← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 37590

تحقيق المطالب بشرح دليل الطالب - المنياوي - قطعة من الطهارة

أبو المنذر المنياوي

Полный текст (155 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

قال ابن قدامة في "المغني" (١/ ٤٣): (ما أزيلت به النجاسة، إن انفصل متغيرا بالنجاسة، أو قبل طهارة المحل، فهو نجس؛ لأنه تغير بالنجاسة أو ماء قليل لاقى محلا نجسا لم يطهره، فكان نجسا، كما لو وردت عليه). قال البهوتي في "شرح منتهى الإرادات" (١/ ١٨): (فإن انفصل متغير بالنجاسة فنجس (مع زواله) أي الخبث فإن انفصل والخبث باق فنجس مطلقا متغير أو غير متغير (عن محل، طهر) أي صار طاهرا، فإن لم يكن المحل طهر، كما قبل السابعة حيث اعتبر السبع: فنجس مطلقا). وقال في: "الروض المربع" (ص: ١٣): (أو انفصل عن محل نجاسة) متغيرا أو (قبل زوالها) فنجس، فما انفصل قبل السابعة نجس، وكذا ما انفصل قبل زوال عين النجاسة ولو بعدها أو متغيرا). ومنها - ما كان كثيرا مما لا يشق نزحه ووقع فيه البول أو العذرة المائعة فيتنجس وإن لم يتغير. ويمكن على طريقة التعريف بالتقسيم زيادة الأنواع السابقة، والأولى عندي في تعريفه بالحد الحقيقي أن نقول أنه: (ما تغير حقيقة أو حكما بما ليس طاهرا). فقولنا: (ما تغير حقيقة بما ليس طاهرا) يدخل فيه ما تغير أحد أوصافه بالنجاسة سواء أكان كثيرا، أو انفصل عن محل النجاسة متغيرا بها. وقولنا: (ما تغير حكما بما ليس طاهرا) يدخل فيه ما وقعت فيه النجاسة وهو قليل، وما لاقى البول أو العذرة المائعة وكان كثيرا ولا يشق نزحه. وما انفصل قبل زوال النجاسة أو قبل الغسلة السابعة. - طرق تطهير الماء المتنجس: قوله: (فإن زال تغيره بنفسه أو بإضافة طهور إليه أو بنزح منه ويبقى بعده كثير طهر). ذكر الماتن هنا ثلاث طرق لتطهير الماء المتنجس: الأولى - أن يزول تغيره بنفسه. الثانية - بالمكاثرة وهي إضافة ماء طهور إليه. الثالثة - بالنزح منه ويبقى بعده كثير.

стр. 107

ولنتوقف مع كل طريقة من هذه الطرق بشيء من التفصيل: الطريقة الأولى - أن يزول تغيره بنفسه: ويزول تغيره بنفسه أي بمكثه بدون إضافة أو نزح، والمقصود استحالة النجاسة فيه وقد سبق وأن تكلمت عن مسألة إن الماء يدفع النجاسة عن غيره، ولا يزيلها عن نفسه فراجعها. وهنا احتمالات بعضها مرفوض، فالماء هنا قد يكون قليلا، وقد يكون كثيرا، والكثير ينقسم إلى ما يمكن نزحه وما لا يمكن نزحه. والمُغِّير ينقسم إلى بول الآدمي وعذرته وغيرهما، فتحصل عندنا أربعة احتمالات، وهي: الأول - أن يكون الماء قليلا، وهذا ينجس بمجرد الملاقاة ولا سبيل لتطهيره بنفسه بحال على المذهب فهذا الاحتمال غير مقصود عند الماتن. قال إبراهيم بن مفلح في " المبدع" (١/ ٣٩): (النجس القليل لا يطهر بزوال تغيره بنفسه، لأنه علة نجاسته الملاقاة لا التغيير) (١). الثاني - أن يكون كثيرا ويمكن نزحه، والمُغِّير بول الآدمي، أو عذرته فهذا بناء على الرواية المشهورة في المذهب من أنه يتنجس وإن لم يتغير فلا سبيل لتطهيره بنفسه. الثالث - أن يكون كثيرا ويمكن نزحه، والمُغِّير له أي نجاسة أخرى غير بول الآدمي، أو عذرته فهنا يمكن زوال تغيره بنفسه بطول مكثه واستحالة النجاسات فيه. قال المرداوي في " الإنصاف" (١/ ٦٤): (وإن كان مما يمكن نزحه ... وإن كان متنجسا بنجاسة غير البول والعذرة، فالصحيح من المذهب: أنه يطهر بزوال تغيره بنفسه. وقطع به جمهور الأصحاب، منهم صاحب الهداية، والمذهب، والمستوعب، والخلاصة، والكافي، والمحرر، والوجيز، والنظم، والفائق، وغيرهم. قال في الفروع والرعايتين، والحاويين: ويطهر الكثير النجس بزوال تغيره بنفسه

стр. 108

على الأصح. وقال ابن تميم: أظهرهما يطهر. وقال ابن عبيدان: الأولى يطهر، وقدمه في الشرح وغيره. وقال ابن عقيل: هل المكث يكون طريقا إلى التطهير؟ على وجهين. وصحح أنه يكون طريقا إليه. وعنه لا يطهر بمكثه بحال. قال ابن عقيل: يحتمل أن لا يطهر إذا زال تغيره بنفسه، بناء على أن النجاسة لا تطهر بالاستحالة. وأطلقهما في التلخيص، والبلغة). الرابع - أن يكون الماء كثيرا، ولا يمكن نزحه، ولا بد أن يكون متغيرا فهنا لا فرق بين النجاسات، ويمكن تطهيره بنفسه بطول مكثه واستحالة النجاسات فيه. وعليه فمقصود عبارة الماتن أن ما يطهر بنفسه هو ما كان كثيرا ولا يمكن نزحه، وتغير بأي نجاسة، أو ما كان كثيرا ويمكن نزحه، والمُغِّير له أي نجاسة أخرى غير بول الآدمي، أو عذرته. الطريقة الثانية - التطهير بالمكاثرة: والمكاثرة هي أن يصب فيه أو ينبع فيه ماء طهور. وهنا احتمالات وهي أن يكون الماء قليلا، وينقسم لقسمين وهما أن يكون متغيرا، أو غير متغير وكل منهما ينقسم إلى ما غيره أو خالطه بول أو عذرة، أو غيرهما. وأما الماء الكثير وينقسم إلى ما لا يمكن نزحه، وما يمكن نزحه. والأول ينقسم إلى ما غيَّره أو خالطه بول أو عذرة آدمي، أو غيرهما. وهذا لا ينجس إلا بالتغير. والثاني وهو ما يمكن نزحه، وينقسم إلى ما غيَّره أو خالطه بول أو عذرة آدمي سواء غيره أم لا، وإلى ما غيره غيرهما وهذا لا ينجس إلا بالتغير. فتحصل عندنا ثمانية احتمالات وهي: الأول - أن يكون الماء قليلا وتغير ببول آدمي، أو عذرته، فهذا يطهر بالمكاثرة إما أن يصب فيه، أو ينبع فيه ما لا يمكن نزحه ويزول به التغير. الثاني - أن يكون تغير الماء القليل بغيرهما وهذا يطهر بالمكاثرة، إما أن يصب فيه، أو ينبع فيه قلتين طاهرتين، فيزول بهما تغيره.

стр. 109

الثالث- أن يكون الماء القليل غير متغير، وقد لاقى بول أو عذرة الآدمي، والتطهير يكون بالمكاثرة فهذا يطهر بالمكاثرة إما أن يصب فيه، أو ينبع فيه ما لا يمكن نزحه. الرابع - أن يكون الماء القليل غير متغير، وقد لاقي الماء غيرهما من النجاسات، والتطهير يكون بالمكاثرة إما أن يصب فيه، أو ينبع فيه قلتين طاهرتين، فيزول بهما تنجيسه. قال ابن قدامة في " المغني" (١/ ٢٧) شارحا الحالة الأولى والرابعة: (ما دون القلتين، فتطهيره بالمكاثرة بقلتين طاهرتين، إما أن يصب فيه، أو ينبع فيه، فيزول بهما تغيره إن كان متغيرا، وإن لم يكن متغيرا طهر بمجرد المكاثرة؛ لأن القلتين لا تحمل الخبث، ولا تنجس إلا بالتغير، ولذلك لو ورد عليها ماء نجس لم ينجسها ما لم تتغير به، فكذلك إذا كانت واردة، ومن ضرورة الحكم بطهارتهما طهارة ما اختلطتا به). الخامس - أن يكون الماء كثيرا، ولا يمكن نزحه، وقد خالطه أي نجاسة فلا فرق هنا بين البول والعذرة، أو غيرهما وهذا الماء لا ينجس إلا بالتغير وتطهيره يكون بالمكاثرة حتى يزول تغيره. السادس - أن يكون كثيرا ويمكن نزحه ويكون تنجيسه بمخالطة بول أو عذرة آدمي وقد تغير بهما فتطهيره يكون بالمكاثرة إما أن يصب فيه، أو ينبع فيه ما لا يمكن نزحه ويزول به التغير. قال المرداوي في "الإنصاف" (١/ ٦٤): (إذا كان الماء المتنجس - أي ببول أو عذرة - كثيرا، وكان متغيرا بأحدهما. فإن كان مما يمكن نزحه. فتطهيره بإضافة ما لا يمكن نزحه إليه، جزم به ابن عبيدان وغيره. فإن أضيف إليه ما يمكن نزحه لم يطهره على الصحيح من المذهب. وقيل: يطهره. وأطلقهما في الرعاية الكبرى). السابع - أن يكون كثيرا ويمكن نزحه ويكون تنجيسه بمخالطة بول أو عذرة آدمي ولكنه لم يتغير بها فتطهيره يكون بالمكاثرة إما أن يصب فيه، أو ينبع فيه ما لا يمكن نزحه.

стр. 110

قال المرداوي في " الإنصاف" (١/ ٦٣): (إن كان المتنجس بأحدهما - أي البول أو العذرة - إذا لم يتغير، وقلنا: إنهما ليسا كسائر النجاسات فالصحيح من المذهب: أنه لا يطهر إلا بإضافة ما لا يمكن نزحه. قطع به في المستوعب، والشرح، والفائق، وابن عبيدان، وغيرهم، وقدمه في الفروع، والرعايتين، وغيرهم. وقيل: يطهر إذا بلغ المجموع ما لا يمكن نزحه. وأطلقهما ابن تميم. وقيل: يطهر بإضافة قلتين طهوريتين، وهو ظاهر كلام المصنف هنا. قال ابن تميم: وهو ظاهر كلام القاضي في موضع ... ). الثامن - أن يكون كثيرا ويمكن نزحه ويكون تنجيسه بمخالطة غيرهما وهذا لا ينجس إلا إذا تغير وتطهيره يكون بالمكاثرة حتى يزول التغير. كيفية المكاثرة: سبق وأن ذكرنا أن المكاثرة تكون إما بأن يصب فيه أو ينبع فيه ماء طهور، وهذا الماء المتكاثر به يشترط أن يكون قلتين إذا كان الماء قليلا وتنجس بغير البول أو عذرة الآدمي المائعة. ويشترط أن يكون لا يمكن نزحه إذا كان التغير ببول أو عذرة الآدمي المائعة. هذا القول هو الصحيح في المذهب. وهناك قول آخر ضعيف في المذهب بأن تكون المكاثرة حتى يصير الكل - أي الماء المتنجس والمتكاثر به - قلتين، أو ما لا يمكن نزحه. قال المرداوي في "الإنصاف" (١/ ٦٤): (إذا كان الماء المتنجس - أي ببول أو عذرة - كثيرا، وكان متغيرا بأحدهما. فإن كان مما يمكن نزحه. فتطهيره بإضافة ما لا يمكن نزحه إليه، جزم به ابن عبيدان وغيره. فإن أضيف إليه ما يمكن نزحه لم يطهره على الصحيح من المذهب. وقيل: يطهره. وأطلقهما في الرعاية الكبرى .... وإن كان مما يمكن نزحه فتطهيره بإضافة ما لا يمكن نزحه عرفا كمصانع مكة على الصحيح من المذهب. وقيل: كبئر بضاعة، وإن زال تغيره بطهور يمكن نزحه فلم يمكن نزحه: لم يطهر على الصحيح من المذهب. وقيل: يطهر).

