← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 37593

دفاع عن السنة ورد شبه المستشرقين ط مجمع البحوث

محمد أبو شهبة

Полный текст (287 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

" الدَّلائِل " وَلِكُلٍّ مِنْهَا حِكْمَةٌ، فَالأَوَّل وَقَعَ فِيهِ مِنْ الزِّيَادَة كَمَا عِنْد " مُسْلِمٍ " مِنْ حَدِيث أَنَس " فَأَخْرَجَ عَلْقَمَة فَقَالَ: هَذَا حَظّ الشَّيْطَان مِنْك " وَكَانَ هَذَا فِي زَمَن الطُّفُولِيَّة فَنَشَأَ عَلَى أَكْمَل الأَحْوَال مِنْ الْعِصْمَة مِنْ الشَّيْطَان، ثُمَّ وَقَعَ شَقّ الصَّدْر عِنْد الْبَعْث زِيَادَة فِي إِكْرَامه لِيَتَلَقَّى مَا يُوحَى إِلَيْهِ بِقَلْبٍ قَوِيّ فِي أَكْمَل الأَحْوَال مِنْ التَّطْهِير، ثُمَّ وَقَعَ شَقّ الصَّدْر عِنْد إِرَادَة الْعُرُوج إِلَى السَّمَاء لِيَتَأَهَّب لِلْمُنَاجَاةِ». ولا أدري ما وجه المقارنة بين الشق والصلب؟ فالشق أمر حق وممكن وثابت بالأسانيد الصحيحة، والصلب أمر باطل وفيه مخالفة للعقل والنقل، وقد نفاه " القرآن " الصادق نفيًا بَاتًّا، قال تعالى: ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا، بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ (١). ولئن جاز استبعاد شق الصدر في العصور السابقة لا يجوز أَنْ يستبعد في عصورنا هذه التي تقدم فيها الطب تقدما عجيبا، حتى أصبحت العمليات تجري في القلب وفي المخ وغيرهما من الأعضاء التي هي بسبب وثيق من حياة الإنسان. وهذا مِمَّا يقرب إلى النفوس التي دأبت على الجحود هذه المعجزة النبوية التي جرت بغير جراحة وبغير مبضع. وبعد كل هذا التهجم والطعن بغير حق أحالنا في الاستزادة من معرفة الإسرائيليات والمسيحيات إلى كتب التفسير والحديث والتاريخ، وإلى كتب المُسْتَشْرِقِينَ أمثال جولدتسيهر وفُونْ كْرِيمِرْ وغيرهما، وبهذا استعان - المؤلف وكشف لنا عن حقيقة نفسه، وفي الحق أنه ما أوقعه في كل هذا الزلل وتلك العثرات المتلاحقة إِلاَّ متابعته لأساتذته من المُسْتَشْرِقِينَ والمُبَشِّرِينَ الذين اتخذهم له أئمة. وغاب عليه ما يضمره هؤلاء اليهود المعاصرين السَبَئِيُّونَ من حقد وضغينة على الإسلام والمسلمين، ولم يجدوا ثغرة ينفذون منها إلى

стр. 107

أغراضهم السيئة إِلاَّ النيل من السُنَّة ومحاولة التشكيك فيها وإطفاء هذا القبس الإلهي، ويأبى الله إِلاَّ أن يتم نوره، ولو كره الكافرون. أَبُو هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ -: وقد عرض «أَبُو رَيَّةَ» في كتابه لترجمة الصحابي الجليل أبي هريرة ﵁ فيما يربو على خمسين صفحة، ولم يدع منقصة ولا مذمة إِلاَّ ألصقها به، وعلى أَنَّ الفصل معقود لأبي هريرة، فقد نال من غيره من الصحابة كما نال منه، وَجَرَّحَهُمْ كما جَرَّحَهُ، وَتَهَكَّمَ بجمهور أهل العلم الذين قالوا إِنَّ الصحابة كلهم عدول، وقولهم ما لا يقولون لذلك كان لِزَامًا عَلَيَّ أَنْ أكتب بين يدي الرُدُودَ كلمة عن الصحابة - رِضْوَانُ اللهِ تَعَالَى عَلَيْهِمْ - لأضع الحق في نصابه في هذا الموضوع. مَنْزِلَةُ الصَّحَابَةِ فِي الإِسْلاَمِ: الصحابي في عُرْفِ العلماء وأئمة الحديث هو من لقي النَّبِي ﷺ مؤمنا به ومات على ذلك، فمن ارتد ومات على ردته بطلت صحبته، ومن تاب وعاد إلى الإسلام عادت إليه الصحبة على الأصح، وكذلك من أظهر الإسلام وأبطن الكفر من أهل النفاق بمعزل عن شرف الصُحْبَةِ، وقد تَكَفَّلَ الله ورسوله بالكشف عن نفاق هؤلاء، والجمهور من العلماء على أَنَّ الصُحْبَةَ لا يشترط فيها طول الوقت، ولا الجهاد والإنفاق في سبيل الإسلام، وبعض العلماء اشترط في الصحبة طول الملازمة والمعاشرة، وَأَنْ يكون غزا مع النَّبِي غزوة أو غزوتين، ومع أَنَّ الجمهور من العلماء على عدم اشتراط طول الصحبة أو الغزو أو الإنفاق إِلاَّ أنهم يرون أَنَّ من طالت صحبته بِالنَّبِيِّ أو سمع منه أو غزا معه أو بذل نفسه وماله في سبيل نصرته أحق بالفضل وأولى بالتقديم مِمَّنْ ليس كذلك، قال الحافظ ابن حجر في " شرح نخبة الفكر ": «لاَ خَفاءَ برُجْحانِ رُتبةِ مَن لازَمَه ﷺ ، وقاتَلَ معَهُ، أََوْ قُتِلَ تَحْتَ رَايتِهِ، عَلَى مَنْ لَمْ يُلازمْهُ،

стр. 108

أََوْ لَمْ يَحْضُرْ مَعَهُ مَشْهَدًا، وَعَلَى مَنْ كلَّمَهُ يَسيرًا، أََوْ مَاشَاهُ قَليلاً، أَو رآهُ على بُعْدٍ، أََوْ فِي حَالِِ الطُّفولةِ، وَإِِنْ كَانَ شرفُ الصُّحْبةِ حَاصِلاً للجَميعِ، وَمَنْ لَيْسَ لَهُ مِنْهُمْ سَمَاعٌ منهُ؛ فَحَدِيثُهُ مُرْسَلٌ مِنْ حَيْثُُ الرِّوايةُ، وَهُمْ مَعَ ذَلِكَ مَعْدُودُونَ فِي الصَّحَابَةِ، لِمَا نَالُوهُ مِن شرفِ [الرُّؤيةِ]» (١). ويشير إلى هذا المعنى قول الله تعالى: ﴿لاَ يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ (٢). عَدَالَةُ الصَّحَابَةِ: والصحابة كلهم عدول عند جمهور العلماء من المُحَدِّثِينَ والفقهاء والأصوليين، ومعنى عدالتهم: أنهم لا يتعمدون الكذب على رسول الله ﷺ لما اتصفوا به من قوة الإيمان والتزام التقوى والمروءة وَسُمُوِّ الأخلاق والترفع عن سفاسف الأمور وليس معنى عدالتهم أنهم معصومون من المعاصي أو من السهو أو الغلط فإن ذلك لم يقل به أحد من أهل العلم، ولم يخالف في عدالتهم إِلاَّ شذاذ من المبتدعة وأهل الأهواء، لا يعتد بأقوالهم وآرائهم لعدم استنادها إلى برهان ولا يتسع المقام الآن لذكر آرائهم ومناقشتها، وبحسبنا هذا الإجمال والإيجاز في هذا المقام. وعدالة الصحابة ثابتة معلومة بتعديل الله سبحانه لهم وإخباره عن طهارتهم وأنهم خير الأمم وأوسطها وأزكاها وأتقاها، قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ (٣) الآية، والوسط هم الخيار العدول، إذ الوسط من كل شيء خياره وأعدله، وقال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ (٤) وليس من شك في أَنَّ الخطاب في الآيتين يدخل فيه الصحابة دخولاً أوليًا، وقال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ (٥) وقال: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ

стр. 109

إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ (١) الآية، وقال: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ (٢)، إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة التي تزكيهم وتشيد بفضلهم ومآثرهم وصدق إيمانهم وإخلاصهم وسمو أخلاقهم، وأي تزكية بعد تزكية الله الذي لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء؟ ومن أصدق من الله قِيلاً؟ وأيضا فقد نَوَّهَ بعدالتهم نبينا محمد - صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلاَمُهُ عَلَيْهِ - ودعا إلى معرفة حقوقهم وإكرامهم، وعدم إيذائهم والتهجم عليهم لما لهم من الأفضال، ففي " الصحيحين " مرفوعًا: «لاَ تَسُبُّوا أَصْحَابِي، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا أَدْرَكَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلاَ نَصِيفَهُ». وقد تواتر عن النَّبِي ﷺ في " الصحيحين " وغيرهما من كتب السُنَّة المعتمدة أنه قال: «خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ»، الحديث. وروى الترمذي وابن حبان في " صحيحه " أن النَّبِي ﷺ قال: «اللَّهَ اللَّهَ فِي أَصْحَابِي، لاَ تَتَّخِذُوهُمْ غَرَضًا بَعْدِي، فَمَنْ أَحَبَّهُمْ فَبِحُبِّي أَحَبَّهُمْ، وَمَنْ أَبْغَضَهُمْ فَبِبُغْضِي أَبْغَضَهُمْ، وَمَنْ آذَاهُمْ فَقَدْ آذَانِي، وَمَنْ آذَانِي فَقَدْ آذَى اللَّهَ، وَمَنْ آذَى اللَّهَ فَيُوشِكُ أَنْ يَأْخُذَهُ». وروى البزار في " مسنده " بسند رجاله موثقون أنَّ رسول الله ﷺ قال: «إِنَّ اللَّهَ اخْتَارَ أَصْحَابِي عَلَى الثَّقَلَيْنِ سِوَى النَّبِيِّينَ وَالْمُرْسَلِينَ». والواقع التاريخي يؤيد هذا الحديث كل التأييد، وإنما يعلم ذلك حق العلم من اطلع على تاريخ الصحابة وسيرهم، وما كانوا عليه من العلم والعمل والتقوى وطهارة الأخلاق والترفع عن الأهواء والشهوات، وقد كان كبار الصحابة ولا سيما الخلفاء الراشدون يعرفون هذا الفضل لكل صحابي، وَإِنْ لم يكن له من الصحبة إِلاَّ الرؤية ... وقد روي أنه جيء للفاروق عمر ﵁ برجل بدوي هجا الأنصار فقال لهم: «لولا أن له صحبة من رسول الله ﷺ ما أدري

стр. 110

ما نال فيها لكفيتكموه ولكن له صحبة منه» فها هو ذا عمر على صرامته في الحق قد توقف عن معاتبته، فضلاً عن معاقبته لكونه علم أنه حظى بشرف الصُحْبَةِ. على أنه لو لم يرد من الله ورسوله فيهم شيء مِمَّا ذكرنا لأوجبت الحال التي كانوا عليها - من الهجرة وترك الأهل والمال والولد والجهاد ونصرة الإسلام وبذل المهج والأموال وقتل الآباء والأبناء في سبيل الله - القطع بتعديلهم واعتقاد نزاهتهم وأمانتهم، وأنهم كانوا أفضل من كل من جاء بعدهم. وقد عرف أئمة الإسلام كل هذا للصحابة، روى الحافظ أحمد البيهقي أَنَّ الإمام الشافعي - وهو من هو دينًا وعقلاً وعلمًا وألمعية - ذكر الصحابة في رسالته القديمة وأثنى عليهم بما هم أهله ثم قال: «وهم فوقنا في كل علم واجتهاد وورع وعقل وأمر استدرك به علم واستنبط به، وآراؤهم لنا أحمد وأولى بنا من آرائنا عندنا لأنفسنا» (١) وقال الإمام أبو زرعة الرازي: «إِذَا رَأَيْتَ الرَّجُلَ يَنْتَقِصُ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَاعْلَمْ أَنَّهُ زِنْدِيقٌ , وَذَلِكَ أَنَّ الرَّسُولَ ﷺ حَقٌّ , وَالْقُرْآنَ حَقٌّ , وَمَا جَاءَ بِهِ حَقٌّ، وَإِنَّمَا أَدَّى ذَلِكَ كُلَّهُ إِلَيْنَا الصَحَابَةُ، وَهَؤُلاَءِ - يُرِيدُ الزَّنَادِقَةَ وَأَشْبَاهَهُمْ - يُرِيدُونَ أَنْ يُجَرِّحُوا شُهُودَنَا لِيُبْطِلُوا الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ , وَالْجَرْحُ بِهِمْ أَوْلَى، وَهُمْ زَنَادِقَةٌ» وما أحكمها من كلمة ألقى بها الله سبحانه على لسان أبي زرعة ﵀، ولا يدخلن الشك إلى نفسك ما رُوِيَ من مراجعة الخليفتين أبي بكر وعمر لبعض الصحابة في بعض مروياتهم وطلبهم شاهدًا ثانيًا، ومراجعة بعض الصحابة لبعض في القليل النادر، فذلك ليس لتهمة ولا تجريح، وإنما هو أمر لزيادة اليقين والتثبت، وقد وضع الخليفتان الراشدان بهذا التحوط البالغ والتثبت المحمود المنهج السليم في التثبت في الرواية، وليس أَدَلَّ على هذا من قول عمر ﵁ لأبي موسى الأشعري وقد طلب منه أَنْ يأتي بمن يشهد معه أنه سمع ما رواه

