← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 37593

دفاع عن السنة ورد شبه المستشرقين ط مجمع البحوث

محمد أبو شهبة

Полный текст (287 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

أَبُو هُرَيْرَةَ حَافِظٌ وَفَقِيهٌ: والحنفية محجوجون في هذا، فقد نقل عن كبار الصحابة أنهم تركوا القياس بخبر الواحد، والتفرقة بين الراوي الفقيه وغيره أمر مستحدث والذي عليه جماهير العلماء سلفًا وخلفًا أن خبر الواحد إذا ثبت مقدم على القياس، وأيضًا فكون أبي هريرة غير فقيه غير مُسَلَّمٍ لهم، فمعظم الصحابة ولا سيما المعروفون بالرواية كانوا فقهاء علماء، وقد عَدَّهُ ابن حزم في فقهاء الصحابة، ونقل عنه الحافظ ابن حجر أنه في الطبقة الثانية من أهل الفتيا مع أبي بكر وعثمان وأبي موسى ومعاذ وسعد بن أبي وقاص وغيرهم (١)، وحديث أبي هريرة في المصراة صحيح غاية الصحة، وليس أدل على هذا من أن ابن مسعود - وهو مِمَّنْ قال الحنفية أنه فقيه - كان يفتي بوفق حديث أبي هريرة، ولهذا أورد البخاري بعد حديث أبي هريرة في المصراة حديث ابن مسعود وهو موقوف عليه، قال: «مَنْ اِشْتَرَى شَاةً مُحَفَّلَةً فَرَدَّهَا فَلْيَرُدَّ مَعَهَا صَاعًا» وهذا من فقه البخاري وَبُعْدِ نظره، وَمِمَّا ينبغي أن يعلم أن رَدَّ رواية الراوي غير الفقيه إذا خالفت القياس الجلي ليس أمرًا مُجْمَعًا عليه من الحنفية، وكذلك كون أبي هريرة ليس فيها مقالة لبعضهم، أما المُحَقِّقُونَ منهم فعلى خلاف هذا، وإليك ما قاله صاحب " عقود الجمان في مناقب أبي حنيفة النعمان " (٢) قال في أثناء الرَدِّ على من زعم أن الإمام أبا حنيفة خالف بعض الأحاديث الثابتة عن رسول الله، وسرد وجوه الاعتذار عن ذلك. «الرَّابِعُ كَوْنُ رَاوِي الحَدِيْثِ غَيْرُ فَقِيْهٍ، وَهَذَا مَذْهَبُ عِيْسَىْ بْنُ أَبَانٍ، وَتَابَعَهُ كَثِيرٌ مِنَ المُتَأَخِّرِيَنَ، وَرَدُّوا بِذَلِكَ حَدِيثَ أُبَيِ هُرَيْرَةَ فِي المُصَرَّاةِ، وَقَالَ أَبُو الحَسَنِ الكَرْخِيُّ وَمَنْ تَابَعَهُ: لَيْسَ فِقْهَ الرَّاوِي شَرْطاً لِتَقْدِيمِ الخَبَرِ عَلَى القِيَاسِ، بَلْ يُقْبَلُ خَبَرُ كُلِّ عَدْلٍ ظَابِطٍ إِذَا لَمْ يَكُنْ مُخَالِفًا لِلْكِتَابِ أَوْ

стр. 142

السُنَّةِ المَشْهُورَةِ وَيُقَدَّمُ عَلَى القِيَاسِ، قَالَ صَدْرُ الإِسْلاَمِ أَبُو اليُسْرِ: " وَإِلَيْهِ مَالَ أَكْثَرَ الْعُلَمَاءُ " وَبَسَطَ الكَلاَمَ عَلَى ذَلِكَ هُوَ وَصَاحِبٌ " التَّحْقِيقِ " بِمَا يُرَاجَعُ مِنْ كِتَابَيْهِمَا». قَالَ صَاحِبُ " التَّحْقِيقِ ": «وَقَدْ عَمِلَ أَصْحَابُنَا بِحَدِيثِ أَبِيْ هُرَيْرَةَ: " إِذَا أَكَلَ وَشَرِبَ نَاسِيًا " وَإِنْ كَانَ مُخَالِفًا لِلْقِيَاسِ، حَتَّىَ قَالَ الإِمَامُ أَبِوَ حَنِيفَةَ: " لَوْلاَ الْرِّوَايَةِ لَقُلْتُ بِالقِيَاسِ "، وَقَدْ ثَبَتَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى - أَنَّهُ قَالَ: " مَاجَاءَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَعَلَى الرَّأْسِ وَالعَيْنِ "، وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْ أَحَدٍ مِنْ السَّلَفِ اشْتِرَاطَ فِقْهِ الرَّاوِي فَثَبَتَ أَنَّهُ قَوْلُ مُحْدَثٍ». وَقَالَ الإِمَامُ عّبْدُ الْعَزِيْزِ فِي " التَّحْقِيقِ ": «كَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ فَقِيْهًا وَلَمْ يَعْدَمْ شَيْئًا مِنْ أَسْبَابِ الاِجْتِهَادِ، وَقَدْ كَانَ يُفْتِيَ زَمَانَ الصَّحَابَةِ وَمَا كَانَ يُفْتِيَ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ إِلاَّ فَقِيهٌ، وَقَالَ الْشَّيْخُ مُحْيِي الدِّيْنُ القُرَشِيُّ صَاحِبُ " طَبَقَاتِ الحَنَفِيَّةِ " فِيْ آَخِرِ " طَبَقَاتِهِ ": " أَبُوْ هُرَيْرَةَ ﵁ مِنْ فُقَهَاءِ الصَّحَابَةِ " وَذَكَرَهُ ابْنُ حَزْمٍ فِيْ الفُقَهَاءِ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَقَدْ جَمَعَ شَيْخُنَا شَيْخُ الإِسْلاَمِ تَقِيُّ الدِّينِ السُّبْكِيُّ جُزْءًا فِي فَتَاوَى أَبِي هُرَيْرَةَ سَمِعْتُهُ مِنْهُ، وَأَجَابُوا عَنْ حَدِيثِ المُصَرََّاةِ بِأَشْيَاءَ أُخْرَى ذَكَرَ بَعْضُهَا القُرَشِيُّ فِي آخِرِ " طَبَقَاتِهِ "». ومهما يكن من شيء فليس في رَدِّ بعض الحنفية بعض مرويات أبي هريرة كحديث المصراة ما يطعن في روايته ولا ما يخل بعدالته، وأعتقد أن القارئ ليس في شك من هذا بعد هذا البيان الشافي، وليس أدل على أنهم لا يتهمونه ولا يطعنون في عدالته من أخذهم بكثير من مروياته كما تشهد بذلك كتبهم وهو أمر معروف مُسَلَّمٌ، قال الحافظ في " الفتح ": وَقَدْ تَرَكَ أَبُو حَنِيفَةُ القِيَاسَ الجَلِيَّ لِرِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَمْثَالِهِ كَمَا فِي الوُضُوءِ بِنَبِيذِ التَّمْرِ وَمِنَ الْقَهْقَهَةِ فِي الصَّلاَةِ وَغَيْر ذَلِكَ» وأما ما ذكره عن النَّخَعِيِّ قال: «كَانَ أَصْحَابُنَا يَدَعُونَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ» فلعل مراده - إِنْ صَحَّ - ما خالف من مروياته القِيَاسَ الجَلِيَّ كما هو مذهب الحنفية،

стр. 143

وأما ما رواه عن أبي جعفر الإسكافي فلا يخرج عما نقله عن النَظَّامِ وشيعته وكذلك ما ذكره عن صاحب " المثل السائر "، وعن تنازعهم في مسألة المصراة في مجلس الرشيد وأنه وافق من قال: أبو هريرة متهم في روايته، فكلام لا سند له ولا عزو، ومثل هذا لاَ نُلْقِي بِهِ بَالاً ولعله من الافتراءات التي ألصقت بالرشيد - وما أكثرها -. اعْتِمَادُ أَبِي رَيَّةَ فِي طُعُونِهِ عَلَى أَقْوَالِ المُسْتَشْرِقِينَ: وبعد كل هذا لم يجد المؤلف بُدًّا من أن يستعلن بعد المداجاة والاستخفاء ويكشف لنا عن مصدره الذي أورده المهالك فينقل في ص ١٧١ ما قاله: جولدتسيهر المستشرق اليهودي في أبي هريرة، والوقوف من أحاديثه موقف الحذر، ورمى «شبرنجر» له بأنه «المُتَطَرِّفُ فِي الاخْتِلاَقِ وَرَعًا» .... إلى آخر ما قال. وكلها فرى ظاهرة مكشوفة لم تقم عليها أثارة من علم وقد عرضت في رَدِّي لكل ما ذكره، فكن على ذكر منه، ولا تعجب من هذا فإن أبا رَيَّةَ قد أخذ كلام «جولدتسيهر» ونفخ فيه ما شاء له هواه وجهالته بالحديث أن ينفخ حتى جعل من الحبة قُبَّةً، ومن الكذب سرابًا يظنه الظمآن مَاءً حتى إذا جاءه لم يجده شيئًا، وقد ظهر لك أَبُو رَيَّةَ على حقيقته دَعِيٌّ متطاول سليط اللسان، وسارق بارع يسطو على أفكار الناس وآرائهم وَيَتَبَجَّحُ بها لنفسه. زَعْمُهُ أَنَّ كَعْبَ الأَحْبَارِ لَقَّنَ أَبَا هُرَيْرَةَ الأَخْبَارَ المُلَفَّقَةَ المَكْذُوبَةَ: ذكر في [ص ١٧٢] تحت عنوان «أخذه عن كعب الأحبار» أنَّ علماء الحديث ذكروا في باب رواية الصحابة عن التابعين، أو رواية الأكابر عن الأصاغر: أن أبا هريرة والعبادلة ومعاوية وأنس وغيرهم رَوَوْا عن كعب الأحبار الذي أظهر الإسلام خِدَاعًا، وطوى قلبه على يهوديته، وأن أبا هريرة أول من انخدع به، وقد استغل كعب سذاجته فاستحوذ عليه

стр. 144

ليلقنه كل ما يريد أن يبثه في الدين الإسلامي ولكي يُدَلِّلَ على ما قاله ذكر جملة من الروايات عن أبي هريرة مُبَيِّنًا أنها من الإسرائيليات التي أخذها أبو هريرة عن كعب ومقارنًا بين ما يرويه أبو هريرة، وما يقول كعب في بضع صفحات من كتابه. وإليك الجواب: أما ما يتعلق بكعب وأنه كان منافقًا يظهر الإسلام ويبطن اليهودية، فقد قدمت - في فصل سبق - الكلام عن كعب، وإني لَمْ أَرَ أَحَدًا رماه بهذا إِلاَّ ما كان من النَظَّامِ وَالمُسْتَشْرِقِينَ وذيلهم أَبِي رَيَّةَ، وأن علماء الجرح والتعديل لَمْ يُجَرِّحُوهُ على قرب عصرهم من عصره، وعلى ما رزقوا من علم وشفوف نظر في نقد الرجال ومعرفة الخفي من أحوالهم، وليس من العدل تجريح الناس بغير شُهُودٍ وَبَيِّنَةٍ، وأما رواية أبي هريرة وغيره كالعبادلة فليس بأمر جديد، وقد استوفى الإمام العراقي في " شرحه على مقدمة ابن الصلاح " ذكر الذين عرفوا من الصحابة بالرواية عن التابعين، ولسنا ننكر أن فيما روي عن كعب وغيره من علماء أهل الكتاب ما هو كذب في نفسه، وقد حَقَّقْتُ ذلك فيما سبق، ولكن علماء الحديث وَنُقَّادُهُ نقدوا كل هذا وميزوا بين الصحيح والمعلول، والمقبول والمردود، وما هو موقوف على كعب من معارفه التي اكتسبها من كتب أهل الكتاب، وما وَهِمَ فيه بعض الرواة فرفعه إلى النَّبِيِّ - صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلاَمُهُ عَلَيْهِ - بحيث لم يدعوا زيادة لمستزيد ولا تَعْقِيبًا لِمُعَقِّبٍ، والذي ننكره على المؤلف أن يرمي أبا هريرة بأنه غر ساذج، وأن كعبًا استحوذ عليه حتى لقنه الكثير من الإسرائيليات واستبعاده أن يعرف أبو هريرة ما في التوراة وهو أُمِّيٌّ لا يقرأ ولا يكتب ولا أدري كيف غاب عن المؤلف أن العلم لا يتوقف على معرفة القراءة والكتابة، مع أن الكلمة المسموعة لا تقل عن الكلمة المقروءة رُسُوخًا في النفس؟ وماذا يقول المؤلف في بعض الأكفاء في القديم والحديث الذين

стр. 145

حصلوا من العلوم والمعارف ما لم يحصله غيرهم من المبصرين القارئين الكاتبين؟ ومن البدهي أن الكفيف لا يقرأ ولا يكتب، ولكن يسمع من الغير. وهاك ما استشهد به على دعواه من أحاديث والجواب عنها: حديث «الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ ثَوْرَانِ فِي النَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ». قال في [ص ١٧٣]: روى البزار عن أبي هريرة أن النَّبِي ﷺ قال: «إنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ ثَوْرَانِ فِي النَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» فقال الحسن: وما ذنبهما؟ فقال: أحدثك عن رسول الله ﷺ وتقول ما ذنبهما؟ وهذا الكلام قد قاله كعب بنصه، فقد روى أبو يعلى الموصلي قال كعب: «يُجَاءُ بِالشَّمْسِ وَالقَمَرِ يَوْمَ القِيَامَةِ كَأَنَّهُمَا ثَوْرَانِ عَقِيرَانِ فَيُقْذَفَانِ فِي جَهَنَّمَ يَرَاهُمَا مَنْ عَبَدَهُمَا» وذكر مرجعه " حياة الحيوان " للدميري. إن حديث البزار عن أبي هريرة ثابت، فقد ذكره الحافظ في " الفتح " (١)، وابن كثير في " تفسيره " (٢) وسكتا عنه، وناهيك بهما ناقدين بصيرين، وقد أخرج معناه الحافظ وأبو يعلى في " مسنده " من طريق يزيد الرقاش عن أنس وسنده فيه ضعف، وأخرجه الطيالسي مختصرًا، والذي أخرجه الإمام البخاري في " صحيحه " عن أبي هريرة مرفوعا ليس فيه أنهما ثوران عقيران ولا أنهما في النار، ولفظه: «الشَّمْسُ وَالقَمَرُ مُكَوَّرَانِ يَوْمَ القِيَامَةِ» (٣). ورواية البخاري صحيحة ولا شك، يؤيدها قول الحق ﵎: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ (٤). وليس في الحديث بعد ثبوته ما يشكل من جهة متنه فإن قال قائل: وما ذنبهما حتى يعذبان؟ قلت: قد أجاب عن ذلك الإمام الخطابي فقال: «لَيْسَ المُرَادُ بِكَوْنِهِمَا فِي النَّارِ تَعْذِيبُهُما بِذَلِكَ،

