← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 37590

تحقيق المطالب بشرح دليل الطالب - المنياوي - قطعة من الطهارة

أبو المنذر المنياوي

Полный текст (155 стр.). Показаны 141–155 · переход к 146.

стр. 141

(ومنها) صلاة من عليه عمامة غصب أو حرير أو في يده خاتم ذهب وفي ذلك كله وجهان واختيار أبي بكر عدم الصحة). وقد رجح ابن قدامة في "المغنى" (١/ ٥٦) قول الأكثرين بصحة الطهارة منها فقال: (يفارق هذا الصلاة في الدار المغصوبة؛ لأن أفعال الصلاة من القيام والقعود والركوع والسجود، في الدار المغصوبة؛ محرم؛ لكونه تصرفا في ملك غيره بغير إذنه، وشغلا له، وأفعال الوضوء؛ من الغسل، والمسح، ليس بمحرم، إذ ليس هو استعمالا للإناء، ولا تصرفا فيه، وإنما يقع ذلك بعد رفع الماء من الإناء، وفصله عنه، فأشبه ما لو غرف بآنية الفضة في إناء غيره، ثم توضأ به؛ ولأن المكان شرط للصلاة، إذ لا يمكن وجودها في غير مكان، والإناء ليس بشرط، فأشبه ما لو صلى وفي يده خاتم ذهب). التضبيب: قال الماتن: (ويباح إناء ضبب بضبة يسيرة من الفضة لغير زينة). تعريف المضبب: المقصود بالإناء المضبب هنا هو ما أصابه شَّق أو كسر ونحوه فيذاب في شَّقه شيء من الذهب أو الفضة أو يربط كسره بسلك منهما، أو يوضع عليه صفيحة (١) تضمه وتحفظه (٢). الأدلة والمناقشة: بداية نلاحظ تداخلا بين مسألة الإناء المموه، وما في معناه، وبين الإناء المضبب وهناك قدرا مشتركا بينهما وهو استعمال الفضة إلا أن المضبب فيه أنه استعمله للحاجة إليه في إصلاح الإناء بخلاف المموه ونحوه فاستعماله يكون للزينة. وسوف أسوق الأدلة المشتركة بين المسألتين ثم أتكلم عن التفريق بين الضبة الكثيرة واليسيرة بإذن الله.

стр. 142

أدلة من قال بالجواز: روى البخاري في "صحيحه" (٤/ ٨٣) حديث رقم (٣١٠٩) من حديث أنس ﵁ «أن قدح النبي ﷺ انكسر، فاتخذ مكان الشَّعْبِ سِلْسِلَةً مِنْ فِضَّة». والضمير في قوله: "فاتخذ" يحتمل أن يعود للنبي ﷺ ، أو لأنس- ﵁ والظاهر من بعض الروايات الأخرى أن الفاعل هو أنس، ولكن الأمر لا يعدو الاحتمال فلا يستدل به على أحد الاحتمالين دون الآخر. ومن ذلك ما رواه البخاري في "صحيحه" (٧/ ١١٣) حديث رقم (٥٦٣٨) عن عاصم الأَحْوَل، قال: رأيت قدح النبي ﷺ عند أنس بن مالك وكان قد انصدع فَسَلْسَلَهُ بِفِضَّة، قال: وهو قدح جيد عريض من نُضَار، قال: قال أنس: «لقد سقيت رسول الله ﷺ في هذا القدح أكثر من كذا وكذا» قال: وقال ابن سيرين: إنه كان فيه حلقة من حديد، فأراد أنس أن يجعل مكانها حلقة من ذهب أو فضة، فقال له أبو طلحة: لا تغيرن شيئا صنعه رسول الله ﷺ فتركه). فقول أبو طلحة مراده الحلقة دون التضبيب لأنه يكون للحفاظ على القدح. وروى البيهقي في "الكبرى" (١/ ٤٧) من طريق عاصم بن سليمان، عن ابن سيرين، عن أنس: (أن قدح النبي ﷺ انصدع فجعلتُ مكان الشعب سلسلة). قال ابن حجر في "الفتح" (١٠/ ١٠٠): (لم يتعين من هذه الرواية من قال هذا وهو جعلت بضم التاء على أنه ضمير القائل وهو أنس بل يجوز أن يكون جعلت بضم أوله على البناء للمجهول فتساوي الرواية التي في الصحيح). - روى الطبراني في "الكبير" (٢٥/ ٦٨) حديث رقم (١٦٧) من طريق عمر بن يحيى الْأُبُلِّيُّ (١)، ثنا معاوية بن عبد الكريم الضال، ثنا محمد بن سيرين، عن أخته،