стр. 111

له عن رسول الله. قال الفاروق: «أَمَا إِنِّي لَمْ أتَّهِمْكَ وَلَكِنَّهُ الحَدِيثُ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ». فهل بعد هذا القول الصريح يتهم الصحابة متهجم ويتظنن ظان؟!. الصَّحَابِيُّ المَظْلُومُ: لم أجد أَحَدًا من الصحابة فيما أعلم تعرض لسهام النقد الظالم بمثل ما تعرض له الصحابي الجليل أبو هريرة - رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ - وهذه الحملة الجائرة تضرب في القدم إلى آماد بعيدة، فقد نقل لنا العلامة ابن قُتيبة في كتابه " تأويل مختلف الحديث " (١) الكثير مِمَّا رمى به أبو هريرة في القديم من النظام وأمثاله من أهل البدع والأهواء، ولم نر أحدًا يعتد به من أئمة العلم في الإسلام تعرض لأبي هريرة بما يغض من شأنه أو يحط من قدره، ثم جاء بَعْضُ المُسْتَشْرِقِينَ فوقعوا على أقوال هؤلاء المتحاملين فأخذوا وزادوا وأعادوا فيها، ثم طلعوا علينا بآراء مبتسرة وأحكام جائرة، ولعل من نافلة القول أَنْ أنبه إلى الأغراض السيئة التي يقصدها المُسْتَشْرِقُونَ من وراء حملاتهم، التي هي امتداد للحملات الصليبية، والتي يقصدون منها تقويض دعائم الإسلام والعروبة، وإضعاف الروح الدينية في المسلمين، كي يتم لدولهم ما تريد من الاستعمار والاستئثار بخيرات البلاد واستذلال رقاب العباد، وَهُمْ - يشهد الله - يريدون من الطعن في الصحابة حِينًا وفى السُنَّة حِينًا آخر تشكيك المسلمين في الأصل الثاني من أصول التشريع في الإسلام وهي السُنَّة وتقليل الثقة بها، وإذا تشكَّك المسلمون في السُنَّة وقلَّلوا الثقة بها استعجم عليهم فهم القرآن ومعرفة حقيقة المراد منه، إذ السُنَّة شارحة للقرآن وَمُبَيِّنَةٌ لَهُ، وإذا استعجم على المسلمين القرآن فَقُلْ على الإسلام والعروبة العفاء، وقد نجح المُسْتَشْرِقُونَ إلى حد ما في التأثير في بعض الكُتَّابِ المسلمين في عصرنا الأخير فاقتفوا

стр. 112

آثارهم فيما زعموا وَرَدَّدُوا من دعاوى لم تقم عليها بيِّنات، بل وزادوا عليها من عند أنفسهم، وكل هؤلاء وأولئك نفثوا سمومهم باسم البحث والمعرفة وَحُرِِيَّةَ النقد، والله يعلم والراسخون في العلم يعلمون أَنَّ ما زعموا أبعد ما يكون عن العلم الصحيح، والبحث القويم والنقد النزيه، وقد جاء مؤلف كتاب " أضواء على السُنَّة " فردَّد ما قالوه، بل زاد الطين بلَّة فعقد في كتابه فصلاً طويلاً تحت عنوان «أبو هريرة» حشاه بكل جارحة من القول، وتهجم فيه على أبي هريرة وغيره من الصحابة ورماهم بالكذب والاختلاق، وقد رَدَّدَ في هذا مقالة «النظام» التي نقلها عنه ابن قتيبة في كتابه وتبعه حذو القذة بالقذة، ولا تكاد تطلع على صفحة من هذا الفصل إِلاَّ وتجد فيها من الأخطاء العلمية ما نربأ بأي باحث عنها، ولذا يظهر لي أَنَّ المؤلف دخل إلى هذا البحث وهو متشبع بفكرة خاصة مِمَّا نأى به عن البحث الصحيح، وقواعد البحث العلمي النزيه تقتضي من الباحث إذا ما شرع في بحث أَنْ يجمع مادته ونصوصه، ثم يُجَرِّدُ نفسه من كل هوى أو رأي، ثم يبحث ويمحص ويدقق ويوازن بين النصوص كي يأتي حكمه أقرب إلى الحق والصواب، أما أَنْ يدع ما يشاء على حسب هواه، فهذا ما لا تقره قواعد البحث الصحيح والنقد النزيه. عدم رعاية أَبِي رَيَّةَ للأمانة العلمية: والمؤلف في سبيل الوصول إلى ما يريد يقتضب بعض النقول ويقتصر على بعضها، على طريقة ﴿لاَ تَقْرَبُوا الصَّلاَةَ﴾ (١) ويدع ﴿وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ (٢) ويترك بعض الروايات القوية التي لا تطاوعه إلى ما قصد، ويستشهد بالروايات الضعيفة ما دامت تسعفه. وإليك بعض المثل أجتزئ بها عن كثير مِمَّا وقع فيه كي لا يظن ظان أني أتجنى أو أتنكب طريق الإنصاف: ففي ص [١٦٨] قال في معرض الاستدلال على اتِّهامه أبا هريرة

стр. 113

بالكذب ما نصه: «ولما سمع الزبير أحاديثه قال: «صدق، كذب» وإيراد النص بهذا الوضع يوهم اتِّهام الزبير لأبي هريرة بالكذب، وإليك النص بتمامه كي تؤمن معي بما أقول، قال صاحب " البداية والنهاية " (١): «وَرَوَى عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ قال: قَالَ لِي أَبِي [الزُّبَيْرُ]: " أدنني من هذا اليماني - يعني أبا هريرة - فإنه يكثر الحديث عن رسول الله ﷺ " قَالَ: فَأَدْنَيْتُهُ مِنْهُ، فَجَعَلَ أَبُو هُرَيْرَةَ يُحَدِّثُ، وَجَعَلَ الزُّبَيْرُ يَقُولُ: صَدَقَ، كَذَبَ " ... قُلْتُ: " يَا أَبَتِ مَا قَوْلُكَ صَدَقَ، كَذَبَ؟ " قَالَ: أَمَّا أَنْ يَكُونَ سَمِعَ هَذِهِ الأَحَادِيثِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلاَ أَشُكُّ، وَلَكِنْ مِنْهَا مَا وَضَعَهُ عَلَى مَوَاضِعِهِ، وَمِنْهَا مَا وَضَعَهُ عَلَى غَيْرِ مَوَاضِعِهِ "». فهل ترى في هذا النص بتمامه ما يشهد لما ذهب إليه؟ ومن أمثلة أخذه ببعض الروايات لأنه يشهد له، وترك البعض الآخر وَإِنْ كان أقوى لأنه لا يشهد له، ما ذكره في [ص ١٩٢] من أَنَّ عمر ﵁ استعمل أبا هريرة عاملاً على البحرين، ثم بلغه أشياء تخل بأمانته فعزله وَوَلَّى مكانه غيره، وَأَنَّ عمر أهانه وكلمه بكلام شديد. وكنا نحب من المؤلف أَنْ يُبَيِّنَ لنا مرجعه لنرى إذا كان من المراجع الموثوق بها أم لا، وإليك القصة كما جاءت في " الإصابة " (٢) وهي أوثق كتاب في تاريخ الصحابة، قال الحافظ في " الإصابة ": «وقال عبد الرازق أخبرنا معمر عن أيوب عن ابن سيرين: أَنَّ عمر استعمل أبا هريرة على البحرين، فقدم بعشرة آلاف فقال له عمر: " اسْتَأْثَرْتَ بِهَذِهِ الأَمْوَالِ فَمِنْ أَيْنَ لَكَ؟ " قال: " خَيْلٌ نُتِجَتْ، وَأَعْطِيَةٌ تَتَابَعَتْ، وَخَرَاجُ رَقِيقٍ لِي "، فَنَظَرَ فَوَجَدَهَا كَمَا قَالَ، ثُمَّ دَعَاهُ لِيَسْتَعْمِلَهُ فَأَبَى، فقال: " لَقَدْ طََلَبَ العَمَلَ مَنْ كَانَ خَيْراً مِنْكَ "، قال: " إِنَّهُ يُوسُفُ نَبِيُّ اللهِ ابْنُ نَبِيِّ اللهِ، وَأَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ بْنُ أُمَيْمَةَ، وَأَخْشَى ثَلاَثاً: أَنْ أَقُوْلَ بِغَيْرِ عِلْمٍ، أَوْ أَقْضِيَ بِغَيْرِ حُكْمٍ، أَوْ يُضْرَبَ ظَهْرِي، وَيُشْتَمَ عِرْضِي، وَيُنْزَعَ مَالِي "»

стр. 114

وقد روى هذه القصة أيضا الحافظ ابن كثير في " بدايته " (١) ثم قال عقبها: وذكر غيره أَنَّ عمر غَرَّمَهُ في العمالة الأولى اثنى عشر ألفًا، فلهذا امتنع في الثانية. فها أنت ذا ترى أَنَّ رواية عبد الرازق ليس فيها اتهام لأبي هريرة بل فيها تبرئة لساحته، ثم هي قد اتفق عليها إمامان لهما في النقد باع طويل، ولعل في أسلوب ابن كثير وإشاراته إلى الرواية الأخرى ما يشعر بعدم ارتضائه، لها وأيضا فعبد الرازق إمام جليل وأحرى بروايته أَنْ ترجح، ثم هل ترى لو أَنَّ عمر ﵁ وجده مُتَّهَمًا - كما زعم المؤلف - أكان يعرض عليه الإمارة مَرَّةً ثانية وسيرة الفاروق وتشدده مع الولاة معروفة؟ وهكذا يَتَبَيَّن لنا أَنَّ رواية عبد الرازق هي التي يجب أَنْ يُعَوَّلَ عليها، ولعلك بعد ما سمعت آمنت معي أَنَّ المؤلف يدع ما يشاء ويأخذ ما يشاء بالهوى والتشهي لا بالحُجَّة والبرهان، وأنه ما عدل عن رواية عبد الرازق إلى الأخرى إِلاَّ لحاجة في نفسه! ومن ذلك أيضا ما ذكره في ص [١٦٣] «من أَنَّ عمر ﵁ قال لأبي هريرة: " أكثرت يا أبا هريرة من الرواية وأحرى بك أن تكون كاذبا على رسول الله "، وأوعده إِنْ لم يترك الحديث عن رسول الله فإنه ينفيه إلى بلاده، وأنه قال له: " لَتَتْرُكَنَّ الحَدِيثَ عَنِ رَسُولِ اللَّهِ أَوْ لأُلْحِقَنَّكَ بِأَرْضِ دَوْسٍ " ... » ولم أجد رمي عمر له بالكذب في أي كتاب من الكتب الموثوق بها، اللَّهُمَّ إِلاَّ إذا كان المؤلف وقع عليه في كتاب من كتب الأدب أو نحوها أو أتى به من بنات خياله، وليس في توعده له بإلحاقه بأرض دوس ما يشم منه رائحة الاتهام بالكذب وإنما هو التحوط وزيادة التثبت، والإكثار مظنة الغلط أو السهو، ومذهب الفاروق في التثبت في الرواية معروف.

стр. 115

اعتماده في الأحاديث على كتب الأدب والتواريخ ونحوها: ومن عجيب شأن مؤلف كتاب " أضواء على السُنَّة " أنه على ما زعم من أنه طوف في عشرات من كتب الحديث كيف خفى عليه ما قرره الأئمة المُحَدِّثُونَ من أَنَّ المرويات لا يعتمد في الوثوق بها وقبولها على كتب الأدب والتواريخ؟ إذ فيها زيف كثير وغث غير قليل، وَأَنَّ الحديث لاَ يُؤْخَذُ إِلاَّ من كتب الأئمة الثقات، الذين يرجع إليهم في معرفة الصحيح من الضعيف والمقبول من المردود، ومن قواعدهم التي وضعوها: من روى حديثًا فعليه أَنْ يبرز سنده أو ينسبه إلى من خَرَّجَهُ، وإلا فليس له أَنْ ينسبه إلى رسول الله ﷺ إِلاَّ بصيغة التضعيف كَقِيلَ وَرُوِىَ وَيُذْكَرُ ونحوها، وليس له أَنْ ينسبه إلى رسول الله بصيغة الجزم إِلاَّ إذا تحقق من صحته أو حسنه، وقد اعتمد المؤلف في كثير مِمَّا نقل على كتاب " الشعر والشعراء " وكتاب " ثمار القلوب في المضاف والمنسوب " و " مقامات بديع الزمان الهمذاني " و " المثل السائر " و " شرح نهج البلاغة " و " حياة الحيوان " للدميري و " نهاية الأرب " ونحوها، ولست بهذا أقصد [الإزدراء] بهذه الكتب ولا بأصحابها، ولكني أحب أَنْ أقول: إِنَّ كثيرين من العلماء يكونون ثقات في فنونهم، ولكنهم لا يُعْتَمَدُ عليهم في رواية الحديث، ومعرفة صحيحه من سقيمه، لأنهم ليسوا من رجاله وصيارفته، وإذا كان ابن اسحق - وهو إمام أهل المغازي - قد ضعفوه في رواية الحديث، على ما بين التأليف في الحديث والسير في القديم من سبب وثيق، فما بالك بغيره من أهل الأدب واللغة والمباحث العامة! وإني لأهتبل هذه الفرصة لأُبَيِّنَ للباحثين وَأُنَبِّهَ المسلمين إلى أنَّ كتب الأدب والتواريخ والأخلاق والمواعظ ونحوها مشتملة على الكثير من الإسرائيليات والأحاديث المكذوبة التي هي دخيلة على الإسلام، وقد بَيَّنْتُ هذا في كتابي " الوضع في الحديث ورد شُبَهِ المُسْتَشْرِقِينَ والكتاب المعاصرين ".