стр. 146

وَلَكِنَّهُ تَبْكِيْتٌ لِمَنْ كَانَ يَعْبُدُهُمَا فِي الدُّنْيَا لِيَعْلَمُوا أَنَّ عِبَادَتَهُمْ لَهُمْ كَانَتْ بَاطِلَةً» وليس من شك في أن جمع العابد والمعبود في النار غاية التوبيخ والسخرية والإيلام، وقال الإسماعيلي: «لاَ يَلْزَمُ مِنْ جَعْلِهِمَا فِي النَّارِ تَعْذِيبُهُما فَإِنَّ للهِ مَلاَئِكَةً وَحِجَارَةً وَغَيْرِهَا لِتَكُونَ لأَهْلِ النَّارِ عَذَابًا وَآلَةً مِنْ آلاَتِ العَذَابِ، وَمَا شَاءَ اللهُ مِنْ ذَلِكَ فَلاَ تَكُونُ هِيَ مُعَذَّبَةً». وإن قال قائل: وكيف يؤتى بالشمس والقمر ويكوران ويلقيان في النار والنار تضيق بالقمر فضلا عن الشمس، وهذا أمر يعلمه أهل الفلك وغيرهم؟ قلنا: إن ذلك سيكون يوم القيامة، وأحوال يوم القيامة لا تقاس على أحوال الدنيا، فستبدل الأرض غير الأرض والسماوات، وسيتغير نظام العالم الذي هو عليه اليوم، وشواهد ذلك من القرآن أكثر من أن تحصى، والله سبحانه الذي خلق هذه الأجرام قادر أن يُكَوِّرَ ما يشاء تكويره منها ويخسف ما يشاء من نورها وَيُصَغِّرَ ما هو كبير منها، ويكبر ما هو صغير منها، وهذا مِمَّا لا ينبغي أن يتشكك فيه مُوَحِّدٌ، أما الملحدون واللادينيون فللكلام معهم طريق آخر، ورواية كعب التي ذكرها لم أعثر عليها في كُتُبِ السُنَّةِ ولا التفسير وكتاب " حياة الحيوان " لاَ يُعَوَّلُ عليه في ثبوت الرواية، ولو سلمنا ثبوتها فهي لا تسعف المؤلف ولا تشهد لما قصد إليه من الطعن في أبي هريرة، لجواز أن يكون علم هذا من كتب أهل الكتاب، وليس كل ما فيها باطلاً ففيها الحق والباطل، والقرآن وَالسُنَّةُ الصحيحة هما الشاهدان على ما فيها من حق أو باطل أو يكون علمه من أبي هريرة أو أنس، وليس تجويز أن أبا هريرة أخذه عن كعب ثم رفعه بأولى من تجويز أن يكون كعب أخذه منه، ولا سيما وقد جاء في القرآن ما يشهد لما رواه، وَسُنَّةُ النَّبِيِّ ﷺ شارحة للقرآن وَمُبَيِّنَةٌ لَهُ.

стр. 147

اسْتِدْلاَلُ أَبِي رَيَّةَ بِحَدِيثٍ مَوْضُوعٍ فِي الطَّعْنِ فِي أَبِي هُرَيْرَةَ: قال في [ص ١٧٤] وروى الحاكم في " المستدرك " ورجاله رجال الصحيح عن أبي هريرة عن النَّبِيِّ ﷺ أنه قال: «إِنَّ اللَّهَ أَذِنَ لِي أَنْ أُحَدِّثَ عَنْ دِيكٍ رِجْلاَهُ فِي الأَرْضِ، وَعُنُقُهُ مَثْنِيَّةٌ تَحْتَ العَرْشِ وَهُوَ يَقُولُ: سُبْحَانَكَ مَا أَعْظَمَ شَأْنَكَ» قَالَ: «فَيَرُدُّ عَلَيْهِ مَا يَعْلَمُ ذَلِكَ مَنْ حَلَفَ بِي كَاذِبًا» قال: وهذا الحديث من قول كعب ونصه: إنَّ للهِ دِيكاً ... إلخ. والجواب: أنَّ متن هذا الحديث قد حكم عليه ابن الجوزي بالوضع وأحرى به أن يكون موضوعًا، والحاكم معروف بالتساهل في التصحيح، وَمِمَّا يدل على عدم ثبوته أيضًا ما قاله ابن قيم الجوزية في " جواب الأسئلة الطرابلسية " بعد سرده جملة من أحاديث الديك قال: «وَبِالجُمْلَةِ فَكُلُّ أَحَادِيثِ الدِّيكِ كَذِبٌ إِلاَّ حَدِيثًا وَاحِدًا: " إِذَا سَمِعْتُمْ صِيَاحَ الدِّيَكَةِ فَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ، فَإِنَّهَا رَأَتْ مَلَكًا "» (١) وإذا كان الحديث مُخْتَلَقًا مَوْضُوعًا فلا يثبت عن أبي هريرة ولا عن رسول الله، وبذلك انهار الأساس الذي بَنَى عليه كلامه، ويكون قول كعب إن ثبت من الإسرائيليات المبثوثة في كتب أهل الكتاب. طَعُنُهُ فِي حَدِيثٍ فِي " صَحِيحِ مُسْلِمٍ " بِسَبَبِ سُوءِ فَهْمِهِ لَهُ: قال في [ص ١٧٤] وروى أبو هريرة: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «النِّيلُ وَسَيْحَانُ وَجَيْحَانُ وَالْفُرَاتُ مِنْ أَنْهَارِ الْجَنَّةِ» (٢) وهذا

стр. 148

القول رواه كعب إذ قال: أربعة أنهار في الجنة وصفها الله في الدنيا، فالنيل نهر العسل في الجنة، والفرات نهر الخمر في الجنة، وسيحان نهر الماء في الجنة، وجيحان نهر اللبن في الجنة. والجواب: إنَّ الحديث الذي رواه أبو هريرة صحيح غاية الصحة وهو في " صحيح مسلم " بلفظ: «سَيْحَانُ وَجَيْحَانُ وَالفُرَاتُ وَالنِّيلُ كُلُّهَا مِنْ أَنْهَارِ الْجَنَّةِ»، والحديث ليس على حقيقته كما ذهب إليه بعضهم، وإنما الكلام على سبيل التشبيه، وأن هذه الأنهار تشبه أنهار الجنة في صفتها وعذوبتها وكثرة خيراتها ونفعها للناس، وقيل: إن في الكلام حَذْفًا، والتقدير من أنهار أهل الجنة ففيه تبشير من النَّبِيِّ ﷺ أن الله سينجز له وعده وسينصره وسيظهر له دينه على الأديان حتى يبلغ مواطن هذه الأنهار الأربعة وغيرها - إذ ذكرها على سبيل التمثيل لا الحصر - وهذا ما كان فلم يمض قرن من الزمان حتى امتد سلطان الإسلام من المحيط الأطلسي إلى بلاد الهند، وأيا كان التأويل فالحديث مستساغ لغة وشرعًا وقد كان الصحابة بذكائهم وصفاء نفوسهم وإحاطتهم بالظروف والملابسات التي قيل فيها هذا الحديث وأمثاله يدركون ما يريده النَّبِيُّ ﷺ من مثل هذا الحديث الذي قد يشكل ظاهره على البعض، ولذلك لم يؤثر عن أحد منهم - على ما كانوا عليه من حُرِيَّةَ الرأي والصراحة في القول استشكال مثل هذا الحديث. وأما ما ذكره عن كعب فقد عزاه إلى " نهاية الأرب " وهو لا يعتمد عليه في ثبوت الأحاديث، وكلامه إن ثبت فهو محمول أيضًا على التشبيه، وبقليل من التأمل يَتَبَيَّنُ لنا أن ادِّعَاءَ تأثر أبي هريرة فيما رواه بكعب بعيد، ولا يعدو أن يكون تظننًا وتخمينًا، فالحديثان متغايران والأقرب أن يكون كلام كعب تفسيرًا لحديث أبي هريرة على ضوء ما فهمه من قوله تعالى:

стр. 149

﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ (١). اسْتِدْلاَلُهُ بِحَدِيثٍ فِي رَفْعِهِ نَكَارَةٌ وَوَهْمٌ: قال: وقال ابن كثير في " تفسيره ": «إن حديث أبي هريرة في يأجوج ومأجوج ونصه كما رواه أحمد عن أبي هريرة: «إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ لَيَحْفِرُونَ السَّدَّ كُلَّ يَوْمٍ، حَتَّى إِذَا كَادُوا يَرَوْنَ شُعَاعَ الشَّمْسِ، قَالَ الَّذِي عَلَيْهِمْ: ارْجِعُوا فَسَتَحْفِرُونَهُ غَدًا، فَيَعُودُونَ ... إلخ» وقد روى أحمد هذا الحديث عن كعب) قال ابن كثير: لعل أبا هريرة تلقاه من كعب فإنه كثيرًا ما كان يجالسه ويُحَدِّثُه. والجواب: أن الحديث ذكره ابن كثير في " تفسيره "، وذكر رواية الإمام أحمد ورواية الترمذي وأنه قال: إسناده قوي ولكن متنه في رفعه نكارة لأن ظاهر الآية يقتضي أنهم لم يتمكنوا من ارتقائه ولا من نقبه لأحكام بنائه وصلابته وشدته. قال ابن كثير: ولكن هذا قد روي عن كعب الأحبار ثم ذكر خبرًا آخر قريبًا منه في معناه، وليس هو هو ... إلى أن قال: ولعل أبا هريرة تلقاه من كعب فإنه كان كثيرًا ما يجالسه وَيُحَدِّثُهُ فَحَدَّثَ به أبو هريرة فتوهم بعض الرواة عنه أنه مرفوع فرفعه (٢)، ومن عجب أن المؤلف لما نقل كلام ابن كثير حذف متعمدًا قوله: «فَتَوَهَّمَ ... » وذلك لأنها ترد عليه فيما زعم وادعى أن أبا هريرة كان يأخذ كلام كعب ويرفعه، فانظروا كيف تكون الأمانة في النقل، وكيف تكون الأساليب الملتوية في البحث. والذي أميل إليه أن الحديث غير ثابت وأنه منكر كما قال ابن كثير، ويرجح عدم الثبوت أن في سنده قتادة، وهو معروف بالتدليس فلعل البلاء فيه من المحذوف

стр. 150

هذا إلى مخالفته للقرآن كما أسلفنا، وَلِلْسُنَّةِ المَشْهُورَةِ، ففي " الصحيحين " أن رسول الله ﷺ قال: «وَيْلٌ لِلْعَرَبِ مِنْ شَرٍّ قَدِ اقْتَرَبَ، فُتِحَ اليَوْمَ مِنْ رَدْمِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مِثْلُ هَذِه وَحَلَّقَ بِأُصْبُعَيْهِ الإِبْهَامِ وَالَّتِي تَلِيهَا». وإذا كان الحديث غير ثابت فقد انهار الأساس الذي بنى عليه مزاعمه. طَعْنُهُ فِي حَدِيثٍ فِي " الصَّحِيحَيْنِ ": قال في [ص ١٧٤] وفي " الصحيحين " من حديث أبي هريرة «إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ». وهذا الكلام قد جاء في " الإصحاح الأول " من التوراة - العهد القديم - ونصه هناك: وخلق الله الإنسان على صورته، على صورة الله خلقه. وذكر في الحاشية أن من روايات هذا الحديث: وطوله - أي آدم - ستون ذراعًا، وفي رواية على صورة الرحمن، وقد انتقد هذا الحديث من ابن حجر في " الفتح " فقال: «ويشكل على هذا - من الآن (١) الآثار للأمم السابقة كديار عاد وثمود، فإن مساكنهم تدل على أن قاماتهم لم تكن مفرطة في الطول على حسب ما يقتضيه هذا الترتيب الذي ذكره أبو هريرة. والجواب: أن الحديث مروي في " الصحيحين " وغيرهما من كُتُبِ السُنَّةِ المعتمدة، ولا يضير أبا هريرة أن يكون ما رواه من الحديث موافقًا لما في التوراة، فالكل من عند الله ووحيه، وَالقُرْآنُ وَالسُنَّةُ الصَّحِيحَةُ هما المهيمنان والشاهدان على الكتب السابقة، فما جاء في القرآن مُصَدِّقًا لما في التوراة والإنجيل فهو حق ولم يدخله تحريف ولا تبديل قال الله تعالى في سورة المائدة - بعد ما ذكر التوراة والإنجيل وتصديق الإنجيل لما

