← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 37593

دفاع عن السنة ورد شبه المستشرقين ط مجمع البحوث

محمد أبو شهبة

Полный текст (287 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

الستة وغيرهم، قال أحمد بن الحسن الترمذي: سمعتُ أبا عبد الله - يعني أحمد بن حنبل - يقول: «إذا كان يعرف الحديث ومعه فقه أحب إليَّ مِمَّنْ حفظ الحديث ولا يكون معه فقه». وروى الحاكم في " تاريخه " عن عبد العزيز بن يحيى قال: قال لنا سفيان بن عُيينة: «يا أصحاب الحديث تعلَّمُوا معاني الحديث، فإنِّي تعلمتُ معاني الحديث ثلاثين سَنَةً» (١). وإنك لتلمس أثر الفقه والفهم للأحاديث في " صحيح الإمام البخاري " في تبويبه الأبواب، وطريقته في التراجم، وتكراره أو تقطيعه للحديث الواحد في مواضع بحسب مناسباته الفقهية، وكثيراً ما يُدْلِي برأيه في مسائل تكون موضع الخلاف، وقد يترك المسألة من غير قطع إذا لم يَتَرَجَّحْ عنده شيء حتى لقد قيل: فقه البخاري في تراجمه، وكذلك طريقة مسلم في ترتيب كتابه، وطريقة أصحاب السُنن ولا سيما الترمذي فقد عرض في " سُننه " لكثير من الآراء الفقهية عَرْضَ رجلٍ وَاعٍ فاهمٍ عارفٍ. نعم لقد وُجِدَ في العصور المتأخِّرة أناس - وَهُمْ قلَّة - جعلوا هَمَّهُمْ الرواية والجمع دون الفقه والفهم للمتون، وهؤلاء إنما وجدوا بعد أنْ جُمِعَتْ السُنن والأحاديث في دواوينها المعتمدة ولعلَّ هؤلاء هم الذين عناهم أبو الفرج بن الجوزي في كتابه " صيد الخاطر " ووصفهم بأنهم زوامل للأسفار يحملون ما لا يعلمون (٢)، وإلاَّ فقد كان هناك من أمثاله كثيرون. الرِّوَايَةُ بِاللَّفْظِ وَالمَعْنَى: لا خلاف بين العلماء أنَّ المحافظة على ألفاظ الحديث وحروفه أمر من

стр. 37

أمور الشريعة عزيز، وحُكْمٌ من أحكامها شريف، وأنه الأولى بكل ناقل والأجدر بكل راوٍ المحافظة على اللفظ ما استطاع إلى ذلك سبيلاً، بل قد أوجبه قومٌ ومنعوا نقل الحديث بالمعنى. والذين أجازوا الرواية بالمعنى إنما أجازوها بشروط وتَحَوُّطَاتٍ بالغة فقالوا: نَقْلُ الحديث بالمعنى دون اللفظ حرام على الجاهل بمواقع الخطاب ودقائق الألفاظ، أما العالم بالألفاظ الخبير بمعانيها، العارف بالفرق بين المُحْتَمَلِ وغير المُحْتَمَلِ، والظاهر والأظهر، والعام والأعمّ، فقد جَوَّزُوا له ذلك، وإلى هذا ذهب جماهير الفُقَهَاء والمُحَدِّثِينَ. وقد كان السلف الصالح يحرصون على الرواية باللفظ ويرون أنَّ الرواية بالمعنى رُخْْصَةً تتقدَّر بقدرها، وكان منهم مَنْ يتقيد باللفظ ويَتَحَرَّجُونَ مِنَ الرواية بالمعنى، قال وكيع: «كان القاسم بن محمد وابن سيرين ورجاء بن حَيْوَةَ ﵏ يعيدون الحديث على حروفه» ومِمَّنْ كان يُشَدِّدُ في الألفاظ الإمام مالك ﵀ فقد منع الرواية بالمعنى في الأحاديث المرفوعة وأجازها فيما سواها، رواه البيهقي عنه في " المدخل ". ومن السلف من كان يرى جواز الرواية بالمعنى، قال ابن سيرين: «كان إبراهيم النخعي والحسن والشَعْبِي ﵏ يأتون بالحديث على المعاني» (١). ومِمَّا ينبغي أنْ يُعْلَمَ أنَّ جواز الرواية بالمعنى في غير ما تضمنته بطون الكتب، فليس لأحد أنْ يُغَيِّرَ لفظ شيء من كتاب مُصنَّف ويُثْبِتَ بَدَلَهُ فيه

стр. 38

لفظاً آخر بمعناه، فإنَّ الرواية بالمعنى رَخَّصَ فيها مَنْ رَخَّصَ لما كان عليهم في ضبط الألفاظ والجمود عليها من الحرج والنصب، وذلك غير موجود فيما اشتملت عليه بطون الأوراق والكتب ولأنه إنْ ملك تغيير اللفظ فليس يملك تغيير تصنيف غيره كما قال ابن الصلاح (١) ومِمَّا ينبغي أنْ يُعْلَمَ أيضا أنهم استثنوا من الأحاديث التي جَوَّزُوا روايتها بالمعنى الأحاديث التي يُتَعَبَّدُ بلفظها كأحاديث الأذكار والأدعية والتشهد ونحوها كجوامع كلمه ﷺ الرائعة. فإذا علمنا أنَّ التدوين الخاص وجد في القرن الأول، وأنَّ التدوين العام كان في أول القرن الثاني، وأنَّ الرواية بالمعنى لا تجوز في الكتب المدونة، والصحف المكتوبة، وأنَّ الذين نقلوا الأحاديث وَرَوَوْهَا منهم من التزم اللفظ ومنهم من أجاز الرواية بالمعنى، وهؤلاء المُجِيزُونَ كانوا عرباً خلصاً غالباً، وأنهم كانوا أهل فصاحة وبلاغة، وأنهم قد سمعوا من الرسول أو مِمَّنْ سمعوا من الرسول وشاهدوا أحواله، وأنهم أعلم الناس بمواقع الخِطاب ومحامل الكلام، وأنهم يعلمون حق العلم أنهم يَرْوُونَ ما هو دين، ويعلمون حَقَّ العلم حرمة الكذب على رسول الله، وأنه كذب على الله فيما شرع وحكم. إذا علمنا كل ذلك - وقد دَلَّلْنَا فيما سبق - أَيْقَنَّا أنَّ الرواية بالمعنى لم تَجْنِ على الدِّينِ، وأنها لم تُدْخِلْ على النصوص التحريف والتبديل كما زعم بعض المُسْتَشْرِقِينَ وَمَنْ لَفَّ لَفَّهُمْ، وأنَّ الله الذي تَكَفَّلَ بحفظ كتابه قد تَكَفَّلَ بحفظ سُنَّة نبيِّه من التحريف والتبديل، وقَيَّضَ لها في كل عصر من

стр. 39

ينفون عنها تحريف الغالين وانتحال المُبطلين، وتأويل الجاهلين، فذهب الباطل الدخيل، وبقي الحق مورَدًّا صافياً للشاربين ﴿قُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ﴾ (١). والآن لنشرع في الرَدِّودِ والدفاع، ومن الله أستمدُّ العونَ والتوفيقَ.

стр. 40

نَقْدٌ إِجْمَالِيٌّ لِكِتَابِ أَبِي رَيَّةَ: في رمضان من عام ١٣٦٤ هـ (أغسطس عام ١٩٤٥) نشر الأستاذ «محمود أَبُو رَيَّةَ» مقالاً بـ " الرسالة " العدد «٦٣٣» تحت عنوان «الحَدِيثُ المُحَمَّدِي» ضَمَّنَهُ آراءه في بعض مباحث الحديث، وذكر أنها خلاصة كتاب سينشر، فلما قرأته وجدت فيه عُزُوفاً عن الحق والصواب في بعض ما كتب، فأخذتُ بالقلم وكتبت رَدًّا أرسلتُ به إلى " الرسالة " فنشر بالعدد «٦٤٢» وقلت في ختام الرَدِّ: «وحيث إنَّ المقال خلاصة كتاب سينشر، فإني لأهيب بالأستاذ أنْ يراجع نفسه في بعض الحقائق التي تَكَشَّفَتْ له، وليكر على الكتاب من جديد بالتمحيص والتدقيق، وعلم الحديث ليس بالأمر الهَيِّنِ، والبحث فيه يحتاج إلى صبر وأناة وتمحيص وتدقيق» وقد أبى الكاتب أنْ يُسَلِّمَ بكل ما أخذته عليه، فكتب رَدًّا على رَدِّي نشر بـ " الرسالة " العدد «٦٥٤» وذكر في مقدمة رَدَّهِ أنَّ مقالي «ينزع إلى الحق ويطلبه، وأنه يستحق العناية ويستأهل الرَدَّ» ثم تَرَيَّثَ الأستاذُ في نشر ما عَنَّ له من فصول هذا الكتاب فقلتُ: لعلَّه راجع نفسه. وفي عامنا هذا (١٣٧٧ هـ - ١٩٥٨ م) طلع علينا الأستاذ «أَبُو رَيَّةَ» بكتاب تحت عنوان: " أضواء على السُنَّة المحمدية " فقرأت الكتاب قراءة باحث مُتثبَّتٍ مُستبصرٍ، فإذا هو صورة مُكَبَّرَة لما أوجز في مقاله القديم، وإذا بالمؤلف لم يُغَيِّرْ من أفكاره إِلاَّ في القليل النادر، فعزمت على الرَدِّ عليه رَدًّا مُسْهَباً ولا سيما أنَّ الكتاب أحدث بلبلة في الأفكار عند من لم يتعمَّقوا في دراسة السُنَّة، وقوي عزمي على الرَدِّ رغبات الكثيرين من الفضلاء الذين لا يزالون يذكرون ردِّي الموجز القديم، وحُسْنُ ظَنِّهِمْ بِي. وقد رأيت أنْ أنشر هذه الرُّدُودَ على صفحات مجلة الأزهر " الزهراء "، وأي مجلة أحق بمثل هذه البحوث من مجلة الأزهر؟ وهي لسان الأزهر

стр. 41

وحاملة لواء الإسلام والتعريف به والذبِّ عنه، وإليها يسكن المسلمون في جميع أقطار الأرض. وقد آثرت أنْ أقدِّم بين يَدَيْ النقد التفصيلي للكتاب صورة موجزة، وإنْ شئتَ فَقُلْ خطوطاً عريضة تعطينا فكرة عن الكتاب وطريقة مؤلِّفه ومنهجه في البحث، وإليك البيان: ١ - إنَّ المؤلف يدَّعي دعاوى عريضة ولا يُدَلِّلُ عليها، أو يحاول أنْ يُدَلِّلُ عليها، فيعوزه الدليل، أو يستدل فيأتي الدليل قاصراً عن الدعوى .. وذلك مثل ما ذكره في ص (٥) من: «أنَّ علماء الحديث قد بذلوا أقصى جُهدهم في دراسة علم الحديث من حيث روايته .. على حين أهملوا جميعاً أمراً خطيراً كان يجب أنْ يعرف قبل النظر في هذا العلم ودرس كتبه - ذلك هو البحث عن حقيقة النص الصحيح لما تَحَدَّثَ به النَبِيُّ ﷺ ، وهل أمر بكتابة هذا النص بلفظه عند إلقائه أو تركه ونهى عن كتابته؟ وهل دَوَّنَهُ الصحابة ومن بعدهم أو انصرفوا عن تدوينه؟ وهل ما روي منه قد جاء مطابقاً لحقيقة ما نطق به النَّبِي - لفظاً ومعنى - أو كان مخالفاً له؟ ... ويعلم الله والراسخون في العلم أنَّ كل ما ادَّعَى أنهم أهملوه جميعاً قد قتلوه بحثاً وبذلوا فيه غاية الوسع. ومثل ما ذكره في [ص ٧] من: «أنه وجد أنه لا يكاد يوجد في كُتُبِ الحديث كلها - مِمَّا سَمَّوْهُ صحيحاً أو حسناً - حديث قد جاء على حقيقة لفظه ومُحْكَمِ تركيبه ... ». ومثل قوله في [ص ١٣]: «ولما كان هذا البحث لم يعن به أحد من قبل ... رأيت أنْ أسوِّي منه كتاباً مُبَوَّباً جامعاً أذيعه على الناس حتى يكونوا على بَيِّنَةٍ من أمر الحديث المحمدي». وفي الحق أنه ما مِنْ بحث عرض له إِلاَّ قد أشبع العلماء فيه القول، وَلِنَدَعْ التدليل إلى مقام التفصيل. ٢ - أنَّ المؤلف اعتمد في التدليل على بعض ما ذهب إليه على كلام