стр. 111

ومن لازم هذا القول أنه يشترط أن يكون الصب أو النبع للماء المتكاثر به متصلا ودفعة واحدة لا على حسب الإمكان. قال الشيخ العثيمين في " الشرح الممتع" (١/ ٥٦): (لا بد أن تكون إضافة الماء متصلة، لأننا إذا أضفنا نصف قلة، ثم أتينا بأخرى يكون الأول قد تنجس، وهكذا فيشترط في المضاف أن يكون طهورا كثيرا). وها مما يجعل هذا القول من الناحية العملية غير ممكن وخاصة مع ما لا يمكن نزحه. ولذلك ترى أن الصحيح في المذهب أنه لا يشترط الاتصال في الصب قال المرداوي في " الإنصاف" (١/ ٦٣): (الإفاضة صب الماء على حسب الإمكان عرفا على الصحيح من المذهب، وعليه جماهير الأصحاب، وهو ظاهر المغني، والشرح، وابن تميم، وغيرهم، وجزم به في الكافي، وابن عبيدان، وغيرهم، وقدمه في الفروع، والرعاية الكبرى، وغيرهما. واعتبر الأزجي، وصاحب المستوعب: الاتصال في صبه). قال ابن قدامة في " المغني" (١/ ٢٨): (ولا يعتبر في المكاثرة صب الماء دفعة واحدة؛ لأن ذلك غير ممكن، لكن يوصل الماء على ما يمكنه من المتابعة، إما من ساقية، وإما دلوا فدلوا، أو يسيل إليه ماء المطر، أو ينبع قليلا قليلا، حتى يبلغ قلتين فيحصل به التطهير). الطريقة الثالثة - التطهير بالنزح: والمقصود بالنزح هو أخذ ماء من البئر ونحوه وتفريغه. وعندنا في التطهير بالنزح احتمالات وبعضها مرفوض: فالماء المتنجس الذي يراد تطهيره بالنزح إما أن يكون قليلا، أو كثيرا، والأول مرفوض، والكثير إما أن يكون لا يمكن نزحه، وإما أن يكون يمكن نزحه، والأول إما أن يكون متغيرا ببول أو عذرة، أو بغيرهما، والثاني وهو ما يمكن نزحه إما أن يكون متغيرا ببول أو عذرة أو غير متغير بأحدهما وكلاهما مرفوض، وإما أن يكون متغيرا بغيرهما. فتحصل عندنا ستة احتمالات، وهي: الأول - وهو القليل فلا ينجس بالنزح أبدا على المذهب، قال ابن قدامة في "

стр. 112

المغني" (١/ ٢٨): (طهر الكثير بالنزح وطول المكث، ولم يطهر القليل، فإن الكثير لما كانت علة تنجيسه التغير زال تنجيسه بزوال علته، كالخمرة إذا انقلبت خلا، والقليل علة تنجيسه الملاقاة لا التغير، فلم يؤثر زواله في زوال التنجيس). الثاني - أن يكون الماء المتنجس كثيرا، ولا يمكن نزحه وكان تنجسه بالتغير بالبول أو العذرة، فيمكن تطهيره بالنزح منه حتى يزول التغير ويبقى بعده ماءا كثيرا لا يمكن نزحه. الثالث - أن يكون الماء المتنجس كثيرا، ولا يمكن نزحه وتغير بغير البول، أو العذرة فهذا يمكن تطهيره بالنزح منه حتى يزول التغير، ولا يقل المتبقي عن قلتين. الرابع والخامس - أن يكون الماء المتنجس كثيرا، ويمكن نزحه وتنجس بالبول أو العذرة، وهنا له احتمالان أن يتغير بأحدهما، أو لا يتغير وكلاهما لا يمكن تطهيره بالنزح لأنه يمكن نزحه بداية فكيف بعد أن نزح منه. السادس - أن يكون الماء المتنجس كثيرا، ويمكن نزحه، وتغير بغير البول أو العذرة فهذا يمكن تطهيره بالنزح منه حتى يزول تغيره ويبقى بعد النزح قلتان. الترجيح: الراجح عندي كما سبق مرارا عدم التفريق بين القليل والكثير من الماء وعدم التفريق بين بول الآدمي، أو عذرته وبين سائر النجاسات الأخرى، وقد سبق بيان أن الراجح أن الماء لا ينجس بمجرد ملاقاة النجاسة بل لابد من تغير أحد أوصافه. وعلى ذلك فالراجح عندي أن الماء لا يطهر إلا إذا زال تغيره سواء أكان بنفسه، أو بالمكاثرة بالقليل أو الكثير من الماء الطهور، أو بنزح النجاسة منه وزوال أثرها، ولا فرق عندي بين ما بلغ القلتين أم لا، ولا بين ما يشق نزحه أم لا، ولا يشترط أن يكون الصب أو النبع متصلا. قوله: (والكثير قلتان تقريبا واليسير ما دونهما وهما خمسمائة رطل بالعراقي وثمانون رطلا وسبعان ونصف سبع بالقدسي ومساحتهما أي القلتان ذراع وربع طولا وعرضا وعمقا) . فيه مسائل: قوله: (والكثير قلتان تقريبا).

стр. 113

قال الشيخ اللبدي في "حاشيته" (ص/١٣): (الأولى أن يأتي بهذه اللفظة - أي قريبا - بعد قوله: "وهما خمسمائة رِّطْل بالعراقي" لأن الكثير قلتان تحديدا, فلو نقص عن القلتين يسيرا صار دونهما ومناط الحكم بلوغ الماء قلتين أو عدمه وأما كون القلتين خمسمائة رِّطْل بالعراقي فتقريب لا تحديد فلو نقص هذا القدر رِّطْلا أو رِّطْلين فلا يضر ويسمى قلتين لأن هذا التقدير بالنص ... ). وكان الأولى بالشيخ اللبدي أن يوجه عبارته بدلا من توهميه. وقد ذكر عصام القلعجي في حاشيته على منار السبيل أنه جاء في النسخة الأصل زيادة لفظ (من قِلاَلِ هَجَرَ) قال: (فحذفتها من هذه النسخة لأنها ليست من المتن) وقد بحثت عن هذه الزيادة في ثلاث نسخ خطية وفي بعض النسخ المطبوعة فلم أجدها، وقد أثبتها أيضا الشيخ ابن جبرين ﵀ في النسخة التي كان يشرحها، ويكون على ذلك مراده بقوله: (تقريبا) أي كونهما من قِلاَلِ هَجَر، ولعله لم يشأ الجزم بكونها من هجر لعدم صحة ما ورد من المرفوع في تعيينها وسوف يأتي الكلام في ذلك قريبا - بإذن الله -. وعلى اعتبار عدم وجود هذه الزيادة فظاهر العبارة مشكل، ويتجه تأويلها لمقدارهما، ووجه صحة هذا التأويل أنه يصح إطلاق الشيء وإرادة ما يحل فيه، كقولنا: الجمرة لأنها المحل الذي يرمى فيه بالجمار، وهكذا، وهو كنحو الوجه الذي أشار إليه الشيخ اللبدي، إلا أنني لم أذهب لتغيير موضع الكلمة في عبارة الشيخ مرعي. وكل من الوجهين في الجواب عن عبارته محتمل والثاني أولى وأوجه في حمل كلامه عليه. سبب تسميتها قلة: قال ابن أبي الفتح في "المطلع" (ص: ١٨): (القلتان: واحدتهما قلة، وهي الجَرَّة، سميت بذلك؛ لأن الرجل العظيم يقلها بيديه، أي يرفعها، يقال: قل الشيء وأقله: إذا رفعه). قال ابن قدامة في "المغني" (١/ ١٩): (القلة: هي الجَرَّة، سميت قلة لأنها تقل

стр. 114

بالأيدي، أي تحمل، ومنه قوله تعالى: (حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا) (١) [الأعراف: ٥٧] ويقع هذا الاسم على الكبيرة والصغيرة). قِلاَلُ هَجَر: وقال أيضا: (المراد بها هاهنا قلتان من قلال هجر، وإنما خصصنا هذا بقلال هجر لوجهين: أحدهما أنه قد روي في حديث مبينا، رواه الخطابي، في " معالم السنن " بإسناده إلى ابن جريج، عن النبي ﷺ مرسلا «إذا كان الماء قلتين بقلال هجر» وذكر الحديث. والثاني أن قلال هجر أكبر ما يكون من القلال، وأشهرها في عصر النبي ﷺ ذكره الخطابي قال: وهي مشهورة الصنعة، معلومة المقدار. لا تختلف كما لا تختلف الصيعان والمكاييل؛ ولأن الحد لا يقع بالمجهول). الحديث قد رواه الشافعي في "مسنده" (ص/١٦٥) قال: أخبرنا مسلم بن خالد، عن ابن جريج، بإسناد لا يحضرني ذكره أن رسول الله ﷺ قال: «إذا كان الماء قلتين لم يحمل نجسا» وفي هذا الحديث: بقلال هجر. وهذا إسناد ضعيف فيه علتان الأولى شيخ الشافعي مسلم بن خالد، قال عنه ابن حجر في "التقريب": "صدوق كثير الأوهام"، وابن جريج مدلس وهو ممن عاصر صغار التابعين، فالحديث معضل، وفي بعض الطرق أن القائل ابن جريج. وقد اشتهر ذكر هجر والتمثيل بها؛ لعظم حجمها ففي حديث المعراج عند البخاري في "صحيحه": (وَرُفِعَتْ لِي سِدْرَةُ المُنْتَهَى، فَإِذَا نَبِقُهَا كَأَنَّهُ قِلاَلُ هَجَرَ). وهجر هذه بفتح الهاء والجيم وهي قرية بقرب المدينة وليست هجر البحرين: وقد كان ابتداء عمل هذه القلال بها فنسبت إليها ثم عملت في المدينة فبقيت النسبة على ما كانت (٢). حد القلتين: والمقصود بالقلة هنا: الجَّرة الضخمة.