стр. 151

في التوراة: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ﴾ (١). فالحديث صحيح من جهة سنده ومن جهة متنه ومعناه، سواء أكان الضمير في صورته راجعًا لآدم أو راجعًا لله كما في الرواية الأخرى: «خَلَقَ اللهُ آدَمَ عَلَى صُورَةِ الرَّحْمَنِ» فإن كان الضمير لآدم - وهو الراجح الذي ينبغي أن يصار إليه على مقتضى القواعد العربية - فالأمر ظاهر، ويكون المعنى إن الله أوجده على هذه الهيئة التي خلقه عليها لم ينتقل في النشأة أحوالاً ولا تردد في الأرحام أطوارًا كذريته بل خلقه رجلاً كاملاً سَوِيًّا من أول ما نفخ فيه الروح، وفي هذا أبلغ الرَدِّ على الطبيعين والماديين، وإن قلنا إن الضمير يعود على البارئ - جَلَّ وَعَلاَ - فالكلام في هذا معروف مشهور، فمذهب السلف الإيمان به كما ورد، وإمراره من غير تمثيل ولا تشبيه ولا تكييف مع تفويض علم معرفة الحقيقة إلى الله، ومذهب الخلف تأويله بما يتفق هو واللغة والشرع والعقل، والتأويل في مثل هذا سهل وقريب: أي على صفته من الحياة والعلم والسمع والبصر ونحوها. وما استشكله الحافظ ونقله أَبُو رَيَّةَ ليشكك القارئ في الحديث فلا إشكال فيه والحمد لله، فعمر الدنيا لا يقدر ببضع آلاف السنين ولا بعشرات الآلاف وإنما يقدر بملايين السنين، وإلى هذا ذهب الباحثون في علوم طبقات الأرض والأجناس والحيوان والطيور، فليس ببعيد أن يتناقص خلق ذرِيَّةَ آدم في هذه الآباد الطويلة حتى وصل إلى ما نحن عليه الآن، وإذا كان الحافظ قد استشكل ذلك في عصره فلا محل اليوم للاستشكال بعد تقدم العلوم والمعارف، ويظهر لي أن الحافظ كان متأثرًا في مقالته هذه بما يزعمه أهل الكتاب عن عمر الدنيا وأنه سبعة آلاف سَنَةٍ وهو باطل ولا شك، وقد تبين له فيما بعد أن لا استشكال وأن عُمْرُ الدنيا أكثر

стр. 152

من ذلك فقال في أثناء ذكر ما يستنبط من الحديث: «وَفِيهِ أَنَّ الْمُدَّة الَّتِي بَيْنَ آدَم وَالْبَعْثَة الْمُحَمَّدِيَّة فَوْق مَا نُقِلَ عَنْ الإِخْبَارِيِّينَ مِنْ أَهْل الكِتَاب وَغَيْرهمْ بِكَثِيرٍ» (١). على أنه يجوز أن يكون الحديث سبق لبيان فرط طوله من غير خصوص كونه ستين ذراعًا فيكون المراد به التكثير، ولعل مِمَّا يُقَوِّي هذا الفهم ما رواه ابن أبي حاتم بإسناد حسن عن أُبَيٍّ بْنِ كَعْبٍ مرفوعًا: «إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ رَجُلاً طُوَالاً كَثِيرَ شَعْرِ الرَّأْسِ كَأَنَّهُ نَخْلَةٌ سَحُوقٌ». ومن بعد ذلك كله فما هي الصلة التي بين موافقة ما رواه أبو هريرة عن النَّبِيِّ لما في التوراة وبين ما زعمه من أخذ أبي هريرة عن كعب الأحبار، وكعب لا صلة له بهذه القصة البتة؟!!. افْتِرَاؤُهُ عَلَى مَالِكٍ فِي إِنْكَارِهِ بَعْضَ الأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ: ولما كان جُلُّ هَمِّ المؤلف التشكيك في الأحاديث ولا سيما ما رواه أبو هريرة فقد قال في حاشية [ص ١٧٥] بعد استشكال الحافظ للحديث: وأنكر مالك هذا الحديث وحديث «إِنَّ اللهَ يَكْشِفُ عَنْ سَاقِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ وَإنه - أي الله سبحانه - يدخل في النار يده حتى يدخل من أراد» إنكارًا شديدًا وحديث «كشف الساق» من رواية أبي هريرة في " الصحيحين " - عند البخاري - «فَيَكْشِفُ رَبُّنَا عَنْ سَاقِهِ، فَيَسْجُدُ لَهُ كُلُّ مُؤْمِنٍ وَمُؤْمِنَةٍ وَيَبْقَى مَنْ كَانَ يَسْجُدُ فِي الدُّنْيَا رِيَاءً وَسُمْعَةً، فَيَذْهَبُ لِيَسْجُدَ فَيَعُودُ ظَهْرُهُ طَبَقًا». وإني لأقول للمؤلف وأشباهه: إن المتكلم في مثل هذه المباحث الشائكة والأحاديث المشتبهة يجب عليه - إن كان بَاحِثًا حَقًّا - أن يدلنا على مصدره، ولا ندري في أي كتاب أنكر مالك هذا (*)، والذي يظهر لي من تتبع كلام المؤلف أنه إذا لم يجد

стр. 153

لافتراءاته سَنَدًا يلقي الكلام جزافًا ويرسله على عواهنه، وهذه الأحاديث التي أشار إليها من المتشابهات، وقد شاء الله سبحانه أن يأتي بالمتشابه في قرآنه وأن يأتي به نَبِيَّهُ في أحاديثه، ليكون فتنة لأبي رِيَّةَ وأمثاله الذين لم تشرق قلوبهم بنور الإيمان، ولم ترق عقولهم إلى الإيمان بالمغيبات: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ [سورة آل عمران، الآية: ٧]. ومذهب السلف فيها معروف، ولو أنه كذب على غير مالك لجاز هذا عند بعض الناس أما مالك فمقالته في المتشابه معروفة مشهورة، فقد قال لمن سأله عن الاستواء: «الاِسْتِوَاءُ مَعْلُومٌ، وَالْكَيْفُ مَجْهُولٌ، وَالسُّؤَال عَنهُ بِدعَة، أَخْرِجُوهُ عَنِّي فَإِنَّهُ رَجُلُ سُوءٍ». ولم يكذب المؤلف على مالك وحده، بل كذب على أبي هريرة أيضًا وعلى صاحبي " الصحيحين "، فقد روى البخاري الحديث الذي فيه الساق عن أبي سعيد الخُدري (١)، ورواه الإمام مسلم عن أبي سعيد الخُدري أيضًا (٢) وأما حديث أبي هريرة في " الصحيحين " فهو في معنى حديث أبي سعيد، ولكن ليس فيه مسألة الساق. طَعْنُهُ فِي حَدِيثِ صِفَةِ النَّبِيِّ ﷺ -: وقال في [ص ١٧٥] ولما ذكر كعب صفة النَّبِيِّ في التوراة قال أبو هريرة في صفته ﷺ : «لَمْ يَكُنْ فَاحِشًا، وَلاَ مُتَفَحِّشًا، وَلاَ صَخَّابًا فِي الأَسْوَاقِ» وهذا نص كلام كعب ... وبحسبي في الرَدِّ ما قدمته فيما سبق، حينما زعم أن صفة النَّبِيِّ في التوراة خرافة وضعها كعب، وأن عبد الله بن عمرو بن العاص أخذها عنه. وأزيد هنا فأقول: كونه ﷺ لم يكن فاحشًا ولا

стр. 154

متفحشا ... مِمَّا لا يختلف فيه اثنان ويقر به الأعداء والأصدقاء، كون أبي هريرة أو غيره روى هذه الصفات لا يتوقف بحال من الأحوال على كون كعب ذكر أن هذه صفاته في التوراة، لأن هذه الأخلاق المحمدية كانت معلومة لهم بالمشاهدة والملاحظة. تَحْقِيقُ الحَقِّ فِي حَدِيثِ: «خَلَقَ اللَّهُ التُّرْبَةَ يَوْمَ السَّبْتِ»: قال في [ص ١٥٧] أيضا: وروى مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدِي، فَقَالَ: «خَلَقَ اللَّهُ التُّرْبَةَ يَوْمَ السَّبْتِ، وَخَلَقَ فِيهَا الْجِبَالَ يَوْمَ الأَحَدِ، وَخَلَقَ الشَّجَرَ يَوْمَ الإِثْنَيْنِ، وَخَلَقَ الْمَكْرُوهَ يَوْمَ الثُّلاَثَاءِ، وَخَلَقَ النُّورَ يَوْمَ الأَرْبِعَاءِ، وَبَثَّ فِيهَا الدَّوَابَّ يَوْمَ الْخَمِيسِ، وَخَلَقَ آدَمَ ﵇ بَعْدَ العَصْرِ مِنْ يَوْمَ الجُمُعَةِ فِي آخِرِ الْخَلْقِ مِنْ آخِرِ سَاعَةٍ مِنْ سَاعَاتِ الجُمُعَةِ فِيمَا بَيْنَ الْعَصْرِ إِلَى اللَّيْلِ». وقد روى هذا الحديث كذلك أحمد والنسائي عن أبي هريرة، وقد قال البخاري وابن كثير وغيرهما: إن أبا هريرة قد تلقى هذا الحديث عن كعب الأحبار، لأنه يخالف نص القرآن في أنه خلق السماوات والأرض في ستة أيام قال: ومن العجيب أن أبا هريرة قد صرح في هذا الحديث بسماعه من النَّبِي ﷺ وأنه قد أخذ بيده حين حدثه به. قال: وإني لأتحدى الذين يزعمون في بلادنا أنهم على شيء من علم الحديث وجميع من هم على شاكلتهم في غير بلادنا أَنْ يُحِلُّوا لنا هذا المشكل، وأن يخرجوا بعلمهم الواسع شيخهم من الهوة التي سقط فيها ثم تَهَكَّمَ بأبي هريرة ما شاء له أدبه أن يتهكم!. وللجواب عن ذلك أقول: هذا الحديث قد تنبه إليه المُحَدِّثُونَ من قديم الزمان، وَأَعَلُّوهُ وَتَكَلَّمُوا فيه فمنهم من قال: إنه غير ثابت لأن إسماعيل بن أمية إنما أخذه عن إبراهيم بن أبي يحيى وإبراهيم لا يحتج به، فقد سئل عنه علي بن المديني

стр. 155

شيخ البخارى فقال: «وَمَا أَرَى إِسْمَاعِيلَ بْنَ أُمَيَّةَ أَخَذَ هَذَا إِلاَّ مِنْ إِبْرَاهِيمَ بْنَ أَبِي يَحْيَى» وإبراهيم بن [أبي] يحيى هذا قال فيه الإمام أحمد «كَانَ قَدَرِيًّا مُعْتَزِلِيًّا جَهْمِيًّا، كُلُّ بَلاَءٍ فِيهِ تَرَكَ النَّاسُ حَدِيثَهُ وَكَانَ يَضَعُ» وقال ابن معين: «كَذَّابٌ رَافِضِيٌّ» فبمثل هذا السند لا يثبت متن الحديث ولا المشابكة المسلسل بها بسبب وجود إبراهيم في السند صراحة أو تدليسًا (١) وإذا كان الحديث [مُخْتَلَقًا] مكذوبًا على النَّبِي وعلى أبي هريرة ومن جاء بعده من الثقات فلا يصح أن يرتب عليه باحث حُكْمًا هو فرع عن ثبوته. ومنهم من أنكر رفع الحديث إلى النَّبِي ﷺ وأن أبا هريرة إنما أخذه من كعب الأحبار، وأن بعض الرواة وهم في رفعه والأصح وقفه على كعب، وإلى هذا ذهب إمام الأئمة البخاري في " تاريخه " فقال «رَوَاهُ بَعْضُهُمْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عن كَعْبِ الأَحْبَارِ وَهُوَ الأَصَحُّ» ووافقه على هذا العلاَّمة ابن كثير قال: «فَكَأَنََّ هَذَا الحَدِيثَ مِمَّا تَلَقَّاهُ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ كَعْبٍ عَنْ صُحُفِهِ فَوَهِمَ بَعْضُ الرُوَاةِ فَجَعَلَهُ مَرْفُوعًا إِلَىَ النَّبِيِِّ ﷺ بِقَوْلِهِ: أَخَذَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ بِيَدِي» (٢). ومهما يكن من شيء فأبو هريرة بريء مِمَّا غمزه به أَبُو رَيَّةَ ولمزه واتهمه من رفع الحديث إلى رسول الله ﷺ والكذب عليه حتى صار يتهكم بأبي هريرة ما شاء له هواه أن يتهكم ويزيد في ذلك ويعيد، لأنه إن كان الأمر كما قال [ابن المديني] ومن تابعه فيكون أبو هريرة بريء كل البراءة من تبعة هذا الحديث، ويكون كل ما نسب إلى أبي هريرة في الحديث من لفظه ومن سماعه، وقوله: «أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ بِيَدِي» غير ثابت، ولا يعدو أن يكون مجرد افتراء قصد به الواضع التلبيس والتمويه وإظهار الباطل المُزَوَّرَ في صورة الحق الثابت المؤكد، وإن كان الأمر كما قال البخاري وابن كثير

стр. 156

فيكون أبو هريرة بريء من تبعة رفعه، وأنه لم يقل: «سمعت رسول الله ... ولا أخذ بيدي ... » إلخ وإنما الواهم توهم الرفع فرفعه وأكده بهذا، ولعلك أيها القارئ المُتَثَبِّتُ تبتسم وتطيل الابتسام كما ابتسمتُ أنا وأطلتُ الابتسام من تحدي أَبِي رَيَّةَ الصارخ لعلماء الحديث في مصر بل والعالم الإسلامي قاطبة - أن ينتشلوا شيخهم أبا هريرة من الهوة التي سقط فيها فقد ظهر لك وجه الحق، وأنه لا هوة ولا سقوط، وأنه بَنَى مزاعمه على شَفَا جُرْفٍ هَارٍ فانهار به في نار جهنم وبئس المصير. وإن من يقرأ كلام أَبِي رَيَّةَ لَيُخَيَّلُ إليه أنه في زهوه قد غزا الأجواء وفتح أبواب السماء، وهذا يدل على الجهل الممزوج بالغرور المتطاول، وليس أضر على الباحث من هاتين الصفتين: الجهل والغرور. طَعْنُهُ فِي حَدِيثٍ فِي " صَحِيحِ البُخَارِيِّ ": في [ص ١٧٦] قال: وروى البخاري عن أبي هريرة أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قال (١): «مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالحَرْبِ، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ: كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، [وَإِنْ سَأَلَنِي لأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لأُعِيذَنَّهُ]، وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ نَفْسِ المُؤْمِنِ، يَكْرَهُ المَوْتَ وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ». قال: ومن له حاسة في شم الحديث يجد في هذا الحديث رائحة إسرائيلية، ثم أتى في الحاشية فيقول: تفرد " البخاري " بإخراج هذا الحديث دون " مسلم " وسائر أصحاب النَّبِيِّ (كذا) و" مسند أحمد "، وقد طعن الأئمة في هذا الحديث، وبعد ذكر ما اعتبره طعنًا قال: ويبدو لي أنَّ أستاذ

