← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 37591

التمهيد - شرح مختصر الأصول من علم الأصول

أبو المنذر المنياوي

Полный текст (132 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

مثال: قوله تعالى: (وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ) [البقرة: ٢٨٢] فالأمر بالإشهاد على التبايع للندب، بدليل قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ [البقرة: ٢٨٣]. خروج الأمر عن الوجوب للإباحة لقرينة: قال الشيخ: (وقد يخرج الأمر عن الوجوب والفورية لدليل يقتضي ذلك فيخرج عن الوجوب إلى الإباحة وأكثر ما يقع ذلك إذا ورد بعد الحظر، أو جواباً لما يتوهم أنه محظور). ١ - الأمر بعد الحظر . والمذهب أن الأمر بعد الحظر للإباحة، والراجح أنه يعود لما كان عليه قبل الحظر، فان كان قبله جائزاً رجع إلى الجواز , وان كان قبله واجباً رجع إلى الوجوب. قال الشنقيطي في "المذكرة" (ص/١٩٠): (الذي يظهر لي في هذه المسألة هو ما يشهد له القرآن العظيم وهو أن الأمر بعد الحظر يدل على رجوع الفعل إلى ما كان عليه قبل الحظر. فالصيد مثلا كان مباحاً ثم منع للإحرام ثم أمر به عند الإجلال فيرجع لما كان عليه قبل التحريم. وقتل المشركين كان واجباً ثم منع لأجل دخول الأشهر الحرم ثم أمر به عند انسلاخها في قوله تعالى: ((فإذا انسلخ الأشهر الحرم ... الآية)) فيرجع إلى ما كان عليه قبل التحريم. وهكذا. وهذا الذي اخترنا قال به بعض الأصوليين واختاره ابن كثير في تفسير قوله تعالى: (وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا) [المائدة: ٢]). ما كان جوابا لما يتوهم أنه محظور: قال الشيخ في "الأصل" (ص/٢٦): (ومثاله جواباً لما يتوهم أنه محظور؛ قوله ﷺ : (افعل ولا حرج)، في جواب من سألوه في حجة الوداع عن تقديم أفعال الحج التي تفعل يوم العيد بعضها على بعض). وقال في "الشرح" (ص/١٦٢): (هذا الأمر وقع جوابا لما يتوهم أنه محظور فلا يكون للاستحباب ولا للطلب ولكنه للإباحة). لم أقف على من ذكر هذه القاعدة غير الشيخ ﵀ ومن وجهة نظري أن معنى هذه القاعدة أن أمر النبي ﷺ إنما يكون لدفع توهم الحظر، وبيان المشروعية، لا لمجرد كون الأمر مباحا. ومن الأمثلة الدالة على أنه قد يرد مرادا به الوجوب: قوله ﷺ لأصحابه عندما تحرجوا من التحلل من العمرة: (هذه عمرة استمتعنا بها فمن لم يكن عنده

стр. 37

الهدي فليحل الحل كله فإن العمرة قد دخلت في الحج إلى يوم القيامة) (١). فقوله: (فليحل) لبيان وجوب التحلل من العمرة لمن كان متمتعا، ودفعا لتوهم الحظر فقد كانوا يعتقدون حظر العمرة في أشهر الحج فبين لهم النبي الجواز ودفع عنهم هذا التوهم. التهديد: كقوله تعالى: (اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ)، وقوله تعالى: (وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ وَعِدْهُمْ). ويخرج الأمر عن الفورية إلى التراخي: سبق وأن ذكرت أن الأمر المطلق الذي لم تصحبه قرينة تدل على فور، أو على تراخي، ولم يكن محددا لفعله وقت معين الراجح فيه أنه على الفور. والآن يتكلم الشيخ عن الأمر الذي دلت القرينة على أنه على التراخي. قال في "الشرح" (ص/١٦٦): (. قوله: (ويخرج الأمر عن الفورية إلى التراخي): وهذا يكون في الموقت الموسع، فكل عبادة ذات وقت موسع فهي على التراخي ما دام وقتها باقيًا. فمثلًا قوله تعالى: (أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ) [الإسراء: ٧٨]: دلوكها يعني زوالها - يعني: أقم الصلاة إذا زالت الشمس، فظاهر الآية الكريمة أنه تجب الصلاة فور الزوال، ولكن دلت النصوص الأخرى على أن وقت الظهر من الزوال إلى أن يصير ظل كل شيء مثله). ما لا يتم المأمور إلا به . قال الشيخ في الأصل: (إذا توقف فعل المأمور به على شيء كان ذلك الشيء مأموراً به فإن كان المأمور به واجباً كان ذلك الشيء واجباً، وإن كان المأمور به مندوباً كان ذلك الشيء مندوباً. مثال الواجب: ستر العورة فإذا توقف على شراء ثوب كان ذلك الشراء واجبا. ومثال المندوب: التطيب للجمعة، فإذا توقف على شراء طيب كان ذلك الشراء مندوبا. وهذه القاعدة في ضمن قاعدة أعم منها وهي: " الوسائل لها أحكام المقاصد " فوسائل المأمورات مأمور بها، ووسائل المنهيات منهي عنها).

стр. 38

النهي لما كان الأمر مستلزم للنهي عن الضد فالكلام الذي ذكرناه عن الأمر ينسحب على النهي. تعريف النهي: قال الشيخ: (قول يتضمن طلب الكف على وجه الاستعلاء). سبق في باب الأمر بيان أن الراجح في حد الأمر اشتراط الاستعلاء دون العلو وعللته بأن الاستعلاء صفة للأمر والعلو صفة للآمر وهو خارج عن ماهية التعريف. صيغة النهي: قال الشيخ: (بصيغة مخصوصة هي المضارع المقرون بلا الناهية). للنهي صيغة موضوعة في اللغة تدل بمجردها عليه وهو قول القائل لغيره: لا تفعل على وجه الاستعلاء، كقوله تعالى: (وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ) [الأنعام: ١٥٠] تتمة: قال الشيخ: (وقد يستفاد طلب الكف بغير صيغة النهي مثل أن يوصف الفعل بالتحريم، أو الحظر، أو القبح، أو يذم فاعله، أو يرتب على فعله عقاب أو نحو ذلك). ١ - أن يوصف الفعل بالتحريم كقوله تعالى: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ) [النساء: ٢٣] الآية، وقوله: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِير) [المائدة: ٣] الآية. ٢ - لعن الله أو رسوله للفاعل، مثل قوله ﷺ : (لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد) فهذا دليل على النهي عن اتخاذ القبور مساجد. وقوله ﷺ : (لعن الله النامصة والمتنمصة). ٣ - توعد الفاعل بالعقاب كقوله تعالى: (وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا) [الفرقان: ٦٨]. ٤ - إيجاب الحد على الفاعل، مثل قوله تعالى: (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ) [النور: ٢]. ٥ - وصف العمل بأنه من صفات المنافقين أو من صفات الكفار نحو قوله تعالى ـ عن المنافقين: (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا) [النساء: ١٤٢]. ٦ - الخبر، مثل قوله تعالى: (إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) [الممتحنة:٩].

стр. 39

النهي للتحريم إلا لصارف: قال الشيخ: (صيغة النهي عند الإطلاق تقتضي تحريم المنهي عنه). قال الكلوذاني في "التمهيد" (١/ ٣٦٢): (النهي يقتضي التحريم خلافا لمن قال يقتضي التنزيه بمطلقه وخلافا للأشعرية في قولهم يقتضي الوقف. لنا أن الصحابة ﵃ عقلوا من النهي الكف عن الفعل والترك، فروى عن ابن عمر ﵁ أنه قال: "كنا نخابر (١) أربعين سنة لا نرى بذلك بأسا حتى أخبرنا رافع بن خديج أن النبي ﷺ نهى عن ذلك فتركناها" (٢) ولأن السيد إذا نهى عبده عن فعل الشيء فخالفه عاقبه، ولم يلم في عقوبته، فلو لم يكن النهي يقتضي التحريم والمنع لما استحق به العقوبة ... هل النهي للبطلان أم الفساد ؟ قال الشيخ: (صيغة النهي عند الإطلاق تقتضي تحريم المنهي عنه وفساده. وقاعدة المذهب في المنهي عنه هل يكون باطلاً أو صحيحاً مع التحريم كما يلي: ١ - أن يكون النهي عائداً إلى ذات المنهي عنه أو شرطه فيكون باطلاً. ٢ - أن يكون النهي عائداً إلى أمر خارج لا يتعلق بذات المنهي عنه ولا شرطه فلا يكون باطلاً). سبق وأن تكلمنا على الفاسد والباطل ومتعلقاته بما أغنى عن إعادته هنا. قد يخرج النهي عن التحريم إلى معان أخرى لدليل: قال الشيخ: (وقد يخرج النهي عن التحريم إلى معان أخرى لدليل يقتضي ذلك فمنها: ١ - الكراهة. ٢ - الإرشاد). فائدة - الفرق بين الكراهة والإرشاد: الإرشاد يرجع لمصلحة في الدنيا وبتعلق بالعادات بخلاف الكراهة فإنه لمصالح الآخرة ويتعلق بالعبادات. وقال العطار في " حاشيته على جمع الجوامع" (١/ ٤٩٧): (الفرق بينه - أي الإرشاد- وبين الكراهة أن المفسدة المطلوب درؤها فيه دنيوية وفي الكراهة دينية).

стр. 40

سبق في باب الأمر وأن ذكرنا أن الأمر المطلق للوجوب إلا لصارف، والأمر كما هو هنا فالنهي الأصل أنه للتحريم إلا لدليل، وقد ترد بعض الأدلة التي تبين أن النهي لـ: كراهة: روى أحمد عنِ الْحَكَمِ بْنِ عَمْرٍو وَهُوَ الْأَقْرَعُ، «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى أَنْ يَتَوَضَّأَ الرَّجُلُ بِفَضْلِ طَهُورِ الْمَرْأَةِ» والنهي هنا للكراهة لما رواه مسلم في "صحيحه" (١/ ٢٥٧) (٣٢٣) عن ابْنُ جُرَيْجٍ، قال أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، قَالَ: أَكْبَرُ عِلْمِي، وَالَّذِي يَخْطِرُ عَلَى بَالِي أَنَّ أَبَا الشَّعْثَاءِ، أَخْبَرَنِي أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ، أَخْبَرَهُ: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَغْتَسِلُ بِفَضْلِ مَيْمُونَةَ». وإرشاد: قال أبو زرعة العراقي في " طرح التثريب" (٨/ ١١١) في شرح حديث: (لا تتركوا النار في بيوتكم حين تنامون): (هذا النهي ليس للتحريم بل ولا للكراهة وإنما هو للإرشاد، والفرق بينه وبين ما كان للندب في الفعل وللكراهة في الترك أن ذلك لمصلحة دينية والإرشاد يرجع لمصلحة دنيوية وقد بين ﵊ المعنى في ذلك بقوله في حديث جابر في الصحيحين وأن الفويسقة تضرم على أهل البيت بيتهم وأراد بالفويسقة الفأرة لخروجها على الناس من جحرها بالفساد وقوله تضرم بضم التاء وإسكان الضاد أي تحرق سريعا ... ). ومن أمثلة النهي الإرشادي أيضا: النهي عن المشي في نعل واحدة، وعن الانتعال من قيام. التكليف تعريف المكلف: عرفه الشيخ بقوله: (هو البالغ العاقل). وقال في الأصل: (فخرج بقولنا: " البالغ " الصغير فلا يكلف بالأمر والنهي تكليفاً مساوياً لتكليف البالغ، ولكنه يؤمر بالعبادات بعد التمييز تمريناً له على الطاعة ويمنع من المعاصي ليعتاد الكف عنها. وخرج بقولنا: " العاقل " المجنون فلا يكلف بالأمر والنهي، ولكنه يمنع مما يكون فيه تعد على غيره أو إفساد ولو فعل المأمور به لم يصح منه الفعل لعدم قصد الامتثال منه. ولا يرد على هذا إيجاب الزكاة والحقوق المالية في مال الصغير والمجنون لأن إيجاب هذه مربوط بأسباب معينة متى وجدت ثبت الحكم فهي منظور فيها إلى السبب لا إلى الفاعل).

