← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 37591

التمهيد - شرح مختصر الأصول من علم الأصول

أبو المنذر المنياوي

Полный текст (132 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

الثاني: ما نسخ لفظه وبقي حكمه، وحكمة نسخ اللفظ دون الحكم اختبار الأمة في العمل بما لا يجدون لفظه في القرآن وتحقيق إيمانهم بما أنزل الله تعالى. الثالث: ما نسخ حكمه ولفظه). وقال في "الأصل" (ص/٥٤): (ينقسم النسخ باعتبار النص المنسوخ إلى ثلاثة أقسام: الأول: ما نسخ حكمه وبقي لفظه، وهذا هو الكثير في القرآن. مثاله: آيتا المصابرة، وهما قوله تعالى: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ [لأنفال: من الآية٦٥]، نسخ حكمها بقوله تعالى: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [لأنفال:٦٦]. وحكمة نسخ الحكم دون اللفظ، بقاء ثواب التلاوة، وتذكير الأمة بحكمة النسخ. الثاني: ما نسخ لفظه وبقي حكمه كآية الرجم، فقد ثبت في "الصحيحين" من حديث ابن عباس ﵄ أن عمر بن الخطاب ﵁ قال: كان فيما أنزل الله آية الرجم، فقرأناها وعقلناها ووعيناها ورجم رسول الله ﷺ ورجمنا بعده، فأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل: والله ما نجد الرجم في كتاب الله، فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله، وإن الرجم في كتاب الله حق على من زنى، إذا أحصن من الرجال والنساء، وقامت البينة، أو كان الحبل، أو الاعتراف). وحكمة نسخ اللفظ دون الحكم اختبار الأمة في العمل بما لا يجدون لفظه في القرآن، وتحقيق إيمانهم بما أنزل الله تعالى، عكس حال اليهود الذين حاولوا كتم نص الرجم في التوراة. الثالث: ما نسخ حكمه ولفظه: كنسخ عشر الرضعات في حديث عائشة ﵂ قالت: "كان فيما أنزل من القرآن عشر رضعات معلومات يحرمن، ثم نسخن بخمس معلومات" (١) -).

стр. 72

أقسام النسخ باعتبار الناسخ: قال الشيخ: (وينقسم النسخ باعتبار الناسخ إلى أربعة أقسام: الأول: نسخ القرآن بالقرآن. الثاني: نسخ القرآن بالسنة. الثالث: نسخ السنة بالقرآن. الرابع: نسخ السنة بالسنة). قال في "الأصل" (ص/٥٥): (وينقسم النسخ باعتبار الناسخ إلى أربعة أقسام: الأول: نسخ القرآن بالقرآن؛ ومثاله آيتا المصابرة. الثاني: نسخ القرآن بالسنّة؛ ولم أجد له مثالاً سليماً. الثالث: نسخ السنة بالقرآن: ومثاله نسخ استقبال بيت المقدس الثابت بالسنة، باستقبال الكعبة الثابت بقوله تعالى: (فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَه) [البقرة: ١٤٤]. الرابع: نسخ السنة بالسنة، ومثاله قوله ﷺ : "كنت نهيتكم عن النبيذ في الأوعية، فاشربوا فيما شئتم، ولا تشربوا مسكراً"). مثال لنسخ القرآن بالسنة. نسخ قوله تعالى: (كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ) [البقرة:١٨٠] بالنسبة للفرع الوارث بآيات المواريث، وكما هو معلوم أن من شروط النسخ التعارض وعدم إمكان الجمع، والجمع ممكن بين هذه الآية وآيات المواريث، فما نسخ وجوبه بقي جوازه أو ندبه - على الخلاف المعروف في المسألة - وعليه فالجمع بينهما ممكن بأن الوصية للوارث جائزة أو مستحبة مع ثبوت الإرث. إذا تقرر هذا علم أن قوله ﷺ : «إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث» (١) إنما نسخ ما بقى من الجواز أو الندب للتحريم فلا يجوز الوصية للفرع الوارث.

стр. 73

قال الصنعاني في "سبل السلام" (٣/ ١٠٦): (والحديث دليل على منع الوصية للوارث وهو قول الجماهير من العلماء. وذهب الهادي وجماعة إلى جوازها مستدلين بقوله تعالى: (كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ) الآية قالوا ونسخ الوجوب لا ينافي بقاء الجواز. قلنا نعم لو لم يرد هذا الحديث فإنه ناف لجوازها إذ وجوبها قد علم نسخه من آية المواريث ... ). حكمة النسخ: قال الشيخ: (حكمة النسخ: ١ - مراعاة مصالح العباد بتشريع ما هو أنفع لهم في دينهم ودنياهم. ٢ - التطور في التشريع حتى يبلغ الكمال. ٣ - اختبار المكلفين باستعدادهم لقبول التحول من حكم إلى آخر ورضاهم بذلك. ٤ - اختبار المكلفين بقيامهم بوظيفة الشكر إذا كان النسخ إلى أخف ووظيفة الصبر إذا كان النسخ إلى أثقل). قال الشيخ في "الشرح" (ص/٤٣١): (للنسخ حكم متعددة وكذا جميع الشرع مبني على الحكم، لكن من الحكم ما يعلم ومن الحكم ما لا يعلم، فالحكم المعلومة واضحة، وغير المعلومة يسميها العلماء تعبدية يعني أن الحكمة منها أن الله استعبدنا بها، ولكننا لا ندري ما هو السبب. وهذه الأمور التعبدية كوجوب غسل اليد إذا قام الإِنسان من نومه ثلاثًا قبل أن يدخلها في الإِناء، ومن العلماء من يحاول أن يجد لها حكمة ولكن نحن لا يهمنا، نحن نعلم أن الله تعالى حكيم، فكل شيء يفعله الله أو يشرعه فهو مبنيٌ على الحكمة، لكن عقولنا بقصورها لا تدرك بعض الحكم فتفوتها ويقول الله : (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا) [الإسراء: ٨٥]. فالمهم يجب أن تؤمن بأنه ما من شيء يشرعه الله إلا وهو مبنيٌ على الحكمة. ومن ذلك النسخ، وكون الحكم ينتقل من شيء لآخر ذلك لا بد له من حكمة، وهي كثيرة) وقد سبق بيان بعض حكم النسخ عند الكلام على أقسام النسخ باعتبار النص المنسوخ، وذكر الشيخ هنا بعض الحكم الأخرى للنسخ منها: ١ - مراعاة مصالح العباد بتشريع ما هو أنفع لهم في دينهم ودنياهم. فالله إذا نسخ حكما دل على أن الناسخ أنفع للعباد، والأول أيضا كان نافعا ولكنه منفعته كانت مؤقتة، فلما زالت انتقلنا إلى الثاني لمنفعته الدائمة المستمرة. ٢ - التطور في التشريع حتى يبلغ الكمال.

стр. 74

قال الشيخ في "الشرح" (ص/٤٣٢): (أي أن التشريع يتطور حتى يبلغ الكمال، ولهذا لم تجب الصلاة إلا قبل الهجرة بنحو سنة، أو ثلاث سنين، أو خمس، والزكاة وجبت في السنة الثانية، وقيل: إنها وجبت في مكة ولكن في السنة الثانية بينت الأنواع والمقادير ... إلخ، والصوم في السنة الثانية، والحج في السنة التاسعة فكل هذا من أجل أن يتطور التشريع حتى يبلغ الكمال. وهذا كما أنه مقتضى الحكمة شرعًا، فهو مقتضى الحكمة قدرًا وانظر إلى الإِنسان أول ما يولد فهو صغير وضعيف القوة، ثم يزداد ويتطور حتى يصل إلى درجة الكمال). ٣ - اختبار المكلفين باستعدادهم لقبول التحول من حكم إلى آخر ورضاهم بذلك. قال في الشرح (ص/٤٣٣): (وذلك من أشد ما يكون، فبعض الناس لا يرضى أن تتحول الأحكام أحيانًا كذا وأحيانًا كذا، ولهذا لما حولت القبلة ارتد بعض الناس، كما قال تعالى: (وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ) [البقرة: ١٤٣]. فالمهم أن في النسخ اختبارًا للمكلفين هل يرضون بالأحكام ويتقبلون وإذا قيل لهم هذا حلال فعلوه، وإذا قيل هذا حرام أمسكوا عنه، وإذا قيل هذا واجب التزموا به وقاموا به، وهذا لا شك أنه من أكبر الحكم. س: فإذا قال قائل: (أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ) [الأنعام: ٥٣]. الجواب: بلى هو أعلم بالشاكرين وأعلم بالمتقين. ولكن علمه لا يترتب عليه الجزاء، فلا يترتب الجزاء حتى يجرب العبد الشكر والتقوى، أما قبل ذلك فهو علم لا يتعلق بنا نحن - أي: بالنسبة للتكليف والإِثابة أو العقوبة). ٤ - اختبار المكلفين بقيامهم بوظيفة الشكر إذا كان النسخ إلى أخف ووظيفة الصبر إذا كان النسخ إلى أثقل. قال في "الشرح" (ص/٤٣٣): (النسخ قد يكون إلى أخف أو إلى أثقل أو إلى مساوٍ، وهذه ثلاثة أقسام " فلو رأينا نسخ تحريم الخمر لوجدناه إلى أثقل، ولو نظرنا إلى المصابرة لوجدناها إلى أخف، ولو نظرنا إلى الصوم وجدناه إلى أثقل، كان بالأول مخيرًا بين الصوم والفداء ثم تعين الصوم، هذا من جهة أخف: من جهة أنه إذا نام أو صلى العشاء وجب عليه الإمساك، ثم رخص لهم إلى طلوع الفجر فهو من هذه الجهة أخف، واستقبال القبلة مساو لأن الإِنسان من حيث العمل والتكليف: لا يفرق بين أن يستقبل الكعبة أو بيت المقدس. إذًا اختبار المكلفين بقيامهم بوظيفة الشكر إذا كان النسخ إلى أخف مثل آية المصابرة، لما أوجب

стр. 75

الله على المسلمين أن يقاوم الواحد منهم عشرة كان في هذا صعوبة فلما تحول الحكم إلى أن يقابل الواحد اثنين مع زيادة العدد صار في هذا تخفيف. إذًا فعلى الإنسان أن يشكر الله على هذه النعمة فإذا كان النسخ إلى أثقل فعليه أن يصبر وأن يقول سمعنا وأطعنا، لا يكون متبعًا لهواه: إذا جاءه الحكم موافقًا له قبل وإذا كان مخالفًا لا يقبل، فالمؤمن هو الذي يتبع الهدى لا الهوى: أما أن يتبع الهوى إن كان شيئًا خفيفًا قبله، وإن كان شيئًا ثقيلاً تركه، فهذا ليس بمؤمن حقيقة (وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنّ) [المؤمنون: ٧١] فهذه أربع حكم من حكم النسخ). الأخبار تعريف الخبر: لغة: قال الشيخ: (تعريف الخبر: الخبر لغة: النبأ). قال الزبيدي في "تاج العروس": ((النَّبَأُ مُحَرَّكَةً: الخَبَرُ) وهما مترادفانِ، وفرَّق بينهما بعضٌ، وقال الراغبُ: النَّبأُ: خَبَرٌ ذو فائدةٍ عظيمةٍ، يَحْصُل بهِ عِلْمٌ أَو غَلَبَةٌ ظَنَ، ولا يُقال للخَبَر في الأَصْلِ نَبَأٌ حتى يَتَضَمَّنَ هذه الأَشياءَ الثلاثةَ ويَكونَ صادِقاً ... ). المراد به هنا: قال الشيخ: (والمراد به هنا: ما أضيف إلى النبي ﷺ من قول أو فعل أو تقرير أو ووصف). مقصود الشيخ هنا التكلم على الخبر المرادوف للسنة، وأعقب هذا الباب بالكلام على الإجماع ثم القياس، ولم يتكلم على القرآن كمصدر أول للتشريع. تنبيه - الكلام على زيادة الوصف في تعريف السنة: ذكر الشيخ الصفة في تعريف السنة تمشيا مع اصطلاح المحدثين دون الأصوليين. عرف السبكي في "جمع الجوامع" السنة بقوله: (وهي أقوال محمد ﷺ وأفعاله) فقال العطار في " حاشيته على جمع الجوامع" (٢/ ١٢٨): (ولم يذكر الصفات مع أنها من السنة لأن الكلام في السنة التي هي من أصول الفقه ولا كذلك الصفات القائمة بذاته ﷺ . قال الشيخ عياض في "أصوله" (ص/ ١٠٣): (تعريف السنة: في الاصطلاح: ما صدر عن النبي ﷺ غير القرآن من قول، أو فعل، أو تقرير. هذا تعريفها عند

