نزعة الشهوة ( libido) (١) بفكرة الرهبانية.
стр. 52
هذا المثل الأعلى الذي يتسم بلا شك بالسمو والرفعة، رغم أنه لا يأتلف مع مختلِف الغايات التاريخية يولِّد نماذج جميلة من الجنس البشري (القديسين) ويترك ما عداهم فريسة هلوسات الجنس.
ونحن نرى اليوم عبر تلك المعارض الإباحية (١) القائمة هنا وهناك في الغرب إلى أين تؤدي هذه الهلوسات.
فقد تبين لنا خلال ذلك أن القدرة على تطويع الطاقة الحيوية لا تكمن في اختيار مُتَعَمَّد لحلّ متطرف.
فالحل بصفة عامة لا يوجد في اختيار صارم ولا في انطلاق متحرر جداً وليس بالأحرى في معايرةٍ ضابطة، تُوازن بين هذين الحلَّين المتطرفين، بل إنه قبل كل شيء يكن في القوة التي تدعم هذا الحل أو ذاك، أي طبيعة الفكرة الدافعة التي تقف وراءه ومقدار قوتها في تلك اللحظة.
ومن أجل أن تكون هذه الاعتبارات محدّدة، يمكننا تفحص حالة من تكيُّفِ الطاقة الحيوية في مجتمعين مختلفين من جهة ثم في مجتمع واحد ولكن في عصرين مختلفين من جهة أخرى ونجد هذه الحالة في تاريخ التشريع الخاص بتحريم شرب الخمر.
لقد طرح المجتمع الإسلامي مشكلة الخمر، وتضمن هيكَلُ تشريعه ثلاثة نصوص:
١ - نص يختص بإدخال المشكلة في ضمير المجتمع الإسلامي، وهو يمثل إلى حد ما المرحلة النفسية من الحل.
стр. 53
٢ - نص يختص بالحد من تداول الخمر، وهو يوافق مرحلة تخليص الفرد من الإدمان.
٣ - وأخيراً نص التحريم الذي يُكرِّس الحلَّ من الناحية الشرعية.
وفي مقابل هذه الصورة يمكننا أن نسجل صورة مشابهة لها تقريباً من حيث طريقة العلاج وهي تشريع محاربة الإدمان (قانون التحريم) الأميركي بعد الحرب العالمية الأولى ويشمل تقريباً مراحل الصورة الأولى نفسها.
١ - في عام (١٩١٨) أدخلت الصحافة الأميركية المشكلة إلى الرأي العام.
٢ - وفي عام (١٩١٩) أُدخلت المشكلة في الدستور الأميركي تحت عنوان (التعديل الثامن عشر).
٣ - وفي العام نفسه سرى مفعول التحريم تحت عنوان (إجراء فولستد L'Acte volstead).
وبهذا يمكننا أن نقارن منذ البداية على ضوء التاريخ الفرق بين قدرة التشريعين على التكيف. فمنذ أربعة عشر قرناً لم يُثر تحريم الخمر أية صدمة في المجتمع الإسلامي الناشئ. بينما كانت هذه الموجة في المجتع الأميركي الذي عاصر إجراء (فولستد) من العنف بحيث حطمت كل الحواجز، وقلبت جميع السدود والعقبات، ونتج عنها ردود فعل مرضية: كالتجارة الممنوعة وتكوين عصابات التهريب، وتسمم الجمهور بخمور مغشوشة، مما أدى إلى إلغاء قانون التحريم بموجب التعديل رقم (٢١) المصدق عليه في (ديسمبر) عام (١٩٣٣).
لقد استؤصلت فكرة التحريم نهائياً من عالم الثقافة في المجتع الأميركي؛ لأنه لم يكن لها جذور في العالم.
وقد نلاحظ بالمقابل في المجتمع الإسلامي بعضاً من التراجع بخصوص مشكلة
стр. 54
الخمر، خصوصاً حينما يأخذ هذا التراجع مظهر التحدي (المقصود أو غير المقصود) لأبسط قواعد اللياقة.
فوجود أربع خمارات في شارع صغير، في مدينة صغيرة (كتبسة) في جنوب الجزائر، يسمى علاوة على ذلك (شارع النبي) هو في العصر البطولي للكفاح ضد الاستعمار نوعٌ من التحدي في الحقيقة.
ومع ذلك، ومهما كان نوع التشريعات المعتمدة اليوم، فإن المجتمع الإسلامي المعاصر لم يطرد فكرة (التحريم) من عالمه الثقافي. وحتى إذا لم يكن لهذه الفكرة قوة القانون، كما هو الحال مثلاً في البلاد المسماة (تقدمية) فإنها رغم ذلك لا زالت تلعب دوراً ما في الإلزام الاجتماعي.