стр. 157

أبي هريرة في هذا الحديث هو وهب بن منبه فقد وقع في " الحِلْيَةِ " من ترجمة هذا الكاهن (وهب): وإني لأجد في التوراة أن الله تعالى يقول: «مَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ قَطُّ تَرَدُّدِي عَنْ قَبْضِ رُوحِ الْمُؤْمِنِ». والجواب: أن هذا الحديث خرجه البخاري في " صحيحه " (١) فهو صحيح، ولا يخل بصحته أن كان بعض رجاله قد انتقدوا وهو خالد بن مخلد شيخ البخارى وشريك بن عبد الله، لأن الإنسان أعرف بشيوخه من غيره، وإذا تعارض قول البخاري في رجل وقول غيره فالقول ما قاله البخاري فقد كان نسيج وحده في معرفة علل الحديث وتاريخ الرجال حتى لقد قَبَّلَهُ الإمام مسلم بين عينيه لما كشف له عن علة خفية في حديث ولقبه بأستاذ الأستاذين فلو كان في رواة الحديث ما يخل بالصحة لما أخرجه البخاري، والحديث وإن كان لم يخرجه مسلم في " صحيحه " ولا أحمد في " مسنده " قد خرجه غيرهما من أئمة الحديث، فقد خرجه البيهقي في " الزهد " وأبو يعلى والبزار والطبراني، بل خرجه الإمام أحمد في " كتاب الزهد "؟ ولم ينفرد بالحديث أبو هريرة، فقد رواه غيره من الصحابة منهم عائشة وعلي وأبو أمامة وابن عباس وأنس وحذيفة ومعاذ بن جبل ولم يتفرد به رواته فقد روي من طرق أخرى كثيرة وإن كانت لا تخلو من ضعف ولكنها يقوي بعضها بعضًا، وقد صدع بهذا الحافظ الحُجَّةُ الثبت ابن حجر وهو كما وصفه المؤلف أمير المؤمنين في الحديث قال الحافظ في " الفتح " (٢) «وَإِطْلاَق أَنَّهُ لَمْ يُرْوَ هَذَا الْمَتْنُ إِلاَّ بِهَذَا الإِسْنَادِ مَرْدُودٌ» ... إلى أن قال: «وَلَكِنْ لِلْحَدِيثِ طُرُقٌ أُخْرَى يَدُلُّ مَجْمُوعُهَا عَلَى أَنْ لَهُ أَصْلاً» ثم شرع يسرد هذه الطرق ومن خرجها من أصحاب الكتب، ومن رويت عنه من الصحابة، وهكذا يَتَبَيَّنُ لنا أن الحديث لا مطعن يعتد به في سنده

стр. 158

وأما من ناحية المعنى فلا شيء فيه إِلاَّ ما كان من قوله: «وَمَا تَرَدَّدْتُ ... إلخ» وفي القرآن المتواتر وَالسُنَّةِ الصَّحِيحَةِ من أمثال هذا الحديث شيء غير قليل، فلو رددنا هذا بسبب أنه مشكل لرددنا الكثير من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية. وللعلماء في هذا وأمثاله رأيان: ١ - رأي السلف وهو الإيمان به كما ورد مع عدم التمثيل والتكييف وتنزيه الله عن ظاهره المعروف لنا، وتفويض علم معرفة حقيقته إلى الله . ٢ - رأي الخلف وهم المُؤَوِّلَةِ وقد حملوا الكلام على المجاز وذلك بتمثيل حب الله أولياءه المؤمنين وكراهية إيذائهم وإساءتهم بهذه الصورة المعبرة المفهومة عند البشر، وبعضهم حمل التردد من الملائكة لا من الله، لكنهم لما كانوا رسل الله فنسب ما هو إليهم إلى الله لأنه هو الذي أرسلهم، وقد بسط الكلام على هذا الحافظ في " الفتح " فليرجع إليه من يشاء الاستزادة. ومن خيانة المؤلف في النقل أنه ذكر كلام الخطابي فاقتصر على الاستشكال ولم يذكر ما أجاب به، وَتِلْكَ شَنْشَنَةٌ نَعْرِفُهَا مِنْ أَخْزَمَ، وإليك كلام الخطابي بتمامه لتعجب من صنيع أَبِي رَيَّةَ، قال الخطابي: «التردد في حق الله غير جائز والبداء عليه في الأمور غير سائغ، ولكن له تأويلين: أحدهما أن الإنسان قد يشرف على الهلاك في أيام عمره من داء يصيبه وفاقة تنزل به فيدعو الله فيشفيه منها ويدفع عنه مكروهها، فيكون ذلك من فعله كتردد من يريد أمرا ثم يبدو له فيه فيتركه ويعرض عنه، ولا بد له من لقائه إذا بلغ الكتاب أجله لأن الله قد كتب الفناء على خلقه واستأثر بالبقاء لنفسه، والثاني أن يكون معناه: ما رددت رسلي في شيء أنا فاعله كترديدي إياهم في نفس المؤمن .... إلخ» ما قال.

стр. 159

ثم ما الذي حمل المؤلف على هذا الحُكْم الجائز على الحديث: ألأن وَهْبًا ذكر أن في كتب الأنبياء مثل هذا؟ ولم لا يكون هذا مِمَّا ذكره عن موسى ربهما ومحمد - عَلَيْهِمَا الصَلاَةُ وَالسَّلاَمُ - ثم ما رأيك يا صاحب الأنف البوليسية أن معظم الحديث لا يتفق هو وما عرف عن بني إسرائيل من الشكاسة والصلابة وسوء الطباع حتى وصفتهم التوراة بأنهم شعب صلب الرقبة، وإيغالهم في حب المادة والبعد عن الروحانيات، وإنا لنحمد الله - سبحانه - أنه لم يرزقنا حاسة شم كحاستك، ولا أنفًا كأنفك الصهيوني البارع! زَعْمُهُ فِي حَدِيثٍ فِي " صَحِيحِ مُسْلِمٍ " أَنَّهُ مِنَ الإِسْرَائِيلِيَّاتِ: وبعد أن صب المؤلف على أبي هريرة ذَنُوبًا من سفاهه ورميه بالسذاجة والغفلة في [ص ١٧٧] قال: «وإليك مثلا من ذلك نختم به ما نقله من الأحاديث التي رواها أبو هريرة عن النَّبِيِّ وهي في الحقيقة من الإسرائيليات حتى لا يطول بنا القول». روى الإمام أحمد عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «" إِنَّ فِي الجَنَّةِ لَشَجَرَةً يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظِلِّهَا مِائَةَ عَامٍ، اقْرَأُوا إِنْ شِئْتُمْ ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ [الواقعة: ٣٠] "». ثم ذكر أن أبا هريرة لم يكد يروي هذا الحديث حتى أسرع كعب فَصَدَّقَ كلامه وذكر من أوصافها ما ذكر والجواب: أنَّ هذا الحديث لم يروه الإمام أحمد فحسب بل رواه الإمامان الجليلان البخاري ومسلم في " صحيحيهما "، ولو أن الرواية كانت عن أبي هريرة وحده لجاز أن ينخدع بعض الناس بهذا القول، ولكن الحديث رُوِيَ عن غير أبي هريرة من الصحابة الذين لا يعتبرون عند المؤلف ذوي سذاجة وغفلة كما زعم ذلك بالنسبة لأبي هريرة، فقد رواه البخاري عن أبي هريرة

стр. 160

وأنس (١) وعن سهل بن سعد وأبي سعيد الخُدري (٢) ورواه الإمام مسلم عن أبي هريرة وسهل بن سعد وأبي سعيد الخُدري (٣) فما رأيك يا باحث العصر في الثلاثة الآخرين من الصحابة؟ هل استغفلهم كعب كما استغفل أبا هريرة - على ما زعمت -؟ ومن يصدق أن صحابة رسول الله الذين كانوا خير أُمَّةٍ أخرجت للناس، وضرب الله لهم الأمثال في التوراة والإنجيل كانوا إلى هذا الحد من السذاجة والغفلة؟ بعض الحياء يا بوق المُبَشِّرِينَ وصدقت الحكمة النبوية: «إِذَا لَمْ تَسْتَحِ فَاصْنَعْ مَا تَشَاءُ». ومن خيانة المؤلف أن يجعل مرجعه " تفسير ابن كثير " مِمَّا يوهم القارئ أن ابن كثير يوهن الحديث كما هو ديدنه في العزو إلى ابن قتيبة، وقد رجعت إلى " تفسير ابن كثير " (٤) فوجدته بسط روايات الحديث بما لا مزيد عليه ثم قال ما نصه: «فَهَذَا الحَدِيثُ ثَابِتٌ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ بَلْ مُتَوَاتِرٌ مَقْطُوْعٌ بِصِحَّتِهِ عِنْدَ أَئِمَّةِ الحَدِيثِ لِتَعَدُّدِ طُرُقِهِ وَقُوَّةِ أَسَانِيدِهِ وَثِقَةِ رِجَالِهِ». فقلت: يا عجبا لأمر هذا المؤلف!!! وصدق الله ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ (٥) رَمْيُهُ أَبَا هُرَيْرَةَ بِضَعْفِ الذَّاكِرَةِ وَاخْتِلاَقِ الأَحَادِيثِ: في [ص ١٧٧] قال: تحت عنوان «ضعف ذاكرته» كان أبو هريرة يذكر عن نفسه أنه كان كثير النسيان، لا تكاد ذاكرته تمسك شيئًا مِمَّا يسمعه ثم زعم أن النَّبِيَّ دعا له فأصبح لا ينسى شيئًا يصل إلى أذنه، وقد ذكر ذلك لكي يسوغ كثرة أحاديثه ويثبت في أذهان السامعين صحة ما يرويه».

стр. 161

«إِنَّكُمْ تَزْعُمُونَ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ يُكْثِرُ الْحَدِيثَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَاللَّهُ المَوْعِدُ، إِنِّي كُنْتُ رَجُلاً مِسْكِينًا، أخدُم رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى مِلْءِ بَطْنِي، وَكَانَ الْمُهَاجِرُونَ يَشْغَلُهُمُ الصَّفْقُ بِالأَسْوَاقِ، وَكَانَتِ الأَنْصَارُ يَشْغَلُهُمُ الْقِيَامُ عَلَى أَمْوَالِهِمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " مَنْ يَبْسُطْ ثَوْبَهُ فَلَنْ يَنْسَى شَيْئًا سَمِعَهُ مِنِّي " فَبَسَطْتُ ثَوْبِي حَتَّى قَضَى حَدِيثَهُ، ثُمَّ ضَمَمْتُهُ إِلَيَّ، فَمَا نَسِيتُ شَيْئًا سَمِعْتُهُ مِنْهُ» قال مسلم: إن مالكًا انتهى حديثه عند انقضاء قول أبي هريرة ولم يذكر في حديثه الرواية عن النَّبِيِّ: من بسط ثوبه ... ولا ريب أن رواية مالك هي الصحيحة لأن الكلام بعد ذلك مفكك الأوصال ولا صلة بينه وبين الذي قبله. مُتَابَعَةُ المُؤَلِّفِ لِلْمُسْتَشْرِقِينَ فِي كُلِّ مَا زَعَم: وإليك جوابنا عن هذه المزاعم الباطلة: ١ - إن هذا ليس من بنات أفكاره وإنما هو كلام «جولدتسيهر» المستشرق اليهودي عدو الإسلام والمسلمين، أَبُو رَيَّةَ لم يكن إِلاَّ بوقاً يُرَدِّدُ كلام هذا اليهودي، وإنْ كان - والحق يقال - أَعَفَّ من المؤلف، وإليك ما قاله جولدتسيهر لترى أنَّ المؤلف تابعه حذو النعل بالنعل قال: وقد اختلق الناس قصة تُبَرِّرُ اعتقادهم بعصمة ذاكرته عن الوقوع في الخطأ فقالوا: إنَّ النَّبِي لفه بيده في بُرْدَةٍ بسطت بينهما أثناء حديثهما، وبذلك ضمن أبو هريرة لنفسه ذاكرة تحفظ كل ما سمع ... إلخ ما قال (١). وقصة بَسْطِ الرِّدَاءِ مروية في " الصحيحين " وغيرهما من كُتُبِ السُنَّةِ المعتمدة (٢) وليس في العقل ولا النقل ما يخالفها، بل جاء الواقع مُؤَيِّدًا لهذا حتى شهد له بِقُوَّةِ الحفظ الصحابة ومن جاء بعدهم من أهل العلم