стр. 115

مقدارهما: أولا - بالرِّطْل العراقي: قال المرداوي في "الإنصاف" (١/ ٦٧): (وهما خمسمائة رِّطْل بالعراقي)، وهو المذهب وعليه جماهير الأصحاب، وجزم به الخرقي، والهداية، والإيضاح، والمذهب، والتلخيص، والبلغة، والخلاصة، والوجيز، والمنور، والمنتخب، والمذهب الأحمد، وإدراك الغاية، وغيرهم، وقدمه في الفروع، والمحرر، والرعايتين، والحاويين، والنظم، ومجمع البحرين وقال: إنه أولى وابن رزين وقال: إنه أصح والمستوعب وقال: إنه أظهر واختاره ابن عبدوس في تذكرته. قال الزركشي: هذا المشهور والمختار للأصحاب. ثم قال: الصحيح من المذهب: أن الرِّطْل العراقي: مائة درهم وثمان وعشرون درهما وأربع أسباع درهم). وعليه فحجم القلتان يساوي ٥٠٠ رِّطْل عراقي أي يساوي ٥٠٠ × ١٢٨ وأربع أسباع درهم. وقد حقق مؤلف كتاب "المكاييل والموازين الشرعية" (ص/١٨) أن الدرهم عند الحنابلة يساوي ٩٧٥ ,٢ من الجرامات. فيكون أربع أسباع الدرهم يساوي ٧ ,١ جرام. ١٢٨ درهم يساوي ٨ ,٣٨٠ جرام. ١٢٨ وأربع أسباع درهم يساوي ٥ ,٣٨٢ جرام. وعليه فيكون حجم القلتين يساوي ٥٠٠ رِّطْل × ٥ ,٣٨٢ جرام يساوي ١٩١٢٥٠ جرام أي ٢٥٠ ,١٩١ كيلوجرام. ثانيا - بالرِّطْل القدسي: قال: (وثمانون رطلا وسبعان ونصف سبع بالقدسي). قال إبراهيم بن مفلح في "المبدع" (١/ ٤١): (القلتان بالدمشقي مائة رطل وسبعة أرطال وسبع رطل، ويعبر عنه بأوقية وخمسة أسباع أوقية، وبالقدسي: ثمانون رطلا وسبعا رطل، ونصف سبع، وبالحلبي: تسعة وثمانون رطلا وسبعا رطل، وبالمصري: أربعمائة وستة وأربعون رطلا وثلاثة أسباع رطل).

стр. 116

وقد ذكر البهوتي في " شرح منتهى الإرادات" (١/ ٢٥): أن الرِّطْل القدسي: ثمانمائة درهم. والسبعان والنصف سبع هما خمسة أجزاء من أربعة عشر جزاء من الرطل. ويكون مقدارهما بالدراهم يساوي ٨٠٠ × ٥ مقسوما على ١٤ يساوي ٧ ,٢٨٥ درهم. والثمانون رطل بالقدسي يساوون ٨٠ × ٨٠٠ يساوي ٦٤٠٠٠ درهم. وعليه فالقلتين بالقدسي هما ٧ ,٦٤٢٨٥ درهما. وسبق وأن ذكرنا أن الدرهم عند الحنابلة يساوي ٩٧٥ ,٢ من الجرامات. فينتج أن القلتين بالقدسي هما ٧ ,٦٤٢٨٥ درهما بالقدسي × ٩٧٥ ,٢ جراما فيكون الناتج تقريبا ١٩١٢٥٠ جرام أي ٢٥٠ ,١٩١ كيلوجرام وهي نفس النتيجة السابقة. هل هذا التقدير تحديدا أم تقريبا ؟ قال المرداوي في "الإنصاف" (١/ ٦٩) بعد أن ذكر تقدير القلتين بالرِّطْل: ((وهل ذلك تقريب، أو تحديد؟ على وجهين) أحدهما: أنه تقريب. وهو المذهب، جزم به في العمدة، والوجيز، والمنور، والتسهيل، وغيرهم، وقدمه في الفروع، وابن تميم، والرعاية الصغرى، وغيرهم، وصححه في المغني، والشرح، ومجمع البحرين، والفائق، وابن عبيدان، وشرح ابن رزين، وغيرهم. قال في الكافي: أظهرهما أنه تقريب. واختاره ابن عبدوس في تذكرته وغيره. والوجه الثاني: أنه تحديد، اختاره أبو الحسن الآمدي. قال ابن عبيدان: وهو اختيار القاضي. قال الشارح: وهو ظاهر قول القاضي ... ). فائدة الخلاف: وقال أيضا: (وفائدة الخلاف في أصل المسألة: أن من اعتبر التحديد لم يعف عن النقص اليسير، والقائلون بالتقريب يعفون عن ذلك). حجمهما: قال: (ومساحتهما أي القلتان ذراع وربع طولا وعرضا وعمقا). قال المرداوي في " الإنصاف" (١/ ٦٨): (مساحة القلتين إذا قلنا إنهما خمسمائة

стр. 117

رطل ذراع وربع طولا وعرضا وعمقا. قاله في الرعاية وغيره). والتعبير بالحجم هو الصحيح لا بالمساحة. قال إبراهيم بن مفلح في "المبدع" (١/ ٤١): (المراد به: ذراع اليد، صرح به بعضهم). وقال البهوتي في " كشاف القناع" (١/ ٤٣): ((والمراد) بالذراع فيما تقدم (ذراع اليد) أي يد الآدمي المعتدل، وهو أربع وعشرون إصبعا معترضة معتدلة. قال القمولي الشافعي وذكر عن الشافعي أنه شبران، وهو تقريب زاد غيره والشبر ثلاث قبضات والقبضة أربع أصابع والإصبع ست شَعِيرات بطون بعضها إلى بعض). وطول الذراع من طرف الْمرْفق إِلَى طرف الإصبع الْوُسْطَى (١). وقد ذكر صاحب المكاييل والموازين الشرعية أن الذراع عند الحنابلة يساوي ٨٣٤ ,٦١ من السنتيمترات. وعليه فيكون حجم القلتين يساوي ذراع وربع × ٨٣٤ ,٦١ سنتيمتر × ٣ فينتج ٢٣١.٩ سم٣ تقريبا. أي هو حجم مكعب طول ضلعه ٣ ,٧٧ سم تقريبا ناتج من ضرب ذراع وربع × ٨٣٤ ,٦١ سنتيمتر. الشك والاشتباه في المياه: قال: (فإذا كان الماء الطهور كثيرا ولم يتغير بالنجاسة فهو طهور ولو مع بقائها فيه، وإن شك في كثرته فهو نجس. وإن اشتبه ما تجوز به الطهارة بما لا تجوز به الطهارة لم يتحر ويتيمم بلا إراقة. ويلزم من علم بنجاسة شيء إعلام من أراد أن يستعمله). قوله: (فإذا كان الماء الطهور كثيرا ولم يتغير بالنجاسة فهو طهور ولو مع بقائها فيه) هل يدخل فيه الماء الذي لا يشق نزحه ووقع فيه بول وعذرة الآدمي المائعة؟

стр. 118

الجواب: أنه لا يدخل في كلامه، وأن مقصوده بالكثير هنا ما كان قلتين وما فوقهما وذلك لقرائن: منها - تعقيبه بهذه العبارة عقب تحديده لمقدار القلتين. ومنها - قوله: (فهو طهور ولو مع بقائها فيه) والراجح في المذهب أن بول الآدمي وعذرته المائعة تنجس الماء الكثير الذي لا يشق نزحه بمجرد الملاقاة وإن لم تغيره. ومنها - أن الشيخ مرعي لم يتكلم عن مسألة تنجس الماء الذي لا يشق نزحه بالبول والعذرة المائعة للآدمي. وعليه فتكون أل المضمنة في عموم الكثرة المراد هي أل العهدية، فالعام هنا ليس على عمومه بل هو من باب العام الذي أريد به الخصوص. إذن مقصوده بالكثرة في عبارته القلتين وما فوقهما، ومقصوده بالنجاسة غير البول والعذرة المائعة. ولو أخذنا بعموم العبارة وحمل العموم على عمومه فيكون مراده بالكثرة ما يشق نزحه فهو الذي لا يتأثر بأي نجاسة ما لم تغيره. الماء المشكوك في كثرته: قال: (وإن شك في كثرته فهو نجس). قال المرداوي في "الإنصاف" (١/ ٧٠): (لو شك في بلوغ الماء قدرا يدفع النجاسة. ففيه وجهان. وأطلقهما في المغني، والشرح، وابن عبيدان، والفروع، والرعايتين، والحاويين. أحدهما: أنه نجس، وهو الصحيح قاله المجد في شرح الهداية. قاله في القواعد الفقهية: هذا المرجح عند صاحب المغني، والمحرر. والثاني: أنه طاهر. قال في القواعد (الفقهية): وهو أظهر). ووجه الرواية المصححة في المذهب والتي اختارها الماتن من الحكم بنجاسة هذا الماء: جعل الأصل في الماء القلة وعدم بلوغه مقدار القلتين، وتيقن حلول النجاسة فيه، والمذهب أن الماء القليل ينجس بمجرد الملاقاة، فلا ينتقل عن الأصل بالشك.

стр. 119

ملاحظة: هذا الماء لم تغير النجاسة فيه أحد أوصافه وإلا لما حصل التردد في الحكم بنجاسة مع التغير حتى وإن كان كثيرا. ولا يصح أن يقال أن هذا الماء تردد فيه بين الطهورية والتنجيس فنحكم بالطهورية، بمعنى أن هذا الماء إن كان كثيرا ولم تظهر فيه أثر النجاسة فهو طهور، وإن كان قليلا تنجس بمجرد الملاقاة، وعليه فلما تردد الماء بين الطهورية والتنجيس حكمنا بالطهورية؛ لأنا نقول أن محل هذا الكلام لو كان الشك في التنجيس لا في قلة الماء وكثرته، ومسألتنا أننا تيقنا وقوع النجاسة فلا يصح أن يقال أن الأصل في هذا الماء الطهورية للأخذ في الاعتبار بحلول النجاسة فيه. الترجيح: والراجح عندنا أن الماء لا ينجس بمجرد ملاقاة النجاسة وأن هذا الماء الغير المتغير طهور. الاشتباه: قال: (وإن اشتبه ما تجوز به الطهارة بما لا تجوز به الطهارة لم يتحر ويتيمم بلا إراقة). وقوله: (اشتبه) مقصوده بالاشتباه هنا مجرد اختلاط آنية الماء الطهور بآنية الماء النجس (١). وقوله: (ما تجوز به الطهارة) أي الماء الطهور. وقوله: (بما لا تجوز به الطهارة) ظاهره أنه يشمل الماء النجس والطاهر حقيقة أو حكما إلا أن ما ذكره من أحكام تخص النجس كما أنه الكلام لا يزال موصولا عن أحكام النجس دون الطاهر، فالماء الطاهر غير مقصود هنا، وسوف أذكر حكم اشتباه الطهور بالطاهر ليتبين الفرق بين الحالتين - بإذن الله -. روايات المذهب: قال المرداوي في " الإنصاف" (١/ ٧١): (قوله (وإن اشتبه الطاهر بالنجس لم

стр. 120

يتحر فيهما على الصحيح من المذهب). وكذا قال في الهداية وَالْمُذْهَبِ، وهو كما قالوا. وعليه جماهير الأصحاب، وجزم به في الْبُلْغَةِ، والوجيز، وَالْمَذْهَبِ الأحمد، والإفادات، والمنتخب، والتسهيل، وغيرهم ... قال الزركشي: وهو المختار للأكثرين. وهو من مفردات المذهب. وعنه يتحرى إذا كثر عدد الطاهر. اختارها أبو بكر وابن شَاقِلَا، وأبو علي النَّجَّادُ قال ابن رجب في القواعد: وصححه ابن عقيل). هل يكفي مطلق الزيادة عند التحري ؟ قال المرداوي في " الإنصاف" (١/ ٧٢): (إذا قلنا يتحرى إذا كثر عدد الطاهر. فهل يكفي مطلق الزيادة ولو بواحد، أو لا بد من الكثرة عرفا، أو لا بد أن تكون تسعة طاهرة وواحد نجس، أو لا بد أن تكون عشرة طاهرة وواحد نجس؟ فيه أربعة أقوال. قدم في الفروع: أنه يكفي مطلق الزيادة. وهو الصحيح. وقدم في الرعايتين والحاوي الكبير: العرف، واختاره القاضي في التعليق، فقال: يجب أن يعتبر بما كثر عادة وعرفا، واختاره النجاد. وقال الزركشي: المشهور عند القائل بالتحري: إذا كان النجس عُشر الطاهر: يتحرى، وجزم به في الْمُذْهَبِ، والتلخيص، وغيرهم. وقال القاضي في جامعه: ظاهر كلام أصحابنا: اعتبار ذلك بعشرة طاهرة وواحد نجس. وأطلقهن ابن تميم وأطلق الأوجه الثلاثة الأول: الزركشي، والفائق). وسوف يأتي قريبا بيان الراجح بأنه لا يتحرى في هذه الحالة مطلقا. هل يشترط إراقتهما، أو خلطهما ؟ وقال (١/ ٧٤): (قوله (وهل يشترط إراقتهما، أو خلطهما؟ على روايتين). إحداهما: لا يشترط الإعدام، وهي المذهب، قال في الْمُذْهَبِ: هذا أقوى الروايتين. وهو ظاهر كلام ابن عَبْدُوسٍ في التذكرة، والتسهيل، وجزم به في الوجيز والعمدة والإفادات، وَالْمُنَوِّرِ، والمنتخب، وغيرهم، وقدمه في إدراك الغاية، وابن تَمِيم، واختاره أبو بكر وابن عقيل، والمصنف، والشارح. والرواية الثانية: يشترط، اختاره الخرقي. قال المجد، وتبعه في مجمع البحرين: هذا هو الصحيح وقدمه في الهداية، والخلاصة، وابن رزين، والرعايتين، والحاويين، وغيرهم ... ). الترجيح: والراجح أنه لا يجب عليه إراقتهما قبل التيمم لأمرين:

стр. 121

الأول - لأنه غير قادر على استعمال الطهور، أشبه ما لو كان في بئر لا يمكنه استقاؤه فهو عادم للماء حكما. قال الشيخ الحمد في شرح الزاد: (الأصح أن ذلك ليس بشرط؛ لأن العاجز عن استعمال الماء كعادمه، فهذا الرجل عاجز عن الماء أو جاهل، أيهما الطهور من النجس فهو كالعادم للماء وقد قال تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: ٤٣]، وهذا غير واجد للماء حكماً لا حقيقة، ولا يشترط أن يكون عادماً للماء حقيقة). الثاني - أن هذا الماء قد يحتاج إليه في نحو إزالة غصة عند خشية الهلاك، أو بل التراب، أو طفئ حريق متلف، ونحو ذلك من وجوه الاستعمال التي سبق ذكرها. تقييدات وبيان محل الخلاف: قال الزركشي في " شرحه على مختصر الخرقي" (١/ ١٤٩): (صورة هذه المسألة إذا لم يجد طهورا غيرهما، ولم يمكن تطهير أحدهما بالآخر، أما إذا كان ذلك فإنه يجب اعتماده). وقال المرداوي في "الإنصاف" (١/ ٧٣): (محل الخلاف: إذا لم يكن عنده طهور بيقين. أما إذا كان عنده طهور بيقين. فإنه لا يتحرى، قولا واحدا. ومحل الخلاف أيضا: إذا لم يمكن تطهير أحدهما بالآخر: فإن أمكن تطهير أحدهما بالآخر: امتنع من التيمم. قاله الأصحاب؛ لأنهم إنما أجازوا التيمم هنا بشرط عدم القدرة على استعمال الطهور. وهنا هو قادر على استعماله. مثاله: أن يكون الماء النجس دون القلتين بيسير. والطهور قلتان فأكثر بيسير، أو يكون كل واحد قلتين فأكثر. ويشتبه. ومحل الخلاف أيضا: إذا كان النجس غير بول. فإن كان بولا لم يتحر، وجها واحدا. قاله في الكافي، وابن رزين، وغيرهما). تحرير محل النزاع: لا خلاف في المذهب أنه لا يجوز التحري إن تساوت عدد الآنية، وإنما محل الخلاف في التحري عند كثرة عدد آنية الماء الطهور، وظاهر كلام أحمد أنه لا

стр. 122

يجوز له التحري بحال، وفي رواية الجواز عند كثرة أنية الطهور، واختارها جماعة من الأصحاب كما سبق. الأدلة والمناقشة: استدل من قال بالتحري بأدلة وهي (١): ١ - أن الظاهر إصابة الطهور؛ لأن جهة الإباحة قد ترجحت بكثرة آنية الطهور، فجاز التحري. ٢ - القياس على ما لو اشتبهت عليه أخته في نساء مصر. ٣ - القياس على ما لو اشتبهت عليه القبلة. ٤ - قالوا: الطهارة تؤدى باليقين تارة، وبالظن أخرى، ولهذا جاز التوضؤ بالماء القليل المتغير، الذي لا يعلم سبب تغيره. ٥ - استدلوا بقوله ﷺ في حديث ابن مسعود ﵁ في مسألة الشك في الصلاة: «وإذا شك أحدكم في صلاته فليتحر الصواب ثم ليبن عليه»، فهذا دليل أثري في ثبوت التحري في المشتبهات. الجواب عن هذه الاستدلالات: - وقولهم: "إذا كثر الطاهر ترجحت الإباحة". يبطل بما إذا اشتبهت أخته في مائة أو ميتة بمذكيات، فإنه لا يجوز التحري، وإن كثر المباح. فإن قيل أن الأصل في هذه الأشياء التوقف بخلاف الماء قيل لما كان استخدام الماء في هذه الحالة عند الاشتباه قد يؤدي إلى استعمال النجس كان الأصل فيها التوقف حتى وإن كثر عدد الآنية فالاحتمال لا يزال قائما. - وأما إذا اشتبهت في نساء مصر، فإنه يشق اجتنابهن جميعا، ولذلك يجوز له النكاح من غير تحر. ويوضحه أن مسألتنا في اشتباه أعداد محصورة بخلاف ما لو اشتبهت بعدد غير محصور من الآنية.

стр. 123

- وأما عدم الإعادة في مسألة الشك في القبلة؛ فلأن النبي ﷺ لم يأمر بإعادة الصلاة في هذه الحالة وقد رخص في ترك استقبال القبلة في حالة الخوف والنافلة في السفر، بخلاف مسألتنا هذه فالقبلة ما يتوجه إليه بظنه، ولو بان له يقين الخطأ لم يلزمه الإعادة كما دلَّ الدليل على ذلك، بخلاف مسألتنا. - وأما المتغير من غير سبب يعلمه، فيجوز الوضوء به استنادا إلى أصل الطهارة، وإن غلب على ظنه نجاسته، ولا يحتاج إلى تحر. وفي مسألتنا عارض يقين الطهارة يقين النجاسة، فلم يبق له حكم، ولهذا لا يجوز استعماله من غير تحر. - وأما حديث ابن مسعود ﵁ فهو معارض بحديث أبي سعيد ﵁ الذي رواه مسلم وفيه: (إِذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ، فَلَمْ يَدْرِ كَمْ صَلَّى ثَلَاثًا أَمْ أَرْبَعًا، فَلْيَطْرَحِ الشَّكَّ وَلْيَبْنِ عَلَى مَا اسْتَيْقَنَ) ويحمل حديث ابن مسعود على وجود قرائن قوية ترجح أحد الاحتمالات بخلاف الترجيح بمجرد كثرة عدد الآنية وعدم التمييز بينها بما يرجح إمكانية استخدام الطهور. أدلة من قال لا يجوز التحرى: - قال بن قدامة في "المغنى" (١/ ٤٥): (ولنا أنه اشتبه المباح بالمحظور، فيما لا تبيحه الضرورة، فلم يجز التحري، كما لو استوى العدد عند أبي حنيفة، وكما لو كان أحدهما بولا عند الشافعي، فإنه قد سلمه، واعتذر أصحابه بأنه لا أصل له في الطهارة. قلنا: وهذا الماء قد زال عنه أصل الطهارة، وصار نجسا، فلم يبق للأصل الزائل أثر، على أن البول قد كان ماء، فله أصل في الطهارة، كهذا الماء النجس). ومما ذكره الشيخ العثيمين ﵀ في " الشرح الممتع" (١/ ٦١) استدلالا لهذا القول (١): (إن اشتبه ماء طهور بماء نجس حرم استعمالهما، لأن اجتناب النجس واجب، ولا يتم إلا باجتنابهما، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وهذا دليل نظري. وربما يستدل عليه بأن النبي ﷺ قال في الرجل يرمي صيدا فيقع في الماء: «إن وجدته غريقا في الماء فلا تأكل، فإنك لا تدري، الماء قتله أم

стр. 124

سهمك؟». وقال: «إذا وجدت مع كلبك كلبا غيره فلا تأكل، فإنك لا تدري أيهما قتله»؟. فأمر باجتنابه، لأنه لا يدرى هل هو من الحلال أم الحرام؟ الترجيح: والأقوى عندي من الأقوال في المذهب أنه لا يتحر في هذه الحالة ويتيمم بدون إراقة. وأما الراجح بناء على الأدلة فإنه قد سبق وأن رجحت أن الماء لا ينجس إلا بالتغير وفي هذه الحالة لا يمكن اشتباه الطهور بغيره إلا في حالة أن يكون التنجس بلعاب الكلب ففي هذه الحالة إن استطاع التمييز بين المائين ببعض القرائن كوجود شعرات من الكلب داخل الماء مثلا، فإنه يتحرى، فإن لم يترجح له طهورية أحد الآنية فإنه يتيمم بدون إراقة. اشتباه طهور بطاهر: ظاهر المذهب أنه لا يتحر، وفي المذهب روايتان: الأولى - وهي قول أكثر الأصحاب أنه يتوضأ وضوءين من هذا وضوء كامل ومن هذا وضوء كامل. والرواية الثانية - وهي المقدمة في المذهب أنه يتوضأ وضوء واحد من هذا غَرْفَة، ومن هذا غَرْفَة بأن يغسل كل عضو مرتين كاملتين يمر بكل غسلة على كامل العضو مرة أولى من هذا ومرة ثانية من الثاني. قال المرداوي في " الإنصاف" (١/ ٧٥): (وإن اشتبه طاهر بطهور توضأ من كل واحد منهما) أنه يتوضأ وضوءين كاملين، من هذا وضوءا كاملا منفردا، ومن الآخر كذلك، وهو أحد الوجهين. وصرح بذلك، وجزم به في المغني، والكافي، والهادي، والوجيز، وابن رزين، والحاوي الكبير، وابن عَبْدُوسٍ في تذكرته، والمنتخب، وَالْمُنَوِّرِ، والإفادات، وغيرهم، وقدمه في الرعايتين، والحاوي الصغير، والنظم، وهو ظاهر كلامه في الهداية، والمذهب، والمستوعب، والتلخيص، والشرح، والمذهب الأحمد، وإدراك الغاية، والمحرر والخلاصة، وابن مُنَجَّا في

стр. 125

شرحه، والفائق، وابن عبيدان، وغيرهم. قال في مجمع البحرين: هذا قول أكثر الأصحاب. والوجه الثاني: أنه يتوضأ وضوءا واحدا، من هذا غرفة، ومن هذا غرفة، وهو المذهب قال ابن تميم: هذا أصح الوجهين قال في تجريد العناية: يتوضأ وضوءا واحدا في الأظهر قال في القواعد الأصولية، في القاعدة السادسة عشر: مذهبنا يتوضأ منها وضوءا واحدا، وقدمه في الفروع. ومجمع البحرين. وأطلقهما في القواعد الأصولية في موضع آخر. ظاهر قوله " توضأ " أنه لا يتحرى، وهو صحيح، وهو المذهب. وعليه الأصحاب. وذكر في الرعاية قولا بالتحري، إذا اشتبه الطهور بمائع طاهر غير الماء). الترجيح: الراجح بناء على القسمة الثلاثية أنه يتوضأ وضوءا واحدا منهما. قال ابن قاسم في "حاشيته على الروض المريع" (١/ ٩٦) مرجحا هذا القول: (لأن الوضوء الواحد على الوجه المذكور مجزوم به بنية كونه رافعا، بخلاف الوضوئين فلا يدري أيهما الرافع للحدث؟ قال الخلوتي: ويصح أن يتوضأ وضوءين كاملين بنية واحدة، مع قرب زمنيهما وهذا غير القول الثاني، لأن عليه أن يتوضأ وضوءين بنيتين، فتكون النية الثانية مشكوكا فيها، هل هي بعد الرفع أو لا؟) وأما الراجح بناء على القسمة الثنائية فله أن يتوضأ بأحد الماءين لأنه يصح رفع الحديث بأيهما. الفرق بين الاشتباه في الحالتين السابقتين: قال ابن قدامة في " المغني" (١/ ٤٦): (وفارق ما إذا كان نجسا؛ لأنه ينجس أعضاءه يقينا، ولا يأمن أن يكون النجس هو الثاني، فيبقى نجسا، ولا تصح صلاته). متى يتحرى: قال ابن قدامة في " المغني" (١/ ٤٦): فإن احتاج إلى أحد الإناءين للشرب تحرى، فتوضأ بالطهور عنده، وتيمم معه ليحصل له اليقين).