وإني أعرف عدداً لا بأس به من الفتيات المسلمات يعطين لهذه الفكرة أهميةً كبرى عند اختيار الزوج. وهكذا نرى فكرة تفشل فشلاً ذريعاً في دورها الاجتماعي في مجتمع كالمجتمع الأميركي، الذي ابتدع أكثر الأساليب فعالية لنشر أفكار هـ وآلاته، مؤيداً بوجه عام قرارته في الإطار التشريعي بالإحصائيات الأكثر دقة، والتي يخضعها لأدقِّ مراقبة علمية عند التطبيق.
بينما احتفظت هذه الفكرة بقدرتها على التكيف، نسبياً في مجتمع إسلامي، لم تعد تتوفر لديه اليوم لمواجهة انحرافات طاقته الحيوية سوى إرادة أفراده، لتكوين الإلزام الاجتماعي المطلوب.
يمكننا أن نخلص من ذلك بخاتمتين (١):
١ - إن قدرة أي فكرة على التكيف ليست متساويةً في مجتمعين لهما أصولٌ ثقافيةٌ مختلفةٌ.
стр. 55
ففي المجتمع الأميركي المتمحور حول القيم التقنية، أي الموجه نحو عالم الأشياء، تكون قدرة التكيف أضعف منها في المجتمع الإسلامي المتمحور حول القيم الأخلاقية.
٢ - وفي الاطراد نفسه كما في المجتمع الإسلامي، على سبيل المثال، فإن القدرة على التكيف تتغير من مرحلة إلى أخرى.
فهي تصل إلى الذروة في المرحلة الأولى: (انظر الذورة في الفصل السابق) وهي تتناقص تدريجيّاً بمقدار ما توسع الفكرة الأصلية مكاناً لأفكار مكتسبة، ثم هي تتضاءل بمقدار ما تخلي هذه الأفكار الأخيرة مكانها للأشياء.
أما في المرحلة الثالثة، فإن الغرائز تتحرر وعندها تتوقف قدرة التكيف الأصلية، ويختزل العالم الثقافي إلى مجرد عالم أشياء.
هنا تقوم الطاقة الحيوية بتفتيت المجتمع، بعد أن تكون قد تحررت تماماً، وذلك بإلغاء شبكة روابطه الاجتماعية، محطمة نسقها المنظم إلى جمهرة من النشاطات الفردية المتناقضة، أو تلك التي تقوم بها جماعات صغيرة. وهذه هي الظاهرة التي رآها الماركسيون في صورة صراع الطبقات.
ومهما يكن من أمر فإنها نهاية حضارة.
ولا يستطيع المجتمع أن يتابع مسيرته بعقول خاوية، أو محشوة بأفكار ميتة، وضمائر حائرة، وشبكة من الروابط المتهدمة ليس تجمعها وحدة.
وبالنسبة للمجتمع الإسلامي؛ فإن هذا هو عهد ما بعد الموحِّدين الذي بدأ.
стр. 56
الفصل السّادس
عالم الأفكار
• الأفكار الأساسية النموذجية الرائدة.
• الأفكار العمليّة التاريخية.
• التغيير والتحول يطرأ على عالم الأشخاص لا على عالم الأشياء.
• علاقة الأفكار بمقاييس النشاط.
• موت الأفكار وانتقامها.
ــ
إن مجتمعنا في المرحلة السابقة على تحضره يواجه نشاطاته البدائية بحوافز وطرق عملية، تمثل عالمه الثقافي المتواضع.
ومع ذلك وحتى في هذه المرحلة فإن هذا العالم يشتمل على أفكار - رائداة، (نماذج) يرثها الجيل عن الجيل السابق ويورثها الذي يليه، وأفكار ٍ عملية يواجه بها كل جيل الظروف الخاصة بتاريخه؛ بعد أن يدخل عليها تعديلاً قل أو كثر يلائم مسيرته.
أما الأفكار الرائدة التي تحتضن نشاطه، فهي في هذه المرحلة مخزونه الأخلاقي.
وأما الأفكار العملية التي توجِّه نشاطه فهي وسائله التقنية.
فإذا ما انتقل المجتمع إلى المرحلة التالية فاستقل سيرورة حضارة ما فإن تحوله هذا يستجيب بالضبط لثورة ثقافية تعدل بقليل أو بكثير وسائله التقنية، وفي
стр. 57
الغالب يكون التعديل محدوداً، لكنها تقلب بصورة جذرية قاعدته الأخلاقية.