стр. 143

عن أم عطية، قالت: «نهانا رسول الله ﷺ عن لبس الذهب وتفضيض الأقداح، فكلمه النساء في لبس الذهب فأبى علينا، ورخص لنا في تفضيض الأقداح» والإناء المُفَضَّضٌ: هو المُمَوَّه بِالْفِضَّةِ أَو المُرَصَّعٌ بِالْفِضَّةِ. وإسناده ضعيف، قال الهيثمي في "المجمع" (٥/ ١٤٩): (فيه عمر بن يحيى الْأُبُلِّيُّ ولم أعرفه). - روى ابن أبي شيبة في " مصنفه" (٥/ ١٠٤) أثر رقم (٢٤١٤٥) من طريق عبدالرحمن بن مهدي، عن عمران أبي العوام القطان، عن قتادة، أن عمران بن حصين، وأنس بن مالك: «كانا يشربان في الإناء المفضض» وهذا الأثر حسن عن أنس - فيه عمران قال عنه ابن حجر: "صدوق يهم" فمثله حسن الحديث إلا إذا تبين أن الحديث مما وهم فيه، وقتادة مشهور بالتدليس، وقد سمع من أنس ولم يسمع من عمران بن حصين، فعاد الحديث إلى فعل أنس وحده كما في حديث أنس السابق. أدلة من ذهب إلى التحريم: روى الفاكهي في "فوائد" (ص/٢٧٠) حديث رقم (١٠٠)، وعنه الدارقطني في "سننه" (١/ ٥٥) حديث رقم (٩٦)، وغيره من طريق يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدٍ الْجَارِيُّ، عن زَكَرِيَّاءُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُطِيعٍ عن أبيه عن أبيه عن ابن عمر ﵄ مرفوعا: (من شرب في إناء ذهب أو فضة أو إناء فيه شيء من ذلك فإنما يجرجر في بطنه نار جهنم). وهذا إسناد ضعيف وزيادة (أو إناء فيه شيء من ذلك) زيادة منكرة، والحديث قال عنه الذهبي في "الميزان": "منكر"، وأعله ابن حجر في "الفتح" (١٠/ ١٠١) بجهالة حال إبراهيم بن عبد الله بن مطيع وولده. - ما رواه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٥/ ١٠٤) أثر رقم (٢٤١٥١) من طريق عبد الله بن نمير، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر: «أنه كان لا يشرب من قدح فيه حلقة فضة، ولا ضَّبَّة فضة» رواته ثقات وإسناده صحيح، وهو فعل صحابي معارض بفعل أنس كما سبق.

стр. 144

ما رواه مَعْمَر بن راشد في "جامعه" (١١/ ٧٢ - مصنف) أثر رقم (١٩٩٤٦)، ومن طريقه البيهقي في "الشعب" (٨/ ٣٨٢) أثر رقم (٥٩٦٧) عن أيوب السِّخْتِيَانِي، عن القاسم بن محمد، عن عائشة ﵂ «أنها كرهت الشراب في الإناء المفضض» ورواته ثقات. الترجيح: أرى أن الراجح التفريق بين التضبيب وغيره؛ لأن الحاجة تدعو للتضبيب بخلاف المموه وما في معناه. معنى الحاجة: قال تقيد الدين في " شرح العمدة" (١/ ١١٦): (معنى الحاجة أن تكون الضبة مما يُحتاج إليها سواء كانت من فضة أو نحاس أو حديد فتباح. فأما إن احتيج إلى نفس الفضة بأن لا يقوم غيرها مقامها فتباح وإن كان كثيرا ولو كان من الذهب). والأولى عندي الحكم بالإباحة إن تعينت الفضة بأن لم يقم غيرها مقامها، ويباح منها ما تسد به الحاجة ولا يتجاوز قدر الحاجة. فإن قام غير الفضة مقامها فلا يباح استخدامها إعمالا لعموم الأدلة وعموم العلل التي سبق ذكرها لبيان تحريم استعمالها واتخاذها. وقد فرق تقي الدين، وموفق الدين (١) وغيرهما بين القليل والكثير، وهذا التفريق غير منضبط ولا دليل عليه، وعليه فالراجح أن استعمال ما فيه ذهب أو فضة لغير حاجة محرم لأنه لا يتأتى اجتناب المحرم إلا باجتناب هذه الآنية ونحوها وإنما يباح من ذلك ما تدعوا إليه الحاجة - دون فرق بين قليل أو كثير - لإصلاح ما أصابه شَّق أو كسر من الآنية للحديث الوارد في ذلك. وإيضاح ذلك: أن تحريم استعمال الذهب والفضة ليس لشيء في ذاتهما كالنجاسة مثلا، وإنما هما محرمان لعلل خارجة عن ماهيتهما - كما سبق بيان علل التحريم ومنها: التشبه بالأعاجم والكفار، وتضييق النقدين -، وكما هو مقرر أن ما حرم سدا للذريعة فإنه يباح عند الحاجة والمصلحة الراجحة.