стр. 126

الإعلام بنجاسة الماء: قال: (ويلزم من علم بنجاسة شيء إعلام من أراد أن يستعمله). قال المرداوي في "الإنصاف" (١/ ٧٥): (لو علم أحد النجس فأراد غيره أن يستعمله: لزمه إعلامه، قدمه في الرعاية الكبرى في باب النجاسة. وَفَرَضَهُ في إرادة التطهر به. وقيل: لا يلزمه. وقيل: يلزمه إن قيل إن إزالتها شرط في صحة الصلاة، وهو احتمال لصاحب الرعاية. وأطلقهن في الفروع). قال الشيخ ابن جبرين في "شفاء العليل" (ص/١٢٣): (لأن استعمال ما فيه النجاسة في العبادات لا يجوز، فالواجب على من يرى إنسانا يريد استعمال شيء فيه نجاسة من ماء أو ثياب أو نحوهما أن يخبره بذلك ليبتعد عن ما نهى الله عنه وهو من واجب النصيحة للمسلم لقوله ﷺ : "الدين النصيحة" وقوله ﷺ : " المؤمن مرآة المؤمن" أي يكون له كالمرآة فإذا رأى فيه عيبا أو رآه يفعل خطأ نهاه عن ذلك وأرشده إلى الصواب).

стр. 127

باب الآنية تعريف الباب: سبق وأن ذكرنا تعريف الكتاب بأنه اسم لجنس من الأحكام ونحوها تشتمل على أنواعا مختلفة كالطهارة مشتملة على المياه والوضوء والغسل والتيمم وإزالة النجاسة وغيرها، وكل نوع من هذه الأنواع يسمى بابا. فالباب معروف، وهو مَدْخَلُ الْبَيْت وَمَا يسد بِهِ الْمَدْخَل من خشب وَنَحْوه وَمن الْكتاب الْقسم يجمع مسَائِل من جنس وَاحِد تسمى فصولا، والجمعُ أَبْوابٌ وبِيبانٌ (١). تعريف الآنية: قل البهوتي في "كشاف القناع" (١/ ٥٠): (الْآنِيَةُ لُغَةً وَعُرْفًا (الْأَوْعِيَةُ) (٢) وَهِيَ ظُرُوفُ الْمَاءِ وَنَحْوُهَا وَالْآنِيَةُ جَمْعُ إنَاءٍ كَسِقَاءٍ وَأَسْقِيَةٍ، وَوِعَاءٍ وَأَوْعِيَةٍ وَجَمْعُ الْآنِيَةِ: أَوَانٍ وَالْأَصْلُ أَأَنِيٌ أُبْدِلَتْ الْهَمْزَةُ الثَّانِيَةُ وَاوًا، كَرَاهِيَةَ اجْتِمَاعِ هَمْزَتَيْنِ كَآدَمَ وَأَوَادِمَ) وقال الشيخ الفوزان في "الملخص الفقهي" (١/ ٢٠): (الآنية هي الأوعية التي يحفظ فيها الماء وغيره، سواء كانت من الحديد أو الخشب أو الجلود أو غير ذلك). إشكال والجواب عنه: الشيخ مرعي ترجم لهذا باب بالآنية ولكنه لم يقتصر فيه على ذكر أحكام الآنية بل زاد عليها في هذا الباب حكم ثياب الكفار وحكم عظم الميتة وقرنها وظفرها وحافرها وعصبها وجلدها والشعر والصوف والريش. قال اللبدي في "حاشيته" (ص: ١٤): (ترجم لشيء وزاد عليه وهذا ليس بعيب). قلت: ظاهر كلام اللبدي أنه زاد عليه ما ليس من جنسه، والأولى أن يقال أنه استطرد في الكلام على الظروف وكأنه يسوي بين الظرف والآنية. قال العسكري في " معجم الفروق اللغوية" مبينا الفرق بين الآنية والظرف (ص: ٧): (الآنية: تطلق على كل ما يستعمل في الأكل والشرب، وغيرهما كالقدر والمغرفة والصحن، والغضارة. والظرف أعم منه ومن غيره إذ هو ما يشغل

стр. 128

الشيء ويحيط به، فالصندوق والمخزن، وكذا الحوض والدار: ظروف، ولا تطلق عليها الآنية، فبينهما عموم وخصوص، فإن كل آنية ظرف، وليس كل ظرف آنية، وأهل اللغة لم يفرقوا بينهما). الثياب ظروف لجسد من يلبسها، وجلد الميتة ظروف لما بداخلها، وقد ذكر بعض ما يتعلق بثياب الكفار وجلد الميتة من أحكام الطهارة والنجاسة. وجواب آخر أن يقال أنه ذكر القرن والجلد والشعر ونحوها لكونها مادة تصنيع بعض الآنية، ويكون ذكر ثياب الكفار استطرادا لمناسبة ذكر آنيتهم وهذا أولى من الجواب السابق. قال: (يباح اتخاذ كل إناء طاهر واستعماله ولو ثمينا إلا آنية الذهب والفضة والمموه بهما) . ذكر الماتن أنه يباح اتخاذ واستعمال كل الآنية الطاهرة حتى وإن كانت ثمينة أي كثير الثمن، كالمتخذة من جوهر وياقوت وزمرد، ونحو ذلك، واستثنى من ذلك آنية الذهب والفضة وما موه بهما. وفي كلامه مسائل: بعض المباحات لا يجوز استخدامها: ذهب الماتن إلى إباحة اتخاذ واستعمال كل إناء فقال: (يباح اتخاذ كل إناء طاهر واستعماله)، وهذا العموم متعقب بعظم الآدمي وجلده لحرمته، وقد استثناه الماتن في غاية المنتهي. قال الرحيباني في " مطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهى" (١/ ٥٦): (لا يباح اتخاذ، ولا استعمال إناء من (عظم آدمي وجلده)، لحرمته (ولو) كان المُتَّخذ أو المُستعمل (نحو مِيل وقِنديل)، كمِجمرة ومِبخرة، ودواة ومُشط وسكين، وكرسي وسرير، وخفين ونعلين (ولو لأنثى)، لعموم الأخبار، وعدم المخصص. وأما التحلي فأبيح لهن لحاجتهن إليه للزوج وهذا ليس في معناه، (وتصلح طهارة بها) - أي: الآنية المذكورة بأن يغترف الماء بها) (١).

стр. 129

قال المرداوي في " الإنصاف" (١/ ٧٩): (يستثنى من قوله (كل إناء طاهر يباح اتخاذه واستعماله) عظم الآدمي فإنه لا يباح استعماله). حكم استعمال الآنية النجسة على وجه لا يتعدى: مفهوم قوله: (يباح اتخاذ كل إناء طاهر واستعماله) أنه لا يباح اتخاذ ولا استعمال الآنية النجسة، وقد تعقب هذا المفهوم الشيخ العثيمين ﵀ فقال في " الشرح الممتع" (١/ ٧١) ما مختصره: (قوله: «كل إناء طاهر»، هذا احتراز من النجس، فإنه لا يجوز استعماله، وفيما قال المؤلف نظر، لأن النجس يباح استعماله إذا كان على وجه لا يتعدى، مثاله أن يتخذ «زنبيلا» نجسا يحمل به التراب ونحوه، على وجه لا يتعدى). وقد نحا الماتن إلى جواز استعمال جلد حيوان كان طاهرا في الحياة، ثم تنجس بموت، مأكولا كالشاة أو لا كالهر بعد دبغة - مع أن الدبغ غير مطهر - في يابس، وأيضا أجاز استعمال شعر ما لا يؤكل لحمه غير جلد كلب وخنزير في يابس ولبسه في غير الصلاة. قال الرحيباني في "مطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهى" (١/ ٥٩): ((ولا) يطهر (بدبغ جلدُ) حيوانٍ كان طاهرا في الحياة، ثم (تنجس بموت)، مأكولا كان أو لا: كالشاة والهر، على الصحيح من المذهب ... (فإن دبغ) جلد الميتة الطاهرة في الحياة (حل استعماله لا بيعه في يابس)، لحديث مسلم «أن النبي ﷺ وجد شاة ميتة أعطتها مولاة لميمونة من الصدقة، فقال: ألا أخذوا إهابها فدبغوه، فانتفعوا به» ولأن الصحابة لما فتحوا فارس انتفعوا بسروجهم وذبائحهم ميتة، ولأن نجاسته لا تمنع الانتفاع به، كالاصطياد بالكلب، وركوب البغل والحمار، وعلم منه أنه لا يجوز استعماله قبل الدبغ مطلقا، ولا بعده في مائع من ماء أو غيره، لأنه يفضي إلى تعدي النجاسة، (كمُنْخُلِ من شعر) حيوان (نجس)، كبغل: فيحل استعماله في يابس، لعدم تعدي النجاسة (١)) (٢).

стр. 130

وقد يقال أن هذا التعقب لا يلزم الماتن لأن محل الكلام على استعمال الآنية النجسة في المائعات وخاصة الماء لا في اليابس، وقرينة ذلك أنه ذكر باب الآنية عقب باب المياه لبيان أن هذه الآنية إنما هي لحفظ الماء. والصواب صحة التعقب وما ذُكِرَ لا يقوى على التخصيص بالماء فقط، بالإضافة إلى أن هذه المناسبة المذكورة ضعيفة فالماء لا يشترط أن يكون في ظرف بل إن أصله أن يكون في الآبار والعيون. وقد اعتاد بعض الفقهاء ذكر هذا الباب في كتاب الأطعمة والأشربة. والأولى أن يقال في وجه مناسبة ذكره في كتاب الطهارة أن بعض الآنية منهي عن استعمالها لنجاستها كالأوعية من جلود الميتة وآنية الكفار، أو محرمة كآنية الذهب والفضة فاحتاج الأمر إلى بيان حكم التطهر منهما فناسب أن يتكلموا على باب الآنية في كتاب الطهارة (١). حكم استخدام الأواني الثمينة من غير النقدين: قال ابن قدامة في "المغني" (١/ ٥٨): (أما سائر الآنية فمباح اتخاذها واستعمالها , سواء كانت ثمينة , كالياقوت والبِلور وَالْعَقِيقِ وَالصُّفْرِ والمخروط من الزجاج , أو غير ثمينة , كالخشب والخزف والجلود. ولا يكره استعمال شيء منها في قول عامة أهل العلم , إلا أنه روي عن ابن عمر أنه كره الوضوء في الصُّفْر والنُّحَاس والرَّصَاص وما أشبه ذلك. واختار ذلك الشيخ أبو الفرج المقدسي; لأن الماء يتغير فيها , وروي أن الملائكة تكره ريح النحاس (٢) , وقال الشافعي في أحد قوليه: ما كان ثمينا لنفاسة جوهره فهو محرم; لأن تحريم الأثمان تنبيه على تحريم ما هو أعلى منه ; ولأن فيه سرفا وخيلاء وكسر قلوب الفقراء , فكان محرما كالأثمان.

стр. 131

ولنا ما روي عن عبد الله بن زيد , قال: ﴿أتانا رسول الله ﷺ فأخرجنا له ماء في تور من صُفْر , فتوضأ﴾ متفق عليه , وروى أبو داود في " سننه " , عن عائشة قالت: ﴿كنت أغتسل أنا ورسول الله ﷺ في تور من شَبَه (١)﴾ ولأن الأصل الحل , فيبقى عليه , ولا يصح قياسه على الأثمان ; لوجهين: أحدهما أن هذا لا يعرفه إلا خواص الناس , فلا تنكسر قلوب الفقراء باستعماله , بخلاف الأثمان. والثاني أن هذه الجواهر لقلتها لا يحصل اتخاذ الآنية منها إلا نادرا , فلا تفضي إباحتها إلى اتخاذها واستعمالها , وتعلق التحريم بالأثمان التي هي واقعة في مظنة الكثرة , فلم يتجاوزه , كما تعلق حكم التحريم في اللباس بالحرير , وجاز استعمال القصب من الثياب , وإن زادت قيمته على قيمة الحرير ; ولأنه لو جعل فص خاتمه جوهرة ثمينة جاز (٢) , وخاتم الذهب حرام , ولو جعل فصه ذهبا كان حراما , وإن قلت قيمته) (٣). الترجيح: الراجح إباحة استخدام الأواني الثمينة من غير النقدين. وهو قول جمهور العلماء إلا أنه لم يصح فيه الإجماع. قال ابن حزم في "مراتب الإجماع" (ص: ٢٣): (اتفقوا أن كل إناء ما لم يكن فضة ولا ذهبا ولا صفرا ولا نحاسا ولا رصاصا ولا مغصوبا ولا إناء كتابي ولا جلد ميتة ولا جلد ما لا يؤكل لحمه وإن ذكي فان الوضوء منه والأكل والشرب جائز) وتعقبه ابن تيمية في "نقد مراتب الإجماع" (ص: ٢٨٩) فقال: (الآنية الثمينة التي تكون أغلى من الذهب والفضة - كالياقوت ونحوه - فيها قولان للشافعي. وفي مذهب مالك قولان). وقال ابن حجر في "الفتح" (١٠/ ٩٨): (يجوز استعمال الأواني من الجواهر النفيسة وغالبها أنفس وأكثر قيمة من الذهب والفضة ولم يمنعها إلا من شذ وقد نقل

стр. 132

بن الصَّبَّاغِ في الشامل الإجماع على الجواز وتبعه الرَّافِعِي ومن بعده لكن في زوائد الْعُمْرَانِي عن صاحب الفروع نقل وجهين). آنية الذهب والفضة: قوله: (يباح اتخاذ كل إناء طاهر واستعماله ولو ثمينا إلا آنية الذهب والفضة والمموه بهما). استثنى الشيخ مرعي هنا من إباحة اتخاذ واستعمال الآنية الطاهرة: آنية الذهب أو الفضة أو المموه بهما فلا يحل اتخاذها ولا استعمالها. - الفرق بين الاتخاذ والاستعمال: قال الشيخ العثيمين في "الشرح الممتع" (١/ ٧٢): (هناك فرق بين الاتخاذ والاستعمال، فالاتخاذ هو: أن يقتنيه فقط إما للزينة، أو لاستعماله في حالة الضرورة، أو للبيع فيه والشراء، وما أشبه ذلك. أما الاستعمال: فهو التلبس بالانتفاع به، بمعنى أن يستعمله فيما يستعمل فيه). - الملازمة بين الاتخاذ والاستعمال للذهب والفضة: أولا - أن يكون الاتخاذ على هيئة الاستعمال المنهي عنه: قال ابن قدامة في " الكافي" (١/ ٤٥): (ما حرم استعماله، حرم اتخاذه على هيئة الاستعمال، كالطنبور، ويستوي في ذلك الرجال والنساء، لعموم الخبر) (١). والمقصود بهيئة الاستعمال أن تكون على نفس الهيئة المنهي عن استعمالها فيه فمثلا نهى النبي ﷺ عن الأكل والشرب في آنية الذهب والفضة فيُتخذ منهما وِعَاء للأكل أو الشرب وإن لم يأكل أو يشرب فيهما، وأما غير هيئة الاستعمال فتكون بأن يتخذ منهما قلما أو نظارة ونحو ذلك من الوجوه الخارجة عن هيئة ما يستعمل في الأكل والشرب. قال المرداوي في " الإنصاف" (١/ ٧٩): ((إلا آنية الذهب والفضة والمضبب بهما فإنه يحرم اتخاذهما). وهذا المذهب. وعليه جماهير الأصحاب. وقطع به أكثرهم. منهم: الخرقي، وصاحب الهداية، والخصال، والمستوعب، والمغني،

стр. 133

والوجيز، والمنور، وابن عبدوس في تذكرته، وابن رزين، وابن منجا في شرحهما، وغيرهم. قال المصنف: لا يختلف المذهب فيما علمنا في تحريم اتخاذ آنية الذهب والفضة، وقدمه في الفروع، والمحرر، والنظم والرعايتين، والفائق، ومجمع البحرين، والشرح وابن عبيدان، وغيرهم. وعنه يجوز اتخاذهما. وذكرها بعض الأصحاب وجها في المذهب. وأطلقهما في الحاويين ... ). وقال تقي الدين في "الفتاوى الكبرى" (١/ ٤٣٦): (تنازع العلماء في جواز اتخاذ الآنية بدون استعمالها , فرخص فيه أبو حنيفة , والشافعي , وأحمد في قول , وإن كان المشهور عنهما تحريمه , إذ الأصل أن ما حرم استعماله , حرم اتخاذه كآلات الملاهي). قال موفق الدين في "المغني" (١/ ٥٩): (ويحرم اتخاذ آنية الذهب والفضة. وحكي عن الشافعي أن ذلك لا يحرم ; لأن الخبر إنما ورد بتحريم الاستعمال , فلا يحرم الاتخاذ , كما لو اتخذ الرجل ثياب الحرير. ولنا , أن ما حرم استعماله مطلقا حرم اتخاذه على هيئة الاستعمال , كالطنبور , وأما ثياب الحرير فإنها لا تحرم مطلقا , فإنها تباح للنساء , وتباح التجارة فيها , ويحرم استعمال الآنية مطلقا في الشرب والأكل وغيرهما ; لأن النص ورد بتحريم الشرب والأكل , وغيرهما في معناهما. ويحرم ذلك على الرجال والنساء ; لعموم النص فيهما , ووجود معنى التحريم في حقهما , وإنما أبيح التحلي في حق المرأة ; لحاجتها إلى التزين للزوج , والتجمل عنده , وهذا يختص الحلي , فتختص الإباحة به). قال تقي الدين في "شرح العمدة" (١/ ١١٥): (وكذلك يحرم اتخاذها في المشهور من الروايتين فلا يجوز صنعتها ولا استصياغها ولا اقتناؤها ولا التجارة فيها لأنه متخذ على الاستعمال فكان كالطنبور وآلات اللهو ولان اتخاذها يدعو إلى استعمالها غالبا فحرم كاقتناء الخمر والخلوة بالأجنبية). والراجح طرد الملازمة هنا وتحريم الاتخاذ على هيئة الاستعمال المنهي عنه؛ لأنه قد يجر إلى استعمالها فيما حرم. ثانيا - ألا يكون الاتخاذ على هيئة الاستعمال المنهي عنه: قال ابن مفلح في " الفروع" (١/ ١٠٣): (يحرم في المنصوص استعمال آنية

стр. 134

ذهب وفضة على الذكر والأنثى "و" حتى الْمِيل ونحوه وكذا اتخاذها على الأصح "هـ" وحكى ابن عقيل في الفصول أن أبا الحسن التَّمِيمِيَّ قال: إذا اتخذ مِسْعَطًا، أَوْ قِنْدِيلًا، أَوْ نعلين، أَوْ مِجْمَرَةً، أَوْ مِدْخَنَةً، ذهبا أو فضة كره ولم يحرم ... ). قال الشيخ العثيمين في " الشرح الممتع" (١/ ٧٥): (وعندنا هنا ثلاث حالات: اتخاذ، واستعمال، وأكل وشرب. أما الأكل والشرب فيهما فهو حرام بالنص، وحكى بعضهم الإجماع عليه. وأما الاتخاذ فهو على المذهب حرام، وفي المذهب قول آخر، وهو محكي عن الشافعي ﵀ أنه ليس بحرام. وأما الاستعمال فهو محرم في المذهب قولا واحدا. والصحيح: أن الاتخاذ والاستعمال في غير الأكل والشرب ليس بحرام؛ لأن النبي ﷺ نهى عن شيء مخصوص وهو الأكل والشرب، ولو كان المحرم غيرهما لكان النبي ﷺ وهو أبلغ الناس، وأبينهم في الكلام ـ لا يخص شيئا دون شيء، بل إن تخصيصه الأكل والشرب دليل على أن ما عداهما جائز؛ لأن الناس ينتفعون بهما في غير ذلك. ولو كانت حراما مطلقا لأمر النبي ﷺ بتكسيرها، كما كان النبي ﷺ لا يدع شيئا فيه تصاوير إلا كسره أو هتكه، لأنها إذا كانت محرمة في كل الحالات ما كان لبقائها فائدة. ويدل لذلك أن أم سلمة ـ وهي راوية الحديث (١) ـ كان عندها جُلجُل (٢) من فضة جعلت فيه شعرات من شعر النبي ﷺ فكان الناس يستشفون بها، فيُشفون بإذن الله، وهذا في «صحيح البخاري»، وهذا استعمال في غير الأكل والشرب. فإن قال قائل: خص النبي ﷺ الأكل والشرب لأنه الأغلب استعمالا؛ وما علق به الحكم لكونه أغلب لا يقتضي تخصيصه به كقوله تعالى:

стр. 135

﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ﴾ [النساء: ٢٣]، فتقييد تحريم الربيبة بكونها في الحجر لا يمنع التحريم، بل تحرم، وإن لم تكن في حجره على قول أكثر أهل العلم؟ قلنا: هذا صحيح، لكن كون الرسول ﷺ يعلق الحكم بالأكل والشرب؛ لأن مظهر الأمة بالترف في الأكل والشرب أبلغ منه في مظهرها في غير ذلك، وهذه علة تقتضي تخصيص الحكم بالأكل والشرب، لأنه لا شك أن الذي أوانيه في الأكل والشرب ذهب وفضة، ليس كمثل من يستعملها في حاجات تخفى على كثير من الناس). مناقشة ما قاله الشيخ العثيمين: أولا - بيان علل التحريم: ١ - الخيلاء وكسر قلوب الفقراء: وقد سبق ذكرها في كلام الشيخ العثيمين، وقال بهذا جمهور العلماء من الحنفية، والمالكية، والشافعية والحنابلة. وهذه العلة غير منضبطة فقلوب الفقراء تنكسر بالمراكب الفارهة والملابس الفاخرة والبيوت الواسعة والأطعمة اللذيذة وغير ذلك من المباحات ومع كون هذه الأشياء مما ينكسر بها قلوب الفقراء لم يحرمها الشارع بل هي مباحة - ما لم يكن فيها إسراف -، وعليه فهذه العلة لا يناط بها حكم التحريم. ٢ - التشبه بالأعاجم والكفار (١): وقد ذكر ابن تيمية أن اتخاذ الحرير وأواني الذهب والفضة فيه تشبه بالكفار فقال في "اقتضاء الصراط المستقيم" (١/ ٣٦٠): (قال رسول الله ﷺ : «لا تشربوا في آنية الذهب والفضة، ولا تأكلوا في صحافها، فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة» متفق عليه. وعن جبير بن نفير عن عبد الله بن عمرو قال: «رأى رسول الله ﷺ علي ثوبين معصفرين فقال: " إن هذه من ثياب الكفار، فلا تلبسها» رواه مسلم.