فعلى عتبة حضارة ما، ليس هو عالم الأشياء الذي يتبدل، بل بصورة أساسية عالم الأشخاص. وحتى الوسائل التقنية في هذه المرحلة بالذات لا تتجه نحو الأشياء، وإنما نحو الإنسان باعتبارها تقنية اجتماعية تحدد العلاقات الجديدة داخل المجتمع؛ على أساس ميثاق جديد، مُنَزَّل كالقرآن الكريم، أو موضوع من الأشخاص كدستور ( iassa) (١) جنكيزخان، والدستور الفرنسي (١٧٩٣) م.
لكن الشرط الأول لضمان شبكة علاقاته الجديدة داخل المجتمع كما رأينا؛ هو أن توضع حدود لطاقته الحيوية.
وهنالك في عالم الأفكار داخل المجتمع تراتب بين الأفكار التي تغير الإنسان والأفكار التي تغيّر الأشياء.
فالأفكار الأولى تضع قدرة تكيف الطاقة الحيوية على عتبة حضارةٍ، أما الأفكار الثانية فإنها تُطوِّع المادة لحاجات الحضارة في المرحلة الثانية من دورتها التي أشرنا إليها آنفاً.
стр. 58
وتعتمد قدرة الأفكار الأولى في درجة التحول ومدته على الصدر المقدس أو الزمني للعالم الثقافي الذي ولد في المجتمع الجديد.
والواقع أنه لا يوجد في الأصل عالم زمنيٌ محض. لأن مثل هذا العالم لا يستطيع أن يقدم حوافز تستطيع مساندة مجتمع ناشئ لا يزال في خطواته الأولى.
ولقد لاحظ مؤسسو المجتمع المدني بسرعة تلك الظاهرة، مثل روبسبيز (١) الذي أضاف بعد فوات الأوان- فكرة ((الكائن الأعلى)) ( L'Etre supreme) (٢) إلى إيديولوجية الثورة الفرنسية.
وحينما أخفقت هذه الفكرة فإن فرنسا عام (١٧٨٩) استبدلتها بفكرة
стр. 59
الرجل المُؤله ( Ledemiurge) المتجسدة في نابليون.
هذه المواربة تثبت لنا أن أي مجمتع ناشئ يبحث دائماً عن سند له في القيم المقدسة.
من ناحية أخرى، فإن التاريخ يثبت لنا أن عالماً مبنياً في الأصل على القيم المقدَّسة يميل دائماً إلى نزع صفة القداسة عن مبادئه كلما أوغل المجتمع في المرحلة الثانية من دورة الحضارة، مرحلة امتلاك ناصية المشاكل التقنية والتوسع.
وربما أمكن تفسير هذه الظاهرة بإحدى طريقتين: فهي في منظور الاقتصاديين تقدم، وهي في منظور المؤرخين الفلاسفة إهدار طاقة في منعطف شيخوخة.
هذان التفسيران المتعارضان يتلاقيان في حتمية قانون تحول الطاقة الذي يحكم التاريخ كما يحكم الفيزياء، والذي يقرر بأنه لابد من سقوط طاقة كامنة لإنتاج العمل.
وعلماء (الميكانيكا) يسمونها (لحظة) القوة، هي تلك اللحظة التي تكون كافيةً لتمكين يد الرافعة من تحريك مقاومة ما، أي لإتمام عملٍ ما.
وللفكرة الدافعة (لحظتها) كذلك، أنها اللحظة التي يكون إسقاطها على نشاطنا، هو بالضبط الصورة الكاملة لنموذجها في عالمها الثقافي الأصلي.
فقدرتها على الطاقة الحيوية تكون في أوجها في تلك اللحظة على الأخص.
لقد سمحت تلك القدرة لبلال بن رباح الخاضع لتعذيب مُبَرِّحٍ بتحدي الجاهلية
стр. 60
بأكملها، وهو يرفع سبابته ليشهد على وحدة الله ((أحد ... أحد)) كما أتاحت للشهيد المسيحي المعروض للتعذيب في سيرك زمن سراديب الأموات أن يتحدى وثنية الرومان.
إن سائر الأفكار (سواء التي تختص بالإطار الأخلاقي أو التي تتحكم بالإطار المادي) لها لحظة إشراق (لحظة أرخميدس) عندما تطلق صرخة الفرح (أوريكا Eureka) (١) لدى دخولها العالم الثقافي.
وهي صرخة موسى إذ آنس ناراً، وصيحة (باسكال) حين دعي الضمير المسيحي إلى تذكرها، في روائع الأدب الفرنسي في القرن السابع عشر ((نار ... نار ... فرح! ... دموع الفرح)) (٢)
وهي صيحة (نيتشه) لدى اكتشافه (قانون العوْد الأبدي) (٣).