стр. 145

تتمة - التفريق بين التضبيب بالذهب والفضة: الراجح أن التضبيب يجوز بالفضة دون الذهب وذلك لبعض الوجوه ومنها: أولا - أن معدن الذهب أنفس من معدن الفضة وعلل التحريم تتحقق فيه بجلاء أكثر من الفضة فتحريمه أشد من الفضة. ثانيا - أن النبي ﷺ رخص في خاتم الفضة للرجال ولم يرخص في خاتم الذهب. ثالثا - الاستئناس بكلام العلماء في التفريق بينهما، وقد ذهب كثير منهم إلى أن الجائز التضبيب بالفضة دون الذهب. رابعا - الاستئناس بما ورد من الأدلة التي سبق ذكرها في أدلة الجواز وكلها في الفضة دون الذهب وهي وإن كانت حوادث أفعال لا تقوى على التخصيص إلا أنني قلت بمقتضاها استئناسا. آنية الكفار وثيابهم . قال الماتن: (وآنية الكفار وثيابهم طاهرة). يعني أن هذا هو الأصل ما لم يعلم نجاستهما أو يغلب على الظن. وهذا القول الذي اختاره الماتن هو الصحيح في المذهب وهو الراجح. قال ابن مفلح في الفروع (١/ ١٠٨): (وثياب الكفار وأوانيهم مباحة إن جهل حالها (وهـ) وعنه الكراهة (وم ش) وعنه المنع , وعنه فيما وَلِي عوراتهم , وعنه المنع في الكل ممن تحرم ذبيحته). قال موفق الدين: (وثياب الكفار وأوانيهم، طاهرة مباحة الاستعمال، ما لم تعلم نجاستها). وقال المرداوي في "الإنصاف" (١/ ٨٥) معلقا على قول الموفق السابق: (هذا المذهب مطلقا وعليه الجمهور ... ). قال الكلوذاني في "الهداية" (ص: ٤٩): (أواني الكفار - ما لم تتيقن نجاستها - طاهرة مباحة الاستعمال، وكذلك ثيابهم).

стр. 146

الأدلة والمناقشة (١): استدل من قال بالجواز بالأدلة الآتية: الدليل الأول: استدلوا بما رواه مسلم في "صحيحه" (٣/ ١٣٩٣) حديث رقم (١٧٧٢) عن عَبْدِ اللهِ بْنِ مُغَفَّلٍ، قال: أصبت جرابا من شحم، يوم خيبر، قال: فالتزمته، فقلت: لا أعطي اليوم أحدا من هذا شيئا، قال: «فالتفت، فإذا رسول الله ﷺ متبسما». وجه الاستدلال: تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز والجراب يدخل ضمن أوانيهم ولو كان نجسا لأمره النبي بغسله وغسل الشحم الذي بداخله. الدليل الثاني: قوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥]. وجه الاستدلال: أن الله تعالى أباح لنا طعام أهل الكتاب، ومن المعلوم أنهم يأتون به إلينا أحياناً في أوانيهم فدل على جواز الأكل من أوانيهم وأنها لا تنجس ما بها من طعام، وقد ثبت في صحيح البخاري من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبيَّ ﷺ أكل من الشَّاة المسمومة التي أُهديت له ﷺ في خيبر. تنبيه: وأما ما رواه أحمد في "المسند" (٣/ ١٣٣) من طريق أبان، حدثنا قتادة، عن أنس، أن يهوديا دعا النبي ﷺ إلى خبز شعير وإهالة سنخة، فأجابه " فقوله: (يهوديا) قد اختلف في هذا اللفظ على أبان فروى عنه بلفظ أن خياطا، وهذه الرواية هي الموافقة لباقي الروايات في الصحيح وغيره عن أنس، وقد حكم الشيخ الألباني في "الإرواء" (٣٥) على هذا اللفظ بالشذوذ وعلى ذلك فلا

