← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 37592

موقف الجمهوريين من السنة النبوية

شوقي بشير

Полный текст (60 стр.). Показаны 36–60 · переход к 41.

стр. 36

فهم في هذه الناحية رَادُّونَ لِلْسُنَّةِ معتمدون على المعنى الذي تبادر إلى أذهانهم من الآية (١)، وفي هؤلاء الجمهوريين وأمثالهم من الرَادِّينَ لِلْسُنَّةِ بأي حُجَّةٍ، قال رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لاَ أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ مُتَّكِئًا عَلَى أَرِيكَتِهِ، يَأْتِيهِ الأَمْرُ مِنْ أَمْرِي، مِمَّا أَمَرْتُ بِهِ أَوْ نَهَيْتُ عَنْهُ فَيَقُولُ: لاَ أَدْرِي، مَا وَجَدْنَا فِى كِتَابِ اللَّهِ اتَّبَعْنَاهُ».

стр. 37

الفَصْلُ السَّادِسُ: بَتْرُ النُّصُوصِ: يبتر الجمهوريون الأحاديث النبوية للإيهام ولا يذكرونها كاملة، خاصة إذا رأوا أن الجزء المبتور [يُبَيِّنُ] فساد عقيدتهم، أو يُشَوِّهُ صورتها أو يؤكد بعدها عن الدين، ولذلك يحرصون دائمًا على ذكر الجزء من الحديث الذي يوافق هواهم، ومما لا شك فيه أن هذا إهمال لأحاديث رَسُولِ اللهِ ﷺ والغرض من ذلك - البتر - جعل السامع يظن صحة الأدلة التي استدل بها باتر النصوص مع ما في الجزء المبتور من بيان لفساد عقيدته، كما أن بتر النص قد يُعْطِي معنى مخالفًا لما يعطيه الحديث بأكمله، بل يدفع ذلك بصاحبه إلى الكفر، ولذلك نبهنا أكثر من واحد من سلف هذه الأمة إلى عدم بتر النصوص حتى في الكلام العادي وها هو الإمام أبو الحسن الأشعري في كتابه " اللمع في الرد على أهل الزيغ والبدع " قد نبهنا إلى أنه يجب ألا نبتر الكلام، وهو على حق في التنبيه، فنصف الجملة قد يُعْطِي معنى مخالفًا لما تعطيه الجملة بأكملها، ونستدل لبيان أن نصف الجملة قد يدفع بصاحبه للكفر إن اعتقده بجمل استخدمها الأشعري في حُجَجِهِ التي ساقها في بيان هل قضى الله المعاصي وقدرها. قال الأشعري: «إِنَّ الكُفْرَ بَاطِلٌ وَالكُفْرُ قَضَاءِ اللهِ تَعَالَى

стр. 38

بِمَعْنَى أَنَّهُ خَلْقُ اللهِ وَلاَ [تَقُولُ] قَضَاءُ اللهِ بَاطِلٌ لأَنَّهُ يُوهِمُ أَنْ لاَ حَقِيقَةَ لِقَضِاءِ اللهِ تَعَالَى. وَهَذَا كَمَا نَقُولُ الكَافِرُ مُؤْمِنٌ بِالجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ، وَلاَ نَقُولُ: مُؤْمِنٌ وَنَسْكُتَ لِمَا فِيهِ مِنَ [الإِبْهَامِ]. وَنَقُولُ: إِنَّ النَّبِيُّ ﷺ لَكَافِرٌ بِالجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ، وَلاَ نَقُولُ " لَكَافِرٌ " وَنَسْكُتَ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنَ الإِبْهَامِ» (١). ولأهمية ذكر الأحاديث كاملة دون بتر جزء منها اهتم علماء الحديث بالحفظ، واحتاطوا في الأخذ عمن يأتيه الخطأ من جهة الحفظ ناهيك عن المتروكين من الذين يبترون النصوص عن قصد، بل اهتموا بالحديث الذي تذكر في بعض رواياته زيادة، واحتاطوا في هذه المسألة، لأن إهمال الزيادة الواردة في رواية من الروايات، وفيها معنى زائد يحتاجه المسلم إهمال لحديث النَّبِيُّ ﷺ «لأَنَّ المَعْنَى الزَّائِدَ فِي الحَدِيثِ المُحْتَاجَ إِلَيْهِ يَقُومُ مَقَامَ حَدِيثٍ تَامٍّ» (٢) ولذلك نرى أئمة الحديث كالإمام مسلم يعيد الحديث الذي فيه زيادة، ويميل في معظم الأحيان إلى إعادة الحديث الذي فيه زيادة في بعض رواياته بهيئته لأن ذلك أسلم (٢). وفي الوقت نفسه نجد أن الجمهوريين يميلون إلى بتر النصوص، لأن الحديث المبتور يُعْطِي معنى يتفق مع هواهم كما نجدهم أيضًا يميلون إلى زيادة ألفاظ - من عندهم - لبعض الأحاديث

стр. 39

الصحيحة، مع ما في زيادتهم من تغيير للمعنى. ومن هذه الأحاديث التي زاد لها محمود بعض الألفاظ حديث: «حُبِّبَ إِلَيَّ مِنْ دُنْيَاكُمُ الطِّيبُ وَالنِّسَاءُ، وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلاَةِ» فقد زاد كلمة (ثَلاَثٍ) إلى الحديث وأصبح يستدل به بهذا اللفظ «حُبِّبَ إِلَيَّ مِنْ دُنْيَاكُمُ ثَلاَثٌ: النِّسَاءُ، وَالطِّيبُ، وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلاَةِ» (١) مع أنه لم يرد من أي طريق لفظ ثلاث لأن الصلاة ليست من الدنيا (٢). قال الزركشي عن هذا الحديث: «رواه النسائي والحاكم من حديث أنس بدون لفظ ثلاث» (٣). وَقَالَ السَّخَاوِيُّ: «لَمْ أَقِفْ [عَلَيْهِ (أي لفظ ثلاث)] إِلاَّ فِي مَوْضِعَيْنِ مِنَ "الإِحْيَاءِ "، وَفِي تَفْسِيرِ آلِ عِمْرَانَ مِنَ " الكَشَّافِ "، وَمَا رَأَيْتُهَا فِي شَيْءٍ مِنْ طُرُقِ هَذَا الْحَدِيثِ بَعْدَ مَزِيدِ التَّفْتِيشِ»، قَالَ (*): «وَزِيَادَتُهُ مُحِيلَةٌ لِلْمَعْنَى فَإِنَّ الصَّلاَةَ لَيْسَتْ مِنَ الدُّنْيَا». قال المُلاَّ علي القاري: «أَمَّا صِحَّتُهُ مِنْ جِهَةِ المَبْنَى فَقَدْ قَالَ السُّيُوطِيُّ فِي " تَخْرِيجِ أَحَاديِثِ الشِّفَاءِ ": " لَكِنَّ عِنْدَ أَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ: " كَانَ يُعْجِبُ [نَبِيَّ اللَّهِ] مِنَ الدُّنْيَا ثَلاَثَةُ أَشْيَاءَ: النِّسَاءُ وَالطِّيبُ وَالطَّعَامُ " (**) فَأصَابَ اثْنَتَيْنِ وَلَمْ يُصِبْ وَاحِدَةً أَصَابَ النِّسَاءَ وَالطِّيبَ وَلَمْ يُصِبِ الطَّعَامَ. قَالَ: إِسْنَادُهُ صَحِيحٌ إِلاَّ أَنَّ فِيهِ رَجُلاً لَمْ يُسَمَّ [قُلْتُ فَيَصِيرُ إِسْنَادُهُ حَسَنًا] (٣).

стр. 40

وذكر العجلوني في " كشف الخفاء " أن الحديث أخرجه الطبراني في " الأوسط " و " الصغير " والخطيب البغدادي في " تاريخ بغداد "، والحاكم والنسائي، وغيرهم بدون لفظ «مِنْ دُنْيَاكُمُ الطِّيبُ ثَلاَثٌ» وذلك لأن الصلاة ليست من الدنيا (١). بَتْرُ النُّصُوصِ: المِثَالُ الأَوَّلُ: «خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ»: هذا الحديث من الأحاديث التي يستدل بها محمود محمد طه كثيرًا ليلبس بها على الناس، ويؤكد لهم صحة مذهبه في تجسد الذات الإلهية، وهو دائمًا يذكر هذا الحديث ناقصًا ولا يذكره بتمامه، وإنما يقتصر على القدر الذي يظن أنه من شواهده كعادته المعروفة، وبذلك جعل سامعيه لا يعرفون المعنى الصحيح للحديث، وقد يكون فاته مرجع الضمير في قوله «عَلَى صُورَتِهِ». وتمام الحديث يُبَيِّنُ لنا فساد عقيدة محمود التي بناها على دليله المبتور. قال الإمام عبد الله بن الإمام أحمد بن حنبل حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ : «إِذَا ضَرَبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَجْتَنِبِ الوَجْهَ فَإِنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ» (٢). وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ

стр. 41

«لاَ يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ قَبَّحَ اللَّهُ وَجْهَكَ وَوَجْهَ مَنْ أَشْبَهَ وَجْهَكَ فَإِنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ» (١). ومعنى الحديث جد واضح، ومرجع الضمير ظاهر من ذكر سبب الحديث، وتوضيح المعنى كالآتي: يقول ﷺ : «إذا اراد أحدكم أن يضرب من يجوز له ضربه - ضَرْبَ تَأْدِيبٍ طَبْعًا - كالغلام والولد والزوجة فليتق الوجه ضربًا احترامًا بأبي البشر آدم لأن الله خلق وجه آدم مشبهًا لوجه هذا الإنسان، وهذا ما يسميه علماء البلاغة بالتشبيه المقلوب، إذ كان المفروض تشبيه وجه الفروع بوجه الأصل، ولكنه جعل وجه الفرع كالأصل تنفيرًا من ضربه» (٢). وعرض محمود من الاستدلال بهذا الجزء من الحديث بيان أن الإنسان الكامل هو أول مرحلة من مراحل التجسد وأن آدم فيه تجسيد لصفات الرب جميعها ظنًا منه أن الضمير في قوله ﷺ «عَلَى صُورَتِهِ» راجع إلى الله، وقد علمنا الآن عدم صحة هذا الفهم بمعرفتنا المعنى الصحيح للحديث. المثال الثاني: «أَخْوَفُ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمُ الشِّرْكُ الْخَفِيُّ»: يذكر محمود محمد طه هذا الجزء من الحديث في محاضراته دائمًا، ويهمل الباقي إهمالاً تَامًّا، ويسكت عنه عن قصد لأنه لا يتفق مع مراده «وهكذا يفعل كل مغرض وصاحب هوى مع

стр. 42

النصوص» (١). فالحديث بتمامه كالآتي: «إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمُ الشِّرْكُ الْخَفِيُّ» فسئل عنه فقال: هو الرياء. ولم يكتف محمود ببتر النص، بل يفسر ما استدل به على هواه، قال في تفسيره للجزء من الحديث الذي استدل به: «المراد بالشرك الخفي أن يرى الإنسان نفسه» وقد علمنا المعنى الصحيح للشرك الخفي من نفس الحديث (٢).

стр. 43

الفَصْلُ السَّابِعُ: جَعْلُ الجُمْهُورِيِّينَ لِلأَحَادِيثِ مَعْنَيَيْنِ: مَعْنَى قَرِيبًا وَمَعْنَى بَعِيدًا: جعل الجمهوريون للأحاديث معنيين معنى قريبًا ومعنى بعيدًا، المعنى البعيد هو المقصود لذاته، والمعنى القريب في معظم الأحيان وسيلة للمعنى البعيد، وذكروا أن الذي يفهم المعنى القريب دون البعيد فما فهم الأحاديث. المثال الأول: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي»: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «" صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي». قال محمود في كتابه " رسالة الصلاة ": «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي»!! هكذا أمر النبي في تبليغه رسالة ربه، فالصلاة معراج النبي بالأصالة ومعراج الأُمَّةِ بعده بالتبعية والتقليد .. وكلمة «رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» لها معنى بعيد، ومعنى قريب .. فأما المعنى البعيد فهو أن ترى بعين البصيرة حال قلب النبي من صدق التوجه حين يقوم لصلاته، وأما المعنى القريب فهو أن نرى بعين البصر حركات النبي الظاهرة في صلاته فنتفنها أيضًا .. فنحن بدون أن نراه بعين البصيرة وبعين البصر، وبعبارة أخرى بدون أن نعرف حال قلبه وحركات جسده لا نكون قد رأيناه .. وإذا صلينا بمحاكاة حركات الجسد، بدون محاكاة صدق توجه القلب لا نكون أطعنا

стр. 44

عبارته «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي»، وآفة صلاتنا الحاضرة أننا ذهلنا عن هذه الرؤية المزدوجة فأصبحنا نتقن حركات الصلاة ولكن قلوبنا شاردة، فنحن حين نقوم بأجسادنا في مساجدنا نكون بقلوبنا في السوق أو في الشارع .. ونحن حين نقول: «اللهُ أَكْبَرُ» في إحرامنا، يقول مناد من قبل الحق كذبتم لستم بها صادقين وإنما المال أكبر أو الجاه أكبر .. وبذلك لا تكون صلاتنا صلاة ويحق فينا قوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ، الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاَتِهِمْ سَاهُونَ، الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ، وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ (١)، سماهم المصلين، لأن حركاتهم حركات مُصَلٍّ، ثم قال فيهم إنهم عن صلاتهم ﴿سَاهُونَ﴾ يعني غافلون عن حقيقة صلاتهم وهي التي تقوم فيها الصلة بين الله وبينهم، وذلك بحضور قلوبهم فيها، ولذلك قال: ﴿الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ﴾ أي يهتمون بالظاهر ويهملون الباطن ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾، والماعون يعني القلب بمنعونه من الله أن يكون فيه، ويملأونه بأصنام حب الجاه وحب السلطة) (٢). فحديث: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» فيه أمران: أمر بالتقليد وأمر بالأصالة - في رأي الجمهوريين -. جاء في كتاب " رسالة الصلاة ": «فالنبي آتانا بلسان الشريعة - لسان المقال - أمرًا بالتقليد، وآتانا بلسان الحقيقة - لسان الحال - أمرًا بالأصالة» (٢). فمعنى الحديث - عند الجمهوريين -: أن النبي قد قال بلسان

стр. 45

العبارة «قَلِّدُونِي في صلاتي بإتقان وبتجويد حتى يفضي بكم تقليدي إلى أن تكونوا أصلاء مثلي أو كأنه قال: قلدوني بإتقان وبتجويد وبوعي تام إلى أن تبلغوا أن تقلدوني في أصالتي، غير أنه ليس في الأصالة تقليد» (١). وقد أخطأ الجمهوريون في هذه المسألة التي حاولوا أن تكون سَنَدًا لهم في الدعوة إلى الأصالة - ترك التقليد - أو ترك الصلاة الشرعية. وهذا الحديث الذي تحدث عنه الجمهوريون له معنى واحدًا، وفيه تنصيص على أن فعل الرَّسُولِ ﷺ مُبَيِّنٌ لأصحابه، فالبيان هو عبارة عن إظهار المراد، والمراد من هذا الحديث واضح وبين، وهو أن نصلي بالكيفية التي وضحها لنا الرَّسُولُ ﷺ . وإظهار المراد قد يكون بالفعل أبلغ منه بالقول (٢)، ولهذا السبب نرى أن محمودًا قد أخطأ في جعله للمتقن للصلاة الحركية وغير المدرك للمعنيين الذين تحدث عنهما من الذين هم عن صلاتهم ساهون، ومن الذين لا صلاة لهم، فالآيات التي استدل بها محمود لتأكيد مذهبه في هذه المسألة لها معنى يختلف عن المعنى الذي يتحدث عنه.

стр. 46

الفَصْلُ الثَّامِنُ: تَأْوِيلُ ظَاهِرِ الأَحَادِيثِ إِلِى تَأْوِيلاَتٍ لاَ تُعْقَلُ: يميل الجمهوريون إلى تأويل ظاهر الأحاديث إلى تأويلات لا تعقل، ومرادهم من ذلك - كما نرى - هو إبطال الشريعة، وقد ساروا في هذه المسألة على طريق الثنوية والدهرية والإباحية من المنكرين للنبوة والشرائع والحشر والجنة والنار والملائكة والربوبية. فيميل الجمهوريون إلى تأويل الأحاديث التي تتحدث عن رؤية الله في الآخرة، ويزعمون أن الله الذي يأتي يوم القيامة في ظلل من الغمام هو الإنسان الكامل. كما يميلون إلى تأويل الأحاديث التي تتحدث عن الصراط والميزان والمعراج. قال الجمهوريون: «وكل الأحاديث النبوية التي تتحدث عن رؤية الله يوم القيامة، وهي أحاديث كثيرة، إنما تتحدث عن مقام الاسم (١) وليس عن الذات المطلقة وذلك لأن القيامة زمان ومكان، والذات المطلقة لا يحويها الزمان والمكان .. ولأن الرؤية لا تكون إلا لمحدود، والذات المطلقة تتعالى أن تراها البصائر أو الأبصار» (٢).

стр. 47

الفَصْلُ التَّاسِعُ: القَوْلُ بِمَرْحَلِيَّةِ الأَحَادِيثِ النَّبَوِيَّةِ: يقول الجمهوريون بمرحلية السُنَّةِ النبوية عمومًا فَسُنَّةُ النَّبِيِّ ﷺ - عندهم - يجب اتباعها في مرحلة التقليد، فهي نقطة الانطلاق إلى سُنَّةِ اللهِ، فَسُنَّةُ النَّبِيِّ هي الحق الساعي لطلب الله بعد أن تسلك النفس الطريق من نقطة انطلاقها متمسكة بِالسُنَّةِ النَّبَوِيَّةِ - عند الجمهوريين - هي القاعدة التي جاءت من الله لتوصل العبد إلى سدرة منتهاه، حيث يجب على النَّبِيِّ عند - الجمهوريين - في تلك اللحظة أن يبتعد، ويخرج نفسه من بين العبد وربه، وعندها تكتمل عبودية الرَّسُولِ ﷺ ، ولا تكون له رائحة ربوبية على الواصل وعندها يصل السالك إلى سُنَّةِ اللهِ، وتصبح السُنَّةُ النَّبَوِيَّةُ مرحلة قد قطعها الواصل إلى الله. ولا يكتفي الجمهوريون بالقول بمرحلية السُنَّةِ النَّبَوِيَّةِ، بل يذهبون إلى القول بأن هناك عددًا من الأحاديث يجب عدم اتباعها حتى في مرحلة التقليد عندهم. وهذه الأحاديث بصفة عامة هي الأحاديث التي قالوا عنها أنها ليست من سُنَّةِ النَّبِيِّ ﷺ في خاصة نفسه.

стр. 48

أَمْثِلَةٌ مِنَ الأَحَادِيثِ التِي يَقُولُ الجُمْهُورِيُّونَ بِمَرْحَلِيَّتِهَا: من الأحاديث التي يوصي الجمهوريون أتباعهم بعدم اتباعها حتى مرحلة التقليد - التي يقولون بها -: [أ] جميع الأحاديث في كتب الصحاح عن الزكاة ذات المقادير، وتفصيل مقاديرها والأموال التي تجب فيها، ونصاب هذه الأموال، وزمن وجوبها (١). [ب] جميع الأحاديث التي تتحدث عن الميراث وتقسيمه، [المثال الأول: «لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمُ امْرَأَةً»]: ومن أمثلة الأحاديث التي قال الجمهوريون بمرحليتها حديث رَسُولِ اللهِ ﷺ : «لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمُ امْرَأَةً» (٢). ويذكر الجمهوريون هذا الحديث بلفظ: «مَا أَفْلَحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمْ امْرَأَةٌ» (*). وقالوا عنه في كتيباتهم المختلفة أنه حديث مرحلي، على المسلمين العمل به قبل مجيء أمة الجمهوريين، لأنه تابع لآية القوامة المعمول بها في الشريعة الإسلامية، التي تمنع المرأة من أن تَلِي أمر الرجال، وتجعل الرجل قَيِّمًا على المرأة. أما الشريعة الجمهورية فلا مكان فيها لهذا الحديث، فقد انتهى زمن العمل به لأن الدعوة الجمهورية تقول بمرحلية آية القوامة (٣).

стр. 49

ومما لا شك فيه أن حديث الجمهوريين عن مرحلية هذا الحديث وغيره هو امتداد لقولهم بمرحلية الشريعة، وهذا الحديث حديث صحيح والأمر فيه واضح وصريح مهما حاول الجمهوريون ألا يذكروه باللفظ المعروف حتى لا يكون فيه التحريم قاطعًا، فلقد نفى الرَّسُولُ ﷺ الفلاح عمن يرضون بحكم المرأة بهذا الحديث، الذي قاله - عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَلاَةِ وَالسَّلاَمُ - عندما سمع أن بوران بنت كسرى قد تولت الحكم بعد أبيها، والنفي في هذا الحديث وارد بكلمة لن، مما يؤكد أن هذا التحريم تحريم قاطع وأن هذا النفي نفي جازم فلن من صِيَغِ النفي التأبيدي (١). [المثال الثاني: «مَا رَأَيْتُ مِنْ نَاقِصَاتِ عَقْلٍ وَدِينٍ أَذْهَبَ لِلُبِّ الرَّجُلِ الحَازِمِ مِنْ إِحْدَاكُنَّ»]: «مَا رَأَيْتُ مِنْ نَاقِصَاتِ عَقْلٍ وَدِينٍ أَذْهَبَ لِلُبِّ الرَّجُلِ الحَازِمِ مِنْ إِحْدَاكُنَّ»، قُلْنَ: وَمَا نُقْصَانُ دِينِنَا وَعَقْلِنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «أَلَيْسَ شَهَادَةُ المَرْأَةِ مِثْلَ نِصْفِ شَهَادَةِ الرَّجُلِ؟» قُلْنَ: بَلَى، قَالَ: «فَذَلِكِ مِنْ نُقْصَانِ عَقْلِهَا، أَلَيْسَ إِذَا حَاضَتْ لَمْ تُصَلِّ وَلَمْ تَصُمْ» قُلْنَ: بَلَى، قَالَ: «فَذَلِكِ مِنْ نُقْصَانِ دِينِهَا» (٢). ذكر الجمهوريون في كتيبهم " المرأة والتدين " (٣) أن المرأة كانت ناقصة عقل ودين في الماضي، إلا أنها الآن في طريقها لتصبح مكتملة العقل والدين، فالسبب في نقصان عقلها ودينها في الماضي

стр. 50

هو قلة تجاربها في الحياة، وترجع قلة تجاربها - عند الجمهوريين - لحبس الرجل لها في البيت خوفًا على عِفَّتِهَا ولغيرته الشديدة عليها، كما أن الرجل كان المسيطر والقَيِّمُ على البيت، فالمرأة في الماضي كانت مملوكة ومحبوبة، أما الآن فقد زعم الجمهوريون أنه جاء زمن الحرية وتطورت المرأة وتطور عقلها بخروجها من المنزل واتجاهها للعمل والتعليم (١). ويرى الجمهوريون أن المرأة الآن في سبيلها للخلاص النهائي من نقصان عقلها ودينها، ولن يكون لها تمام كمال ذلك إلا باتباع عقيدتهم. وهذا الحديث في رأي الجمهوريين حديث مرحلي انتهى العمل به. والحديث الذي تحدث عنه الجمهوريون وقالوا بمرحليته حديث ثابت في كتب السنن إلا أن الجمهوريين لا يذكرونه كاملاً بل يكتفون بالجزء الأول منه، لأن باقي الحديث يفسر نقصان عقل المرأة ودينها. وما ذكره الجمهوريون عن مرحلية حديث رَسُولِ اللهِ ﷺ عن نقصان عقل المرأة ودينها هو ترديد لشبهة أثارها المغرضون من

стр. 51

المستشرقين وأتباعهم من أبناء المسلمين الجاهلين بدينهم (١). ولم يكتب الجمهوريون بترديد شبهة أعداء الإسلام، بل أضافوا إلى ذلك القول بمرحلية الحديث تمشيًا مع عقيدتهم القائلة بمرحلية الشريعة الإسلامية. والسبب الذي جعل الجمهوريين يقولون بمرحلية هذا الحديث - على حسب ما اعتقد - هو اتجاههم في عقيدتهم لمساواة المرأة والرجل المساواة التامة في الشهادة والقوامة والميرات وغير ذلك.

стр. 52

الفَصْلُ العَاشِرُ: رَفْضُ الجُمْهُورِيِّينَ العَمَلَ بِجُزْءٍ كَبِيرٍ مِنَ الأَحَادِيثِ النَّبَوِيَّةِ: يرفض الجمهوريون العمل بالكثير من الأحاديث النبوية الشريفة المتعلقة بمظاهر حياة الرَّسُولِ ﷺ كالأحاديث التي تتحدث عن كيفية أكله - عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَلاَةِ وَالسَّلاَمُ - والأحاديث التي تتحدث عن كيفية لباسه وشربه، بل سائر الأحاديث التي تتناول جوانب حياته ﷺ وكذلك الأحاديث التي تتحدث عن لباس المؤمنين وحدوده الشرعية المُبَيِّنَةِ له، وجميع الأحاديث التي تتعلق بجوانب حياتهم ما عدا الجوانب التعبدية، بحجة أنها ما دامت تتحدث عن الأكل أو الشرب أو اللباس فهي على أحسن الفروض تتحدث عن سُنَّةِ العَادَةِ، أو السُنَّةِ التي فعلها النَّبِيُّ ﷺ على سبيل الجبلة، أو تتحدث عن شريعة بَيَّنَهَا الرَّسُولُ ﷺ لأصحابه وأمرهم باتباعها، أو بَيَّنَ لهم استحبابها، فإن كانت الثانية فهذه شريعة - عند الجمهوريين - وليست سُنَّةً، وهذه متغيرة بتغير الظروف - عند الجمهوريين - وترك السُنَّةِ المتغيرة - في المذهب الجمهوري - يعتبر قربة دينية أكثر من فعلها، وفي سبيل بيان عقيدتهم في مسألة الأحاديث التي دلت على أشياء فعلها النَّبِيُّ ﷺ على وجه العادة والجبلة قسموا لاتباعهم السُنَّةَ إلى قسمين:

стр. 53

[أ] سُنَّةَ عَادَةٍ. [ب] سُنَّةَ عِبَادَةٍ. [أ] سُنَّةَ العَادَةِ: --------------- سنة العادة عند الجمهوريين تتغير بتغير الظروف التاريخية والاجتماعية والاقتصادية، وهي تسقط - عندهم - في حق أمتهم، بل تركها يعتبر قربة دينية أكثر من فعلها. ومن سنة العادة اللحية والعمامة والعصا والأضحية. [ب] سُنَّةَ العِبَادَةِ: ----------------- وأما سُنَّةُ العبادة التي يتمسكون بها في ليست تلك الأحاديث التي تتحدث عن الزكاة ذات المقادير المحدودة، أو صلاة التراويح أو سائر العبادات التي يتمسك بها المؤمنون، بل سُنَّة العبادة التي يقصدها الجمهوريون هي السُنَّةُ التي تتحدث عن قيام الليل وغيرها من العبادات التي كانت خاصة بِالنَّبِيِّ ﷺ فهذه هي السُنَّةُ، وهي في تعريف الجمهوريين «معاملة النبي لربه، وهي تثمر معاملة النبي للخلق، وهي تقوم ابتداء على كف الأذى عن الناس، ثم تحمل الأذى منهم ثم توصيل الخير إليهم» (١). أما الأحاديث التي تتحدث عن الزكاة ذات المقادير، وسائر العبادات التي تتبعها المؤمنون فهي في رأي الجمهوريين (شريعة) وبيان من الرَّسُولِ ﷺ للشريعة التي يجب أن يتبعها المؤمنون حتى يرتفعوا إلى مستوى (الإسلام) وهي إن اتبعها الجمهوري في

стр. 54

مرحلة (التقليد) تسقط عنه في مرحلة (الأصالة) وتصبح في حقه أحاديث مرحلية قد انتهى زمن العمل بها بمجرد وصوله إلى سدرة منتهاه كما تسقط عنه أيضًا سُنَّةُ العبادة الخاصة بالنبي ﷺ والتي يزعم الجمهوريون أنهم يحافظون عليها (١). ولنا عدة ملاحظات على حديث الجمهوريين وتقسيمهم لِسُنَّةِ النَّبِيِّ ﷺ إلى سُنَّةِ عَادَةٍ وَسُنَّةِ عِبَادَةٍ، فحديثهم في هذه الناحية خلط أريد به باطل، وينحصر الباطل الذي حواه حديثهم في نقاط أساسية: النقطة الأولى: إدخالهم لجزء كبير من السُنَّةِ العامة التي يتأسى فيها المؤمنون بِالرَّسُولِ ﷺ فِي السُنَّةِ التي فعلها الرَّسُولُ ﷺ على وجه العادة أو الجبلة تمهيدًا لرفضها .. فنحن نعلم أن من أفعال النَّبِيِّ ﷺ ما يصدر منه على وجه الجبلة أو العادة كالقيام أو القعود أو الاضطجاع أو الأكل أو الشرب أو اللبس ونعلم أن هذا الضرب ليس داخلاً فيما يطلب فيه التأسي وغاية ما يفيده فعله - ﵊ لمثل هذه الأشياء الإباحة، فلا يقال لتارك شيء منها أنه تارك لِلْسُنَّةِ (٢)، إلا أن الجمهوريين أخذوا هذه المسألة وتوسعوا فيها، وأدخلوا فيها أشياء ليست تابعة لها، ورفضوا بسببها كثيرًا من الأحاديث اعتمادًا عليها، فجعلوا مثلاً مسألة [اللباس] مسألة عامة، أي أنهم يرفضون

стр. 55

العمل بجميع الأحاديث التي تتحدث عن لبس الرَّسُولِ ﷺ ولبس المؤمنين وإن كانت أحاديث تنهى عن لبس نوع معين من الثياب أو المعادن كالذهب (١)، وهكذا في سائر المسائل. وأدخلوا هذه الأحاديث في سُنَّةِ العَادَةِ وجعلوها سُنَّةً متغيرة بتغير الزمان، وقالوا: إنها الآن ليست سُنَّةً لأن هذه بداية دورة جديدة من دورات الحياة ستنتقل فيها البشرية إلى مرحلة الإنسانية الكاملة. النقطة الثانية: بيان خطأ زعمهم أن تارك السُنَّةِ التي صدرت من الرَّسُولِ ﷺ على وجه الجبلة يثاب على ذلك .. زعم الجمهوريون أن ترك السُنَّةِ التي فعلها النَّبِيُّ ﷺ قربة دينية يثاب فاعلها، ولا شك أن هذه دعوة صريحة للابتعاد عن السُنَّةِ النَّبَوِيَّةِ، ومخالفة واضحة للمسلمين، وزعم باطل أريد به بيان أن الغاية من فعله ﷺ للأشياء التي صدرت منه على سبيل العادة ليست هي الإباحة، وأريد به بيان أن مخالفة النَّبِيِّ ﷺ مستحبة، وهم بذلك يمثلون صنفًا ثالثًا يمكن إضافته إلى أهل

стр. 56

الهوى وإخراجه من النوعين المتبعين لِسُنَّة النَّبِيِّ ﷺ . فالنوع الأول المتبع لِسُنَّة النَّبِيِّ ﷺ نوع اتبع الرَّسُولَ ﷺ في الأشياء التي صدرت عنه على وجه العادة والجبلة تأسيًا واتباعًا ورجاء لثواب الله فهذا يثاب على اتباعه، ومثاله فعل عبد الله بن عمر ﵁ فقد كان يتحرى متابعة الرَّسُولِ ﷺ في كل شيء حتى قيل أنه كان يتحرى أن يتبرز في المكان الذي تبرز فيه الرَّسُولُ ﷺ وقيل عنه أنه كان يستدير بناقته في الخلاء فيسأل عن ذلك، فيقول: «لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ اِسْتَدَارَ بِنَاقَتِهِ فِي هَذَا المَكَانِ فَفَعَلْتُهُ اِتِّبَاعًا» (١). أما النوع الثاني من المسلمين فهو نوع اتبع الرَّسُولَ ﷺ في كل أمره ما عدا بعض الأشياء التي فعلها على سبيل العادة والجبلة، ولم يترك هؤلاء - حتى هذا القليل - لعدم إيمانهم به، بل يؤمنون بأنه سُنَّةٌ، ويؤمنون بصدق الرَّسُولِ ﷺ في كل أمره، وإنما تركوا الاتباع في سُنَّةٍ فعلها الرَّسُولُ ﷺ على وجه الجبلة لضعف نفوسهم، كما قال الشافعي ﵁ عن نتف الإبط، ولكن نفسه لا تقوى على ذلك، فهذا النوع لا شيء عليه ولا يسمى تاركًا لِلْسُنَّةِ. أما الثالث فهو من صنف أهل الهوى، يحاولون استخدام السُنَّةِ لنشر باطلهم، ومن هذا النوع الجمهوريون، فقد دعوا إلى ترك السُنَّةِ التي صدرت من الرَّسُولِ ﷺ على وجه الجبلة، وقالوا إن

стр. 57

تركها قربة دينية أكثر من فعلها، ثم جعلوها مطية لنشر مذهبهم، فأدخلوا فيها كل ما يمس حياة المؤمنين. وقد أخطأ الجمهوريون في هذه المسألة وسعوا بها في الحقيقة إلى تحليل ما حَرَّمَهُ اللهُ ، فإن كان القول بأن تارك سُنَّةَ النَّبِيِّ ﷺ التي صدرت منه على وجه العادة يثاب قد بينا فساده، مع أن الغاية من فعله لهذه الأشياء الإباحة، فكيف بالقول الداعي إلى مخالفة الرَّسُولِ ﷺ يفعل ما نهى عنه وترك ما أمر بفعله بحجة أن الذي يتحدث عنه هو اللباس والأكل أو الشرب. والذي نخلص إليه في هذه المسألة أن على الإنسان المسلم أن يعرف حدود السُنَّةِ التي وردت عن الرَّسُولِ ﷺ على سبيل العادة أو الجبلة، ولا يدخل ما يدخله الجمهوريون، ثم عليه أن يعرف بعد ذلك أنه عليه ألا يعتمد ترك السُنَّةِ التي وردت من الرَّسُولِ ﷺ على سبيل العادة بل عليه - على الأقل - إن تركها أن يعترف بعجزه عن الاتباع في هذه المسألة وأن يعترف بالتقصير ولا يعتبر تركها قربة دينية، لأن غاية ما يفيده فعله ﷺ لمثل هذه الأشياء الإباحة، ولا تعني الإباحة أن يثاب تاركها ويعاقب فاعلها لأن ترك المباح لا يعتبر قربة دينية فالله لا يعبد إلا بما شرع.

стр. 58

الفَصْلُ الحَادِي عَشَرَ: إِدْخَالُ الجُمْهُورِيِّينَ لِجُزْءٍ كَبِيرٍ مِنَ السُنَّةِ النَّبَوِيَّةِ فِي البِدَعِ: يرى الجمهوريون أن السُنَّةَ هي ما داوم عليه النَّبِيِّ ﷺ من عمل في خاصة نفسه كصيام المواصلة، والبدعة هي ما جَدَّ من قول أو عمل على ما فعله الرَّسُولُ ﷺ في خاصة نفسه سواء أكان هذا الأمر في حياته أو في حياة صحابته، ولا شك أن الجمهوريين قد توسعوا في مسألة البدعة على حساب السُنَّةِ، وجعلوا جزءًا كبيرًا من السُنَّةِ بِدْعَةً - حسب تعريفهم - أي أنهم جعلوا قرار النَّبِيِّ ﷺ وأقواله ما عدا التي تتحدث عن حاله بدعة. وقد خالفوا بذلك المسلمين جميعهم فمن المعروف أن أقوال النَّبِيِّ ﷺ وأفعاله وتقريره سُنَّةً كما بَيَّنَّا في المباحث السابقة. كما أن الدين قد اكتمل بوفاة النَّبِيِّ ﷺ فما حدث في عهد النبوة لا يمكن أن يكون بدعة ما دام النَّبِيُّ ﷺ قد سمع به وأقره أو رآه وأقره. كما أن مذهب من يتوسع في البدعة من الفقهاء هو جعل ما أحدث بعد النبوة سواء أكان راجعًا إلى العبادات أو المعاملات بدعة، وجعل ما أحدث في عهد النبوة سُنَّةً (١).

стр. 59

وقد قسم الجمهوريون البدعة إلى قسمين: [أ] بدعة حسنة. [ب] بدعة سيئة. وقالوا إن البدع التي ابتدعها الناس كانت مُبَرَّرَةً يوم كانت طاقات المجتمع البشري جماعية وفردية عاجزة عن الإتيان والالتزام بِسُنَّةِ الرَّسُولِ ﷺ في خاصة نفسه «أما البشرية اليوم فلا ينهض بحل مشاكلها تشريع دون سُنَّةِ الرَّسُولِ في خاصة نفسه»، «فبشرية اليوم - في رأي الجمهوريين - لا يحتاج لبدع كصلاة التراويح، ولا اجتهادات في الدين كما حصل من عمر بن الخطاب ﵁ في حد الخمر، فقد كان الدافع - في رأي الجمهوريين - لاجتهاد عمر في الخمر ولابتداعه صلاة التراويح هو حقه في الوصاية، ولأن حكم الوقت دفعه إلى ذلك، فقد كان لاَ بُدَّ من حفظ الناس في دائرة الدين العامة، خاصة بعد أن بدأ الخط البياني للحالة الدينية في النزول من اللحظة التي التحق فيها النَّبِيُّ ﷺ بالرفيق الأعلى» (١). ويرى الجمهوريون أن اجتهادات عمر قد كانت لها حكمتها في ذلك الوقت، أما الآن فأصبحت لا حكمة لها لأنه قد أظل العالم بظهور فرقتهم عهد الحرية، وانتهى زمن الوصاية، واختلف منهاج البعث. ولا ندري كيف يجعل الجمهوريون ما حدث وتكرر حدوثه في

стр. 60

عهد النَّبِيِّ ﷺ بدعة مع أن لفظ السُنَّةِ مشتقة من التكرار. وكيف يعتبر الجمهوريون صلاة التراويح بدعة وحد الخمر بدعة، وقد صلى النَّبِيُّ ﷺ بأصحابه صلاة التراويح، والبدعة هي: «الأَمْرُ المُحْدَثُ عَلَى غَيْرِ مِثَالٍ مَحْمُودًا كَانَ الأَمْرُ أَوْ مَذْمُومًا» (١). فالبدعة هي كل ما لم يكن على عهد رَسُولِ اللهِ ﷺ وعهد أصحابه دينًا يعبد الله به أو يتقرب إليه من اعتقاد أو قول أو عمل.