стр. 116

مخالفة أَبِي رَيَّةَ لبدائه العقول: ومن أجل أَنَّ المؤلف اعتمد على كتب الأدب ونحوها في النقل، ولا سيما في موضوع دقيق يتعلق بتاريخ صحابي جليل، وهو أبو هريرة - رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ -، وأنه أخذ في البحث وهو متشبع بهوى خاص، فقد وقع في أخطاء نربأ بطالب مبتدئ أَنْ يقع فيها. فمن ذلك ما ذكره في [ص ١٥٦] من التهكم بأبي هريرة وتسميته بشيخ المضيرة، قال نقلا عن كتاب " ثمار القلوب " للثعالبي: «وكان يعجبه المضيرة جِدًّا فيأكل مع معاوية، فإذا حضرت الصلاة صَلَّى خلف عَلِيٍّ ﵁، فإذا قيل له في ذلك قال: " مُضَيْرَةُ مُعَاوِيَةَ أَدْسَمُ وَأَطْيَبُ، وَالصَّلاَةُ خَلْفَ عَلِيٍّ أَفْضَلُ "، وكان يقال له شيخ المضيرة» (١). وكيف يصح هذا في العقول وعَلِيٌّ كان بالعراق ومعاوية كان بالشام وأبو هريرة كان بالحجاز، إذ الثابت أنه بعد أَنْ تولى إمارة البحرين في عهد عمر ﵁ لم يفارق الحجاز، قال الإمام ابن عبد البر: «اسْتَعْمَلَهُ عُمَرُ عَلَى البَحْرَيْنِ، ثُمَّ عَزَلَهُ، ثُمَّ أَرَادَهُ عَلَى العَمَلِ فَأَبَى عَلَيْهِ، وَلَمْ يَزَلْ يَسْكُنُ المَدِينَةَ وَبِهَا كَانَتْ وَفَاتُهُ» (٢). اللَّهُمَّ إِلاَّ إذا كان المؤلف يرى أَنَّ أبا هريرة أُعْطِيَ بساط سليمان أو كانت تُطْوَى له الأرض طَيًّا!!!. وفي [ص ١٥٧] ينقل عن أحد المؤلفين في سيرة سيدنا أبي هريرة - بعد أَنْ أضفى عليه من الألقاب الفضفاضة ما أضفى - قوله: يظهر من هذه الحكاية وغيرها أنه مِمَّنْ حضر وقعة صفين وأنه كان يصانع الفئتين ثم قال: وَحَدَّثَ غير واحد أَنَّ أبا هريرة كان في بعض الأيام يصلي

стр. 117

في جماعة عَلِيٍّ، ويأكل في جماعة معاوية، فإذا حمي الوطيس لحق بالجبل، فإذا سئل قال: «عَلِيٌّ أَعْلَمُ، وَمُعَاوِيَةُ أَدْسَمُ، وَالجَبَلُ أَسْلَمُ». وهل يؤخذ العلم من الحكايات ولا سيما في موضوع فيه اتهام وتجريح كهذا؟!! ولمن؟ لصحابي جليل من صحابة رسول الله - صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلاَمُهُ عَلَيْهِ - ثم من قال: إِنَّ أبا هريرة حضر موقعة صفين؟ الأجل أن تصحح أيها المؤلف المتجني وصاحبك الذي زعمت أنه محقق و ..... و ..... حكاية باطلة تركبان هذا المركب الصعب وتتمحلان هذا التمحل الشديد؟ ثم من «غير واحد» الذي حدث؟ ثم هل يصح في العقول أَنَّ أبا هريرة كان ينتقل بين الجماعتين ويصانع الفئتين ولا ينكشف أمره؟ أدركونا يا أصحاب العقول، وصدق القائل: هَذَا كَلامٌ لَهُ خبيءٌ * ... * ... * مَعْنَاهُ لَيْسَ لَنَا عُقُولُ إِنَّ هذه الحكايات وأمثالها - وما أكثرها في كتب الأدب - مِمَّا لا تصح نقلاً ولا توافق عقلاً إنما ذكرت في كتب يقصد من ورائها قتل الوقت وشغل الفراغ والتفكه والتندر، وكان الأليق بها الإهمال في معرض البحث العلمي، أما أنها توضع في كتاب في تاريخ السُنَّة، ويعتمد عليها في تجريح رجل من كبار أهل العلم، فضلاً عن كونه صحابيًا جليلاً زَكَّاهُ الرسول والرعيل الأول من خيار المسلمين، فهذا ما لم نعهده في أسلوب البحث في القديم ولا في الحديث. وَمِمَّا لا يقضي منه العجب أَنَّ صاحب هذه السقطة الشنيعة يكتب على غلاف كتابه ما نصه: " دراسة مُحَرَّرَةٌ تناولت حياة الحديث المحمدي وتاريخه وكل ما يتصل به من أمور الدين والدنيا "، وهذه الدراسة الجامعة التي قامت على قواعد التحقيق العلمي، هي الأولى في موضوعها، لم ينسج أحد من قبل على منوالها .. » ولقد صدق، فهي مُحَرَّرَةٌ من قواعد البحث العلمي الصحيح ومن صحيح النقل وسليم العقل، وهي الأولى في موضوعها خَلْطًا

стр. 118

وسباباً وتجنياً، وكيف ينسج أحد من قبل على منوالها، وقد تَعَرَّتْ من التحقيق والصدق والعدل؟!. وهكذا يَتَبَيَّن لنا جَلِيًّا أَنَّ المؤلف - وقد سمعت طَرَفًا من بحثه ودراسته - قد التوى بالبحث وتنكب به طريق التحقيق والعدل والإنصاف. إسفاف أَبِي رَيَّةَ في نقد الصحابي أبي هريرة: وما لا ترتاح إليه النفوس الكريمة وتأبى أَنْ تنغمس فيه الأقلام العفيفة ما نضحت به نفس المؤلف وجرى به قلمه، مِنْ تَهَكُّمٍ بأبي هريرة وسباب وهجر من القول، مِمَّا لا نرضاه ولا يرضاه رجل ذو دين وَخُلُقٍ لرجل من رعاع الناس وسفلتهم، فضلاً عن صحابي كريم من أصل عربي كريم، وكنا نحب من رجل يكتب في السُنَّة أَنْ يَتَأَدَّبَ بأدب صاحبها وأدب أئمتها ورجالها، كالبخاري وغيره. وإليك بَعْضًا من هذا، ومعذرة إذا كان القلم جرى بحكاية هذا السباب والسفاه. أمثلة من هذا الإسفاف في النقد: فمن ذلك ما ذكره في [ص ١٥٢]: «وكان بينهم - أي الصحابة - لا في العير ولا في النفير». وفي [ص ١٦٦] قال: «ولما قالت له عائشة: " إنك لتحدث حديثًا ما سمعته من رسول الله ﷺ " أجابها بجواب لا أدب فيه ولا وقار، إذ قال لها - كما رواه ابن سعد والبخاري (كذا) وابن كثير وغيرهم - شَغَلَكِ عَنْهُ ﷺ المِرْآةُ وَالمُكْحُلَةُ». وليس في العبارة ما يستأهل أَنْ يصب المؤلف أَبُو رَيَّةَ على الصحابي أبي هريرة ذنوبًا من سفاهة، في أي منطق يا معشر العقلاء إِنَّ من يدافع عن نفسه يكون لا أدب عنده ولا وقار؟!!. ومِمَّا ينبغي أَنْ يعلم أَنَّ الرواية التي ذكرها ابن كثير في " بدايته ":

стр. 119

أنها قالت لأَبِي هُرَيْرَةَ: «أَكْثَرْتَ الحَدِيثَ عَنْ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ ». قَالَ: «إِنِّي وَاللهِ، مَا كَانَتْ تَشْغَلُنِي عَنْهُ المُكْحُلَةُ وَلاَ الخِضَابُ، وَلَكِنْ أَرَى ذَلِكَ شَغَلَكِ عَمَّا اسْتَكُثَرْتِ مِنْ حَدِيثِي». قَالَتْ: «لَعَلَّهُ». وهذه الرواية تزيل ما يتوهم من الأولى وتدل على أنها اقتنعت بما قال. وفي [ص ١٨٥] قال: «ومن كان هذا شأنه لا يكون - وَلاَ جَرَمَ - إِلاَّ مهينا لا شأن له ولا خطر» ولكن أتدري أيها القارئ بم استحق سيدنا أبو هريرة أَنْ يكون مهينا ... في نظر المؤلف؟ لأنه لم يصاحب النَّبِي إِلاَّ على ملء بطنه، وأنه اتخذ الصُفَّةَ مَلاَذًا لفقره، أكل منها كما يأكل سائر أهلها أو يأكل عند النَّبِي أو عند أحد أصحابه ... وهل هذا عيب يُجَرَّحُ به أبو هريرة؟!!. ولقد مدح الحق ﵎ في الكتاب الكريم أَهْلَ الصُفَّةَ، ومنهم - وَلاَ جَرَمَ - أبو هريرة، وَإِنْ شئت فاقرأ معي قول الله سبحانه: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لاَ يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ (١). ثم يجيء أَبُو رَيَّةَ فيجعل المفاخر مثالب، والفضائل رذائل، فهل يا ترى ندع كلام الله الحق ونأخذ بتجنيات أَبِي رَيَّةَ؟!!. وفي [ص ١٨٧] (*) قال: ولقد استخفه أشره وزهوه ونم عليه أصله ونحيزته، فخرج عن حدود الأدب والوقار مع هذه السيدة الكريمة «بُسرة بنت غزوان» التي تزوَّجها، ثم أتدري لِمَ كل هذا السباب وتلك الشتائم؟ لأنه كان يقول بعد الزواج منها: «إني كنت أجيراً لبسرة بنت غزوان بطعام بطني فكنت إذا ركبوا سقت بهم، وإذا نزلوا خدمتهم، والآن تزوجتها فأنا الآن أركب فإذا نزلتُ خدمتني ... ». ويذكر رواية أخرى عن ابن سعد في معنى هذه، ثم تأبى عليه نفسه

стр. 120

إِلاَّ أَنْ يلغ في عرض أبي هريرة ﵁ فتضع نفسه بسباب آخر فيقول بالهامش ما نصه: «انظر إلى هذا الكلام الذي تعرى عن كل مروءة وكرم، واتسم بكل دناءة ولؤم، فتجده يباهي بامتهان زوجه والتشفي منها، وهل يفعل مثل ذلك رجل كريم خرج من أصل عريق». فهل رأيت في باب النقد والبحث مثيلاً لهذا؟ وفي أي شرع أو عُرْفٍ أو قانون يكون السباب نقدًا والشتائم بحثًا، ولو أَنَّ المؤلف كان باحثًا حقًا وناقدًًا نزيها لما نظر إلى هذه المرويات بعين السخط والكراهية، ولعلم أنه لم يقل ذلك إِلاَّ تحدثًا بنعمة الله وشكرًا لآلائه عليه، ففي " البداية والنهاية " قال أبو هريرة: «نَشَأَتُ يَتِيمًا، وَهَاجَرَتُ مِسْكِينًا، وَكُنْتُ أَجِيرًا لابْنةِ غَزْوَانَ بِطَعَامِ بَطْنِي، وَعُقْبَةِ رِجْلِي، أَحْدُو بِهِمْ إِذَا رَكِبُوا، وَأَحْتَطِبُ إِذَا نَزَلُوا، فَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ الدِّينَ قَوَامًا وَجَعَلَ أَبَا هُرَيْرَةَ إِمَامًا» (١). وفي " الحِلْيَةِ " لأبي نُعيم بسند صحيح عن مضارب بن جزء: «كُنْتُ أَسِيرُ مِنَ اللَّيْلِ فَإِذَا رَجُلٌ يُكَبِّرُ، فَلَحِقْتُهُ فَقُلْتُ: مَا هَذَا؟ قَالَ: أُكْثِرُ شُكْرَ اللهِ عَلَيَّ، كُنْتُ أَجِيرًا لِبُسْرَةَ بِنْتِ غَزْوَانَ لِنَفَقَةِ رَحْلِي وَطَعَامِ بَطْنِي، فَإِذَا رَكِبُوا سُقْتُ بِهِمْ، وَإِذَا نَزَلُوا خَدَمْتُهُمْ، فَزَوَّجَنِيهَا اللهُ فَأَنَا أَرْكَبُ وَإِذَا نَزَلْتُ خَدَمْتُ» (٢). فأي تشف وامتهان في هذا، ثم أليس الأليق مثل أبي هريرة أن يحمل كلامه على محامل حسنة وأغراض شريفة، وأن لا نظن به الظنون السيئة؟ وإذا كان من أدب الإسلام تحسين الظن بأي أخ مسلم واحترامه، فما بالك بصحابي من صحابة رسول الله؟ بل كيف غاب عنه قول الحق ﵎: ﴿إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ (٣) وقول الرسول الكريم: «إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ»، وقوله: «بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنَ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ» وكلمة الفاروق عمر ﵁: «لاَ تَظُنَّنَّ بِكَلِمَةٍ

стр. 121

خرجت من في أخيك المؤمن شَرًّا، وأنت تجد لها في الخير محملا» وكلام أبي هريرة لا يخرج عن كونه نَوْعًا من الدعابة والمباسطة التي تكون بين الرجل وزوجه، ولو أن السيدة بسرة بنت غزوان استشعرت منه التَشَفِّي أو القصد إلى إذلالها وإهانتها لما قبلت منه ذلك ولدافعت عن كرامتها، ولا سيما ونحن نعلم ما كانت عليه النساء العربيات المسلمات من اعتزاز بالكرامة والمواجهة بما تراه حَقًّا، حتى ولو كان المواجه به أمير المؤمنين، فَضْلاً عَنء الزَّوْجِ. طَعْنُهُ فِي كَثْرَةِ أَحَادِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ: في [ص ١٦٢] و [١٦٣] أخذ المؤلف على الصحابي الجليل أبي هريرة أنه كان أكثر الصحابة حَدِيثًا عن رسول الله، على حين أنه لم يصاحب النَّبِيَّ إِلاَّ نحو ثلاث سنين، وقد ذكر أبو محمد بن حزم أن " مسند بقي بن مخلد " قد احتوى من حديث أبي هريرة على (٥٣٧٤) ... الخ ما قال. خصائص أبي هريرة وأسباب إكثاره: ----------------------------------- وأحب أنْ أقول للمؤلف وأمثاله: [أ] ما وجه الغرابة في كثرة رواية سيدنا أبي هريرة، مع حداثة صحبته بالنسبة لغيره، مع أن الثلاث السنين ليست بالزمن القصير في عمر الصحبة؟ وليس ذلك ببدع في العقل ولا العادة، فكم من شخص قد يجمع في الزمن القليل ما لا يجمعه غيره في أضعافه، والذكاء والإقبال على العلم والتفرغ من الشواغل الدنيوية، كل ذلك يساعد على الإكثار من الجمع والتحصيل، وإنا لنجد في عصورنا المتأخرة بعض التلاميذ والمريدين الذين لازموا أساتذتهم وشيوخهم مدة وجيزة، يقيدون عنهم الكتب والمجلدات ويحفظون عن ظهر قلب من كلامهم ما يربو على ما حفظه أبو هريرة عن رسول الله، وذلك على فرق ما بين عصرنا وعصرهم، وما بينهم وبين أبي هريرة من جهة التفرغ والاستعداد وتكاليف الحياة.