стр. 147

يستقيم الاستدلال بها على طهارة آنية الكفار. الدليل الثالث: ما قاله ابن عبد الهادي في "المحرر" (١/ ٩٢) حديث رقم (٢١): (عن عمران بن حصين ﵄ " أن النبي ﷺ وأصحابه توضأوا من مزادة امرأة مشركة " متفق عليه، وهو مختصر من حديث طويل). وجه الاستدلال: ظاهر ما نقله ابن عبد الهادي أن هذا الماء الذي كان في مزادتي المشركة هو ماء طهور؛ لتوضؤ النبي ﷺ والصحابة ﵃ منه فدل على طهارة أوعيتهم. مناقشة الاستدلال: وفي هذا الاستدلال نظر فالحديث مساق بالمعنى وليس فيه أحد ألفاظه أن النبي ﷺ توضأ من هذا الماء ولكنه فيه أنه أعطى منه الصحابي الذي أصابته جنابة ماء ليغتسل، ويحسن أن أسوق من الحديث موضع الشاهد ليتضح ضعف هذا الاستدلال فقد روى البخاري (١/ ٧٦) حديث رقم (٣٤٤)، ومسلم (١/ ٤٧٤) حديث رقم (٦٨٢) وغيرهما من حديث عمران وفيه أن النبي ﷺ قال: فاستنزلوها - أي المرأة المشركة - عن بعيرها، ودعا النبي ﷺ بإناء، ففرغ فيه من أفواه المَزَادَتَيْنِ - أو سَطِيحَتَيْنِ - وأوكأ أفواههما وأطلق الْعَزَالِي، ونودي في الناس اسقوا واستقوا، فسقى من شاء واستقى من شاء وكان آخر ذاك أن أعطى الذي أصابته الجنابة إناء من ماء، قال: «اذهب فأفرغه عليك» ... الحديث واللفظ للبخاري. والمقصود بالْعَزَالِي فم المزادة الأسفل وللمعترض أن يقول أن هذا الماء طهر بالمكاثرة التي حدثت ببركة مج النبي ﷺ في المزادتين كما في رواية مسلم. الدليل الرابع: ما رواه أحمد في "مسنده"، والطحاوي في "معاني الآثار" (١/ ٤٧٣) حديث رقم (٢٧١٥) وغيرهما من حديث جابر ﵁ قال: «كنا نصيب مع

стр. 148

رسول الله ﷺ في مغانمنا من المشركين الأسقية، والأوعية فَنَقْتَسِمُهَا، وَكُلُّهَا ميتة». وجه الاستدلال: وهذا يدل على طهارة أوعيتهم وأسقيتهم. مناقشة الاستدلال: قوله: (وكلها ميتة) أي أن هذه الأوعية نجسة العين لأنها من جلود ميتة إذ لا عبرة بذبح الكافر. وقوله هذا يدل على أن الدباغ لا يطهر، إلا أن اقتسامها يشير إلى جواز استعمالها، وأنها ليست نجسة العين بل طهرت بالدباغ، وإلا لكان الأمر بإتلافها. فهذا الحديث يدل على أن الدبغ يطهر جلد الميتة على خلاف المذهب - وسوف يأتي بإذن الله مناقشة هذه المسألة في محلها - إلا أن الاستدلال به على طهارة أوعية الكفار ففيه نظر من ناحيتين: الأول - أن تكرار وضع الماء فيها يزيل أثر النجاسة منها كالخمر ونحوه حتى وإن كان من كافر لأن إزالة النجاسة من باب التروك فلا تحتاج لنية، فيكون كقول النبي ﷺ في حديث أبي ثَعْلَبَةَ الخُشَنِيِّ في حق قُدُور وآنية أهل الكتاب: «إن لم تجدوا غيرها فارحضوها بالماء». الثاني - إذا ليس في الحديث ما يدل على أنهم كانوا يشربون منها فور قسمتها، فللمعترض أن يقول أنهم أراقوا ما فيها وغسلوها قبل الاستعمال فلا يتم الاستدلال باللفظ المجمل على أحد معانيه إلا بقرينة. الدليل الخامس: ما رواه الدارقطني في "سنه" (١/ ٣٩) حديث رقم (٦٤)، والبيهقي في "السنن الصغرى" (١/ ٩٠) حديث رقم (٢٢١، ٢٢٢)، وغيرهما عن سفيان بن عيينة قال: حدثونا عن زيد بن أسلم، عن أبيه، أن عمر، «توضأ من ماء نصرانية في جَرَّةٍ نصرانية» واللفظ للبيهقي. مناقشة الاستدلال: وهذا الأثر غير صحيح، فالإسناد منقطع فسفيان لم يسمعه من زيد بن أسلم وقد