стр. 136

علل النهي عن لبسها بأنها: من ثياب الكفار، وسواء أراد أنها مما يستحله الكفار بأنهم يستمتعون بخلاقهم في الدنيا، أو مما يعتاده الكفار لذلك. كما أنه في الحديث قال: إنهم يستمتعون بآنية الذهب والفضة في الدنيا، وهي للمؤمنين في الآخرة، ولهذا كان العلماء يجعلون اتخاذ الحرير وأواني الذهب والفضة تشبها بالكفار). قال ابن رشد في "البيان والتحصيل" (١٨/ ٥٤٠): (جاء النهي عن الأكل والشرب في آنية الفضة والذهب من جهة التشبه بالأعاجم، وكذلك اللجام والسرج المحليان بالفضة والذهب إنما لم يجز الركوب بهما من أجل ذلك ... ). روى ابن ماجه وغيره من حديث أبي موسى ﵁ مرفوعاً: (جنتان من فضة آنيتهما وما فيهما وجنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم ﵎ إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن) (١) وهذا الحديث صريح في أن أهل الجنة يتمتعون بسائر وجوم استعمال الذهب والفضة وليس الشرب فقط. قال الشنقيطي في "أضواء البيان" (٣/ ٢٢٥): (هذه الأربعة المذكورة في هذا الحديث، التي هي: الذهب، والفضة، والحرير، والديباج ـ صرح النَّبي ﷺ أنها للكفار في الدنيا، وللمسلمين في الآخرة. فدل ذلك على أن من استمتع بها من الدنيا لم يستمع بها في الآخرة). ٣ - تضييق النقدين: قال تقي الدين في " شرح عمدة الفقه" (١/ ١١٤): (لأن ذلك مظنة السرف باستعمال النقدين في غير ما خلقا له والله لا يحب المسرفين، ومظنة الخيلاء والكبر لما في ذلك من امتهانهما، ومظنة الفخر وكسر قلوب الفقراء والله لا يحب كل مختال فخور). قال الرحيباني في "مطالب أولي النهى" (١/ ٥٥): ((ولا) يباح اتخاذا ولا استعمالا إناء (من ذهب و) لا من (فضة)، لحديث حذيفة مرفوعا «لا تشربوا في

стр. 137

آنية الذهب والفضة، ولا تأكلوا في صحافهما، فإنها لهم في الدنيا، ولكم في الآخرة» وعن أم سلمة ترفعه «الذي يشرب في آنية الذهب والفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم» متفق عليهما. والجرجرة: صوت وقوع الماء بانحداره في الجوف. وغير الأكل والشرب في معناهما، لأنهما خرجا مخرج الغالب، ولأن في ذلك سرفا وخيلاء، وكسر قلوب الفقراء، وتضييق النقدين) (١). ولا يقال أن العلة منقوضة بما أذن الشرع في استعماله كالحلي للنساء فالترخيص في ذلك للدليل، وتجويز غيرها وقياسها عليه يؤدي إلى تضييق العلة. والراجح عندي أن العلة مركبة من كل ما سبق، والعلة تعمم معلولها وعليه فالنهي لا يخص الأكل والشرب فقط بل كل وجوه الاستعمال ولا يخرج عن ذلك إلا ما دلّ عليه الدليل كجواز التحلي بالذهب والفضة للنساء. - وأما قوله: (ولو كانت حراماً مطلقاً لأَمَرَ النبيُّ ﷺ بتكسيرها، كما كان النبيُّ ﷺ لا يدعُ شيئاً فيه تصاوير إلا كسره أو هتكه) فهو استدلال بقياس محل النزاع على التصاوير والتصاليب وهو قياس مع الفارق لظهور مظاهر الشرك والوثنية في الأصل دون الفرع. - وأما استدلاله بقصة أم سلمة ﵂ فلا دلالة فيه لأمور منها: ١ - أن العبرة بما روى الراوي لا بما رأى. ٢ - أن هذا اللفظ محل النزاع وهو (فضة) فقد اختلف فيه على اسرائيل الراوي عن عثمان بن عبدالله بن مَوْهَب، فروي عنه مرة بالقاف والمهملة (قصة)، وأخرى بالفاء والموحدة (فضة). وقد ورد هذا الحديث من غير طريق إسرائيل بلفظ: (فأخرجت لنا صُرَّة) رواه الطبراني (٢٣/ ٣٣٢) حديث رقم (٧٦٤) من طريق سَلَّامُ بْنُ أَبِي مُطِيعٍ - وهو ثقة صاحب سُنة - عن عثمان بن عبدالله بن مَوْهَب، قال: دخلنا على أم سلمة، فأخرجت لنا صُرَّة فيها شعر النبي ﷺ مخضوب بحناء، فقالت: «هذا من شعر النبي ﷺ ».

стр. 138

ولم يُختلف على عثمان كما اختلف على إِسْرَائِيل، فتقدم هذه الرواية وتقوي رواية القصة ويكون المعنى أنها أخرجت قصة أو خُصْلَة من شعر النبي ﷺ من هذه الصرة. الترجيح: الراجح تحريم اتخاذ واستعمال آنية الذهب والفضة سواء أكانا على هيئة الاستعمال أم لا، ويكون ذكر الأكل والشرب من باب التنبيه بالبعض على الكل والعلة تعمم معلولها. قال ابن تيمية في "شرح العمدة" (١/ ١١٤): (لا يجوز استعمال آنية الذهب والفضة في طهارة ولا غيرها لقول رسول الله ﷺ : «لا تشربوا في آنية الذهب والفضة ولا تأكلوا في صحافها فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة» ". هذا التحريم يستوي فيه الرجال والنساء بخلاف التحلي فإنه يختص بالرجال ويباح لهم منه أشياء مستثناة، وكل ما يلبس فهو من باب الحلية سواء كان سلاحا أو لباسا، وما لم يلبس فهو من باب الآنية مثل المكحلة والمحبرة والمرود والإبريق، والأصل في ذلك ما روت أم سلمة أن النبي ﷺ قال: " «إن الذي يشرب في إناء الفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم» ". متفق عليه. وفي لفظ لمسلم " «إن الذي يأكل أو يشرب في آنية الذهب والفضة» " وعن حذيفة بن اليمان قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " «لا تلبسوا الحرير ولا الديباج ولا تشربوا في آنية الذهب والفضة ولا تأكلوا في صحافها فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة» ". متفق عليه. فنهى ﷺ عن الأكل والشرب لأنهما أغلب الأفعال وفي التطهير منها والاستمداد والاكتمال والاستصباح ونحو ذلك لأن ذلك مظنة السرف باستعمال النقدين في غير ما خلقا له والله لا يحب المسرفين، ومظنة الخيلاء والكبر لما في ذلك من امتهانهما، ومظنة الفخر وكسر قلوب الفقراء والله لا يحب كل مختال فخور. وكذلك يحرم اتخاذها في المشهور من الروايتين، فلا يجوز صنعتها ولا استصياغها ولا اقتناؤها ولا التجارة فيها لأنه متخذ على هيئة محرمة الاستعمال،

стр. 139

فكان كالطنبور، وآلات اللهو، ولأن اتخاذها يدعو إلى استعمالها غالبا فحرم كاقتناء الخمر والخلوة بالأجنبية). حكم استخدام الآنية المموهة بالذهب أو الفضة: قال: (يباح اتخاذ كل إناء طاهر واستعماله ولو ثمينا إلا آنية الذهب والفضة والمموه بهما). تعريف المموه وما في معناه: قال البهوتي في "شرح منتهى الإرادات" (١/ ٢٩): (إناء (مموه) وهو إناء من نحو نُحَاس يلقى فيما أذيب من ذهب أو فضة، فيكتسب لونه. (و) إناء (مَطْلِيّ) بذهب أو فضة، بأن يجعلا كَالْوَرَق ويطلى به الإناء من نحو حديد. (و) إناء (مُطَعَّمٌ) بذهب أو فضة، بأن يحفر في الإناء من نحو خشب حفرا، ويوضع فيه قطع ذهب أو فضة بقدرها. (و) إناء (مُكَفَّتٌ) بأن يبرد الإناء حتى يصير فيه شبه المجاري في غاية الدقة، ويوضع فيها شريط دقيق من ذهب أو فضة، ويدق عليه حتى يلصق) (١). روايات المذهب: اختار الشيخ مرعي الرواية المصححة في المذهب وهي أنه يُحَرم المُمَوه ونحوه كما يُحَرم المُصمت. قال المرداوي في " الإنصاف" (١/ ٨١): (حكم الْمُمَوه وَالْمَطْلي الْمُطَعَّم والْمُكَفف ونحوه بأحدهما: كالْمُصمت على الصحيح من المذهب. وقيل: لا. وقيل: إن بقي لون الذهب أو الفضة. وقيل: واجتمع منه شيء إذا حُكَّ حَرُمَ. وإلا فلا) (٢). الترجيح: الأقوى تحريم اتخاذ واستعمال هذه الآنية المموهة والمطلية - ونحو ذلك - بالذهب أو الفضة لعموم الأدلة السابق ذكرها، ولتحقق علل التحريم في هذه الحالة، بالإضافة إلى أنه لا يوجد حاجة للتمويه والطلاء، بل هو من باب السرف والتزين،

стр. 140

وسوف يأتي مزيد بيان لهذه المسألة عند الكلام على حكم الآنية المضببة قريبا - بإذن الله -. حكم الطهارة منهما ومن الإناء المغصوب: قال الماتن: (وتصح الطهارة بها (١) وبالإناء المغصوب). وقوله: (بها) أي بأن يغترف بها الماء ويصبه على أعضاء وضوئه. وكما أنه يصح بها فيصح منها وفيها وإليها. قال البهوتي في " شرح منتهى الإرادات" (١/ ٢٨): ((وتصح الطهارة من إناء من ذلك) - أي من ذهب أو فضة، أو من عظم آدمي وجلده؛ لحرمته. والطهارة منها بأن يغترف منها بيده - (و) من إناء (مغصوب) ونحوه (أو) إناء (ثَمَنُه محرم) لكونه نحو مغصوب، بخلاف الصلاة في غصب أو محرم، والفرق: أن القيام والقعود والركوع والسجود في المحرم محرم لأنه استعمال له، وأفعال نحو الوضوء من الغسل والمسح ليست بمحرمة لأنه استعمال للماء لا للإناء. وأيضا فالنهي عن نحو الوضوء من الإناء المحرم يعود لخارج، إذ الإناء ليس ركنا ولا شرطا فيه، بخلاف البقعة والثوب في الصلاة. (و) تصح الطهارة أيضا (فيه) أي في إناء محرم، كما لو غصب حوضا يسع قلتين فأكثر، فملأه ماء مباحا وانغمس فيه بنية رفع الحدث، فيرتفع حدثه، لما تقدم من أن الإناء ليس شرطا. كما لو صلى وفي يده خاتم ذهب (و) تصح طهارة أيضا (إليه) أي إلى إناء من ذلك. بأن جعله مصبا لماء الوضوء والغسل، كالطَّشْت؛ لأن الماء يقع فيه بعد أن رفع الحدث ... ) (٢). قال ابن رجب في "القواعد (ص/١٢): (في العبادات الواقعة على وجه محرم، إن كان التحريم عائدا إلى ما ليس بشرط فيها ففي الصحة وجهان واختار أبو بكر عدم الصحة وخالفه الأكثرون وله أمثلة كثيرة: (منها) الوضوء من الإناء المحرم.