стр. 162

وَعَدُّوا هذا من المعجزات النبوية الظاهرة، ومن خصائص أبي هريرة أخرج البخاري في " التاريخ "والبيهقي في " المدخل " مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدٍ بْن عُمَارَة بْنِ حَزْم أَنَّهُ قَعَدَ فِي مَجْلِس فِيهِ مَشْيَخَة مِنْ الصَّحَابَة بِضْعَة عَشَر رَجُلاً، فَجَعَلَ أَبُو هُرَيْرَة يُحَدِّثهُمْ عَنْ رَسُول اللَّه ﷺ بِالْحَدِيثِ فَلاَ يَعْرِفهُ بَعْضهمْ، فَيُرَاجِعُونَ فِيهِ حَتَّى يَعْرِفُوهُ، ثُمَّ يُحَدِّثهُمْ بِالْحَدِيثِ كَذَلِكَ حَتَّى فَعَلَ مِرَارًا، فَعَلِمْتُ يَوْمَئِذٍ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَة أَحْفَظ النَّاس». وأخرج أحمد والترمذي عن ابن عمر أنه قال لأبي هريرة «إِنْ كُنْتَ لأَلْزَمَنَا لِرَسُولِ اللهِ وَأَعْرَفَنَا بِحَدِيثِهِ» قال الترمذي: حسن، وقصته مع مروان وكاتبه مشهورة (١) وقال الشافعي - وهو إمام في المعقول والمنقول -: «أَبُو هُرَيْرَة أَحْفَظ مَنْ رَوَى الْحَدِيث فِي عَصْره» فهل من البحث الصحيح والمنطق السليم أن ندع كلام هؤلاء الأئمة ونأخذ بكلام المُسْتَشْرِقِينَ ومتابعيهم؟. ٢ - محاولة المؤلف التشكيك في قصة بَسْطِ الثَّوْبِ وَالرِّدَاءِ بأن الإمام مسلمًا قال: إن مالكًا انتهى حديثه عند قول أبي هريرة الموقوف عليه ولم يذكر قصة البسط، وزعمه أن رواية مالك هي الصحيحة لأن الكلام بعد ذلك مفكك الأوصال ولا صلة بينه وبين الذي قبله ... محاولة فاشلة تنم عن جهل عميق بمقصد مسلم وطريقة المُحَدِّثِينَ، وعن بغض دفين لأبي هريرة حمله على أن يُحَرِّفَ الكلم عن مواضعه، والذي في " صحيح مسلم " أن الزُّهْرِي راوي الحديث عن ابن المسيب عن أبي هريرة قد روى عنه الحديث ثلاثة: مالك وسفيان بن عيينة ومعمر، أما مالك فقد اقتصر على كلام أبي هريرة وهو دفاعه عن نفسه وبيان الأسباب التي هيأت الإكثار، وأما سفيان ومعمر فقد ذكرا قصة الثوب ومقالة النَّبِيِّ ﷺ فالقصة وردت عن الزُّهْرِي من طريق ابن عيينة ومعمر

стр. 163

وناهيك بهما إمامين جليلين، وكذلك وافق سفيان بن عيينة ومعمر في ذكر القصة إبراهيم بن سعد وحديثه عند البخاري (١). وأما كون قصة الثوب مقتضبة عما قبلها فشيء لا وجود له إِلاَّ في وهم قائله لأنها وثيقة الصلة بما قبلها، ذلك أن أبا هريرة بعد أن بين أن تفرغه من الشواغل الدنيوية وملازمته لرسول الله ﷺ من الأسباب الحاملة له على الإكثار، ناسب أن يذكر سببا آخر وهو عدم نسيانه حديث رسول الله ﷺ ببركة دعائه له، على أن قصة بسط الثوب قد وردت مستقلة في " صحيح البخاري " من طرق عدة صحيحة عن أبي هريرة واعتبرها الأئمة من فضائل أبي هريرة ومن المعجزات النبوية قال الحافظ في " الفتح ": «وَفِي هَذَيْنِ الحَدِيثَيْنِ - حَدِيثُ " يَقُولُونَ أَكْثَرَ أَبُو هُرَيْرَةَ " ... وَ" حَدِيثُ بَسْطِ الثَّوْبِ " ... فَضِيلَة ظَاهِرَةٌ لأَبِي هُرَيْرَةَ وَمُعْجِزَةٌ وَاضِحَةٌ مِنْ عَلاَمَاتِ النُّبُوَّة؛ لأَنَّ النِّسْيَانَ مِنْ لَوَازِمِ الإِنْسَانِ، وَقَدْ اِعْتَرَفَ أَبُو هُرَيْرَةَ بِأَنَّهُ كَانَ يُكْثِر مِنْهُ ثُمَّ تَخَلَّفَ عَنْهُ بِبَرَكَةِ النَّبِيِّ ﷺ » وهكذا يَتَبَيَّنُ لنا أن المؤلف قد أخطأ فهم عبارة " مسلم " وأنه طعن في غير مطعن. تَصَيُّدُهُ وَتَحْرِيفُهُ بَعْضَ المَرْوِيَّاتِ كَيْ يُثْبِتَ نِسْيَانَ أَبِي هُرَيْرَةَ: ولأجل أَنْ يُبَرِّرَ المؤلف تجنيه على أبي هريرة وأنه اختلق قصة بسط الثوب صار يتصيد بعض روايات زعم أنها تخالف حديث عدم النسيان فقال في [ص ١٧٨] مُتَهَكِّمًا: على أن هذه الذاكرة القوية التي اختص بها أبو هريرة من دون الصحابة جميعًا بل من دون ما ذرأ الله من الطباع الإنسانية قد خانته

стр. 164

في مواضع كثيرة، وأن ثوبه الذي بسطه قد تمزق فتناثر ما كان قد ضمه بين أطرافه وإليك أمثلة من ذلك، ثم ذكر: حديث الشيخين عن أبي هريرة: أن النَّبِي ﷺ قال: «لاَ عَدْوَى وَلاَ طِيَرَةَ وَلاَ هَامَةَ» وأن أبا هريرة حدث به ثم نسيه، وقصة ذي اليدين في السهو في الصلاة، وشك أبي هريرة في تعيين الصلاة أهي الظهر أم العصر وذكر أن أبا هريرة لما روى أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قال: «لأَنْ يَمْتَلِئَ جَوْفُ أَحَدِكُمْ قَيْحًا وَدَمًا خَيْرٌ مِنْ أَنْ يَمْتَلِئَ شِعْرًا» قالت عائشة: لَمْ يَحْفَظْ إِنَّمَا قَالَ: « ... مِنْ أَنْ يَمْتَلِئَ شِعْرًا هُجِيتُ بِهِ» وهكذا تتمخض المواضع الكثيرة التي زعم أنه نسي فيها عن ثلاثة أحاديث وسترى بعد الإجابة عنها أنه لن يسلم له إِلاَّ واحد أو اثنان. ١ - إن الروايات في قصة الثوب اختلفت، ففي بعضها تقييد عدم النسيان بما سمعه من النَّبِيِّ ﷺ بعد هذه المقالة، ففي " صحيح مسلم ": «فَمَا نَسِيتُ بَعْدَ ذَلِكَ الْيَوْمِ شَيْئًا حَدَّثَنِي بِهِ» وفي " صحيح البخاري": «فَمَا نَسِيتُ شَيْئًا بَعْدُ» وفي بعض الروايات أن عدم النسيان إنما كان مُقَيَّدًا بالمقالة التي سمعها من النَّبِيِّ ﷺ في هذه القصة، ففي رواية شُعَيْبٍ: «فَمَا نَسِيتُ مِنْ مَقَالَتِهِ تِلْكَ مِنْ شَيْءٍ» وعلى هذا فإن كان المراد الثاني فلا ينافي أن ينسى قبل هذه المقالة وبعدها بعض الأحاديث، وإن كان المراد الأول وهو الراجح فلا ينافي نسيان بعض الأحاديث قبل هذه القصة. رَدُّ مَزَاعِمِهِ فِي حَدِيثِ «لاَ عَدْوَى ... »: ٢ - وأما حديث «لا عَدْوَى وَلاَ طِيَرَةَ ... » فقد رواه البخاري في " صحيحه " عن أبي هريرة (١) وعن ابن عمر (٢) وعن أنس بن مالك، وثبت أيضًا عن عائشة عند الطبري وعن سعد بن أبي وقاص ورواه " مسلم "

стр. 165

عن أبي هريرة وعن السائب بن يزيد وعن جابر وعن أنس وعن ابن عمر (١) فالحديث لم ينفرد به أبو هريرة، بل وافقه عليه بضعة من الصحابة، فاحتمال أن أبا هريرة اختلقه أو غلط فيه - غمز المؤلف ولمز - احتمال بعيد جِدًّا إن لم يكن مستحيلاً، فلم يبق إِلاَّ أن يكون رجوعه إما لنسيان أو لغرض آخر صحيح وعلى تسليم النسيان فيكون من الأحاديث التي سمعها قبل هذه المقالة، وهذا لا ينافي أنه ما نسي شيئًا بعد ذلك، وبذلك يظهر أن لا منافاة بين نسيان هذا الحديث وقصة بسط الثوب، ثم إن هذا النسيان لحديث واحد - على فرض تسليمه - إنما يعود على أبي هريرة بالتكريم والإكبار لحفظه وقد قيل في الحِكَمِ الشِّعْرِِيَّةَ: وَمَنْ ذَا الذِي تُحْصَى سَجَايَاهُ كُلَّهَا ... كَفَى المَرْءِ نُبْلاً أَنْ تَعُدَّ مَعَايِبَهُ وإنا لنلمس هذا الإكبار لحفظ أبي هريرة في قول أبي سلمة، قال أبو سلمة «فَمَا رَأَيْتُهُ نَسِيَ حَدِيثًا غَيْرَهُ» بل جاء في بعض الروايات تردد أبي سلمة بين نسيان أبي هريرة أو نسخ أحد الحديثين للآخر (٢) على أن تسليمنا نسيان أبي هريرة إنما هو على سبيل الاحتمال، ومن الجائز جِدًّا أن يكون رجوعه عنه أو السكوت عليه وعدم التحديث به لغرض آخر شريف ككونه منسوخًا مثلاً، وإليك ما قاله الحافظ الكبير ابن حجر لترى الفرق بين العلماء المُتَثَبِّتِينَ وَالأَدْعِيَاءِ المَغْرُورِينَ قال - تعليقا على قول أبي سلمة «فَمَا رَأَيْتُهُ نَسِيَ حَدِيثًا غَيْرَهُ» - «في رواية يونس قَالَ أَبُو سَلَمَة: " وَلَعَمْرِي لَقَدْ كَانَ يُحَدِّثنَا بِهِ فَمَا أَدْرِي أَنَسِيَ أَبُو هُرَيْرَة أَمْ نَسَخَ أَحَدُ القَوْلَيْنِ لِلآخَرِ "، وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ أَبُو سَلَمَة ظَاهِر فِي أَنَّهُ كَانَ يَعْتَقِد أَنَّ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ تَمَامَ التَّعَارُضِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ وَجْهُ الْجَمْع بَيْنهمَا فِي " بَابِ الْجُذَام " (٣) ... قَالَ ابْنُ التِّينِ: لَعَلَّ أَبَا هُرَيْرَةَ كَانَ يَسْمَعُ هَذَا الحَدِيْثِ قَبْلَ أَنْ يَسْمَعَ مِنَ النَّبِيِِّ ﷺ حَدِيْثَ " مْنْ

стр. 166

بَسَطَ رِدَاءَهُ ثُمَّ ضَمَّهُ إِلَيْهِ لَمْ يَنْسَ شَيْئًا سَمِعَهُ مِنْ مَقَالَتِي " وَقَدْ قِيلَ فِي الحَدِيث المَذْكُور إِنَّ الْمُرَاد أَنَّهُ لاَ يَنْسَى تِلْكَ الْمَقَالَة الَّتِي قَالَهَا ذَلِكَ الْيَوْم لاَ أَنَّهُ يَنْتَفِي عَنْهُ النِّسْيَان أَصْلاً. وَقِيلَ: كَانَ الْحَدِيث الثَّانِي نَاسِخًا لِلأَوَّلِ فَسَكَتَ عَنْ الْمَنْسُوخ»، وقال القرطبي في " المُفْهَمِ ": " وَيُحْتَمَل أَيْضًا أَنَّهُمَا لَمَّا كَانَا خَبَرَيْنِ مُتَغَايِرَيْنِ عَنْ حُكْمَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ لاَ مُلاَزَمَة بَيْنهمَا جَازَ عِنْده أَنْ يُحَدِّث بِأَحَدِهِمَا وَيَسْكُت عَنْ الآخَر حَسْبَمَا تَدْعُو إِلَيْهِ الْحَاجَة ... وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون خَافَ اِعْتِقَاد جَاهِل يَظُنّهُمَا مُتَنَاقِضَيْنِ فَسَكَتَ عَنْ أَحَدهمَا، وَكَانَ إِذَا أُمِنَ ذَلِكَ حَدَّثَ بِهِمَا جَمِيعًا» (١) وهكذا ترى أن النسيان ليس بمتيقن بل هو احتمال، وعن فرض تسليمه فلا تعارض بينه وبين حديث البسط، فهل بعد هذا يستحق أبو هريرة من هذا الطاعن السليط كل هذا التهكم والتثريب؟. رَدُّ زَعْمِهِ فِي حَدِيثِ السَّهْوِ فِي الصَّلاَةِ: وأما حديث السهو في الصلاة فقد اعتمد فيه المؤلف على ما ذكره الحافظ في " الفتح " (٢)، وقد استظهر الحافظ أن الشك من الرواة ثم جواز أن يكون من أبي هريرة لأجل رواية النسائي، وأنه مرة كان يجزم بتعيين الصلاة وَمَرَّةً كان يشك، وإليك ما ذكر الحافظ في " الفتح " لترى المؤلف يأخذ ما يشاء ويدع ما يشاء على حسب هواه قال: «وَالظَّاهِر أَنَّ الاِخْتِلاَفَ فِيهِ مِنَ الرُّوَاةِ. وَأَبْعَدَ مَنْ قَالَ: يُحْمَلُ عَلَى أَنَّ القِصَّةَ وَقَعَتْ مَرَّتَيْنِ، بَلْ رَوَى النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ اِبْنِ عَوْنٍ عَنْ اِبْنِ سِيرِينَ أَنَّ اَلشَّكَّ فِيهِ مِنْ