стр. 149

ذكره ابن حجر في "تغليق التعليق" (٢/ ١٣١) فقال: (وهذا إسناد ظاهرة الصحة وهو منقطع رواه سعدان بن نصر عن سفيان بن عيينة قال حدثنا عن زيد بن أسلم ولم أسمعه عن أبيه ... فذكره مطولا بنحوه). أدلة من قال بالمنع: استدلوا بما رواه البخاري في "صحيحه" (٧/ ٨٦) حديث رقم (٥٤٧٨)، ومسلم في "صحيحه" (٢/ ١٥٣٢) حديث رقم (١٩٣٠) من طريق عن أبي ثَعْلَبَةَ الخُشَنِيِّ، قال: قلت: يا نبي الله، إنا بأرض قوم من أهل الكتاب، أفنأكل في آنيتهم؟ وبأرض صيد، أصيد بقَوسي، وبكلبي الذي ليس بمعلم وبكلبي المعلم، فما يصلح لي؟ قال: «أما ما ذكرت من أهل الكتاب، فإن وجدتم غيرها فلا تأكلوا فيها، وإن لم تجدوا فاغسلوها وكلوا فيها، وما صدت بقَوسك فذكرت اسم الله فكل، وما صدت بكلبك المعلم، فذكرت اسم الله فكل، وما صدت بكلبك غير معلم فأدركت ذكاته فكل» وجه الاستدلال: قوله ﷺ : (فإن وجدتم غيرها فلا تأكلوا فيها، وإن لم تجدوا فاغسلوها وكلوا فيها) صريح في المنع من استعمالها عند توفر غيرها، أو قبل غسلها بالماء، فدل على أن الأصل في آنيتهم المنع وأن العلة هي نجاستها وعدم تحرزهم من شرب الخمر أو أكل الخنزير فيها كما ورد في بعض الروايات والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. مناقشة الاستدلال: وزيادة أنهم يأكلون الخنزير ويشربون الخمر مختلف فيها فقد وردت من بعض الطرق الضعيفة والروايات الصحيحة لم تثبت هذه الزيادة. وعلى فرض ثبوتها أو عدم ثبوتها (١) أي سواء أكانت العلة منصوص عليها أو مستنبطة فالنهي يكون معللا ولا يقال أن العبرة بعموم اللفظ بل يقال: العلة تعمم معلولها وقد تخصصه، فمتى تحققت العلة وجد المنع، وإلا فلا منع هذا هو مقتضى إعمال القواعد الأصولية.