стр. 76

الأصوليين. وعند المحدثين: زيادة: الوصف، إذ يقولون السنة: ما نقل عن النبي ﷺ من قول أو فعل أو تقرير أو وصف. ويريدون بالوصف ما ورد عن الصحابة من وصف الرسول ﷺ سواء كان وصفا خَلْقيا أو خلُقيا. والأصوليون لم يدخلوا هذا النوع في السنة؛ لأنهم يتكلمون عن السنة التي هي دليل يستدل به ويتأسى بالرسول ﷺ فيه، ولا شك أن صفات الرسول التي ليست من فعله لا يمكن أن تكون دليلا على الوجوب أو الاستحباب؛ إذ لا يتعلق بها حكم). وعلى ذلك فالأولى بناء على طريقة الأصوليين حذف الوصف من تعريف السنة. وأولى التعريفات أن السنة هي: (ما نقل عن رسول الله ﷺ قولا، أو فعلا). والكف فعل، ويدخل في الكف التقرير والهم أيضا. ولا يشكل على ذلك أن القول فعل لللسان فيدخل في الفعل؛ لأن الغالب استعمال القول في مقابلة الفعل، وللفوارق بين القول والفعل في الاستدلال والاستنباط، فالأولى التفريق بينهما. أنواع فعله ﷺ : قال الشيخ ﵀: الأول: ما فعله بمقتضى الجبلة فلا حكم له في ذاته، ولكن قد يكون مأموراً به أو منهياً عنه لسبب، وقد يكون له صفة مطلوبة كالأكل باليمين أو منهي عنها كالأكل بالشمال. الثاني: ما فعله بحسب العادة وقد يكون مأموراً به أو منهّياً عنه لسبب. الثالث: ما فعله على وجه الخصوصية فيكون مختصاً به. ولا يحكم بالخصوصية إلا بدليل؛ لأن الأصل التأسي به. الرابع: ما فعله تعبداً فواجب عليه حتى يحصل البلاغ ثم يكون مندوباً في حقه وحقنا على أصح الأقوال. الخامس: ما فعله بياناً لمجمل من نصوص الكتاب أو السنة فواجب عليه حتى يحصل البيان ثم يكون له حكم ذلك النص المبين في حقه وحقنا). الفعل الجبلي:

стр. 77

الفعل الجبلي إن كان جبليا محضا فمباح، وأما إن كان له صلة بالعبادة فالقول بالندب فيه متجه. قال ابن مفلح في "أصوله" (١/ ٣٢٨): (ما كان من أفعاله ﵇ من مقتضى طبع الإنسان وجبلته - كقيام وقعود - فمباح له ولنا اتفاقا). قال الشيخ الأشقر في "أفعال الرسول" (١/ ٢٢٠) ما ملخصه: (الفعل الذي له علاقة بالعبادة. وهو ما وقع في أثناء العبادة، أو في وسيلتها، أو قبلها قريبا منها، أو بعدها كذلك. فمما وقع في أثناء العبادة نزوله ﷺ بالمحصب ليلة النفر، وقبض الأصابع الثلاث في التشهد، ووضعها على الأرض مضمومة في السجود، وجلسة الاستراحة بعد الركعة الأولى وبعد الثالثة، والتطيب للإحلال من الإحرام، واتكاؤه ﷺ أثناء الخطبة على قوس أو عصا، ولبس النعلين في الصلاة، يحتمل أنه فعله لكونه من سنة الصلاة، ويحتمل أنه فعله على سبيل الجواز فقط، كما يلبس في الصلاة قطنا أو صوفا أو غير ذلك. ومما وقع في وسيلة العبادة دخوله مكة من طريق كُدَيّ، وخروجه من طريق كَدَاء ودخوله المسجد الحرام من باب بني شيبة، وطوافه ﷺ بالبيت راكبا على بعير، وكذلك في السعي بين الصفا والمروة، ووقوفه في الموقف بعرفات على بعير، وعودته ﷺ من صلاة العيد من طريق غير طريق الذهاب، وذهابه إلى العيد ورجوعه منه ماشيا، ووقوع صلاته في السفر في مواضع معينة. ومما وقع قبل العبادة قريباً منها: اضطجاعه ﷺ قبل صلاة الفجر بعد أن يصلي النافلة. ومما وقع بعد انتهاء العبادة انصرافه ﷺ من الصلاة عن يمينه أو عن يساره. فهذا القسم الثاني وهو ما له صلة بالعبادة، بأنواعه الأربعة أعلى من القسم الذي قبله، والقول بالندب فيه أظهر من القسم الأول، وهو ما لا صلة له بالعبادة. فإذا انضم إلى صلته بالعبادة عنصر التكرار والمواظبة عليه قوي القول بالندب فيه). الفعل العادي: قال الشيخ الأشقر في "أفعال الرسول" (١/ ٢٣٧) ما ملخصه: (نقصد بالفعل (العادي) في هذا المبحث ما فعله النبي ﷺ جريا على عادة قومه ومألوفهم، مما

стр. 78

يدل (١) دليل على ارتباطه بالشرع، كبعض الأمور التي تتصل بالعناية بالبدن، أو العوائد الجارية ببن الأقوام في المناسبات الحيوية، كالزواج والولادة والوفاة. ومن أمثلتها أنه ﷺ لبس المِرْط المُرَحّل، والمخَطط، والجبّة، والعمامة، والقباء. وأطال شعره، واستعمل القرب الجلدية في خزن الماء، وكان يكتحل، ويستعمل الطيب والعطور. وحكم هذه الأمور العادية وأمثالها، كنظائرها من الأفعال الجبلية، والأصل فيها جميعا أنها تدل على الإباحة لا غير، إلا في حالين: ا- أن يرد قول يأمر بها أو يرغب فيها، فيظهر أنها حينئذ تكون شرعية. ٢ - أن يظهر ارتباطها بالشرع بقرينة غير قولية، كتوجيه الميت في قبره إلى القبلة، فإن ارتباط ذلك بالشرع لا خفاء به). الفعل الخاص به ﷺ : المقصود بالخصائص النبوية هنا ما كان حكماً شرعيا لفعل من أفعاله ﷺ ، في هذه الدنيا، مما ينفرد به عن أمته، سواء شاركه فيه غيره من الأنبياء، أو لم يشاركه فيه منهم أحد. قال ابن مفلح في "أصوله" (١/ ٣٢٨): (وما اختص به كتخييره نساءه بينه وبين الدنيا، وزياد ته منهن على أربع، ووصاله الصوم- فمختص به اتفاقًا). الفعل التعبدي: قال الشيخ العثيمين ﵀ في "شرح الأصول" (ص/٤٤٣): (وهذا يشتبه كثيرًا بالثاني والأول، فإن الرسول ﷺ قد يفعل فعلاً فيشتبه على الإنسان، هل فعله تعبدًا أو فعله من أجل العادة أو فعله بمقتضى الجبلة فلا بد من تمييز فيقال: ما ظهر فيه ملائمته للنفس فهو جِبِلَّة، وما ظهر منه موافقة للعادة بحيث يقدر الذِّهْنُ أن الناس لو كانوا لا يفعلون هذا ما فعله، أو لو كانوا يفعلون شيئًا آخر لفعله حكمنا بأنه عادة، وما ظهر فيه قصد التعبد بحيث لا يكون ملائمًا لمقتضى الجبِلَّة، ولا موافقًا للعادة فالظاهر أنه إنما فعله على سبيلِ التعبد، ولكن لو بقي الأَمر عليك مشكلاً فهل تقول الأصل أن ما فعله فهو عبادة أو تقول: الأصل المنع حتى يقوم دليل على قصد التعبد؛ لأن العبادة لا تشرع إلا بدليل

стр. 79

واضح، فإن لم يكن هناك دليل واضح فالواجب ألا تقدم على التعبد بها لله تعالى، وهذا هو الأقرب. وعُلم من قول المؤلف: (حتى يحصل البلاغ) أنه لو حصل البلاغ بغير الفعل لم يكن الفعل واجبًا، لكن إذا قُدِّر أنه لا طريق لعلم الأمة بمشروعية هذا الفعل إلا فعل الرسول ﷺ كان فعلُ الرسول ﷺ واجبًا؛ يعني يجب عليه أن يفعل من أجل إبلاغ الشرع. علمنا الوجوب من قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ) [المائدة: ٦٧]، ولقوله تعالى: (إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ) [الشورى: ٤٨] والآيات في هذا المعنى متعددة. بعد أن يحصل البلوغ ويعلم الناس به يكون مندوبًا في حقه وحقنا، وهذا هو أصح الأقوال). وقال في "الأصول" (ص/٥٧): (مثال ذلك: حديث عائشة أنها سئلت بأي شيء كان النبي ﷺ يبدأ إذا دخل بيته؟ قالت: (بالسواك)، فليس في السواك عند دخول البيت إلا مجرد الفعل، فيكون مندوباً). الفعل البياني: البيان واجب على النبي ﷺ لقوله تعالى: (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ) [النحل: ٤٤]، وحكم الفعل البياني يكون بحسب ما هو بيان له، فإن كان الفعل بيانا لآية دالة على الوجوب، دل على الوجوب، وإن كان المبين ندبا كان الفعل البياني ندبا، وإن كان إباحة كان الفعل مباحا. قال الشيخ الأشقر في "أفعال الرسول" (١/ ٢٩٣): (يمثل كثير من الأصوليين للفعل البياني بصلاة النبي ﷺ ، ويجعلونها بيانا لآيات الأمر بإقام الصلاة، وبحجه ﷺ ، ويجعلونه بيانا لآية: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ) [آل عمران:٩٧] ويقولون: إن دليل كون صلاته ﷺ وحجه، بياناً للآيتين هو الطريق القولي، وهو قوله ﷺ : (صلوا كما رأيتموني أصلي). وقوله: (خذوا عني مناسككم). ففي الصلاة كان ﷺ يقوم فيرفع يديه حذو منكبيه، ويكبِّر، ثم يضع يديه على صدره، ثم يقرأ الفاتحة وسورة سرا في بعض الصلوات، وجهرا في بعضها ... إلى آخر ما يذكر في صفة صلاته ﷺ . ومن المعلوم أن ذلك كله ليس بواجب، بل قد قال ابن قدامة: " إن أكثر أفعال النبي -

стр. 80

صلى الله عليه وسلم - في الصلاة مسنونة غير واجبة ". وكذلك صفة أداء المناسك من طوافِ القدوم، والرمل، والاضطباع، وركعتي الطواف، والصلاة داخل الكعبة، والشرب من ماء زمزم، والسعي مع الهرولة، إلى غير ذلك. فما يقوله جمهور الأصوليين، من أن الفعل الواقع بيانا لواجب فهو واجب، مشكل؛ لأنه يقتضي أن جميع ما فعله ﷺ في الصلاة التي صلاها بيانا هو واجب، وكذلك جميع أفعاله في أخذ الزكاة، وفي الحج، وغير ذلك مما فعله بياناً. وهذا ما لا يقول به من الفقهاء أحد. وقد أجاب به أبو شامة: سلمنا أن الحديث يدل على أن صلاته ﷺ بيان، لكنها بيان للصلاة المطلوبة من المسلمين، بواجباتها وسننها وما يجوز فيها، فلماذا يحمل فعله ﷺ على أنه للوجوب خاصة؟. بل الناتج من كون صلاته بياناً أن يكون كله فعل فعله ﷺ في الصلاة دائراً بين هذه الأنواع الثلاثة، والعمدة في تمييز بعضها عن بعض إما القول، وإما الإجماع، وإما القرائن الأخرى، ولا يصلح الفعل وحده دليلاً). التقرير: قال الشيخ: (وأما تقريره ﷺ على الشيء فهو دليل على جوازه على الوجه الذي أقره قولاً كان أم فعلاً. فأما ما وقع ولم يعلم به فإنه لا ينسب إليه ولكنه حجة لإقرار الله له). تعريف الإقرار (١): هو كف (٢) النبي- ﷺ عن الإنكار على ما علم به من قول، أو فعل. شروط صحة دلالة التقرير (٣): الشرط الأول - أن يعلم النبي ﷺ بالفعل، سواء سمعه، أو رآه مباشرة، وهو الأكثر من الأقارير المحتج بها، أو حصل في غيبته ونقل إليه كما نقل إليه خبر تأخيرهم لصلاة العصر حتى غربت الشمس يوم بني قريظة. ومما يقوم مقام العلم أن يشيع الفعل وينتشر ويكثر وقوعه بين الصحابة فيكون مثل هذا

стр. 81

الفعل حجة. الشرط الثاني - أن يكون المقَر منقادا للشرع، بأن يكون مسلما سامعا مطيعا، أما إن كان كافرا، فإن تقريره لا يدل على رفع الحرج، وقد أقر النبي ﷺ اليهود والنصارى على بِيَعهم وكنائسهم وعلى عباداتهم. الشرط الثالث - أن لا يكون قد علم من حاله ﷺ إنكاره لذلك الفعل قبل وقوعه وبعد وقوعه، حتى استقر ذلك شرعا ثابتا، وحكما راسخا لا يحتمل التغيير ولا النسخ. وذلك كعبادة غير الله ونكاح المحارم. الشرط الرابع - أن لا يمنع من الإنكار مانع سوى ما تقدم. فإن وجد مانع صحيح أمكن إحالة الإقرار عليه، فلا يكون حجة. ومن هذه الموانع أن يسكت النبي ﷺ في انتظار الوحي، ويعلم ذلك من حاله، فلا يكون سكوته قبل البيان حجة على انتفاء الحرج عن الفعل. تقرير الله - تعالى -: لابد من تقييد كون إقرار الله حجة أن ينتشر الفعل ويكثر وقوعه بين الصحابة. قال الشيخ عياض السلمي في "شرح الورقات": (إقرار الله -جل وعلا- بمعنى عدم نزول ما يخالف ذلك، وعدم تكلم الرسول ﷺ بما يخالف ما هو موجود، فهذا تكلم عنه بعض الأصوليين على ندرته، وقلة الذين تكلموا فيه، لكن له أصل، وأصله ما ثبت عن جابر ﵁ أنه قال: (كنا نعزل والقرآن ينزل، ولو كان شيئًا ينهى عنه لنهانا عنه)، فهذا دليل على أنه يرى أن عدم نزول القرآن بالنهي عن واقعة كثيرة الحصول في المجتمع المسلم في عهد الرسول ﷺ وعدم بيان المنع منها أو النهي عنها دليل على أنها جائزة، استدل على جواز العزل بأنهم كانوا يفعلون ذلك، وأنه كان أمر مشتهراً؛ ولهذا فيمكن أن نقول: أنه إذا فعل الصحابة - رضوان الله عليهم - شيئًا وكثر ذلك فيهم، ولم يأت قرآن يدل على المنع منه، ولم يمنع منه الرسول ﷺ فيكون هذا من باب التقرير، لكن لابد من شرطه وهو: أن يكون كثير الوقوع، ولا يصح أن نقول أن كل من فعل فعلاً من الصحابة أو ممن كان على عهد الرسول ﷺ حتى من الأعراب الذين لم يَفِدُوا عليه، كل من فعل فعلاً في عهد الرسول ولم يأت القرآن بالمنع منه فيكون جائزاً، هذا ما أعرف أحداً يقول به، وإن وجد من يقول به ففي ظني أنه غير صحيح، لا نقول: إن كل ما كان موجوداً ولو على ندرة أنه إذا لم ينزل قرآن بالنهي عنه ولم يتكلم الرسول في النهي عنه فمعنى هذا أنه جائز، هذا غير صحيح، لكن

стр. 82

حينما يكثر ذلك ويشتهر يكون إقراراً إما من الله -جل وعلا- أو من رسوله ﷺ ، فلابد فيه من الكثرة ومن الاشتهار ... ). أقسام الإسناد باعتبار من انتهى إليه: قال الشيخ: (أقسام الخبر باعتبار من يضاف إليه: ينقسم الخبر باعتبار من يضاف إليه إلى ثلاثة أقسام: مرفوع، وموقوف، ومقطوع). المرفوع: قال الشيخ: (فالمرفوع: ما أضيف إلى النبي ﷺ حقيقة، أو حكماً فالمرفوع حقيقة: قول النبي ﷺ وفعله (١)). قال الشيخ في "شرح الأصول" (ص/٤٥٩): (سمي مرفوعا لارتفاع رتبته بنسبته إلى النبي ﷺ ؛ ولأن الصحابي رفعه إلى منتهاه وهو الرسول ﷺ ، فالمرفوع حقيقة قول النبي ﷺ وفعله وإقراره، فمثال قوله: (إنما الأعمال بالنيات)، (لا يقبل الله صلاة بغير طهور) (من غشنا فليس منا)، ومثال فعله ﷺ : (كان إذا سجد فرج بين يديه)، و (كان يرفع يديه إذا كبر للصلاة)، ومثال إقراره: كإقراره الجارية على قولها إن الله في السماء، وكإقراره الرجل على ختم الصلاة بقل هو الله أحد). المرفوع حكما: قال الشيخ: (المرفوع حكماً: ما أضيف إلى سنته، أو عهده، أو نحو ذلك). قال ابن حجر في النخبة (ص/٤٩): (ومثال المرفوع من القول حكما لا تصريحا: أن يقول الصحابي - الذي لم يأخذ عن الإسرائيليات - ما لا مجال للاجتهاد فيه، ولا له تعلق ببيان لغة أو شرح غريب؛ كالإخبار عن الأمور الماضية من بدء الخلق وأخبار الأنبياء ((عليهم الصلاة والسلام))، أو الآتية كالملاحم والفتن وأحوال يوم القيامة. وكذا الإخبار عما يحصل بفعله ثواب مخصوص أو عقاب مخصوص. وإنما كان له حكم المرفوع؛ لأن إخباره بذلك يقتضي مخبرا له، ومالا مجال للاجتهاد فيه يقتضي موقِفا للقائل به، ولا موقِف للصحابة إلا النبي ﵌، أو بعض من يخبر عن الكتب القديمة،

стр. 83

فلهذا وقع الاحتراز عن القسم الثاني، وإذا كان كذلك؛ فله حكم ما لو قال: قال رسول الله ﵌؛ فهو مرفوع؛ سواء كان مما سمعه منه أو عنه بواسطة). وقال الشيخ في "الأصل" (ص/٦١): (ومنه قول الصحابي: أمِرنا أو نهينا، أو نحوهما؛ كقول ابن عباس ﵄: أُمِرَ الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت، إلا أنه خفف عن الحائض. وقول أم عطية: نهينا عن إتباع الجنائز، ولم يعزم علينا). الموقوف: قال الشيخ: (الموقوف: ما أضيف إلى الصحابي ولم يثبت له حكم الرفع. وهو حجة على القول الراجح إلا أن يخالف نصاً أو قول صحابي آخر. والصحابي: من اجتمع بالنبي ﷺ مؤمناً به ومات على ذلك). تعريف الموقوف: عرفه الشيخ بقوله: (ما أضيف إلى الصحابي ولم يثبت له حكم الرفع). وهو تعرف الشيخ جيد، إلا أنه: أولا - فيه إجمال. ثانيا - أن قوله: (ما أضيف) يستشعر منه التخصيص بما كان متصلا إليهم دون ما كان منقطعا، والأولى أن نقول: (ما يروى) ليدخل فيه ما كان متصلا، أو منقطعا. وعليه فالأولى تعريفه بأنه: (ما يروى عن الصحابة ﵃ من أقوالهم وأفعالهم (١)، ما لم يتجاوز به إلى رسول الله ﷺ ). فائدة: هل تقرير الصحابي حجة: ليس المقصود أن ذلك حجة ملزمة كالكتاب والسنة، وإنما المقصود أنه دلالة على ذهاب الصحابي إلى هذا القول - وسيأتي قريبا الكلام عن حجية قول الصحابي -. والدليل على أنهم ما كانوا يسكتون على باطل ما رواه الشيخان من عبادة بن الصامت ﵁ أنه قال: (بايعنا رسول الله ﷺ على أن نقوم أو نقول بالحق حيثما كنا لا نخاف في الله لومة لائم) ونحن نشهد بالله أنهم وفوا بهذه البيعة وقالوا بالحق وصدعوا به ولم تأخذهم في الله لومة لائم ولم يكتموا شيئاً منه مخافة سوط ولا عصاً

стр. 84

ولا أمير ولا وال كما هو معلوم لمن تأمله من هديهم وسيرتهم، وعليه فتقرير الصحابي قول له. حجة قول (١) الصحابي: تحرير محل النزاع: قول الصحابي إما أن يثبت له حكم الرفع أو لا؟ والأول سبق الكلام عنه، وكلامنا فيما لم يثبت له حكم الرفع - وهو لا يخلو من أن يشتهر، أو لا يشتهر، أو لا يعلم اشتهر أم لم يشتهر. - والأول وهو ما اشتهر من أقوالهم: إما أن يوافقه سائر الصحابة على ذلك، أو يخالفوه، أو لا ينقل لنا كلامهم في ذلك. - فإن اشتهر قوله ووافقه الصحابة فهو إجماع وهو حجة باتفاق. - وإن اشتهر فخالفوه، فقول بعضهم ليس حجة على بعض كما نقل الإجماع على ذلك الجويني وغيره. وعلينا ألا نخرج عن أقوالهم، وأن نرجح من بين أقوالهم ما ترجحه القرائن. - وأما أن يشتهر ولا يعلم له مخالف أو موافق فهذا هو الإجماع السكوتي، وهو حجة ظنية على الراجح من أقوال العلماء. قال تقي الدين في "مجموع الفتاوى" (٢٠/ ١٤): (وأما أقوال الصحابة فان انتشرت ولم تنكر في زمانهم فهي حجة عند جماهير العلماء). وإن لم يشتهر قوله أولم يعلم هل اشتهر أم لا؟. فهذا هو موطن النزاع. والراجح كما قال الشيخ أن قوله حجة. ومن الأدلة على ذلك ما رواه مسلم في صحيحه من حديث أبي موسى الأشعري قال:- صلينا المغرب مع رسول الله ﷺ فقلنا لو جلسنا حتى نصلي معه العشاء فجلسنا. فخرج علينا. فقال:- (ما زلتم ههنا). فقلنا:- يا رسول الله صلينا معك المغرب ثم قلنا نجلس حتى نصلي معك العشاء. قال:- (أحسنتم وأصبتم) -ورفع

стр. 85

رأسه إلى السماء وكان كثيرا ما يرفع رأسه إلى السماء -. فقال:- (النجوم أمنة للسماء فإذا ذهبت النجوم أتى السماء ما توعد. وأنا أمنة لأصحابي. فإذا ذهبت أتى أصحابي ما يوعدون. وأصحابي أمنة لأمتي. فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما يوعدون). ووجه الاستدلال بالحديث أنه جعل نسبة أصحابه إلى من بعدهم كنسبته إلى أصحابه وكنسبة النجوم إلى السماء. ومن المعلوم أن هذا التشبيه يعطي من وجوب اهتداء الأمة بهم ما هو نظير اهتدائهم بنبيهم ﷺ ونظير اهتداء أهل الأرض بالنجوم. - وأيضاً - فإنه جعل بقاءهم بين الأمة أمنة لهم وحرزاً من الشر وأسبابه. فلو جاز أن يخطئوا فيما أفتوا به ويظفر به من بعدهم لكان الظافرون بالحق أمنةً للصحابة وحرزاً لهم. وهذا من المحال. - وقال عمر بن الخطاب لطلحة بن عبيدالله ﵄ حينما رآه لابساً ثوباً مصبوغاً وهو محرم: (إنكم أيها الرهط أئمة يقتدي بكم الناس ... ) (١). - وقد حكى العلائي إجماع التابعين على الاحتجاج بقول الصحابي فقال: (إن التابعين أجمعوا على اتباع الصحابة فيما ورد عنهم، والأخذ بقولهم، والفتيا به، من غير نكير من أحد. وكانوا من أهل الاجتهاد أيضاً). تعريف الصحابي: قال الشيخ: (والصحابي: من اجتمع بالنبي ﷺ مؤمناً به ومات على ذلك). قال الشيخ في "الشرح" (ص/٤٦٩): ((وقوله: (من اجتمع بالنبي ﷺ ): سواء رآه أم لم يره، وسواء سمعه أم لم يسمعه، فلو قدر أن رجلا أعمى أصم اجتمع بالرسول ﷺ مؤمنًا به ومات على ذلك فهو صحابي وإن لم يره ويسمعه، ولا يشترط أن يراه النبي ﷺ فلو حضر مجلسا فيه رسول الله ﷺ فهو صحابي. وقوله: (اجتمع بالنبي): هذا قيد لابد منه، فهو وصف أي أن يكون مجتمعًا بالنبي ﷺ حال كونه نبيا، فإن اجتمع به قبل أن يرسل مؤمنا بأنه سيبعث ثم لم

стр. 86

يره بعد أن بعث فليس بصحابي، فلابد أن يكون مجتمعًا بالنبي ﷺ حال نبوته. س: وهل يشمل من اجتمع به بعد موته وقبل دفنه - يعني حضر وصلى على النبي ﷺ ؟ ج: في هذا خلاف: فمنهم من يقول: إنه إذا حضر النبي ﷺ بعد موته وقبل دفنه فهو صحابي؛ لأن نبوته ﷺ لا تنقطع بموته. ومنهم من قال: ليس بصحابي؛ لأنه اجتمع بالنبي ﷺ وهو ميت. وانتفاء الصحبة في هذه الحال واضح جدًا بخلاف ما لو اجتمع به وهو حي وهذا هو الأقرب أنه لا بد أن يكون النبي ﷺ حيًا. ولابد أيضًا أن يكون مؤمنًا به فإن كان مؤمنًا بغيره كما لو اجتمع به نصراني يؤمن بالأديان السابقة. لكن لم يؤمن بالرسول إلا بعد موت الرسول ﷺ فلا يكون صحابيًا. وقوله: (ومات على ذلك): فإن مات على الردة فليس بصحابي؛ لأن الردة تبطلِ جميع الأعمال، قال الله تعالى: (وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا) [الفرقان:٢٣] والردة تمحو حتى الإسلام فضلاً عن الصحبة، فإن ارتد ثم عاد إلى الإِسلام فإن الأصح من أقوال أهل العلم أن صحبته تعود؛ لأن الله تعالى اشترط لبطلان العمل بالردة أن يموت الإنسان على ردته فقال الله : (وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ) [البقرة: ٢١٧]). قيد آخر: وزاد ابن النجار قيدا آخر في التعريف فقال في "شرح الكوكب" (٢/ ٤٧١): ((ولو جنيا في الأظهر) أي ولو كان من لقي النبي ﷺ مسلما جنيا في الأظهر من قولي العلماء ليدخل الجن الذين قدموا على النبي ﷺ من نصيبين وأسلموا، وهم تسعة أو سبعة من اليهود بدليل قوله تعالى: (إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى) [الأحقاف: ٣٠] وذكر في أسمائهم: شاص، وماص، وناشى، ومنشى، والأحقب، وزوبعة، وسرق، وعمر، وجابر. وقد استشكل ابن الأثير في كتابه " أسد الغابة " قول من ذكرهم من الصحابة. فإن بعضهم لم يذكرهم في الصحابة، وبعضهم ذكرهم قال في شرح التحرير

стр. 87

قلت: الأولى أنهم من الصحابة. فإنهم لقوا النبي ﷺ وآمنوا به وأسلموا، وذهبوا إلى قومهم منذرين). وعليه فيكون التعريف بعد إضافة هذا قيد أن قد يكون جنيا: (من اجتمع بالنبي ﷺ ولو جنيا مؤمناً به ومات على ذلك). المقطوع: تعريف المقطوع: قال الشيخ ﵀: (المقطوع: ما أضيف إلى التابعي فمن بعده). قال المناوي في "اليواقيت والدرر" (٢/ ٢٢٤): المقطوع وهو: ما ينتهي إلى التابعي قولا وفعلا ومن دون التابعي كذلك من أتباع التابعين فمن بعدهم فيه - أي التسمية - مثله - أي (مثل) ما ينتهي إلى التابعي). وإقرار التابعي فمن دونه ليس بحجة. تعريف التابعي: قال الشيخ ﵀: (التابعي: من اجتمع بالصحابي مؤمناً بالرسول ﷺ ومات على ذلك). وقال في "الشرح" (ص/٤٧١): (وظاهر كلام العلماء أنه لا تشترط طول الصحبة بين التابعي والصحابي، وأنه لو جلس معه ساعةً أو ساعتين ثم فارقه ولم يره بعد ذلك فهو تابعي). فرع - هل يشترط أن يكون من لقى الصحابي مميزا حتى يحكم له بأنه تابعي ؟ اشترط ذلك ابن حبان فقال في كتاب "الثقات" (٦/ ٢٧٠) في ترجمة خلف بن خليفة: (قال خلف بن خليفة: كنت في حجر أبى إذ مر رجل على بغل أو بغلة فقيل هذا عمرو بن حريث صاحب النبي ﷺ قال أبو حاتم ﵁ لم يدخل خلف بن خليفة في التابعين وإن كان له رؤية من الصحابة لأنه رأى عمرو بن حريث وهو صبي صغير ولم يحفظ عنه شيئا فان قال قائل: فلم أدخلت الأعمش في التابعين وإنما له رؤية دون رواية كما لخلف بن خليفة سواء؟ يقال له: إن الأعمش رأى أنسا بواسط يخطب والأعمش بالغ يعقل وحفظ منه خطبته ورآه بمكة يصلى عند المقام وحفظ عنه أحرفا حكاها فليس حكم البالغ إذا رأى وحفظ كحكم غير البالغ إذا رأى ولم يحفظ).

стр. 88

وقد صح إلحاق محمد بن أبي بكر المولود قبل الوفاة النبوية بثلاثة أشهر وأيام برتبة الصحابة اصطلاحا، وهو وإن لم تصح نسبة الرؤية إليه ولكن صدق أن النبي ﷺ رآه ويكون صحابيا من هذه الحيثية خاصة، ومثل هذا الحكم لا يصح تعديته إلى غيره ﷺ لعدم صحة قياس النبي ﷺ على غيره. وعليه فكلام ابن حبان له وجه. والراجح في حديث هذه الطبقة من غير المميزين لرؤية الصحابي أنه من قبيل المعضل على أحسن أحواله سواء ألحقناهم بطبقة التابعين حكما أم بتابعيهم حقيقة. وبناء على ما تقدم يكون تعريف التابعي: (من اجتمع بالصحابي مميزا مؤمناً بالنبي ﷺ ومات على ذلك). أقسام الخبر باعتبار طرقه: ١ - المتواتر: قال الشيخ: (ينقسم الخبر باعتبار طرقه إلى متواتر وآحاد: فالمتواتر: ما رواه جماعة كثيرون يستحيل في العادة أن يتواطئوا على الكذب وأسندوه إلى شيء محسوس). وقال في "الشرح" (ص/٤٧٤): (المتواتر لا بد فيه من اجتماع ثلاثة شروط: الأول: أن يرويه جماعة كثيرة. والثاني: يستحيل في العادة أن يتواطئوا على الكذب. والثالث: أن يسندوه إلى أمر محسوس، فلو جاءنا رجل ثقة ثقة ثقة بخبر عن ألف واحد فلا نقول إن خبره متواتر؛ لأن المصدر واحد فالتواتر لابد من تتابعه). واعلم أن هذه الشروط ينقصها شرط وثمرة. قال ابن حجر في "النزهة" (ص/١٧): (فإذا جمع هذه الشروط الأربعة - وهي عدد كثير، أحالت العادة تواطؤهم وتوافقهم على الكذب، رووا ذلك عن مثلهم من الابتداء إلى الانتهاء، وكان مستند انتهائهم الحس، وانضاف إلى ذلك أن يصحب خبرهم إفادة العلم لسامعه، فهذا هو المتواتر). اعلم أن حصول العلم هو ثمرة لتحقق الشروط الأربعة وليس هو شرطا زائداً عليها. واعلم أيضا أنهما متلازمان، بمعنى أن حصول العلم تابع ولازم لتحقق الشروط الأربعة،

стр. 89

وهو أيضا علامة عليها بمعنى أنه متى حدث هذا العلم اليقيني عند السامع علمنا لزوم تحقق هذه الشروط، لا أنا بتحقق هذه الشروط نستدل على حصول العلم فتنبه!. وعليه فتعريف المتواتر (ما رواه جماعة كثيرون يستحيل في العادة أن يتواطئوا على الكذب عن مثلهم إلى منتهاه وأسندوه إلى شيء محسوس). ٢ - الآحاد: أولا - الصحيح: قال الشيخ: (والآحاد: ما سوى المتواتر وهو من حيث الرتبة ثلاثة أقسام: صحيح، وحسن، وضعيف. فالصحيح: ما نقله عدل تام الضبط بسند متصل وخلا من الشذوذ والعلة القادحة). سوف يأتي شرح هذا التعريف عند الكلام على الحديث الحسن إلا أن الشيخ قيد العلة هنا بكونها قادحة، وكذا في الحديث الحسن، وهذا يجري على طريقة الفقهاء، أما المحدثين فلا يقيدون العلة بكونها قادحة بل يعلون بمطلق العلة، وعليه، فالأرجح على طريقة المحدثين حذف هذا القيد من تعريف الحديث الصحيح، والحسن، فيكون تعريف الحديث الصحيح: (ما أتصل إسناده بنقل العدل الضابط عن مثله إلى منتهاه بغير شذوذ ولا علة). قال ابن حجر في "النكت" (١/ ٢٣٥): (من العلل ما يجري على أصول الفقهاء وهي العلل القادحة. وأما العلل التي يعلل بها كثير من المحدثين ولا تكون قادحة فكثيرة. منها: أن يروي العدل الضابط عن تابعي مثلاً عن صحابي حديثاً فيرويه عدل ضابط غير مساو له في عدالته وضبطه وغير ذلك من الصفات العلية عن ذلك التابعي بعينه عن صحابي آخر، فإن مثل هذا يسمى علة عندهم لوجود الاختلاف على ذلك التابعي في شيخه، ولكنها غير قادحة لجواز أن يكون التابعي سمعه من الصحابيين معاً من هذا جملة كثيرة). ثانيا - الحسن: قال الشيخ: (والحسن: ما نقله عدل خفيف الضبط بسند متصل وخلا من الشذوذ والعلة القادحة. ويصل إلى درجة الصحيح إذا تعددت طرقه ويسمى (صحيحاً لغيره)). والصواب هنا حذف قيد: "القادحة" كما سبق في الصحيح.

стр. 90

وأيضا ظاهر تعريف الشيخ أن راوة الحديث الحسن يشترط أن يكونوا كلهم غير تامي الضبط، مع أنه يكتفى براو واحد خفيف الضبط ليحكم على الحديث بأنه حسن. فيكون تعريف الحسن: (ما اتصل إسناده بنقل العدل الذي خف ضبطه عن مثله أو أضبط منه إلى منتهاه بغير شذوذ ولا علة). شرح موجز للتعريف: العدالة: قال ابن حجر في شرح النخبة (ص/٢٥): (والمراد بالعدل من له ملكة تحمله على ملازمة التقوى والمروءة. والمراد بالتقوى اجتناب الأعمال السيئة من شرك أو فسق أو بدعة). واعترض الصنعاني في "ثمرات النظر في علم الأثر" على هذا التعريف بعدة اعتراضات، واختار أن مدار العدالة على مظنة صدق الراوي دون بقية الشروط المذكورة في تعريف العدالة، وقد ذكرت اعتراضاته في شرح الموقظة، وليس هذا مجال الكلام على ذلك. الضبط: تعريفه: قال الصنعاني في "توضيح الأفكار" (١/ ٨): (الضابط عندهم من يكون حافظا متيقظا غير مغفل ولا ساه ولا شاك في حالتي التحمل والأداء وهذا الضبط التام وهو المراد هنا). أي في تعريف الحديث الصحيح، وأما الحديث الحسن فراويه خفيف الضبط. بمَّ يعرف الضبط؟ قال ابن الصلاح في "مقدمته" (ص/٦١): (يعرف كون الراوي ضابطا بأن نعتبر روايته بروايات الثقاة المعروفين بالضبط والإتقان. فإن وجدنا رواياته موافقة - ولو من حيث المعنى - لرواياتهم، أو موافقة لها في الأغلب، والمخالفة نادرة، عرفنا حينئذ كونه ضابطا ثبتا. وإن وجدناه كثير المخالفة لهم عرفنا اختلال ضبطه، ولم نحتج بحديثه، والله أعلم). أقسام الضبط: قال الصنعاني في "توضيح الأحكام" (١/ ١٩): (فالذي ذكر المحدثون أربع صور: تام الضبط، خفيفه، كثير الغلط، من غلطه أكثر من حفظه، فالأوليان مقبول من اتصف بهما، والأخريان مردود من اتصف بهما). فائدة:

стр. 91

يكفى للحكم على الحديث بأنه حسن لذاته أن يكون روايا واحدا على الأقل من رواته خفيف الضبط. اتصال السند: وقال المليباري في رسالته علوم الحديث في ضوء تطبيقات المحدثين النقاد: (وأما العنصر الثاني - أي اتصال السند - فيعرف بما يلي: تصريح كل من سلسلة الإسناد بما يدل على سماعه للحديث من مصدره الذي روى عنه ذلك الحديث، كقوله ك (سمعت فلاناً) أو (سمعنا فلاناً) أو (حدثني فلان) أو (حدثنا) أو (قرأت عليه) أو (حدثني قراءة عليه) أو (حدثنا قراءة عليه) أو (أخبرني) أو (أخبرنا) أو (أنبأني) أو (أنبأنا) أو (قال لي) أو (قال لنا)، أو نحو ذلك من العبارات الدالة على أن الراوي قد لقي من فوقه، وأنه سمع منه ذلك الحديث. ٢ - عنعنة الراوي، إذا لم يكن مدلساً، أو مرسلاً، فتفيد عنعنته الاتصال، وأما إن كان الراوي المعنعن مدلساً، فعنعنته تحمل على الانقطاع لقوة احتمال تدليسه في الإسناد بإسقاط شيخه الذي سمع منه هذا الحديث. وكذا الأمر إذا اختلف العلماء في سماع الراوي ممن فوقه عموماً، ولم يتبين الراجح في ذلك، فإن الحكم على الإسناد باتصاله حينئذ متوقف على ما يزول به احتمال الانقطاع، من القرائن ... ). الشاذ: وهو: (ما خالف فيه الثقة من هو أرجح منه عدداً، أو عدالة، أو ضبطاً). العلة: وهي: (سبب خفي يقدح في صحة الحديث). والعلة تكون في الإسناد كالتعليل بالوقف والإرسال، وتكون في المتن مثل حديث نفي البسملة في الصلاة. وتعرف العلة عن طريق تجميع طرق الحديث، والنظر في الرواة، والموازنة بين ضبطهم وإتقانهم، ثم الحكم على الرواية المعلولة. - الصحيح لغيره: قال ابن حجر في "النزهة" (ص/٢٩): (وبكثرة طرقه يصحح؛ وإنما يحكم له بالصحة عند تعدد الطرق؛ لأن للصورة المجموعة قوة تجبر القدر الذي قصر الوصفين به ضبط

стр. 92

راوي الحسن عن راوي الصحيح، ومن ثم تطلق الصحة على الإسناد الذي يكون حسنا لذاته لو تفرد إذا تعدد). ثالثا - الضعيف: قال الشيخ: (والضعيف ما خلا من شرط الصحيح والحسن. ويصل إلى درجة الحسن إذا تعددت طرقه على وجه يجبر بعضها بعضاً ويسمى (حسناً لغيره). وهذا التعريف الذي ذكره الشيخ مقارب لتعريف ابن الصلاح حيث قال في "مقدمته" (ص/٤١): (كل حديث لم يجتمع فيه صفات الحديث الصحيح، ولا صفات الحديث الحسن المذكورات فيما تقدم، فهو حديث ضعيف). وقال ابن حجر في " النكت على ابن الصلاح" (١/ ٤٩١ (: (اعترض عليه بأنه لو اقتصر على نفي صفات الحسن لكان أخصر لأن نفي صفات الحسن مستلزم لنفي صفات الصحيح وزيادة ... ). وعليه فالأولى أن نقول في تعريف الضعيف: (ما خلا من شروط الحسن). - الحسن لغيره: وقول الشيخ: (على وجه يجبر بعضها بعضاً) فيه إجمال، وقد بيَّن الشيخ مراده في الشرح (ص/٤٨١) فذكر أنه يتقوى مثل حديث المستور أو سيء الحفظ إذا تعددت طرقه، أما إن كان في الطرق من يتهم بوضع الحديث، أو كان رواة الحديث مبتدعة فرووا حديثا يقوي بدعتهم، فلا يتقوى حديث مثل هؤلاء. وما اختاره الشيخ من رد حديث المبتدع فيما يقوي بدعته هو المشهور، إلا أن الراجح خلافه، ومما يؤيد ذلك إخراج الأئمة في دواوين السنة لبعض المبتدعة فيما يتعلق ببدعتهم، فقد روى الإمام أحمد ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه: عن عدي بن ثابت عن زر قال: قال علي بن أبي طالب ﵁: والذي فلق الحبة وبرأ النسمة إنّه لعهد النبي الأمّي ﷺ إليّ أنّ لا يحبني إلا مؤمن ولا يبغضني إلا منافق. وعدي بن ثابت: قال عنه الذهبي في الكاشف: ثقة، لكنه قاص الشيعة وإمام مسجدهم بالكوفة. - والأولى أن نعرف الحسن لغيره بقولنا: (هو الضعيف إذا تعددت طرقه، ولم يكن سبب ضعفه فسق الراوي أو كذبه).

стр. 93

حجية هذه الأقسام: قال الشيخ: (وكل هذه الأقسام حجة سوى الضعيف فليس بحجة لكن لا بأس بذكره في الشواهد ونحوها). القسم المقبول من الحديث على أربع درجات: أعلاها: الصحيح لذاته، يتلوه: الصحيح لغيره، ثم الحسن لذاته، وأخيرا: الحسن لغيره، وهذه الأقسام يحتج بها، ويرجح أعلاها على من دونه في الرتبة عند التعارض وعدم إمكان الجمع. وأما الحديث الضعيف فليس بحجة. وقد أجاز البعض العمل بالضعيف بشروط وهي: ١ - أن لا يكون موضوعاً. ٢ - أن يعرف العامل به كونه ضعيفاً. ٣ - أن لا يُشهر العمل به. ٤ - أن يكون في فضائل الأعمال. ٥ - أن يندرج تحت أصل من أصول الشريعة. وذهب الشيخ العثيمين في "الشرح" (ص/٤٨١) إلى عدم جواز العمل بالضعيف مطلقا، وهو مذهب: يحيى بن معين، وأبو بكر بن العربي، وابن حزم، وهو ظاهر صنيع البخاري ومسلم، والشوكاني، ومن المعاصرين: أحمد شاكر، والألباني، وغيرهم إلى عدم جواز العمل بالضعيف مطلقاً، وهذه المسألة نحناج إلى بسط سوف نعرض له - بإذن الله - في دروس المصطلح. صيغ الأداء: قال الشيخ: (للحديث تحمل وأداء، فالتحمل: أخذ الحديث عن الغير. والأداء: إبلاغ الحديث إلى الغير. وللأداء صيغ منها: ١ - حدثني: لمن قرأ عليه الشيخ. ٢ - أخبرني: لمن قرأ عليه الشيخ أو قرأ هو على الشيخ. ٣ - أخبرني إجازة أو أجاز لي: لمن روى بالإجازة دون القراءة. والإجازة: إذنه للتلميذ أن يروي عنه ما رواه وإن لم يكن بطريق القراءة.

стр. 94

٤ - العنعنة وهي: رواية الحديث بلفظ عن. وحكمها الاتصال إلا من معروف بالتدليس فلا يحكم فيها بالاتصال إلا أن يصرح بالتحديث). قال الذهبي في "الموقظة" (فـ (حدَّثَنا) و (سَمِعتُ) لِمَا سُمِع من لفظ الشيخ. واصطُلِح على أنَّ (حدَّثَني) لِمَا سَمِعتَ منه وحدَك، و (حدَّثَنا) لِمَا سَمِعتَه معَ غيرك. وبعضُهم سَوَّغ (حدَّثَنا) فيما قراه هو على الشيخ. وأما (أخبَرَنا) فصادِقةٌ على ما سَمِع من لفظ الشيخ، أو قرأه هو، أو قرأه آخَرُ على الشيخِ وهو يَسمع. فلفظُ (الإخبار) أعمُّ من (التحديث). و (أخبرني) للمنفرِد. وسَوَّى المحققون كمالكٍ والبخاريِّ بين (حدَّثنا) و (أخبِرنا) و (سَمِعتُ)، والأمرُ في ذلك واسع. فأمَّا (أنبأنا) و (أنا) فكذلك، لكنها غلَبتْ في عُرف المتأخرين على الإجازة). وباقي الكلام واضح وقد اختصرت الكلام هنا، وسوف يأتي له مزيد بيان في دروس المصطلح - بإذن الله -. الإجماع تعريف الإجماع لغة: قال الشيخ: (الإجماع لغة: العزم والاتفاق). الإجماع في اللغة يطلق على معنيين وهما: أولا: العزم والتصميم على الشيء، يقال: أجمع فلان على كذا إذا عزم وصمم عليه، ومن ذلك قوله تعالى: (فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ) [يوسف:١٥] أي: عزموا أن يجعلوه. ومنه حديث: (من لم يجمع الصوم من الليل فلا صيام له) أي من لم يعزم على الصيام فينويه. ثانيا: الاتفاق، يقال أجمعت الجماعة على كذا إذا اتفقوا عليه. تعريف الإجماع اصطلاحا: قال الشيخ: (واصطلاحاً: اتفاق مجتهدي هذه الأمة بعد النبي ﷺ على حكم شرعي). قال في "الأصل" (ص/٦٤): (فخرج بقولنا: " اتفاق " وجود خلاف ولو من واحد فلا

стр. 95

ينعقد معه الإجماع. وخرج بقولنا " مجتهدي " العوام والمقلدون فلا يعتبر وفاقهم ولا خلافهم. وخرج بقولنا: " هذه الأمة " إجماع غيرها فلا يعتبر. وخرج بقولنا: " بعد النبي ﷺ "، اتفاقهم في عهد النبي ﷺ ، فلا يعتبر إجماعاً من حيث كونه دليلاً لأن الدليل حصل بسنة النبي ﷺ ، من قول، أو فعل، أو تقرير ولذلك إذا قال الصحابي كنا نفعل، أو كانوا يفعلون كذا على عهد النبي ﷺ ، كان مرفوعاً حكماً لا نقلاً للإجماع. وخرج بقولنا: "على حكم شرعي" اتفاقهم على حكم عقلي أو عادي فلا مدخل له هنا إذ البحث في الإجماع كدليل من أدلة الشرع). قيود أخرى: لابد من إضافة بعض القيود لهذا التعريف ليكون جامعا مانعا، هي: ١ - قيد: في عصر، أي من العصور. فقول الشيخ (اتفاق مجتهدي هذه الأمة) يشعر بعدم انعقاد إجماع إلى يوم القيامة؛ لأن أمة محمد ﷺ تشمل جميع من اتبعه إلى يوم القيامة ومن كان منهم موجودا في عصر من العصور فهو يعم بعض الأمة لا كلها. وعليه فلابد من إضافة قيد: في عصر؛ ليصح كون اتفاق أهل الاجتهاد في أي عصر من العصور إجماعا صحيحا. وقد زاد هذا القيد جماعة من الحنابلة كأبي يعلى وابن عقيل وابن قدامة وغيرهم. ٢ - قيد: ألا يسبق الإجماع خلاف مستقر: قال الشيخ في "الأصل" (ص/٦٦): (أن لا يسبقه خلاف مستقر، فإن سبقه ذلك فلا إجماع؛ لأن الأقوال لا تبطل بموت قائليها. فالإجماع لا يرفع الخلاف السابق، وإنما يمنع من حدوث خلاف، هذا هو القول الراجح لقوة مأخذه ... ). ٣ - قيد عدالة المجتهدين: اختلف العلماء في اشتراط قيد العدالة للمجتهدين على أقوال خمسة. وقد سبق في شرحي للموقظة أن حققت أن مبنى العدالة يدور على ظن الصدق دون غيره من الشروط كاجتناب الأعمال السيئة من شرك أو فسق أو بدعة. والعدالة ليست شرطا في الاجتهاد، وإنما هي شرط في الفتيا، أو الحكم؛ وذلك لأن الفتيا، أو الحكم إنما هي خبر عن حكم الله الذي وصل إليه المجتهد باجتهاده، ويدخل في ذلك إخبارنا عن اجتهاده.

стр. 96

قال الطوفي في " شرح مختصر الروضة" (٣/ ٤٣): (ويجاب عما قاله القاضي: بأن العدالة تعتبر للرواية والشهادة، لا للنظر والاجتهاد، وهو المراد في باب الإجماع، وللقاضي أن يقول: هو مخبر عن نفسه بما أدى إليه نظره واجتهاده، وخبره غير مقبول لفسقه). قال الشنقيطي في "المذكرة": (ص/٢٨٨): (والعدالة ليست شرطاً في أصل الاجتهاد، وإنما هي شرط في قبول فتوى المجتهد). وعليه فمن غلب على الظن صدقه فهو عدل يقبل اجتهاده وخبره عن اجتهاده، ومن غلب على الظن كذبه، وعدم صدقه فاجتهاده وإن كان صحيحا لتوفر شروط الاجتهاد فيه إلا أن خبره عن اجتهاده يكون غير مقبولا فلا يعتد به في الإجماع. وعليه فلابد من إضافة قيد العدالة للمجتهدين، وهذا جار على أصول المذهب. ومما سبق يكون تعريف الإجماع: (اتفاق العدول من مجتهدي هذه الأمة في عصر بعد النبي ﷺ على حكم شرعي غير مسبوق بخلاف مستقر). حجية الإجماع: قال الشيخ: (الإجماع حجة). الخلاف في حجية الإجماع خلاف ضعيف، وجماهير أهل العلم من لدن الصحابة ﵃ والتابعين والأئمة الأربعة ومن بعدهم من أهل العلم على الاحتجاج به ولزوم حجيته. وخالف في ذلك النظّام والقاشاني من المعتزلة، وأكثر الخوارج. قال الشيخ العثيمين ﵀ في "الأصول" (ص/٦٤): (الإجماع حجة لأدلة منها: ١ - قوله تعالى: (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ) [النساء:٥٩] دل على أن ما اتفقوا عليه حق. ٢ - قوله ﷺ : (لا تجتمع أمتي على ضلالة). ٣ - أن نقول: إجماع الأمة على شيء إما أن يكون حقّاً وإما أن يكون باطلاً، فإن كان حقّاً فهو حجة، وإن كان باطلاً فكيف يجوز أن تجمع هذه الأمة التي هي أكرم الأمم على الله منذ عهد نبيها إلى قيام الساعة على أمر باطل لا يرضى به الله؟! هذا من أكبر المحال). أنواع الإجماع: قال الشيخ: (الإجماع نوعان: قطعي، وظني. فالقطعي: ما يعلم وقوعه من الأمة بالضرورة). قال في "شرح الأصول" (ص/٤٩٦): (فالذي يعلم بالضرورة وقوعه من الأمة هو إجماع قطعي، ومعنى بالضرورة أي: بدون نظر وتأمل- يعني لا يحتاج أن ننظر: هل أجمعوا أم لم يجمعوا؛ لأنه معروف.

стр. 97

ثم قال: (فإن قيل: لعل فيه خلافًا. قلنا: لا يمكن أن يخالف أحد في هذا، إلا من كان حديث عهد بإسلام، لا يدري عن الإِسلام شيئًا، أما من عاش بين المسلمين فإنا نعلم أنه يعتقد وجوب الصلوات الخمس، وكذلك تحريم الزنا، فإن العلماء مجمعون عليه إجماعًا قطعيًا، وكذلك حِلّ الخبز فهو مجمع عليه). ثم قال الشيخ: (والظني: ما لا يعلم إلا بالتتبع والاستقراء). وقال في "شرح الأصول" (ص/٤٩٨): (الثاني هو الظني، والظني: ما لا يعلم إلا بالتتبع والاستقراء، يعني ليس معلومًا بالضرورة، بل مُتَتبَّع، فَيُتتبَّع من الكتب التي تنقل الآَثار عن المتقدمين، وتتبع الكتاب التي ألفها المتأخرون، وينظر فإذا أجمعت الكتب والآثار على حكم من الأحكام قلنا: هذا إجماع، لكنه ليس قطعيًا، ليس إجماعًا قطعيًا؛ لأنه يجوز أن يكون هناك خلاف لم نعلمه). تنبيه: ومقصود الشيخ هنا التمثيل لا الحصر. فالإجماع القطعي هو: ما وجد فيه الاتفاق مع الشروط التي لا يختلف فيه مع وجودها ونقله أهل التواتر، كالذي يعلم بالضرورة وقوعه من الأمة، ومنه النطقي المتواتر، والقولي المشاهد في حق من شاهده. والإجماع الظني هو: ما تخلف فيه أحد القيدين (الاتفاق أو تحقق بعض الشروط) بأن يوجد مع الاختلاف فيه كالاتفاق في بعض العصر وإجماع التابعين على أحد قولي الصحابة أو توجد شروطه لكن ينقله آحاد (النطقي المنقول آحادا)، وكالإجماع الإقراري والإجماع الاستقرائي (وهو ما لا يعلم إلا بالتتبع والاستقراء الناقص) وكالإجماع السكوتي المتواتر، أو السكوتي المنقول آحادا. فروع: الأول - حكم مخالف الإجماع القطعي والظني: قال الشيخ: (ويكفر مخالفه - أي القطعي - إذا كان ممن لا يجهله). وقال تقي الدين في "مجموع الفتاوى" (١٩/ ٢٦٩): (وقد تنازع الناس في مخالف الإجماع هل يكفر على قولين والتحقيق أن الإجماع المعلوم يكفر مخالفه كما يكفر مخالف النص بتركه لكن هذا لا يكون إلا فيما علم ثبوت النص به وأما العلم بثبوت الإجماع في مسألة لا نص فيها فهذا لا يقع وأما غير المعلوم فيمتنع تكفيره).

стр. 98

الثاني: لا يختص انعقاد الإجماع بالصحابة: قال الشيخ: (وقد اختلف العلماء في إمكان ثبوته وأرجح الأقوال في ذلك رأي شيخ الإسلام ابن تيمية حيث قال في العقيدة الواسطية: " والإجماع الذي ينضبط ما كان عليه السلف الصالح إذ بعدهم كثر الاختلاف وانتشرت الأمة "). والراجح أن انعقاد الإجماع لا يختص بالصحابة لشمول الأدلة التي سبق وأن سقتها في بيان حجية الإجماع للصحابة وغيرهم. شروط الإجماع (١): الشرط الأول - قال الشيخ ﵀: (أن يثبت بطريق صحيح بأن يكون إما مشهوراً بين العلماء، أو ناقله ثقة واسع الإطلاع). - والمقصود أن يكون واسع الإطلاع بالمسألة التي نقل فيها الإجماع. ولعل مقصود الشيخ بهذا الشرط أن ينبه على مسألة ينبغي التفطن لها، وهي مراعاة اصطلاح ناقلي الإجماع، وذلك إما تصريحهم بمذهبهم، أو عن طريق تتبع ما ينقلوه من إجماعات، فالبعض يطلق الإجماع ويريد إجماع أهل مذهبه أو أهل بلده أو إجماع الأئمة الأربعة، ومنهم من لا يعتد بخلاف الظاهرية، ومنهم من يعتد بخلاف الزيدية، وغير ذلك من الاصطلاحات. الشرط الثاني - قال الشيخ: (ألا يسبقه خلاف مستقر فإن سبقه ذلك فلا إجماع لأن الأقوال لا تبطل بموت قائليها، فالإجماع لا يرفع الخلاف السابق، وإنما يمنع من حدوث خلاف، هذا هو القول الراجح لقوة مأخذه وقيل لا يشترط ذلك فيصح أن ينعقد في العصر الثاني على أحد الأقوال السابقة ويكون حجة على من بعده). وكلام الشيخ هنا هو الراجح فإن كانت الأقوال باقية فلا يصح إجماع لبقاء الخلاف ببقاء هذه الأقوال، فإن أجمعوا على أحد الأقوال كانوا بعض الأمة لا كلها لخلاف أصحاب القول الأول. هذا بخلاف ما إن اختلف أهل عصر ولم يستقر الخلاف ثم اتفقوا على أحد الأقوال فهنا يصح الإجماع لانتفاء الخلاف واتفاق أهل العصر على قول واحد. قال ابن قدامة في "روضة الناظر" (ص/١٤٨): (وإذا اختلف الصحابة على قولين فأجمع التابعون على أحدهما فقال القاضي وبعض الشافعية لا يكون إجماعا لأنه فتيا بعض الأمة

стр. 99

لأن الذين ماتوا على القول الآخر من الأمة لا يبطل مذهبهم بموتهم ولذلك يقال خالف أحمد أو وافق بعد موته، فإن قيل إن ثبت نعت الكلية للتابعين فيكون خلاف قولهم حراما وإن لم يكونوا كل الأمة فلا يكون قولهم إجماعا أما أن يكونوا كل الأمة في شيء دون شيء فهذا متناقض. قلنا: الكلية تثبت بالإضافة إلى مسألة حدثت في زمنهم أما ما أفتى به الصحابي فقوله لا يسقط بموته ولو مات القائل فأجمع الباقون على خلافه لا يكون إجماعا، ولو حدثت مسألة بعد موته فأجمع عليها الباقون على خلافه كان إجماعا. ومن وجه آخر أن اختلاف الصحابة على قولين اتفاق منهم على تسويغ الأخذ بكل واحد منهما فلا يبطل إجماعهم بقول من سواهم). انقراض العصر: قال الشيخ: (ولا يشترط على رأي الجمهور انقراض عصر المجمعين). المقصود بانقراض العصر هو موت جميع من هو من أهل الاجتهاد في وقت نزول الحادثة بعد اتفاقهم على حكم فيها. وقد اختار الشيخ الرواية التي أومأ إليها أحمد، وهي اختيار الكلوذاني. واختيار الشيخ هو الراجح لهذه الأدلة (١): الأول: أن الدليل السمعي الدال على صحة الإجماع وعصمته «عام» في كونه حجة قبل انقراض العصر وبعده «فالتخصيص» بأنه إنما يكون حجة بعد انقراض العصر «تحكم» من غير دليل. الثاني - «لو اشترط» انقراض العصر لصحة الإجماع «لما صح احتجاج التابعين على متأخري الصحابة به» أي: بالإجماع، إذ قد كان للصحابة أن يقولوا للتابعين: كيف تحتجون علينا بالإجماع وهو لم يصح، ولم يستقر بعد، لأن شرط صحته انقراض عصر المجمعين عليه، وهو باق لأننا نحن من المجمعين، وها نحن باقون، لكن التابعون كانوا يحتجون بالإجماع على متأخري الصحابة، كأنس وغيره، ويقرونهم عليه، فدل على أن انقراض العصر لا يشترط لصحة الإجماع.

стр. 100

وأيضا: فإن الصحابة كانوا يحتجون بالإجماع بعضهم على بعض، وعلى بعض التابعين. الثالث - أن اشتراط الانقراض إنما كان لاحتمال الرجوع قبل الانقراض عن الخطأ، فإذا كان قولهم صوابا بظاهر النصوص استحال الرجوع عنه؛ فلا معنى لاشتراط الانقراض (١). الإجماع السكوتي: قال الشيخ: (وإذا قال بعض المجتهدين قولاً أو فعل فعلاً واشتهر ذلك بين أهل الاجتهاد ولم ينكروه مع قدرتهم على الإنكار فقيل: يكون إجماعاً. وقيل: يكون حجة لا إجماعاً. وقيل: ليس بإجماع ولا حجة. وقيل: إن انقرضوا قبل الإنكار فهو إجماع وهذا أقرب الأقوال). والراجح أن الإجماع السكوتي حجة ظنية - كما سبق الكلام على ذلك عند أنواع الإجماع - ولكن بشروط (٢) وهي: ١ - أن يكون ذلك في المسائل التكليفية. ٢ - أن يكون في محل الاجتهاد. ٣ - أن يطلع باقي المجتهدين على ذلك. ٤ - أن لا يكون هناك أمارة سخط، وإن لم يصرحوا به. ٥ - أن لا يكون معه أمارة رضى وإلا كان إجماعاً. ٦ - أن تمضي مدة كافية للنظر والتأمل في حكم الحادثة عادة. ٧ - أن لا ينكر ذلك مع طول الزمان. ٨ - أن لا يطول الزمان مع تكرر الواقعة. ٩ - أن يكون قبل استقرار المذاهب. فإذا اجتمعت هذه الشروط كان الإجماع السكوتي حجة ظنية.