стр. 167

أَبِي هُرَيْرَة وَلَفْظه " صَلَّى ﷺ إِحْدَى صَلاَتَيْ العَشِيِّ ـ قَالَ أَبُو هُرَيْرَة ـ: " وَلَكِنِّي نَسِيتُهَا " فَالظَّاهِر أَنَّ أَبَا هُرَيْرَة رَوَاهُ كَثِيرًا عَلَى الشَّكِّ، وَكَانَ رُبَّمَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهَا الظُّهْرُ فَجَزَمَ بِهَا، وَتَارَةً غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهَا العَصْرُ فَجَزَمَ بِهَا ... ». فها أنت ذا ترى أن كون الشك من أبي هريرة ليس مقطوعًا به لجواز أن يكون أحد الرواة - في رواية النسائي - وَهِمَ فنسب النسيان إلى أبي هريرة ولو سلمنا كون الشك منه فلعل هذا مِمَّا سمعه قبل قصة بسط الثوب. حَدِيثُ الشِّعْرِ وَتَحْقِيقُ الحَقِّ فِيهِ: وأما حديث أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: لأَنْ يَمْتَلِئَ جَوْفُ أَحَدِكُمْ قَيْحًا وَدَمًا، خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَمْتَلِئَ شِعْرًا»، قالت عائشة: لَمْ يَحْفَظْ إِنَّمَا قَالَ: «مِنْ أَنْ يَمْتَلِئَ شِعْرًا هُجِيتُ بِهِ»، فليس للمؤلف فيه أية وجهة حق، وإنما هي خطفة خطفها من بعض الكتب دون تحقيق. وإليك الحق في هذا: ١ - إن الحديث باللفظ الذي زعم أن عائشة اعترضت عليه قد رواه البخاري في " صحيحه " عن أبي هريرة وعن ابن عمر مرفوعين (١) ورواه مسلم في " صحيحه " عن أبي هريرة وعن سعد بن أبي وقاص وعن أبي سعيد الخُدري فها أنت ذا ترى أن أبا هريرة لم ينفرد به، بل وافقه عليه ثلاثة من الصحابة مِمَّا يبعد - إن لم يحل - تعقب السيدة عائشة له بأنه لم يحفظ. ٢ - إن هذه الرواية غير ثابتة من جهة الرواية، ولا هي صحيحة من جهة الدراية. أما الأول فلما قاله الحافظ في " الفتح " - بعد أن ذكر أن هذه الزيادة جاءت عن الشَعْبِيِّ مرسلة والمرسل لا يحتج به قال: «(٢) وَقَدْ وَقَعَ

стр. 168

لَنَا ذَلِكَ مَوْصُولاً مِنْ وَجْهَيْنِ آخَرَيْنِ، فَعِنْدَ [أَبِي يَعْلَى] مِنْ حَدِيث جَابِر فِي الحَدِيث الْمَذْكُور " قَيْحًا أَوْ دَمًا خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَمْتَلِئ شِعْرًا هُجِيتُ بِهِ " وَفِي سَنَده رَاوٍ لاَ يُعْرَف، وَأَخْرَجَهُ الطَّحَاوِيُّ وَابْن عَدِيٍّ مِنْ رِوَايَةِ اِبْن الكَلْبِيِّ عَنْ أَبِي صَالِح عَنْ أَبِي هُرَيْرَة مِثْل حَدِيث البَاب قَالَ: " فَقَالَتْ عَائِشَة لَمْ يَحْفَظ إِنَّمَا قَالَ: مِنْ أَنْ يَمْتَلِئ شِعْرًا هُجِيت بِهِ "، وَابْنُ الْكَلْبِيِّ وَاهِي الحَدِيث، وَأَبُو صَالِح شَيْخُهُ مَا هُوَ الَّذِي يُقَال لَهُ السَّمَّانُ المُتَّفَق عَلَى تَخْرِيجِ حَدِيثهِ فِي الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، بَلْ هَذَا آخَر ضَعِيفٌ يُقَال لَهُ بَاذَانْ، فَلَمْ تَثْبُتْ هَذِهِ [الزِّيَادَة]: وأما من جهة الدراية فإليك ما قاله الإمام النووي في " شرح مسلم " (١): «قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: قَالَ بَعْضُهُمْ الْمُرَادُ بِهَذَا الشِّعْرِ شِعْرٌ هُجِيَ بِهِ النَّبِيِّ ﷺ . قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ وَالْعُلَمَاءُ كَافَّةً: هَذَا تَفْسِيرٌ فَاسِدٌ، لأَنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّ المَذْمُومَ مِنَ الهِجَاءِ أَنْ يَمْتَلِئَ مِنْهُ دُونَ قَلِيلِهِ، وَقَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ الكَلِمَةَ الواحدة من هجاء النبي ﷺ مُوجِبَةٌ لِلْكُفْرِ. قَالُوا بَلِ الصَّوَابُ أَنَّ المُرَادَ أَنْ يَكُونَ الشِّعْرُ غَالِبًا عَلَيْهِ مُسْتَوْلِيًا عَلَيْهِ بِحَيْثُ يَشْغَلُهُ عَنِ القُرْآنِ وَغَيْرِهِ مِنَ العُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ وَذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَهَذَا مَذْمُومٌ مِنْ أَيِّ شِعْرٍ كَانَ، فَأَمَّا إِذَا كَانَ القُرْآنُ وَالحَدِيثُ وَغَيْرُهُمَا مِنَ العُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ هُوَ الغَالِبُ عَلَيْهِ فَلاَ يَضُرُّ حِفْظُ اليَسِيرِ مِنَ الشِّعْرِ [مَعَ هَذَا] لأَنَّ جَوْفَهُ لَيْسَ مُمْتَلِئًا شِعْرًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ .. » إلى أن قال: «وَقَالَ الْعُلَمَاءُ كَافَّةً: هُوَ مُبَاحٌ مَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ فُحْشٌ وَنَحْوُهُ، [قَالُوا]: وَهُوَ كَلاَمٌ حَسَنُهُ حَسَنٌ وَقَبِيحُهُ قَبِيحٌ وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ، فَقَدْ سَمِعَ النَّبِيُّ ﷺ الشِّعْرَ وَاسْتَنْشَدَهُ وَأَمَرَ بِهِ حَسَّانَ فِي هِجَاءِ الْمُشْرِكِينَ وَأَنْشَدَهُ أَصْحَابُهُ بِحَضْرَتِهِ فِي الأَسْفَارِ وَغَيْرِهَا وَأَنْشَدَهُ الْخُلَفَاءُ وَأَئِمَّةُ الصَّحَابَةِ وَفُضَلاَءُ السَّلَفِ وَلَمْ يُنْكِرْهُ أَحَدٌ مِنْهُمْ عَلَى إِطْلاَقِهِ وَإِنَّمَا أَنْكَرُوا المَذْمُومَ مِنْهُ وَهُوَ الفُحْشُ وَنَحْوُهُ». وهكذا يَتَبَيَّن لنا أن المذموم من الشعر أن يكون غالبا على الإنسان حتى يشغله عن النافع من العلوم والمعارف وأنواع الكسب المشروعة، أو ما كان فيه فحش وهجر من القول كالهجاء والمدح بغير حق والتشبيب

стр. 169

بالنساء وذكر محاسنهن وعوراتهن إلى غير ذلك، ولعلك تأكدت معي - أيها القارئ - أن المؤلف تَجَنَّى على أبي هريرة غاية التَجَنِّي وهول غاية التهويل إذ الرواية الثالثة غير ثابتة والروايتان الأخريان النسيان فيهما أمر محتمل لا متعين. زَعْمُهُ أَنَّ فِي القُرْآنِ الكَرِيمِ شِعْرًا: وَمِمَّا قَدَّمْنَاهُ من رأي العلماء المسلمين في الشعر، وأن حسنه حسن وقبيحه قبيح، يَتَبَيَّن لنا تهافت ما ذكره في [ص ١٧٩، هامش] حيث قال: «اتخذ الذين لا يعلمون قول أبي هريرة هذا حُجَّةً على أن النَّبِيَّ ﷺ كان يكره الشعر، وفشا ذلك بين المسلمين وغير المسلمين في حين أنا نجده ﷺ كان يُصْغِي إلى الشعر ويمدحه ويثيب عليه إلى أن قال: وفي القرآن عشرات من الأبيات الشعرِيَّةَ وكثير جدا من الأشطار فمن الرمل: وَجِفَان كَالْجَوَابِ * ... * ... * وَقُدُور رَاسِيَاتٍ ومن الخفيف: وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا * ... * ... * يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ ومن الوافر: وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ * ... * ... * وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَا ولا نستوفي كل ما جاء في القرآن من أبيات وأشعار حتى لا يطول بنا الطريق، ونستطرد إلى ما هو خارج عن موضوعنا». ولا أدري إذا لم يكن هذا استطرادًا وخروجًا عن الموضوع فما هو الاستطراد والخروج إِذًا؟ ولو أن الأمر وقف عند حد الاستطراد لهان الأمر، ولكن المؤلف سقط في أمر من البدهي نفيه عن القرآن وهو وجود الشعر فيه: والشعر - يا مدعيًا التأدب - لا يكون شعرًا إِلاَّ بالقصد، والعلماء لما قالوا: إن الكلام الموزون لا يكون شعرًا إِلاَّ بالقصد استدلوا على ذلك بوقوع جمل موزونة في القرآن الكريم مع الاتفاق بين العلماء قاطبة

стр. 170

على عدم تسمية ذلك شعرًا، وكيف خفي على المؤلف ذلك والله يقول: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾ (١). فقد نفت الآية أن يكون القرآن شعرًا، وقصرته على كونه ذكرًا وقرآنًا مبينًا، يقول العَلاَّمَةُ الزمخشري - وهو من أدباء العربية غير منازع ورائد المفسرين في الكشف عن أسرار الإعجاز -: «أي وما علمناه بتعليم القرآن الشعر على معنى أن القرآن ليس بشعر وما هو من الشعر في شيء، والشعر إنما هو كلام موزون مقفي يدل على معنى فأين الوزن وأين التقفيه وأين المعاني التي ينتجها الشعراء من معانيه؟ وأين نظم كلامهم من نظمه وأساليبه؟ فإذا لا مناسبة بينه وبين الشعر إذا حققت، اللَّهُمَّ إِلاَّ أن هذا لفظ عربي كما أن ذاك كذلك ثم قال: فإن قلت فقوله: أَنَا النَّبِيُّ لاَ كَذِبْ * ... * ... * أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ وقوله: هَلْ أَنْتِ إِلاَّ إِصْبَعٌ دَمِيتِ * ... * ... * وَفِي سَبِيلِ اللهِ مَا لَقِيتِ قلت: ما هو إِلاَّ كلام من جنس كلامه الذي كان يرمي به على السليقة من غير صنعة ولا تكلف إِلاَّ أنه اتفق ذلك من غير قصد إلى ذلك ولا التفات منه إليه أن جاء موزونًا، كما يتفق في كثير من إنشاءات الناس في خطبهم ورسائلهم ومحاوراتهم أشياء موزونة لا يسميها أحد شعرًا، ولا يخطر ببال المتكلم ولا السامع أنها شعر، وإذا فتشت في كل كلام عن نحو ذلك وجدت الواقع في أوزان البحور غير عزيز ... ولما نفى أن يكون القرآن من جنس الشعر قال: ﴿إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾ (٢) يعني ما هو إِلاَّ ذكر من الله تعالى يوعظ به الإنس والجن كما قال: ﴿إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾ (٣). وما هو إِلاَّ قرآن كتاب سماوي يقرأ في المحاريب ويتلى في المتعبدات وينال بتلاوته والعمل بما فيه فوز الدارين، فكم بينه وبين الشعر الذي هو من همزات الشياطين؟».

стр. 171

فهل كان يخفى على الزمخشري وهو من هو ضلاعة في اللغة والبلاغة وفن القول ما ظهر لمؤلف آخر الزمان؟ وقال تعالى: ﴿فَلاَ أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ، وَمَا لاَ تُبْصِرُونَ، إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ، وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلاً مَا تُؤْمِنُونَ، وَلاَ بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ﴾ (١). ، فقد نفى أن يكون النَّبِيُّ شاعرًا وأن يكون القرآن شعرًا، قال الإمام الألوسي في تفسير هذه الآية (٢): «وذكر الإيمان مع نفي الشاعرِيَّةَ والتذكر مع نفي الكاهنية قيل: لما أن عدم مشابهة القرآن الشعر أمر بين لا ينكره إِلاَّ معاند، فلا عذر لمدعيها في ترك الإيمان وهو أكفر من حمار، بخلاف مباينته للكهانة فإنها تتوقف على تذكر أحواله ﷺ ومعاني القرآن المنافية لطريق الكهانة ومعاني أقوالهم». ويقول حَاكِيًا لمقالة المشركين وَمُنْكِرًا لها: ﴿بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الأَوَّلُونَ﴾ (٣) ويقول: ﴿فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلاَ مَجْنُونٍ، أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ﴾ (٤). فقد أنكر عليهم قولهم: إن النَّبِيَّ شاعر وبالتالي ينتفي كون ما جاء به شِعْرًا، فهل بعد ما سمعت من أقوال الله وأقوال الراسخين من أهل العلم يزعم المؤلف أنه على شيء من العلم أو على شيء من الإيمان؟!. زَعْمُهُ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ لَمْ يَحْفَظْ القُرْآنَ: وقال في [ص ١٨٠]: «ومن عجيب أمر الذين يثقون بأبي هريرة ثقة عمياء أنهم يمنعون السهو والنسيان عنه، ولا يتحرجون من أن ينسبوهما إلى النَّبِيِّ ﷺ وذكر حديثًا في نسيان النَّبِيِّ بعض سور من القرآن إلى أن قال: «وإذا كان أبو هريرة على ما وصف به نفسه ذَكِيًّا فَطِنًا قوي الذاكرة واسع الحافظة ضَابِطًا لكل ما يسمع لا تفلت منه كلمة ولا يند عنه لفظ فلم لم يحفظ القرآن على فراغه