стр. 150

أدلة من قال بالكراهة: غاية من قال بالكراهة أنه حاول الجمع بين أدلة الجواز والمنع بحمل النهي عن الكراهة، وهذا المسلك غير جيد في هذه المسألة إذ أن مقتضاه أن نقول بجواز الشرب من الإناء الذي علمنا أن أصحابه عُرفوا بمباشرة النَّجاسات من أكل الخنزير وشرب الخمر ونحو ذلك، وأنه يجوز ترك غسل آنيتهم، وهذا قول غير سديد وإن لم يقولوا به ولكنه لازم لترجيحهم الجمع بالكراهة. الترجيح: الراجح عندي هو القول المشهور في المذهب من أن آنية الكفار مباحة الاستعمال إن جهل حالها ولم نتيقن أو يغلب على ظننا تنجسها وإلا فيجب الغسل. قال الشيخ العثيمين في "الشرح الممتع" (١/ ٨٤): (وأما حديث أبي ثعلبة الخشني أن الرَّسول ﷺ قال: "لا تأكلوا فيها، إلا ألا تجدوا غيرها، فاغسلوها وكلوا فيها".فهذا يدلُّ على أن الأَوْلَى التنزُّه، ولكن كثيراً من أهل العلم حملوا هذا الحديث على أناس عُرفوا بمباشرة النَّجاسات من أكل الخنزير، ونحوه، فقالوا: إن النبيَّ ﷺ منع من الأكل في آنيتهم إلا إذا لم نجد غيرها، فإننا نغسلها، ونأكل فيها. وهذا الحمل جيد، وهو مقتضى قواعد الشَّرع). حكم ثيابهم: الراجح هنا أيضا هو نفس القول السابق في الآنية من أن الأصل طهارتها إلا أن نتيقن أو يغلب على الظن نجاستها. قال الشيخ العثيمين في "الشرح الممتع" (١/ ٨٤): (وقوله "وثيابهم" أي تُباحُ ثيابُهم وهذا يشمل ما صنعوه وما لبسوه، فثيابهم التي صَنَعوها مباحة، ولا نقول: لعلهم نسجوها بمنْسَج نجس؛ أو صَبغُوها بصبغ نجس؛ لأنَّ الأصل الحِلُّ والطَّهارة، وكذلك ما لبسوه من الثياب فإنه يُباح لنا لُبسه، ولكن من عُرِفَ منه عدم التَّوقِّى من النَّجاسات كالنَّصارى فالأَوْلَى التنزُّه عن ثيابهم بناءً على ما يقتضيه حديث أبي ثعلبة الخُشني ﵁. وقوله "إن جُهل حالها" هذا له مفهومان: الأول: أن تُعلَمَ طهارتُها.

стр. 151

الثاني: أن تُعلَمَ نجاستُها، فإن عُلِمتْ نجاستُها فإنها لا تُستعمل حتى تُغسل. وإن عُلمتْ طهارتُها فلا إشكال، ولكن الإشكال فيما إذا جُهل الحال، فهل نقول: إن الأصل أنهم لا يتوقَّون النَّجاسات وإنَّها حرام، أو نقول: إن الأصل الطَّهارة حتى يتبيَّن نجاستها؟ الجواب هو الأخير). قال الماتن: (ولا ينجس شيء بالشك ما لم تعلم نجاسته) (١). هذا تأكيد وتعميم وتقعيد للمسألة السابقة من حل ثيابهم وآنيتهم ما لم يعلم نجاستها، والقاعدة العامة التي قررها العلماء لتنتظم بها الفروع الفقهية التي تندرج تحتها هي قاعدة ((اليقين لا يزول بالشك))، وهذه القاعدة هي إحدى القواعد الخمس الكبرى التي ذكر العلماء أنها مبنى الفقه، والدليل عليها ما رواه مسلم من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا وجد أحدكم في بطنه شيئا، فأشكل عليه أخرج منه شيء أم لا، فلا يخرجن من المسجد حتى يسمع صوتا، أو يجد ريحا». قال الماتن: (وعظم الميتة وقرنها وظفرها وحافرها وعَصَبها وجلدها نجس ولا يطهر بالدباغ، والشعر والصوف والريش طاهر إذا كان من ميتة طاهرة في الحياة ولو كانت غير مأكولة كالهر والفأر). حافرها: الحافر من الدواب ما يقابل القدم من الإنسان، والحافر يكون في الخيل، وهو كالخف الذي يكون في الإبل. عَصَبها: بفتحتين أطناب مفاصل الحيوان، المقصود أنها كالخيوط التي تتصل بها مفاصل العظام وتشدها، وبها تكون الحركة والحس من المخ إلى البدن. ويحتمل أنهم كانوا يأخذون عصب بعض الحيوانات الطاهرة فيقطعونه ويجعلونه شبه الْخَرَزِ، فإذا يبس يتخذون منه القلائد. طاهرة في الحياة: الحيوان من ناحية حل أكله قسمان حلال الأكل كبهيمة الأنعام فهذه طاهرة في الحياة وغير حلال الأكل كالخنزير والكلب والحمار الإنسي