стр. 41

تنبيه: هذا التعريف غير مانع فقد عرفه المرداوي في التحبير (٢/ ٧٩٧): (والمراد بالمكلف: البالغ العاقل الذاكر غير الملجأ)، والإكراه الملجئ عند الجمهور: هو الذي لا يكون للمكره فيه قدرة على الامتناع ويكون كالآلة في يد المكره، ومثلوه بما لو ألقاه من مكان مرتفع على صبي فمات، أو ربطه وأدخله في دار حلف ألا يدخلها. فائدة: عرف الشيخ الحازمي في "شرحه على معاقد الفصول" المكلف بقوله: (الآدمي البالغ العاقل غير الملجئ بشرطه). وهذا يجرنا للكلام على تكليف الجن، والجن مكلفون في الجملة ولكن تكليفهم لا على حد تكليف الإنس بها. ومما سبق يعرف المكلف بأنه: (الآدمي البالغ العاقل الذاكر غير الملجأ). تكليف الكفار: قال الشيخ: (والتكليف بالأمر والنهي شامل للمسلمين والكفار لكن الكافر لا يصح منه فعل المأمور به حال كفره). قال الشيخ العثيمين في تفسير سورة البقرة عند قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ) [البقرة: ١٦٨]: (من فوائد الآية أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة؛ لقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ)؛ وهم داخلون في هذا الخطاب؛ ومخاطبتهم بفروع الشريعة هو القول الصحيح؛ ولكن ليس معنى خطابهم بها أنهم ملزمون بها في حال الكفر؛ لأننا ندعوهم أولاً إلى الإسلام، ثم نلزمهم بأحكامه؛ وليس معنى كونهم مخاطبين بها أنهم يؤمرون بقضائها؛ والدليل على الأول قوله تعالى: (وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ) [التوبة: ٥٤]؛ فكيف نلزمهم بأمر لا ينفعهم؛ هذا عبث، وظلم؛ وأما الدليل على الثاني فقوله تعالى: (قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ) [الأنفال: ٣٨]؛ ولهذا لم يأمر النبي ﷺ أحداً ممن أسلم بقضاء ما فاته من الواجبات حال كفره؛ والفائدة من قولنا: إنهم مخاطبون بها - كما قال أهل العلم - زيادة عقوبتهم في الآخرة؛ وهذا يدل عليه قوله تعالى: (إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ (٣٩) فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ (٤٠) عَنِ الْمُجْرِمِينَ (٤١) مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (٤٤) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (٤٥) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (٤٦) حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ (٤٧)) [المدثر:٣٩ - ٤٧]).

стр. 42

موانع التكليف قال الشيخ: (للتكليف موانع منها: الجهل و النسيان و الإكراه . وتلك الموانع إنما هي في حق الله لأنه مبني على العفو والرحمة أما في حقوق المخلوقين فلا تمنع من ضمان ما يجب ضمانه إذا لم يرض صاحب الحق بسقوطه). الجهل: قال الشيخ في "شرح الأصول" (ص/٢٢١): (الجهل بالمحرم لا شك أن الإنسان لا يؤاخذ به ولا يترتب عليه شيء من أحكامه مهما كان هذا الشيء المحرم. أما الجهل بالواجب فنقول أنه لا يؤاخذ به الإنسان من حيث الإثم؛ لأنه جاهل لكن من حيث القضاء فهذا فيه تفصيل: فإن كان حصل منه تفريط فإنه لا يمكن أن يتساهل معه، وإن لم يحصل منه تفريط فإن كان جاهلا بالحكم يعذر به ويرفع عنه القضاء ولنا في هذا حجج: ومنها حديث المسيء في صلاته. ومنها: حديث المستحاضة التي كانت تستحيض حيضة كبيرة تمنعها الصلاة حتى سألت النبي ﷺ فقال: (اجلسي قدر ما كانت الحيضة) ولم يأمرها بالقضاء لأنها بانية على أصل يعني لها عذر، والأصل أن هذا الدم حيض ولهذا قالت: إني أستحيض حيضة شديدة كبيرة، فهذه معذورة لم يأمرها النبي ﷺ بالقضاء. ومنها: حديث أهل قباء حيث صلوا بعض الصلوات إلى غير القبلة لكن لأنهم لم يعلموا بالنسخ وبنوا على أصل، والأصل: البقاء على القبلة وبقاء ما كان على ما كان). النسيان: قال الشيخ في الأصل: (فمتى فعل محرماً ناسياً فلا شيء عليه؛ كمن أكل في الصيام ناسياً. ومتى ترك واجباً ناسياً فلا شيء عليه حال نسيانه؛ ولكن عليه فعله إذا ذكره؛ لقول النبي ﷺ : "من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها"). وقيد الثاني في الشرح بألا يكون هذا الواجب مقيدا بسبب وزال السبب فقال (ص/٢٢٤): (مثل لو نسيت أن تصلي الكسوف حتى انجلى، وقلنا بوجوب صلاة الكسوف، فإنك لا تقضيها لأنها لسبب وقد زال). الإكراه: قال الشيخ في الأصل: (من أكره على شيء محرم فلا شيء عليه؛ كمن أكره على الكفر وقلبه مطمئن بالإيمان، ومن أكره على ترك واجب فلا شيء عليه حال الإكراه، وعليه

стр. 43

قضاؤه إذا زال؛ كمن أكره على ترك الصلاة حتى خرج وقتها، فإنه يلزمه قضاؤها إذا زال الإكراه). العام تعريف العام: لغة: قال الشيخ: (العام لغة: الشامل (. قال الطوفي في "شرح مختصر الروضة" (٢/ ٤٥٤): (العموم في اللغة الشمول. يقال: هذا الكساء يعم من تحته، أي: يشملهم). اصطلاحا: قال الشيخ: (واصطلاحاً: اللفظ المستغرق لجميع أفراده بلا حصر (. قال في "الأصل" (ص/٣٤): (فخرج بقولنا: " المستغرق لجميع أفراده " مالا يتناول إلا واحداً كالعلم، والنكرة في سياق الإثبات كقوله تعالى: (فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ) [النساء: ٩٢] لأنها لا تتناول جميع الأفراد على وجه الشمول وإنما تتناول واحداً غير معين (١). وخرج بقولنا: " بلا حصر " ما يتناول جميع أفراده مع الحصر كأسماء العدد مئة وألف ونحوهما). تنبيهان: ١ - لابد من إضافة قيدين لهذا الحد ليكون مانعا وهما: (دفعة - بحسب وضع واحد). - قال الشنقيطي في المذكرة (ص/١٩٧): (وخرج بقوله: دفعة، النكرة في سياق الإثبات كرجل , فإنها مستغرقة , ولكن استغراقها بدلي لا دفعة واحدة). قال ابن بدران في المدخل (ص/ ٢٤٤): (العام عمومه شمولي وعموم المطلق بدلي فمن أطلق على المطلق اسم العموم فهو باعتبار أن موارده غير منحصرة والفرق بينهما أن عموم الشمول كلي يحكم فيه على كل فرد فرد وعموم البدل كلي من حيث إنه لا يمنع نفس تصور مفهومه من وقوع الشركة فيه ولكن لا يحكم فيه على كل فرد بل على فرد شائع في أفراده يتناولها على سبيل البدل ولا يتناول أكثر من واحد منها دفعة). وهذه فائدة في بيان الفرق بين العام والمطلق.

стр. 44

- قال الطوفي في شرح مختصر الروضة (٢/ ٤٥٨): (وقوله: بحسب وضع واحد، احتراز من المشترك، كلفظ العين والقرء؛ فإنه لفظ مستغرق لما يصلح له من مسمياته، لكنه ليس بوضع واحد، بل بأكثر منه؛ فالقرء الدال على الحيض إنما وضع له، وكذلك القرء الدال على الطهر إنما وضع له بوضع غير الأول (١)، بخلاف قولنا: الرجال، فإن دلالته على جميع ما يصلح له بوضع واحد). وهذه فائدة في بيان الفرق بين العام والمشترك. ملاحظة: هذا القيد الأخير إنما يخرج المشترك ما لم تقم قرينة تبين أحد معانيه (مجمل)، وأما إذا قلنا مثلا: قتلت العيون، أو غورت العيون، فالعيون هنا عامة لقيان قرينة تبين أحد معانيها. وعليه فالعام يعرف بأنه: (اللفظ المستغرق لجميع أفراده بلا حصر بحسب وضع واحد دفعة). صيغ العموم: ١ - قال الشيخ: (ما دل على العموم بمادته مثل: كل، وجميع، وكافة، وقاطبة، وعامة). كقوله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر:٤٩]، وقوله: ﴿﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [ص: ٨٢] وقوله: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾ [التوبة: ٣٦] وقالت عائشة ﵂ " لما مات رسول الله ﷺ : ارتدت العرب قاطبة " قال ابن الأثير: أي جميعهم، ونحو ذلك. ٢ - أسماء الشرط. مثَّل الشيخ لها في الأصل بقوله تعالى: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ) [فصلت: ٤٦]، وقول: (فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ) [البقرة: ١١٥]. فاسم الشرط في الآية الأولى (من) وفي الثانية (أين).

стр. 45

وأدوات الشرط إما أن تكون جازمة تجزم فعلين مثل: إن (وهذا حرف خارج شرطنا ولا يفيد العموم والباقي أسماء تفيد العموم) - مَنْ - ما - مهما - متى - أيان - أين - أَنَّى - حيثما - كيفما - أَيّ. وغير جازمة مثل: إذا - لو - لولا - كلما - لَمَّا. ٣ - أسماء الاستفهام. مثل الشيخ لها في الأصل بقوله تعالى: (فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ) [الملك: ٣٠]، وقوله: (مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ) [القصص: ٦٥]، وقوله: (فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ) [التكوير: ٢٦]. فأسماء الاستفهام هي: (مَنْ - ما - متى - أين - كم - كيف - أي). وأما: (الهمزة، هل) فهما حرفان لا يفيدان العموم. ٤ - الأسماء الموصولة. مثل الشيخ لها في الأصل بقوله تعالى: (وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ) [الزمر: ٣٣] وقوله: (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا) [العنكبوت: ٦٩] وقوله: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى) [النازعات: ٢٦] وقوله: (وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ) [آل عمران: ١٠٩]. وأسماء الموصولة هي: (الذي - التي - اللَّذان - اللَّتان - الَّذين - الَّلاتي - الَّلائي - مَنْ - ما - أيَّ. ملاحظة: لاحظ أن ((ما))، و ((من))، و ((أي)) تعم مطلقاً سواء كانت شروطاً، أو موصولات، أو استفهامية. ٥ - النكرة في سياق النفي، أو النهي، أو الشرط، أو الاستفهام الإنكاري. قال الشيخ في الأصل: (النكرة في سياق النفي، أو النهي، أو الشرط، أو الاستفهام الإنكاري كقوله تعالى: (وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ) [آل عمران: ٦٢]، [ص: ٦٢ - ٨٣]. (وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا) [النساء: ٣٦]. (إِنْ تُبْدُوا شَيْئًا أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا) [الأحزاب: ٥٤]. (مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ) [القصص: ٧١]). - وقال في "الشرح" (ص/٢٥٤): (قوله: (مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ) [الأنعام: ٤٦]، هذا أيضًا نكرة في سياق الاستفهام الإِنكاري، وأما إذا كانت في سياق الاستفهام غير الإِنكاري فإنها لا تدل على العموم بل هي للإطلاق؛ لأنه لا يراد به النفي، وهي إنما كانت

стр. 46

للعموم فِي سياق الاستفهام الإنكاري؛ لأن الاستفهام الإنكاري بمنزلة النفي، فإن قوله: (مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ) [القصص: ٧١] يوازن قوله: "لا إله غير الله يأتيكم بضياء " ولهذا كانت النكرة في سياق الاستفهام الإنكاري دالة على العموم. أما في سياق الإثبات فلا تدل على العموم، فلو قلتُ لك: " أكرِمْ رجلاً " فأكرمت رجلاً واحدً، فقد امتثلت؛ لأنه يصدق عليه أنه رجل، ولو قلتُ: "أرجلاً أكرمتَ " .. استفهام يقصد به الاستعلام لا الإِنكار .. فلو قلتُ: "أرجلاً أكرمتَ " فهذا للعموم أم لا؟ ليس للعموم؛ لأنها نكرة في سياق الاستفهام لغير الإِنكار ولكنها للاستعلام؛ ولهذا لو قلتُ: أرجلاً أكرمتَ أم رجلين؟ صح الكلام، ولو كانت للعموم ما صح). ٦، ٧ - المعرف بالإضافة أو بأل الاستغراقية. ذكر الشيخ أن من صيغ العموم المعرف بالإضافة أو بأل الاستغراقية مفرداً كان أم مجموعاً. قال ابن النجار في"شرح الكوكب" (٣/ ١٢٩): ((و) من صيغ العموم أيضا (جمع مطلقا) أي سواء كان لمذكر أو لمؤنث، وسواء كان سالما أو مكسرا، وسواء كان جمع قلة أو كثرة (معرف) ذلك الجمع (بلام أو إضافة) مثال السالم من المذكر والمؤنث المعرف باللام: قوله تعالى ﴿﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ﴾ [الأحزاب: ٣٥] ومثال جمع الكثرة من المذكر والمؤنث الرجال والصواحب. وجمع القلة (١): الأفلس (٢) والأكباد، ومثال الجمع المعرف بالإضافة قوله تعالى " ﴿يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين﴾ وقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] وقيل: إن الجمع المذكر لا يعم، فلا يفيد الاستغراق. واستدل للأول الذي عليه أكثر العلماء والصحيح عنهم بقول النبي ﷺ في ﴿السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين﴾ في التشهد: ﴿فإنكم إذا قلتم ذلك: فقد سلمتم على كل عبد صالح في السماء والأرض﴾ رواه البخاري ومسلم). فائدة: قال الشيخ في "الشرح" (ص/٢٥٦): (علامة الاستغراقية أن يحل محلها "كل" ... (إذا بلغ الأطفال) احذف "أل" وضع مكانها "كل" وإذا بلغ كل أطفال منكم الحلم فليستأذنوا فصارت

стр. 47

"أل" الاستغراقية من صيغ العموم). أل العهدية: قال الشيخ: (وأما المعرف بأل العهدية فإنه بحسب المعهود فإن كان عامّاً فالمعرف عام وإن كان خاصّاً فالمعرف خاص). قال عباس حسن في"النحو الوافي" (١/ ٤٢٣): (فأما"العهدية" فهي التي تدخل على النكرة فتفيدها درجة من التعريف تجعل مدلولها فردًا معينًا بعد أن كان مبهمًا شائعًا. وسبب هذا التعريف والتعيين يرجع لواحد مما يأتي: ١ - أن النكرة تذكر في الكلام مرتين بلفظ واحد، تكون في الأول مجردة من "أل" العهدية، وفي الثانية مقرونة "بأل" العهدية التي تربط بين النكرتين، وتحدد المراد من الثانية: بأن تحصره في فرد واحد هو الذي تدل عليه النكرة الأولى. نحو قوله تعالى: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا، فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾. فكلمة "رسول" قد ذكرت مرتين؛ أولاهما بغير "أل" فبقيت على تنكيرها، وثانيتهما مقرونة بأل العهدية التي وظيفتها الربط بين النكرتين ربطًا معنويًّا يجعل معنى الثانية فردًا محدودًا محصورًا فيما دخلت عليه وحده، والذي معناه ومدلوله هو النكرة السابقة ذاتها. وهذا التحديد والحصر هو الذي جعل الثانية معرفة؛ لأنها صارت معهودة عهدًا ذِكْريًّا، أي: معلومة المراد والدلالة، بسبب ذكر لفظها في الكلام السابق ذكرًا أدى إلى تعيين الغرض وتحديده بعد ذلك، وأن المراد في الثانية فردٌ معين؛ هو السابق، وهذا هو ما يسمى: "بالعهد الذِّكْري". ٢ - وقد يكون السبب في تعريف النكرة المقترنة بأل العهدية هو أن "أل" تحدد المراد من تلك النكرة، وتحصره في فرد معين تحديدًا أساسه علم سابق في زمن انتهى قبل الكلام، ومعرفة قديمة في عهد مضى قبل النطق، وليس أساسه ألفاظًا مذكورة في الكلام الحالي. وذلك العلم السابق ترمز إليه "أل" العهدية وتدل عليه، وكأنها عنوانه. مثال ذلك؛ أن يسأل طالب زميله: ما أخبار الكلية؟ هل كتبت المحاضرة؟ أذاهب إلى البيت؟ فلا شك أنه يسأل عن كلية معهودة لهما من قبل، وعن محاضرة وبيت معهودين لهما كذلك. ولا شيء من ألفاظ السؤال الحالية تشير إلى المراد إلا: "أل"؛ فإنها هي التي توجه الذهن إلى المطلوب. وهذا هو ما يسمى: "العهد الذهني" أو: "العهد العِلمي". ٣ - وقد يكون السبب في تعريف تلك النكرة حصول مدلولها وتحققه في وقت الكلام، بأن يبتدئ الكلام خلال وقوع المدلول وفى أثنائه؛ كأن تقول: "اليوم يحضر والدي". "يبدأ عملي الساعة"، "البرد شديد الليلة" ... تريد من "اليوم" و"الساعة" و"الليلة"؛ ما يشمل الوقت الحاضر

стр. 48

الذي أنت فيه خلال الكلام. ومثل ذلك: أن ترى الصائد يحمل بندقيته فتقول له: الطائر. أي: أصبْ الطائر الحاضر وقت الكلام. وهذا هو"العهد الحضوري". فأنواع العهد ثلاثة: "ذِكْرِيّ"، و"ذهنيّ أو علميّ"، و"حضوري" ... ). فائدة: قال ابن بدران في "نزهة الخاطر" (٢/ ٨٢): (ما عرف بلام العهد لا يكون عاما؛ لأنه يدل على ذات معينة نحو لقيت رجلا فقلت للرجل). وقال ابن النجار في "شرح الكوكب المنير" (٣/ ١٣٢): (و "لا" يعم " - أي: "اسم جنس معرف تعريف جنس" - مع قرينة عهد" اتفاقا. وذلك كسبق تنكير نحو قوله تعالى: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا، فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾ لأنه يصرفه إلى ذلك فلا يعم إذا عرف ونحو قوله تعالى: ﴿يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا﴾ ... ). وقال الجويني في "البرهان في أصول الفقه" (١/ ٢٣٣): (من سبق تنكيره وظهر ترتيب التعريف عليه فهو غير محمول على استغراق الجنس وفاقا). ونحو هذا كثير في كلامهم. تنبيه: إذا تقرر هذا علمت ما في قول الشيخ: (وأما المعرف بأل العهدية فإنه بحسب المعهود فإن كان عامّاً فالمعرف عام وإن كان خاصّاً فالمعرف خاص). أل التي لبيان الجنس: قال الشيخ: (وأما المعرف بأل التي لبيان الجنس فلا يعم الأفراد). قال عباس حسن في"النحو الوافي" (١/ ٤٢٥): ("أل الجنسية" فهي الداخلة على نكرة تفيد معنى الجنس المحض من غير أن تفيد العهد. ومثالها؛ النجم مضيء بذاته، والكوكب يستمد الضوء من غيره ... فالنجم، والكوكب، والضوء، معارف بسبب دخول "أل" على كل منها، وكانت قبل دخولها نكرات لا تدل على واحد معين، وليس في الكلام ما يدل على العهد. ولدخول "أل" هذه على الأجناس سميت: "أل" "الجنسية". وهى أنواع من ناحية دلالتها المعنوية، ومن ناحية إفادة التعريف. ١ - فمنها التي تدخل على واحد من الجنس فتجعله يفيد الشمول والإحاطة بجميع أفراده إحاطة حقيقة؛ لا مجازًا ولا مبالغة، بحيث يصح أن يحل محلها لفظة "كل" فلا يتغير المعنى، نحو: النهر عذب، النبات حي، الإنسان مفكر، المعدن نافع ... فلو قلنا: كل نهر عذب، كل نبات حي، كل إنسان مفكر، كل معدن نافع ...

стр. 49

٢ - ومنها التي تدخل على واحد من الجنس، فتجعله يفيد الإحاطة والشمول؛ لا بجميع الأفراد، ولكن بصفة واحدة من الصفات الشائعة بين تلك الأفراد ... نحو: أنت الرجل علمًا، تريد: أنت كل الرجال من ناحية العلم، أي: بمنزلتهم جميعًا من هذه الناحية، فإنك جمعت من العلم ما تفرق بينهم؛ ويُعَدّ موزعًا عليهم بجانب علمك الأكمل المجتمع فيك؛ فأنت تحيط بهذه الصفة "صفة العلم" إحاطة شاملة لم تتهيأ إلا للرجال كلهم مجتمعين. ٣ - ومنها التي لا تفيد نوعًا من نوعي الإحاطة والشمول السابقين؛ وإنما تفيد أن الجنس يراد منه حقيقته القائمة في الذهن. ومادته التي تكوّن منها في العقل بغير نظر إلى ما ينطبق عليه من أفراد قليلة أو كثيرة، ومن غير اعتبار لعددها. وقد يكون بين تلك الأفراد ما لا يَصدق عليه الحكم.، نحو: الحديد أصلب من الذهب، الذهب أنفس من النحاس. تريد: أن حقيقة الحديد "أي: مادته وطبيعته" أصلب من حقيقة الذهب "أي: من مادته وعنصره" من غير نظر لشيء معين من هذا أو ذاك؛ كمفتاح من حديد، أو خاتم من ذهب؛ فقد توجد أداة من نوع الذهب هي أصلب من أداة مصنوعة من أحد أنواع الحديد؛ فلا يمنع هذا من صدق الحكم السالف الذي ينص على أن الحديد في حقيقته أصلب من الذهب في حقيقته من غير نظر إلى أفراد كل منهما -كما سبق- إذ إنك لا تريد أن كل قطعة من الأول أصل من نظيرتها في الثاني؛ لأن الواقع يخالفه ومثل هذا أن تقول: الرجل أقوى من المرأة، أي: أن حقيقة الرجل وجنسه من حيث عنصره المتميز -لا من حيث أفراده- أقوى من حقيقة المرأة وجنسها من حيث هي كذلك، من غير أن تريد أن كل واحد من الرجال أقوى من كل واحدة من النساء؛ لأنك لو أردت هذا لخالفك الواقع. وهكذا يقال في: الذهب أنفس من النحاس، وفي: الصوف أغلى من القطن، وفي: الفحم أشد نارًا من الخشب ... تنبيه: وبعد هذا التفصيل وبيان أنواع أل الجنسية يتبين أن مقصود الشيخ الإشارة للنوع الثالث دون النوعين الآخرين. العمل بالعام: قال الشيخ: (يجب العمل بعموم اللفظ العام حتى يثبت تخصيصه). وهذا الذي اختاره الشيخ هو أحد قولي المذهب. قال تقي الدين في "مجموع الفتاوي" (١٩/ ١٦٦): (العام الذي كثرت تخصيصاته المنتشرة أيضا لا يجوز التمسك به إلا بعد البحث عن تلك المسألة هل هي من المستخرج أو من المستبقى وهذا أيضا لا خلاف فيه. وإنما اختلف العلماء في العموم الذي لم يعلم

стр. 50

تخصيصه أو علم تخصيص صور معينة منه هل يجوز استعماله فيما عدا ذلك قبل البحث عن المخصص المعارض له فقد اختلف في ذلك أصحاب الشافعي وأحمد وغيرهما وذكروا عن أحمد فيه روايتين وأكثر نصوصه على أنه لا يجوز لأهل زمانه ونحوهم استعمال ظواهر الكتاب قبل البحث عما يفسرها من السنة وأقوال الصحابة والتابعين وغيرهم وهذا هو الصحيح الذي اختاره أبو الخطاب وغيره فان الظاهر الذي لا يغلب على الظن انتفاء ما يعارضه لا يغلب على الظن مقتضاه فإذا غلب على الظن انتفاء معارضه غلب على الظن مقتضاه وهذه الغلبة لا تحصل للمتأخرين في أكثر العمومات إلا بعد البحث عن المعارض). تنبيه: الأول- ليس المقصود بالبحث عن المخصص استقصاء موارد الأدلة جميعها، وإنما المقصود مجرد التروي واسترجاع المعلومات السابقة لعرض الدليل العام عليها، فإن وجدوا فيها ما يخصصه خصصوه، وإلا عملوا به في عمومه، وذلك حتى لا تتعطل أكثر نصوص الشريعة الخاصة للجهل بها، وعدم البحث عنها. العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب: قال الشيخ: (وإذا ورد العام على سبب خاص وجب العمل بعمومه؛ لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب إلا أن يدل دليل على تخصيص العام بما يشبه حال السبب الذي ورد من أجله فيختص بما يشبهها). وقال في "الأصل" (ص/٣٦): (مثال ما لا دليل على تخصيصه: آيات الظهار فإن سبب نزولها ظهار أوس بن الصامت والحكم فيه عام فيه وفي غيره. ومثال ماد دل الدليل على تخصيصه قوله صلي الله عليه وسلم: (ليس من البر الصيام في السفر) فإن سببه أن النبي ﷺ كان في سفر فرأى زحاماً ورجلاً قد ظلل عليه فقال: (ما هذا؟ قالوا صائم. فقال: " ليس من البر الصيام في السفر) فهذا العموم خاص بمن يشبه حال هذا الرجل وهو من يشق عليه الصيام في السفر والدليل على تخصيصه بذلك أن النبي ﷺ كان يصوم في السفر حيث كان لا يشق عليه ولا يفعل ﷺ ما ليس ببر). تنبيه: قال الشنقيطي في "المذكرة" (ص/٢٠٩): (فان قيل: ما الدليل على أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب؟

стр. 51

فالجواب: أن ذلك دل عليه الوحي واللغة أما الوحي فان هذه المسألة سئل عنها رسول الله ﷺ فأفتى بذلك , وذلك أن الأنصاري الذي قبل الأجنبية ونزلت فيه: (إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ) [هود: ١١٤] الآية. قال للنبي: ألي هذا وحدي يا رسول الله. ومعنى ذلك هل حكم هذه الآية يختص بي لأني سبب نزولها؟ فأفتاه النبي ﷺ بأن العبرة بعموم لفظ: (إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ) لا بخصوص السبب حيث قال له: (بل لأمتي كلهم) وهو نص نبوي في محل النزاع. ومن الأحاديث الدالة على ذلك أنه ﷺ لما أيقظ علياً وأمره وفاطمة بالصلاة من الليل، وقال له على ﵁: إن أرواحنا بيد الله إن شاء بعثنا ولي ﷺ يضرب فخذه ويقول: (وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا) [الكهف: ٥٤]، فجعل عليا داخلاً فيها مع أن سبب نزولها الكفار الذين يجالدون في القرآن. وخطابه ﷺ لواحد كخطابه للجميع كما تقدم ما لم يقم دليل على الخصوص. وأما اللغة فان الرجل لو قالت له زوجته: طلقني فطلق جميع نسائه لا يختص الطلاق بالطالبة التي هي السبب ... ). الخاص تعريف الخاص: أ - لغة: قال الشيخ: (الخاص لغة: ضد العام). العام لغة بمعنى الشامل، والخاص ضده فيكون بمعنى: المنفرد من قولهم: اختص فلان بكذا أي انفرد به. ب- اصطلاحا: قال الشيخ: (اللفظ الدال على محصور بشخص أو عدد). ومثل له الشيخ بأسماء الأعلام والإشارة والعدد، وهذا التعريف الذي ذكره الشيخ من أجود تعارف العام إلا أنه غير جامع فلا يشمل نوعا من الخاص وهو الخاص بالنوع كلفظ الإنسان فإنه خاص بالنسبة إلى لفظ الحيوان ولم يخرج عن كونه عاما بالنسبة إلى ما تحته. قال الآمدي في "الإحكام" (٢/ ٢١٩): (والحق أن يقال: الخاص قد يطلق باعتبارين: الأول وهو اللفظ الواحد الذي لا يصلح مدلوله لاشتراك كثيرين فيه كأسماء الأعلام من زيد وعمرو ونحوه الثاني ما خصوصيته بالنسبة إلى ما هو أعم منه ... ).

стр. 52

وعرفه الشيخ علي الحكمي في "تخصيص العام وأثره في الأحكام الفقهية" بأنه (اللفظ الموضوع لواحد ولو بالنوع أو لمتعدد محصور). وقال: ("اللفظ" جنس، و"الموضوع" قيد مخرج المهمل الذي لم يوضع لشيء، "ولواحد" احترازا من العام و"لو بالنوع" قيد لإدخال المطلق والنكرة في الإثبات لأنهما من الخاص باعتبار وحدة النوع، وقولنا " أو لمتعدد محصور" قيد ليشمل التعريف أسماء الأعداد والمثنى المنكر لأنها وضعت لأكثر من واحد مع الحصر). تعريف التخصيص: أ-لغة: قال الشيخ: (التخصيص لغة: ضد التعميم). سبق أن ذكرنا أن الخاص لغة بمعنى المنفرد، وعليه فالتخصيص في اللغة مصدر خصص، بمعنى خص، والتخصيص: إفراد وتمييز بعض الشيء بما لا يشاركه فيه الجملة، وذلك خلاف التعميم (١). ب- اصطلاحا: عرفه الشيخ بقوله: (واصطلاحاً: إخراج بعض أفراد العام). تنبيهات: الأول - الفرق بين النسخ الجزئي والتخصيص: في حالة النسخ الجزئي يكون الحكم قد تناول جميع الأفراد ابتداء ثم رفع بالنسبة إلى بعض الأفراد وبقي الحكم فيما عداهم. وأما في حالة التخصيص فإن حكم العام تعلق ببعض أفراده ابتداء، ولهذا يشترط في النسخ أن يكون متراخيا عن وقت العمل بالعام، بخلاف التخصيص فإنه لا يشترط أن يكون متأخرا عن وقت العمل بالعام سواء جاء مقترنا بالعام، أو متقدما عليه، أو متأخرا عنه - وذلك على القول الراجح من أنه يجوز تأخير البيان عن وقت الخطاب إلى وقت الحاجة إلى العمل به ولا يجوز تأخيره عن وقت الحاجة للعمل به -. مثال النسخ الجزئي قوله تعالى: (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ) [النور: ٦]، هو نسخ جزئي للعام في قوله تعالى: (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً) [النور: ٤]، لأن هذه الآية الثانية بعمومها تشمل كل قاذف سواء قذف زوجته أو غيرها، وقد شرع الحكم ابتداء عاماً، ثم قام الدليل وهو آيات اللعان على قصر الجلد على القاذف الذي يقذف غير زوجته.

стр. 53

وأما مثال التخصيص فقوله تعالى: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ) [العنكبوت: ١٤] الظاهر أن الألف كاملة لكن قوله: (إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا) بين أن هذه الخمسين غير مراد دخولها في الألف بداية وأن المراد بالألف تسعمائة وخمسون عاما. وعلى ذلك فهذا التعريف غير جامع لدخول النسخ الجزئي فيه، فالأولى أن يقال في تعريفه كما قال المرداوي في التحبير (٥/ ٢٥٠٩): (قصر العام على بعض أجزائه) وذلك لأن نسخ البعض ليس قصرا بل هو رفع بعد إثبات، والتخصيص قصر للدليل العام عن إثبات الحكم قبل دخوله وقت العمل فلا يدخل النسخ في التعريف. وهناك بعض القيود الأخرى التي ينبغي أن تضاف لتعريف المرداوي ليكون جامعا مانعا ومنها: تقييد أفراده أو أجزائه بالغالبة: قال العطار في "حاشيته على جمع الجوامع" (٢/ ٣١): (ينبغي تقييد أفراده بالغالبة ليخرج النادرة وغير المقصودة فإن القصر على أحدهما ليس تخصيصا خلافا للحنفية ولذلك ضعف تأويلهم أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل بحمله على المكاتبة أو المملوكة لأنه نادر فلا يقصر عليه الحكم ... ). وزاد الشنقيطي قيدا آخر فعرفه في المذكرة (ص/٦٦، ٢٠٨) بقوله: (قصر العام على بعض أفراده بدليل يقتضي ذلك) وأدلة التخصيص تنقسم إلى متصلة ومنفصلة كما سيأتي قريبا. وعليه فالتخصيص هو: (قصر العام على بعض أفراده الغالبة بدليل يقتضي ذلك). المخصِّص: قال الشيخ: (والمخصِّص - بكسر الصاد - فاعل التخصيص وهو الشارع ويطلق على الدليل الذي حصل به التخصيص) والثاني هو الشائع في الأصول فيقال: القرآن مخصص للسنة والسنة مخصصة للقرآن، وهكذا. وقد يطلق المخصِّص على المجتهد الذي رأى تخصيص دليل بدليل، فيقال خصص الإمام أحمد عموم الآية بكذا. المخصص المتصل والمنفصل: قال الشيخ: (ودليل التخصيص نوعان: متصل ومنفصل. فالمتصل: ما لا يستقل بنفسه. والمنفصل: ما يستقل بنفسه). فالمتصل لا يستقل بنفسه في إفادة معناه، بل يكون متعلقا بما اتصل به من الكلام كالاستثناء والشرط والغاية ونحوهم.

стр. 54

والمنفصل وهو ما يستقل بنفسه في إفادة معناه من غير حاجة إلى كلام سابق عليه. المخصصات المتصلة: أولًا - الاستثناء: ١ - الاستثناء لغة: قال الشيخ: (وهو لغة: من الثني وهو رد بعض الشيء إلى بعضه كثني الحبل). قال الطوفي في " شرح مختصر الروضة " (٢/ ٥٨٠): (اعلم أن الاستثناء من حيث اللفظ: استفعال إما من التثنية؛ لأن المستثنى في كلامه يثني الجملة، أي: يأتي بجملة ثانية في كلامه، نحو: قام القوم إلا زيدًا؛ فهم منه قيام القوم، وعدم قيام زيد؛ فهي جملتان، أو من: ثني الفارس عنان فرسه، إذا عطفه؛ لأن المستثنى يعطف على الجملة؛ فيخرج بعضها عن الحكم بالاستثناء). ٢ - الاستثناء اصطلاحا: عرفه الشيخ بقوله: (واصطلاحاً: إخراج بعض أفراد العام بإلا أو إحدى أخواتها). تنبيه: قوله: (إخراج) والإخراج يستلزم الدخول، وقد سبق في تعريف التخصيص بأنه قصر أي أن المخصص لم يدخل بداية في حكم العام. وبناء على ذلك فلا يعرف الاستثناء وهو أحد المخصصات بأنه إخراج. قال الطوفي في "شرح مختصر الروضة" (٢/ ٥٨١): («قول من يزعم أن التعريف» يعني تعريف الاستثناء «بالإخراج»، أي: بقولنا: هو إخراج بعض الجملة، «تناقض» لأن هؤلاء قالوا: تعريف الاستثناء بإخراج بعض الجملة يقتضي أن ذلك البعض دخل في الجملة المستثنى منها، ثم أخرج بالاستثناء؛ فيكون تناقضًا؛ لأنه إذا قال: قام القوم، اقتضى قيام زيد فيهم، فإذا قال: إلا زيدًا، اقتضى أنه لم يقم فيهم؛ فصار التقدير: قام زيد، لم يقم زيد، وذلك تناقض ... ). وعلى ذلك فالاستثناء هو: (المنع عن دخول بعض ما تناوله صدر الكلام في حكمه بحرف وضع له) (١). تتمة: أدوات الاستثناء المشهورة ثمانية وهي: إلا، حاشا، لا يكون، ليس، خلا، عدا، غير،

стр. 55

سُوى. ويقال فيه " سوى " بضم السين، و " سواء " بفتحها والمد، وبكسرها والمد. شروط الاستثناء: الشرط الأول - اتصاله بالمستثنى منه حقيقة أو حكماً. والقول باعتبار هذا الشرط صححه الكلوذاني والمرداوي وابن النجار وغيرهم وهو مذهب جمهور العلماء قال الكلوذاني في "التمهيد" (٢/ ٧٣): (وأما التخصيص بالاستثناء فمن شرط صحته: أن يكون متصلا بالكلام، أو في حكم المتصل فأما المتصل بالكلام كقوله: له على عشرة إلا درهما، وأما الذي في حكم المتصل بالكلام فبأن يكون انفصاله قبل أن يستوفي المتكلم غرضه من الكلام نحو أن يسكت عن الاستثناء لانقطاع نفسه، أو لبلع ريق أو سعال وما أشبهه وإلى هذا ذهب عامة أهل العلم). ومن أقوى ما استدل به القائلون بالجواز أثر ابن عباس ﵄ قال: (إذا حلف الرجل على يمين فله أن يستثني ولو إلى سنة وإنما نزلت هذه الآية في هذا (وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ) قال إذا ذكر استثنى). وهذا الأثر ضعيف فيه عنعنة الأعمش، وهو مدلس، كما أنه مضطرب المتن فقد ورد عنه الأثر بلفظ: ولو بعد حين، ولفظ: إلى أربعة أشهر، وشهر، وسنة، وعنه أبدا. ولو صح فيحمل على أنه لم يقصد الاستثناء، وإنما قصد امتثال قوله تعالى: (وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ)، أو يحمل على أنه نوى الاستثناء عند بداية كلامه فيدان به. الشرط الثاني - ألا يكون المستثنى أكثر من نصف المستثنى منه: قال الشيخ: (ألا يكون المستثنى أكثر من نصف المستثنى منه، وقيل لا يشترط ذلك فيصح الاستثناء وإن كان المستثنى أكثر من النصف. أما إن استثنى الكل فلا يصح على القولين. وهذا الشرط فيما إذا كان الاستثناء من عدد، أما إن كان من صفة فيصح وإن خرج الكل أو الأكثر). أولًا - بالنسبة للاستثناء من للعدد: وصورها أن المستثنى إما أن يكون أكثر من المستثنى منه أو أقل أو مساو للنصف أو مستغرقا له. ويصح في المذهب استثناء الأقل كأن يقول له علي عشرة إلا ثلاثة. وأما استثناء النصف ففيه خلاف، وظاهر المذهب أنه يصح.

стр. 56

وأما استثناء الأكثر فالراجح في المذهب أنه لا يصح، واختار الشيخ العثيمين صحته وهو الأولى، وهو قول أكثر الفقهاء. ولا يصح استثناء الكل؛ لإفضائه إلى العبث وكونه نقضًا كليًا للكلام، ورجوعًا عن الإيجاد إلى الإعدام؛ فعلى هذا يلغو الاستثناء، ويلزم المستثنى، فإذا قال: له علي عشرة إلا عشرة، أو: أنت طالق ثلاثًا إلا ثلاثًا؛ لزمه عشرة، وطلقت ثلاثًا. ثانيًا - بالنسبة للاستثناء من الصفة: اختار الشيخ أنه يصح الاستثناء من الصفة، وإن خرج الكل، أو الأكثر. فلو قلت: أعط من في البيت إلا الأغنياء، فتبين أن جميع من في البيت أغنياء صح الاستثناء، ولم يعطوا شيئًا. وكقوله تعالى: (إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ) [الحجر: ٤٢]؛ فاستثنى الغاوين من العباد، والغاوون أكثر؛ بدليل قوله : (وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ) [الأعراف: ١٧]. ثانيًا - التخصيص بالشرط: تعريف الشرط: أ- لغة: قال الشيخ ﵀: (الشرط وهو لغة: العلامة). الشرَط - بفتح الراء- وهو العلامة. وجمعه: أشراط، ومنه أشراط الساعة أي علاماتها. تعريف الشرط: عرفه الشيخ بقوله: (تعليق شيء بشيء وجوداً أو عدماً بإن الشرطية أو إحدى أخواتها) أدوات الشرط: أدوات الشرط كثيرة ومنها: إن المخففة - إذا - إذْ ما - لو - لولا - أنى - حيثما - متى - مهما - كيفما - مَنْ - ما - أي - أين - أيان ... كقوله تعالى: (وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ) [الطلاق: ٦]، وكقول: إن جاء زيد أكرمته، وكقول: إذا أحمر البُسْر فأتنا، وهكذا ... أحكام الشرط: قال الشيخ: (والشرط مخصص سواء تقدم أم تأخر). قال في "الأصل" (ص/٤٠): (مثال المتقدم قوله تعالى في المشركين: (فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ) [التوبة: ٥]. ومثال المتأخر قوله تعالى: (وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا) [النور: ٣٣]).

стр. 57

ثالثًا - التخصيص بالصفة: تعريفها: قال الشيخ: (الصفة هي: ما أشعر بمعنى يختص به بعض أفراد العام). الصفة المرادة هنا التي تخصص العام عند الأصوليين ليس المقصود بها النعت فقط، بل ما هو أعم من ذلك، فكل وصف أو معنى يمكن أن يحصر عموم العام في بعض الأفراد يسمونه صفة، سواءً كان جاراً ومجروراً أو كان نعتاً أو كان حالاً فهذه كلها يعدونها من التخصيص بالصفة كما سيأتي ذكر الأمثلة. أمثلة عليها: ومثل لها الشيخ بقوله: (من نعت أو بدل أو حال) ١ - (من نعت): وقال في "الأصل" (ص/٤١): (مثال النعت: قوله تعالى: (وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ) [النساء: ٢٥]). فلفظ (فَتَيَاتِكُمُ) هنا جمع مضاف إلى معرفة وهي من صيغ العموم، ثم قال في وصفهن: (المُؤْمِنَاتِ) هذا قيد خصص عموم قوله (فَتَيَاتِكُمُ) فذهب جمهور العلماء إلى أن من لم يستطع مهر الحرة يجوز له أن يتزوج أمة لكن لابد وأن تكون مؤمنة. ٢ - (أو بدل): قال في "الأصل": (ومثال البدل: قوله تعالى: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا) [آل عمران: ٩٧]). واعلم أن البدل نوع مستقل من المخصصات المتصلة وليس أحد أنواع التخصيص بالصفة، وذلك لأن المبدل منه في حكم المطرح والبدل قد أقيم مقامه فلا يكون مخصصا له ولذلك قدروا في آية الحج: ولله الحج على المستطيع. ٣ - (أو حال): قال الشيخ السلمي في "شرح الورقات": (- قوله تعالى: (وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ) [النساء: ٩٣]، لو لم تأتي كلمة (مُّتَعَمِّداً) وهي حال هنا والأصوليون يسمونها صفة ويجعلونه من التخصيص بالصفة، لو لم ترد كلمة: (مُّتَعَمِّداً) أصبحت من يقتل مؤمنا فجزائه جنهم، لكن هل كل من قتل مؤمناً يعني ولو خطأ يستحق هذا العقاب؟ الجواب لا، بدليل قوله تعالى: (مُّتَعَمِّداً) فقوله (مُّتَعَمِّداً) هذا تخصيص بالصفة، كانت الآية عامة لولا هذا التخصيص، فهذا هو التخصيص بالصفة).

стр. 58

المخصصات المنفصلة . تمهيد - العام الذي أريد به الخصوص: العام الذي أريد به الخصوص، هو الذي لفظه عام من حيث الوضع ولكن اقترن به دليل يدل على أنه مراد به بعض مدلوله اللغوي مثل قوله تعالى: (الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ) [آل عمران: ١٧٣]، فلفظ الناس عام ولكنه لم يرد به عموم الناس بدليل قوله: (إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ) فدل على وجود أناس جمعوا، وأناس مجموع لهم، وأناس نقلوا الخبر للمجموع لهم. فلفظ الناس تكرر مرتين والمراد به في الأولى: نعيم بن مسعود، أو ركب عبد القيس، وفي الثانية: أبو سفيان ومن معه من الأحزاب (١). أولاً - التخصيص بالحس: قال المرداوي في "التحبير" (٦/ ٢٦٣٨): (يجوز التخصيص بالحس، أي: المشاهدة، كقوله تعالى: (وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ) [النمل: ٢٣]، (تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ) [الأحقاف: ٢٥] فنحن نشاهد أشياء كثيرة لم تؤتها بلقيس كملك سليمان، ونحن نشاهد أشياء كثيرة لم تدمرها الريح كالسموات، والجبال، وغيرها ... ). ثانيا - التخصيص بالعقل: قال المرداوي في "التحبير" (٦/ ٢٦٣٩): (قوله: ﴿والعقل أيضا﴾ من المخصصات المنفصلة. العقل ضروريا كان أم نظريا، فالضروري كقوله تعالى: (اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ) [الرعد: ١٦]، فإن العقل قاض بالضرورة أنه لم يخلق نفسه الكريمة، ولا صفاته (٢). والنظري كتخصيص قوله تعالى: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا) [آل عمران:٩٧] فإن العقل بنظره اقتضى عدم دخول الطفل، والمجنون بالتكليف بالحج؛ لعدم فهمهما، بل هما من جملة الغافلين الذين هم غير مخاطبين بخطاب التكليف. قال بعض أعيان الشافعية: لا خلاف في ذلك. قال البرماوي: نعم، منع كثير من العلماء أن ما خرج من الأفراد بالعقل من باب التخصيص، وإنما العقل اقتضى عدم دخوله في لفظ العام، وفرق بين عدم دخوله في لفظ العام، وبين خروجه بعد أن دخل ... ).

стр. 59

والراجح ما ذهب إليه الشيخ بقوله: (ومن العلماء من يرى أن ما خص بالحس والعقل ليس من العام المخصوص وإنما هو من العام الذي أريد به الخصوص إذ المخصوص لم يكن مرادًا عند المتكلم ولا المخاطب من أول الأمر وهذه حقيقة العام الذي أريد به الخصوص). ثالثا التخصيص بالشرع: قال الشيخ: (وأما التخصيص بالشرع فإن الكتاب والسنة يخصص كل منهما بمثلهما وبالإجماع والقياس). ومحصل ما ذكر الشيخ هنا تخصيص الكتاب بالكتاب، والكتاب بالسنة، والسنة بالكتاب والسنة بالسنة، والكتاب بالإجماع، والسنة بالإجماع، والكتاب بالقياس، والسنة بالقياس. فمن أمثلة تخصيص الكتاب بالكتاب: قوله تعالى: (وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ) [البقرة: ٢٢٨] فإن عمومه خص بالحوامل في قوله تعالى: (وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ) [الطلاق: ٤] وخص أيضا عمومه الشامل للمدخول بها وغيرها بقوله تعالى في غير المدخول بها (فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا) [الأحزاب: ٤٩]. ومثال تخصيص الكتاب بالسنة، حتى مع كونها آحادا عند أحمد ومالك والشافعي رضي الله عنهم: قوله : (وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ) [النساء: ٢٤] فإنه مخصوص بقوله ﷺ : (لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها) متفق عليه. ومثال تخصيص السنة بالكتاب: قوله ﷺ : (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله) خص بقوله : (حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ) [التوبة: ٢٩]. ومثال تخصيص السنة بالسنة: قوله ﷺ : (فيما سقت السماء العشر) فإنه مخصوص بقوله ﷺ : (ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة). وأما التخصيص بالإجماع فالمراد دليله، لا أن الإجماع نفسه مخصص؛ لأن الإجماع لا بد له من دليل يستند إليه، وإن لم نعرفه. ومثال تخصيص الكتاب بالإجماع قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ) [الجمعة: ٩] خص بالإجماع على عدم وجوب الجمعة على والمرأة.

стр. 60

ومثال تخصيص السنة بالإجماع تخصيص عموم قوله ﷺ : (إن الماء طهور لا ينجسه شيء) إذ أن (شيء) نكرة في سياق النفي فتعم لكن هذا العموم مخصوص بما تغير بالنجاسة بالإجماع (١). ومن أمثلة تخصيص عموم القرآن بالقياس تخصيص عموم قوله تعالى: (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ) [النور: ٢] .. فان عموم الزانية خصص بالنص وهو قوله في الإماء: (فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ) [النساء:٢٥]. فقيس عليها العبد بجامع الرق فيلزم جلد العبد خمسين لقياسه على الأمة ويخرج بذلك من عموم ((الزاني)) الذي يجلد مائة. - وهذا القياس للعبد على الأمة بجامع الرق خصص قوله ﷺ : «البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام» في تنصيف الحد والاقتصار على خمسين جلدة على المشهور. المطلق والمقيد تعريف المطلق: ١ - لغة: قال الشيخ: (المطلق لغة: ضد المقيد). المطلق في اللغة: من الإطلاق بمعنى الإرسال، فهو المرسل، أي: الخالي من القيد. ٢ - اصطلاحا: قال الشيخ: (ما دل على الحقيقة بلا قيد). تنبيه: لما كان المطلق عكس المقيد، وقد استخدم الشيخ في تعريف المطلق كلمة: (قيد) فيخشى من ذلك الدور، ولذلك فالأولى أن نعدل عن كلمة (قيد) بكلمة: (وصف زائد عليها) فيكون تعريف المطلق: (الدال على الحقيقة من غير وصف زائد عليها) (٢). فائدتان: الفائدة الأولى - النكرة في سياق الإثبات: اعلم أن النكرة في سياق الإثبات من صيغ الإطلاق لا العموم إلا أن يكون ممتنا بها أو

стр. 61

في صيغة الشرط، فحينئذ تكون من صيغ العموم. ومثال الامتنان قوله تعالى: (وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا) [الفرقان: ٤٨]) أي: فتعم كل الماء الذي ينزل من السماء كالثلج والبرد والمطر، ونحو ذلك. ومثال الشرط قوله تعالى: (إِنْ تُبْدُوا شَيْئًا أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا) [الأحزاب: ٥٤] الفائدة الثانية - الفعل المثبت لا يعم: الفعل المطلق في سياق الإثبات كالنكرة في سياق الإثبات يفيد الإطلاق، وذلك لأن الفعل مضمن المصدر، فإذا قلت: صام زيد يوم الاثنين، فلا يدل هذا على أنه يصوم كل اثنين إنما يدل على أنه صام يوم الاثنين فقط ولو مرة واحدة. تعريف المقيد: أ- لغة: قال الشيخ: (المقيد لغة: ما جعل فيه قيد من بعير ونحوه). المقيد في اللغة: مقابل المطلق، تقول العرب: قيدته وأقيده تقييدًا، فرس مقيد، أي: ما كان في رجله قيد أو عقال مما يمنعه من التحرُّك الطبيعي. ب- اصطلاحاً: قال الشيخ: (ما دل على الحقيقة بقيد). المقيد عكس المطلق فلما عرف الشيخ المطلق بقوله: (ما دل على الحقيقة بلا قيد) عرف المقيد بأنه: (ما دل على الحقيقة بقيد) وهكذا. تنبيه: يؤخذ على تعريف الشيخ بأنه استخدم في تعريف المقيد كلمة (قيد) مما يجعل التعريف فيه دور، والأولى أن نعدل عنها بقولنا (بوصف زائد عليه) فيكون المقيد هو: (ما دل على الحقيقة بوصف زائد عليها). العمل بالمطلق: قال الشيخ: (يجب العمل بالمطلق على إطلاقه إلا بدليل يدل على تقييده). وهنا مسألتان: الأولى - العمل بالمطلق قبل البحث عن مقيد والقول فيها كالقول في العام وقد سبق. الثانية - الدليل الشرعي المطلق إذا لم يرد ما يقيده يجب حمله على إطلاقه، كما أن العام إذا لم يرد ما يخصصه يجب حمله على عمومه.

стр. 62

حمل المطلق على المقيد: قال الشيخ: (وإذا ورد نص مطلق ونص مقيد وجب تقييد المطلق به إن كان الحكم واحداً وإلا عمل بكل واحد على ما ورد عليه من إطلاق أو تقييد). وقال في الأصل: (مثال ما كان الحكم فيهما واحداً قوله تعالى في كفارة الظهار: (فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا) (المجادلة/٣)، وقوله في كفارة القتل: (فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ) (النساء /٩٢). فالحكم واحد هو تحرير الرقبة فيجب تقييد المطلق في كفارة الظهار بالمقيد في كفارة القتل ويشترط الإيمان في الرقبة في كل منهما. ومثال ما ليس الحكم فيهما واحدًا: قوله تعالى: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا) (المائدة/٣٨) وقوله في آية الوضوء: (فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ) (المائدة/٦). فالحكم مختلف ففي الأولى قطع وفي الثانية غسل فلا تقيد الأولى بالثانية بل تبقى على إطلاقها ويكون القطع من الكوع مفصل الكف، والغسل إلى المرافق). ومثال ما اتحد حكمه وسببه: كما لو قال في كفارة الظهار: (اعتق رقبة)، وقال عن نفس الكفارة في موضع آخر: (اعتق رقبة مؤمنة) فهنا يحمل المطلق على المقيد، وتقيد الرقبة بالإيمان. ومثال ما اختلف حكمه واتحد سببه: مثل آية الوضوء؛ قال الله - تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ) [المائدة: ٦]، وقال تعالى: (فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ) [المائدة: ٦]؛ ففي الآية: تقييد غسل اليدين إلى المرفقين، وفي التيمم إطلاق الأيدي، وسببهما واحد وهو الحدث فلا يحمل المطلق على المقيد هنا. المجمل والمُبْيَّن تعريف المجمل: أ- لغة: قال الشيخ: (المجمل لغة: المبهم والمجموع). قال المرداوي في "التحبير" (٦/ ٢٧٤٩): (قال ابن مفلح: المجمل لغة المجموع من أجملت الحساب. وقيل: أو المبهم ... ومن معانيه اللغوية أيضا الإبهام، من أجمل الأمر، أي: أبهمه).

стр. 63

ب- اصطلاحا: قال الشيخ: (ما يتوقف فهم المراد منه على غيره). قال الشيخ في "الأصل": (ما يتوقف فهم المراد منه على غيره إما في تعيينه أو بيان صفته أو مقداره. مثال ما يحتاج إلى غيره في تعيينه قوله تعالى: (وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ) [البقرة: ٢٢٨] فإن القرء لفظ مشترك بين الحيض والطهر فيحتاج في تعيين أحدهما إلى دليل. ومثال ما يحتاج إلى غيره في بيان صفته: قوله تعالى: (وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ) [البقرة: ٤٣] فإن كيفية إقامة الصلاة مجهولة تحتاج إلى بيان. ومثال ما يحتاج إلى غيره في بيان مقداره: قوله تعالى: (وَآتُوا الزَّكَاةَ) فإن مقدار الزكاة الواجبة مجهول يحتاج إلى بيان). تعريف المُبْيَّن: أ- لغة قال الشيخ: (المُبْيَّن لغة: المُظْهَّر والمُوْضَّح). قال الفيومي في "المصباح": (بَانَ الْأَمْرُ يَبِينُ فَهُوَ بَيِّنٌ وَجَاءَ بَائِنٌ عَلَى الْأَصْلِ وَأَبَانَ إبَانَةً وَبَيَّنَ وَتَبَيَّنَ وَاسْتَبَانَ كُلُّهَا بِمَعْنَى الْوُضُوحِ وَالِانْكِشَافِ وَالِاسْمُ الْبَيَانُ). ب- اصطلاحا: قال الشيخ: (واصطلاحاً: ما يفهم المراد منه). قال الشيخ في الأصل: (مثال ما يفهم المراد منه بأصل الوضع: لفظ، سماء، أرض، جبل، عدل، ظلم، صدق، فهذه الكلمات ونحوها مفهومة بأصل الوضع ولا تحتاج إلى غيرها في بيان معناها. ومثال ما يفهم المراد منه بعد التبيين قوله تعالى: (وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ) فإن الإقامة والإيتاء كل منهما مجمل ولكن الشارع بينهما فصار لفظهما بينا بعد التبيين). العمل بالمجمل: قال الشيخ: (يجب على المكلف عقد العزم على العمل بالمجمل متى حصل بيانه) ومفهومه أنه لا يعمل به قبل التبيين وهو صحيح؛ لأنه لا دليل على المراد به؛ فلا نكلف بالعمل به، فإننا إذا أقدمنا على العمل قبل البيان، احتمل أن نوافق مراد الشرع؛ فنصيب حكمه، واحتمل أن نخالفه؛ فنخطئ حكمه؛ فتحقق بذلك أن العمل بالمجمل قبل البيان تعرض بالخطأ في حكم الشرع، وذلك لا يجوز؛ لأن حكم الشرع يجب تعظيمه، والتعرض بالخطأ

стр. 64

فيه ينافي تعظيمه (١). مراتب البيان: قال الشيخ: (وبيانه ﷺ إما بالقول، أو بالفعل، أو بالقول والفعل جميعاً). قال في "الأصل" (ص/٤٧): (والنبي ﷺ قد بين لأمته جميع شريعته أصولها وفروعها حتى ترك الأمة على شريعة بيضاء نقية ليلها كنهارها ولم يترك البيان عند الحاجة إليه أبداً. وبيانه ﷺ إما بالقول، أو بالفعل، أو بالقول والفعل جميعاً. مثال بيانه بالقول: إخباره عن أنصبة الزكاة ومقاديرها كما في قوله ﷺ : " فيما سقت السماء العشر". بياناً لمجمل قوله تعالى: (وَآتُوا الزَّكَاةَ). ومثال بيانه بالفعل: قيامه بأفعال المناسك أمام الأمة بياناً لمجمل قوله تعالى: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ) [آل عمران: ٩٧]. وكذلك صلاة الكسوف على صفتها هي في الواقع بيان لمجمل قوله ﷺ : (فإذا رأيتم منها شيئاً فصلوا). ومثال بيانه بالقول والفعل: بيانه كيفية الصلاة فإنه كان بالقول كما في حديث المسيء في صلاته حيث قال ﷺ : (إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء ثم استقبل القبلة فكبر) الحديث. وكان بالفعل أيضاً كما في حديث سهل بن سعد الساعدي ﵁ أن النبي ﷺ قام على المنبر فكبر وكبر الناس وراءه وهو على المنبر. الحديث، وفيه ثم أقبل على الناس وقال: (إنما فعلت هذا لتأتموا بي ولتعلموا صلاتي)). الظاهر والمؤول تعريف الظاهر: أ- لغة: قال الشيخ: (الظاهر لغة: الواضح والبين). قال ابن النجار في "شرح الكوكب" (٣/ ٤٥٩): ("الظَّاهِرِ لُغَةً" أَيْ فِي اللُّغَةِ خِلافُ الْبَاطِنِ، وَهُوَ "الْوَاضِحُ" الْمُنْكَشِفُ. وَمِنْهُ ظَهَرَ الأَمْرُ: إذَا اتَّضَحَ وَانْكَشَفَ، وَيُطْلَقُ عَلَى الشَّيْءِ الشَّاخِصِ

стр. 65

الْمُرْتَفِعِ، كَمَا أَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ الأَشْخَاصِ: هُوَ الْمُرْتَفِعُ الَّذِي تَبَادَرُ إلَيْهِ الأَبْصَارُ كَذَلِكَ فِي الْمَعَانِي). ب- اصطلاحا: عرفه الشيخ بقوله: (واصطلاحاً: ما دل بنفسه على معنى راجح مع احتمال غيره). اعلم أن الكلام إما أن يحتمل معنى واحداً فقط فهذا هو النص نحو قوله تعالى: (تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ) [البقرة: ١٩٦]. وإما أن يحتمل معنيين فأكثر، فان كان أظهر في أحدهما فهو الظاهر ومقابله المحتمل المرجوح. وان كان لا رجحان له في أحد المعنيين أو المعاني فهو المجمل. كالعين والقرء ونحوهما. قال الشيخ في "الأصل" (ص/٤٩): (فخرج بقولنا: " ما دل بنفسه على معنى " المجمل لأنه لا يدل على المعنى بنفسه. وخرج بقولنا: " راجح " المؤول لأنه يدل على معنى مرجوح لولا القرينة. وخرج بقولنا: " مع احتمال غيره " النص الصريح لأنه لا يحتمل إلا معنى واحداً). ومن أمثلة الظاهر: لفظ الغائط فإنه إن أطلق يراد به عرفا الخارج المخصوص من الإنسان لا المطمئن من الأرض. العمل بالظاهر: قال الشيخ في "الأصل" (ص/٤٩): (العمل بالظاهر واجب إلا بدليل يصرفه عن ظاهره؛ لأن هذه طريقة السلف، ولأنه أحوط، وأبرأ للذمة، وأقوى في التعبد، والانقياد). وهذا الذي اختاره الشيخ هو أحد أقوال المذهب، وقد اختاره جماعة منهم ابن قدامة، والطوفي، وابن بدران، واختاره أيضا الشيخ الشنقيطي وغيرهم. والقول هنا كالقول في العام والمطلق فلا تستعمل ظواهر الكتاب قبل البحث عما يفسرها من السنة وأقوال الصحابة والتابعين وغيرهم فان الظاهر الذي لا يغلب على الظن انتفاء ما يعارضه لا يغلب على الظن مقتضاه فإذا غلب على الظن انتفاء معارضه غلب على الظن مقتضاه وهذه الغلبة لا تحصل للمتأخرين في أكثر العمومات إلا بعد البحث عن المعارض (١).

стр. 66

تعريف المؤول: أ- لغة: قال الشيخ: (المؤول لغة: من الأول وهو الرجوع). قال ابن النجار في " شرح الكوكب" (٣/ ٤٦٠): ("وَالتَّأْوِيلُ لُغَةً: الرُّجُوعُ" وَهُوَ مِنْ آلَ يَئُولُ: إذَا رَجَع. وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: (وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ) [آل عمران: ٧] أَيْ طَلَبَ مَا يَئُولُ إلَيْهِ مَعْنَاهُ، وَهُوَ مَصْدَرُ أَوَّلْت الشَّيْءَ، أَيْ فَسَّرْته، مِنْ آلَ إذَا رَجَعَ؛ لأَنَّهُ رُجُوعٌ مِنْ الظَّاهِرِ إلَى ذَلِكَ الَّذِي آلَ إلَيْهِ فِي دَلالَتِهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: (هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ) [الأعراف: ٥٣] أَيْ مَا يَئُول إلَيْهِ بَعْثُهُمْ وَنُشُورُهُمْ). ب- اصطلاحا: قال الشيخ: (واصطلاحاً: ما حمل لفظه على المعنى المرجوح). قال الشيخ في "الشرح" (ص/٣٦٣): (المؤول لابد وأن يكون له معنيان: أحدهما راجح، والثاني مرجوح - قلت: وهذا على الأغلب وإلا فقد يكون له عدة معان -، فخرج بذلك النص؛ لأنه لا يدل إلا على معنى واحد. وخرج المجمل؛ لأنه لا يدل على معنى (١)، أو يدل على معنيين لا يترجح أحدهما على الآخر. وخرج الظاهر؛ لأنه يدل على المعنى الراجح. وبهذا الفصل خرجت هذه المحترزات). تنبيه: هذا الحد غير جامع لتقييده باللفظ وعدم دخول الفعل فيه. فالأولى في تعريفه أن يقال: (ما حمل على المعنى المرجوح) وهذا يشمل التأويل الصحيح والفاسد، فإن أردت الصحيح زدت في الحد: "بدليل يصيره راجحا". أقسام التأويل: قال الشيخ: (والتأويل قسمان: صحيح مقبول، وفاسد مردود. ١ - فالصحيح: ما دل عليه دليل صحيح. ٢ - والفاسد: ما ليس عليه دليل صحيح). وقد مثل الشيخ عطية في "تتمة أضواء البيان" للتأويل الفاسد فقال (٨/ ٥٨٠): (التأويل المسمى باللعب عند علماء التفسير، وهو صرف اللفظ عن ظاهره، لا لقرينة صارفة ولا

стр. 67

علاقة رابطة. ومن اللعب في التأويل في هذه الآية، ما يفعله بعض العوام: رأيت رجلاً عامياً عادياً، قد لبس حلة كاملة من عمامة وثوب صقيل وحزام جميل مما يسمونه نصبة، أي بدلة كاملة، فقال له رجل: ما هذه النصبة يا فلان؟ فقال له: لما فرغت من عملي نصبت، كما قال تعالى: (فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ) [الشرح: ٧]. كما سمعت آخر يتوجع لقلة ما في يده، ويقول لزميله: ألا تعرف لي شخصًا أنصب عليه، أي آخذ قرضة منه، فقلت له: ولم تنصب عليه؟ والنصب كذب وحرام. فقال: إذا لم يكن عند الإنسان شيء، ويده خالية فلا بأس، لأن الله قال: (فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ)، وهذا وأمثاله مما يتجرأ عليه العامة لجهلهم، أو أصحاب الأهواء لنحلهم). مثال للتأويل الصحيح: قوله ﷺ : (الجار أحق بصقبه) رواه البخاري، والصقب القرب والملاصقة والمراد به الشفعة فهذا الحديث ظاهر في ثبوت الشفعة للجار الملاصق والمقابل أيضا مع احتمال أن المراد بالجار الشريك المخالط، لكن هذا الاحتمال ضعيف بالنسبة إلى الظاهر فلما نظرنا إلى قوله ﵊: (إذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة) رواه البخاري، صار هذا الحديث مقويا لذلك الاحتمال الضعيف في الحديث المتقدم حتى ترجحا على ظاهره فقدمناهما وقلنا لا شفعة إلا للشريك المقاسم وحملنا عليه الجار في الحديث الأول وهو حمل سائغ في اللغة. النسخ تعريف النسخ: أ- لغة: قال الشيخ: (النسخ لغة: الإزالة والنقل). ومن الثاني قولك: نسخت الكتاب، أي نقلته عن معارضة حرفا بحرف. ويطلق النسخ في اللغة على الإزالة سواء أقيم شيء مكانه أم لا، فمن الأول قوله تعالى: (مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا) [البقرة: ١٠٦]، ومن الثاني قوله تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ) [الحج: ٥٢].

стр. 68

ب- اصطلاحا: قال الشيخ: (واصطلاحاً: رفع حكم دليل شرعي أو لفظه بدليل من الكتاب والسنة). قال الشيخ العثيمين: فالمراد بقولنا: " رفع حكم " أي تغييره من إيجاب إلى إباحة، أو من إباحة إلى تحريم مثلاً. فخرج بذلك تخلف الحكم لفوات شرط أو وجود مانع مثل أن يرتفع وجوب الزكاة لنقص النصاب أو وجوب الصلاة لوجود الحيض فلا يسمى ذلك نسخاً. "رفع حكم دليل" يعني: رفع حكم دليل والدليل باق، "أو لفظه": ولكن حكمه باق،"أو لفظه وحكمه": وهذا ممكن، ولهذا نقول: "أو" هنا ليست للتنويع بل هي مانعة خلو - يعني: لا يخلو أن يكون رفع حكم أو رفع لفظ أو رفع حكم ولفظ، فله ثلاثة أوجه. ما دمنا قلنا: "رفع" فإنه يلزم أن يكون الناسخ متأخرا عن المنسوخ؛ لأن الرافع يكون بعد المرفوع. وقوله: (دليل شرعي) يخرج ما ليس دليلا شرعيا كالأوامر الصادرة من الحكام والولاة والأمراء وما أشبه ذلك، فإذا رفعوا الأمر الأول وأتوا بأمر جديد لا يسمى نسخا اصطلاحا؛ لأن هذا ليس من الأمور الشرعية بل من الأمور العرفية الوضعية. ونحن إنما نتكلم عن الشرعية. وخرج بقولنا: " بدليل من الكتاب والسنة " ما عداهما من الأدلة كالإجماع والقياس فلا ينسخ بهما. النسخ جائز عقلاً وواقع شرعاً: قال الشيخ: (والنسخ جائز عقلاً وواقع شرعاً). قال في الأصل: (أما جوازه عقلاً: فلأن الله بيده الأمر وله الحكم؛ لأنه الرب المالك فله أن يشرع لعباده ما تقتضيه حكمته ورحمته وهل يمنع العقل أن يأمر المالك مملوكه بما أراد؟! ثم إن مقتضى حكمة الله ورحمته بعبادة أن يشرع لهم ما يعلم تعالى أن فيه قيام مصالح دينهم ودنياهم والمصالح تختلف بحسب الأحوال والأزمان فقد يكون الحكم في وقت أو حال أصلح للعباد ويكون غيره في وقت أو حال أخرى أصلح والله عليم حكيم. وأما وقوعه شرعاً فلأدلة منها: ١ - قوله تعالى: (مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا) [البقرة: ١٠٦]. ٢ - قوله تعالى: (الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ) [الأنفال: ٦٦]. (فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ) [البقرة: ١٨٧] فإن هذا النص في تغيير الحكم السابق.

стр. 69

٣ - قوله ﷺ : " كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزورها" فهذا نص في نسخ النهي عن زيارة القبور). شروط النسخ: ١ - تعذر الجمع بين الدليلين: قال ابن الجوزي في "نواسخ القرآن" (ص/٢٣): (الشروط المعتبرة في ثبوت النسخ خمسة: الشرط الأول أن يكون الحكم في الناسخ والمنسوخ متناقضا بحيث لا يمكن العمل بهما جميعا فإن كان ممكنا لم يكن أحدهما ناسخا للآخر وذلك قد يكون على وجهين: الوجه الأول أن يكون أحد الحكمين متناولا لما تناوله الثاني بدليل العموم والآخر متناولا لما تناوله الأول بدليل الخصوص فالدليل الخاص لا يوجب نسخ دليل العموم بل يبين أنه إنما تناوله التخصيص لم يدخل تحت دليل العموم. والوجه الثاني أن يكون كل واحد من الحكمين ثابتا في حال غير الحالة التي ثبت فيها الحكم الآخر مثل تحريم المطلقة ثلاثا فإنها محرمة على مطلقها في حال وهي ما دامت خالية عن زوج وإصابة فإذا أصابها زوج ثان ارتفعت الحالة الأولى وانقضت بارتفاعها مدة التحريم فشرعت في حالة أخرى حصل فيها حكم الإباحة للزوج المطلق ثلاثا فلا يكون هذا ناسخا لاختلاف حالة التحريم والتحليل). ٢ - العلم بتأخر الناسخ: قال ابن الجوزي في " نواسخ القرآن" (ص/٢٣): (الشرط الثاني أن يكون الحكم المنسوخ ثابتا قبل ثبوت حكم الناسخ ... فمتى ورد الحكمان مختلفين على وجه لا يمكن العمل بأحدهما إلا بترك الآخر ولم يثبت تقديم أحدهما على صاحبه بأحد الطريقين امتنع ادعاء النسخ في أحدهما). طرق معرفة تأخر الناسخ: قال الشيخ وهو يتكلم عن شروط النسخ: (العلم بتأخر الناسخ ويعلم ذلك إما بالنص أو بخبر الصحابي، أو بالتاريخ). أولًا- النص: قال ابن النجار في "شرح الكوكب" (٣/ ٥٦٣) وهو يتكلم عن طرق معرفة تأخر الناسخ: ((و) الوجه الثاني من طريق معرفة تأخر الناسخ (قوله ﷺ نحو (كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها)). ثانيًا- خبر الصحابي:

стр. 70

وقال ابن النجار أيضا: ((و) الوجه الرابع من طرق معرفة تأخر الناسخ (قول الراوي) للناسخ (كان كذا ونسخ، أو رخص في كذا ثم نهي عنه ونحوهما) كقول جابر ﵁ (كان آخر الأمرين من رسول الله ﷺ ترك الوضوء مما مست النار) وكقول علي ﵁ (أمرنا النبي ﷺ بالقيام للجنازة، ثم قعد)). ثالثًا- التاريخ: مثل له الشيخ في "الأصل" بقوله تعالى: (الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ) [الأنفال: ٦٦]. الآية، فقوله: (الْآنَ) (١) يدل على تأخر هذا الحكم وكذا لو ذكر أن النبي، ﷺ ، حكم بشيء قبل الهجرة ثم حكم بعدها بما يخالفه فالثاني ناسخ). ٣ - ثبوت الناسخ: قال الشيخ وهو يتكلم عن شروط النسخ: (ثبوت الناسخ واشترط الجمهور أن يكون أقوى من المنسوخ فلا ينسخ المتواتر عندهم بالآحاد وإن كان ثابتاً، والأرجح أنه لا يشترط أن يكون الناسخ أقوى). محصل هذا الشرط أنه يشترط في الناسخ أن يصح نسبته للنبي ﷺ فلا يكون ضعيفا، فلم يشترط أن يكون الناسخ أقوى من المنسوخ بل يكتفى بمجرد صحة نسبته للشرع فينسخ خبرُ الآحاد المتواترَ والقرآنَ وذلك لأن الكل شرع من عند الله، قال تعالى: (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى. إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى) [سورة النجم: ٣، ٤]. وحقيقة ذلك إن الناسخ إنما جاء رافعًا لاستمرار حكم المنسوخ ودوامه، وذلك ظني وإن كان دليله قطعيًا، فالمنسوخ إنما هو هذا الظني لا ذلك القطعي. أقسام النسخ باعتبار المنسوخ: قال الشيخ: (ينقسم النسخ باعتبار النص المنسوخ إلى ثلاثة أقسام: الأول: ما نسخ حكمه وبقي لفظه، وحكمة نسخ الحكم دون اللفظ بقاء ثواب التلاوة وتذكير الأمة بحكمة النسخ.