стр. 122

وأحب أن لا يعزب عن بالنا أن هذه الخمسة الآلاف والثلثمائة والأربعة والسبعون حديثا الكثير منها لا يبلغ السطرين أو الثلاثة، ولو جمعت كلها لما زادت عن جزء، فأي غرابة في هذا؟. [ب] إن أبا هريرة ﵁ كان رجلا لا أرب له في الدنيا وكان رَاضِيًا بالشيء اليسير، ولم يكن من الأهل والولد - آنذاك - ولا من التجارة والزراعة ما يشغله - فكان هَمُّهُ ملازمة رسول الله على ما يقيم صلبه وسأدع أبا هريرة يُفْصِحُ لنا عن السِرِّ في كثرة ما حفظ وروى. روى " البخاري " و " مسلم " وغيرهما - واللفظ للبخاري - عن أبي هريرة: «إِنَّ النَّاسَ يَقُولُونَ: أَكْثَرَ أَبُو هُرَيْرَةَ وَلَوْلاَ آيَتَانِ فِي كِتَابِ اللَّهِ مَا حَدَّثْتُ حَدِيثًا، ثُمَّ يَتْلُو قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى﴾ (١) إِلَى قَوْلِهِ: ﴿الرَّحِيمُ﴾ (٢). إِنَّ إِخْوَانَنَا مِنْ الْمُهَاجِرِينَ كَانَ يَشْغَلُهُمْ الصَّفْقُ بِالأَسْوَاقِ، وَإِنَّ إِخْوَانَنَا مِنْ الأَنْصَارِ كَانَ يَشْغَلُهُمْ الْعَمَلُ فِي أَمْوَالِهِمْ، وَإِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ كَانَ يَلْزَمُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِشِبَعِ بَطْنِهِ، وَيَحْضُرُ مَا لاَ يَحْضُرُونَ وَيَحْفَظُ مَا لاَ يَحْفَظُونَ». ولقد كان من دواعي إكثاره أيضا تفرغه للعلم والرواية والفتيا بعد الرسول، حتى لقد رغب عن الإمارة لما طلبه إليها عمر ﵁ بعد أن عزله كما قدمنا هذا إلى ما امتاز به من ذاكرة وَقَّادَةٍ وحافظة قوية بِسَبَبِ دُعَاءِ النَّبِيِّ ﷺ لَهُ، ذَلِكَ أَنَّهُ شَكَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ نِسْيَانَهُ فَقَالَ لَهُ: «ابْسُطْ رِدَاءَكَ» قَالَ: فَبَسَطْتُهُ، فَغَرَفَ بِيَدَيْهِ ثُمَّ قَالَ: «ضُمَّهُ» فَضَمَمْتُهُ فَمَا نَسِيتُ شَيْئًا بَعْدُ (٣)، وقد عد العلماء هذا من معجزاته ﷺ ، فقد كان أبو هريرة أحفظ الصحابة للحديث في عهده، روى النَّسَائِيُّ بسند جيد في العلم من كتاب " السنن "، والحاكم

стр. 123

في " المستدرك " (١): أَنَّ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ قَالَ: «كُنْتُ أَنَا وَأَبُو هُرَيْرَةَ وَآخَرٌ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: ادْعُوا فَدَعَوْتُ أَنَا وَصَاحِبِي، وَأَمَّنَ النَّبِيُّ ﷺ ثُمَّ دَعَا أَبُو هُرَيْرَةَ فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ مَا سَأَلَكَ صَاحِبَايَ، وَأَسْأَلُكَ عِلْمًا لاَ يُنْسَى، فَأَمَّنَ النَّبِي ﷺ فَقُلْنَا: وَنَحْنُ يَا رَسُولَ اللهِ؟ فَقَالَ: سَبَقَكُمَا بِهَا الغُلاَمُ الدَّوْسِيُّ» وخرج البخاري في " التاريخ " من حديث محمد بن عمارة بن حزم: «أَنَّهُ قَعَدَ فِي مَجْلِسٍ فِيهِ مَشْيَخَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ بِضْعَةَ عَشَرَ رَجُلاً، فَجَعَلَ أَبُو هُرَيْرَةَ يُحَدِّثُهُمْ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِالحَدِيثِ فَلاَ يَعْرِفُهُ بَعْضُهُمْ فَيُرَاجِعُونَ فِيهِ حَتَّى يَعْرِفُوهُ ... فَعَلَ ذَلِكَ مِرَارًا، فَعَرَفْتُ يَوْمَئِذٍ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ أَحْفَظَ الصَّحَابَةِ». وَمِمَّا يدل على حفظه أيضا ما ذكره الحافظ ابن حجر في " الإصابة "، قَالَ أَبُو الزُّعَيْزِعَةِ كَاتِبُ مَرْوَانَ: «أَرْسَلَ مَرْوَانُ إِلَى أَبِي هُرَيْرَةَ فَجَعَلَ يُحَدِّثُهُ، وَكَانَ أَجْلَسَنِي خَلْفَ السَّرِيرِ أَكْتُبُ مَا يُحَدِّثُ بِهِ، حَتَّى إِذَا كَانَ فِي رَأْسِ الحَوْلِ أَرْسَلَ إِلَيْهِ فَسَأَلَهُ وَأَمَرَنِي أَنْ أَنْظُرَ، فَمَا غَيَّرَ حَرْفًا عَنْ حَرْفٍ»، وقد عرف هذه الخصيصة لأبي هريرة الصحابة ومن جاء بعدهم من الأئمة، فهذا ابن عمر يقول: «إِنْ كُنْتَ لأَلْزَمَنَا لِرَسُولِ اللهِ وَأَعْرَفَنَا بِحَدِيثِهِ» وهذا هو إمام الأئمة الشافعي يقول: «أَبُو هُرَيْرَة أَحْفَظ مَنْ رَوَى الْحَدِيث فِي عَصْره» فكيف بعد هذا يجوز أن نتخذ من كثرة روايته وحفظه للحديث - حتى نشر منه ما لم ينشر غيره - بَابًا للطعن عليه في صدقه وأمانته؟ فالإكثار من الرواية مرجعه إلى طول الملازمة وعدم الشواغل الدنيوية، وقلة تكاليف الحياة والتفرغ للعلم والتعليم والفتيا، وعدم الاشتغال بشؤون الحُكْمِ والسياسة وتأخر الوفاة، وليس مرجعه إلى الفضل والمنزلة في الدين كما حاول المؤلف في صدر كلامه عن أبي هريرة أن يربط بينهما، ألا ترى إلى الخلفاء الثلاثة - على منزلتهم في الدين، ومكانتهم في الفضل ولصوقهم برسول الله لم يكن لهم من التفرغ للعلم، والتخلي عن شؤون

стр. 124

الدولة المترامية الأطراف، مَا يُهَيِّئُ لهم الإكثار من الرواية، فمن ثَمَّ قَلَّتْ روايتهم، أما الخليفة الرابع فإنه لما تأخرت وفاته وتهيأ له من التفرغ للعلم والفتيا ما لم يتهيأ لهم فقد كثرت مروياته (١)، فمحاولة الربط بين المنزلة في الدين وكثرة الرواية ليس من التحقيق العلمي في شيء، وقد أدرك السابقون ذلك، روى الأعمش عن أبي صالح قال: «كَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ مِنْ أَحْفَظِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَلَمْ يَكُنْ بِأَفْضَلِهِمْ». تَجَنَِّيهِ عَلَى أَبِي هُرَيْرَةَ فِي أَنَّهُ كَانَ مَزَّاحًا مِهْذَارًا: في [ص ١٦١] قال تحت عنوان «مزاحه وهذره»: أجمع مؤرخو أبي هريرة أنه كان رجلاً مزاحًا مِهْذَارًا يتودد إلى الناس ويسليهم بكثرة الحديث والإغراب في القول ليشتد ميلهم إليه ... الخ ما قال. أما هذا الإجماع على أنه كان مزاحا مهذارا فهي دعوى كبقية دعاواه التي لم يقم عليها دليل، ولم نجد أَحَدًا من العلماء الأثبات قال شيئا من هذا، فهذا ابن عبد البر في " الاستيعاب " لم يذكر شيئا منه، وهذا الحافظ ابن حجر في " الإصابة " لم يذكر إِلاَّ ما أخرجه ابن أبي الدنيا في " كتاب المزاح "، والزبير بن بكار فيه، من طريق ابن عجلان عن سعيد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَجُلاً قَالَ لَهُ: «إِنِّي أَصْبَحْتُ صَائِمًا فَجِئْتُ أَبِي فَوَجَدْتُ عِنْدَهُ خُبْزًا وَلَحْمًا، فَأَكَلْتُ حَتَّى شَبِعْتُ وَنَسَيْتُ أَنِّي صَائِمٌ، فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: " اللهُ أَطْعَمَكَ "، قَالَ: " فَخَرَجْتُ حَتَّى أَتَيْتُ فُلاَنًا فَوَجَدْتُ عِنْدَهُ لِقْحَةً تُحْلَبُ فَشَرِبْتُ مِنْ لَبَنِهَا حَتَّى رَوَيْتُ "، قَالَ اللهُ سَقَاكَ "، ثُمَّ رَجَعْتُ إِلَى أَهْلِي، فَلَمَّا اسْتَيْقَظْتُ دَعَوْتُ بِمَاءٍ فَشَرِبْتُ، فَقَالَ: " يَا ابْنَ أَخِي أَنْتَ لَمْ تَعَوَّدْ الصِّيَامَ "» ولم يصفه بأنه مزاح مهذار، وأما ابن كثير في " البداية والنهاية " فقد ذكر ما نقله المؤلف من قصص عنه، ولم يذكر قط أنه كان مزاحا مهذارا. وَأَنَّى لهؤلاء العلماء الأجلاء أن ينطقوا بهذا الهجر من القول في حق

стр. 125

صحابي جليل؟ وأشهد الله أنه ليس للمؤلف سلف في هذا التعبير إِلاَّ ما حكى عن النَظَّامِ وأمثاله، و «جولدتسيهر» المستشرق اليهودي - على ما عرف عنه مِنَ التَجَنِّي على الحديث والمُحَدِّثِينَ - كان أعف من المؤلف في التعبير، وإليك عبارته (١): «وتظهرنا طريقة روايته للأحاديث التي ضمنها أتفه الأسباب بأسلوب مؤثر على ما امتاز به من روح المزاح ... الخ ما قال» فانظر فرق ما بين العبارتين. ثم ماذا ينقمون من أبي هريرة؟ أينقمون عليه أنه كان رجلاً فيه دعابة وفكاهة ومزاح لا يخل بدين ولا مروءة؟ فهذا مِمَّا ينبغي أن يعاب به شخص، ولم يخل عصر من العصور من علماء أجلاء كانت فيهم دعابة وخفة روح. مُزَاحُ أَبِي هُرَيْرَةَ مُزَاحٌ عَالٍ مُفِيدٍ وَذِكْرُ أَمْثِلَةٍ مِنْهُ: ومِمَّا ينبغي أن يعلم أن المزاح نوعان: ١ - نوع ساقط مبني على المجازفة وعدم التقدير لما يقول، وهو الذي يخل بالصدق والأمانة، ولم يكن عند أبي هريرة منه شيء والحمد لله. ٢ - ونوع عال طريف لا إسفاف فيه ولا إيذاء لأحد، وأكثره من المعاريض التي تدعو إلى إعمال الفكر والروية، وتبين مقدار الذكاء والفطنة وهذا مقبول، وهو ما أثر عن النَّبِيِّ ﷺ وبعض صحابته الكرام، وفي الحديث الشريف: «إِنِّي أَمْزَحُ وَلاَ أَقُولُ إِِلاَّ حَقًّا»، وإذا تأملت في القصة التي ذكرها الحافظ في " الإصابة " تجد أنها لا تخرج عن هذا النوع، وما أفتى به أبو هريرة الرجل هو ما جاء في الحديث الصحيح عن النَّبِيِّ ﷺ : «مَنْ نَسِيَ وَهُوَ صَائِمٌ فَأَكَلَ أَوْ شَرِبَ، فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ، فَإِنَّمَا أَطْعَمَهُ اللَّهُ وَسَقَاهُ»، رواه البخاري. وهاك مثالا آخر من تظرف أبي هريرة، لنرى أن مزاحه ما كان يخلو

стр. 126

عن علم وحكمة، روي أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ كَانَ فِي سَفَرٍ (١)، فَلَمَّا نَزَلُوا وَضَعُوا السُّفْرَةُ وَبَعَثُوا إِلَيْهِ وَهُوَ يُصَلِّي فَقَالَ: إِنِّي صَائِمٌ فَمَا كَادُوا يَفْرُغُونَ حَتّى جَاءَ فَجَعَلَ يَأْكُلُ الطَّعَامَ فَنَظَرَ الْقَوْمُ إِلَى رَسُولِهِمْ فَقَالَ: مَا تَنْظُرُونَ؟ قَدْ - وَاللَّهِ - أَخْبَرَنِي أَنَّهُ صَائِمٌ، فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: صَدَقَ، إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «صَوْمُ رَمَضَانَ، وَصَوْمُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ صَوْمُ الدَّهْرِ»، وَقَدْ صُمْتُ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ مِنْ أَوَّلِ الشَّهْرِ فَأَنَا مُفْطِرٌ فِي تَخْفِيفِ اللَّهِ َصَائِمٌ فِي تَضْعِيفِ اللَّهِ. فانظر إلى هذا المزاح العالي وقد وصل به إلى غرضين شريفين: أحدهما أن يتركوه يتم ما يريد، الثاني إفادتهم هذا الحُكْم الشرعي وتعليمهم هداية من هدايات رسول رب العالمين، بهذا الإسلوب المشوق البارع، فأي تفاهة في هذا؟ بل أي هذر وباطل في هذا؟ ومثل ثالث: وهو ما نقله المؤلف قال: أخرج أبو نعيم في الحِلْيَةِ عن ثعلبة بن [أبي] مالك القرظي قال: أقبل أبو هريرة في السوق يحمل حزمة حطب وهو يومئذ خليفة لمروان على المدينة فقال: «أَوْسِعِ الطَّرِيقَ لِلأَمِيرِ يَا ابْنَ [أَبِي] مَالِكٍ، فَقُلْتُ: يَكْفِي هَذَا، فَقَالَ: أَوْسِعِ الطَّرِيقَ لِلأَمِيرِ وَالْحِزْمَةُ عَلَيْهِ!!» فهل يقتضي هذا أن يكون «مزاحا مهذار»؟ وهل قال الرجل إِلاَّ الصدق؟ أليس نائب الأمير أميرًا؟ وألم يكن يحمل حزمة الحطب؟ ثم أليس حمله حزمة الحطب من التواضع الجم؟ وسائر ما ذكره أَبُو رَيَّةَ للتدليل على دعواه الفاجرة مزاعم واتهامات لا أساس لها من الصحة، ولا سلف له فيما افتجره وافتراه إِلاَّ النَظَّامُ ومن على شاكلته من المُبَشِّرِينَ والمُسْتَشْرِقِينَ، فهو لم يزد عن كونه بُوقًا يُرَدِّدُ كلام الطاعنين من غير أن يحتكم إلى قواعد البحث المستقيم والنقد النزيه.