стр. 61
وهي صيحة (كريستوف كولومبس) ورجال سفينته لدى اكتشافهم جزر الهند الغربية عام (١٤٩٢) م. ((الأرض ... الأرض! ... )) فقد كانوا بذلك يعلنون بها للعالم لا اكتشاف القارة الأميركية بل دخول هذه الفكرة في عالم الثقافة دخولاً قطعيا. ((الأرض كروية! ... الأرض فعلاً كروية)) (١).
وهي صيحة انتصار فكرة ... ((الحرية والمساواة والأخوة)) التي أطلقها شعب باريس فأطاحت بسجن الباستيل في الرابع عشر من تموز عام (١٧٨٩) ويعود رجع ذلك اليوم في التاريخ إلى الإطاحة بعرش بطرس الأكبر في تشرين الأول أكتوبر عام (١٩١٧)(٢).
стр. 62
إن الأفكار في لحظة (أرخميدس) تعتمد على حالة روابطها مع النماذج، وهذه الأخيرة تمثل في العالم الثقافي القوالب التي بقيت فيها الأفكار التي تعبر عن نفسها مباشرة في نشاطاتنا.
لكن الزمن يعمل: في ذاتيتنا، في عقلانيتنا، فَتَعْفو به القسمات البارزة لتلك القوالب كما تنمحي بالزمن أحرف مطبعة أو مَسْبَكٍ.
وقد نصل إلى أن نستخرج الأشكال من تلك القوالب ولا نرى فيها غير صورة باهتة للنماذج المثالية فالأفكار الموضوعة قد خانت الأفكار المطبوعة في القوالب الأساسية.
стр. 63
وهذه الخيانة تتردد أصداؤها في سائر نشاطاتنا وهي تعرضها للانتقام ( nêmêsis) (١) وأحياناً يكون عنيفاً على الصعيد الزمني، فالأفكار التي تتعرض للخيانة تنتقم لنفسها.
ومن اليسير أن نفهم ذلك على الصعيد التقني، حيث الانتقام فوري إذا ما انفجرت ماكينة سيئة التصميم أو انهار جسر لسوء البناء.
وفي الغالب فالمجتمعات والحضارات تنهار بالطريقة نفسها. وليست كوارث التاريخ في مختلف الأزمان سوى النتيجة التي تكاد تكون فورية لانتقام الأفكار التي خانها أصحابها. فسقوط قرطاجة لخطأ سياسي من مجلس شيوخها هو المثل المأساوي لكنه ليس الوحيد (٢).
لابد إذن من احترام علاقات الأفكار بالمقاييس الثابتة للنشاط وإلاَّ باتَ ذلك النشاط عابثاً أو مستحيلاً.
وتقع تلك العلاقات في ثلاث مراتب:
١ - المرتبة الأخلاقية الإيديولوجية، السياسية بالنسبة لعالم الأشخاص وحتى الفزيولوجي؛ إذا أخذنا بعين الاعتبار تحسين النسل.
٢ - المرتبة المنطقيَّة الفلسفية، العلمية، بالنسبة لعالم الأفكار.
٣ - المرتبة التقنية، الاقتصادية، الاجتماعية، بالنسبة لعالم الأشياء.
стр. 64
وحينما يفسد واحد من هذه المفاصل الثلاثة للفكرة بتأثير أي عاملٍ من العوامل فينبغي أن نتوقع رؤية نتائج هذا الفساد في أحكام ونشاطات المجتمع وسلوك أفراده.
هذه النتائج تظهر في أشكال شاذة؛ وغالباً مضحكة. ففي معرض للرسوم الزيتية أقيم في (لوس أنجلوس) سنة (١٩٥٧) نالت الجائزة الأولى لوحة بعنوان (مقهى لاوس) كانت ببغاء عوراء أنجزتها حين، تركها صاحبها تتخبط بالألوان بالقرب من قماشة الرسم.
لم يكن لهذا الخداع في الإطار الفني الناتج عن العصر السوريالي أن يحدث؛ لو لم تُحَرِّف القوانين الجمالية التي شوهتها السوريالية مقاييسَ الجمال لدى الْمُحلَّفين المشرفين على الجائزة.
لقد تم هنا على الأقل اكتشاف الخدعة بسهولة؛ لأن صاحب اللوحة الذي نال الجائزة هو نفسه صاحب الببغاء وقد اعترف بذلك بعد حين.
وكم من حالاتٍ أخرى لا يكون الاعتراف فيها بالخدعة أو الكشف عنها ممكناً إما بدافع النفاق؛ عندما توجه مصالح دنيئة تخنق الآراء، أو لمجرد افتقاد الإدراك.