стр. 71

الثاني: ما نسخ لفظه وبقي حكمه، وحكمة نسخ اللفظ دون الحكم اختبار الأمة في العمل بما لا يجدون لفظه في القرآن وتحقيق إيمانهم بما أنزل الله تعالى. الثالث: ما نسخ حكمه ولفظه). وقال في "الأصل" (ص/٥٤): (ينقسم النسخ باعتبار النص المنسوخ إلى ثلاثة أقسام: الأول: ما نسخ حكمه وبقي لفظه، وهذا هو الكثير في القرآن. مثاله: آيتا المصابرة، وهما قوله تعالى: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ [لأنفال: من الآية٦٥]، نسخ حكمها بقوله تعالى: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [لأنفال:٦٦]. وحكمة نسخ الحكم دون اللفظ، بقاء ثواب التلاوة، وتذكير الأمة بحكمة النسخ. الثاني: ما نسخ لفظه وبقي حكمه كآية الرجم، فقد ثبت في "الصحيحين" من حديث ابن عباس ﵄ أن عمر بن الخطاب ﵁ قال: كان فيما أنزل الله آية الرجم، فقرأناها وعقلناها ووعيناها ورجم رسول الله ﷺ ورجمنا بعده، فأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل: والله ما نجد الرجم في كتاب الله، فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله، وإن الرجم في كتاب الله حق على من زنى، إذا أحصن من الرجال والنساء، وقامت البينة، أو كان الحبل، أو الاعتراف). وحكمة نسخ اللفظ دون الحكم اختبار الأمة في العمل بما لا يجدون لفظه في القرآن، وتحقيق إيمانهم بما أنزل الله تعالى، عكس حال اليهود الذين حاولوا كتم نص الرجم في التوراة. الثالث: ما نسخ حكمه ولفظه: كنسخ عشر الرضعات في حديث عائشة ﵂ قالت: "كان فيما أنزل من القرآن عشر رضعات معلومات يحرمن، ثم نسخن بخمس معلومات" (١) -).

стр. 72

أقسام النسخ باعتبار الناسخ: قال الشيخ: (وينقسم النسخ باعتبار الناسخ إلى أربعة أقسام: الأول: نسخ القرآن بالقرآن. الثاني: نسخ القرآن بالسنة. الثالث: نسخ السنة بالقرآن. الرابع: نسخ السنة بالسنة). قال في "الأصل" (ص/٥٥): (وينقسم النسخ باعتبار الناسخ إلى أربعة أقسام: الأول: نسخ القرآن بالقرآن؛ ومثاله آيتا المصابرة. الثاني: نسخ القرآن بالسنّة؛ ولم أجد له مثالاً سليماً. الثالث: نسخ السنة بالقرآن: ومثاله نسخ استقبال بيت المقدس الثابت بالسنة، باستقبال الكعبة الثابت بقوله تعالى: (فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَه) [البقرة: ١٤٤]. الرابع: نسخ السنة بالسنة، ومثاله قوله ﷺ : "كنت نهيتكم عن النبيذ في الأوعية، فاشربوا فيما شئتم، ولا تشربوا مسكراً"). مثال لنسخ القرآن بالسنة. نسخ قوله تعالى: (كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ) [البقرة:١٨٠] بالنسبة للفرع الوارث بآيات المواريث، وكما هو معلوم أن من شروط النسخ التعارض وعدم إمكان الجمع، والجمع ممكن بين هذه الآية وآيات المواريث، فما نسخ وجوبه بقي جوازه أو ندبه - على الخلاف المعروف في المسألة - وعليه فالجمع بينهما ممكن بأن الوصية للوارث جائزة أو مستحبة مع ثبوت الإرث. إذا تقرر هذا علم أن قوله ﷺ : «إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث» (١) إنما نسخ ما بقى من الجواز أو الندب للتحريم فلا يجوز الوصية للفرع الوارث.

стр. 73

قال الصنعاني في "سبل السلام" (٣/ ١٠٦): (والحديث دليل على منع الوصية للوارث وهو قول الجماهير من العلماء. وذهب الهادي وجماعة إلى جوازها مستدلين بقوله تعالى: (كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ) الآية قالوا ونسخ الوجوب لا ينافي بقاء الجواز. قلنا نعم لو لم يرد هذا الحديث فإنه ناف لجوازها إذ وجوبها قد علم نسخه من آية المواريث ... ). حكمة النسخ: قال الشيخ: (حكمة النسخ: ١ - مراعاة مصالح العباد بتشريع ما هو أنفع لهم في دينهم ودنياهم. ٢ - التطور في التشريع حتى يبلغ الكمال. ٣ - اختبار المكلفين باستعدادهم لقبول التحول من حكم إلى آخر ورضاهم بذلك. ٤ - اختبار المكلفين بقيامهم بوظيفة الشكر إذا كان النسخ إلى أخف ووظيفة الصبر إذا كان النسخ إلى أثقل). قال الشيخ في "الشرح" (ص/٤٣١): (للنسخ حكم متعددة وكذا جميع الشرع مبني على الحكم، لكن من الحكم ما يعلم ومن الحكم ما لا يعلم، فالحكم المعلومة واضحة، وغير المعلومة يسميها العلماء تعبدية يعني أن الحكمة منها أن الله استعبدنا بها، ولكننا لا ندري ما هو السبب. وهذه الأمور التعبدية كوجوب غسل اليد إذا قام الإِنسان من نومه ثلاثًا قبل أن يدخلها في الإِناء، ومن العلماء من يحاول أن يجد لها حكمة ولكن نحن لا يهمنا، نحن نعلم أن الله تعالى حكيم، فكل شيء يفعله الله أو يشرعه فهو مبنيٌ على الحكمة، لكن عقولنا بقصورها لا تدرك بعض الحكم فتفوتها ويقول الله : (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا) [الإسراء: ٨٥]. فالمهم يجب أن تؤمن بأنه ما من شيء يشرعه الله إلا وهو مبنيٌ على الحكمة. ومن ذلك النسخ، وكون الحكم ينتقل من شيء لآخر ذلك لا بد له من حكمة، وهي كثيرة) وقد سبق بيان بعض حكم النسخ عند الكلام على أقسام النسخ باعتبار النص المنسوخ، وذكر الشيخ هنا بعض الحكم الأخرى للنسخ منها: ١ - مراعاة مصالح العباد بتشريع ما هو أنفع لهم في دينهم ودنياهم. فالله إذا نسخ حكما دل على أن الناسخ أنفع للعباد، والأول أيضا كان نافعا ولكنه منفعته كانت مؤقتة، فلما زالت انتقلنا إلى الثاني لمنفعته الدائمة المستمرة. ٢ - التطور في التشريع حتى يبلغ الكمال.

стр. 74

قال الشيخ في "الشرح" (ص/٤٣٢): (أي أن التشريع يتطور حتى يبلغ الكمال، ولهذا لم تجب الصلاة إلا قبل الهجرة بنحو سنة، أو ثلاث سنين، أو خمس، والزكاة وجبت في السنة الثانية، وقيل: إنها وجبت في مكة ولكن في السنة الثانية بينت الأنواع والمقادير ... إلخ، والصوم في السنة الثانية، والحج في السنة التاسعة فكل هذا من أجل أن يتطور التشريع حتى يبلغ الكمال. وهذا كما أنه مقتضى الحكمة شرعًا، فهو مقتضى الحكمة قدرًا وانظر إلى الإِنسان أول ما يولد فهو صغير وضعيف القوة، ثم يزداد ويتطور حتى يصل إلى درجة الكمال). ٣ - اختبار المكلفين باستعدادهم لقبول التحول من حكم إلى آخر ورضاهم بذلك. قال في الشرح (ص/٤٣٣): (وذلك من أشد ما يكون، فبعض الناس لا يرضى أن تتحول الأحكام أحيانًا كذا وأحيانًا كذا، ولهذا لما حولت القبلة ارتد بعض الناس، كما قال تعالى: (وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ) [البقرة: ١٤٣]. فالمهم أن في النسخ اختبارًا للمكلفين هل يرضون بالأحكام ويتقبلون وإذا قيل لهم هذا حلال فعلوه، وإذا قيل هذا حرام أمسكوا عنه، وإذا قيل هذا واجب التزموا به وقاموا به، وهذا لا شك أنه من أكبر الحكم. س: فإذا قال قائل: (أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ) [الأنعام: ٥٣]. الجواب: بلى هو أعلم بالشاكرين وأعلم بالمتقين. ولكن علمه لا يترتب عليه الجزاء، فلا يترتب الجزاء حتى يجرب العبد الشكر والتقوى، أما قبل ذلك فهو علم لا يتعلق بنا نحن - أي: بالنسبة للتكليف والإِثابة أو العقوبة). ٤ - اختبار المكلفين بقيامهم بوظيفة الشكر إذا كان النسخ إلى أخف ووظيفة الصبر إذا كان النسخ إلى أثقل. قال في "الشرح" (ص/٤٣٣): (النسخ قد يكون إلى أخف أو إلى أثقل أو إلى مساوٍ، وهذه ثلاثة أقسام " فلو رأينا نسخ تحريم الخمر لوجدناه إلى أثقل، ولو نظرنا إلى المصابرة لوجدناها إلى أخف، ولو نظرنا إلى الصوم وجدناه إلى أثقل، كان بالأول مخيرًا بين الصوم والفداء ثم تعين الصوم، هذا من جهة أخف: من جهة أنه إذا نام أو صلى العشاء وجب عليه الإمساك، ثم رخص لهم إلى طلوع الفجر فهو من هذه الجهة أخف، واستقبال القبلة مساو لأن الإِنسان من حيث العمل والتكليف: لا يفرق بين أن يستقبل الكعبة أو بيت المقدس. إذًا اختبار المكلفين بقيامهم بوظيفة الشكر إذا كان النسخ إلى أخف مثل آية المصابرة، لما أوجب

стр. 75

الله على المسلمين أن يقاوم الواحد منهم عشرة كان في هذا صعوبة فلما تحول الحكم إلى أن يقابل الواحد اثنين مع زيادة العدد صار في هذا تخفيف. إذًا فعلى الإنسان أن يشكر الله على هذه النعمة فإذا كان النسخ إلى أثقل فعليه أن يصبر وأن يقول سمعنا وأطعنا، لا يكون متبعًا لهواه: إذا جاءه الحكم موافقًا له قبل وإذا كان مخالفًا لا يقبل، فالمؤمن هو الذي يتبع الهدى لا الهوى: أما أن يتبع الهوى إن كان شيئًا خفيفًا قبله، وإن كان شيئًا ثقيلاً تركه، فهذا ليس بمؤمن حقيقة (وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنّ) [المؤمنون: ٧١] فهذه أربع حكم من حكم النسخ). الأخبار تعريف الخبر: لغة: قال الشيخ: (تعريف الخبر: الخبر لغة: النبأ). قال الزبيدي في "تاج العروس": ((النَّبَأُ مُحَرَّكَةً: الخَبَرُ) وهما مترادفانِ، وفرَّق بينهما بعضٌ، وقال الراغبُ: النَّبأُ: خَبَرٌ ذو فائدةٍ عظيمةٍ، يَحْصُل بهِ عِلْمٌ أَو غَلَبَةٌ ظَنَ، ولا يُقال للخَبَر في الأَصْلِ نَبَأٌ حتى يَتَضَمَّنَ هذه الأَشياءَ الثلاثةَ ويَكونَ صادِقاً ... ). المراد به هنا: قال الشيخ: (والمراد به هنا: ما أضيف إلى النبي ﷺ من قول أو فعل أو تقرير أو ووصف). مقصود الشيخ هنا التكلم على الخبر المرادوف للسنة، وأعقب هذا الباب بالكلام على الإجماع ثم القياس، ولم يتكلم على القرآن كمصدر أول للتشريع. تنبيه - الكلام على زيادة الوصف في تعريف السنة: ذكر الشيخ الصفة في تعريف السنة تمشيا مع اصطلاح المحدثين دون الأصوليين. عرف السبكي في "جمع الجوامع" السنة بقوله: (وهي أقوال محمد ﷺ وأفعاله) فقال العطار في " حاشيته على جمع الجوامع" (٢/ ١٢٨): (ولم يذكر الصفات مع أنها من السنة لأن الكلام في السنة التي هي من أصول الفقه ولا كذلك الصفات القائمة بذاته ﷺ . قال الشيخ عياض في "أصوله" (ص/ ١٠٣): (تعريف السنة: في الاصطلاح: ما صدر عن النبي ﷺ غير القرآن من قول، أو فعل، أو تقرير. هذا تعريفها عند
следующие страницы →