стр. 141

(ومنها) صلاة من عليه عمامة غصب أو حرير أو في يده خاتم ذهب وفي ذلك كله وجهان واختيار أبي بكر عدم الصحة). وقد رجح ابن قدامة في "المغنى" (١/ ٥٦) قول الأكثرين بصحة الطهارة منها فقال: (يفارق هذا الصلاة في الدار المغصوبة؛ لأن أفعال الصلاة من القيام والقعود والركوع والسجود، في الدار المغصوبة؛ محرم؛ لكونه تصرفا في ملك غيره بغير إذنه، وشغلا له، وأفعال الوضوء؛ من الغسل، والمسح، ليس بمحرم، إذ ليس هو استعمالا للإناء، ولا تصرفا فيه، وإنما يقع ذلك بعد رفع الماء من الإناء، وفصله عنه، فأشبه ما لو غرف بآنية الفضة في إناء غيره، ثم توضأ به؛ ولأن المكان شرط للصلاة، إذ لا يمكن وجودها في غير مكان، والإناء ليس بشرط، فأشبه ما لو صلى وفي يده خاتم ذهب). التضبيب: قال الماتن: (ويباح إناء ضبب بضبة يسيرة من الفضة لغير زينة). تعريف المضبب: المقصود بالإناء المضبب هنا هو ما أصابه شَّق أو كسر ونحوه فيذاب في شَّقه شيء من الذهب أو الفضة أو يربط كسره بسلك منهما، أو يوضع عليه صفيحة (١) تضمه وتحفظه (٢). الأدلة والمناقشة: بداية نلاحظ تداخلا بين مسألة الإناء المموه، وما في معناه، وبين الإناء المضبب وهناك قدرا مشتركا بينهما وهو استعمال الفضة إلا أن المضبب فيه أنه استعمله للحاجة إليه في إصلاح الإناء بخلاف المموه ونحوه فاستعماله يكون للزينة. وسوف أسوق الأدلة المشتركة بين المسألتين ثم أتكلم عن التفريق بين الضبة الكثيرة واليسيرة بإذن الله.

стр. 142

أدلة من قال بالجواز: روى البخاري في "صحيحه" (٤/ ٨٣) حديث رقم (٣١٠٩) من حديث أنس ﵁ «أن قدح النبي ﷺ انكسر، فاتخذ مكان الشَّعْبِ سِلْسِلَةً مِنْ فِضَّة». والضمير في قوله: "فاتخذ" يحتمل أن يعود للنبي ﷺ ، أو لأنس- ﵁ والظاهر من بعض الروايات الأخرى أن الفاعل هو أنس، ولكن الأمر لا يعدو الاحتمال فلا يستدل به على أحد الاحتمالين دون الآخر. ومن ذلك ما رواه البخاري في "صحيحه" (٧/ ١١٣) حديث رقم (٥٦٣٨) عن عاصم الأَحْوَل، قال: رأيت قدح النبي ﷺ عند أنس بن مالك وكان قد انصدع فَسَلْسَلَهُ بِفِضَّة، قال: وهو قدح جيد عريض من نُضَار، قال: قال أنس: «لقد سقيت رسول الله ﷺ في هذا القدح أكثر من كذا وكذا» قال: وقال ابن سيرين: إنه كان فيه حلقة من حديد، فأراد أنس أن يجعل مكانها حلقة من ذهب أو فضة، فقال له أبو طلحة: لا تغيرن شيئا صنعه رسول الله ﷺ فتركه). فقول أبو طلحة مراده الحلقة دون التضبيب لأنه يكون للحفاظ على القدح. وروى البيهقي في "الكبرى" (١/ ٤٧) من طريق عاصم بن سليمان، عن ابن سيرين، عن أنس: (أن قدح النبي ﷺ انصدع فجعلتُ مكان الشعب سلسلة). قال ابن حجر في "الفتح" (١٠/ ١٠٠): (لم يتعين من هذه الرواية من قال هذا وهو جعلت بضم التاء على أنه ضمير القائل وهو أنس بل يجوز أن يكون جعلت بضم أوله على البناء للمجهول فتساوي الرواية التي في الصحيح). - روى الطبراني في "الكبير" (٢٥/ ٦٨) حديث رقم (١٦٧) من طريق عمر بن يحيى الْأُبُلِّيُّ (١)، ثنا معاوية بن عبد الكريم الضال، ثنا محمد بن سيرين، عن أخته،

стр. 143

عن أم عطية، قالت: «نهانا رسول الله ﷺ عن لبس الذهب وتفضيض الأقداح، فكلمه النساء في لبس الذهب فأبى علينا، ورخص لنا في تفضيض الأقداح» والإناء المُفَضَّضٌ: هو المُمَوَّه بِالْفِضَّةِ أَو المُرَصَّعٌ بِالْفِضَّةِ. وإسناده ضعيف، قال الهيثمي في "المجمع" (٥/ ١٤٩): (فيه عمر بن يحيى الْأُبُلِّيُّ ولم أعرفه). - روى ابن أبي شيبة في " مصنفه" (٥/ ١٠٤) أثر رقم (٢٤١٤٥) من طريق عبدالرحمن بن مهدي، عن عمران أبي العوام القطان، عن قتادة، أن عمران بن حصين، وأنس بن مالك: «كانا يشربان في الإناء المفضض» وهذا الأثر حسن عن أنس - فيه عمران قال عنه ابن حجر: "صدوق يهم" فمثله حسن الحديث إلا إذا تبين أن الحديث مما وهم فيه، وقتادة مشهور بالتدليس، وقد سمع من أنس ولم يسمع من عمران بن حصين، فعاد الحديث إلى فعل أنس وحده كما في حديث أنس السابق. أدلة من ذهب إلى التحريم: روى الفاكهي في "فوائد" (ص/٢٧٠) حديث رقم (١٠٠)، وعنه الدارقطني في "سننه" (١/ ٥٥) حديث رقم (٩٦)، وغيره من طريق يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدٍ الْجَارِيُّ، عن زَكَرِيَّاءُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُطِيعٍ عن أبيه عن أبيه عن ابن عمر ﵄ مرفوعا: (من شرب في إناء ذهب أو فضة أو إناء فيه شيء من ذلك فإنما يجرجر في بطنه نار جهنم). وهذا إسناد ضعيف وزيادة (أو إناء فيه شيء من ذلك) زيادة منكرة، والحديث قال عنه الذهبي في "الميزان": "منكر"، وأعله ابن حجر في "الفتح" (١٠/ ١٠١) بجهالة حال إبراهيم بن عبد الله بن مطيع وولده. - ما رواه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٥/ ١٠٤) أثر رقم (٢٤١٥١) من طريق عبد الله بن نمير، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر: «أنه كان لا يشرب من قدح فيه حلقة فضة، ولا ضَّبَّة فضة» رواته ثقات وإسناده صحيح، وهو فعل صحابي معارض بفعل أنس كما سبق.

стр. 144

ما رواه مَعْمَر بن راشد في "جامعه" (١١/ ٧٢ - مصنف) أثر رقم (١٩٩٤٦)، ومن طريقه البيهقي في "الشعب" (٨/ ٣٨٢) أثر رقم (٥٩٦٧) عن أيوب السِّخْتِيَانِي، عن القاسم بن محمد، عن عائشة ﵂ «أنها كرهت الشراب في الإناء المفضض» ورواته ثقات. الترجيح: أرى أن الراجح التفريق بين التضبيب وغيره؛ لأن الحاجة تدعو للتضبيب بخلاف المموه وما في معناه. معنى الحاجة: قال تقيد الدين في " شرح العمدة" (١/ ١١٦): (معنى الحاجة أن تكون الضبة مما يُحتاج إليها سواء كانت من فضة أو نحاس أو حديد فتباح. فأما إن احتيج إلى نفس الفضة بأن لا يقوم غيرها مقامها فتباح وإن كان كثيرا ولو كان من الذهب). والأولى عندي الحكم بالإباحة إن تعينت الفضة بأن لم يقم غيرها مقامها، ويباح منها ما تسد به الحاجة ولا يتجاوز قدر الحاجة. فإن قام غير الفضة مقامها فلا يباح استخدامها إعمالا لعموم الأدلة وعموم العلل التي سبق ذكرها لبيان تحريم استعمالها واتخاذها. وقد فرق تقي الدين، وموفق الدين (١) وغيرهما بين القليل والكثير، وهذا التفريق غير منضبط ولا دليل عليه، وعليه فالراجح أن استعمال ما فيه ذهب أو فضة لغير حاجة محرم لأنه لا يتأتى اجتناب المحرم إلا باجتناب هذه الآنية ونحوها وإنما يباح من ذلك ما تدعوا إليه الحاجة - دون فرق بين قليل أو كثير - لإصلاح ما أصابه شَّق أو كسر من الآنية للحديث الوارد في ذلك. وإيضاح ذلك: أن تحريم استعمال الذهب والفضة ليس لشيء في ذاتهما كالنجاسة مثلا، وإنما هما محرمان لعلل خارجة عن ماهيتهما - كما سبق بيان علل التحريم ومنها: التشبه بالأعاجم والكفار، وتضييق النقدين -، وكما هو مقرر أن ما حرم سدا للذريعة فإنه يباح عند الحاجة والمصلحة الراجحة.

стр. 145

تتمة - التفريق بين التضبيب بالذهب والفضة: الراجح أن التضبيب يجوز بالفضة دون الذهب وذلك لبعض الوجوه ومنها: أولا - أن معدن الذهب أنفس من معدن الفضة وعلل التحريم تتحقق فيه بجلاء أكثر من الفضة فتحريمه أشد من الفضة. ثانيا - أن النبي ﷺ رخص في خاتم الفضة للرجال ولم يرخص في خاتم الذهب. ثالثا - الاستئناس بكلام العلماء في التفريق بينهما، وقد ذهب كثير منهم إلى أن الجائز التضبيب بالفضة دون الذهب. رابعا - الاستئناس بما ورد من الأدلة التي سبق ذكرها في أدلة الجواز وكلها في الفضة دون الذهب وهي وإن كانت حوادث أفعال لا تقوى على التخصيص إلا أنني قلت بمقتضاها استئناسا. آنية الكفار وثيابهم . قال الماتن: (وآنية الكفار وثيابهم طاهرة). يعني أن هذا هو الأصل ما لم يعلم نجاستهما أو يغلب على الظن. وهذا القول الذي اختاره الماتن هو الصحيح في المذهب وهو الراجح. قال ابن مفلح في الفروع (١/ ١٠٨): (وثياب الكفار وأوانيهم مباحة إن جهل حالها (وهـ) وعنه الكراهة (وم ش) وعنه المنع , وعنه فيما وَلِي عوراتهم , وعنه المنع في الكل ممن تحرم ذبيحته). قال موفق الدين: (وثياب الكفار وأوانيهم، طاهرة مباحة الاستعمال، ما لم تعلم نجاستها). وقال المرداوي في "الإنصاف" (١/ ٨٥) معلقا على قول الموفق السابق: (هذا المذهب مطلقا وعليه الجمهور ... ). قال الكلوذاني في "الهداية" (ص: ٤٩): (أواني الكفار - ما لم تتيقن نجاستها - طاهرة مباحة الاستعمال، وكذلك ثيابهم).
следующие страницы →