ومهما يكن من أمر فإن أي فساد في علاقات الأفكار فيما بينها (مرتبة المنطق الفلفسة ... إلخ) أو في علاقاتها مع عالم الأشخاص (مرتبة الأيديولوجية - السياسة .. إلخ) أو في علاقاتها مع عالم الأشياء (مرتبة التقنية والاقتصاد ... إلخ) لابد أن يُوَلِّد اضطراباً، في الحياة الاجتماعية، وشذوذاً في سلوك الأفراد، خصوصاً عندما تصل القطيعة مع النماذج إلى مداها الأقصى، وتصبح قوالب أفكار نا المطبوعة ممسوحةً في ذاتنا، وتصبح أفكار نا الموضوعة والمصبوبة في تلك القوالب لا شكل لها، ولا تماسك فيها، ولا أهمية لها.
стр. 65
هكذا تموت الأفكار تاركة العقول فارغةً وحتى اللغات تستسلم للعجز. ويقع المجتمع في الطفولة. فالطفل دون أفكار يعبر بطريقة بدائية بالحركة أو بالصوت.
والمجتمع الذي يقع في مثل تلك الطفولية يكشف عن ظواهر غريبة من التعويض عن افتقاره إلى الأفكار. إنه محكوم بالتعويض عنها وخاصة في نشاطاته الذهنية ببدائل فكرية.
وتظهر هنا الحركة التي تكمل الجملة الناقصة؛ لأن صاحبها لا يستطيع أن يكملها. فحين لا توجد الأفكار لا توجد الكلمات.
لقد أوضح هذه الحقيقة (بوالو boileau) الناقد الكبير في كتابه (الفن الشعري L'art poetique) (١) .
.......... ما نفهمه جيداً نعبر عنه بوضوح ..........
.......... وتأتي الكلمات لتقوله بسهولة ..........
فعدم التماسك تبدو علاماته حينما تنعدم الأفكار. حينئذ يأتي الصوت ليعلو كيما يحلّ محل حجة افتقدت.
ويبرز التصنع البلاغي في الأدب: الإفراط في أدوات التفضيل، التشدّق بالأوصاف، مثل عبارة (الشعب البطل) في دستورٍ لإحدى البلاد العربية، وكما وردت في إحدى صحف الدوله ذاتها صورة شخصٍ لا ندري كيف اندسَّ في الثورة الجزائرية، وتحتها العبارة العجيبة التالية: (أحد عمالقة الثورة).
стр. 66
إنها حجة الإثارة أن يقال إنه أمر خطير جداً، بدلاً من أن تعطي مجرد فكرة محددة عن الموقف.
إنه المبالغة في التهويل أوالتهوين بأن يقال: ((كل الدنيا تعْلَم بذلك)) لتأييد رأي، أو ((لا أحد يصدق ذلك)) للانتقاص من قيمة رأي.
والخلاصة إنه حشو حيث كل كلمة تلقي ظلالاً من الغموض على الموضوع بدلاً من أن تجليه. فعندما يسيطر التشويش وانعدام التماسك على عالم الأفكار تظهر علاماتهما في أبسط الأعمال.
فنقرأ مثلاً في إحدى دور السينما في عاصمة عربية عنوان فيلم (حيرة وشباب)، بينما كان الأكثر ملاءمة أن يقال: (شباب وحيرة).
إنني على يقين بأن مؤلف قصة الفيلم لم يقف لحظةً واحدةً عند مسألة الترتيب الطبيعي للأفكار، حتى في مجرد عنوان فيلم.
وعندما يمس انعدام التماسك في عالم الأفكار العلاقات المنطقية، يجب أن نتوقع سائر أنواع اللبس في العقول التي لا تستطيع- في ميدان السياسة مثلاً- أن تميز بين الأسباب والمسبَّبات.
هكذا طرح المجتمع الإسلامي مسألة الاستعمار وأهمل القابلية للاستعمار.
стр. 67
الفصل السّابع
الأفكار المطبوعة والأفكار الموضوعة
• عالم الأفكار في مجتمع ما أسطوانة ذات طابع خاص.
• عالم الأفكار موسيقى فريدة لها أنغام أساسية (الأفكار المطبوعة) وتوافقات خاصة (الأفكار الموضوعة).
• العلاقة بين الأفكار المطبوعة والأفكار الموضوعة: مثال المجتمع الإسلامي.
ــ
إن عالم الأفكار أسطوانة يحملها الفرد في نفسه عند ولادته. وتختلف هذه الأسطوانة من مجتمع إلى آخر ببعض النغمات الأساسية.
ومن المثير للدهشة أن الموسيقى الهندوسية لا تشبه أية موسيقى أخرى، وقد أحببتها دائماً دون أن أدري لماذا؟ كل ما أعرفه هو أنها تخاطب أرواحنا بطريقة مختلفة، لأنها طبعت في ذاتية الهند بطريقة مختلفة.
إن أسطوانة كلّ مجتمع مطبوعة بطريقة تختلف عن أسطوانة مجتمع آخر، وتتناغم الأجيال والأفراد مع سلّمها الأساسي وهم يضيفون إليها أنغامهم الخاصة بهم.
فعالم الأفكار أسطوانة لها أنغامها الأساسية ونماذجها المثالية، وهي الأفكار المطبوعة، ولها أيضاً توافقاتها الخاصة بالأفراد والأجيال: وهي الأفكار الموضوعة.
стр. 68
لقد تقولبت العبقرية اليونانية (في أفكار ها المطبوعة) في قالب النغمات الأساسية (لهوميروس Homers) (١) ، و (إقليدس Euclide) (٢) و (فيثاغورس Pythagore) (٣) و (سقراط Socrate) (٤) و (امبدوكلوس Empedoele) (٥) ، وفي
стр. 69
أفكار ها الموضوعة في التوافقات الموسيقية (لأفلاطون Platon) (١) ، و (أرسطو Aristote) ، وقد زادت غنًى على يد الأجيال في أثينا، كل ذلك كي تتحف العالم بذلك اللحن الذي نعثر على أثرٍ منه في الحضارة المعاصرة.
يقول علم الطبيعة (الفيزياء): إن العلاقة بين التذبذب الأساسي وتوافقه الموسيقي تكمن في أن هذا الأخير يختفي فور توقف الأول عن التذبذب.
والأمر نفسه في العلاقة بين الأفكار المطبوعة والأفكار الموضوعة. فعندما تبدأ الأفكار المطبوعة تنمحي عن أسطوانة حضارة يخرج منها في البداية نشاز النغم! صفير، وحشرجة، ثم الصمت أخيراً.
لقد تلقى المجتمع الإسلامي رسالته المطبوعة منذ أربعة عشر قرناً على هيئة وحي، فانطبعت في ذاتية الجيل المعاصر لغار حراء الذي أسمع السمفونية البطولية (لدين الرجال) كما يدعو (نيتشه) الإسلام.
стр. 70
فالأفكار المطبوعة على تلك الأسطوانة قد أثارت العواصف في التاريخ الإنساني منذ أربعة عشر قرناً.
فهي في البداية قلبت رأساً على عقبٍ وسطاً بدائياً فوضعت طاقته الحيوية في حدود حضارة، وجعلتها تستجيب لقواعدها وأصولها، لنظامها الصارم.
لقد كنت لحظة (أرخميدس) التي عاشتها الجزيرة العربية عندما تلقت الرسالة لحظة لا مثيل لها في العظمة.
ـ[ففي الإطار المادي]ـ: رسمت الرسالة آثاراً جديدة، نتائج اجتماعية جديدة، إنما بالوسائل الحاضرة نفسها، لأن عالم الأشياء لم يكن بعد قد استطاع تغيير وسائله. وهكذا بدت تلك اللحظة فيما فعل المهاجرون والأنصار؛ إذ وضعوا مواردهم على سواء يينهم ليواجهوا المرحلة الجديدة.
ـ[وفي الإطار الفكري]ـ: لقد أوجدت تلك اللحظة عديداً من المقاييس، جديداً في أسلوب التفكير ليلائم أوامر تنظيم جديدٍ وتوجيهٍ لنشاطات مجتمع وليد.
وأخيراً ففي الإطار النفسي والأخلاقي أنشأت للطاقة الحيوية مراكز استقطابٍ جديد.
ولقد رأينا حول هذه المراكز لحظاتٍ من العظمة لا تُضاهى. كما حصل مثلاً عندما قام المسلمون- بناءً على نصيحة سلمان- بحفر الخندق الذي صدّ آخر موجة جاهلية ضد أسوار المدينة، فقد كان النقص في عالم الأشياء لا يسمح إلا باستخدام أدواتٍ بدائيةٍ في مواجهة عملٍ شاقٍ وفي غاية الصعوبة.
وكان النبي ﷺ إدراكاً منه لمعاناتهم يساندهم وهو يردد أمنية ووعداً موزوناً مقفىً:
стр. 71
«اللهم إن العيش عيش الآخرة، فاغفر للأنصار والمهاجرة».
بينما كان الصحابة يرددون من ورائه نشيداً تناقلته الأجيال من بعدهم:
نحن الذين بايعوا محمدا ... على الإسلام ما بقينا أبدا
[أخرجه البخاري عن أنس]
لقد كانت مراكز استقطاب الطاقة الحيوية تتركز حول مفاهيم جديدةٍ، أفكار جديدة، نماذج مثاليةٍ لعالمٍ ثقافيٍ جديد، كانت تتركز حتى درجة الانفجار، وكانت تنفجر في مواقف مأساوية من نوع جديد.
رجل يقبل امرأة، تلك لحظة تتجاوز فيها الطاقة الحيوية حدودها الجديدة، وعلى الفور تنطلق قوى التذكير بالعالم الثقافي الجديد، وتنفجر المأساة في ضمير الرجل الذي ما يلبث أن يفضي بمكنونه إلى الرسول ﷺ ؛والجواب الذي ينهي المأساة قد جاء في هذه الآية: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١/ ١١٤].
ويسأل الرجل النبي: يا رسول الله إلي هذا (يعني هذه الآية) فيجيب الرسول ﷺ : «إنها لجميع أمتي». [أخرجه البخاري عن ابن مسعود].
وفي مرةٍ أخرى تأتي امرأة إلى الرسول ﷺ لتعترف له بأنها اقترفت خطيئة الزنى. ولم تكن لفظة (الزنى) آنذاك مجرد كلمةٍ بسيطة على الشفاه، كما كانت من قبل. بل كان يتركز فيها كل ما يؤرق الضمير من فظاعة وقباحة. وكانت الشريعة قد وضعت لمن يرتكب الزنى أقسى العقوبات: عقوبة الرجم.
كانت تلك المرأة تدرك إذن ما تُعَرِّض نفسها له باعترافها ذاك. لكن فعل العقوبة في جسدها بدا لها اخف وطأةً من فعل الخطيئة في ضميرها، فتتجه إلى
стр. 72
الرسول ﷺ ساعيةً ثلاث مرات، ويؤجّل الرسول ﷺ الحكم ثلاث مرات كذلك.
أجَّله في المرة الأولى ليعطي المرأة فرصة التفكير، وفي المرة الثانية لكي تضع مولودها، وفي المرة الثالثة حتى تنتهي من إرضاع طفلها. وأخيراً طبق العقوبة التي مافتئت تطالب بها منذ أن ارتكبت خطيئتها.
إن الأحداث المأساوية التي كانت تدور حول مراكز الاستقطاب الجديدة، وحول النماذج المثالية للعالم الثقافي الجديد لم تكن تعني أصحاب تلك الأحداث فحسب، بل كانت تشمل في توترها جميع أفراد المجتمع.
تلك هي حال المتخلفين، أولئك الذين لم يلحقوا بالمسلمين في غزوة تبوك، كانوا ثلاثة: كعب بن مالك، مرارة بن الربيع العمري، وهلال بن أمية الواقفي. وكان كعب هو الذي روى تفاصيل المأساة (١).
ويبرز القرآن مقدار التوتر المتفجر في ضمير أولئك الذين عاشوا هذا الحادث ثم يورد لنا الخاتمة في الآية التالية:
﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [التوبة: ٩/ ١١٨].
لم يكن ذلك اليوم يوم بشرٍ للرجال المتخلفين الثلاثة فحسب، بل كان يوم بشرٍ للأمة بأسرها.
وفي هذا الجو المتوتر كانت الأفكار المطبوعة تضع بصماتها المقدسة في جميع الأفكار الموضوعة، وفي جميع المواقف، وفي جميع الأمكنة، فقد كان رسول الله ﷺ يقول: «وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً» [أخرجه البخاري وأصحاب
стр. 73
السن إلا أبا داود] فلم يعد هناك شيء دنيوي. فالقداسة أضحت في كل شيء. وأضفت القداسة مسحتها على العالم كله.
لذا يمكن لنا أن نفهم في هذا العالم المقدس ثقل الذنب مهما صغر. فقد كانت الأخطاء الصغيرة تأكل من أسطوانة عالم الثقافة. وكان كل فرد ينتصب لكل تحريف في اللحن ينبعث من المكان المتآكل، ففي تلك اللحظات المباركة هنالك في كل فرد حساسية الأذن الموسيقية عند موقع النشاز في الأسطوانة.
وعندما تخبو تلك الحساسية الأخلاقية والجمالية؛ فإن مقدار فنائها يدل على مقدار عدم تماسك عالم الأفكار وعلى انحطاط اجتماعي بصفة عامة.
ويستمر هذا الانحطاط إلى اللحظة التي يقف فيها لحن الأفكار، وتتلف الأسطوانة وتَمَّحي في نفس كل فرد، ويصبح الصمت تاماً، وتزول ردَّات الفعل الحماسية للألحان السامية وردات الفعل الرافضة للأصوات النشاز.
وعندما تنمحي النماذج المثالية: حينئذ لا تسمع أبداً لهجة الروح في تناغم اللحن. فالأفكار الموضوعة، حين لا يعود لها جذور في الغلاف الثقافي الأساسي، تصمت هي بدورها: إذ لم تعد لديها ما تعبر عنه، ثم لأنها لم تعد تستطيع أن تعبر عن شيء. والمجتمع الذي يصل إلى هذه الدرجة يتفتت لأنه لم تعد لديه دوافع مشتركة؛ كما هو الشأن في الجرائر بعد الثورة؛ وكما هو الشأن في أوربة الآن حيث الفرد ينتحر أو ينطوي على ذاته.