стр. 42

المُسْتَشْرِقِينَ!! وأي والله المُسْتَشْرِقِينَ، وذلك كما فعل في ص ٨١، ١٧١، ١٧٢ وكيف خَفِيَ على المؤلف الحصيف أنَّ المُسْتَشْرِقِينَ - إِلاَّ القليل منهم - يحملون الضغن للإسلام والمسلمين، وأنهم نَفَثُوا سمومهم في بحوث ادَّعُوا أنها حُرَّةٌ نزيهة - وما هي من النزاهة في شيء - وأنَّ من مقاصدهم تقويض صرح الإسلام الشامخ، وذلك بتقويض دَعَامَتَيْهِ القرآن والسُنَّة؟ وأنهم لما عَزَّ عليهم التشكيك في القرآن - على كثرة ما حاولوا - رَكَّزُوا معظم جهودهم في السُنَّة بحُجَّةِ عدم تواترها في تفصيلها، فلبسوا الأمر على بعض الناس حتى كان من أثر ذلك ما يطلع علينا بعض الباحثين في الأحاديث النبوية بين الحين والحين - ومنهم الأستاذ المؤلف - من آراء مبسترة جائرة، ويشهد الله أنها مصنوعة في معامل المُسْتَشْرِقِينَ، ثم اسْتَوْرَدَهَا هؤلاء فيما اسْتَوْرَدُوا من أفكار وادَّعَوءهَا لأنفسهم زُوراً وبُهْتَاناً. ٣ - إنَّ المؤلف أفاض في بعض المباحث وأكثر من النقول وذلك لكي يُرَتِّبَ عليها ما يريد من نتائج هي أبعد ما تكون مترتبة عليها، وذلك كما صنع في مَبْحَثَيْ الرواية بالمعنى وضررها الديني واللغوي والأدبي، بينما أوجز إيجازا مخلا في بعضها كما فعل في مَبْحَثَيْ العدالة والضبط وهل تعلم أنَّ هذين المَبْحَثَيْنِ اللَّذَيْنِ يقوم عليهما علم الرواية ونقد المرويات في الإسلام لم يحظيا من الكتاب إِلاَّ ببضعة أسطر؟ والذي يظهر لي أنه أمر مقصود من المؤلف، ذلك أنه لو ذكر شروط العدالة والضبط على ما أصلها وقعدها أئمة الحديث وصيارفته، لعاد ذلك بالنقض على كثير مِمَّا ذكره المؤلف في كتابه من استنتاجات لا تسلم له. ولا أكون مغالياً أو متعصِّباً إذا قلت: إنَّ الأصول التي وضعها علماء أصول الحديث لنقد المرويات، هي أرقى وأدقَّ ما وصل إليه العقل البشري في القديم والحديث وسأفيض في بيان ذلك عند النقد الموضوعي إنْ شاء الله. ٤ - من عجيب أمر هذا المؤلف أنه يستشهد بأحاديث موضوعة، ما دامت تساعده على ما يريد ويهوى من آراء.

стр. 43

وذلك مثل ما فعل في ص ٢٩ من استشهاده بما روي أنَّ عمر حبس ابنَ مسعود وأبا موسى وأبا الدَرْدَاءَ في المدينة على الإكثار من الحديث فإنه خبر ظاهر الكذب والتوليد - كما قال ابن حزم - ونِسْبَتُهُ رِوَايَتَهُ إلى ابن حزم ليس من الأمانة العلمية في النقل. ومثل حديث عرض السُنَّة على القرآن فهو موضوع باتِّفاق الأئمة. على حين حاول أنْ يُشَكِّكَ في أحاديث صحيحة ثابتة مثل حديث «أَلاَ إِنِّي أُوتِيتُ الْكِتَابَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ» فقد نقده من ناحية متنه مُوهِماً اختلافه ص ٢٥٢. وطعن في حديث «الإسراء والمعراج» وحَمْلِ موسى محمدا- عَلَيْهِمَا الصَلاَةُ وَالسَّلاَمُ - على مراجعة ربه، واعتبر ذلك من الإسرائيليات ص ١٢٣. كما اعتبر ذكر المسجد الأقصى في حديث «لاَ تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلاَّ إِلَى ثَلاَثَةِ مَسَاجِدَ» من الإسرائيليات ص ١٢٩، والإمام ابن تيمية وهو من أئمة المنقول والمعقول وينقل عنه المؤلف كثيراً في كتابه، احتجَّ بهذا الحديث ولم يُبْدِ عليه أي مأخذ من المآخذ، وهو من الأحاديث التي اتفق عليها الشيخان البخاري ومسلم، إلى غير ذلك مِمَّا ستعلم الكثير منه عندما نتعرَّض للنقد التفصيلي. ولا أكاد أعلم للمؤلف سلفاً في الطعن في هذه الأحاديث من الأئمة، اللَّهم إِلاَّ أنْ يكون السادة المُسْتَشْرِقُونَ وَهِيَ شَنْشَنَةٌ نَعْرِفُهَا مِنْ أَخْزَمَ. وإنَّ مِمَّا يؤسف ويدهش أنه اعتبر حديث عبد الله بن عمرو بن العاص الذي رواه البخاري وغيره «إنه لموصوف في التوراة ببعض صفته في القرآن» خرافة من خرافات كعب الأحبار امتدَّت إلى تلميذه عبد الله بن عمرو (ص ١١٤). ولا أدري كيف يتَّفق هذا وقول الحق ﵎: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ﴾ (١). ٥ - جارى المؤلف المُسْتَشْرِقِينَ حينما تكلَّم عن العصبية المذهبية

стр. 44

والسياسية في فصل «الوضع» فحكم على كل ما يَدُلُّ على فضيلة لصحابي أو يشهد لفكرة أو رأي أنه موضوع، وهو تصرف لا يرتضيه المُنْصِفُونَ المُتَثَبِّتُونَ ولا ترتضيه قواعد البحث النزيه المستقيم، فمن ثَمَّ طعن في كثير من الأحاديث الصحيحة في الفضائل، وغير معقول ألاَّ يكون لصحابة النَّبِي الذين مَثَّلَهُمْ في التوراة والإنجيل - فضائل في جملتهم، وألاَّ يكون لبعضهم من الفضيلة والمِيزَةِ ما ليس للآخر، فَادِّعَاءُ أنَّ كُلَّ ما ورد في الفضائل، أو كُلَّ ما يشهد لفكرة أو رأي موضوع إفراط وإسراف في الحُكْم بغير دليل، وكذلك ادعاء أنَّ كُلَّ ما ورد في الفضائل ونحوها صحيح تفريط وتقصير في البحث، فلم يبق إِلاَّ الطريق الوسط العدل، وهو الطريق الذي يهتدي فيه الباحث بصحيح النقد وصريح العقل إلى التمييز بين الصحيح وغير الصحيح، وبيان المقبول من المردود، وهذا هو ما صنعه جهابذة الحديث وأئمة النقد في موقفهم من أحاديث الفضائل ونحوها. ٦ - لقد تحامل المؤلف تحاملاً لا يرتضيه المُنْصِفُونَ لذي دِينٍ وَخُلُقٍ على صحابي من صحابة رسول الله وهو أبو هريرة ﵁، ونحن لا نَدَّعِي العصمة لأحد من البشر، حاشا الأنبياء، ولكنا نريد أنْ نُنَزِّلَ للناسَ منازلهم في الفضل والعلم، ولا نَحْجَرُ على العقول، فلكل باحث أنْ ينتقد ويبدي ما يشاء من آراء في حدود قواعد النقد الصحيحة، ولكنا نُحِبُّ للناقد أنْ يأخذ نفسه بأدب النقد، وأنْ يراعي النُّصْفَةَ، وأنْ يكون عفيف القول، كريم التعبير، مُتَرَفِّعاً عن الإسفاف، كما هو الشأن في العلماء، وقد كان سلفنا الصالح يختلفون ويتجادلون، ولكنَّهم كانوا يُحَلِّقُونَ في سماوات من العِفَّةِ وَالتَرَفُّعِ عن الهجر من القول، والإنصاف وعدم التَجَنِّي. ولا أدري كيف استباح المؤلف لقلمه، فضلاً عن أدبه، أنْ يرمي أبا هريرة بكل جارحة من القول تعليقا على كلمة لسيدنا أبي هريرة قالها تَحَدُّثاً بنعمة الله (١)، قال المؤلف ما نصه ص ١٨٧: «ولقد اسْتَخَفَّهُ أَشَرُهُ وَزَهْوُهُ - يعني أبا هريرة - وَنَمَّ عليه أصله، ونحيزته، فخرج عن حدود

стр. 45

الأدب والوقار! مع هذه السيدة الكريمة فكان يقول بعد هذا الزواج الذي ما كان يحلم به: إني كنت أجيراً لبُسْرَةَ بِنْتِ غَزْوَانَ بطعام بطني، فكنت إذا ركبوا سقتُ بهم، وإذا نزلوا خدمتهم والآن تزوَّجتها، فأنا الآن أركب فإذا نزلت خدمتني ... إلخ». ومِمَّا أخرجه ابن سعد أنه قال: أكريت نفسي من ابنة غزوان على طعام بطني وعقبة رجلي، فكانت تكلفني أنْ أركب قائماً وأورد حافياً، فلما كان بعد ذلك زَوَّجَنِيهَا اللهُ، فكلفتها أنْ تركب قائمة وأنْ تورد حافية. ويعلِّق الباحث الأديب على هذه العبارة، فيقول بالهامش ما نصه: انظر إلى هذا الكلام الذي تعرَّى عن كل مروءة وكرم، واتَّسم بكل دناءة ولؤم، فتجده يُبَاهِي بِامْتِهَانِ زوجه والتَشَفِّي منها، وهل يفعل مثل ذلك رجل كريم خرج من أصل عريق (١). وبحسبي أنْ أضع هذه العبارات، التي نضحت بها نفس المؤلف الأديب بين يدي القُرَّاءِ، وسأدع الحُكْم عليه، لمحكمة الأدب السامي، والضمير الإنساني، وسيكون الحُكْم - لا ريب - قاسياً. هذا إلى ما جاء في تضاعيف كتابه من رمي المنتصرين للسُنَّةِ، المخالفين له في آرائه بالحَشْوِيَّةِ حيناً، وبالمُقَلِّدَةِ والجَامِدِينَ حيناً آخر، إلى غير ذلك مِمَّا ينبغي أنْ يُنَزَّهَ التأليف والنقد عنه. هذا وليطمئن المؤلف أَبُو رَيَّةَ، أني لن أتعرَّض لعقيدته ومذهبه ونشأته، ولا لكرم أصله أو عدم كرمه، ولا لمروءته أو عدم مروءته، إلى غير ذلك مِمَّا تناول به السَيِّدَ الجليل أبا هريرة، فقد أخذت نفسي منذ أمسكت بالقلم أنْ أَتَرَفَّعَ عن مثل هذه السفاسف .... ! والسباب والشتم إنما هي بضاعة العاجز الذي لا يسعفه المنطق السليم والحُجَّة الدامغة ولن يرى مني إِلاَّ النقد الموضوعي للكتاب. ومن الله أستمد العون والتوفيق، فاللَّهُمَّ أَعِنْ وَسَدِّدْ.