стр. 127

تَجَنِّيهِ عَلَى أَبِي هُرَيْرَةَ بِاخْتِلاَقِ الأَحَادِيثِ: في [ص ١٦٤] قال: إنه يعني أبا هريرة كان يسوغ كثرة الرواية عن النَّبِي ﷺ ما دام لا يُحِلُّ حَرَامًا وَلاَ يُحَرِّمُ حَلاَلاً، وأنه أيد صنيعه هذا بأحاديث رفعها إلى النَّبِيِّ ﷺ وذكر جملة من الأحاديث، منها ما هو غير موضوع وذلك مثل حديث: «إِذَا لَمْ تُحِلُّوا حَرَامًا، وَلَمْ تُحَرِّمُوا حَلاَلاً، وَأَصَبْتُمُ الْمَعْنَى فَلاَ بَأْسَ» ومنها ما هو موضوع وذلك مثل حديث «إِذَا حَدَّثْتُمْ بِحَدِيثٍ يُوَافِقُ الْحَقَّ فَخُذُوا بِهِ حَدَّثْتُ بِهِ أَوْ لَمْ أُحَدِّثْ». وللجواب عن ذلك نقول: [أ] إنَّ حديث «إِذَا لَمْ تُحِلُّوا حَرَامًا» ليس بموضوع كما بَيَّنْتُ ذلك سابقًا وأيضًا فالحديث ليس مَرْوِيًّا عن أبي هريرة، وإنما هو عن عبد الله بن أكيمة الليثي، والمؤلف نفسه نقل عن كتاب " توجيه النظر " أنه من رواية عبد الله هذا وذكر هذا في كتابه [ص ٥٦] ولا أدري لم عَدَلَ المؤلف عما نقله أولاً وهو الصحيح إلى غير الصحيح وهو أنه من رواية أبي هريرة؟ ولا أعلم سَبَبًا لذلك إِلاَّ أنه يكتب ما يكتب وهو غير متثبت، وأن تحامله على أبي هريرة أعماه عن الحق وأوقعه في الباطل، والحق أبلج والباطل لجلج. أما الأحاديث التي ذكرها بعد هذا الحديث فهي موضوعة ولا ريب كما قلت آنِفًا. [ب] إن المؤلف يتوهم أن الحديث ما دام روي عن أبي هريرة وهو موضوع أن يكون واضعه أبو هريرة، وَهُوَ وَاهِمٌ فِي وَهْمِهِ فما من حديث موضوع إِلاَّ وواضعه أسنده إلى الصحابي عن رسول الله، فلو أن ما تَوَهَّمَهُ المؤلف كان صحيحا لكان كل حديث موضوع روي عن صحابي أو تابعي يكون من وضع هذا الصحابي أو التابعي، وهذا إن دَلَّ على شيء

стр. 128

فإنما يدل على ضحولة في البحث وسطحية في العلم وقصر في النظر، وقد استولى هذا الوهم على المؤلف فمن ثم ألصق الكثير من الأحاديث الموضوعة بأبي هريرة وغيره من الصحابة وزعم أنها من اختلاقهم، وفي الحق أن الصحابة بُرَءَاءُ من هذه الأحاديث الموضوعة، وأن الاختلاق والوضع إنما جاء من بعدهم. وقد قَيَّضَ اللهُ لهذه الموضوعات من هذه جهابذة الحديث وصيارفته مَنْ نَبَّهَ إلى زيف هذه الأحاديث وأبان عن عِلَّتِهَا، ولما قيل لسفيان هذه الأحاديث الموضوعة فقال: «تَعِيشُ لَهَا الجَهَابِذَةُ». ومثل هذا الوهم ما توهمه حينما عرض لكعب الأحبار، فقد جعل كل ما رُوِيَ عنه من وضعه واختلاقه مع أن هذا ليس بلازم، فقد يكون الوضع مِمَّنْ جاء بعده من الوَضَّاعِينَ، ومن ثم وقع المؤلف في أخطاء كثيرة وجانبه الحق والصواب في جل ما كتب. زَعْمُهُ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ مُدَلِّسٌ: في [ص ١٦٤] ذكر أيضًا أن أبا هريرة كان يدلس ثم شرح معنى التدليس وحكمه ... الخ ما قال. والجواب: إن الكثرة الكاثرة من العلماء على خلاف هذا، وأن أبا هريرة بريء من وصمة التدليس بجميع أنواعه، وإنما قال هذا فئة قليلة جِدًّا منهم شُعْبَةُ والذين ذهبوا إلى هذا لم يريدوا التدليس بالمعنى المعروف عند المُحَدِّثِينَ (١)، وهو المذموم، وإنما أرادوا معنى آخر، وإليك مقالة شُعْبَة،

стр. 129

قال يزيد بن هارون سمعت شعبة يقول: «أَبُو هُرَيْرَةَ كَانَ يُدَلِّسُ، أَيْ يَرْوِي مَا سَمِعَهُ مِنْ كَعْبٍ وَمَا سَمِعَهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَلاَ يُمَيِّزُ هَذَا مِنْ هَذَا». وروى الأعمش عن إبراهيم يعني النخعي قال: «مَا كَانُوا يَأْخُذُونَ بِكُلِّ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ». وكلام شعبة ظاهر في أنه لم يرد التدليس بمعناه المعروف عند المُحَدِّثِينَ، وإنما أراد شيئًا آخر اعتبره هو تدليسًا وليس به، قال ابن كثير في " بدايته ": «وَقَدِ انْتَصَرَ ابْنُ عَسَاكِرَ لِأَبِي هُرَيْرَةَ وَرَدَّ [هَذَا الَّذِي] قَالَهُ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ». وَقَالَ: «[وَقَدْ قَالَ مَا قَالَهُ] إِبْرَاهِيمُ طَائِفَةٌ مِنَ الْكُوفِيِّينَ، وَالْجُمْهُورُ عَلَى خِلَافِهِمْ». ثم نقل المؤلف قول ابن كثير: وكأن شعبة يشير بهذا إلى حديث «مَنْ أَصْبَحَ جُنُبًا، فَلاَ صِيَامَ لَهُ» فإنه لما حُوقِقَ عليه قال: «أَخْبَرَنِيهِ مُخْبِرٌ وَلَمْ أَسْمَعْهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ» وإني لأقول: وغاية هذا أنه كان يروي عن بعض الصحابة عن رسول الله ولم يذكرهم وهذا هو ما يسمى في اصطلاح المُحَدِّثِينَ مُرْسَلُ الصَّحَابِي وهو حُجَّةٌ باتفاق الأئمة، لأن الغالب أن الصحابي لا يروي إِلاَّ عن صحابي، والصحابة كلهم عدول. وقد ساق المؤلف للتدليل على دعواه ما رواه " مسلم " (*) عن بُسْرٍ (١) «اتَّقُوا اللهَ، وَتَحَفَّظُوا [مِنَ] الحَدِيثِ، فَوَاللهِ لَقَدْ رَأَيْتُنَا نُجَالِسُ أَبَا هُرَيْرَةَ، فَيُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَيُحَدِّثُنَا عَنْ كَعْبٍ (الأحبار)، ثُمَّ يَقُومُ، فَأَسْمَعُ بَعْضَ مَنْ كَانَ مَعَنَا يَجْعَلُ حَدِيثَ رَسُولِ اللهِ عَنْ كَعْبٍ، وَيَجْعَلُ حَدِيْثَ كَعْبٍ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ » (*)، فَاتَّقُوا اللهَ، وَتَحَفَّظُوا [مِنَ] الحَدِيثِ. وهذه الرواية ترد دعواه، لأنها صريحة في تبرئة ساحة أبي هريرة، وأن ما حدث من الخلط بين الكلامين إنما هو مِمَّنْ سمع منه، وماذا يصنع أبو هريرة في خطأ من يسمع عنه، والله لم يعط لأي بشر ولو كان نبيا أن يتحكم في أسماع

стр. 130

الناس وأفهامهم، وما ذنب أبي هريرة في هذا، وقد ذكرني صنيع أَبِي رَيَّةَ وتجنيه على أبي هريرة قول القائل: غَيْرِي جَنَى وَأَنَا المُعَذَّبُ فِيكُمُو * ... * ... * فَكَأَنَّنِي سَبَّابَةُ المُتَنَدِّمُ زَعْمُهُ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ أَوَّلُ رَاوِيَةِ اتُّهِمَ فِي الإِسْلاَمِ: في [ص ١٦٦] ذكر تحت عنوان: «أول راوية اتُّهِمَ في الإسلام»: أنَّ أبا هريرة اتهمه الصحابة وأنكروا عليه، وكانت عائشة أشدهم إنكارًا عليه لتطاول الأيام بها وبه .... وأن مِمَّنْ اتهم أبا هريرة بالكذب عمر وعثمان وَعَلِيٌّ، وبالغ في التَجَنِّي والكذب فزعم أن عَلِيًّا كان سَيِّئَ القول فيه وقال عنه: ألا إنه أكذب الناس أو قال: أكذب الأحياء على رسول الله لأبو هريرة (كذا) ولما سمعه يقول: حدثني قال: متى كان النَّبِي خليلك؟. تَصَيُّدُهُ رِوَايَاتٍ زَعَمَ أَنَّهَا تَشْهَدُ لَهُ فِي مَزَاعِمِهِ: ثم شرع يتصيد من كلام النظام ومن عَلَى شاكلته ما زعم أنه يشهد له فمن ذلك: [أ] أنه روى حديث «مَنْ أَصْبَحَ جُنُبًا فَلاَ صَوْمَ عَلَيْهِ» أنكرت عليه عائشة هذا الحديث فقالت: «إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ كَانَ يُدْرِكُهُ الْفَجْرَ وَهُوَ جُنُبٌ مِنْ غَيْرِ احْتِلاَمٍ فَيَغْتَسِلُ وَيَصُومُ» وَبَعَثَتْ إليه أن لا يُحَدِّثُ بهذا الحديث عن رسول الله فلم يسعه إِلاَّ الإذعان ... وقال إنها أعلم مني وأنا لم أسمعه من النَّبِي وإنما سمعته من الفضل عن النَّبِي فاستشهد ميتا، وأوهم الناس أنه سمع الحديث من رسول الله. [ب] وأنه لما روى عن النَّبِي ﷺ : «مَتَى اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ فَلْيَغْسِلْ يَدَهُ قَبْلَ أَنْ يَضَعَهَا فِي الإِنَاءِ فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لاَ يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ» لم تأخذه به عائشة وقالت: «كَيْفَ نَصْنَعُ بِالْمِهْرَاسِ؟» (١).

стр. 131

[ج] وأنه لما روى حديث «إِنَّ الطِّيَرَةَ فِي الدَّابَّةِ وَالْمَرْأَةِ وَالدَّارِ» قالت عائشة: كذب وأنكرت عليه وقالت: إنما قال رسول الله: إِنَّ أَهْلَ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ: إِنَّ الطِّيَرَةَ فِي الدَّابَّةِ وَالْمَرْأَةِ وَالدَّارِ، ثم قرأت: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ (١). [د] وأنه لما روى: «مَنْ غَسَّلَ مَيِّتًا، وَمَنْ حَمَلَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ» أنكر عليه ابن مسعود وَقَالَ فِيهِ قَوْلاً شَدِيدًا ثُمَّ قَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ لاَ تَنْجَسُوا مِنْ مَوْتَاكُمْ» [هـ] ولما روى حديث «إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ رَكْعَتَيِ الفَجْرِ فَلْيَضْطَجِعْ عَلَى يَمِينِهِ» فَقَالَ لَهُ مَرْوَانُ: أَمَا يَكْفِي أَحَدَنَا مَمْشَاهُ إِلَى الْمَسْجِدِ حَتَّى يَضْطَجِعَ، فَبَلَغَ ذَلِكَ ابْنَ عُمَرَ، فَقَالَ: «أَكْثَرَ أَبُو هُرَيْرَةَ». والجواب على ذلك: أ) إن ما ذكره ليس من بنات أفكاره ولا من بحثه وإنما هو كلام قاله النَظَّامِ وأمثاله من أعداء المُحَدِّثِينَ، وقد عرض له العَلاَّمَةُ ابن قتيبة في " تأويل مختلف الحديث " ناقلاً وَمُزَيِّفًا لَهُ وَمُبَيِّنًا أن ذلك لا يطعن في الحديث ولا في المُحَدِّثِينَ، وصنيع المؤلف كما ذكرت من قبل يوهم القارئ الذي لا يعلم أنه من كلام ابن قتيبة حيث قال: «قال ابن قتيبة في تأويل مختلف الحديث .... » وفي الحق أن ابن قتيبة بريء من هذا براءة الذئب من دم ابن يعقوب، وطريقة المؤلف في هذا عارِيةَ عن الأمانة في النقل والدقة في البحث، وغاية ما وصل إليه التدليس، وكل ما ذكره من إكذاب عمر وعثمان وَعَلِيٍّ له، وأن عَلِيًّا كان سيئ الرأي فيه، فلا يعدو أن تكون دعاوى كاذبة مغرضة، وهذه كتب الثقات في تاريخ الصحابة لا تكاد تجد فيها شيئا مِمَّا زعم وَادَّعَى. بين يدي الرَدِّ: -------------- أما ما ذكره من روايات يزعم أنها تشهد له، فإليك مفصل الحق فيها، ولكني قبل أن أعرض للروايات بالتفصيل أقول:

стр. 132

لا شك أن الصحابة - رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِمْ - كانوا يأخذون الحديث عن رسول الله ﷺ ولم يكونوا سواء في التفرغ للتلقي ولا في الملازمة ولا في الحفظ والذاكرة، فمن ثَمَّ تفاوتت مروياتهم قلة وكثرة، وكما كانوا يتلقون عنه بالذات كانوا يتلقون عنه بالوساطة عن صحابي آخر، وفي بعض الأحيان كان يراجع بعضهم بعضًا فيما يرويه، إما للتثبت والتأكد لأن الإنسان قد ينسى أو يسهو أو يغلط عن غير قصد، وإما لأنه ثبت عنده ما يخالفه أو ما يخصصه أو يقيده، أو لأنه يرى مخالفته لظاهر القرآن أو لظاهر ما حفظه من سُنَّةٍ إلى غير ذلك، فليس من الإنصاف أن نتخذ من هذه المراجعة دليلاً على اتهام الصحابة بعضهم لبعض، وتكذيب بعضهم لبعض، إلى غير ذلك من الدعاوى الكاذبة التي يطنطن بها المُبَشِّرُونَ وَالمُسْتَشْرِقُونَ ومن تابعهم من الكُتَّابِ المعاصرين الذين جعلوا من أنفسهم أبواقًا لترديد كلامهم. والسيدة عائشة - رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا - كانت عاقلة عالمة، وكانت لا تقبل الشيء إِلاَّ بعد اقتناع، وكانت تستشكل بعض الروايات التي لم تسمعها من رسول الله ورواها غيرها، لأنها تعارض ما سمعته في ظنها أو تخالف ظاهر القرآن، فمن ثم كانت تراجع بعض الصحابة، فمراجعتها لأبي هريرة لا تدل على اتهامها له أو تكذيبها إياه، ألا ترى أنها استشكلت بل ردت بعض روايات رواها الفاروق عمر وابنه عبد الله، وعمر فقيه الصحابة وصاحب الموافقات، وأحد وزيري رسول الله، وثاني الخلفاء الراشدين، ولا يتطرق إلى ساحته تهمة أو زيف ريبة بإجماع منا ومن أعداء السنن والأحاديث، فقد روى البخاري ومسلم في " صحيحيهما " أن عمر ﵁ لما روى حديث: «إِنَّ المَيِّتَ يُعَذَّبُ بِبَعْضِ بُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ»، فلما ذُكِرَ ذلك لعائشة قَالَتْ: رَحِمَ اللَّهُ عُمَرَ، لاَ وَاللَّهِ مَا حَدَّثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِهَذَا، وَلَكِنَّ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ يَزِيدُ الكَافِرَ عَذَابًا

стр. 133

بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ» وقالت عائشة: «حَسْبُكُمُ القُرْآنُ ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾» (١). وفي " صحيح مسلم " أيضا أنَّ ابن عمر لما روى «المَيِّتُ يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ» فَقَالَتْ: فَقَالَتْ: رَحِمَ اللهُ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، سَمِعَ شَيْئًا فَلَمْ يَحْفَظْهُ، إِنَّمَا مَرَّتْ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ جَنَازَةُ يَهُودِيٍّ، وَهُمْ يَبْكُونَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: «أَنْتُمْ تَبْكُونَ، وَإِنَّهُ لَيُعَذَّبُ»، ولما روى ابن عمر أن النَّبِيَّ قام على قليب بدر، وفيه قتلى المشركين، فقال لهم: «إِنَّهُمْ لَيَسْمَعُونَ مَا أَقُولُ» فقالت: لَقَدْ وَهَلَ إِنَّمَا قَالَ: «إِنَّهُمْ لَيَعْلَمُونَ أَنَّ مَا كُنْتُ أَقُولُ لَهُمْ حَقٌّ» ثُمَّ قَرَأَتْ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ (٢) فها أنت ذا ترى أنها في رَدِّهَا رواية عمر وابنه استندت إلى ظاهر القرآن وذلك بحسب اجتهادها، ولا شك أن الرواية إذا ثبتت عن النَّبِيِّ ﷺ فهي مقدمة على اجتهاد الصحابى مهما بلغ من العلم والفقه، فهل تعتبر مراجعتها لعمر وابنه ﵄ اتِّهَامًا أَوْ تَكْذِيبًا؟ اللَّهُمَّ لاَ، وليس أدل على هذا من أنها قالت كما ورد في " صحيح مسلم ": «يَغْفِرُ اللَّهُ لأَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَمَا إِنَّهُ لَمْ يَكْذِبْ، وَلَكِنَّهُ نَسِيَ أَوْ أَخْطَأَ». وفي " الصحيح " أيضًا أنها قالت: - لما بلغها قول عمر وابنه -: «إِنَّكُمْ لَتُحَدِّثُونِّي عَنْ غَيْرِ كَاذِبَيْنِ، وَلاَ مُكَذَّبَيْنِ، وَلَكِنَّ السَّمْعَ يُخْطِئُ» (٣) فهل هناك شيء أصرح في الدلالة على أن مراجعة الصحابي لآخر لا تعتبر اتهامًا ولا تكذيبًا من قول عائشة هذا؟؟ ولماذا اعتبرتم يا قوم مراجعتها لأبي هريرة اتهامًا ولم تعتبروا مراجعتها لعمر وابنه اتهامًا؟ أفيدونا يا أصحاب المنطق السليم. ولنأخذ في بيان الحق فيما عرض له من أحاديث: الرَدِّ التفصيلي: [أ] أما حديث «مَنْ أَصْبَحَ جُنُبًا فَلاَ صَوْمَ لَهُ» وإنكار عائشة عليه

стр. 134

فتواه بهذا فليس فيه ما يخل بعدالة أبي هريرة، ولا ما يطعن في أمانته إذ كل ما فيه أنه كان يفتي على حسب ما علم، وهو ما رواه له الفضل عن النَّبِي ﷺ والظاهر أن هذا الحُكْمَ كان في مبدأ الإسلام فقد كان الرجل إذا صلى العشاء أو نام حرم عليه الأكل والشرب والجماع حتى يصبح، ثم اقتضت رحمة الله التخفيف على الأُمَّةِ بإحلال الأكل والشرب والجماع إلى طلوع الفجر بقوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ ... ﴾ (١). الآية، وإليك ما قاله العلماء وَالمُحَقِّقُونَ المُتَثَبِّتُونَ، قال الحافظ في " الفتح " (٢): «وَذَكَرَ اِبْن خُزَيْمَةَ أَنَّ بَعْضَ الْعُلَمَاء تَوَهَّمَ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَة غَلِطَ فِي هَذَا الحَدِيث ثُمَّ رَدَّ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ لَمْ يَغْلَطْ بَلْ أَحَالَ عَلَى رِوَايَة صَادِقٍ، إِلاَّ أَنَّ الْخَبَر مَنْسُوخ، لأَنَّ اللَّه تَعَالَى عِنْد اِبْتِدَاء فَرْضِ الصِّيَام كَانَ مَنَعَ فِي لَيْل الصَّوْم مِنْ الأَكْل وَالشُّرْب وَالجِمَاع بَعْد النَّوْم، قَالَ: فَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون خَبَر الفَضْل كَانَ حِينَئِذٍ ثُمَّ أَبَاحَ اللَّهُ ذَلِكَ كُلِّهِ إِلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ فَكَانَ لِلْمُجَامِعِ أَنْ يَسْتَمِرَّ إِلَى طُلُوعِهِ فَيَلْزَمَ أَنْ يَقَعَ اِغْتِسَالهُ بَعْد طُلُوعِ الْفَجْرِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ حَدِيثَ عَائِشَةَ نَاسِخٌ لِحَدِيثِ الْفَضْلِ وَلَمْ يَبْلُغْ الفَضْلَ وَلاَ أَبَا هُرَيْرَة النَّاسِخُ فَاسْتَمَرَّ أَبُو هُرَيْرَة عَلَى الْفُتْيَا بِهِ، ثُمَّ رَجَعَ عَنْهُ بَعْد ذَلِكَ لَمَّا بَلَغَهُ ... وَإِلَى دَعْوَى النَّسْخ [فِيهِ] ذَهَبَ اِبْن الْمُنْذِرِ وَالخَطَّابِيُّ وَغَيْر وَاحِد» فأبو هريرة كان يفتي حتى علم الناسخ فرجع عنه، وتلك - لعمر الحق - فضيلة، قال الحافظ في " الفتح ": وَفِيهِ [فَضِيلَة] لأَبِي هُرَيْرَة لاعْتِرَافِهِ بِالْحَقِّ وَرُجُوعه إِلَيْهِ. وَفِيهِ اِسْتِعْمَال السَّلَف مِنْ الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ الإِرْسَال عَنْ الْعُدُول مِنْ غَيْر نَكِير بَيْنهمْ لأَنَّ أَبَا هُرَيْرَة اِعْتَرَفَ بِأَنَّهُ لَمْ يَسْمَع هَذَا الْحَدِيث مِنْ النَّبِيِّ ﷺ مَعَ أَنَّهُ كَانَ يُمْكِنهُ أَنْ يَرْوِيَهُ عَنْهُ بِلاَ وَاسِطَة وَإِنَّمَا بَيْنهَا لِمَا وَقَعَ مِنْ الاِخْتِلاَف». فانظر يا أخي كيف جعل الطاعنون الفضيلة رذيلة.

стр. 135

[ب] وأما حديث «إِذَا (لا متى كما نقل المؤلف) اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ فَلْيَغْسِلْ يَدَهُ فَلْيَغْسِلْ يَدَهُ قَبْلَ أَنْ يَضَعَهَا فِي الإِنَاءِ فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لاَ يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ» وأن عائشة لم تأخذ به وقالت «كَيْفَ نَصْنَعُ بِالْمِهْرَاسِ»، فإليك الجواب عنه: إن هذا الحديث رواه " البخاري " و" مسلم " (١) عن أبي هريرة من طرق عدة ورواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه قال الترمذي: «وَفِي الْبَابِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَجَابِرٍ، وَعَائِشَةَ» كما روي من فعله ﷺ عن علي وعثمان وجبير بن نفير، فالحديث ثابت عن أبي هريرة وغيره من قول الرسول وفعله وغير معقول إنكار عائشة على أبي هريرة وهي من رواته، فمن ثم سقط ما هدف إليه من تجريح أبي هريرة واتهامه له بالكذب. وهذا الكلام وأمثاله إنما يذكر في كتب الأصول وما شابهها وهذه الكتب ليست بِحُجَّةٍ في الحديث ولا تحرير ألفاظه، ولكن الطاعن حاطب ليل ولا شأن له بالتحقيق، وقد نَبَّهَ شَارِحُ " مسلم الثبوت " الشيخ اللكنوي إلى أن هذا الإنكار لم يثبت عن عائشة ولا ابن عباس، وإنما هو من رجل يُقَالُ له قين الأشجعي وفي صحبته خلاف، وفي " الإصابة " (٢): «قين الأشجعي تابعي من أصحاب عبد الله بن مسعود جرت بينه وبين أبي هريرة قصة» ثم ذكر رواية أبي هريرة وقول قين له: «فَإِذَا جِئْنَا مِهْرَاسَكُمْ هَذَا فَكَيْفَ نَصْنَعُ بِهِ؟»؟ ثم ألا يجوز أن يكون قين يريد الاستفسار ولا يريد الاستشكال والإنكار، وهذا هو الذي ينبغي أن يحمل عليه حال الرجل المسلم، ولو سلمنا أنه يريد الإنكار فإنكار التابعي على الصحابي لاَ يُعَوَّلُ عَلَيْهِ ولا يقدح في عدالته.

стр. 136

[ج] وأما حديث «إِنَّمَا الطِّيَرَةُ فِي الْمَرْأَةِ وَالدَّابَّةِ وَالدَّارِ» فإليك وجه الحق فيه. دَخَلَ رَجُلَانِ مِنْ بَنِي عَامِرٍ عَلَى عَائِشَةَ فَأَخْبَرَاهَا أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ يُحَدِّثُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: " الطِّيَرَةُ فِي الدَّارِ، وَالْمَرْأَةِ، وَالْفَرَسِ " فَغَضِبَتْ فَطَارَتْ شِقَّةٌ مِنْهَا فِي السَّمَاءِ، وَشِقَّةٌ فِي الْأَرْضِ، وَقَالَتْ: وَالَّذِي أَنْزَلَ الْفُرْقَانَ عَلَى مُحَمَّدٍ مَا قَالَهَا (١) هذا الحديث رواه أحمد وابن خزيمة والحاكم من طريق قتادة عن أبي حسان: «أَنَّ رَجُلَيْنِ مِنْ بَنِي عَامِرٍ دَخَلاَ عَلَى عَائِشَةَ فَقَالاَ: إِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «الطِّيَرَةُ فِي الْفَرَسِ وَالْمَرْأَةِ وَالدَّارِ» فَغَضِبَتْ غضبًا شديدًا وَقَالَتْ: مَا قَالَهُ، وَإِنَّمَا قَالَ: «إِنَّ أَهْلَ الجَاهِلِيَّةِ كَانُوا يِتَطَيَّرُونَ مِنْ ذَلِكَ»، فأنت ترى أن الرواية بلفظ (مَا قَالَهُ) وأن عائشة لم تقل كذب، وإنما هي مِمَّنْ اخترعها وهو النَظَّامُ ومشايعوه، ومنهم المؤلف الذي أخذ على نفسه التَجَنِّي على أبي هريرة ورميه بِالسَّيِّءِ من القول. ونحن نعلم أن عائشة ﵂ كثيرًا ما كانت تَرُدُّ على الصحابة اعتمادًا على ظاهر القرآن، فقد استندت في إنكارها إلى قوله سبحانه: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ﴾ (١). الآية» ولقد قالت هذه المقالة في مراجعتها لعمر وابنه، فلماذا اعتبر الطاعنون هذا القول في حق أبي هريرة تكذيبًا له، ولم يعتبروها في حق عمر؟. (٢) إن هذا الحديث رُوِيَ عن غير أبي هريرة من الصحابة، فقد رواه البخاري في " صحيحه " عن ابن عمر، وسهل بن سعد الساعدي، ورواه مسلم في " صحيحه " عنهما أيضًا (٢)، وعن جابر بن عبد الله، فإنكار عائشة على أبي هريرة لا يتجه بعد موافقة هؤلاء الصحابة له، قال الحافظ في " الفتح ": «وَلَا مَعْنَى لِإِنْكَار ذَلِكَ عَلَى أَبِي هُرَيْرَة مَعَ مُوَافَقَةِ مَنْ ذَكَرْنَا مِنْ اَلصَّحَابَةِ لَهُ». وهكذا نرى أن المؤلف لم يكن أمينًا فيما نقل ولا تَحَرَّى الحق والصواب.

стр. 137

[د] وأما ما ذكره من أن ابن مسعود أنكر عليه قوله: «مَنْ غَسَّلَ مَيِّتًا، وَمَنْ حَمَلَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ» وقال فيه قَوْلاً شَدِيدًا. فالجواب عليه نقول: ١ - نص الحديث كما في " منتقى الأخبار " (١) عن أبي هريرة ﵁ عن النَّبِي ﷺ : «مَنْ غَسَّلَ مَيِّتًا فَلْيَغْتَسِلْ، وَمَنْ حَمَلَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ» قال: رواه الخمسة، ولم يذكر ابن ماجه الوضوء، ورواه الترمذي بسنده عن أبي هريرة مرفوعًا بلفظ: «مِنْ غُسْلِهِ الغُسْلُ، وَمِنْ حَمْلِهِ الوُضُوءُ» يعني الميت قال: وفي الباب عن علي وعائشة قال أبو عيسى: حديث حسن، فالحديث خَرَّجَهُ غير واحد من أئمة الحديث، كما أنه لم ينفرد به أبو هريرة، مِمَّا ينفي التهمة عنه، وقد صَحَّحَ ابن أبي حاتم عن أبيه أن وقفه على أبي هريرة أصح، وسواء أكان الحديث مرفوعًا أو موقوفًا فلم يذكر أحد من المُخَرِّجِينَ له إنكار ابن مسعود ولا غيره من الصحابة عليه، نعم ذكر صاحب " مسلم الثبوت " الحديث بلفظ: «مَنْ حَمَلَ جَنَازَةً فَلْيَتَوَضَّأْ» وأن ابن عباس لم يأخذ به وقال: «لاَ يَلْزَمُنَا الوُضُوءُ مِنْ حَمْلِ عِيدَانٍ يَابِسَةٍ» وكتب الأصول لا يعتمد عليها في ثبوت الأحاديث والروايات. ٢ - إن الأدلة قد تعارضت في هذا الباب، فبينما نجد الترمذي وغيره من الأئمة روى هذا الحديث عن أبي هريرة وغيره من الصحابة نجد البخاري يخرج في " صحيحه " تعليقًا عن ابن عمر يخالفه فيقول: «وَحَنَّطَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ ابْنًا لِسَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ، وَحَمَلَهُ، وَصَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ» فمن ثم اختلف الصحابة ومن جاء بعدهم من العلماء في هذا، قال الإمام أبو عيسى الترمذي: «وَقَدْ اخْتَلَفَ أَهْلُ العِلْمِ فِي الَّذِي يُغَسِّلُ المَيِّتَ، فَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ وَغَيْرِهِمْ: " إِذَا غَسَّلَ مَيِّتًا فَعَلَيْهِ الغُسْلُ "، وقَالَ بَعْضُهُمْ: " عَلَيْهِ الوُضُوءُ "، وقَالَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ: " أَسْتَحِبُّ الغُسْلَ مِنْ غُسْلِ المَيِّتِ، وَلاَ أَرَى ذَلِكَ وَاجِبًا "، [وَهَكَذَا]

стр. 138

قَالَ الشَّافِعِيُّ، وقَالَ أَحْمَدُ: " مَنْ غَسَّلَ مَيِّتًا أَرْجُو أَنْ لاَ يَجِبَ عَلَيْهِ الغُسْلُ، وَأَمَّا الوُضُوءُ فَأَقَلُّ مَا قِيلَ فِيهِ " وقَالَ إِسْحَاقُ: " لاَ بُدَّ مِنَ الوُضُوءِ "». وهكذا نجد أن المسألة محل اختلاف بين الأئمة، فمن قائل بالوجوب، ومن قائل بالندب، بل قال بعضهم: إن ما رواه أبو هريرة وغيره منسوخ، قال الحافظ في " الفتح ": «وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ بَعْدَ تَخْرِيجِهِ: هَذَا مَنْسُوخٌ، وَلَمْ يُبَيِّنْ نَاسِخَهُ». [هـ] وأما حديث «إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ رَكْعَتَيِ الفَجْرِ فَلْيَضْطَجِعْ عَلَى يَمِينِهِ». فَقَالَ لَهُ مَرْوَانُ: «أَمَا يَكْفِي أَحَدَنَا مَمْشَاهُ إِلَى الْمَسْجِدِ حَتَّى يَضْطَجِعَ»، فَبَلَغَ ذَلِكَ ابْنَ عُمَرَ، فَقَالَ: «أَكْثَرَ أَبُو هُرَيْرَةَ». والقصة كما في " الإصابة " - فَقِيلَ لابْنِ عُمَرَ: هَلْ تُنْكِرُ مِمَّا يَقُولُ شَيْئًا قَالَ: «لاَ، وَلَكِنَّهُ أَجْرَأَ (١)، وَجَبُنَّا»، فَبَلَغَ ذَلِكَ أَبَا هُرَيْرَةَ، فَقَالَ: «مَا ذَنْبِي إِنْ كُنْتُ حَفِظْتُ وَنَسَوْا» وفي " الإصابة " أيضًا: وأخرج البغوي بسند جيد عن الوليد بن عبد الرحمن عن ابن عمر أنه قال لأبي هريرة: «إِنْ كُنْتَ لأَلْزَمَنَا لِرَسُولِ اللهِ ﷺ وَأَعْلَمَنَا بِحَدِيثِهِ». والجواب: ---------- أن هذا الحديث ثابت صحيح فقد رواه أبو داود والترمذي بأسانيد صحيحة، قال الترمذي: «حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ». ولا يضرنا إنكار من أنكره ومن هو مروان حتى يأخذ بقوله في رَدِّ حديث صحيح؟ أو يؤثر قوله في عدالة أبي هريرة وأمانته والثقة به؟ ثم ما رأى الطاعنين في أبي هريرة في أنه لم ينفرد بروايته؟ فقد روته عن النَّبِيِّ ﷺ السيدة العالمة عائشة ﵂ وهي بإجماع منا ومنهم غير متهمة فيما تروي، وروايتها ثابتة في " صحيحي البخاري ومسلم "، وإنكار من أنكر الاضطجاع بعد ركعتي الفجر، إما لأن الحديث لم يبلغه، وإما إنكار للوجوب أو الاستحباب قال الحافظ في " الفتح " ج ٣ ص ٣٣: «وَأَمَّا إِنْكَار اِبْن مَسْعُود الاِضْطِجَاع، وَقَوْل إِبْرَاهِيم النَّخَعِيِّ: "هِيَ ضِجْعَة الشَّيْطَان " كَمَا أَخْرَجَهُمَا اِبْن أَبِي

стр. 139

شَيْبَةَ، فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَبْلُغهُمَا الأَمْرُ بِفِعْلِهِ، وَكَلاَم اِبْن مَسْعُود يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ إِنَّمَا أَنْكَرَ تَحَتُّمَهُ ... وَكَذَا مَا حُكِيَ عَنْ اِبْن عُمَرَ أَنَّهُ بِدْعَةٌ فَإِنَّهُ شَذَّ بِذَلِكَ، حَتَّى رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ أَمَرَ بِحَصْبِ مَنْ اِضْطَجَعَ» وإنكاره للاضطجاع إنما هو في المسجد ... والظاهر أن الأمر بالاضطجاع إنما هو على سبيل الاستحباب لا الوجوب كما ذهب إليه ابن حزم ... «وَحَمَلُوا الأَمْر الوَارِد بِذَلِكَ فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة عِنْد أَبِي دَاوُدَ وَغَيْره عَلَى الاِسْتِحْبَاب». وأيا كان الأمر فالإنكار لا يدل على الكذب ولا التهمة به ولا على الطعن في عدالة الراوي، أما قول ابن عمر: «أَكْثَرَ أَبُو هُرَيْرَةَ» فليس فيه تهمة ولا طعن، ولو أن المؤلف ذكر النص كله - كما نقلته عن " الإصابة " - لزال كُلُّ وَهْمٍ ولألقمه حَجَرًا، ولسد عليه طريق التهمة. افْتِرَاءَاتٌ عَلَى العُلَمَاءِ كَيْ يُثْبِتَ تَجْرِيحَ أَبِي هُرَيْرَةَ: في ص [١٦٩] قال: وقد امتد الإنكار عليه واتهامه في رواياته إلى من بعد الصحابة من التابعين وغيرهم، ثم أخذ يدلل على هذه الدعوى الكاذبة بنقول أغلب الظن أنها مُلَفَّقَةٌ وغير صحيحة فنقل عن الإمام أبي حنيفة وعن إبراهيم النخعي (١) وعن الأعمش بل وعن أبي جعفر الإسكافي وعن ابن الأثير صاحب كتاب " المثل السائر " إلى أن قال: وجرت مسألة المُصَرَّاةِ في مجلس الرشيد فتنازع القوم فيها وعلت أصواتهم فاحتج بعضهم بالحديث الذي رواه أبو هريرة (٢) فَرَدَّ بعضهم الحديث وقال: أبو هريرة متهم فيما يرويه ونحا نحوه الرشيد. والجواب: ---------- أن ما نسبه إلى الإمام أبي حنيفة من أنه قال: الصحابة كلهم عدول

стр. 140

ما عدا رجالا، وَعَدَّ منهم أبا هريرة وأنس بن مالك، فهو كلام لم يعزه إلى كتاب موثوق به، ولم يبرز لنا سنده حتى ننقده، ونبين مبلغه من الصحة أو الضعف وأنا أقطع بكذب ما روي عن أبي حنيفة، ثم هو معارض بما ثبت عن الإمام أبي حنيفة أنه قال: «مَاجَاءَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَعَلَى الرَّأْسِ وَالعَيْنِ» وهي عبارة عامة تدل على قبول ما جاء عنه سواء رواه أبو هريرة أم غيره. وكون الصحابة كلهم عدولاً لم يخالف فيه أحد من الأئمة الأربعة ولا من أصحابهم الموثوق بهم، وكل ما هنالك أن الحنفية جعلوا من أصولهم أن الراوي إن كان معروفًا بالفقه والاجتهاد فإنهم يقبلون خبره، سواء وافق القياس أم خالفه، وأما إذا كان معروفا بالرواية فإن وافق خبره القياس قُبِلَ، وكذا إذا خالف قياسًا ووافق قياسًا آخر، ولكن إذا خالف الأقيسة كلها لا يقبل وحجتهم في ذلك أن النقل بالمعنى كان مستفيضا فيهم، فإذا قصر فقه الراوي لم يؤمن من أن يذهب شيء من معانيه فيدخله شبهة زائدة يخلو عنها القياس، وَمَثَّلُوا بحديث المصراة، فقد قالوا: إنه مخالف للقياس الصحيح من كل وجه، لأن ضمان المتلفات إما بالمثل أو القيمة، والصاع من التمر ليس بمثل ولا قيمة وقالوا: إن ضمان المتلفات بالمثل أو القيمة ثابت بالكتاب وَالسُنَّةِ والإجماع إلى آخر ما قالوا (١) وبعضهم لم يأخذوا بالحديث لا لمخالفته للقياس، بل لمخالفته للكتاب وَالسُنَّةِ والإجماع، فمن ثم يَتَبَيَّنُ لنا أن الحنفية لما توقفوا في بعض أحاديث أبي هريرة لم يقولوا إن ذلك لطعن في عدالته أو لاتهامه بالكذب كما زعم المؤلف، الذي تجنى بسوء فهمه على الحنفية، وأظهرهم بمظهر التاركين للأحاديث الصحيحة، الطاعنين في بعض الصحابة، ولا سيما أبو هريرة وإنما كان توقفهم بناء على هذا الأصل من أصولهم.

