وباقي الروايات الثمانية بعضها بلفظ: «أَنْكَحْتُكَهَا عَلَى أَنْ تُقْرِئَهَا وَتُعَلِّمَهَا» وبعضها بلفظ: «أَمْكَنَّاكَهَا بِمَا مَعَكَ» إلخ ... وبعضها بلفظ: «خُذْهَا بِمَا مَعَكَ» وهكذا يَتَبَيَّنُ لك جَلِيًّا أنَّ الروايات الثمانية ليس بينهما كبير فرق يسوغ للمؤلف أنْ يرمي السُنَّةَ بمنكر من القول، فيزعم أنها وصلتنا مغيرة مبدلة! على أنَّ طريقة العلماء المُحَقِّقِينَ في هذا الحديث وأمثاله هو الترجيح وبذل الجهد في التَحَرِّي والبحث عن حقيقة اللفظ الذي صدر من الرسول - صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلاَمُهُ عَلَيْهِ -، ولعلماء الحديث وجهابذته - وراء قواعد النقد الظاهرة - مَلَكَةٌ خاصة وَحَاسَّةٌ دقيقة بهما ينفذون إلى معرفة اللفظ الذي هو أليق بالصدور عن الرسول، وهذا هو ما فعله الأئمة تُجَاهَ الروايات في هذا، قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: «هَذِهِ لَفْظَةٌ وَاحِدَةٌ فِي قِصَّةٍ وَاحِدَةٍ، وَاخْتُلِفَ فِيهَا مَعَ اتِّحَادِ مَخْرَجِ الْحَدِيثِ، ... فَالصَّوَابُ فِي مِثْلِ هَذَا النَّظَرُ إِلَى التَّرْجِيحِ وَقَدْ نُقِلَ عَنِ الدَّارَقُطْنِيِّ أَنَّ الصَّوَابَ [رِوَايَةُ] مَنْ رَوَى " زَوَّجْتُكَهَا " وَأَنَّهُمْ أَكْثَرُ وَأَحْفَظُ ... ». ولما نقل المؤلف كلام ابن دقيق العيد وقف عند «مخرج الحديث» وترك الباقي، وغير خَفِيٍّ على القارئ الفطن السِرَّ في تركه لعجز الكلام، لأنه يهدم ما يريد أنْ يصل إليه، وكذلك لما نقل كلام العلائي ترك من آخره قوله: «ولكن القلب إلى ترجيح رواية الترويج أميل لكونها رواية الأكثرين، ولقرينة قول الرجل الخاطب زوجنيها يا رسول الله» فلماذا تركت هذا أيها الأمين؟! وقال الحافظ ابن حجر: «نعم، الذي تحرر مِمَّا قدمته أن الذين رووا بلفظ التزويج أكثر عددا مِمَّنْ رواه بغير لفظ التزويج ولا سيما وفيهم من الحفاظ مثل مالك، ورواية سفيان بن عيينة «أنكحتكها» مساوية لروايتهم ومثلها رواية زائدة (١).
وهكذا يَتَبَيَّن لنا أن لا ضرر دينيا بسبب الرواية بالمعنى كما يريد أن يصوره المؤلف ما دامت الألفاظ متوافقة أو متقاربة، وما دام طريق الترجيح بين الروايات يؤدي بالمجتهد إلى الوصول إلى الحق والصواب.
стр. 72
حَدِيثُ الصَّلاَةِ فِي بَنِي قُرَيْظَةَ:
ذكر حديث البخاري في " صحيحه " عن ابن عمر أن النَّبِي ﷺ قال يوم الأحزاب: «لاَ يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ الْعَصْرَ إِلاَّ فِي بَنِي قُرَيْظَةَ». الحديث، ومقالة الحافظ ابن حجر في شرح الحديث: «كَذَا وَقَعَ فِي جَمِيع النُّسَخ عِنْد الْبُخَارِيّ، وَوَقَعَ فِي جَمِيع النُّسَخ عِنْد مُسْلِم «الظُّهْر» مَعَ اِتِّفَاق الْبُخَارِيّ وَمُسْلِم عَلَى رِوَايَته عَنْ شَيْخ وَاحِد بِإِسْنَادٍ وَاحِد، وَقَدْ وَافَقَ مُسْلِمًا أَبُو يَعْلَى وَآخَرُونَ، وَكَذَلِكَ أَخْرَجَهُ اِبْن سَعْد ... وَأَمَّا أَصْحَاب الْمَغَازِي فَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهَا الْعَصْر» وإلى هنا اقتصر المؤلف على كلام الحافظ، وتتمة كلام ابن حجر «وكذلك وافق البخاري الطبراني والبيهقي في " الدلائل " وهذا كله يؤيد البخاري، وقد جمع بعض العلماء بين الرواتين باحتمال أنْ يكون بعضهم قبل الأمر كان صَلَّى الظهر وبعضهم لم يصلها، فقيل لمن لم يصلها: «لاَ يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ الظُّهْرَ» ولمن صَلاَّهَا «لاَ يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ الْعَصْرَ»، وجمع بعضهم: باحتمال أنْ تكون طائفة منهم راحت بعد طائفة، فقيل للطائفة الأولى: الظهر، وللطائفة الثانية: العصر وكلاهما لا بأس به .. إلى أنْ قال: ثم تأكد عندي أنَّ الاختلاف في اللفظ من حفظ بعض رُوَاتِهِ .. أو أنَّ البخاري كتبه من حفظه ولم يراع اللفظ كما عرف مذهبه في تجويز ذلك، بخلاف مسلم فإنه يحافظ على اللفظ كثيراً .. لكن موافقة أبي حفص السلمي له - أي البخاري - تؤيد الاحتمال الأول وهذا كله من حديث ابن عمر، أما بالنظر إلى حديث غيره فالاحتمالان المتقدمان في كونه قال الظهر لطائفة والعصر لطائفة متجه ... ».
فها نحن أولاء نرى أنَّ الحافظ ابن حجر رَدَّ الوهم في رواية " البخاري " بين أنْ يكون من أحد الرُوَاةِ، أو من البخاري نفسه مع ترجيح الاحتمال الأول، فجاء المؤلف فنقل من كلام الحافظ الاحتمال الثاني مقتضباً عما قبله وعما بعده، وترك من كلام الحافظ ما قاله العلماء في التوفيق بين
стр. 73
الروايتين، ولا يخفى على القارئ الفطن ما يريده المؤلف من هذا الاقتضاب المُخِل والذي يبغى من ورائه إظهار أئمة الحديث - ولا سيما أميرهم البخاري - بمظهر غير الضابطين المثبتين.
ولو سلمنا أنَّ إحدى الروايتين من قبيل الوهم فهل يؤدي هذا إلى تغيير الحُكْم المستفاد من الحديث؟ اللَّهُمَّ لا.
وبعد أنْ سرد ما زعم أنه يؤيده خلص إلى هذه النتيجة الخاطئة: فقال في [ص ٧٠]: «لما كانت أحاديثه ﷺ قد جاء نقلها بالمعنى - كما بَيَنَّا من قبل - وأنهم قد أباحوا لِرُوَاتِهَا أنْ يزيدوا فيها ويختصروا منها وأنْ يُقَدِّمُوا وَيُؤَخِّرُوا في ألفاظها - بله ما سَوَّغَهُ من قبول المَلْحُونِ منها - لما كان الأمر قد جرى على ذلك، فقد نشأ من أثر ذلك كله - ولا جرم وبخاصة بسبب نقل الحديث بالمعنى - ضرر عظيم» وبحسبنا ما قدمت في رَدِّ هذا التَجَنِّي على المُحَدِّثِينَ.
تهكم أَبِي رَيَّةَ بالمُحَدِّثِينَ وتجهيله لهم:
من [ص ٧٥ - ٧٩] عرض للحن والخطأ في الحديث، والتقديم والتأخير فيه والزيادة والنقص منه، ورواية بعض الحديث واختصار بأسلوب تهكُّمي، وطريقته في سرد الأقوال تظهر المُحَدِّثِينَ بمظهر المتساهلين، ثم ذكر عنواناً بالخط العريض فقال: «تساهلهم - أي المُحَدِّثِينَ - فيما يروى في الفضائل وضرر ذلك».
وهو يوهم من لا يعلم أنَّ المُحَدِّثِينَ جميعاً على هذا، مع أنَّ كثيراً من الأئمة كالبخاري ومسلم وابن خزيمة قد جَرَّدُوا كتبهم للصحاح، وَتَحرَّوْا غاية التَحَرِّي في ذكر أحاديث الفضائل، وأيضاً فالمُحَدِّثُونَ لم يأخذوا بالأحاديث الضعيفة في باب الفضائل إِلاَّ بشروط فصلها أهل الفن والتحقيق فإرسال القول على عواهنه - كما صنع المؤلف - ليس من الأمانة العلميَّة في عرض الآراء، وهو إلى التدليس والتلبيس أقرب منه إلى التوضيح
стр. 74
والتبيين، وبحسبك أيها القارئ الطالب للحقيقة أنْ تراجع هذه المباحث التي استعرضها بغير أمانة في كتب أصول الحديث لترى إلى أي حَدٍّ حاول المؤلف التشنيع والتشهير بالمُحَدِّثِينَ، وأقرب هذه الكتب وأحدثها كتاب " توجيه النظر " للعلامة الشيخ طاهر الجزائري.
تحوط المُحَدِّثِينَ البالغ في الرواية بالمعنى:
«وبعد»: فلكي تزداد أيها الطالب للحقيقة علماً بوصول السُنَنِ والأحاديث الثابتة من غير تحريف ولا تبديل ولا زيادة ولا نقصان، أضع بين يديك هذه المقدمات والحقائق المستخلصة مِمَّا قدمنا:
١ - أنَّ الرواية بالمعنى قد منعها الكثيرون من الصحابة والتابعين ومن جاء بعدهم من رُوَاةِ الحديث والتزموا أداء الأحاديث بألفاظها.
٢ - أنَّ الرواية بالمعنى قد أجازها العلماء لمن كان عالماً عارفاً بالألفاظ والأساليب خبيراً بمدلولاتها والفروق الدقيقة بينها.
٣ - أنَّ الذين أجازوها على أنها رُخْْصَة تقدر بقدر الحاجة إليها لا على أنها أصل يتبع ويلتزم في الرواية.
٤ - أنَّ التدوين للأحاديث بدأ بصفة عامة ورسمية على رأس المائة الأولى، وبلغ منتهاه في نهاية القرن الثالث، وأنَّ بعض الصحابة والتابعين كانوا يُدَوِّنُونَ الأحاديث في القرن الأول الهجري ولا سيما بعد وفاة النَّبِي ﷺ .
٥ - أنَّ الرواية بالمعنى إنما ترخص فيها من ترخص في غير الكتب المدونة، أما فيها فلا كما قدمنا.
٦ - أنَّ الرواية بالمعنى ممنوعة باتفاق في الأحاديث المتعبد بلفظها كالأذكار والأدعية وجوامع كلمه ﷺ .
٧ - أنَّ الذين نقلوا الأحاديث من الصحابة ومن بعدهم من ثقات
стр. 75
الرُوَاةِ كان لهم من الخصائص الدينية والنفسية والخلقية ما يعصمهم من التغيير والتبديل والتساهل في الرواية وإنكار ذلك مكابرة.
٨ - أنَّ القواعد التي أخذ جامعو الأحاديث بها أنفسهم عند تدوينها هي أدق وأرقى ما وصل إليه علم النقد، في تمييز المقبول من المردود من المرويات، والحق من الباطل، والخطأ من الصواب.
هذه المقدمات والحقائق تسلمنا إلى نتيجة صادقة وهي: أنَّ الكثير من الأحاديث النبوية وصلت إلينا بمحكم لفظها، وأنَّ بعض الأحاديث قد رويت بالمعنى مع التحرز البالغ من التغيير المخل بالمعنى الأصلي، وأنَّ ما عسى أنْ يكون قد دخل الأحاديث بسبب الرواية بالمعنى شيء يسير قد تنبه له العلماء وَبَيَّنُوهُ وصدق المُبَلِّغُ عن رب العالمين حيث يقول: «يَحْمِلُ هَذَا الْعِلْمَ مِنْ كُلِّ خَلْفٍ عُدُولُهُ يَنْفُونَ عَنْهُ تَحْرِيفَ الْغَالِينَ وَانْتِحَالَ الْمُبْطِلِينَ وَتَأْوِيلَ الْجَاهِلِينَ».