стр. 46

النَّقْدُ التَّفْصِيلِيُّ: زَعْمُهُ أَنَّ العُلَمَاءَ لَمْ يَعْنُوا بِالأَحَادِيثِ وَالرَدِّ عَلَيْهِ: قال في [ص ٤، ٥]: «وعلى أنه - أي الحديث - بهذه المكانة الجليلة ... فإنَّ العلماء والأدباء لم يُولُوهُ ما يستحقُّ من العناية والدرس، وتركوا أمره لمن يُسَمَّوْنَ رجال الحديث، يتداولونه فيما بينهم ويدرسونه على طريقتهم، وطريقة هذه الفئة التي اتَّخذتها لنفسها قامت على قواعد جامدة لا تتغيَّر ولا تتبدَّل فترى المُتَقَدِّمِينَ منهم وهم الذين وضعوا هذه القواعد قد حصروا عنايتهم في معرفة رُواة الحديث والبحث على قدر الوسع في تاريخهم، ولا عليهم أنْ كان ما يصدر من هؤلاء صحيحاً في نفسه أو غير صحيح، معقولاً أو غير معقول، ثم جاء المتأخِّرون منهم فقعدوا وراء الحدود التي أقامها من سبقهم، ووقف هؤلاء عند ظواهر الحديث كما أَدَّتْ إليه الرواية .... من غير بحث ولا تمحيص لها» إلخ ما قال. وقد تأثَّر المؤلف بِالمُسْتَشْرِقِينَ والمُبَشِّرِينَ الذين لم يمكنهم أنْ يَتَحَرَّرُوا من سلطان الهوى والتعصُّب في هذا البحث، بل - والحق يقال - أسرف في الحُكْم على الأحاديث أكثر مِمَّا أسرفوا، حتى جاء بحثه ضَغْثاً على إبالة. وإليك الجواب كي يتَّضح الحق والصواب: ١ - لا أدري ماذا يريد المؤلف بقوله، فإنْ أراد علماء الفقه والتشريع فها هُمْ قد بذلوا في ذلك غاية الوسع، وَأَوْلَوْهُ ما يستحق من العناية

стр. 47

والدرس، وبحسبك أنْ تستعرض الكتب التي أُلِّفَتْ في أحاديث الأحكام وشروحها لترى في ذلك عشرات المجلَّدات والموسوعات، وإنْ أراد علماء الدراية بالأحاديث فقد أوفوا في بحث متون الأحاديث وشرحها وتحليلها على الغاية، ولم يَدَعُوا ناحية من نواحيه الخصبة حتى قتلوها بحثاً، وما من كتاب من كتب الحديث المعتمدة إِلاَّ ووضعت له الشروح المتكاثرة، وبحسبك أنْ تتناول فهرساً من فهارس المكتبات العامة لترى إلى أَيِّ حَدٍّ عني العلماء المسلمون بالأحاديث النبوية عناية فائقة قد لا يربو عليها إِلاَّ عنايتهم بالقرآن الكريم، وخَلَّفُوا لنا في ذلك ثروة ضخمة، حتى أنها لقيمتها العلميَّة ونفاستها جذبت فئة من العلماء غير المسلمين إلى البحث فيها وقضاء الأعمار في العناية بها. وإنْ أراد علماء الأخلاق والمواعظ، فقد جعلوا الأحاديث النبوية نَبْعاً فَيَّاضًا لما أَلَّفُوهُ من الكتب فيهما، وكذلك علماء البلاغة والأدب فقد أكثروا من الاستشهاد بالأحاديث في كتبهم، وعنوا بها من حيث اختصاصهم، وأَلَّفَ بعضهم في ذلك كُتُباً تكشف عَمَّا في الأحاديث من جمال فني وأدبي، كما فعل الإمام الشريف في كتابه " المجازات النبوية "، والمرحوم الأستاذ مصطفى صادق الرافعي في كتابه " البلاغة النبوية " الذي جعله مُتَمِمَّا لكتابه " إعجاز القرآن ". ثم ماذا كان يريد المؤلف من العلماء غير المُحَدِّثِينَ والأدباء؟ أكان يريد منهم أنْ يُجَاوِزُوا طورهم - كما جاوز طوره - فَيَدُسُّوا أنوفهم فيما ليس من صناعتهم ويُمَيِّزُوا بين الصحيح والضعيف والمقبول والمردود والغث والسمين؟. إنَّ علماء الأدب وأضرابهم مِمَّنْ ليسوا من رجال الحديث وصيارفته أكرم على أنفسهم مِنْ أَنْ يقفوا ما ليس لهم به علم، وأنْ يَزُجُّوا بأنفسهم في علوم ومعارف ليسوا أهلاً لها. ٢ - محاولة المؤلف هنا وفي غير موضع من كتابه الإزراء بالمُحَدِّثِينَ

стр. 48

وغمزهم ولمزهم ورميهم بالجمود لن يُقَلِّلَ من أقدارهم ولن ترفع من شأنه، بل هي عند الباحثين والعَالِمِينَ مِمَّا يزري بالنقد ويلحقه بالشتيمة والسباب، وإنَّ ما وضعه المُحَدِّثُونَ من قواعد لنقد الراوي والمروي هي أدق وأرقى ما وصل إليه علم النقد في القديم والحديث، والمُتَأَخِّرُونَ لم يأتوا في ذلك بأمر جديد ذي خطر، اللَّهُمَّ إِلاَّ في الاستفادة بما جَدَّ من المعارف النفسية والتوسُّع في التطبيق، ولو أنصف المؤلف لعقد مقارنة بين قواعد المُحَدِّثِينَ وقواعد غيرهم مِمَّنْ يرتضيهم، ثم خلص من ذلك إلى نتيجة صادقة، أمَّا وقد رمى بها قولة مُجْمَلَة من غير بُرهان فبحسبنا في الرَدِّ عليه هذا الإجمال، وعندما أتعرَّض لمَبْحَثَيْ العدالة والضبط سأفصل فيهما القول، كي يتَّضح أنَّ قواعد المُحَدِّثِينَ ليست جامدة ولا قاصرة. عِنَايَةُ المُحَدِّثِينَ بِنَقْدِ السَّنَدِ وَالمَتْنِ: لا أدري كيف سَوَّلَتْ للمؤلف نفسه أنْ يزعم أنَّ المُحَدِّثِينَ حصروا عنايتهم في السند دون المتن الخ؟! وكيف يتَّفق هذا وما ذهبوا إليه من الحُكْمِ على متن الحديث بالشذوذ والنكارة والاضطراب والتعليل والوضع والاختلاق، وما وضعوه من أمارات يُسْتَدَلُّ بها على الحديث بالوضع؟ لقد جعلوا من إمارات الموضوع ركاكة اللفظ بحيث يشهد الخبير بالعربية أنَّ هذا لن يصدر من فصيح فضلاً عن أفصح الفصحاء، وركاكة المعنى كَأَنْ يكون مشتملاً على مُحَالٍ، واشتمال الحديث على مجازفات ومبالغات لا تصدر من عاقل حكيم، والمخالفة لِلْحِسِّ والمشاهدة، والمخالفة لصريح القرآن أو السُنَّة المتواترة أو المُسَلَّمَةِ أو الإجماع مع تَعَذُّرِ التأويل المقبول في كل ذلك، أو يتضمن الحديث أمراً مُسْتَحْدَثاً لم يوجد في العهد النبوي أو إلى غير ذلك مِمَّا أفاضت فيه كتب تاريخ الوضع في الحديث (١) قال الربيع بن

стр. 49

خثيم: «إنَّ للحديث ضوءاً كضوء النهار يعرفه، وظلمة كظلمة الليل تنكره» وقال الإمام ابن الجوزي: «ما أحسن قول القائل كل حديث رأيتَهُ تخالفه العقول وتناقضه الأصول وتباينه النقول فاعلم أنه موضوع» وللمُحَقِّقِ ابن القيم في ذلك كلام قَيِّمٌ نقله علي القاري في " موضوعاته "، ومن عجيب أمر المؤلف أنه ذكر نحواً من ذلك ص ١٠٤، ١٠٥ من كتابه، ولا ندري كيف يَتَّفِقُ قوله أو لا هو وما ذكره عن المحققين آخراً؟! ولكي تزداد يقيناً في هذا أسوق لك بعض نُقُودِ المُحَدِّثِينَ للمتون، وستتأكد أنَّ دعوى حصر العناية بالنقد في السند دون المتن دعوى مردودة. قال ابن الجوزي في الحديث الموضوع: «شكوت إلى جبريل رمد عيني فقال لي: انظر في المصحف». قال ابن الجوزي: وأين كان في العهد النبوي مصحف حتى ينظر فيه؟. وقال الحافظ بن حجر في تزييف الحديث الموضوع: «أتاني جبريل بسفرجلة فأكلتها ليلة أُسْرِيَ بي فعلقت خديجة بفاطمة». قال الحافظ: الوضع عليه ظاهر، فإنَّ فاطمة ولدت قبل الإسراء بالإجماع. وقال ابن القيم في نقد الحديث الموضوع: «إذا عطس الرجل عند الحديث فهو صدق» قال: هذا، وإنْ صَحَّحَ بعض الناس سنده فالحِسُّ يشهد بوضعه، لأنَّا نشاهد العطاس والكذب يعمل عمله، ولو عطس ألف رجل عند ذكر حديث يُرْوَى عن النَّبِي لم يحكم بِصَحَّتِهِ بالعطاس. فانظر إلى أَيِّ مبلغ اعتماد أئمة الحديث على نقد المتن حتى وإنْ كان السند غير وَاهٍ ساقط أو ضعيف. ومثل حديث وضع الجزية على أهل خيبر الذي قرنه واضعه بشهادة سعد بن معاذ، فقد قالوا في نقده: إنَّ سعد بن معاذ توفي قبل ذلك في غزوة الخندق، وأيضاً الجزية لم تكن نزلت ولا يعرفها الصحابة ولا العرب، وإنما نزلت بعد عام تبوك وفيه أنه وضع عنهم الكلفة (السخرة) مع

стр. 50

أنه لم يكن في زمنهم شيء من ذلك. إلى غير ذلك من النقود التي أوصلها العلماء في هذا الخبر إلى عشرة أوجه (١). وغير هذا كثير جداً يوجد في تضاعيف الكتب المُؤَلَّفَةِ في الموضوعات والكشف عن أدوائها ومعايبها، فهل بعدما ذكرنا يقال إنهم حصروا عنايتهم في نقد السند دون المتن؟!! السِرُّ في اتِّئَادِ المُحَدِّثِينَ فِي نَقْدِ المُتُونِ: نعم نحن لا ننكر أنَّ المُحَدِّثِينَ توسَّعوا في نقد السند أكثر من توسُّعهم في نقد المتن، وذلك سِرٌّ نحب أنْ نُجْلِيَهُ للقُرَّاء والبَاحِثِينَ. وفي الحق أنَّ علماء الحديث كانوا أبعد غوراً، وَأَدَقَّ نظراً، وأهدأ بالاً حينما لم يَجْرُوا في نقد المتن الأشواط البعيدة التي جَرَوْهَا في نقد السند، وذلك لاعتبار ديني لاَحَظُوهُ في السُنَّةِ عند الاكتفاء بصلاح الراوي وتقواه وعدالته ظاهراً وباطناً وضبطه وحفظه وتوقِِّّيه الكذب على رسول الله - صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلاَمُهُ عَلَيْهِ - في نَصٍّ هو أصل ومرجع في الدين، فمتى توفََّّرت العدالة بشروطها مع الضبط والحفظ والأمانة والتحرُّج من التزيُّد والتغيير كان احتمال الكذب والاختلاف بعيداً جداً إنْ لم يكن مُمْتَنِعاً، وإذاً فلم يبق بَعْدُ من حاجة للمُبالغة في نقد المتن وذلك لأنَّ متن الحديث: [أ] قد يكون متشابهاً غير مفهوم العبارة فلا مَحَلَّ - مع هذا الاحتمال - لتحكيم النقد العقلي المُجَرَّدِ في المتن، إذ مثل هذا المتشابه مِمَّا لا تستقلُّ العقول بإدراكه، ولا يدرك المُرَادُ منه إِلاَّ من الله أو عن رسوله المُبَلِّغُ عنه، والواجب إمَّا الإيمان به كما ورد مع تفويض علم حقيقته إلى الله والتنزيه عن الظاهر المستحيل، وإمَّا التأويل بما يوافق العقل وما أحكم من النقل، وذلك مثل أحاديث الصفات ونحوها.

стр. 51

[ب] وقد يكون متن الحديث ليس من قبيل الحقيقة بل من قبيل المجاز فرفضه - باعتبار حمله على الحقيقة استناداً إلى أنَّ العقل أو الحِسَّ والمشاهدة لا تُقِرُّهُ مع إمكان حمله على المجاز المقبول لغةً وشرعاً - تَهَجُّمٌ وَتَنَكُّرٌ لقواعد البحث العلميِّ الصحيح، وذلك مثل حديث ذهاب الشمس بعد غروبها وسجودها تحت العرش المَرْوِيِّ في الصحيح (١) فلو حملناه على حقيقته لأَدَّى ذلك إلى البُطلان، على حين لو حمل على المجاز المُسْتَسَاغِ لظهر ما فيه من سر وبلاغة، فسجود الشمس المراد به خضوعها وسيرها طِبْقَ إرادته - سُبْحَانَهُ - وعدم تَأَبِّيهَا عن النظام الدقيق المُحْكَمِ الذي فطرها الله عليه واستمرارها عليه من غير انقطاع ولا فُتُورٍ ومثل هذا الحديث يقصد به حَثَّ الخلق على الخضوع والإذعان لله رب العالمين، فإذا كانت الشمس على عظمها في غاية الخضوع لله فما أجدر الإنسان المخلوق الضعيف - وبخاصة عابدوها - بالخضوع لله والإيمان به، ومثل هذا الأسلوب سائغ شائع، فها نحن أولاء نرى العرب يقولون: شَكَا إِلَيَّ جَمَلِي طُولَ السُّرَى * ... * ... * صَبْرًا جَمِيلاً فَكِلاَنَا مُبْتَلَى ولا شكوى ولا كلام، وإنما مجاز وتمثيل، فانظر إلى الروعة في التمثيل، ولو جاء على غير هذه الطريقة لخلا من هذه الروعة، ومثل هذا التمثيل البديع قد جاء في القرآن المتواتر الذي لا يتطرَّق إليه الشك مثل قوله سبحانه: ﴿وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ﴾ (٢) فليس بِبِدَعٍ أنْ تجيء به الأحاديث. [ج] وقد يكون متن الحديث من قبيل المُغَيَّبَات كأحوال القيامة واليوم

стр. 52

الآخر فردها - تحكيما للعقل فيها وبناء على قياس الغائب على الشاهد - ليس من الإنصاف، وذلك كالأحاديث الواردة في صفة الجنة ونعيمها والنار وعذابها ونحو ذلك. [د] وقد يكون متن الحديث من الأخبار التي كشف العلم عن مساتيرها واعتبرت من المعجزات النبويَّة إلى أنْ جاءت الأيام بتصديقها وذلك مثل الحديث الصحيح: «إِذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِي إِنَاءِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْسِلْهُ سَبْعًا إِحْدَاهُنَّ بِالتُّرَابِ». فقد أثبت بعض الأطباء (١) أثر التراب الفَعَّالِ في قتل وإزالة الميكروب المتخلف عن سُؤْرِ الكلب، على حين كان بعض المارقين يعتبرون مثل هذا مجازفة وتعنُّتاً في التشريع، وأما المؤمنون فكانوا يعتبرونه من قبيل التَعَبُّدِ حين خفيت عنهم الحكمة. أرأيت أيها المُنْصِفُ لو أنَّ العلماء المُحَدِّثِينَ تَمَسَّكُوا بالنظر السطحي وتسرَّعوا في الحُكْم ببطلان هذا الحديث وأمثاله مِمَّا خفي وجه الحكمة فيه ثم ظهرت بعد ذلك الحكمة واضحةً، ألاَ يكون ذلك جهالة في البحث وقصوراً في النظر، وَإِجْحَافاً بحق صاحب الرسالة ﷺ ؟ ثم ألاّ ترى معي أنَّ المُحَدِّثِينَ كانوا على حَقٍّ في المسلك الذي انتهجوه؟ ما زعمه في ص ٦: «من أنَّ المُحَدِّثِينَ جميعا أهملوا أمراً خطيراً كان يجب أنْ يعرف قبل النظر في هذا العلم ودرس كتبه، ذلك هو البحث عن حقيقة النص الصحيح لما تحدَّث به الرسول - صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ - وهل أمر بكتابة هذا النص أو تركه ونهى عن كتابته وهل دَوَّنَ الصحابة ومن بعدهم أو انصرفوا عن تدوينه؟ وهل ما روي قد جاء مطابقاً لحقيقة ما نطق به النَّبِي لفظاً ومعنى أو كان مخالفاً له؟ ... ثم في أَيِّ زمن دَوَّنَ ما حملته الرواية منه؟ ... وماذا كان موقف علماء الأمَّة منه ... إلخ ما قال».

стр. 53

زعم ليس له ما يؤيِّده ولا يخرج عن كونه إجحافاً صارخاً بحق أئمة الحديث فيما أفنوا أعمارهم فيه، فهذه المباحث التي عرض لها وغيرها قد أكثر العلماء فيها البحث والتمحيص، ووجدتُ في عشرات من كتب أصول الحديث، وبحسبك أنْ ترجع إلى " علوم الحديث " للحاكم أبي عبد الله والإمام ابن الصلاح، و" ألفية الحديث " للحافظ العراقي، و" التدريب " للإمام النووي، و " الباعث الحثيث " للحافظ ابن كثير، و" نخبة الفكر" وشرحها للحافظ ابن حجر، و" التدريب " للحافظ السيوطي، وعشرات الشروح التي وضعت لها، و" ظفر الأماني " للعلامة اللَّكَنَوِي و" توجيه النظر " للشيخ طاهر الجزائري، وغير هذه الكتب كثير مِمَّا أُلِّفَ في القديم والحديث، بحسبك - أيها الطالب للحقيقة - أنْ ترجع إلى أَيِّ كتاب منها، وستعلم علم اليقين أنَّ ما زعم صاحب " الأضواء " أنهم أهملوه، قد عقدوا له الأبواب والبحوث المستفيضة، وأنه تجنَّى على أئمة الحديث ما شاء له هواه أنْ يتجنَّى. زَعْمُهُ أَنَّ الأَحَادِيثَ كُلُّهَا رُوِيَتْ بِالمَعْنَى: ذكر المؤلف [ص ٨] أنه بعد أنْ لبث زمناً طويلاً يبحث وينقِّب بعد أنْ أخذ نفسه بالصبر والأناة، انتهى إلى حقائق عجيبة ونتائج خطيرة «ذلك أني وجدت أنه لا يكاد يوجد في كتب الحديث (كلها) - مِمَّا سَمَّوْهُ صحيحاً أو ما جعلوه حسناً - حديث قد جاء على حقيقة لفظه ومحكم تركيبه كما نطق به الرسول ... وقد يوجد بعض ألفاظ مفردة بقيت على حقيقتها في بعض الأحاديث القصيرة، وذلك في القلة والندرة، وتبيَّن لي أنَّ ما يسمُّونه في اصطلاحهم حديثاً صحيحاً إنما كانت صحَّته في نظر رُواته لا أنه صحيح في ذاته». وقد بلغ المؤلف الغاية في المجازفة في الحُكْم، ونحن لا نقول: إِنَّ الأحاديث كلها رُوِيَتْ بألفاظها، وكيف وقد ثبت أنَّ القصة الواحدة

стр. 54

أو الواقعة رُوِيَتْ بألفاظ مختلفة وإنْ كان المعنى واحداً؟ ولا نقول: إنَّ الأحاديث كلها رُوِيَتْ بالمعنى - كما زعم - وكيف ومن الأحاديث ما اتفقت الروايات على لفظها؟ أفلا يدل اتفاق الروايات على اللفظ أنَّ هذا حقيقة اللفظ المسموع من الرسول؟ ومن الأحاديث ما لا يشك متذوق للبلاغة أنها من كلام أفصح العرب، وأنها لن تخرج إِلاَّ من مشكاة النبوَّة، ومن قبل أدرك أئمة في اللغة والبيان هذه الحقيقة فألَّفُوا الكتب في البلاغة النبوية. ومِمَّا ينبغي التنبه إليه أنَّ أكثر ما ترد الرواية باللفظ في الأحاديث القصيرة، على أنَّ وُرُودَ الرواية بالمعنى في الأحاديث الطويلة إنما تكون في الكلمة والكلمتين والثلاث، وقلَّما تكون الرواية بالمعنى في جميع ألفاظ الحديث، وهذا شيء نقوله عن دراسة واستقراء، وليس أدل على ذلك من أنَّ حديث «بدء الوحي» المروي عن السيدة عائشة في " الصحيحين " وغيرهما - وهو من الأحاديث الطويلة - لا تكاد تجد الرُواة اختلفوا فيه إِلاَّ في بعض ألفاظ قليلة نادرة، وبحسبنا هذا الآن، وعند مناقشته في بحث الرواية بالمعنى الذي عقده في كتابه سأفيض في الرَدِّ عليه، وسأبيِّن أنَّ بعض ما استدل به هو دليل عليه لا له، وإليك ما قال في هذا الشأن إمام من أئمة الحديث - غير مدافع - وهو الحافظ ابن حجر قال: «ومن أمثلة جوامع الكلم من الأحاديث النبوية حديث عائشة «كُلُّ عَمَلٍ لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا، فَهُوَ رَدٌّ»، وحديث: «كُلُّ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ» متفق عليهما، وحديث أبي هريرة: «وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» وحديث المقداد: «مَا مَلأََ ابْنُ آدَمَ وِعَاءً شَرًّا مِنْ بَطْنِهِ» الحديث أخرجه الأربعة وَصَحَّحَهُ ابن حِبَّان والحاكم، إلى غير ذلك مِمَّا (يكثر) بالتتبع، وإنما يسلم ذلك فيما لم تتصرف الرُواة في ألفاظه، والطريق إلى معرفة ذلك أنْ تقل مخارج الحديث وتتفق ألفاظه (١).

стр. 55

وأزيد على ما ذكره الحافظ حديث: «الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيْدِهِ». وحديث: «النَّاسُ كَإِبِلٍ لاَ تَجِدُ فِيهَا رَاحِلَةً». وحديث: «الْمُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا». وحديث: «تَرَى الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ» ... إلخ. وحديث: «وَهَلْ يُكِبُّ النَّاسَ فِي النَّارِ إِلاَّ حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ». وحديث: «إِنَّ مِمَّا يُنْبِتُ الرَّبِيعُ مَا يَقْتُلُ أَوْ يُلِمُّ». وحديث «الحَيَاءُ مِنَ الإِيمَانِ». إلى غير ذلك من الأحاديث المتكاثرة التي جاءت على حقيقة لفظها ومحكم تركيبها. أما ما ادَّعاه من أنه تبيَّن له أنَّ ما سَمَّوْهُ صحيحاً إنما هو في نظر رُواته لا أنه صحيح في ذاته، فشيءٌ سبق به من ألف سَنَةٍ أو تزيد، فقد قال أئمة الحديث: إنَّ الحُكْم على الحديث بالصحة أو الحُسن أو الضعف إنما هو بحسب ما ظهر للمُحَدِّثِ من تحقق شروط الصحة أو الحسن أو عدم تحققها، وليس المراد أنه صحيح أو حسن أو ضعيف في الواقع ونفس الأمر، إذ لا يعلم ذلك يقيناً إِلاَّ علامُ الغيوب، وأنه يجوز - عقلاً - أنْ يكذب الصادق ويصدق الكذوب، وهذا التجويز العقلي دعاهم إليه التعمُق في البحث والتأنِّي في النظر والثبت في الحُكْم وبلوغ الغاية في النصفة. زَعْمُهُ أَنَّ السَّبَبَ فِي تَوَاتُرِ القُرْآنِ كِتَابَتُهُ: قال في [ص ١٠]: «ولو أنَّ الحديث دُوِّنَ في عصر النَّبِي ﷺ كما دُوِّنَ القرآن واتَّخذ له من وسائل التَحَرِّي والدقَّة ما اتَّخذ للقرآن لجاء كله متواترا كذلك، ولما اختلف المسلمون فيه هذا الاختلاف الشديد»، إلى آخر ما قال. وكأنَّ المؤلف فهم أنَّ السبب في تواتر القرآن كونه كتب في العصر النبوي، والحق خلاف ذلك فالتواتر، إنما جاء في القرآن الكريم من جهة لفظه ونقله، فقد تلقاه عن النَّبِي ﷺ وحَفِظَهُ الألوف من

стр. 56

الصحابة، وعن هؤلاء أخذ الألوف المؤلَّفة من التابعين، وهكذا تلقاه العدد الكثير الذين يثبت بهم التواتر عن العدد الكثير حتى وصل إلينا متواتراً، وسيستمر كذلك حتى يرث اللهُ الأرضَ ومن عليها، فالمُعَوَّلُ عليه في تواتر القرآن هو الحفظ والتلقي الشفاهي لا الأخذ من الصحف، أما الكتابة فقد كانت من دواعي الثبوت والحفظ ليجتمع للقرآن الوجودان: الوجود في الصدور، والوجود في الصحائف والسطور، كما كانت معتمد الجامعين للقرآن في الصحف والمصاحف في عهدي أبي بكر وعثمان ﵄ فقد كانوا حريصين أنْ يكتبوه من عين ما كُتِبَ بين يدي النَّبِي ﷺ ، ولو أنَّ السُنَّة دُوِّنَتْ في العهد النبوي، ولكن لم يحفظها من يقوم بهم التواتر لما جاءت كلها متواترة - كما زعم - (١)، فالعبرة في التواتر وعدمه إنما هو رواية الكثيرين أو عدم روايتهم، ومع أنَّ السُنَّة لم تُدَوَّنْ في العصر النبوي فقد جاء بعضها متواتراً، وإنْ كان قليلاً، ولو أنَّ المُعَوَّلُ عليه في التواتر الكتابة لكانت الكتب التي دُوِّنَتْ وأحيطت بالعناية والدقة كلها متواترة وأنى هي؟. اِضْطِرَابُهُ فِي بَيَانِ السُنَّةِ مِنَ الدِّينِ: ذكر في [ص ١٧]: «أنهم جعلوا السُنَّة القولية في الدرجة الثانية أو الدرجة الثالثة من الدين، وأنها تلي القرآن في المرتبة»، وبعد أسطر قال: «وأما الذي هو في الدرجة الثانية من الدين فهو السُنَّة العمليَّة»، ومفهومه أن السُنَّة القولية ليست في الدرجة الثانية. ولا ندري ما منشأة هذا الاضطراب وعدم الثبوت على رأي حتى خالف عجز كلامه صدره؟!

стр. 57

ثم ساق كلام الإمام «الشاطبي» في " الاعتصام " وليس في كلام الشاطبي ما يشهد للتفرقة بين السُنَّة القولية والعمليَّة بل دَلَّ كلام الشاطبي على أنَّ المراد بالسُنَّة القول والفعل والتقرير. ثم نقل عن السيد «رشيد رضا» قوله: «والعُمدة في الدين كتاب الله تعالى في المرتبة الأولى والسُنَّة العمليَّة المتفق عليها في المرتبة الثانية وما ثبت عن النَّبِي وأحاديث الآحاد فيها رواية ودلالة في الدرجة الثالثة، ومن عمل بالمتفق عليه كان مسلماً ناجياً في الآخرة مُقَرَّباً عند الله تعالى، وقد قرر ذلك الغزالي». فها أنت ترى أنَّ ما نقله ليس فيه ما يشهد لما اضطرب فيه من كلامه، والذي عليه المُحَقِّقُونَ أنَّ السُنَّة قولاً وعملاً وتقريراً هي الأصل الثاني والأصل الأول هو الكتاب. على أنَّ ما ذكره السيد رشيد وجعله في المرتبة الثانية هو السُنَّة العمليَّة المتفق عليها لا مطلق سُنَّةٍ عَمَلِيَّةٍ، ومثل هذا كان في حاجة إلى تحرير، لا أنْ يدع القارئ في مهمة من الشك والاضطراب. تَجَنِّي المُؤَلِّفِ عَلَى سَيِّدِنَا عُمَرَ وَأَنَّهُ حَبَسَ بَعْضَ الصَّحَابَةِ بِسَبَبِ رِوَايَةِ الحَدِيثِ: في [ص ٢٩] تحت عنوان «الصحابة ورواية الحديث» قال: «وفي رواية ابن حزم في " الأحكام " أنه حبس ابن مسعود وأبا موسى وأبا الدَرْدَاءَ في المدينة على الأكثار من الحديث». وقد تَجَنَّى المؤلف على الحقيقة وابن حزم ما تَجَنَّى! فقد أوهم القارئَ أنَّ ابن حزم رَوَاهُ، وليس من روايته قطعاً، وإنما ذكره في كتابه وَفَرْقٌ بين الذكر والرواية كما يعلم ذلك المبتدئون في علم الحديث، وَأَوْهَمَ القَارِئَ أيضاً أنه ارتضاه، وابن حزم بريء منه، وإنما زيفه وبَيَّنَ بُطلانه.

стр. 58

وإليك ما ذكره ابن حزم في " الأحكام ": «وَرُوِيَ عن عمر أنه حبس ابن مسعود من أجل الحديث عن النَّبِي ﷺ وأبا الدَرْدَاءَ وأبا ذَرٍّ» فقد ذكره بصيغة «رُوِيَ» الدالة على التضعيف، ولو كان من روايته لقال: وروينا، وقد طعن ابن حزم في الرواية بالانقطاع لأنَّ إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف راويه عن عمر لم يسمع منه، والمنقطع من قَبِيلِ الضعيف لا يُحْتَجُّ به لجواز أنْ يكون البلاء في الرواية من المحذوف وأنه هو الذي اختلقها، ثم قال ابن حزم (١): «إنه - أي الخبر - في نفسه ظاهر الكذب والتوليد، لأنه لا يخلو عمر من أنْ يكون اتَّهَمَ الصحابة وفي هذا ما فيه، أو يكون نهى عن نفس الحديث وعن تبليغ السُنن وألزمهم كتمانها وجحدها، وهذا خروج عن الإسلام، وقد أعاذ الله أمير المؤمنين من كل ذلك، وهذا قول لا يقوله مسلم أصلاً، ولئن كان حَبَسَهُمْ وهم غير مُتَّهَمِينَ لقد ظلمهم، فليختر المحتج لمذهبه الفاسد بمثل هذه الروايات المطعونة أي الطريقتين الخبيثتين». هذا ما قاله ابن حزم، فهل بعد هذا يزعم المؤلف لنفسه الأمانة في النقل؟! ولو أنَّ القارئ المتثبت تشكك فيما ينقله هذا الرجل عن العلماء ألاَ يكون معذورا؟؟. ومن دواعي تزييف الرواية: أنَّ ابن مسعود كان يَتَّبِعُ مذهبَ عمر وطريقته، وكان يقول: لو سلك الناس وادياً وشعباً وسلك عمر وادياً وشعباً لسلكتُ وادي عمر وشعبه، وقد أرسله عمر إلى الكوفة لِيُعَلِّمَ أهلها، وقال لهم: «لَقَدْ آثَرْتُكُمْ بِعَبْدِ الله عَلَى نَفْسِي»، فكيف يعقل أنْ يخالف عُمَرَ في التقليل من الرواية؟ وكيف يعقل من عمر أنْ يحبسه؟؟. ثم كيف غفل المؤلف عن هذا النقد للمتن، وهو الذي أنحى على المُحَدِّثِينَ باللائمة لأنهم أغفلوا جميعاً نقد المتن، وأنه هو الذي جاء

стр. 59

- في نقد المتون - بما لم يبلغه الأوائل، مِمَّا زعمه نقداً والله يعلم أنه تَهَجَّمَ وتطاول؟؟!! بل وكيف غفل المؤلف عمَّا يناقص هذا وهو ما ذكره بعد صحيفة واحدة في [ص ٣١] عن عمرو (*) بن ميمون قال: «اخْتَلَفْتُ إِلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ سَنَةً فَمَا سَمِعْتُهُ فِيهَا يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَلاَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ، وَأِنَّهُ حَدَّثَ ذَاتَ يَوْمٍ بِحَدِيثٍ فَعَلاَهُ الكَرْبُ حَتَّى رَأَيْتُ العَرَقَ يَتَحَدَّرُ عَنْ جَبِينِهِ»! وهل يليق به - وقد زعم أنه شيخ النُقَّادِ - أنْ يأتي بروايات يناقض أولها آخرها وآخرها أولها من غير أنْ يعرض لبيان مفصل الحق فيها؟ السِرُّ في هذا يا أخي القارئ أنَّ المؤلف يأخذ ما يشاء بهواه، وَيَدَعُ ما يشاء بهواه وأنه خطف هذا الكلام خطفاً من كلام بعض المُسْتَشْرِقِينَ (١) الذين يتتبَّعون شَوَاذَّ الروايات ومَنْحُولِهَا، ونسبه إلى ابن حزم كي يُضْفِي عليه شيئاً من القبول. طَعْنُهُ فِي حَدِيثِ «مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا»: وفي [ص ٣٧] عرض لحديث «مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ» وذكر ما قاله الحافظ ابن حجر من وُرُودِ الحديث في بعض رواياته بدون «مُتَعَمِّدًا»، وفي بعضها بذكرها في " الصحيحين " وغيرهما ثم قال: «ولكن من حَقَّقَ النظر وأبعد النجعة في مطارح البحث يجد أنَّ الروايات الصحيحة التي جاءت عن كبار الصحابة ومنهم ثلاثة من الخلفاء الراشدين فيه تلك والكلمة «مُتَعَمِّدًا» وكل ذي لُبٍّ يستبعد أنْ يكون النَّبِي قد نطق بها ... ولعل هذه اللفظة قد تسللت إلى هذا الحديث من طريق الإدراج المعروف عند العلماء، لِيُسَوِّغَ بها الذين يضعون الحديث على

стр. 60

رسول الله حسبة - من غير عمد - أو يتكئ عليها الرُواة فيما يَرْوُونَهُ عن غيرهم على سبيل الخطأ أو الوهم أو بسوء الفهم لكي لا يكون عليهم حرج في ذلك، لأنَّ المُخْطِئَ غير مأثوم. وهكذا نجده لا يقتنع بما قاله الحافظ الكبير ابن حجر ليطلع علينا بهذه الفروض والتمحلات!! وإليك بيان مفصل الحق في هذا: ١ - رُوِي هذا الحديث من طرق متكاثرة عن كثير من الصحابة في " الصحيحين " وغيرهما، حتى قد أوصلها بعض المُحَدِّثِينَ إلى المائة ما بين صحيح وحسن وضعيف، والحق أنَّ الحديث رُوِي بهذا اللفظ من طرق تصل به إلى درجة المتواتر، كما حَقَّقَ ذلك الحافظ في " الفتح " (١)، وأما وصول طرقه إلى هذا العدد الضخم فذلك فيما ورد في مطلق ذَمِّ الكذب على النَّبِي ﷺ لا في هذا اللفظ بعينه ولا في خصوص هذا الوعيد، ثم إنه لم يصح عن أحد من الخلفاء إِلاَّ عن «عَلِيٍّ» في " الصحيحين " وعن «عثمان» في غير " الصحيحين "، لاَ عن ثلاثة من الخلفاء كما زعم المؤلف (٢) وقد جاءت كلمة (مُتَعَمِّدًا) في أغلب روايات " الصحيحين " (٣) وغيرهما من الكتب المعتمدة، وطرق ذكرها أكثر من طرق تركها وأقوى، فقد وردت في " الصحيحين " عن أنس وأبي هريرة والمُغيرة بن شُعبة وعبد الله بن عمرو بن العاص، ولم ترد في رواية عَلِيٍّ ولا الزبير بن العوام والقاعدة عند نُقَّادِ الحديث وغيرهم أنه إذا تعارضت الروايات رَجَّحَ الأكثر والأقوى وهنا تُرَجَّحُ روايات ذكر اللفظ ويحمل المطلق على المقيد، ومن دواعي

стр. 61

ترجيح الزيادة أنها جاءت عن الزبير بن العوام في " مستخرج الإسماعيلي " وفي " سنن ابن ماجه " (١)، ومن حفظ حُجَّة على مَنْ لم يحفظ، كما أنَّ الزيادة جاءت في رواية عبد الله بن عمرو بن العاص وكان قارئاً كاتباً - كما في الصحيح - فروايته أوثق من غيره. ٢ - ما زعمه مِنْ أنَّ هذه الكلمة وضعت لِيُسَوِّغَ بِهَا ... ألخ غير معقول، ولا أدري - ولا أحد يدري - كيف يجتمع الوضع حسبة مع عدم التعمد؟ إنَّ معنى الحسبة أنْ يقصد الواضع وجه الله وثوابه وخدمة الشريعة - على حسب زعمه - بالترغيب في فعل الخير والفضائل، وهم قوم من جهلة الصُّوفِيَّةِ وَالكَرَّامِيَّةِ جَوَّزُوا الوضع في الترغيب والترهيب، فكيف يجامع قصد الوضع عدم التعمد؟!! وتفسير الحسبة بأنها عن غير عَمْدٍ غير مقبول ولا مُسَلَّمٍ. وأما تجويزة أنها أدرجت ليتكئ عليها الرُواة ... إلخ فمردود، ذلك أنَّ رفع إثم الخطأ أو السهو ليس بهذه الكلمة، وإنما ثبت بأدلة أخرى، وقد تقرَّر في الشريعة أنه لا إثم على المخطئ والناسي ما لم يكن بتقصير منه فذكر الكلمة لا يفيد هؤلاء الرُواة شيئاً ما دام هذا أمراً مُقَرَّراً، والسر في ذكرها أنَّ الحديث لما رَتَّبَ وعيداً شديداً على الكذب، والمخطئ والساهي والناسي لا إثم عليهم، كان من الدقة والحيطة في التعبير التقييد بالعمد وذلك لرفع تَوَهُّمٍ الإثم على المخطئ والغالط والناسي، قال الإمام النووي في " شرحه على مسلم " (٢): «وَأَمَّا الكَذِبُ فَهُوَ عِنْدَ الْمُتَكَلِّمِينَ مِنْ أَصْحَابِنَا الإِخْبَارُ عَنِ الشَّيْءِ عَلَى خِلاَفِ مَا هُوَ عَمْدًا كَانَ أَوْ سَهْوًا هَذَا مَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ، وَقَالَتِ الْمُعْتَزِلَةُ: شَرْطُهُ الْعَمْدِيَّةُ وَدَلِيلُ خِطَابِ هَذِهِ الأَحَادِيثِ لَنَا فَإِنَّهُ قَيَّدَهُ ﵇ بِالْعَمْدِ لِكَوْنِهِ قَدْ يَكُونُ عَمْدًا وَقَدْ يَكُونُ سَهْوًا مَعَ أَنَّ الإِجْمَاعَ وَالنُّصُوصَ الْمَشْهُورَةَ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ مُتَوَافِقَةٌ مُتَظَاهِرَةٌ عَلَى أَنَّهُ لاَ إِثْمَ عَلَى الناسي والغالط، فَلَوْ أَطْلَقَ ﵇ الكَذِبَ لَتُوُهِّمَ أَنَّهُ

стр. 62

يَأْثَمُ النَّاسِي أَيْضًا فَقَيَّدَهُ، وَأَمَّا الرِّوَايَاتُ الْمُطْلَقَةُ فَمَحْمُولَةٌ عَلَى الْمُقَيَّدَةِ بِالْعَمْدِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ». على أنَّ أئمة الحديث وإنْ قالوا برفع الإثم عن الخاطئ والناسي والغالط فقد جعلوا ما ألحق بالحديث غلطاً أو سهواً أو خطأً من قبيل الشبيه بالموضوع في كونه كذباً في نسبته إلى الرسول، ولا تَحِلُّ روايته إِلاَّ مقترنا ببيان أمره، وإلى هذا ذهب الخليلي وابن الصلاح والعراقي وغيرهم (١)، وقد اعتبره بعض أئمة الجرح - كابن معين وابن أبي حاتم - من قَبِيلِ الموضوع المختلق، وذهب بعض الأئمة إلى أنه من قَبِيلِ المُدْرَجِ، ومهما يكن من شيءٍ فقد جعلوا هذا النوع من الغلط أو الوهم مِمَّا يطعن في عدالة الراوي وضبطه. ٣ - من عجيب أمر هذا المؤلف أنه يتبع طريقة ﴿لاَ تَقْرَبُوا الصَّلاَةَ﴾ (٢) ويترك ﴿وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ (٢) وقد رأيت آنفا ما صنعه فيما نقله عن ابن حزم من حبس عمر ﵁ لثلاثة من كبار الصحابة عن التحدث، وقد صنع هنا في حديث («مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا» ... إلخ) مثل ما صنع سابقاً، فقد نقل عن الحافظ ابن حجر أنه لا يرى تواتر حديث «مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ» إلخ ... حيث قال - في [ص ٤٢]-: «ولأجل كثرة طرقه أطلق عليه (جماعة) أنه (متواتر) ونازع بعض مشايخنا في ذلك، لأنَّ شرط المتواتر استواء طرفيه وما بينهما في الكثرة وليست موجودة في كل طريق منها». واقتصر على هذا القدر وقد ترك ما ذكره الحافظ عقب هذا وهو ما نصه (٣) بالحرف الواحد: «وأجيب بأنَّ المراد بإطلاق كونه متواتراً رواية المجموع عن المجموع من ابتدائه إلى انتهائه في كل عصر، وهذا كاف في إفادة العلم، وأيضاً فطريق «أنس» وحدها قد رواها عنه العدد الكثير وتواترت عنهم، نعم وحديث عَلِيٍّ رواه عنه ستة من مشاهير التابعين وثقاتهم، وكذا

стр. 63

حديث ابن مسعود وأبي هريرة وعبد الله بن عمرو، فلو قيل في كل منها: إنه متواتر عن صحابيه لكان صحيحاً، فإنَّ العدد المُعَيَّنَ لا يشترط في المتواتر، بل ما أفاد العلم كفى، والصفات العلية في الرُواة تقوم مقام العدد أو تزيد عليه كما قررته في نكت " علوم الحديث " وفي شرح " نخبة الفكر " وَبَيَّنْتُ هناك الرَدَّ على من ادَّعَى أنَّ مثال المتواتر لا يوجد إِلاَّ في هذا الحديث، وَبَيَّنْتُ أنَّ أمثلته كثيرة منها حديث: «مَنْ بَنَى لِلَّهِ مَسْجِدًا»، والمسح على الخفين، ورفع اليدين، والشفاعة، والحوض، ورؤية الله في الآخرة، و «الأَئِمَّةُ مِنْ قُرَيْشٍ» وغير ذلك، والله المستعان». والظاهر أنَّ قوله: «وأيضاً ... الخ، من كلام الحافظ لا من نقله، فهل بعد هذا الكلام الصريح الذي تَعَمَّدَ المؤلف تركه يزعم أنَّ الحافظ ابن حجر لا يقول بتواتره كما هو فحوى كلامه؟!! أما ما ذكره في حاشية [ص ٣٩] من «أنَّ أدعياء السُنَّة وعبيد الأسانيد في عصرنا لا يزالون يكابرون في إثبات الزيادة، وكأنهم أعلم بالحديث من ابن قتيبة والبخاري والنسائي والمنذري والخطابي وابن حجر وابن القيم والسيوطي وغيرهم»: فَهُرَاءٌ لا أَرُدُّ عليه، ولكني أقول له: ألاَ تستحي من ذكر البخاري وهو الذي خَرَّجَ الزيادة في أكثر رواياته؟ بل ومن ذكر الحافظ ابن حجر الذي أفاض في بيان ثبوتها؟ وصدق النَّبِي الحكيم حيث يقول: «إِنَّ مِمَّا أَدْرَكَ النَّاسُ مِنْ كَلاَمِ النُّبُوَّةِ الأُولَى: إِذَا لَمْ تَسْتَحِ فَاصْنَعْ مَا تَشَاءُ». الرِّوَايَةُ بِالمَعْنَى لَمْ تُدْخِلْ ضَرَرًا عَلَى الدِّينِ: ١ - من دَأْبِ هذا المؤلف في كتابه أنه إذا استولت عليه فكرة أو غلب عليه هوى، جعل البحث تابعاً لما يرى أو يَهْوَى، وفي سبيل هذا يركب الصعب والذلول، ولا عليه في هذا السبيل أنْ يُحَرِّفَ الكَلِمَ عن

стр. 64

مواضعه، وَيُحَمِّلَ الألفاظ ما لم تتحمل، وأنْ ينقل نقولاً بتراء، وأنْ يقع في أعراض بعض العلماء والأئمة المُتَثَبِّتِينَ. ومن دأبه أيضاً التهويل والمبالغة عند عرض فكرة أو رأي له، وأنه يجعل الفرع أصلاً والأصل فرعاً، وهذا هو ما صنعه عندما عرض لبحث «رواية الحديث» في [ص ٥٤] وما بعدها فقد جعل رواية الأحاديث بالمعنى هو الأصل والقاعدة ومجيئها على اللفظ أمراً شاذاً نادراً، بل وأنحى باللائمة والتجهيل للذين يحسبون: «أنَّ أحاديث الرسول التي يقرأونها في الكتب أو يسمعونها مِمَّنْ يتحدَّثون بها جاءت صحيحة المبنى مُحْكَمَةَ التأليف، وأنَّ ألفاظها قد وصلت إلى الرُواة مصونة كما نطق بها النَّبِي بلا تحريف ولا تبديل، وأنَّ الصحابة ومن جاء بعدهم مِمَّنْ حملوا عنهم إلى زمن التدوين قد نقلوا هذه الأحاديث بنصها كما سمعوها، وأدُّوها على وجهها كما لَقَّنُوهَا، فلم ينلها تَغَيُّرٌ ولا اعتراها تبديل، وأنَّ الرُواة للأحاديث كانوا صنفاً خاصاً في جودة الحفظ وكمال الضبط وسلامة الذاكرة»، إلى أنْ قال: «ولقد كان - ولا جرم - لهذا الفهم أثر بالغ في أفكار شيوخ الدين - إِلاَّ من عصم ربك - فاعتقدوا أنَّ هذه الأحاديث في منزلة آيات الكتاب العزيز من وجوب التسليم بها، وفرض الإذعان لأحكامها، بحيث يأثم أو يَرْتَدُّ أو يفسق من خالفها، ويستتاب من أنكرها أو شك فيها». والقارئ لهذا الكلام - إذا لم يكن من أهل العلم والمعرفة بالحديث النبوي - يُخَيَّلُ إليه أنَّ السُنَّة لم يأت فيها حديث على مُحْكَمِ لفظه، وأنها قد دخلها الكثير من التغيير والتحريف، مع أنَّ الأصل في الرواية أنْ تكون باللفظ المسموع من الرسول - صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلاَمُهُ عَلَيْهِ -، وأما الرواية بالمعنى فهي رُخْْصَةٌ يَتَرَخَّصُ فيها بقدر الحاجة إليها إذا غاب اللفظ عن الذهن أو لم يتأكد منه.

стр. 65

ومِمَّا لا ينبغي أنْ يخفى على باحث في الحديث النبوي أنْ يعلم أنَّ بعض العلماء والرُواة قد منعوا الرواية بالمعنى مطلقاً، وألزموا أنفسهم وغيرهم بأداء اللفظ كما سمع، وأنَّ من أجاز من العلماء والرُواة الرواية بالمعنى إنما أجازها بشروط فيها غاية التحوط والأمن من التزيد والتغيير والتبديل، فقالوا: لا تجوز الرواية بالمعنى إِلاَّ لعالم عارف بالألفاظ ومقاصدها، خبير بما يحيل معانيها، بصير بمقدار التفاوت بينها، كما قالوا: إنَّ هذا فيما يروى قبل أنْ يُدَوَّنَ، أما ما دُوِّنَ في الكتب فلا يجوز تغييره بمرادفه ولا التصرف في لفظه بحال من الأحوال (١). والعجيب أنَّ المؤلف نقل نحواً من هذا عن كتاب " توجيه النظر " للعلامة الشيخ طاهر الجزائري، ولا أدري كيف ينقل شيئاً ولا يقتنع به؟! وكيف غاب عن ذهن المؤلف أنَّ التدوين بدأ بصفة عامة ورسمية في نهاية القرن الأول، ولم يكد ينتهي القرن الثالث حتى كانت السُنَّة كلها مُدَوَّنَةً في الكتب من صحاح وسُنن ومسانيد؟ وأنَّ بعض الصحابة والتابعين كانوا يُدَوِّنُونَ الأحاديث في القرن الأول ولا سيما بعد وفاة النَّبِي ﷺ (٢) فكيف تتفق هذه الحقائق وما رمى به من أحكام جائرة ظالمة؟ وهل على أحد من حرج بعد هذا لو وصم هذا المؤلف بِخُبْثِ الطَوِيَّةِ وَسُوءِ القصد ومحاولة هدم الأصل الثاني من أصول التشريع؟؟. وماذا يبتغي أعداء الإسلام أكثر مِمَّا يقوم به «أَبُو رَيَّةَ» وأمثاله من تقويض إحدى دعامتي الدين بهذه المحاولات الفاشلة الهازلة؟ وليعلم أَبُو رَيَّةَ أنَّ شيوخ الدين - أَعَزَّهُمْ اللهُ - حينما يعرفون للسُنَّةِ مكانتها من الدين، ويحلونها من أنفسهم المحل اللاَّئق بها، ويرون التزامها علماً وعملاً وسلوكاً، وَيَذُبُّونَ عن ساحتها كل دَعِيٍّ زنيم، ويفسقون أو يؤثمون من يرد ما ثبت من السُنَّة ويحاول جاهداً إبطالها والكيد لها أو الاستهزاء

стр. 66

والاستخفاف بها، لا يستحقون منه كل هذا الغمز واللمز، لأنهم يصدرون في هذا عن دين قويم ورأي مستنير وعلم أصيل. ٢ - إنَّ هذه الأحكام الجائرة إنما تصدر عَمَّنْ غفل عن العوامل الدينية والنفسية والخلقية التي اتَّصَفَ بها الرُواة من الصحابة ومن بعدهم من التابعين وتابعيهم ... من أهل القرون الفاضلة بشهادة المعصوم ﷺ وشهادة الواقع التاريخي، فهم ذَوُو الدين الكامل والخُلُقِ العالي والتقوى والمروءة، وهم يعلمون حَقَّ العلم أنهم يَرْوُونَ نَصاً يعتبر مرجعاً في الدين وأصلاً من أصوله وأنَّ أَيَّ تزيد فيه أو تحريف وتبديل يُؤَدِّي بهم إلى أنْ يَتَبَوَّأُوا مقاعدهم في النار، وهم إلى ذلك ذَوُو حوافظ قوية، وأذهان سَيَّالَةٍ، ووِجْدَانٍ حَيٍّ، وقلوب عاقلة واعية، وإنكار هذه الخصائص أو بعضها إنكار للحق الثابت والواقع الملموس. ٣ - حينما نقل من أدلة المُجَوِّزِينَ للرواية بالمعنى حديث عبد الله بن سليمان اللَّيْثِيِّ قال: «قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أَسْمَعُ مِنْكَ الْحَدِيثَ لاَ أَسْتَطِيعُ أَنْ أُؤَدِّيَهُ كَمَا أَسْمَعُ مِنْكَ يَزِيدُ حَرْفًا أَوْ يَنْقُصُ حَرْفًا، فَقَالَ: «إِذَا لَمْ تُحِلُّوا حَرَامًا، وَلَمْ تُحَرِّمُوا حَلاَلاً، وَأَصَبْتُمُ الْمَعْنَى فَلاَ بَأْسَ» فَذُكِرَ هَذَا لِلْحَسَنِ فَقَالَ: «لَوْلاَ هَذَا مَا حَدَّثَنَا»، قال في الهامش [ص ٥٧]: هذا الحديث يناقض ولا ريب حديث: «نَضَّرَ اللَّهُ امْرَءًا سَمِعَ مَقَالَتِي فَوَعَاهَا» ولكن لا بُدَّ لكل فئة من أنْ تُؤَيِّدَ رأيها بحديث، يريد الطعن فيه بالوضع والاختلاق. وإني أقول له إنَّ هذا الحديث رواه ابن منده في " معرفة الصحابة "، والطبراني في " المعجم الكبير "، والخطيب في كتبه، وغيرهم، ونقله أئمة الحديث وأطباؤه في كتبهم، ولم يحكم عليه أحد منهم بالوضع (١)، وكنت

стр. 67

أحب من المؤلف لو أراد البحث النزيه المستقيم أنْ ينقده نقداً صَحِيحاً من جهة سنده أو متنه، وَيُبَيِّنُ موضع الدخل فيه، ولكنه لم يفعل، أما ما تَخَيَّلَهُ من مناقضة بين الحديثين فغير صحيح، فحديث «نَضَّرَ اللَّهُ امْرَءًا ... » للترغيب في المحافظة على المسموع وَالحَثِّ عليه، وليس من شك في أنَّ المُجَوِّزِينَ للرواية بالمعنى يرون أنَّ الأفضل والأحسن رواية الحديث بلفظه، وأما الحديث الثاني فهو لبيان جواز الرواية بالمعنى بشروطها، ثم ألا يقال لمن روى كلاماً بمعناه مع التحوط البالغ إنه أَدَّاهُ كما سمعه؟ بلى. ٤ - ولكي يُدَلِّلَ المؤلف على ما جازف به من آراء فإنه ذكر أمثلة للرواية بالمعنى، فعرض لما ورد في صيغ التشهد من أحاديث، ولما ورد في «حديث الإسلام والإيمان»، و «حديث زوجتكما بما معك من القرآن» و «حديث من الصلاة في بني قريظة»، وقد استغرق ذلك من كتابه عِدَّةَ صفحات، والغرض الذي قصده من وراء هذا أنْ يخلص إلى ضرر الرواية بالمعني من الناحية الدينية، وقد شاء الحق سبحانه أنْ يسقطه بسبب ما عرض له سقطات لا لما له منها، وقد أسفرت عن ضحالة المؤلف في البحث، ومبلغ علمه بالحديث، وَسَأُبَيِّنُ وجه الحق فيما عرض له مع الإيجاز. حَدِيثُ التَّشَهُّدِ لاَ اِضْطِرَابَ فِيهِ: عرض المؤلف لما روي في التشهد في الصلاة من صيغ، فذكر تشهد ابن مسعود وابن عباس وعمر وغيرهم، ثم قال: «هذه تشهدات ثمانية وردت عن الصحابة، وقد اختلفت ألفاظها، ولو أنها كانت من الأحاديث القولية التي رُوِيَتْ بالمعنى لقلنا عسى، ولكنها من الأعمال المتواترة التي كان يُؤَدِّيهَا كل صحابي مرات كثيرة كل يوم ... ». وَرَدِّي عليه: من أين لك أنَّ هذه التشهدات قيلت في قصة واحدة حتى تُدَلِّلَ بها

стр. 68

على ضرر الرواية بالمعنى؟ إِنَّ الطالب المبتدئ في الحديث ليدرك بادئ الرأي أنها وقائع متفرقة، وأنَّ النَّبِي قال كل ذلك في أوقات متفاوته بهذه الألفاظ المتغايرة، لِيُبَيِّنَ للأمَّة أنَّ التشهد بأي منها جائز، فابن مسعود وهو من السابقين إلى الإسلام سمع أولاً وابن عباس وهو من مهاجرة الفتح سمع بعد ذلك وهكذا، قال ابن قدامة الحنبلي: (فَصْلٌ: «وَبِأَيِّ تَشَهُّدٍ تَشَهَّدَ مِمَّا صَحَّ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ جَائِزٌ. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فَقَالَ: " تَشَهُّدُ عَبْدِ اللَّهِ أَعْجَبُ إلَيَّ، وَإِنْ تَشَهَّدَ بِغَيْرِهِ فَهُوَ جَائِزٌ "؛ لأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا عَلَّمَهُ الصَّحَابَةَ مُخْتَلِفًا دَلَّ عَلَى جَوَازِ الْجَمِيعِ، كَالْقِرَاءَاتِ الْمُخْتَلِفَةِ الَّتِي اشْتَمَلَ عَلَيْهَا الْمُصْحَفُ» (١) وقد اختلفت أنظار الأئمة في ترجيح بعضها على بعض من غير طعن في المرجوح ولا رَدَّ له، فالجمهور ومنهم الحنفية والحنابلة أخذوا بتشهد ابن مسعود، وأخذ الشافعية بتشهد ابن عباس، والمالكية بتشهد عمر، ولهم في اختياراتهم مُرَجِّحَاتٌ وأدلة تدل على رحابة الصدر في البحث وعمق الغور وشفوف النظر (٢)، قال الترمذي: «حديث ابن مسعود رُوِيَ من غير وجه وهو أصح حديث في التشهد، والعمل عليه عند أكثر أهل العلم من الصحابة ومن بعدهم ... ». ولكي ترى الفرق بين العلماء والأدعياء أذكر لك ما روي عن الإمام الشافعي، وقد سئل عن اختيار تشهد ابن عباس قال: «لما رأيته واسعاً وسمعته عن ابن عباس صحيحاً كان عندي أجمع وأكثر لفظاً من غيره وأخذت به غير معنف لمن يأخذ بغيره مِمَّا صح» ولو سلمنا - جدلاً - أن هذه الروايات في قصة واحدة فالخلاف بينها هَيِّنٌ يسير لا يستأهل كل هذا التهويل، فَتَشَهُّدُ ابن مسعود بلفظ: «التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ، وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ، السَّلامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ إلخ» وتشهد ابن عباس بلفظ: «التَّحِيَّاتُ الْمُبَارَكَاتُ، الصَّلَوَاتُ الطَّيِّبَاتُ لِلَّهِ» وباقيه كَتَشَهُّدِ ابن مسعود وتَشَهُّدِ عمر بلفظ:

стр. 69

«التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ، الزَّاكِيَاتُ لِلَّهِ، الصَّلَوَاتُ لِلَّهِ، الطَّيِّبَاتُ لِلَّهِ» وسائره كَتَشَهُّدِ ابن مسعود وبقية صيغ التشهد الوارده لا تخرج عن هذه الصيغ بزيادة كلمة من صدر التَشَهُّدِ أو نقصان أخرى، وذكر لفظ «لِلَّهِ» عقب كل كلمة منها، أو في أولاها أو أخراها، وكل ذلك أمر جائز وله وجه في العربية، وأما زيادة البسملة قبل التَشَهُّدِ، فلم تصح كما قال الحافظ في " الفتح "، فعلام كل هذه الضَجَّةِ المفتعلة التي لا يقصد من ورائها إِلاَّ التشويش على السُنَّةِ والأحاديث ثم من قال أيها المؤلف البحاثة: إنَّ التَشَهُّدَ من قبيل الأفعال المتواترة، وليس من قبيل الأقوال؟ إنَّ الطالب المبتدئ يعلم أنَّ الصلاة أقوال وأفعال، وَالتَشَهُّدَ من الأقوال لا محالة. أَحَادِيثُ الإِيمَانِ وَالإِسْلاَمِ لاَ اِضْطِرَابَ فِيهَا: أما ما عرض له من «حديث (كذا) (١) الإسلام الإيمان»، وزعمه أنَّ الروايات التي ذكرها في قصة واحدة فمِمَّا لا يقضي منه العجب، ومن ذا الذي يجهل أنَّ حديث جبريل المشهور هو غير حديث طلحة بن عُبيد الله في قصة الرجل الذي جاء من أهل نجد ثائر الرأس يسأل عن شرائع الإسلام؟ بل من الذي يشك في أنَّ حديث جبريل غير حديث أبي أيوب الأنصاري في قصة الرجل الذي جاء إلى النَّبِي، فقال: «دُلَّنِي عَلَى عَمِلٍ يُدْنِينِي مِنَ الْجَنَّةِ وَيُبَاعِدُنِي مِنَ النَّارِ؟» وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ الذي فيه: «أَنَّ أَعْرَابِيًّا جَاءَ إِلَى النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَالَ: دُلَّنِي عَلَى عَمَلٍ إِذَا عَمِلْتُهُ دَخَلْتُ الجَنَّةَ؟» نعم قد قيل إنَّ حديث أبي أيوب وحديث أبي هريرة في قصة واحدة، وقيل إنهما قصتان، وهو الذي مال إليه الحافظ في " الفتح " (٢). ولعل منشأ الشُبْهَةِ عنده أنه وجد الإمام «مُسْلِماً» ذكرها في " صحيحه "

стр. 70

في مكان واحد فظن أنها في قصة واحدة، أو لعل منشأ الشُبْهَةِ عنده سوء فهمه لعبارة الإمام النووي التي ساقها في [ص ٦٨] من كتابه، والإمام النووي أجل من أنْ يظن أنَّ «حديث جبريل» و «حديث الرجل الثائر الرأس» و «حديث أبي أيوب» و «حديث أبي هريرة» كلها في قصة واحدة، ولو أنَّ المؤلف رجع إلى كتاب " فتح الباري " لِعُمْدَةِ المُحَقِّقِينَ في هذا الفن وأمير المُحَدِّثِينَ الحافظ ابن حجر لوقف على مُفَصَّلٍ، ولما وقع في هذا الخلط الشنيع. حَدِيثُ «أَنْكَحْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ» لاَ تَحْرِيفَ فِيهِ: في [ص ٦٨] استشهد على ضرر الرواية بالمعنى في الدِّينِ بحديث المرأة التي جاءت إلى النَّبِي ﷺ وأرادت أنْ تَهِبَ نفسها له فأعرض عنها النَّبِي، فتقدم رجل فقال: يا رسول الله أنكحنيها - ولم يكن معه من المهر غير بعض القرآن - فقال النَّبِي: «أَنْكَحْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ» وفي رواية: «زَوَّجْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ ... » وفي رواية ثالثة: «زَوَّجْتُكَهَا عَلَى مَا مَعَكَ ... » وفي رواية رابعة: «قَدْ مَلَّكْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ .... » وفي رواية خامسة: «قَدْ أَمْلَكْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ ... ».الخ ... إلى أنْ قال: «فهذه اختلافات ثمانية في لفظة واحدة»، ولكي يُؤَيِّدَ ما يريد نقل عن ابن دقيق العيد والعلائي نقلين وبَتَرَهُمَا لحاجة في نفسه كما ستعلم عن كثب ومع إمكان احتمال أنْ تكون القصص والوقائع متعددة إِلاَّ أنَّ الأظهر أنها في قصة واحدة، وعليه فنحن لا ننكر أنَّ هذا الحديث وغيره ورد بألفاظ متغايره إِلاَّ أنها لا تحيل المعنى، فهي متقاربة وَيُفَسِّرُ بعضها بعضاً، فمثلاً في الحديث الذي ذكره نَرَى أنَّ «زَوَّجْتُكَهَا» و «أَنْكَحْتُكَهَا» بمعنى، وكذلك لا فرق بين «بِمَا مَعَكَ» و «عَلَى مَا مَعَكَ» فَمُؤَدَّى العبارتين واحدة، ورواية «أَمْلَكْتُكَهَا» و «مَلَّكْتُكَهَا» بمعنى أيضاً، وتمليك رَقَبَةٍ حُرَّةٍ غير معقول عقلاً ولا شرعاً، فلم يبق إِلاَّ أنْ يكون المراد تملك حق الاستمتاع بها وهو معنى الزواج، فهذه خمس روايات ليس بينها تَضاَدٌّ أو تناقض،

стр. 71

وباقي الروايات الثمانية بعضها بلفظ: «أَنْكَحْتُكَهَا عَلَى أَنْ تُقْرِئَهَا وَتُعَلِّمَهَا» وبعضها بلفظ: «أَمْكَنَّاكَهَا بِمَا مَعَكَ» إلخ ... وبعضها بلفظ: «خُذْهَا بِمَا مَعَكَ» وهكذا يَتَبَيَّنُ لك جَلِيًّا أنَّ الروايات الثمانية ليس بينهما كبير فرق يسوغ للمؤلف أنْ يرمي السُنَّةَ بمنكر من القول، فيزعم أنها وصلتنا مغيرة مبدلة! على أنَّ طريقة العلماء المُحَقِّقِينَ في هذا الحديث وأمثاله هو الترجيح وبذل الجهد في التَحَرِّي والبحث عن حقيقة اللفظ الذي صدر من الرسول - صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلاَمُهُ عَلَيْهِ -، ولعلماء الحديث وجهابذته - وراء قواعد النقد الظاهرة - مَلَكَةٌ خاصة وَحَاسَّةٌ دقيقة بهما ينفذون إلى معرفة اللفظ الذي هو أليق بالصدور عن الرسول، وهذا هو ما فعله الأئمة تُجَاهَ الروايات في هذا، قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: «هَذِهِ لَفْظَةٌ وَاحِدَةٌ فِي قِصَّةٍ وَاحِدَةٍ، وَاخْتُلِفَ فِيهَا مَعَ اتِّحَادِ مَخْرَجِ الْحَدِيثِ، ... فَالصَّوَابُ فِي مِثْلِ هَذَا النَّظَرُ إِلَى التَّرْجِيحِ وَقَدْ نُقِلَ عَنِ الدَّارَقُطْنِيِّ أَنَّ الصَّوَابَ [رِوَايَةُ] مَنْ رَوَى " زَوَّجْتُكَهَا " وَأَنَّهُمْ أَكْثَرُ وَأَحْفَظُ ... ». ولما نقل المؤلف كلام ابن دقيق العيد وقف عند «مخرج الحديث» وترك الباقي، وغير خَفِيٍّ على القارئ الفطن السِرَّ في تركه لعجز الكلام، لأنه يهدم ما يريد أنْ يصل إليه، وكذلك لما نقل كلام العلائي ترك من آخره قوله: «ولكن القلب إلى ترجيح رواية الترويج أميل لكونها رواية الأكثرين، ولقرينة قول الرجل الخاطب زوجنيها يا رسول الله» فلماذا تركت هذا أيها الأمين؟! وقال الحافظ ابن حجر: «نعم، الذي تحرر مِمَّا قدمته أن الذين رووا بلفظ التزويج أكثر عددا مِمَّنْ رواه بغير لفظ التزويج ولا سيما وفيهم من الحفاظ مثل مالك، ورواية سفيان بن عيينة «أنكحتكها» مساوية لروايتهم ومثلها رواية زائدة (١). وهكذا يَتَبَيَّن لنا أن لا ضرر دينيا بسبب الرواية بالمعنى كما يريد أن يصوره المؤلف ما دامت الألفاظ متوافقة أو متقاربة، وما دام طريق الترجيح بين الروايات يؤدي بالمجتهد إلى الوصول إلى الحق والصواب.

стр. 72

حَدِيثُ الصَّلاَةِ فِي بَنِي قُرَيْظَةَ: ذكر حديث البخاري في " صحيحه " عن ابن عمر أن النَّبِي ﷺ قال يوم الأحزاب: «لاَ يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ الْعَصْرَ إِلاَّ فِي بَنِي قُرَيْظَةَ». الحديث، ومقالة الحافظ ابن حجر في شرح الحديث: «كَذَا وَقَعَ فِي جَمِيع النُّسَخ عِنْد الْبُخَارِيّ، وَوَقَعَ فِي جَمِيع النُّسَخ عِنْد مُسْلِم «الظُّهْر» مَعَ اِتِّفَاق الْبُخَارِيّ وَمُسْلِم عَلَى رِوَايَته عَنْ شَيْخ وَاحِد بِإِسْنَادٍ وَاحِد، وَقَدْ وَافَقَ مُسْلِمًا أَبُو يَعْلَى وَآخَرُونَ، وَكَذَلِكَ أَخْرَجَهُ اِبْن سَعْد ... وَأَمَّا أَصْحَاب الْمَغَازِي فَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهَا الْعَصْر» وإلى هنا اقتصر المؤلف على كلام الحافظ، وتتمة كلام ابن حجر «وكذلك وافق البخاري الطبراني والبيهقي في " الدلائل " وهذا كله يؤيد البخاري، وقد جمع بعض العلماء بين الرواتين باحتمال أنْ يكون بعضهم قبل الأمر كان صَلَّى الظهر وبعضهم لم يصلها، فقيل لمن لم يصلها: «لاَ يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ الظُّهْرَ» ولمن صَلاَّهَا «لاَ يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ الْعَصْرَ»، وجمع بعضهم: باحتمال أنْ تكون طائفة منهم راحت بعد طائفة، فقيل للطائفة الأولى: الظهر، وللطائفة الثانية: العصر وكلاهما لا بأس به .. إلى أنْ قال: ثم تأكد عندي أنَّ الاختلاف في اللفظ من حفظ بعض رُوَاتِهِ .. أو أنَّ البخاري كتبه من حفظه ولم يراع اللفظ كما عرف مذهبه في تجويز ذلك، بخلاف مسلم فإنه يحافظ على اللفظ كثيراً .. لكن موافقة أبي حفص السلمي له - أي البخاري - تؤيد الاحتمال الأول وهذا كله من حديث ابن عمر، أما بالنظر إلى حديث غيره فالاحتمالان المتقدمان في كونه قال الظهر لطائفة والعصر لطائفة متجه ... ». فها نحن أولاء نرى أنَّ الحافظ ابن حجر رَدَّ الوهم في رواية " البخاري " بين أنْ يكون من أحد الرُوَاةِ، أو من البخاري نفسه مع ترجيح الاحتمال الأول، فجاء المؤلف فنقل من كلام الحافظ الاحتمال الثاني مقتضباً عما قبله وعما بعده، وترك من كلام الحافظ ما قاله العلماء في التوفيق بين

стр. 73

الروايتين، ولا يخفى على القارئ الفطن ما يريده المؤلف من هذا الاقتضاب المُخِل والذي يبغى من ورائه إظهار أئمة الحديث - ولا سيما أميرهم البخاري - بمظهر غير الضابطين المثبتين. ولو سلمنا أنَّ إحدى الروايتين من قبيل الوهم فهل يؤدي هذا إلى تغيير الحُكْم المستفاد من الحديث؟ اللَّهُمَّ لا. وبعد أنْ سرد ما زعم أنه يؤيده خلص إلى هذه النتيجة الخاطئة: فقال في [ص ٧٠]: «لما كانت أحاديثه ﷺ قد جاء نقلها بالمعنى - كما بَيَنَّا من قبل - وأنهم قد أباحوا لِرُوَاتِهَا أنْ يزيدوا فيها ويختصروا منها وأنْ يُقَدِّمُوا وَيُؤَخِّرُوا في ألفاظها - بله ما سَوَّغَهُ من قبول المَلْحُونِ منها - لما كان الأمر قد جرى على ذلك، فقد نشأ من أثر ذلك كله - ولا جرم وبخاصة بسبب نقل الحديث بالمعنى - ضرر عظيم» وبحسبنا ما قدمت في رَدِّ هذا التَجَنِّي على المُحَدِّثِينَ. تهكم أَبِي رَيَّةَ بالمُحَدِّثِينَ وتجهيله لهم: من [ص ٧٥ - ٧٩] عرض للحن والخطأ في الحديث، والتقديم والتأخير فيه والزيادة والنقص منه، ورواية بعض الحديث واختصار بأسلوب تهكُّمي، وطريقته في سرد الأقوال تظهر المُحَدِّثِينَ بمظهر المتساهلين، ثم ذكر عنواناً بالخط العريض فقال: «تساهلهم - أي المُحَدِّثِينَ - فيما يروى في الفضائل وضرر ذلك». وهو يوهم من لا يعلم أنَّ المُحَدِّثِينَ جميعاً على هذا، مع أنَّ كثيراً من الأئمة كالبخاري ومسلم وابن خزيمة قد جَرَّدُوا كتبهم للصحاح، وَتَحرَّوْا غاية التَحَرِّي في ذكر أحاديث الفضائل، وأيضاً فالمُحَدِّثُونَ لم يأخذوا بالأحاديث الضعيفة في باب الفضائل إِلاَّ بشروط فصلها أهل الفن والتحقيق فإرسال القول على عواهنه - كما صنع المؤلف - ليس من الأمانة العلميَّة في عرض الآراء، وهو إلى التدليس والتلبيس أقرب منه إلى التوضيح

стр. 74

والتبيين، وبحسبك أيها القارئ الطالب للحقيقة أنْ تراجع هذه المباحث التي استعرضها بغير أمانة في كتب أصول الحديث لترى إلى أي حَدٍّ حاول المؤلف التشنيع والتشهير بالمُحَدِّثِينَ، وأقرب هذه الكتب وأحدثها كتاب " توجيه النظر " للعلامة الشيخ طاهر الجزائري. تحوط المُحَدِّثِينَ البالغ في الرواية بالمعنى: «وبعد»: فلكي تزداد أيها الطالب للحقيقة علماً بوصول السُنَنِ والأحاديث الثابتة من غير تحريف ولا تبديل ولا زيادة ولا نقصان، أضع بين يديك هذه المقدمات والحقائق المستخلصة مِمَّا قدمنا: ١ - أنَّ الرواية بالمعنى قد منعها الكثيرون من الصحابة والتابعين ومن جاء بعدهم من رُوَاةِ الحديث والتزموا أداء الأحاديث بألفاظها. ٢ - أنَّ الرواية بالمعنى قد أجازها العلماء لمن كان عالماً عارفاً بالألفاظ والأساليب خبيراً بمدلولاتها والفروق الدقيقة بينها. ٣ - أنَّ الذين أجازوها على أنها رُخْْصَة تقدر بقدر الحاجة إليها لا على أنها أصل يتبع ويلتزم في الرواية. ٤ - أنَّ التدوين للأحاديث بدأ بصفة عامة ورسمية على رأس المائة الأولى، وبلغ منتهاه في نهاية القرن الثالث، وأنَّ بعض الصحابة والتابعين كانوا يُدَوِّنُونَ الأحاديث في القرن الأول الهجري ولا سيما بعد وفاة النَّبِي ﷺ . ٥ - أنَّ الرواية بالمعنى إنما ترخص فيها من ترخص في غير الكتب المدونة، أما فيها فلا كما قدمنا. ٦ - أنَّ الرواية بالمعنى ممنوعة باتفاق في الأحاديث المتعبد بلفظها كالأذكار والأدعية وجوامع كلمه ﷺ . ٧ - أنَّ الذين نقلوا الأحاديث من الصحابة ومن بعدهم من ثقات

стр. 75

الرُوَاةِ كان لهم من الخصائص الدينية والنفسية والخلقية ما يعصمهم من التغيير والتبديل والتساهل في الرواية وإنكار ذلك مكابرة. ٨ - أنَّ القواعد التي أخذ جامعو الأحاديث بها أنفسهم عند تدوينها هي أدق وأرقى ما وصل إليه علم النقد، في تمييز المقبول من المردود من المرويات، والحق من الباطل، والخطأ من الصواب. هذه المقدمات والحقائق تسلمنا إلى نتيجة صادقة وهي: أنَّ الكثير من الأحاديث النبوية وصلت إلينا بمحكم لفظها، وأنَّ بعض الأحاديث قد رويت بالمعنى مع التحرز البالغ من التغيير المخل بالمعنى الأصلي، وأنَّ ما عسى أنْ يكون قد دخل الأحاديث بسبب الرواية بالمعنى شيء يسير قد تنبه له العلماء وَبَيَّنُوهُ وصدق المُبَلِّغُ عن رب العالمين حيث يقول: «يَحْمِلُ هَذَا الْعِلْمَ مِنْ كُلِّ خَلْفٍ عُدُولُهُ يَنْفُونَ عَنْهُ تَحْرِيفَ الْغَالِينَ وَانْتِحَالَ الْمُبْطِلِينَ وَتَأْوِيلَ الْجَاهِلِينَ». اعتماد «أَبِي رَيَّةَ» على كلام المُسْتَشْرِقِينَ: في [ص ٨١، ٨٢] نقل المؤلف بالهامش كلاماً عن " دائرة المعارف الإسلامية " في وضع الأحاديث جاء في آخره «وعلى هذا لا يمكن أنْ نَعُدَّ للكثرة من الأحاديث وصفاً تاريخياً لِسُنَّةِ النَّبِي، بل هي على عكس ذلك تمثل آراء اعتنقها بعض أصحاب النفوذ في القرون الأولى بعد وفاة محمد ﷺ ونسبت إليه عند ذلك فقط، ومعنى ذلك أنَّ أكثر الأحاديث من آثار الوضع» وقد مر على هذا الكلام دون أنْ يُعَلِّقَ عليه بكلمة، ومعنى هذا أنه يرتضيه، بل ما ذكره في كتابه هو ترديد لهذا المعنى. وإني لأقول: إنَّ هذا القول فيه إسراف وشطط في الحُكْم فليست الكثرة من الأحاديث من آثار التطور في الإسلام، وأنها لا تمثل الواقع في نسبتها إلى النَّبِي
следующие страницы →