стр. 152

فهذه غير طاهرة في الحياة، ولكن استثني منها في المذهب الهر وما دونه في الخلقة مما ليس مأكولا وحكم بطهارتهم في حال الحياة للمشقة (إنها من الطوافين عليكم والطوافات). فائدة - الحياة نوعان: قال تقي الدين في "مجموع الفتاوى" (٢١/ ٩٧): (الحياة نوعان: حياة الحيوان وحياة النبات، فحياة الحيوان خاصتها الحس والحركة الإرادية وحياة النبات خاصتها النمو والاغتذاء. وقوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ إنما هو بما فارقته الحياة الحيوانية دون النباتية؛ فإن الشجر والزرع إذا يبس لم ينجس باتفاق المسلمين وقد قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ وقال: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ فموت الأرض لا يوجب نجاستها باتفاق المسلمين وإنما الميتة المحرمة: ما فارقها الحس والحركة الإرادية). مسألة - عظم الميتة وقرنها وظفرها وحافرها وعَصَبها نجس . قال تقي الدين في "مجموع الفتاوي" (٢١/ ٩٩): (وأما العظام ونحوها: فإذا قيل: إنها داخلة في الميتة لأنها تحس وتألم. قيل لمن قال ذلك: أنتم لم تأخذوا بعموم اللفظ؛ فإن ما لا نفس له سائلة كالذباب والعقرب والخنفساء لا ينجس عندكم وعند جمهور العلماء مع أنها ميتة موتا حيوانيا. وقد ثبت في الصحيح أن النبي ﷺ قال: ﴿إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه ثم لينزعه؛ فإن في أحد جناحيه داء وفي الآخر شفاء﴾ ... وإذا كان كذلك: علم أن علة نجاسة الميتة إنما هو احتباس الدم فيها فما لا نفس له سائلة ليس فيه دم سائل فإذا مات لم يحتبس فيه الدم؛ فلا ينجس. فالعظم ونحوه أولى بعدم التنجيس من هذا؛ فإن العظم ليس فيه دم سائل ولا كان متحركا بالإرادة إلا على وجه التبع. فإذا كان الحيوان الكامل الحساس المتحرك بالإرادة لا ينجس لكونه ليس فيه دم سائل: فكيف ينجس العظم الذي ليس فيه دم سائل؟ ... وإذا كان كذلك فالعظم والقرن والظُّفْر والظلف - أي الظُّفْر المشقوق للبقرة والشاة ونحوهما - وغير ذلك ليس فيه دم مسفوح فلا وجه لتنجيسه وهذا قول جمهور السلف).

стр. 153

قال تقي الدين في "مجموع الفتاوي" (٢١/ ١٠١): (الجلد جزء من الميتة فيه الدم كما في سائر أجزائها والنبي ﷺ جعل دباغه ذكاته؛ لأن الدباغ ينشف رطوباته؛ فدل على أن سبب التنجيس هو الرطوبات والعظم ليس فيه رطوبة سائلة وما كان فيه منها فإنه يجف وييبس وهو يبقى ويحفظ أكثر من الجلد فهو أولى بالطهارة من الجلد). إذن الراجح أن عظم الميتة وقرنها وظفرها وحافرها وعَصَبها طاهر. مسألة - جلد الميتة نجس لا يطهر بالدباغ . هذا هو المذهب وعليه جماهير الأصحاب، ومن الأدلة عليه ما رواه أبو داود وغيره عن عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُكَيْمٍ، قال: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَتَبَ إِلَى جُهَيْنَةَ قَبْلَ مَوْتِهِ بِشَهْرٍ: «أَنْ لَا تَنْتَفِعُوا مِنَ الْمَيْتَةِ بِإِهَابٍ، وَلَا عَصَبٍ» صححه الشيخ الألباني. وهو معارض بما رواه الشيخان عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قال: مَاتَتْ شَاةٌ لِمَيْمُونَةَ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «هَلَّا اسْتَمْتَعْتُمْ بِإِهَابِهَا؟» فَقَالُوا: إِنَّهَا مَيْتَةٌ فَقَالَ: «إِنَّ دِبَاغَ الْأَدِيمِ طُهُورُهُ» واللفظ لأبي داود. وقد اختلف العلماء في الجمع بين الحديثين والأقوى أنه لا تعارض بينهما فإنما نهي النبي عن الإهاب وهو اسم للجلد قبل الدباغ وقرينة ذلك ذكر العصب معه وهو لا يدبغ، وأرشدهم لدبغه ليحل الانتفاع به، قَالَ أَبُو دَاوُدَ: " قَالَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ: يُسَمَّى إِهَابًا مَا لَمْ يُدْبَغْ، فَإِذَا دُبِغَ لَا يُقَالُ لَه: إِهَابٌ، إِنَّمَا يُسَمَّى شَنًّا وَقِرْبَةً ". مسألة - الشعر والصوف والريش طاهر إذا كان من ميتة طاهرة في الحياة ولو كانت غير مأكولة كالهر والفأر. قال تقي الدين في "مجموع الفتاوى" (٢١/ ٩٨): (الشعر حياته من جنس حياة النبات؛ لا من جنس حياة الحيوان؛ فإنه ينمو ويغتذي ويطول كالزرع وليس فيه حس ولا يتحرك بإرادته فلا تحله الحياة الحيوانية حتى يموت بمفارقتها فلا وجه لتنجيسه ... ). قال الشيخ الحمد في "شرح الزاد": (ومما استدل به أهل العلم على أن هذه الأشياء ـ أي الصوف ـ أنها طاهرة وليست بنجسه، قوله تعالى: ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا

стр. 154

وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾ [النحل: ٨٠]، فذكر الله أن مِنْ مِنَنِهِ على عباده أنه منّ عليهم بالأصواف والأوبار والشعور يتمتعون بها في هذه الحياة، وما كان في سياق الامتنان فإنه يدل على العموم ـ كما هو معروف عند أهل العلم ـ فتكون هذه الأصواف وغيرها طاهرة في كل حال لأن الآية تدل على العموم. وهي ـ عند جمهور العلماء طاهرة، وقالوا: يشترط أن تكون من طاهر في الحياة. إذن: إذا جُزّت من بهيمة الأنعام ونحوها مما هو طاهر في الحياة سواء كان مأكول اللحم أو غير مأكول فإنها طاهرة. ـ أما إذا جُزّت من كلب ونحوه مما هو نجس في الحياة فمذهب جمهور أهل العلم أنها لا تكون طاهرة. ـ وذهب شيخ الإسلام إلى أنها طاهرة ـ وهذا على مذهبه ـ في أن المستحيل من النجس ليس بنجس، فإذا استحال شيء من النجاسات إلى شيء آخر فليس بنجس، فالشعر الخارج من الحيوانات النجسة ليس بنجس وهذا القول هو الراجح). وعليه فالشعر والصوف والريش طاهر سواء أكان من حيوان مأكول اللحم أم غير مأكول اللحم. قال الماتن: (ويسن تغطية الآنية وإيكاء الأسقية) . قال ابن ضويان في "منار السبيل" (١/ ١٥): (لحديث جابر أن النبي ﷺ قال: "أوك سقاءك، واذكر اسم الله وخمر إناءك، واذكر اسم الله، ولو أن تعرض عليه عوداً" متفق عليه). وهذا الأمر بالإيكاء والتخمير إرشادي فلا يكون للوجوب. وعلل التغطية هي: ١ - عدم نزول الوباء. فقد روى مسلم عن جابر بن عبد الله، قال: سمعت رسول الله ﷺ ، يقول: «غطوا الإناء، وأوكوا السقاء، فإن في السنة ليلة ينزل فيها وباء، لا يمر بإناء ليس عليه غطاء، أو سقاء ليس عليه وكاء، إلا نزل فيه من ذلك الوباء».

стр. 155

٢ - صيانته من الشيطان - فقد روى مسلم عن جابر، عن رسول الله ﷺ أنه قال: «غطوا الإناء، وأوكوا السقاء، وأغلقوا الباب، وأطفئوا السراج، فإن الشيطان لا يحل سقاء، ولا يفتح بابا، ولا يكشف إناء، فإن لم يجد أحدكم إلا أن يعرض على إنائه عودا، ويذكر اسم الله، فليفعل). ٣ - صيانة الماء من الهوام والحشرات والمقذرات فربما وقع شيء منها فيه فيتناوله وهو غافل أو يفسد عليه ما في الإناء من طعام أو شراب. خاتمة الشرح: تم شرح هذه القطعة من متن دليل الطالب بحمد الله تعالى وتوفيقه وأسأل الله أن يعين على مراجعته واتمامه، والله المستعان وعليه البلاغ ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم أسأل الله العظيم أن يتقبل هذا العمل ويجعله خالصا لوجهه الكريم، وأن يدخر لي أجره يوم لا ينفع مال ولا بنون أبو المنذر محمود بن محمد بن مصطفى المنياوي عفا الله عنه سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك.