← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 37592

موقف الجمهوريين من السنة النبوية

شوقي بشير

Полный текст (60 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

مَوْقِفُ الجُمْهُورِيِّينَ مِنَ السُنَّةِ النَّبَوِيَّةِ بقلم الدكتور: شوقي بشير عدد الأجزاء: ١. أعده للمكتبة الشاملة / توفيق بن محمد القريشي، غفر الله له ولوالديه. [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي].

стр. 2

﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا﴾ [مطبوعات رابطة العالم الإسلامي] دعوة الحق: سلسلة شهرية تصدر مع مطلع كل شهر عربي السنة السابعة - العدد ٧١ - صفر ١٤٠٨ هـ - سبتمبر ١٩٨٧ م. مَوْقِفُ الجُمْهُورِيِّينَ مِنَ السُنَّةِ النَّبَوِيَّةِ بقلم الدكتور: شوقي بشير

стр. 3

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 4

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مُقَدِّمَةٌ: إن أول نواة لفرقة الجمهوريين هم مجموعة من السودانيين الذين انتموا إلى الحزب الجمهوري الاشتراكي السوداني للمساهمة والاشتراك في الحياة السياسية قبل استقلال السودان. وكانت بداية نشأة الحزب الجمهوري الاشتراكي في أواخر أكتوبر ١٩٤٥ م بزعامة محمود محمد طه، وقد نشأ الحزب نتيجة لظروف معينة مشابهة للظروف التي أسهمت كثيرًا في ظهور الأحزاب السياسية في السودان، إلا أن الحزب الجمهوري كان حزبًا علمانيًّا بصورة واضحة. ومع أن اتجاه الحزب الجمهوري الاشتراكي كان واضحًا منذ البداية إلا أن زعيمه محمود حاول أن يصبغه بصبغة دينية حتى يجد سَنَدًا شَعْبِيًّا، وحتى يظل أعضاء الحزب تحت سيطرة زعيمهم. وبدأ الحزب الجمهوري في التحول إلى فرقة باطنية لها اتجاهها الباطني المخالف للإسلام في عام ١٩٥٢ م العام الذي أعلن فيه زعيمهم بأنه قد استقام له أمر نفسه وأصبح على مشارف الوصول للمعية بالذات الإلهية. وخرج من الحزب عدد من الرجال بعد قيام رئيس الحزب بتلطيخ الشعارات الإسلامية والسياسية العامة التي رفعها الحزب بمنهج الفكر الباطني، كما دخل في الحزب آخرون، وقد نجح محمود

стр. 5

في ملء فراغ أتباعه الفكري بفكره التلفيقي الذي جمعه من أفكار الفرق الباطنية في القديم والحديث ومن الفلسفات الإلحادية وقام على أصول فلسفية منها: (أ) مذهب وحدة الوجود. (ب) المعدوم هو عين الله بمعناه البعيد. (ج) عقائد النحل الباطنية في القديم والحديث. (د) عقيدة التجسد البهائية. (هـ) الفلسفة الوجودية. (و) الفلسفة الشيوعية. (ز) النظرية الداروينية. (ح) نظرية فرويد النفسية. وفرقة الجمهوريين تتخذ أساليب وَحِيَلاً لاستدراج مجموعة من المسلمين لاخراجهم عن الإسلام الذي عرفوه، وجعلهم أتباعًا للمذهب الجمهوري، لأن التصريح بحقيقة مذهبهم لا يجذب أحدًا من المسلمين. ولقد اعتمد الجمهوريون في معظم حيلهم وأساليبهم على الحيل والأساليب التي اعتمد عليها دعاة الباطنية خاصة في استخدامهم لِلْسُنَّةِ النَّبَوِيَّةِ. وفي هذا الكتاب سوف أُنَبِّهُ على المآخذ التي نراها في أسلوب الجمهوريين في استخدام السُنَّةِ النَّبَوِيَّةِ لكي تحذر وتتقى مع أن حصرها يصعب على الإنسان لأن طرق أهل الباطل متعددة وليست

стр. 6

واحدة وطريق أهل الحق واحد لا طريق غيره فالحق أمر ثابت في نفسه لا بغيره قول أهل الباطل فيه ومحاولاتهم لتفهيم الناس أنه ليس حقًا. وفيما يلي نبين موقف الجمهوريين وآراءهم بالنسبة لِلْسُنَّةِ ونناقشهم في ذلك. شوقي بشير المجيد جامعة أُمْ دُرْمَانْ الإسلامية.

стр. 7

الفَصْلُ الأَوَّلُ: زَعْمُ الجُمْهُورِيِّينَ بِأَنَّ السُنَّةَ هِيَ مَا هُمْ عَلَيْهَا اليَوْمَ: يرى الجمهوريون أنهم أتباع السُنَّةِ النَّبَوِيَّةِ وأنصارها اليوم، وما يَتَّبِعُهُ غيرهم من المسلمين ليس بِسُنَّةٍ - وإن كانت سنة قبل ظهور فرقتهم - فالسنة في رأيهم هم ما داوم عليه الرَّسُولُ ﷺ من عمل في خاصة نفسه، وإنها هي التي عليها هم اليوم في بداية طريقهم إلى الله - مرحلة التقليد - فهي - في رأيهم - الحق المنظور في طلب الحقيقة، والحقيقة عند الجمهوريين - هي سُنَّةُ الله - . ويرى الجمهوريون أن علماء الحديث والأصول قد أخطأوا في جعلهم سُنَّةَ النَّبِيِّ ﷺ هي عمله وقوله وإقراره بينما هي ليست كذلك. جاء في كتاب " الرسالة الثانية من الإسلام " ما يلي: «إن مما ألف الناس أن سُنَّةَ النَّبِيِّ هي قوله وإقراره وعمله، والحق أن هذا خطأ، فإن قول النبي وإقراره ليسا سُنَّةً (١)، وإنما هو شريعة، وأما عمله في خاصة نفسه فهو سُنَّةٌ ... ».

стр. 8

نعم هناك من قوله قول يلحق بالسنة وذلك القول الذي يَنِمُّ عن حال قلبه ... السُنَّةُ هي عمل النبي في خاصة نفسه والشريعة هي تنزل من مستوى عمله في خاصة نفسه إلى مستوى أمته، ليعلمهم فيما يطيقون وليكلفهم فيما يستطيعون، فالسنة هي نبوته والشريعة هي رسالته، وإنما في مضمار رسالته هذه قال: «نَحْنُ مَعَاشِرَ الأَنْبِيَاءِ أُمِرْنَا أَنْ نُخَاطِبَ النَّاسَ عَلَى قَدْرِ عُقُولِهِمْ» (١) فقول النَّبِيِّ ﷺ ليس بِسُنَّةٍ عند الجمهوريين إلا إذا كان يتحدث عن حال قلبه، فقوله هو شريعته المحمدية التي قال بها كَمُشَرِّعٍ لأمة الأصحاب، فالصحابي يُصَدِّقُهُ في هذه المسألة كما يُصَدِّقُ غيره من المُسْتَيْقِنِينَ، ويتبعه فيما يقول عن ربه وما يبلغ من أوامره ونواهيه (٢). ويستدل الجمهوريون في هذه المسألة بقول نسبوه إلى النَّبِيِّ ﷺ «حَالِي حَقِيقَةٌ وَعَمَلِي طَرِيقَةٌ وَقَوْلِي شَرِيعَةٌ» (٣). قال محمود محمد طه: «وأما قوله فمنه ما هو شريعة ومنه ما هو سُنَّةٌ ... فالقول المراد به إلى تعليم الأُمَّةِ وتنظيمها والتشريع لها فهو شريعة، مثال ذلك

стр. 9

حديث «كُنْتُ قَدْ نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ أَلاَ فَزُورُوهَا» (١). وأما القول العامي إلى تعليم الأُمَّةِ، والدال على حال قلب النبي من المعرفة بربه فهو السُنَّةُ ولا حق بها، مثال ذلك: «إن الله قد احتجب عن الأبصار .. وإن الملأ الأعلى ليطلبونه كما تطلبونه» هذا الحديث لاحق بِالسُنَّةِ في الحقيقة ينم عنها القول وينم عنها العمل، ولذلك «قلنا إن السُنَّةَ هي عمل النبي في خاصة نفسه» (٢). فَسُنَّةُ الرَّسُولِ ﷺ - عند الجمهوريين - هي عمله في خاصة نفسه، وهي الفكر، وهي حال قلب النبي في الحقيقة، وهي المسؤولية الفردية - الخاصة بالنبي - وهي حريته الفردية المطلقة التي تمتع بها بعد أن أصبح أصيلاً في سُنَّتِهِ التي لم يقلد فيها أحدًا من الأنبياء قبله. ويستدل الجمهوريون على قولهم بأن السُنَّةَ هي الفكر، وأنهم هم الذين يتبعونها في العبادة وَالسُنَّةِ التي يتبعونها هي التي تحارب أن تصبح العبادات عادات، فالعبادات وسائل كلفوا بها لتربية نفوسهم ومعرفتها بربها.

стр. 10

وَ «مَنْ عَرَفَ نَفْسَهُ فَقَدْ عَرَفَ رَبَّهُ» (١). وَالسُنَّةُ النَّبَوِيَّةُ التي يتبعها الجمهوريون يتبعونها في مرحلة التقليد، وبعدها يتمتعون بحريتهم الفردية المطلقة فليس في مرحلة الأصالة تقليد وإنما هو تأس (٢). وقد أخطأ الجمهوريون في زعمهم أن السُنَّةَ هي ما يتبعونه، فما يتبعونه ليس هو السُنَّةُ وإنما يتبعون ما شرعه لهم زعيمهم محمود محمد طه، الذي أمرهم بالتأسي بِالرَّسُولِ ﷺ واتخاذه قدوة فيما هو من خصائصه، بينما منعهم من اتباع السُنَّةِ الحقيقية بِحُجَّةِ أن السُنَّةَ الحقيقية ليست سُنَّةً، كما أخطأ الجمهوريون في فصلهم بين الشريعة وَالسُنَّةِ وزعمهم أن قول النَّبِيِّ ﷺ شريعة وأنه مُخَالِفٌ لِلْسُنَّةِ، وأن إقراره شريعة مُخَالِفٌ لِلْسُنَّةِ، فَالسُنَّةُ لغة هي الطريقة المتبعة. وشرعًا هي ما شرعه الرَّسُولُ ﷺ بإذن الله تعالى لأُمَّتِهِ من طرق وسبل الخير، وما انتدبها من الآداب والفضائل لتكمل وتسعد. «فإذا كان ما سَنَّهُ النَّبِيُّ قد أمر بالقيام به والتزامه فذلك من السُّنَنِ الواجبة التي لا يسع المسلم تركها، وإلا فهي من السُّنَنِ

стр. 11

المستحبة التي يثاب فاعلها ولا يعاقب تاركها» (١). فَالسُنَّةُ هي قول النَّبِيِّ ﷺ وفعله وتقريره فهو كما يسن بفعله يسن بقوله وتقريره. وقد أخطأ الجمهوريون في قولهم بأن إقرار النَّبِيِّ ﷺ ليس بِسُنَّةٍ، فإقرار النَّبِيِّ ﷺ سُنَّةٌ. فمن «مقتضى ما تقرر من عصمته ﷺ وأمانته في التبليغ أن لا يقر أحدًا على أمر غير مأذون فيه شرعًا، فيكون إقراره للأمر دليلاً على أنه لا حرج في فعله سواء شاهده بنفسه فسكت أو بلغه فلم ينكره وما لا حرج فيه يشمل الواجب والمندوب والمباح، فيحمل على أقل مراتبه وهو الجواز حتى يقول الدليل على الندب أو الوجوب» (٢). «ولا يدل الإقرار على جواز الفعل في حق من أَقَرَّهُ النَّبِيُّ ﷺ من أُمَّةِ أصحابه ومن معه حتى قيام فرقتهم، وأن عمومه لا يشمل من عاش في القرن العشرين وما بعده، وإنما يشمل فقد أُمَّة الأصحاب، فإقرار النَّبِيِّ ﷺ على جواز الفعل لا يدل على جوازه في حق من أقره النَّبِيُّ ﷺ ، " بل يكون الجواز حُكْمًا شاملاً لجميع المكلفين، أخذًا بالأصل الذي هو استواء الناس في أحكام الشريعة "» (٣).

стр. 12

كما أخطأ الجمهوريون في زعمهم أن قول الرَّسُولِ ﷺ ليس بِسُنَّةٍ، كما أن الحُجَّةَ التي اعتمدوا عليها في هذه المسألة ليست بِحُجَّةٍ فلا يعني القول بأن قول النَّبِيُّ ﷺ شريعة أنه ليس بِسُنَّةٍ أو أن النَّبِيُّ ﷺ لا يعمل بقوله إلا على سبيل التعليم لأمته، وأما أصحابه فيعملون به طَمَعًا في الارتفاع من مستوى رسالتهم المحمدية إلى الأحمدية، أو الارتفاع من سُنَّتِهِمْ التي يتبعونها إلى سُنَّةِ النَّبِيُّ في خاصة نفسه ثم إلى سُنَّةِ الله. فالحق أن قول النَّبِيُّ ﷺ الذي هو من سُنَّتِهِ المتعبد بها والتي شرعها الرَّسُُولُ ﷺ بإذن الله تعالى لأمته، واتبعته في ذلك، فقد شَرَّعَ الرَّسُُولُ ﷺ للمسلمين بأقواله وأفعاله وتقريره فقد حدثت حوادث وخصومات قضى فيها النَّبِيُّ ﷺ بالحديث لا بالقرآن (فكان قضاؤه تشريعًا) كما أن الرَّسُُولَ ﷺ قد بَيَّنَ كثيرًا من آيات القرآن الكريم بأقواله كبيانه للصلاة والزكاة وسائر العبادات. «فكل ما قاله النَّبِيُّ ﷺ أو فعله أو حدث أمامه واستحسنه كان تشريعًا» (١). ولا يعني كونه تشريعًا أنه ليس بِسُنَّةٍ كما ذهب إلى ذلك الجمهوريون. كما أخطأ الجمهوريون في زعمهم أن فعل النَّبِيِّ ﷺ ليس بِسُنَّةٍ إلا ما كان خالصًا به وأخطأوا في جعلهم هذه هي السُنَّةَ كما أخطأوا في حصرهم لِلْسُنَّةِ في عمل الرَّسُُولِ ﷺ في خاصة نفسه، فالأفعال التي يعلم المسلم أنها من اختصاص النَّبِيِّ ﷺ كالوصال في

стр. 13

الصوم أو الزيادة في النكاح على أربع ليست محلاً للتأسي ولا يجب على أحد أن يقتدي به فيما هو من خصائصه فقط (١). فكيف ينادي محمود محمد طه بجعل ما اختص به الرَّسُولُ ﷺ شريعة عامة لأتباعه في مرحلة التقليد ويسميها (شريعة النبوة) ومما لا شك فيه أن هذه مخالفة صريحة للإسلام والمسلمين، وإن حاول الجمهوريون في سبيل إرضاء عدد كبير من الناس التنازل عن اتِّبَاعِ النَّبِيِّ ﷺ في بعض المسائل الواضحة جِدًّا أنها من خصائصه، والتي تفيدهم التنازل عنها، فقد حرموا التعدد والزيادة في النكاح على أربع لإرضاء المرأة وكسبها لجانبهم، كما هربوا من صيام المواصلة بحجة أن الرَّسُولَ ﷺ قد فداهم كل التفدية، والحقيقة أن نفوسهم لا تطيق الصيام الذي يصومه المسلمون فكيف تطيق صيام المواصلة، وما ذهابهم إلى القول بأن الرَّسُولَ ﷺ فداهم كل التفدية إلا محاولة لفتح الباب للقول بسقوط الصيام. ولا ندري ماذا يقصد الجمهوريون بقوله إن السُنَّةَ هي الفكر، فكلمة فكر كلمة عامة عندما تطلق يُرَادُ بها الفكر الإغريقي والهندي والفارسي والعلماني الأوروبي، وغير ذلك من أنواع الفكر، أم أنهم يقصدون الفكر الإسلامي، وعلى العموم قد أخطأ الجمهوريون في هذه المسألة أيضًا لان الفكر فيما يبدو مرادف عندهم لِسُنَّةِ النَّبِيِّ ﷺ في خاصة نفسه، بينما الفكر هو محاولات علماء المسلمين العقلية لشرح الإسلام في مصادره الأصلية: القرآن

стр. 14

والسُنَّةُ الصحيحة ويشمل: (أ) استنباط الأحكام الدينية في صلة الإنسان بخالقه في العبادة. (ب) الدفاع عن العقيدة والرد العقائدي (١). فكيف يجعل محمود محمد طه الفكر الإسلامي الغني هو فكرهم الجمهوري بحجة أنهم هم الذي يَتَّبِعُونَ السُنَّةَ وأن السُنَّةَ هي الفكر، والذي نعرفه في هذا المجال أن سُنَّةَ النَّبِيِّ ﷺ هي الحكمة التي أنزلها الله على رسوله مع الكتاب والتي كانت أزواج النَّبِيِّ ﷺ يذكرنها في بيوتهن مع آيات الله (٢). قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَلاَ إِنِّي أُوتِيتُ الكِتَابَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ» (٣).

стр. 15

الفَصْلُ الثَّانِي: اِعْتِمَادُ الجُمْهُورِيِّينَ عَلَى الأَحَادِيثِ المَوْضُوعَةِ: لقد اعتمد الجمهوريون على الأحاديث الموضوعة فقد حفلت كتيباتهم بعدد كبير من الأحاديث الموضوعة و «التي لا أصل لها في الدين، والتي وضعت أساسًا واختلفت لدعم قضايا فرغ منها سلفًا، ثم بحث لها بعد ذلك عن السند الذي تقوم عليه، وقد قام بهذه المهمة في السابق فريق من الباطنيين والروافض والزنادقة الذين خرجوا بمقررات جديدة خالفوا فيها إجماع الأُمَّةِ ومعلومها من الدين بالضرورة، فلم يجدوا إلا أن يضعوا الحديث كذبًا على رَسُولِ اللهِ ﷺ وهو منه براء» (١). «وقد جاء في الحديث المتواتر عن النَّبِيِّ ﷺ : «مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ» (٢). وقال أبو محمد الجويني والد إمام الحرمين بتكفير كل من وضع على رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وقد هب علماء الحديث يدافعون عن مصدر الشريعة الثاني - بعد القرآن -

стр. 16

فوضعوا علم الجرح والتعديل ونصبوا الموازين الصارمة لقبول الرواية وتقويم الرواة .. ولم يتركوا ثغرة يأتي منها حديث ضعيف أو موضوع إلا ورصدوا لها من يقف عليها، وتعقبوا الأحاديث الموضوعة والضعيفة وَأَلَّفُوا فيها مجلدات كاملة .. كان من أروعها في القديم " اللآلئ المصنوعة " للإمام السيوطي. ولعل من أروعها في الحديث " سلسلة الألباني عن الأحاديث الضعيفة والموضوعة " (١). وقد اعتمد الجمهوريون في مذهبهم على عدد كبير من الأحاديث الموضوعة المكذوبة على رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وعلى عدد من الأحاديث الضعيفة من حيث السند والضعيفة من حيث المتن، وَبَنَوْا على كل ذلك بنيان عقيدتهم ومذهبهم، وجعلوا هذه الأحاديث أدلة يعتمدون عليها، مع أن الأحاديث المعروفة الكذب لا يسند إليها حكم ولا يعتمد عليها كدليل، كما أن الأحاديث الضعيفة الإسناد لا يغلب على الظن أن النَّبِيَّ ﷺ قالها فلا يمكن أن يسند إليها حكم أيضًا خاصة إذا عارض الحديث الضعيف السند أصلاً من أصول الشريعة (٢). كما أن الأحاديث الموضوعة والضعيفة في كتيبات الجمهوريين تبين لنا الأسس الواهية التي بنى عليها الجمهوريون مذهبهم، فالحقيقة الواضحة هي أن الدافع لاعتماد الأحاديث المكذوبة في المذهب الجمهوري هو الهوى والجهل وحرية زعيمهم الفردية المطلقة من كل قيد.

стр. 17

ويكفي أن نذكر عددًا من الأمثلة لتأكيد صحة ما نقول. [المثال الأول: «رَجَعْنَا مِنَ الجِهَادِ الأَصْغَرِ إِلَى الجِهَادِ الأَكْبَرِ». قِيلَ وَمَا الجِهَادُ الأَكْبَرُ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «جِهَادُ النَّفْسِ»]: حديث ضعيف من جهة السند. «رَجَعْنَا مِنَ الجِهَادِ الأَصْغَرِ إِلَى الجِهَادِ الأَكْبَرِ». قِيلَ وَمَا الجِهَادُ الأَكْبَرُ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «جِهَادُ النَّفْسِ» (١). هذا القول اعتمد عليه الجمهوريون في مذهبهم، وذكروا كثيرًا في كتيباتهم، كما ذكره محمود دائمًا في محاضراته، وقد بنى عليه الجمهوريون عقيدتهم في مسألة الهجرة التي يدعون إليها وفي مسألة ترك الجهاد. قال الجمهوريون: «وقد جاء في الأثر أن النَّبِيُّ ﷺ كان يرجع من إحدى الغزوات يقول: " رَجَعْنَا مِنَ الجِهَادِ الأَصْغَرِ إِلَى الجِهَادِ الأَكْبَرِ " ونحن الآن نستشرق علم الجهاد الأكبر بالحاجة له». ويستدل الجمهوريون بهذا القول على ضرورة الجهاد الأكبر وأهميته في العصر وحاجة الإنسان له، وعدم حاجته للجهاد الأصغر جهاد الكفار. قال الجمهوريون: «والمسلمون اليوم مواجهون حقًا بأمر الجهاد الأكبر ليغيروا أنفسهم وينهضوا من حال الضياع الذي نعيش فيه، لقد جاء في الأثر أن أحد الأصحاب سأل النَّبِيَّ الكرِيمَ: " مَتَى السَّاعَةَ

стр. 18

يَا رَسُولَ اللهِ؟ فَقَالَ: وَمَاذَا أَعْدَدْتَ لَهَا» وهذا هو الاتجاه الإيجابي الذي تُلْزِمُنَا به السُنَّةُ. (١). وهذا الحديث الذي يعتمد عليه الجمهوريون في بيان عقيدتهم في ترك الجهاد «قد ضعفه غير واحد من أهل العلم من حيث السند، وهو غير صحيح من حيث المعنى أيضًا، وكل من علم مكانة الجهاد في سبيل الله، وأجر من استشهدوا في سبيل إعلاء كلمة الله الذين هم ﴿أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩] يدرك تمامًا أن البون شاسع بين هذا الجهاد الذي هذه مكانته، وبين الجهاد الثاني الذي هو مخالفة الهوى، وحمل النفس على الطاعة، مع العلم أن من قام بجهاد الكفار، وخاض المعركة لإعلاء كلمة الله فقد جمع بين الجهادين والأمر واضح» (٢). قال المُلاَّ علي القاري في كتابه المعروف بـ " الموضوعات الكبرى ": «قال العسقلاني في " تسديد القوس ": " هو مشهور على الألسنة، وهو من كلام إبراهيم بن [أبي] عبلة (٣) في " الكنى " للنسائي "». قال المُلاَّ: «ذكر الحديث في " الإحياء " (ونسبه العراقي إلى البيهقي

стр. 19

من حديث جابر وقال: هذا إسناد ضعيف. وقال السيوطي: روى الخطيب في " تاريخه " من حديث جابر قَالَ قَدِمَ النَّبِيُّ ﵊ مِنْ غَزَاةٍ لَهُمْ، فَقَالَ ﵊ «قَدِمْتُمْ خَيْرَ مَقْدَمٍ وَقَدِمْتُمْ مِنَ الجِهَادِ الأَصْغَرِ إِلَى الجِهَادِ الأَكْبَرِ» قَالُوا: وَمَا الْجِهَادُ الأَكْبَرُ قَالَ: «مُجَاهَدَةُ الْعَبْدِ هَوَاهُ» (١). [المثال الثاني: «تَخَلَّقُوا بِأَخْلاَقِ اللهِ، إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ»]: حديث لا أصل له: «تَخَلَّقُوا بِأَخْلاَقِ اللهِ، إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ» (٢). هذا القول ذكره محمود محمد طه في كتيبه " رسائل ومقالات "، واستدل به على أنه إشارة من النَّبِيِّ ﷺ إلى أن العبادة هي محاولة لقطع المسافة التي تفصل بين الإنسان والرب، بين صفات النقص وصفات الكمل، وهي مسافة لا تقطع إلا بتقريب الصفات من الصفات، فالفرق بين الله والإنسان - عند محمود - هو أن صفات الله في جانب الكمال وصفات الإنسان في جانب النقص، والإنسان الكامل لا يستطيع تحقيق صفات الكمال، واستدلال محمود بهذا القول يهدف منه إلى بيان عقيدته في وحدة الوجود (٣) فأخلاق الله - في مذهبه - كامنة فينا، فالعلم المطلق كامن في قلوب الناس والغيب كامن في قلوب الناس ولا يحتاج الإنسان لأكثر من أن

стр. 20

يظهره، وإظهاره يكون بأدب الوقت. ولا شك أن هذه العقيدة فاسدة، واستدلال محمود بهذا القول خطأ، وبيان أن المراد «بالأخلاق الصفات قطعًا، فالله موصوف بالعظمة والكبرياء وأنه يُحْيِي وَيُمِيتُ، وهل يجوز للعبد أن يتصف بهذه الصفات؟ الجواب السليم: لا .. وقد يقول قائل هنا أليس العبد يوصف بالعلم والقدرة والحياة والوجود وهذه من صفات الله؟ الجواب أن يقال: إن علم الخالق تعالى غير علم المخلوق وكذلك قدرته وحياته ووجوده». فعلم المخلوق علم مخلوق مثله «يناسب حاله كان مسبوقًا بجهل، ويطرأ عليه النسيان ما أكثر ما نعلم شيئًا ثم ننساه فهو ناقص غير محيط بكل شيء؟ أما الرب فعلمه قديم - قِدَمَ ذَاتِهِ - غير مسبوق بجهل ولا يطرأ عليه نسيان ولا غفلة، وهو محيط بجميع المعلومات وهكذا يقال في سائر صفاته التي فيها الاشتراك في اللفظ كالكرم والرحمة والمحبة والعفو .. وهكذا نزول الشبهة». [المثال الثالث: «مَنْ عَمِلَ بِمَا يَعْلَمْ وَرَّثَهُ اللهُ عِلْمَ مَا لَمْ يَعْلَمْ»]: حديث موضوع. «مَنْ عَمِلَ بِمَا يَعْلَمْ وَرَّثَهُ اللهُ عِلْمَ مَا لَمْ يَعْلَمْ» (١). هذا القول ورد به الاستدلال كثيرًا في كتيبات الجمهوريين تدعيمًا لغلوهم في قضية الإلهام والعلم والمخاطبة الكفاحية وإمكانية تحصيل الإنسان للعلم الإلهي المطلق - الذي يزعم الجمهوريون أنه

стр. 21

مغروس في كل قلب ويمكن لأي إنسان أن يسعى في تحصيله وقد يحصله إذا عمل بما علم، وهذا القول - «مَنْ عَمِلَ بِمَا يَعْلَمْ وَرَّثَهُ اللهُ عِلْمَ مَا لَمْ يَعْلَمْ» - هو حديث موضوع أورده الشيخ الألباني في " سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة " تحت رقم [٤٢٢] وقد أخرجه أبو نعيم ثم قال: «ذكر أحمد بن حنبل هذا الكلام عن بعض التابعين عن عيسى ابن مريم ﵇ فوهم بعض الرواة أنه من ذكره عن النَّبِيِّ ﷺ ». [المثال الرابع: «كُنْتُ كَنْزًا لاَ أَعْرِفُ، فَأَحْبَبْتُ أَنْ أَعْرِفَ فَخَلَقْتُ خَلْقًا فَعَرَّفْتُهُمْ بِي، فَعَرَفُونِي»]: حديث موضوع: «كُنْتُ كَنْزًا لاَ أَعْرِفُ، فَأَحْبَبْتُ أَنْ أَعْرِفَ فَخَلَقْتُ خَلْقًا فَعَرَّفْتُهُمْ بِي، فَعَرَفُونِي». يستدل الجمهوريون بهذا القول دائمًا في حديثهم عن عقيدتهم القائلة بتجسد الذات الإلهية، وتنزلها في مراتب الوجود، بل هو عمدة مذهبهم في هذه المسألة، وهذا القول، ليس من كلام النَّبِيِّ ﷺ ، ولا يعرف له سند صحيح ولا ضعيف، قال شيخ الإسلام ابن تيمية أنه موضوع وتبعه الزركشي والعسقلاني (١). [المثال الخامس: «مَا وَسِعَنِي أَرْضِي وَلاَ سَمَائِي، وَلَكِنْ وَسِعَنِي قَلْبُ عَبْدِي الْمُؤْمِنِ»]: حديث لا أصل له: «مَا وَسِعَنِي أَرْضِي وَلاَ سَمَائِي، وَلَكِنْ وَسِعَنِي قَلْبُ عَبْدِي الْمُؤْمِنِ». يعتمد الجمهوريون على هذا القول في عقيدتهم القائلة بأن القلب بيت الرب، وأن جسد الإنسان الكامل كله قلب ولذلك

стр. 22

فهو بيت الرب. وهذا القول لا أصل له في كتب الحديث الست الصحاح. قال المُلاَّ علي القاري في كتابه المعروف بـ " الموضوعات الكبرى ": «ذكره في " الإحياء ". وقال العراقي: لم أر له أصلاً. وقال ابن تيمية: هو مذكور في الإسرائيليات وليس له إسناد معروف عن النَّبِيِّ ﷺ ، وفي " الذيل " وهو كما قال» (١). وقال العجلوني في " كشف الخفاء ": قال العراقي في تخريجه: لم أر له أصلاً، ثم أورد العجلوني كلام ابن تيمية في الحديث بأنه لا أصل له، بل هو في الإسرائيليات (٢). [المثال السادس: «القَلْبُ بَيْتُ الرَّبِّ»]: حديث موضوع: «القَلْبُ بَيْتُ الرَّبِّ». يعتمد الجمهوريون على هذا القول اعتمادًا كاملاً في بيان مذهبهم القائل بأن الإنسان الكامل هو الله - بمعناه القريب -، وهذا القول - «القَلْبُ بَيْتُ الرَّبِّ» - حديث موضوع، فقد نقل [ابن عراق] (*) عن ابن تيمية أنه حديث موضوع (٣). وقال السخاوي: ليس له أصل في المرفوع. وقال الزركشي: لا أصل له.

стр. 23

وقال ابن تيمية: هو موضوع. وفي " الذيل " هو كما قال (١)، وقال المُلاَّ علي القاري: لكن له معنى صحيح (٢). [المثال السابع: «مَنْ عَرَفَ نَفْسَهُ فَقَدْ عَرَفَ رَبَّهُ»]: حديث موضوع: «مَنْ عَرَفَ نَفْسَهُ فَقَدْ عَرَفَ رَبَّهُ». ذكر الجمهوريون هذا القول كثيرًا (٣)، واستدلوا به على أن الإنسان يعرف الله عن طريق معرفته لنفسه، ومعرفة النفس - عندهم - هي معرفة حقيقة أن الإنسان صاحب فردية متميزة لا يشبهه فيها أحد، فالتكرار ممتنع في توحيدهم، وبهذه المعرفة يتم للانسان - عند الجمهوريين - لقاء الله ومعرفة الله، ولا يتم لقاء الله في الزمان والمكان، وإنما يلقاه الإنسان في نفسه، فما وسعت الله السماء ولا الأرض وإنما يسعه قلب عبده المسلم - أو جسد الإنسان الكامل - وبلقاء الإنسان بربه يصل الإنسان حياته

стр. 24

بمصدرها فتتهيأ له أسباب الكمال وأسباب البقاء. قال المُلاَّ علي القاري (١) في كتابه المعروف بـ " الموضوعات الكبرى ": «مَنْ عَرَفَ نَفْسَهُ فَقَدْ عَرَفَ رَبَّهُ بِالعِلْمِ، وَمَنْ عَرَفَ نَفْسَهُ بِالفَنَاءِ فَقَدْ عَرَفَ نَفْسَهُ بِالبَقَاءِ، وَمَنْ عَرَفَ نَفْسَهُ بِالعَجْزِ وَالضَّعْفِ فَقَدْ عَرَفَ رَبَّهُ بِالقُدْرَةِ وَالقُوَّةِ ... » (٢). [المثال الثامن: «كُنْتُ نَبِيًّا وَآدَمُ بَيْنَ المَاءِ وَالطِّينِ»]: «كُنْتُ نَبِيًّا وَآدَمُ بَيْنَ المَاءِ وَالطِّينِ» يستدل الجمهوريون بهذا القول في حديثهم عن «الحقيقة المحمدية». قَالَ السَّخَاوِيُّ: لَمْ أَقِفْ عَلَيْهِ بِهَذَا اللَّفْظِ، فَضْلاً عَنْ زِيَادَةِ «وَكُنْتُ نَبِيًّا وَلاَ آدَمَ وَلاَ مَاءَ وَلاَ طِينَ». وقال الزركشي: «لا أصل له بهذا اللفظ» (٣). [المثال التاسع: «يَا دَاوُدُ إِنَّكَ تُرِيدُ وَأُرِيدُ وَيَكُونُ مَا أُرِيدُ، فَإِنْ سَلَّمْتَ لِمَا أُرِيدُ ... »]: حديث لا أصل له: «يَا دَاوُدُ إِنَّكَ تُرِيدُ وَأُرِيدُ وَيَكُونُ مَا أُرِيدُ، فَإِنْ سَلَّمْتَ لِمَا

стр. 25

أُرِيدُ كَفَيْتُكَ مَا تُرِيدُ، وَإِنْ لَمْ تُسَلِّمْ لِمَا أُرِيدُ أَتْعَبْتُكَ فِيمَا تُرِيدُ، ثُمَّ لاَ يَكُونُ إِلاَّ مَا أُرِيدُ». يعتمد الجمهوريون على هذا الحديث اعتمادًا كاملاً في حديثهمه عن الإرادة، وأن المريد واحد والإرادة واحدة، وكل ما عدا ذلك وَهْمٌ تمليه الممارسة الجمهورية وتجارب الأنبياء السابقين خاصة داود ﵇ وقد استدل به (الجمهوري) صلاح محمد عثمان في تقديمه لقصيدة (١) عبد الغني النابلسي التي أنشدها المنشد الجمهوري علي موسى في جلسة الإنشاد الجمهوري التي عقدت بمنزل محمود محمد طه بمدينة المهدية - أم درمان - في الساعة الثامنة إلا رُبْعًا من مساء يوم الأربعاء الثاني من جمادى الأولى عام ١٣٩٧ م. ويرى الجمهوريون أن معنى الحديث يُبَيِّنُ أن داود ﵇ قد تبين له ذَوْقًا وَيَقِينًا أن إرادته المتوهمة هي إرادة الله، وأنه ليس له إرادة منفصلة، فأسلم إرادته المتوهمة لإرادة الله. وقد ذكر الشيخ محمد نجيب المطيعي - رئيس قسم السُنَّةِ بجامعة أم درمان الإسلامية سابقًا - أن هذا الحديث ليس له أصل في الأحاديث القدسية (٢).

стр. 26

[المثال العاشر: «الدِّينُ المُعَامَلَةُ»]: «الدِّينُ المُعَامَلَةُ» (١) قال الشيخ محمد نجيب (٢) المطيعي: «لاَ أَصْلَ لَهُ». [المثال الحادي عشر: «سُوءُ الخُلُقِ ذَنْبٌ لاَ يُغْتَفَرُ وَسُوءُ الظَنِّ خَطِيئَةٌ تَفُوحُ»]: «سُوءُ الخُلُقِ ذَنْبٌ لاَ يُغْتَفَرُ وَسُوءُ الظَنِّ خَطِيئَةٌ تَفُوحُ» ذكر الشيخ محمد نجيب المطيعي أن هذا القول ليس من كلام النَّبِيِّ ﷺ ، وَرَجَّحَ أن يكون من نسيج محمود محمد طه. [المثال الثاني عشر: «نِيَّةُ المَرْءِ خَيْرٌ مِنْ عَمَلِهِ»]: حديث إسناده ضعيف. «نِيَّةُ المَرْءِ خَيْرٌ مِنْ عَمَلِهِ». قال السخاوي: «قال البيهقي: إسناده ضعيف» (٣). قال الشيخ محمد نجيب المطيعي: «في إسناد هذا الحديث يونس بن عطية وهو متروك الحديث لكذبه» (٤). وقد أورد السخاوي بعض الأحاديث التي تقوي الحديث (٥).

стр. 27

[المثال الثالث عشر: «يَا عِيسَى عِظْ نَفْسَكَ فَإِنْ اِتَّعَظْتَ فَعِظْ النَّاسَ وَإِلاَّ فَاسْتِحِي مِنِّي»]: «يَا عِيسَى عِظْ نَفْسَكَ فَإِنْ اِتَّعَظْتَ فَعِظْ [النَّاسَ] (*) وَإِلاَّ فَاسْتِحِي مِنِّي» قال الشيخ محمد نجيب المطيعي: «لاَ أَصْلَ لَهُ». [المثال الرابع عشر: «لاَ يَعْرِفُ اللهَ إلاَّ اللهُ وَلاَ يَدْخُلُ فِي مُلْكِهِ إِلاَّ مَا يُرِيدُ»]: «لاَ يَعْرِفُ اللهَ إلاَّ اللهُ وَلاَ يَدْخُلُ فِي مُلْكِهِ إِلاَّ مَا يُرِيدُ» قال الشيخ محمد نجيب: «لاَ أَصْلَ لَهُ». [المثال الخامس عشر: «مَنْ آمَنَ فَقَدْ آمَنَ بِقَضَاءٍ وَقَدَرٍ وَمَنْ كَفَرَ فَقَدْ كَفَرَ بِقَضَاءٍ وَقَدَرٍ»]: «مَنْ آمَنَ فَقَدْ آمَنَ بِقَضَاءٍ وَقَدَرٍ وَمَنْ كَفَرَ فَقَدْ كَفَرَ بِقَضَاءٍ وَقَدَرٍ». قال المطيعي: «لاَ أَصْلَ لَهُ» (١). [المثال السادس عشر: «كُلُّ مَا يَخْطُرُ بِبَالِكَ فَاللهُ بِخِلاَفِ ذَلِكَ»]: «كُلُّ مَا يَخْطُرُ بِبَالِكَ فَاللهُ بِخِلاَفِ ذَلِكَ». قال المطيعي: «لاَ أَصْلَ لَهُ». [المثال السابع عشر: «لَيْلَةَ عُرِجَ بِي اِنْتَسَخَ بَصَرِي فِي بَصِيرَتِي»]: «لَيْلَةَ عُرِجَ بِي اِنْتَسَخَ بَصَرِي فِي بَصِيرَتِي». وهذا الحديث موضوع ومنكر (٢) وقد ورد كثيرًا في كتيبات الفكر الجمهوري وينسبونه إلى النَّبِيِّ ﷺ ويقولون: إنه حَدَّثَ بِهِ ليلة معراجه ﷺ .

стр. 28

ويقول النص الذي أورده: «لَيْلَةَ عُرِجَ بِي اِنْتَسَخَ بَصَرِي فِي بَصِيرَتِي، فَرَأَيْتُ اللهَ! رَأَيْتُهُ فِي صُورَةِ شَابٍّ أَمْرَدَ فَوَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى كَتِفِي، فَشَعُرْتُ بِبُرُودَتِهَا عَلَى ثَدْيِي، فَقَالَ: " يَا مُحَمَّدُ: أَلاَ تَرَى فِيمَا يَخْتَصِمُ المَلأُ الأَعْلَى؟ " قُلْتُ: " أَنْتَ رَبِّي أَعْلَمُ، فَعَلَّمَنِي عِلْمَ الأَوَائِلِ وَالأَوَاخِرِ وَأُوتِيتُ ثَلاَثَ عُلُومٍ: عِلْمًا أُمِرْتُ بِتَبْلِيغِهِ، وَعِلْمًا خُيِّرْتُ فِي تَبْلِيغِهِ، وَعِلْمًا نُهِيتُ عَنْ تَبْلِيغِهِ، لأَنَّهُ يَعْلَمُ أَنَّهُ لاَ يُطِيقُهُ أَحَدٌ غَيْرِي». «وعلى هذا الحديث الموضوع بُنِيَتْ إحدى قضايا العقيدة الجمهورية الداخلية، وهي عقيدة أن محمود إنما هو ذلك الرجل الأمرد بعينه .. ولذلك فهو أمرد .. رغم أنه تجاوز عهود الشباب .. وتقدم كثيرًا في السن» (١). ولذلك أيضًا جعلوا الأحاديث التي تتحدث عن اللحية أحاديث عادة غير مطالب بها الجمهوريون. وهناك قصة طريفة ختم بها الأستا> محمد وقيع الله مبحثًا في بحثه المخطوط عن الجمهوريين نختم به حديثنا عن المأخذ الثاني، وهي قصة الأخ (محمد عثمان محجوب) مع محمود طه (ذهب الأخ محمد عثمان محجوب إلى محمود محمد طه في داره يحمل جهازًا للتسجيل، ليحصي خبر هذه الواقعة وَيُوَثِّقَهَا. فسأل محمد (محمود) بدقة قائلاً:

стр. 29

«عليكم آخر الزمان رجل ينسخ المحكوم، ويحكم المنسوخ، ويأخذ من الله كفاحًا فاحذروه». ما رأيكم في هذا الحديث؟ فقال محمود: «هَذَا حَدِيثٌ أَدَرْتُهُ عَلَى عَقْلِي»، وهو لا ينكره. فأكذ له عند ذلك الأخ (محمد عثمان محجوب) أن هذا النص الذي قدمه ليس حديثًا وإنما هو من تأليفه هو، وضعه ليتأكد من قضية أخذ الجمهوريين للحديث أخذ حاطب ليل وقضية استعدادهم للوضع وتقبل الوضع. «والناحية المهمة التي لم يفطن لها محمود في هذا النص .. هي الناحية اللغوية، وهي كفيلة بأن تكون دليلاً حاسمًا على فساد الذوق وأهلية الاجتهاد في الدين عند زعيم الجمهوريين، فكيف يقبل نصًا مثل هذا على أنه حديث شريف، وفيه خطأ لغوي تعبيري، تمثل في كلمة (محكوم) والتي وضعها الأخ محمد عثمان هكذا لمزيد من الاختبار والتوريط، وليس هنالك ما يُسَمَّى (المحكوم) في الحديث ولا في القرآن وإنما هنالك المُحْكَمَ وحسب» (١).

стр. 30

الفَصْلُ الثَّالِثُ: ذِكْرُ بَعْضِ أَقْوَالِ الصُّوفِيَّةِ عَلَى أَسَاسِ أَنَّهَا أَحَادِيثٌ قَالَهَا الرَّسُولُ ﷺ -: المثال الأول: «تَفَكُّرُ سَاعَةٍ خَيْرٌ مِنْ عِبَادَةِ سَنَةٍ» . يعتمد الجمهوريون على هذا القول كثيرًا، ويزعمون أنه حديث رَسُولِ اللهِ ﷺ ، بل هو من كلام بعض الزهاد. قال المُلاَّ علي القاري في كتابه " الموضوعات الكبرى ": «ذَكَرَهُ الْفَاكَهَانِيُّ بِلَفْظِ (فِكْرُ سَاعَةٍ) وَقَالَ إِنَّهُ مِنْ كَلاَمِ السَّرِيِّ السَّقَطِيِّ» (١). المثال الثاني: [«مُوتُوا قَبْلَ أَنْ تَمُوتُوا»] (*). ومن كلام الصوفية الذي يعتبره محمود حديثًا قال النَّبِيُّ ﷺ «مُوتُوا قَبْلَ أَنْ تَمُوتُوا».

стр. 31

وهذا الكلام ليس بحديث، قال المُلاَّ علي القاري في كتابه " الأسرار المرفوعة في الأخبار الموضوعة " المعروف بـ " الموضوعات الكبرى " (١): «قَالَ الْعَسْقَلاَنِيُّ: " إِنَّهُ غَيْرُ ثَابِتٍ "». وقال المُلاَّ علي القاري: «[قُلْتُ] هُوَ مِنْ كَلاَمِ الصُّوفِيَّةِ، وَالْمَعْنَى مُوتُوا اخْتِيَارًا قَبْلَ أَنْ تَمُوتُوا اضْطِرَارًا. الْمُرَادُ بِالْمَوْتِ الاخْتِيَارِي تَرْكُ الشَّهَوَاتِ وَاللَّهَوَاتِ، وَمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا مِنَ الزَّلاَّتِ وَالغَفَلاَتِ». المثال الثالث: «النَّاسُ نِيَامٌ فَإِذَا مَاتُوا انْتَبَهُوا» . قال العجلوني في " كشف الخفاء " (٢): «هُوَ مِنْ قَوْلِ عَلِيٍّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ». المثال الرابع: «حَسَنَاتُ الأَبْرَارِ سَيِّئَاتُ الْمُقَرَّبِينَ» . قال العجلوني: «الحَدِيثُ مِنْ كَلاَمِ أَبِي سَعِيدٍ الْخَرَّازِ ... وَهُوَ مِنْ كِبَارِ الصُّوفِيَّةِ» (٣). المثال الخامس: «قَوْلِي شَرِِيعَةٌ وَعَمَلِي طَرِيقَةٌ وَحَالِي حَقِيقَةٌ» (٤).

стр. 32

قال محمد نجيب المطيعي: «من وضع بعض الصوفية وليس له أصل من حديث النَّبِيِّ ﷺ » (١). المثال السادس: «عَلاَمَةُ الإِذْنِ التَّيْسِيرُ» . يعتمد الجمهوريون على هذا القول كثيرًا في زعمهم بأن دعوتهم هي الحق وأن علامة ذلك تيسير وصولها إلى الناس، ويشيرون أحيانًا إلى أنه كلام الصوفية، ولا يشيرون في معظم الأحيان إلى مصدره، حتى ظن البعض أنه من أحاديث رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وهذا القول ليس بحديث لِرَسُولِ اللهِ ﷺ فهو لا أصل له. قال المُلاَّ علي القاري في كتابه " الموضوعات الكبرى ": «لاَ أَصْلَ لَهُ». وقد يأتي بلفظ: «عَلاَمَةُ الإِجَازَةِ تَيْسِيرُ الأُمُورِ». وأيضًا «لاَ أَصْلَ لَهُ» (٢).

стр. 33

الفَصْلُ الرَّابِعُ: رَدُّ الجُمْهُورِيِّينَ لِلأَحَادِيثِ التِي لاَ تُوَافِقُ أَغْرَاضَهُمْ وَمَذْهَبَهُمْ: يَرُدُّ الجمهوريون الأحاديث التي لا توافق أغراضهم ومذهبهم بحجة أنها غير موافقة للمعقول، وأنه يمكن إعادة النظر فيها، والقول فيها بالرأي كأحاديث المعراج ولذلك دافعت (الجمهورية) بقول مختار في رسالتها (لا يا رئيس القضاء) عن ذلك الذي تحدث عن الإسراء والمعراج بعقله، وذكرت أن له الحق في التفكير في أحاديث المعراج بعقله فليس في الدين حكرًا لرجال الدين. ومذهب الجمهوريين في أحاديث المعراج مذهب من لا يؤمن بالنقل، ويعرض حتى معجزة النَّبِيِّ ﷺ - الإسراء والمعراج - على ضوء عقله، ويرفض الأحاديث المتعلقة بها لأن مذهبه لا يتصور أن هنالك رَبًّا بيده الأمر والنهي، وهو الذي خلق هذا الكون وما مُحَمَّدٌ ﷺ إلا رسول من رسله. قال الجمهوريون: «والأحاديث التي تتحدث عن رؤية النبي للهِ في المعراج - سواء كانت هذه الرؤية بالبصر أو الفؤاد - هي جميعها تتحدث عن مقام الاسم (١) وليس عن الذات المطلقة» (٢).

стр. 34

والقول في كتاب الله وَسُنَّةَ رَسُولِ اللهِ ﷺ بالرأي منهي عنه، وقد كان صحابة رَسُولِ اللهِ ﷺ يخافون من أن يقول أحدهم قولاً مخالفًا للكتاب أو السُنَّةِ. قال عَلِيُّ ﵁: «لَوْ كَانَ الدِّينُ بِالرَّأْي لَكَانَ بَاطِنُ الخُفَّيْنِ أَحَقُّ بِالمَسْحِ مِنْ ظَاهِرِهِمَا» (١). وقال أبو بكر ﵁: «أَيُّ سَمَاءٍ تُظِلُّنِي، وَأَيُّ أَرْضٍ تُقِلُّنِي إِذَا قُلْتُ فِي كِتَابِ اللَّهِ بِرَأْيٍ» (٢).

стр. 35

الفَصْلُ الخَامِسُ: عَدَمُ الاِعْتِمَادِ عَلَى السُنَّةِ فِي فَهْمِ القُرْآنِ: يعتمد الجمهوريون في فهمهم للأحاديث النبوية وللآيات القرآنية على فهم زعيمهم محمود لها، مع أنهم لا يعرفون العربية كما يفهمها الصحابة - رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِمْ - ومن سار على دربهم من علماء القرآن وعلوم الحديث، كما أنهم لا يعتمدون على السُنَّةِ في فهم القرآن الكريم، ولا يعتبرونها مُفَصِّلَة وَمُبَيِّنَة وَمُوَضِّحَة له، بل يعتمدون على ما استحسنه عقل شيخهم حتى إنهم لم يعترضوا على حديثه عن انتقال التحريم من الأعيان المحسوسة إلى صور السلوك المعنوية اعتمادًا على تفسير شيخهم للآيات القرآنية - كما نرى -. ومن أمثلة ذلك تفسير محمود لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ (١). وسبب اعتمادهم على فهم زعيمهم هو حسن ظنهم به واعتقاد الجاهلين من أتباعه أنه أهل الاجتهاد والمعرفة والعلم، واعتقاد الغُلاَةِ منهم أنه من الواصلين ومن المحصلين للعلم الإلهي. ولو أنهم اتبعوا السُنَّةَ واعتمدوا عليها في بيان الآيات القرآنية وتفسيرها لما وقعوا فيما وقعوا فيه.

стр. 36

فهم في هذه الناحية رَادُّونَ لِلْسُنَّةِ معتمدون على المعنى الذي تبادر إلى أذهانهم من الآية (١)، وفي هؤلاء الجمهوريين وأمثالهم من الرَادِّينَ لِلْسُنَّةِ بأي حُجَّةٍ، قال رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لاَ أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ مُتَّكِئًا عَلَى أَرِيكَتِهِ، يَأْتِيهِ الأَمْرُ مِنْ أَمْرِي، مِمَّا أَمَرْتُ بِهِ أَوْ نَهَيْتُ عَنْهُ فَيَقُولُ: لاَ أَدْرِي، مَا وَجَدْنَا فِى كِتَابِ اللَّهِ اتَّبَعْنَاهُ».

стр. 37

الفَصْلُ السَّادِسُ: بَتْرُ النُّصُوصِ: يبتر الجمهوريون الأحاديث النبوية للإيهام ولا يذكرونها كاملة، خاصة إذا رأوا أن الجزء المبتور [يُبَيِّنُ] فساد عقيدتهم، أو يُشَوِّهُ صورتها أو يؤكد بعدها عن الدين، ولذلك يحرصون دائمًا على ذكر الجزء من الحديث الذي يوافق هواهم، ومما لا شك فيه أن هذا إهمال لأحاديث رَسُولِ اللهِ ﷺ والغرض من ذلك - البتر - جعل السامع يظن صحة الأدلة التي استدل بها باتر النصوص مع ما في الجزء المبتور من بيان لفساد عقيدته، كما أن بتر النص قد يُعْطِي معنى مخالفًا لما يعطيه الحديث بأكمله، بل يدفع ذلك بصاحبه إلى الكفر، ولذلك نبهنا أكثر من واحد من سلف هذه الأمة إلى عدم بتر النصوص حتى في الكلام العادي وها هو الإمام أبو الحسن الأشعري في كتابه " اللمع في الرد على أهل الزيغ والبدع " قد نبهنا إلى أنه يجب ألا نبتر الكلام، وهو على حق في التنبيه، فنصف الجملة قد يُعْطِي معنى مخالفًا لما تعطيه الجملة بأكملها، ونستدل لبيان أن نصف الجملة قد يدفع بصاحبه للكفر إن اعتقده بجمل استخدمها الأشعري في حُجَجِهِ التي ساقها في بيان هل قضى الله المعاصي وقدرها. قال الأشعري: «إِنَّ الكُفْرَ بَاطِلٌ وَالكُفْرُ قَضَاءِ اللهِ تَعَالَى

стр. 38

بِمَعْنَى أَنَّهُ خَلْقُ اللهِ وَلاَ [تَقُولُ] قَضَاءُ اللهِ بَاطِلٌ لأَنَّهُ يُوهِمُ أَنْ لاَ حَقِيقَةَ لِقَضِاءِ اللهِ تَعَالَى. وَهَذَا كَمَا نَقُولُ الكَافِرُ مُؤْمِنٌ بِالجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ، وَلاَ نَقُولُ: مُؤْمِنٌ وَنَسْكُتَ لِمَا فِيهِ مِنَ [الإِبْهَامِ]. وَنَقُولُ: إِنَّ النَّبِيُّ ﷺ لَكَافِرٌ بِالجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ، وَلاَ نَقُولُ " لَكَافِرٌ " وَنَسْكُتَ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنَ الإِبْهَامِ» (١). ولأهمية ذكر الأحاديث كاملة دون بتر جزء منها اهتم علماء الحديث بالحفظ، واحتاطوا في الأخذ عمن يأتيه الخطأ من جهة الحفظ ناهيك عن المتروكين من الذين يبترون النصوص عن قصد، بل اهتموا بالحديث الذي تذكر في بعض رواياته زيادة، واحتاطوا في هذه المسألة، لأن إهمال الزيادة الواردة في رواية من الروايات، وفيها معنى زائد يحتاجه المسلم إهمال لحديث النَّبِيُّ ﷺ «لأَنَّ المَعْنَى الزَّائِدَ فِي الحَدِيثِ المُحْتَاجَ إِلَيْهِ يَقُومُ مَقَامَ حَدِيثٍ تَامٍّ» (٢) ولذلك نرى أئمة الحديث كالإمام مسلم يعيد الحديث الذي فيه زيادة، ويميل في معظم الأحيان إلى إعادة الحديث الذي فيه زيادة في بعض رواياته بهيئته لأن ذلك أسلم (٢). وفي الوقت نفسه نجد أن الجمهوريين يميلون إلى بتر النصوص، لأن الحديث المبتور يُعْطِي معنى يتفق مع هواهم كما نجدهم أيضًا يميلون إلى زيادة ألفاظ - من عندهم - لبعض الأحاديث

стр. 39

الصحيحة، مع ما في زيادتهم من تغيير للمعنى. ومن هذه الأحاديث التي زاد لها محمود بعض الألفاظ حديث: «حُبِّبَ إِلَيَّ مِنْ دُنْيَاكُمُ الطِّيبُ وَالنِّسَاءُ، وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلاَةِ» فقد زاد كلمة (ثَلاَثٍ) إلى الحديث وأصبح يستدل به بهذا اللفظ «حُبِّبَ إِلَيَّ مِنْ دُنْيَاكُمُ ثَلاَثٌ: النِّسَاءُ، وَالطِّيبُ، وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلاَةِ» (١) مع أنه لم يرد من أي طريق لفظ ثلاث لأن الصلاة ليست من الدنيا (٢). قال الزركشي عن هذا الحديث: «رواه النسائي والحاكم من حديث أنس بدون لفظ ثلاث» (٣). وَقَالَ السَّخَاوِيُّ: «لَمْ أَقِفْ [عَلَيْهِ (أي لفظ ثلاث)] إِلاَّ فِي مَوْضِعَيْنِ مِنَ "الإِحْيَاءِ "، وَفِي تَفْسِيرِ آلِ عِمْرَانَ مِنَ " الكَشَّافِ "، وَمَا رَأَيْتُهَا فِي شَيْءٍ مِنْ طُرُقِ هَذَا الْحَدِيثِ بَعْدَ مَزِيدِ التَّفْتِيشِ»، قَالَ (*): «وَزِيَادَتُهُ مُحِيلَةٌ لِلْمَعْنَى فَإِنَّ الصَّلاَةَ لَيْسَتْ مِنَ الدُّنْيَا». قال المُلاَّ علي القاري: «أَمَّا صِحَّتُهُ مِنْ جِهَةِ المَبْنَى فَقَدْ قَالَ السُّيُوطِيُّ فِي " تَخْرِيجِ أَحَاديِثِ الشِّفَاءِ ": " لَكِنَّ عِنْدَ أَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ: " كَانَ يُعْجِبُ [نَبِيَّ اللَّهِ] مِنَ الدُّنْيَا ثَلاَثَةُ أَشْيَاءَ: النِّسَاءُ وَالطِّيبُ وَالطَّعَامُ " (**) فَأصَابَ اثْنَتَيْنِ وَلَمْ يُصِبْ وَاحِدَةً أَصَابَ النِّسَاءَ وَالطِّيبَ وَلَمْ يُصِبِ الطَّعَامَ. قَالَ: إِسْنَادُهُ صَحِيحٌ إِلاَّ أَنَّ فِيهِ رَجُلاً لَمْ يُسَمَّ [قُلْتُ فَيَصِيرُ إِسْنَادُهُ حَسَنًا] (٣).

стр. 40

وذكر العجلوني في " كشف الخفاء " أن الحديث أخرجه الطبراني في " الأوسط " و " الصغير " والخطيب البغدادي في " تاريخ بغداد "، والحاكم والنسائي، وغيرهم بدون لفظ «مِنْ دُنْيَاكُمُ الطِّيبُ ثَلاَثٌ» وذلك لأن الصلاة ليست من الدنيا (١). بَتْرُ النُّصُوصِ: المِثَالُ الأَوَّلُ: «خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ»: هذا الحديث من الأحاديث التي يستدل بها محمود محمد طه كثيرًا ليلبس بها على الناس، ويؤكد لهم صحة مذهبه في تجسد الذات الإلهية، وهو دائمًا يذكر هذا الحديث ناقصًا ولا يذكره بتمامه، وإنما يقتصر على القدر الذي يظن أنه من شواهده كعادته المعروفة، وبذلك جعل سامعيه لا يعرفون المعنى الصحيح للحديث، وقد يكون فاته مرجع الضمير في قوله «عَلَى صُورَتِهِ». وتمام الحديث يُبَيِّنُ لنا فساد عقيدة محمود التي بناها على دليله المبتور. قال الإمام عبد الله بن الإمام أحمد بن حنبل حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ : «إِذَا ضَرَبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَجْتَنِبِ الوَجْهَ فَإِنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ» (٢). وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ
следующие страницы →