стр. 172

وطول عمره في الإسلام؟ وقد حفظه كثير من الرجال وكذلك بعض النساء ومنهم أم ورقة، ولكن الأمر قد جرى على غير ذلك، فلم يكن له شأن يذكر في زمن النَّبِيِّ ﷺ ولا في عهد الخلفاء الراشدين، وقد حدثناك من قبل عن مبلغ ثقة عمر به، فقد كان ينهاه عن رواية الحديث ولما لم يرجع ضربه بالدرة وأنذره إذا هو روى أن ينفيه إلى بلاده، ولو كان أبو هريرة على ما زعم لأباح له وحده الرواية، وكان عنده وعند غيره أصدق من روى، ولم يقف الأمر عند ذلك، بل إنهم قد اتهموه في الرواية كما سترى ذلك فيما بعد واضحًا محققًا إن شاء الله». ولا أدري من ذا الذي زعم من العلماء قديمًا وحديثًا أن أبا هريرة لا ينسى ولا يسهو، إنه بشر ينسى ويسهو ولكن الله أكرمه ببركة دعاء النَّبِيِّ ﷺ فما نسي من حديث النَّبِيِّ بعد قصة بسط الثوب شيئًا، وقد قدمنا شهادة الواقع له وشهادة كبار الصحابة والعلماء له، مِمَّا لا داعي لإعادته، ثم من أين «لأَبِي رَيَّةَ» أنه لم يحفظ القرآن في حياة النَّبِيِّ وبعد حياته؟ ولماذا لم يذكر لنا سنده في هذا لنناقشه؟؟ وقد ذكر الإمام السيوطي في " الإتقان " (١) عن أبي عبيد أن أبا هريرة ﵁ كان من قُرَّاء الصحابة وأنه قرأ على أقرأ الصحابة أُبَيٍّ بْنِ كَعْبٍ ﵁ ومن قواعد أدب البحث أن المثبت مقدم على النافي، ولو سلمنا جدلاً أنه لم يحفظ القرآن كله في حياة النَّبِيِّ ﷺ لما عاد ذلك عليه بالنقيصة، لأن بعض الصحابة على جلالتهم ما كانوا يحفظون القرآن كله في حياة النَّبِيِّ، ثم تهيأ بعد ذلك حفظه كله، وقد قدمت أن أبا هريرة تصدر للعلم والفتوى زمنًا طويلاً، وكيف يتهيأ لمن لم يحفظ القرآن التصدر للعلم والفتوى؟؟. ثم أتدري أيها القارئ من أين أخذ أنه لم يحفظ القرآن؟ لعله

стр. 173

أخذه من تعليقته التي ذكرها في [هامش ص ١٨٣] حيث قال: «روى مسلم أن النَّبِيَّ ﷺ قال: «خُذُوا الْقُرْآنَ مِنْ أَرْبَعَةٍ: مِنِ ابْنِ أُمِّ عَبْدٍ فَبَدَأَ بِهِ، وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وَسَالِمٍ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ» ثم علق فقال: فترى أنه لم يصل إلى درجة أحد الموالي!!! فهل هذا منطق يا أصحاب العقول؟!!. ولو كان في عدم ذكر أبي هريرة في هذا الحديث إهمالا له وإزراء به فماذا يقول في مشاهير الصحابة الذين لم يذكروا في هذا الحديث، ولم يوص النَّبِيُّ بأخذ القرآن منهم كالخلفاء الراشدين وزيد بن ثابت وَأَبِي الدَّرْدَاءِ والعبادلة الأربعة وغيرهم مِمَّنْ كانوا يحفظون القرآن كله؟ فهل نطبق عليهم هذا المنطق الأعرج المعكوس؟!! أما ما ذكره من قوله: ولكن الأمر جرى على غير ذلك، فهو لا يزيد عن كونه سفاهًا وسبابًا ورجمًا بالغيب، وَتِلْكَ شَنْشَنَةٌ نَعْرِفُهَا مِنْ أَخْزَمَ، وفيما قدمته من ردود ما فيه الكفاية. طَعْنُهُ فِي حَدِيثِ الوِعَاءَيْنِ وَزَعْمُهُ أَنَّهُ مُعَارِضٌ لأَحَادِيثَ أُخْرَى: قال في [ص ١٨٢] تحت عنوان «حفظ الوعاءين». أخرج البخاري عن أبي هريرة قال: «حَفِظْتُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وِعَاءَيْنِ، فَأَمَّا أَحَدُهُمَا فَبَثَثْتُهُ، وَأَمَّا الآخَرُ فَلَوْ بَثَثْتُهُ لَقُطِعَ هَذَا البُلْعُومُ». وهذا الحديث معارض لحديث رواه الجماعة بألفاظ متقاربة عن عَلِيٍّ ﵁ فقد سئل هَلْ عِنْدكُمْ كِتَابٌ؟ فَقَالَ: «لاَ، إِلاَّ كِتَاب اللَّهِ، أَوْ فَهْمٌ أُعْطِيَهُ رَجُلٌ مُسْلِمٌ، أَوْ مَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ». وكذا يعارض ما رواه " البخاري " عَنْ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ، قَالَ: دَخَلْتُ أَنَا وَشَدَّادُ بْنُ مَعْقِلٍ، عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، فَقَالَ لَهُ شَدَّادُ بْنُ مَعْقِلٍ: أَتَرَكَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ شَيْءٍ؟ قَالَ: «مَا تَرَكَ إِلاَّ مَا بَيْنَ الدَّفَّتَيْنِ»، ولو كان هناك شيء يؤثر به النَّبِيُّ ﷺ أحد خواصه، ويحجبه عن سائر أصحابه لكان عَلِيٌّ أولى الناس جميعا بذلك، وذلك بأنه

стр. 174

ربيبه، وابن عمه، وأول من أسلم، وزوج ابنته ولم يفارقه في سفر ولا حضر، فإن لم يكن عَلِيٌّ فَالصِدِّيقُ أَبُو بَكْرٍ أَوْ عُمَرَ أَوْ أَبُو عُبَيْدَةَ أو ... أو ... إلخ من عدد من الصحابة والصحابيات. عَنْ حُذَيْفَةَ، قَالَ: «قَامَ فِينَا رَسُولُ اللهِ ﷺ مَقَامًا، مَا تَرَكَ شَيْئًا يَكُونُ فِي مَقَامِهِ ذَلِكَ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ، إِلاَّ حَدَّثَ بِهِ، حَفِظَهُ مَنْ حَفِظَهُ وَنَسِيَهُ مَنْ نَسِيَهُ»، قَدْ عَلِمَهُ أَصْحَابِي هَؤُلاَءِ، وَإِنَّهُ لَيَكُونُ مِنْهُ الشَّيْءُ قَدْ نَسِيتُهُ فَأَرَاهُ فَأَذْكُرُهُ، كَمَا يَذْكُرُ الرَّجُلُ وَجْهَ الرَّجُلِ إِذَا غَابَ عَنْهُ، ثُمَّ إِذَا رَآهُ عَرَفَهُ، وكيف يكون ذلك؟ وأين يذهب ما رواه " الصحيحان " عَنْ حُذَيْفَةَ: «قَامَ فِينَا رَسُولُ اللهِ ﷺ مَقَامًا، مَا تَرَكَ شَيْئًا يَكُونُ فِي مَقَامِهِ ذَلِكَ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ، إِلاَّ حَدَّثَ بِهِ، حَفِظَهُ مَنْ حَفِظَهُ وَنَسِيَهُ مَنْ نَسِيَهُ». وقد قال بعض العلماء - كما جاء في " تاريخ ابن عساكر ": «إن اعتقاد ذلك - أي أن النَّبِيَّ ﷺ كتم عن جميع الصحابة شيئا يؤدي إلى نسبة الخيانة إلى النَّبِيِّ ﷺ معاذ الله!». والجواب: إن هذا الحديث رواه الإمام البخاري في " صحيحه "، وهو في غاية الصحة رواية ودراية، والمراد بالوعاءين نوعان من الأحاديث التي تلقاها عن النَّبِيِّ ﷺ فالكلام من قبيل المجاز وهو مجاز معروف مستساغ وأحد الوعاءين - وهو ما يتعلق بأحاديث الأحكام والآداب والمواعظ - قد بَلَّغَهُ حتى لا يكون كاتمًا وأما الآخر وهو ما يتعلق بالفتن والملاحم وأشراط الساعة، والإشارة إلى ولاة السوء، فقد آثر أن لا يذكر الكثير منه حتى لا يكون فتنة لسامعه، أو يسبب له التحديث به الضرر في نفسه أو ولده أو ماله من أمراء السوء، قال العلامة ابن كثير في (١) " البداية والنهاية ": «وَهَذَا الْوِعَاءُ الَّذِي كَانَ لاَ يَتَظَاهَرُ بِهِ هُوَ الْفِتَنُ وَالْمَلاَحِمُ وَمَا وَقَعَ بَيْنَ النَّاس مِنَ الْحُرُوبِ وَالْقِتَالِ، وَمَا سَيَقَعُ التِي لَوْ أَخْبَرَ بِهَا قَبْلَ كَوْنِهَا لَبَادَرَ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ إِلَى تَكْذِيبِهِ، وَرَدُّوا مَا أَخْبَرَ بِهِ مِنَ الحَقِّ» وقال الإمام الحافظ ابن حجر في " الفتح " (٢): «وَحَمَلَ العُلَمَاء الوِعَاء الذِي لَمْ يَبُثَّهُ عَلَى الأَحَادِيث التِي فِيهَا تَبْيِينُ أَسَامِي أُمَرَاءَ السُّوءِ وَأَحْوَالِهِمْ

стр. 175

وَزَمَنِهِمْ، وَقَدْ كَانَ أَبُو هُرَيْرَة يَكُنِّي عَنْ بَعْضه وَلاَ يُصَرِّح بِهِ خَوْفًا عَلَى نَفْسه مِنْهُمْ، كَقَوْلِهِ: " أَعُوذ بِاَللَّهِ مِنْ رَأْس السِّتِّينَ وَإِمَارَة الصِّبْيَان " يُشِير إِلَى خِلاَفَة يَزِيد بْن مُعَاوِيَة لأَنَّهَا كَانَتْ سَنَة سِتِّينَ مِنَ الهِجْرَة. وَاسْتَجَابَ اللَّه دُعَاءَ أَبِي هُرَيْرَةَ فَمَاتَ قَبْلهَا بِسَنَةٍ ... وَيُؤَيِّد ذَلِكَ أَنَّ الأَحَادِيث المَكْتُومَةَ لَوْ كَانَتْ مِنْ الأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ مَا وَسِعَهُ كِتْمَانُهَا لِمَا ذَكَرَهُ فِي الحَدِيثِ الأَوَّلِ مِنَ الآيَةِ (١) الدَّالَّةِ عَلَى ذَمِّ مَنْ كَتَمَ العِلْمَ. وَقَالَ غَيْرهُ: " يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ مَعَ الصِّنْفِ الْمَذْكُورِ مَا يَتَعَلَّقُ بِأَشْرَاطِ السَّاعَة وَتَغَيُّرِ الأَحْوَالِ وَالمَلاَحِمِ فِي آخِرِ الزَّمَانِ، فَيُنْكِرُ ذَلِكَ مَنْ لَمْ يَأْلَفْهُ، وَيَعْتَرِضَ عَلَيْهِ مَنْ لاَ شُعُورَ لَهُ بِهِ» (٢). وأيا كان تأويل الحديث فليس فيه ما يدل على أن النَّبِيَّ ﷺ خَصَّهُ بشيء على ذلك دون غيره، حتى يرتب المؤلف على الحديث كل هذه الإشكالات التي قالها وهي غير ذات موضوع، ولم نعلم أحدًا قط من علماء اللغة والبلاغة والأدب اعتبر هذا الأسلوب مفيدًا للتخصيص، اللَّهُمَّ إِلاَّ في ذهن هذا المؤلف الذي يزعم أنه أديب، وما هو من أهل الأدب في شيء!. أما ما ذكره من حديث عَلِيٍّ وابن عباس، فلا دخل لهما بما ذكرناه في تأويل حديث أبي هريرة، فحديثه في واد وحديث عَلِيٍّ وابن عباس في واد آخر، ذلك أن الشيعة ومن على شاكلتهم كانوا يزعمون أن النَّبِيَّ ﷺ خَصَّ آل بيته ولا سيما عَلِيًّا بأشياء لم يطلع غيرهم عليها، فمن ثم سأل السائل عَلِيًّا، وأجابه عَلِيٌّ بما هو الحق والواقع، قال الحافظ ابن حجر (٣) في شرحه للحديث الذي أشار إليه المؤلف: «وَإِنَّمَا سَأَلَهُ أَبُو جُحَيْفَةَ - هُوَ السَائِلُ لِعَلِيٍّ - عَنْ ذَلِكَ، لأَنَّ جَمَاعَة