إنها لحظة الأفكار الميتة وبعد أن عاش المجتمع الإسلامي اللحظة المجيدة عند ولادة حضارته؛ لحظة (أرخميدس) لأفكار هـ المطبوعة في عصر الرسول، أو الخلفاء الراشدين، وأفكار هـ الموضوعة في الفترات المضيئة لدمشق وبغداد، فإن المجتمع الإسلامي يعيش فترة الصمت، إنه صمت الأفكار الميتة.
стр. 74
فالحاج الذي ينزل ميناء جدة يُسَرُّ حينما يفاجأ بقراءة إعلان معلق على أحد الأبواب مكتوبٌ عليه: هيئة الأمر بالمعروف، ثم عندما يتقدم خطوة في البلد، يبدأ في اكتشاف حقيقةٍ يبدو إزاءها الإعلان مجرد سخرية: إنه فكرة ميتة.
لكن الأمر الأدهى عندما نبدأ إحياء عالم الثقافة المحشو بالأفكار الميتة بأفكار ٍ قاتلةٍ مستوردةٍ من حضارةٍ أخرى.
فهذه الأفكار التي أضحت قاتلة في محيطها؛ تصبح أكثر فتكاً حينما نستأصلها من ذلك المحيط؛ لأنها تترك بصفة عامة مع جذورها التي لا يمكن نقلها ترياقاً يتأقلم به ضررها في وسطها الأصلي.
وفي شروط كهذه يقتبس المجتمع الإسلامي المعاصر أفكار هـ الحديثة (التقدمية) من الحضارة الغربية.
هذه هي النتيجة الطبيعية لاطراد تَحَدَّدَ في لب المجتمع الإسلامي بجدلية الأشياء والأشخاص والأفكار التي صنعت تاريخه. غير أن الذي لم يكن طبيعياً هو جمود المجتمع الإسلامي وخموله في هذه المرحلة من التطور، وكأنه يريد أن يبقى فيها أبد الدهر. في حين أن مجتمعاتٍ أخرى؛ كاليابان، والصين، بدأت من النقطة نفسها، لكنها نزعت عنها ثوب الجمود وهي تفرض على نفسها ظروفاً ديناميكية جديدة، ونظرية جدليةً تاريخيةً جديدة.
فالمجتمع الإسلامي يدفع اليوم ضريبة خيانته لنماذجه الأساسية. فالأفكار - حتى تلك التي نستوردها- ترتد على من يخونها وتنتقم منه.
إنها اللحظة المؤلمة حيث المسلم منشطرٌ إلى شخصين: المسلم الذي يتمم واجباته الدينية ويصلي في المسجد، ثم المسلم العملي الذي يخرج من المسجد ليغرق في عالمٍ آخر.
стр. 75
الفصل الثامن
جدليّة العالم الثقافي
• حركية العالم الثقافي.
• العلاقات الداخلية في العالم الثقافي بين: الأشياء، والأشخاص، والأفكار.
• أسباب ومعوّقات (إقلاع) المجتمع الإسلامي.
ــ
إنّ عالم الثقافة ليس عالماً ساكناً. إنّ له حياته. وله تاريخه الذي نستطيع أن نفسِّره انطلاقاً من فكر هيجل، الذي يقرر بأن هنالك صيرورة لعالم الفلسفة وصيرورة فلسفيةً للعالم. أو انطلاقاً من المبدأ الماركسي: إنَّ كل تعديل في البنية التحتية يرتب تعديلات في البنية الفوقية.
هنا فالمشكلة تطرح من وجهة النظر العملية. وبشكل عامٍ فإن خصائص العمل على الصعيد الفرديّ أو الجماعيِّ تستند على العلاقات الداخلية بين مقاييسه الثابتة في العالم الثقافي: الأشياء- الأشخاص- الأفكار. هذه المقاييس الثابتة تتداخل في نشاط المجتمع عبر جدلية تاريخية تتوافق مع مرحلته التاريخية في كل لحظة من مسيرته. وتتوافق في كل لحظةٍ فيها علاقة معينةٌ؛ بين الأشياء والأشخاص والأفكار في تركيب العمل، وتكون هذه اللحظات من اللحظات العادية في تلك الجدلية.
إلا أن هنالك لحظات تحدّد علاقة أكثر خصوصية، يزيد فيها ثقل أحد هذه المقاييس على المقاييس الأخرى؛ عندما يكون النشاط مركزاً على الأشياء أو على الأشخاص أو على الأفكار بصورة أكثر خصوصية.