стр. 141

أَبُو هُرَيْرَةَ حَافِظٌ وَفَقِيهٌ: والحنفية محجوجون في هذا، فقد نقل عن كبار الصحابة أنهم تركوا القياس بخبر الواحد، والتفرقة بين الراوي الفقيه وغيره أمر مستحدث والذي عليه جماهير العلماء سلفًا وخلفًا أن خبر الواحد إذا ثبت مقدم على القياس، وأيضًا فكون أبي هريرة غير فقيه غير مُسَلَّمٍ لهم، فمعظم الصحابة ولا سيما المعروفون بالرواية كانوا فقهاء علماء، وقد عَدَّهُ ابن حزم في فقهاء الصحابة، ونقل عنه الحافظ ابن حجر أنه في الطبقة الثانية من أهل الفتيا مع أبي بكر وعثمان وأبي موسى ومعاذ وسعد بن أبي وقاص وغيرهم (١)، وحديث أبي هريرة في المصراة صحيح غاية الصحة، وليس أدل على هذا من أن ابن مسعود - وهو مِمَّنْ قال الحنفية أنه فقيه - كان يفتي بوفق حديث أبي هريرة، ولهذا أورد البخاري بعد حديث أبي هريرة في المصراة حديث ابن مسعود وهو موقوف عليه، قال: «مَنْ اِشْتَرَى شَاةً مُحَفَّلَةً فَرَدَّهَا فَلْيَرُدَّ مَعَهَا صَاعًا» وهذا من فقه البخاري وَبُعْدِ نظره، وَمِمَّا ينبغي أن يعلم أن رَدَّ رواية الراوي غير الفقيه إذا خالفت القياس الجلي ليس أمرًا مُجْمَعًا عليه من الحنفية، وكذلك كون أبي هريرة ليس فيها مقالة لبعضهم، أما المُحَقِّقُونَ منهم فعلى خلاف هذا، وإليك ما قاله صاحب " عقود الجمان في مناقب أبي حنيفة النعمان " (٢) قال في أثناء الرَدِّ على من زعم أن الإمام أبا حنيفة خالف بعض الأحاديث الثابتة عن رسول الله، وسرد وجوه الاعتذار عن ذلك. «الرَّابِعُ كَوْنُ رَاوِي الحَدِيْثِ غَيْرُ فَقِيْهٍ، وَهَذَا مَذْهَبُ عِيْسَىْ بْنُ أَبَانٍ، وَتَابَعَهُ كَثِيرٌ مِنَ المُتَأَخِّرِيَنَ، وَرَدُّوا بِذَلِكَ حَدِيثَ أُبَيِ هُرَيْرَةَ فِي المُصَرَّاةِ، وَقَالَ أَبُو الحَسَنِ الكَرْخِيُّ وَمَنْ تَابَعَهُ: لَيْسَ فِقْهَ الرَّاوِي شَرْطاً لِتَقْدِيمِ الخَبَرِ عَلَى القِيَاسِ، بَلْ يُقْبَلُ خَبَرُ كُلِّ عَدْلٍ ظَابِطٍ إِذَا لَمْ يَكُنْ مُخَالِفًا لِلْكِتَابِ أَوْ

стр. 142

السُنَّةِ المَشْهُورَةِ وَيُقَدَّمُ عَلَى القِيَاسِ، قَالَ صَدْرُ الإِسْلاَمِ أَبُو اليُسْرِ: " وَإِلَيْهِ مَالَ أَكْثَرَ الْعُلَمَاءُ " وَبَسَطَ الكَلاَمَ عَلَى ذَلِكَ هُوَ وَصَاحِبٌ " التَّحْقِيقِ " بِمَا يُرَاجَعُ مِنْ كِتَابَيْهِمَا». قَالَ صَاحِبُ " التَّحْقِيقِ ": «وَقَدْ عَمِلَ أَصْحَابُنَا بِحَدِيثِ أَبِيْ هُرَيْرَةَ: " إِذَا أَكَلَ وَشَرِبَ نَاسِيًا " وَإِنْ كَانَ مُخَالِفًا لِلْقِيَاسِ، حَتَّىَ قَالَ الإِمَامُ أَبِوَ حَنِيفَةَ: " لَوْلاَ الْرِّوَايَةِ لَقُلْتُ بِالقِيَاسِ "، وَقَدْ ثَبَتَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى - أَنَّهُ قَالَ: " مَاجَاءَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَعَلَى الرَّأْسِ وَالعَيْنِ "، وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْ أَحَدٍ مِنْ السَّلَفِ اشْتِرَاطَ فِقْهِ الرَّاوِي فَثَبَتَ أَنَّهُ قَوْلُ مُحْدَثٍ». وَقَالَ الإِمَامُ عّبْدُ الْعَزِيْزِ فِي " التَّحْقِيقِ ": «كَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ فَقِيْهًا وَلَمْ يَعْدَمْ شَيْئًا مِنْ أَسْبَابِ الاِجْتِهَادِ، وَقَدْ كَانَ يُفْتِيَ زَمَانَ الصَّحَابَةِ وَمَا كَانَ يُفْتِيَ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ إِلاَّ فَقِيهٌ، وَقَالَ الْشَّيْخُ مُحْيِي الدِّيْنُ القُرَشِيُّ صَاحِبُ " طَبَقَاتِ الحَنَفِيَّةِ " فِيْ آَخِرِ " طَبَقَاتِهِ ": " أَبُوْ هُرَيْرَةَ ﵁ مِنْ فُقَهَاءِ الصَّحَابَةِ " وَذَكَرَهُ ابْنُ حَزْمٍ فِيْ الفُقَهَاءِ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَقَدْ جَمَعَ شَيْخُنَا شَيْخُ الإِسْلاَمِ تَقِيُّ الدِّينِ السُّبْكِيُّ جُزْءًا فِي فَتَاوَى أَبِي هُرَيْرَةَ سَمِعْتُهُ مِنْهُ، وَأَجَابُوا عَنْ حَدِيثِ المُصَرََّاةِ بِأَشْيَاءَ أُخْرَى ذَكَرَ بَعْضُهَا القُرَشِيُّ فِي آخِرِ " طَبَقَاتِهِ "». ومهما يكن من شيء فليس في رَدِّ بعض الحنفية بعض مرويات أبي هريرة كحديث المصراة ما يطعن في روايته ولا ما يخل بعدالته، وأعتقد أن القارئ ليس في شك من هذا بعد هذا البيان الشافي، وليس أدل على أنهم لا يتهمونه ولا يطعنون في عدالته من أخذهم بكثير من مروياته كما تشهد بذلك كتبهم وهو أمر معروف مُسَلَّمٌ، قال الحافظ في " الفتح ": وَقَدْ تَرَكَ أَبُو حَنِيفَةُ القِيَاسَ الجَلِيَّ لِرِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَمْثَالِهِ كَمَا فِي الوُضُوءِ بِنَبِيذِ التَّمْرِ وَمِنَ الْقَهْقَهَةِ فِي الصَّلاَةِ وَغَيْر ذَلِكَ» وأما ما ذكره عن النَّخَعِيِّ قال: «كَانَ أَصْحَابُنَا يَدَعُونَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ» فلعل مراده - إِنْ صَحَّ - ما خالف من مروياته القِيَاسَ الجَلِيَّ كما هو مذهب الحنفية،

стр. 143

وأما ما رواه عن أبي جعفر الإسكافي فلا يخرج عما نقله عن النَظَّامِ وشيعته وكذلك ما ذكره عن صاحب " المثل السائر "، وعن تنازعهم في مسألة المصراة في مجلس الرشيد وأنه وافق من قال: أبو هريرة متهم في روايته، فكلام لا سند له ولا عزو، ومثل هذا لاَ نُلْقِي بِهِ بَالاً ولعله من الافتراءات التي ألصقت بالرشيد - وما أكثرها -. اعْتِمَادُ أَبِي رَيَّةَ فِي طُعُونِهِ عَلَى أَقْوَالِ المُسْتَشْرِقِينَ: وبعد كل هذا لم يجد المؤلف بُدًّا من أن يستعلن بعد المداجاة والاستخفاء ويكشف لنا عن مصدره الذي أورده المهالك فينقل في ص ١٧١ ما قاله: جولدتسيهر المستشرق اليهودي في أبي هريرة، والوقوف من أحاديثه موقف الحذر، ورمى «شبرنجر» له بأنه «المُتَطَرِّفُ فِي الاخْتِلاَقِ وَرَعًا» .... إلى آخر ما قال. وكلها فرى ظاهرة مكشوفة لم تقم عليها أثارة من علم وقد عرضت في رَدِّي لكل ما ذكره، فكن على ذكر منه، ولا تعجب من هذا فإن أبا رَيَّةَ قد أخذ كلام «جولدتسيهر» ونفخ فيه ما شاء له هواه وجهالته بالحديث أن ينفخ حتى جعل من الحبة قُبَّةً، ومن الكذب سرابًا يظنه الظمآن مَاءً حتى إذا جاءه لم يجده شيئًا، وقد ظهر لك أَبُو رَيَّةَ على حقيقته دَعِيٌّ متطاول سليط اللسان، وسارق بارع يسطو على أفكار الناس وآرائهم وَيَتَبَجَّحُ بها لنفسه. زَعْمُهُ أَنَّ كَعْبَ الأَحْبَارِ لَقَّنَ أَبَا هُرَيْرَةَ الأَخْبَارَ المُلَفَّقَةَ المَكْذُوبَةَ: ذكر في [ص ١٧٢] تحت عنوان «أخذه عن كعب الأحبار» أنَّ علماء الحديث ذكروا في باب رواية الصحابة عن التابعين، أو رواية الأكابر عن الأصاغر: أن أبا هريرة والعبادلة ومعاوية وأنس وغيرهم رَوَوْا عن كعب الأحبار الذي أظهر الإسلام خِدَاعًا، وطوى قلبه على يهوديته، وأن أبا هريرة أول من انخدع به، وقد استغل كعب سذاجته فاستحوذ عليه

стр. 144

ليلقنه كل ما يريد أن يبثه في الدين الإسلامي ولكي يُدَلِّلَ على ما قاله ذكر جملة من الروايات عن أبي هريرة مُبَيِّنًا أنها من الإسرائيليات التي أخذها أبو هريرة عن كعب ومقارنًا بين ما يرويه أبو هريرة، وما يقول كعب في بضع صفحات من كتابه. وإليك الجواب: أما ما يتعلق بكعب وأنه كان منافقًا يظهر الإسلام ويبطن اليهودية، فقد قدمت - في فصل سبق - الكلام عن كعب، وإني لَمْ أَرَ أَحَدًا رماه بهذا إِلاَّ ما كان من النَظَّامِ وَالمُسْتَشْرِقِينَ وذيلهم أَبِي رَيَّةَ، وأن علماء الجرح والتعديل لَمْ يُجَرِّحُوهُ على قرب عصرهم من عصره، وعلى ما رزقوا من علم وشفوف نظر في نقد الرجال ومعرفة الخفي من أحوالهم، وليس من العدل تجريح الناس بغير شُهُودٍ وَبَيِّنَةٍ، وأما رواية أبي هريرة وغيره كالعبادلة فليس بأمر جديد، وقد استوفى الإمام العراقي في " شرحه على مقدمة ابن الصلاح " ذكر الذين عرفوا من الصحابة بالرواية عن التابعين، ولسنا ننكر أن فيما روي عن كعب وغيره من علماء أهل الكتاب ما هو كذب في نفسه، وقد حَقَّقْتُ ذلك فيما سبق، ولكن علماء الحديث وَنُقَّادُهُ نقدوا كل هذا وميزوا بين الصحيح والمعلول، والمقبول والمردود، وما هو موقوف على كعب من معارفه التي اكتسبها من كتب أهل الكتاب، وما وَهِمَ فيه بعض الرواة فرفعه إلى النَّبِيِّ - صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلاَمُهُ عَلَيْهِ - بحيث لم يدعوا زيادة لمستزيد ولا تَعْقِيبًا لِمُعَقِّبٍ، والذي ننكره على المؤلف أن يرمي أبا هريرة بأنه غر ساذج، وأن كعبًا استحوذ عليه حتى لقنه الكثير من الإسرائيليات واستبعاده أن يعرف أبو هريرة ما في التوراة وهو أُمِّيٌّ لا يقرأ ولا يكتب ولا أدري كيف غاب عن المؤلف أن العلم لا يتوقف على معرفة القراءة والكتابة، مع أن الكلمة المسموعة لا تقل عن الكلمة المقروءة رُسُوخًا في النفس؟ وماذا يقول المؤلف في بعض الأكفاء في القديم والحديث الذين

стр. 145

حصلوا من العلوم والمعارف ما لم يحصله غيرهم من المبصرين القارئين الكاتبين؟ ومن البدهي أن الكفيف لا يقرأ ولا يكتب، ولكن يسمع من الغير. وهاك ما استشهد به على دعواه من أحاديث والجواب عنها: حديث «الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ ثَوْرَانِ فِي النَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ». قال في [ص ١٧٣]: روى البزار عن أبي هريرة أن النَّبِي ﷺ قال: «إنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ ثَوْرَانِ فِي النَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» فقال الحسن: وما ذنبهما؟ فقال: أحدثك عن رسول الله ﷺ وتقول ما ذنبهما؟ وهذا الكلام قد قاله كعب بنصه، فقد روى أبو يعلى الموصلي قال كعب: «يُجَاءُ بِالشَّمْسِ وَالقَمَرِ يَوْمَ القِيَامَةِ كَأَنَّهُمَا ثَوْرَانِ عَقِيرَانِ فَيُقْذَفَانِ فِي جَهَنَّمَ يَرَاهُمَا مَنْ عَبَدَهُمَا» وذكر مرجعه " حياة الحيوان " للدميري. إن حديث البزار عن أبي هريرة ثابت، فقد ذكره الحافظ في " الفتح " (١)، وابن كثير في " تفسيره " (٢) وسكتا عنه، وناهيك بهما ناقدين بصيرين، وقد أخرج معناه الحافظ وأبو يعلى في " مسنده " من طريق يزيد الرقاش عن أنس وسنده فيه ضعف، وأخرجه الطيالسي مختصرًا، والذي أخرجه الإمام البخاري في " صحيحه " عن أبي هريرة مرفوعا ليس فيه أنهما ثوران عقيران ولا أنهما في النار، ولفظه: «الشَّمْسُ وَالقَمَرُ مُكَوَّرَانِ يَوْمَ القِيَامَةِ» (٣). ورواية البخاري صحيحة ولا شك، يؤيدها قول الحق ﵎: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ (٤). وليس في الحديث بعد ثبوته ما يشكل من جهة متنه فإن قال قائل: وما ذنبهما حتى يعذبان؟ قلت: قد أجاب عن ذلك الإمام الخطابي فقال: «لَيْسَ المُرَادُ بِكَوْنِهِمَا فِي النَّارِ تَعْذِيبُهُما بِذَلِكَ،
следующие страницы →