стр. 176

مِنَ الشِّيعَةِ كَانُوا يَزْعُمُونَ أَنَّ عِنْد أَهْلِ البَيْتِ - لاَ سِيَّمَا عَلِيًّا - أَشْيَاءَ مِنَ الوَحْيِ خَصَّهُمْ النَّبِيُّ ﷺ بِهَا لَمْ يُطْلِع [غَيْرَهُمْ] عَلَيْهَا. وَقَدْ سَأَلَ عَلِيًّا عَنْ هَذِهِ المَسْأَلَة أَيْضًا قَيْسُ [بْنُ عُبَادٍ] (*) وَالأَشْتَر النَّخَعِيُّ وَحَدِيثُهُمَا فِي " مُسْنَد النَّسَائِيِّ "». وإذا كان حذيفة قال في حديث آخر: «وَاَللَّه إِنِّي لأَعْلَمُ النَّاسِ بِكُلِّ فِتْنَة هِيَ كَائِنَةٌ فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَ السَّاعَةِ» فليس في حديث أبي هريرة ما يعارضه، لأن أبا هريرة لم يقل: إنه أعلم الناس، على أن حذيفة حلف على حسب ظنه، وقد يصدق في ظنه فيكون هو أعلم الناس بالفتن، وقد لا يصدق في ظنه فيكون هناك من أعلم منه بها. وهكذا يتضح أنه لا تعارض بين الحديثين قط، بل ولا شبهة تعارض، وأما ما ذكره بعد من أن النَّبِيَّ ﷺ لو كان مُؤْثِرًا أَحَدًا بشيء لآثر عَلِيَّا وَفُلاَنًا وَفُلاَنًا مِمَّنْ عَدَّهُمْ، فهو كلام خطابي وتمويه لأجل النيل من أبي هريرة. وأيضا فلا تعارض قط بين حديث أبي هريرة وحديث حذيفة: «قَامَ فِينَا رَسُولُ اللهِ ... الحديث» لأن حذيفة لم يزعم أن النَّبِيَّ خصه به، ولا أن غيره لم يحفظ مثل ما حفظ، بل عبارته تدل على أن غيره حفظه، ففي الحديث: «حَفِظَهُ مَنْ حَفِظَهُ وَنَسِيَهُ مَنْ نَسِيَهُ» وتمام الحديث كما في " مسلم ": «قَدْ عَلِمَهُ أَصْحَابِي هَؤُلاَءِ، وَإِنَّهُ لَيَكُونُ مِنْهُ الشَّيْءُ قَدْ نَسِيتُهُ فَأَرَاهُ فَأَذْكُرُهُ، كَمَا يَذْكُرُ الرَّجُلُ وَجْهَ الرَّجُلِ إِذَا غَابَ عَنْهُ، ثُمَّ إِذَا رَآهُ عَرَفَهُ» ولا يخفى على القارئ أن أَبَا رَيَّةَ لم يذكر تتمة الحديث، لأنها تَرُدُّ عليه زعمه وتجعله يغص بريقه. وقد ورد ما يدل على أن إخبار النَّبِيِّ لهم كان على ملأ منهم، ففي " صحيح مسلم " عَنْ أَبِي زَيْدٍ يَعْنِي عَمْرَو بْنَ أَخْطَبَ، قَالَ: «صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ الفَجْرَ، وَصَعِدَ المِنْبَرَ فَخَطَبَنَا حَتَّى حَضَرَتِ الظُّهْرُ، فَنَزَلَ فَصَلَّى، ثُمَّ صَعِدَ المِنْبَرَ، فَخَطَبَنَا حَتَّى حَضَرَتِ الْعَصْرُ، ثُمَّ نَزَلَ

стр. 177

فَصَلَّى، ثُمَّ صَعِدَ المِنْبَرَ، فَخَطَبَنَا حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ، فَأَخْبَرَنَا بِمَا كَانَ وَبِمَا هُوَ كَائِنٌ، فَأَعْلَمُنَا أَحْفَظُنَا». وأما ما نقله عن " تاريخ ابن عساكر " من مقالة بعض العلماء فلا أدري ولا غيري يدري ما الحامل له على ذكره؟ ورواية أبي هريرة ليس فيها ما يُشْتَمُّ منه أن النَّبِيَّ كتم شيئًا عن جميع الصحابة، ولا اِدَّعَى أبو هريرة ذلك، وإنما هو من تجنيات أَبِي رَيَّةَ. زَعْمُهُ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ لَمْ يُذْكَرْ فِي طَبَقَاتِ الصَّحَابَةِ وَلَيْسَتْ لَهُ فَضِيلَةٌ وَلاَ مَنْقَبَةٌ: في [ص ١٨٤] قال: «ومن هو أبو هريرة حتى يؤثره النَّبِيُّ ﷺ بشيء يخصه به، ويكتمه ويخفيه من أصفيائه وأحبابه وأقرب الناس إليه، إنه لم يكن له أي فضل يدنو به إلى النَّبِيِّ، ولا عُدَّ بعد انتقال الرسول إلى الرفيق الأعلى من أية طبقة من طبقات الصحابة، فلا هو من السابقين الأولين، ولا من المهاجرين ولا من الأنصار، ولا من المجاهدين بأموالهم وأنفسهم، ولا من النقباء، ولا من العرفاء، ولا من الكملة في الجاهلية وأول الإسلام، ولا من شعراء النَّبِيِّ ﷺ الذين نافحوا عنه، ولا من المفتين، ولا من القُرَّاءِ الذين حفظوا القرآن، ولا جاء في فضله حديث عن الرسول، وكل ما عرف عنه أنه كان عريف أهل الصفة لا أكثر ولا أقل. ثم زاد الجهل جهلاً فجاء في الحاشية [ص ١٨٤] فذكر: أنهم قسموا الصحابة من حيث فضلهم إلى اثتني عشرة درجة ثم ذكرها ... وقد مَثَّلَ الحاكم لكل طبقة ببعض الصحابة ولم يذكر أبا هريرة فيمن مَثَّلَ بهم. وقال في حاشية [ص ١٨٥]: روى البخاري وغيره أحاديث كثيرة في فضائل طائفة كبيرة من أجلاء الصحابة لم نر بينهم أبا هريرة. وفي الحق أنَّ المؤلف لم يغرق في الجهل مثل ما أغرق في هذه الفقرات

стр. 178

وإليك مفصل الحق فيما ذكره: أما ما زعمه من أنه لم يعد في أي طبقة من طبقات الصحابة فمردود، ولو كان على شيء من العلم والفهم لعلم أنه مِمَّنْ هاجر بين الحديبية والفتح، إذ الثابت أنه قدم على النَّبِيِّ مهاجرًا من بلده سَنَةَ سَبْعٍ، والحاكم حينما قسم الصحابة إلى اثتني عشرة طبقة إنما قصد التقسيم الكلي، ولم يقصد سرد أسماء كل طبقة ولا استيعابهم، لأن هذا أمر يطول، وكان على المؤلف - وهو الذي يزعم أنه طوف في مئات الكتب - أن يعرف أنه في الطبقات التي دللناه عليها. وأما ما زعمه من أنه لم يكن له أي فضل يدنو به إلى النَّبِيِّ ﷺ فغير صحيح، فبحسبه فضلاً أنه صاحب رسول الله ﷺ ، وأنه لازمه ما يزيد عن ثلاث سنين، وأن النَّبِيَّ دَعَا لَهُ وَلأُمِّهِ أَنْ يُحَبِّبْهُمَا إِلَى عِبَادِهِ المُؤْمِنِينَ، وَيُحَبِّبَ إِلَيْهِمَا المُؤْمِنِينَ، وأنه عريف أهل الصُفَّةِ وهم أضياف الإسلام وأحباب الرسول ﷺ وأنه دعا فَأَمَّنَ النَّبِيُّ على دعائه، وكذلك ما زعمه من أنه لَمْ يَرِدْ في فضله حديث فمردود أيضًا، فقد ذكره الإمام مسلم في الصحابة الذين لهم فضائل، وعقد له الإمام النووي بَابًا (١)، وذكر له الإمام الحاكم في " مستدركه " جملة صالحة من مناقبه استغرقت بضع صحائف (٢)، والإمام البخاري وإن لم يعقد له ترجمة خاصة لكن ذكر فضائله ضمن أبواب كتابه (٣). ولعلك على ذكر مِمَّا نقلناه من كلام الحافظ ابن حجر في " الفتح " من عد ما ثبت من مناقبه وأما قوله: ولا من المهاجرين، فغير صحيح، فقد هاجر من بلده

стр. 179

إلى المدينة، وَتَحَمَّلَ في سبيل الإسلام، ومجاورته للرسول بالمدينة من شظف العيش، وغربة الأهل والدار، قال الحافظ ابن حجر في " الإصابة ": «وَكَانَ إِسْلاَمَهُ بَيْنَ الحُدَيْبِيَةِ وَخَيْبَرَ، قَدِمَ المَدِينَةَ مُهَاجِرًا، وَسَكَنَ الصُّفَّةِ، مَعَ أَنَّ الهِجْرَةَ لَمْ تَكُنْ وَاجِبَةً قَبْلِ الفَتْحِ إِلاَّ مِنْ مَكَّةَ إِلَى المَدِينَةِ، أَمَّا مَا عَدَا مَكَّةَ فَلاَ». وكذا قوله: ولا من المجاهدين بأموالهم أو بأنفسهم، أما بالأموال فقد كان مُعْدَمًا، وأما بالنفس فقد حضر مع النَّبِيِّ خيبر، كما ذكره الإمام ابن عبد البر، وحضر معه المغازي بعد ذلك، كما حَدَّثَ هو عن نفسه ورواه ابن سعد. وكذا قوله: ولا من المفتين، ولا من القُرَّاءِ الذين حفظوا القرآن، وبحسبنا في الرَدِّ على ذلك ما ذكرته آنِفًا من أنه كان من أهل الفتوى، وَمِمَّنْ عُرِفَ بإقراء القرآن. زَعْمُهُ تَشَيُّعَ أَبِي هُرَيْرَةَ لِبَنِي أُمَيَّةَ: ذكر في [ص ١٨٥] «تشيع أبي هريرة لبني أمية» وقد ذكر تحت هذا العنوان أنه كان مُعْدَمًا، ورماه بكلمات نابية يتعفف القلم عن أن يخطها، وأنه لما شبت الحرب بين عَلِيٍّ ومعاوية انحاز إلى الناحية التي يميل إليها طبعه وهي ناحية معاوية ليشبع نهمه من ألوان موائده الشهية، وذكر أنه لم يثر إِلاَّ بعد أن صانع بني أمية وتزلف إليهم وأغدقوا عليه العطاء، وأن ولاة بني أمية على المدينة كانوا ينيبونه عنهم إذا ما غابوا عنها، ولقد أسف في هذا الفصل إسفافًا لا يليق برجل ذي دين وخلق فضلاً عن مسلم. وَقَدْ قَدَّمْتُُ الرَدِّ على بعض هذه الفرى، وأزيد هنا فأقول: ١ - أبو هريرة لم يكن مُتَشَيِّعًا لبني أمية يَوْمًا مَا، وإنَّ ثراءه كان قبل بني أمية بزمن طويل، وقصة محاسبة عمر له على أمواله أكبر شاهد

стр. 180

على ذلك وقد عرض لها المؤلف [ص ١٩٢] وإن كان حَرَّفَهَا وَبَدَّلَهَا، والروايات الصحيحة تدل على أن أبا هريرة كان معارضًا لبني أمية، وَمُنَدِّدًا بِوُلاَّتِهِمْ السُّفَهَاءِ روى الإمام البخاري في " صحيحه " عن عمرو بن يحيى بن سعيد، قال: أخبرني جَدِّي قال: «كنت جالسا مع أبي هريرة في مسجد النَّبِي ﷺ بالمدينة ومعنا مروان فقال أبو هريرة: سمعت الصادق المصدوق يقول: «هَلاَكُ أُمَّتِي عَلَى يَدَيْ غِلْمَةٍ مِنْ قُرَيْشٍ» وفي رواية: «غِلْمَةٍ سُفَهَاء». فقال أبو هريرة: «لَوْ شِئْتَ أَنْ أُسَمِّيَهُمْ بَنِي فُلاَنٍ، وَ [بَنِي] فُلاَنٍ لَفَعَلْتُ». وكان ذلك كما قال الحافظ في " الفتح " في زمن معاوية، فهل يصح في المعقول أن من يقول: هذا يكون مُتَشَيِّعًا لبني أمية؟؟ ٢ - وأصرح من ذلك في الدلالة على شجاعته وجرأته في الحق وتنديده ببني أمية ما رواه ابْنُ أَبِي شَيْبَة عَنْ أَبِي هُرَيْرَة رَفَعَهُ: «أَعُوذ بِاَللَّهِ مِنْ إِمَارَة الصِّبْيَان، قَالُوا وَمَا إِمَارَة الصِّبْيَان؟ قَالَ: إِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ هَلَكْتُمْ - أَيْ فِي دِينكُمْ - وَإِنْ عَصَيْتُمُوهُمْ أَهْلَكُوكُمْ .. أَيْ فِي دُنْيَاكُمْ بِإِزْهَاقِ النَّفْس أَوْ بِإِذْهَابِ الْمَال أَوْ بِهِمَا» بل روى ابْنُ أَبِي شَيْبَة أيضًا: «أَنَّ أَبَا هُرَيْرَة كَانَ يَمْشِي فِي السُّوق وَيَقُول: اللَّهُمَّ لاَ تُدْرِكنِي سَنَةَ سِتِّينَ وَلاَ إِمَارَةَ الصِّبْيَان» يريد يزيد بن معاوية فقد تولى سَنَةَ ستين ونحن نعلم ما فعله معاوية كي يجعل ولاية العهد لابنه، فهل يعقل أن يكون من يقول هذا القول متشيعًا لبني أمية ولا سيما معاوية؟؟ وإذا كان مروان أو غيره كانوا ينيبونه في غيبتهم، فليس ذلك لتملقه أو تشيعه لهم وإنما ذلك كان لفضله ومنزلته، وليس أدل على هذا من القصة التي رواها ابن سعد (١) بسنده عن الوليد بن رباح قال: سمعت أبا هريرة يقول لمروان: «وَاللَّهِ مَا أَنْتَ بوالٍ، وَإِنَّ الوَالِيَ لَغَيْرُكَ فَدَعْهُ - يعني حين أرادوا أن يدفنوا الحسن مع جده رَسُولُ اللهِ ﷺ ، وَلَكِنَّكَ تَدَخَّلُ فِيمَا لاَ يَعْنِيكَ، إِنَّمَا تُرِيدُ بِهَذَا إِرْضَاءَ مَنْ هُوَ غَائِبٌ عَنْكَ» - يَعْنِي مُعَاوِيَةَ - فأقبل عليه مروان مغضبًا فقال: «يَا أَبَا هُرَيْرَةَ إِنَّ النَّاسَ قَدْ قَالُوا: إِنَّك أَكْثَرْتَ عَلَى رَسُولِ اللهِ - صَلََّى
следующие страницы →