стр. 101

القياس تعريف القياس: أ- لغة: قال الشيخ: (القياس لغة: التقدير والمساواة). التقدير، تقول: قاس الفلاح الأرض بالقصبة أي قدرها بها، وتقول: قاس التاجر الثوب بالذراع أي قدره به. والمساواة، تقول: أسامة لا يقاس بخالد، أي: لا يساويه. ب- اصطلاحا: قال الشيخ: (واصطلاحاً: تسوية فرع بأصل في حكم لعلة جامعة بينهما). إذا قلنا: إن العلة في جريان الربا في البُرِّ أنه مكيل، فنلحق به على هذا كلَّ ما كان مَكيلاً؛ لأن العَلةَ التي أوجَبَتَ الحكَمَ وهو جريان الربا في البُرِّ هي الكيل، فإذا وجدت هذه العلة في أي شيء جرى فيه الربا قياسًا على البُرِّ. وهكذا ... تنبيه: الأولى أن نقول: (وصف جامع) بدلا من: (علة جامعة)؛ ليشمل التعريف قياس الدلالة (١) وقياس الشبه (٢). قال الشيخ السلمي في "أصوله" (ص/١٥٤): (أكثر الأصوليين يعبرون عن الوصف الجامع بالعلة، ثم يذكرون من شروط العلة أن تكون وصفا مناسبا، وهذا لا يستقيم على قول من يرى جواز الاستدلال بقياس الشبه وقياس الدلالة؛ لأن الوصف الجامع في هذين القياسين

стр. 102

هو الشبه في الأول ودليل العلة في الثاني، ولا يشترط لهما ظهور المناسبة، فالوصف الجامع الذي هو ركن من أركان القياس قد يكون علة، وقد يكون دليل العلة، وقد يكون وصفا شبهيا). تعريف العلة: قال الشيخ: (والعلة: المعنى الذي ثبت بسببه حكم الأصل). وقد عرفها الشيخ العثيمين في "شرح نظم الورقات" (ص/١٨٨) بقوله: (الوصف المناسب للحكم الجامع بين الأصل والفرع)، وهذا أدق من تعريف الباب إلا أنه أيضا ينقصه بعض القيود وسوف يتضح ذلك من خلال التعريف الذي سوف أذكره بإذن الله. وقد عرفها المرداوي في "التحبير" (٧/ ٣١٧٧) بأنها: (وصف ظاهر منضبط معرف للحكم). وقد اعتمد الشيخ السلمي هذا التعريف إلا أنه زاد فيه أن الدليل هو الذي دل على أن هذا الوصف مناط للحكم، فعرفها بأنها: (وصف ظاهر منضبط دل الدليل على كونه مناطا للحكم) فقال في "أصوله" (ص/١٤٦): (ومعنى قولهم: (وصف) أي: معنى من المعاني، ولهذا كثر في كلام الأصوليين والفقهاء إطلاق المعنى على العلة، بل إن المتقدمين لا يكادون يذكرون (العلة) بل (المعنى). وقولهم: (ظاهر): قيد يخرج الوصف الخفي الذي لا يطلع عليه إلا من قام به، مثل الرضى في البيع، فإنه لا يعلل به وإنما يعلل انعقاد البيع بقول الشخص بعت أو قبلت، فالنطق بالصيغة وصف ظاهر، ولهذا جعل هو العلة في انعقاد البيع. قولهم: (منضبط)، الوصف المنضبط هو الذي لا يختلف باختلاف الأفراد ولا باختلاف الأزمنة والأمكنة. ومثلوا لغير المنضبط بالمشقة إذا قيل: علة الفطر في السفر المشقة، فإن المشقة تختلف باختلاف الأفراد والأزمان والأمكنة. ومثلوا للمنضبط بالسفر إذا عللنا جواز الفطر به. وقولهم: (دل الدليل على كونه مناطا للحكم)، أي: قام دليل معتبر من الأدلة الدالة على العلة على أن هذا الوصف علة الحكم. ومعنى قولهم: (مناطا للحكم) أي: متعلَّقا للحكم، بمعنى أن الحكم يعلق على هذا الوصف فيوجد بوجوده ويعدم بعدمه.

стр. 103

حجية القياس: قال الشيخ: (وقد دل على اعتباره دليلاً شرعيّاً: الكتاب والسنة وأقوال الصحابة). وقال في "الأصل" (ص/٦٨): (وقد دل على اعتباره دليلاً شرعيًّا الكتاب والسنة وأقوال الصحابة، فمن أدلة الكتاب: ١ - قوله تعالى: (اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَان) [الشورى: ١٧] والميزان ما توزن به الأمور ويقايس به بينها. ٢ - قوله تعالى: (كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُه) [الانبياء: ١٠٤] (وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَاباً فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ) [فاطر:٩] فشبّه الله تعالى إعادة الخلق بابتدائه، وشبه إحياء الأموات بإحياء الأرض، وهذا هو القياس. على أمك دين فقضيته؛ أكان يؤدي ذلك عنها"؟ قالت: نعم. قال: "فصومي عن أمك". ٢ - أن رجلاً أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! ولد لي غلام أسود! فقال: "هل لك من إبل"؟ قال: نعم، قال: "ما ألوانها"؟ قال: حمر، قال: "هل فيها من أورق"؟ قال: نعم، قال: "فأنى ذلك"؟ قال: لعله نزعه عرق، قال: "فلعل ابنك هذا نزعه عرق". وهكذا جميع الأمثال الواردة في الكتاب والسنة دليل على القياس لما فيها من اعتبار الشيء بنظيره. ومن أقوال الصحابة: ما جاء عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب في كتابه إلى أبي موسى الأشعري في القضاء قال: ثم الفهم الفهم فيما أدلى عليك، مما ورد عليك مما ليس في قرآن ولا سنة، ثم قايس الأمور عندك، واعرف الأمثال، ثم اعمد فيما ترى إلى أحبها إلى الله، وأشبهها بالحق. قال ابن القيم: وهذا كتاب جليل تلقاه العلماء بالقبول. وحكى المزني أن الفقهاء من عصر الصحابة إلى يومه أجمعوا على أن نظير الحق حق ونظير الباطل باطل، واستعملوا المقاييس في الفقه في جميع الأحكام). شروط القياس: قال الشيخ: (شروط القياس: ١ - أن لا يصادم دليلاً أقوى منه ويسمى القياس المصادم لما ذكر (فاسد الاعتبار). ٢ - أن يكون حكم الأصل ثابتاً بنص أو إجماع فإن كان ثابتاً بقياس لم يصح القياس عليه.

стр. 104

٣ - أن يكون لحكم الأصل عله معلومة. ٤ - أن تكون العلة مشتملة على معنى مناسب للحكم. ٥ - أن تكون العلة موجودة في الفرع كوجودها في الأصل). الشرط الأول - ألا يكون فاسد الاعتبار: أولا - معنى فساد الاعتبار لغة (١): هو مركب من فساد واعتبار، والفساد خروج الشيء عن الاعتدال، وهو ضد الصلاح. وأما (الاعتبار) فهو مصدر على وزن (افتعال) من لفظ: عبر يعبر عبورا، أي: انتقل، يقال: عبرت النهر أعبره عبرا وعبورا، إذا قطعته من هذا الجانب إلى الجانب الآخر. وهو من باب إضافة الصفة إلى موصوفها ومعناه أن القياس فاسد. ثانيا - تعريفه اصطلاحا: فساد الاعتبار هو: (مخالفة القياس نصا، أو إجماعا). الأمثلة: قال الطوفي في " شرح مختصر الروضة" (٣/ ٤٦٧): (مثال ما خالف نص الكتاب : قولنا: يشترط تبييت النية لرمضان، لأنه صوم مفروض، فلا يصح تبييته من النهار كالقضاء، فيقال: هذا فاسد الاعتبار، لمخالفته نص الكتاب، وهو قوله تعالى: ﴿وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٣٥]، فإنه يدل على أن كل من صام يحصل له الأجر العظيم، وذلك مستلزم للصحة، وهذا قد صام، فيكون صومه صحيحا. ومثال ما خالف السنة قولنا: لا يصح السلم في الحيوان؛ لأنه عقد يشتمل على الغرر، فلا يصح، كالسلم في المختلطات، فيقال: هذا فاسد الاعتبار، لمخالفة ما روي عن النبي ﷺ أنه رخص في السلم. ومثال ما خالف الإجماع أن يقول الحنفي: لا يجوز أن يغسل الرجل زوجته؛ لأنه يحرم النظر إليها، فحرم غسلها كالأجنبية فيقال له: هذا فاسد الاعتبار، لمخالفته الإجماع السكوتي، وهو أن عليا غسل فاطمة، ولم ينكر عليه، والقضية في مظنة الشهرة، فكان ذلك إجماعا كما سبق في بابه).

стр. 105

الشرط الثاني - أن يكون حكم الأصل ثابتاً بنص أو إجماع فإن كان ثابتاً بقياس لم يصح القياس عليه . قال الشيخ العثيمين ﵀ في "شرح الأصول" (ص/٥٢٣): (إن كان حكم الأصل- ثابتا بقياس لم يصح القياس عليه ... فهذه ثلاثة علل لاشتراط أن يكون الأصل المقيس عليه ثابتًا بنصٍّ أو إجماع - وهي: أولاَ: يجب القياس على الأصل الأول، فهو أولى. ثانيًا: قد يكون الفرع المقيس عليه غير صحيح أصلاً. ثالثًا: أن القياس على الفرع تطويل بلا فائدة. مثال ذلك: أن يقال يجري الربا في الذرة قياسًا على الرز ويجري في الرز قياسًا علي البُر، فالقياس هكذا غير صحيح، ولكن يقال يجري الربا في الذرة قياسًا على البُر، ليقاس على أصل ثابت بنص ... ثم قال: على كلِّ حالٍ نقول: إن قياس الفرع على الفرع ثم الفرع على أصل: غير صحيح شكلاً وحكمًا؛ لأنا ذكرنا في إحدى العلل أن قياس الفرع الذي جعل أصلاً في القياس الثاني قد يكون غير صحيح، وحينئذٍ لا يصح الحكم؟ فالقياس إذًا غير صحيح شكلاً وحكمًا، فنحن نبطله ونقول: لا تقس هذا القياس، بل ارجع إلى الأصل الأول وقس عليه وينتهي الإِشكال. ثم قال: ثم لاحظ أنه في باب المناظرة قد نقول: يجري الربا في الذرة قياسًا على الرز، وفي الرز قياسًا على البر، فيمنَعُ الخصمُ قياسَ الرز على البر وحينئذٍ يبطل قياسك. فهذه المسألة نافعة حتى في باب المناظرة وهي أن ترجع إلى الأصل الأول). وهذا الذي اختاره الشيخ هو ظاهر كلام أحمد، وأحد قولي المذهب، والقول الأخر بالجواز. قال الطوفي في "البلبل" (ص/١٥١): (ولا يصح إثباته - أي الأصل - بالقياس على أصل آخر؛ لأنه إن كان بينه وبين محل النزاع جامع، فقياسه عليه أولى، إذ توسيط الأصل الأول تطويل بلا فائدة، وإلا لم يصح القياس لانتفاء الجامع بين محل النزاع وأصل أصله). الشرط الثالث - أن يكون لحكم الأصل علة معلومة: قال المرداوي في "التحبير" (٧/ ٣١٤٦): (من شرط حكم الأصل المقيس عليه أن لا يكون معدولاً به عن سنن القياس، أي عن طريقه المعتبر فيه لتعذر التعدية حينئذ وذلك

стр. 106

على ضربين: أحدهما: لكونه لم يعقل معناه، إما لكونه استثني من قاعدة عامة كالعمل بشهادة خزيمة وحده فيما لا يقبل شهادة الواحد فيه، أو لم يستثن كتقدير نصب الزكوات، وأعداد الركعات، ومقادير الحدود والكفارات. والضرب الثاني: ما عقل معناه ولكن لا نظير له ... ). الشرط الرابع - أن تكون العلة مشتملة على معنى مناسب للحكم: قال الشيخ العثيمين ﵀ في "الشرح" (ص/٥٣١): (الأصل أن تكون - أي علة الحكم - مشتملة على معنى مناسب للحكم مثل: أكرم اليتيم ليتمه، أطعِم المسكين لمسكنته، أعِنِ المجاهد لجهاده؛ يعني لا بد أن تكون علةُ الحكم مشتملة على معنى مناسب للحكم. ثم ضرب المؤلف مثلاً بالإسكار بالخمر- والخمر حرام لأنها مسكرة ... والإِسكار هو تغطية العقل على وجه اللذة والطرب). وقال في "الأصول" (ص/٧١): (فإن كان المعنى وصفاً طرديًّا لا مناسبة فيه لم يصح التعليل به، كالسواد والبياض مثلا. مثال ذلك: حديث ابن عباس ﵄ أن بريرة خيرت على زوجها حين عتقت قال: وكان زوجها عبداً أسود، فقوله: "أسود"؛ وصف طردي لا مناسبة فيه للحكم، ولذلك يثبت الخيار للأمة إذا عتقت تحت عبد وإن كان أبيض، ولا يثبت لها إذا عتقت تحت حر، وإن كان أسود). الشرط الخامس - أن تكون العلة موجودة في الفرع كوجودها في الأصل: قال المرداوي في "التحبير" (٧/ ٣٢٩٨): (من شروطه - أي الفرع - أن يشتمل على علة حكم الأصل بتمامها حتى لو كانت ذات أجزاء، فلا بد من اجتماع الكل في الفرع، وهذه العبارة أحسن من عبارة ابن الحاجب ومن تبعه: ' أن يساوي الفرع في العلة علة الأصل '، لأن لفظ المساواة قد يفهم منع الزيادة، فيخرج قياس الأولى، بخلاف هذه العبارة فإن الزيادة لا تنافيه، وهي شاملة لقياس الأولى، والمساوي، والأدون. إذا علم ذلك فإن كان وجودها بتمامها فيه قطعيا كقياس الضرب للوالدين على قول 'أف' بجامع أنه إيذاء، وكالنبيذ يقاس على الخمر بجامع الإسكار، ويسمى الأول قياس الأولى، والثاني قياس المساواة، وكل منهما قطعي. وإن كان وجود العلة بتمامها ظنيا فالقياس ظني، ويسمى قياس الأدون كقياس التفاح على البر في أنه لا يباع إلا يدا بيد ونحو ذلك بجامع الطعم، فالمعنى المعتبر وهو الطعم موجود في الفرع بتمامه، وإنما سمي قياس أدون؛ لأنه ليس ملحقا بالأصل إلا على تقدير أن العلة فيه الطعم، فإن كانت فيه تركب من الطعم مع

стр. 107

التقدير بالكيل، أو كانت العلة القوت أو غير ذلك لم يلحق بالتفاح. وظهر بذلك أنه ليس المراد بالأدون أن لا يوجد فيه المعنى بتمامه، بل أن تكون العلة في الأصل ظنية. قال ابن مفلح تبعا لابن الحاجب: ' من شروط الفرع مساواة علة الأصل فيما يقصد من عين العلة أو جنسها، كالشدة المطربة في النبيذ، وكالجناية في قياس قصاص طرف على النفس '. أما العين: فكقياس النبيذ على الخمر بجامع الشدة المطربة، وهي بعينها موجودة في النبيذ. وأما الجنس: فكقياس الأطراف على القتل في القصاص بجامع الجناية المشتركة بينهما، فإن جنس الجناية هو جنس لإتلاف النفس والأطراف، وهو الذي قصد الاتحاد فيه ... ) (١). أقسام القياس القياس الجلي: قال الشيخ: (فالجلي: ما ثبتت علته بنص أو إجماع أو كان مقطوعاً فيه بنفي الفارق بين الأصل والفرع، والخفي: ما ثبتت علته باستنباط ولم يقطع فيه بنفي الفارق بين الأصل والفرع). ينقسم القياس من حيث قوته وضعفه إلى: جلي وخفي. قال الطوفي في "شرح مختصر الروضة" (٣/ ٢٢٣ (: (اعلم أن للقياس أقساما باعتبارات: أحدها: إما جلي وهو ما كانت العلة الجامعة فيه بين الأصل والفرع منصوصة، أو مجمعا عليها، أو ما قطع فيه بنفي الفارق، كإلحاق الأمة بالعبد في تقويم النصيب. وإما خفي: وهو ما كانت العلة فيه مستنبطة). قال الشيخ العثيمين ﵀ في "الأصول" (ص/٧٢): (مثال ما ثبتت علته بالنص: قياس المنع من الاستجمار بالدم النجس الجاف على المنع من الاستجمار بالروثة، فإن علة حكم الأصل ثابتة بالنص حيث أتى ابن مسعود ﵁ إلى النبي ﷺ بحجرين وروثة؛ ليستنجي بهن، فأخذ الحجرين، وألقى الروثة، وقال: "هذا ركس" والركس النجس. ومثال ما ثبتت علته بالإجماع: نهي النبي ﷺ أن يقضي القاضي وهو غضبان، فقياس منع الحاقن من القضاء على منع الغضبان منه من القياس الجلي، لثبوت علة الأصل بالإجماع وهي تشويش الفكر وانشغال القلب.

стр. 108

ومثال ما كان مقطوعاً فيه بنفي الفارق بين الأصل والفرع: قياس تحريم إتلاف مال اليتيم باللبس على تحريم إتلافه بالأكل للقطع بنفي الفارق بينهما. والخفي: ما ثبتت علته باستنباط، ولم يقطع فيه بنفي الفارق بين الأصل والفرع. مثاله: قياس الأشنان على البر في تحريم الربا بجامع الكيل، فإن التعليل بالكيل لم يثبت بنص ولا إجماع، ولم يقطع فيه بنفي الفارق بين الأصل والفرع، إذ من الجائز أن يفرق بينهما بأن البر مطعوم بخلاف الأشنان). قياس الشبه: قال الشيخ: (قياس الشبه: وهو أن يتردد فرع بين أصلين مختلفي الحكم وفيه شبه بكل منهما فيلحق بأكثرهما شبهاً به. وهذا القسم من القياس ضعيف). ذكر الشيخ هنا أحد أقسام القياس من ناحية مناسبة الوصف المعلل به للحكم وهو قياس الشبه، فعرفه، ومثَّل له، واختار ضعفه. قال الطوفي في "شرح مختصر الروضة" (٣/ ٤٢٤): (اختلف في تعريف قياس الشبه، فقيل: هو «إلحاق الفرع المتردد بين أصلين بما هو أشبه به منهما» أي: من ذينك الأصلين. وهذا قول القاضي يعقوب من أصحابنا وغيره. ومن أمثلته تردد العبد بين الحر والبهيمة، في التمليك، فمن قال: يملك بالتمليك; قال: هو إنسان يثاب ويعاقب وينكح ويطلق، ويكلف بأنواع من العبادات، ويفهم ويعقل، وهو ذو نفس ناطقة، فأشبه الحر. ومن قال: لا يملك ; قال: هو حيوان يجوز بيعه ورهنه وهبته وإجارته وإرثه أشبه الدابة. وعلى هذا خرج الخلاف في ضمانه إذا تَلِفَ بقيمته، وإن جاوزت دية الحر إلحاقا له بالبهيمة والمتاع في ذلك، وبما دون دية الحر بعشرة دراهم تشبيها له به، وتقاعدا به عن درجة الحر. وكذا المذي تردد بين البول والمني، فمن حكم بنجاسته، قال: هو خارج من الفرج لا يخلق منه الولد، ولا يجب به الغسل، أشبه البول، ومن حكم بطهارته، قال: هو خارج تحلله الشهوة، ويخرج أمامها، فأشبه المني، وزعم بعضهم أن الخلاف في طهارة المذي مبني على أنه جزء من المني، أو رطوبة ترخيها المثانة ... ).

стр. 109

قياس العكس: قال الشيخ: (قياس العكس: وهو: إثبات نقيض حكم الأصل للفرع لوجود نقيض علة حكم الأصل فيه). قال المرداوي في "التحبير" (٧/ ٣١٢٨ (: (قال البرماوي: في حجية قياس العكس، خلاف وكلام الشيخ أبي حامد يقتضي المنع، لكن الجمهور على خلافه ... قال البرماوي: (ويدل عليه أن الاستدلال به وقع في القرآن والسنة وفعل الصحابة: فأما القرآن: فنحو قوله تعالى: (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا) [الأنبياء: ٢٢]. فدل على أنه ليس إله إلا الله لعدم فساد السموات والأرض. وكذلك قوله تعالى: (وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا) [النساء: ٨٢]. ولا اختلاف فيه فدل على أن القرآن من عند الله بمقتضى قياس العكس. وأما السنة: فكحديث: (يأتي أحدنا شهوته ويؤجر؟ قال أرأيتم لو وضعها في حرام؟ - يعني: أكان يعاقب؟ - قالوا: نعم، قال: فمه!). فقاس وضعها في حلال فيؤجر على وضعها في حرام فيؤزر بنقيض العلة ... فظهر بذلك كله أنه حجة ... ) التعارض تعريف التعارض: لغة: قال الشيخ: (التعارض لغة: التقابل والتمانع). مادة عَرَضَ في اللغة لها معان كثيرة منها (١): - منها: المقابلة، يقال: عارض الشيء بالشيء معارضة: قابله، وعارضت كتابي بكتابه أي قابلته. - والمنع، يقال: اعترض الشيء إذا صار عارضا ومانعا، والأصل فيه أن الطريق إذا أعترض فيه بناء أو غيره منع السابلة من سلوكه. ومنه قوله تعالى: (وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا) [البقرة: ٢٢٤] أي لا يمنعه يمينه من أن يتقي الله ويصل رحمه ويصلح بين الاثنين.

стр. 110

ويقال: اعترض الشيء دون الشيء، أي حال دونه، ومنى سمي السحاب عارضا؛ لأنه يحول دون أشعة الشمس، ومنه قوله تعالى: (فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا) [الأحقاف: ٢٤]. اصطلاحا: قال الشيخ: (واصطلاحاً: تقابل الدليلين بحيث يخالف أحدهما الآخر). قوله: (تقابل) جنس في التعريف يشمل كل تقابل لأي شيئين، أو أكثر. قوله: (الدليلين) قيد يبين أن التقابل إنما يكون بين الدليلين ويخرج به التعارض بين غير الأدلة. - قوله: (بحيث يخالف أحدهما الآخر) قيد ثان يبين أن التقابل بين الأدلة إنما يكون على وجه مخالفة أحدهما للآخر وقد عبر المرداوي وغيره هذا القيد بقوله: (على سبيل الممانعة). وفي هذا القيد إطلاق للمخالفة فيصح أن تكون حقيقية، أو صورية أي في الظاهر فقط (من وجهة نظر المجتهد) والصحيح أنها لا تكون إلا صورية فقط. قال الشيخ في "الأصل" (ص/٨٠): (لكن لا يمكن التعارض بين النصوص في نفس الأمر على وجه لا يمكن فيه الجمع، ولا النسخ، ولا الترجيح؛ لأن النصوص لا تتناقض، والرسول ﷺ قد بيّن وبلّغ، ولكن قد يقع ذلك بحسب نظر المجتهد لقصوره. والله أعلم). وعلى ذلك فالأولى في تعريف التعارض أن نقول أنه: (تقابل الدليلين على سبيل الممانعة الصورية). أقسام التعارض: قال الشيخ: (وأقسام التعارض أربعة: القسم الأول والثاني: أن يكون بين دليلين عامين، أو خاصين وله أربع حالات: ١ - أن يمكن الجمع بينهما بحيث يحمل كل منهما على حال لا يناقض الآخر فيها فيجب الجمع. ٢ - فإن لم يمكن الجمع فالمتأخر ناسخ إن علم التاريخ فيعمل به دون الأول. ٣ - فإن لم يعلم التاريخ عمل بالراجح إن كان هناك مرجح. ٤ - فإن لم يوجد مرجح وجب التوقف).
следующие страницы →