اعتماد «أَبِي رَيَّةَ» على كلام المُسْتَشْرِقِينَ:
في [ص ٨١، ٨٢] نقل المؤلف بالهامش كلاماً عن " دائرة المعارف الإسلامية " في وضع الأحاديث جاء في آخره «وعلى هذا لا يمكن أنْ نَعُدَّ للكثرة من الأحاديث وصفاً تاريخياً لِسُنَّةِ النَّبِي، بل هي على عكس ذلك تمثل آراء اعتنقها بعض أصحاب النفوذ في القرون الأولى بعد وفاة محمد ﷺ ونسبت إليه عند ذلك فقط، ومعنى ذلك أنَّ أكثر الأحاديث من آثار الوضع» وقد مر على هذا الكلام دون أنْ يُعَلِّقَ عليه بكلمة، ومعنى هذا أنه يرتضيه، بل ما ذكره في كتابه هو ترديد لهذا المعنى.
وإني لأقول:
إنَّ هذا القول فيه إسراف وشطط في الحُكْم فليست الكثرة من الأحاديث من آثار التطور في الإسلام، وأنها لا تمثل الواقع في نسبتها إلى النَّبِي
стр. 76
- صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلاَمُهُ عَلَيْهِ - كما زعم كاتب هذه المادة في " دائرة المعارف الإسلامية " بل الكثرة من الأحاديث المدونة ثابته بطرق الإثبات الموثوق بها، وَمُتَلَقَّاةٌ عن النَّبِي وقد احتاط أئمة الحديث عند جمعه غاية الاحتياط وعنوا بنقد السند والمتن عناية فائقة، كما وضحت ذلك فيما سبق بما لا يدع مجالا للشك في هذا، وَمَيَّزُوا المقبول من المردود، وكان لهم إلى جانب ما وضعوا من أصول وقواعد لنقد المرويات مَلَكَةً خاصة يُمَيِّزُونَ بها بين الغث والسمين، ونحن لا ننكر ما كان للخلافات السياسية والمذهبية والكلامية من أثر في وضع الأحاديث، ولكن الذي ننكره غاية الإنكار أنْ تكون الكثرة من الأحاديث المُدَوَّنَة من آثار الوضع والاختلاق.
طعنه في معاوية ﵁ -:
وفي ص [٩١] ذكر فصلا عنوانه «معاوية والشام» ذكر فيه ما وضع في فضائل معاوية - رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ - وبلاد الشام، وذكر في حق هذا الصحابي الجليل أنه من الطلقاء ومن المُؤَلَّفَةِ قلوبهم.
وقد غاب عنه أنَّ الكاتبين في تاريخ الصحابة ذكروا عن الواقدي وابن سعد أنه أسلم بعد الحُديبية قبل الفتح وأنه أخفى إسلامه مخافة أهله (١) وأنه كان في عُمْرَةِ القضاء مسلماً، وإذا كان هو وأبوه من المُؤَلَّفَةِ قلوبهم في رأي البعض، ففي رأي الكثيرين أنه ليس من المُؤَلَّفَةِ قلوبهم، قال أبو عمر بن عبد البر: معاوية وأبوه من المُؤَلَّفَةِ قلوبهم ذكره في ذلك بعضهم وهو يشعر بأنَّ الكثيرين لا يريدون هذا الرأي، ولذا نجد الحافظ المُحَقِّقَ ابن حجر لم يذكر في ترجمته شيئاً من هذا، وإنما ذكر في ترجمة أبيه أنه من المُؤَلَّفَةِ قلوبهم، ومهما يكن من شيء فقد أسلم وحسن إسلامه، وكان أحد كتبة الوحي بين يدي النَّبِي ﷺ وكان له جهاد
стр. 77
مشكور في نشر دعوة الإسلام وتوسيع فتوحاته، ولم تعرف عنه دخلة في إيمانه ولا ريبة في إخلاصه لإسلامه.
ونحن لا نشك أنه وضع في فضائله أحاديث كثيرة، وكيف وقد أحصى الأئمة كل ذلك، وكلنا نُجِلُّهُ عن أنْ يكون له دخل فيما وضع في فضائله وفضائل الشام، بل وعن الرضا به، ولئن قال الإمام اسحق بن راهوية: أنه لم يصح في فضائل معاوية شيء، فقد ذكر له الإمام الكبير البخاري بعض فضائله، ولا يضيره كون الإمام البخاري آثر التعبير في حقه بلفظ «باب ذكر معاوية ﵁» ولم يقل «باب فضل معاوية» كما صنع في غالب الأبواب، فقد صنع مثل هذا في فضل العباس وابنه عبد الله ﵄ (١) كما لا يضيره أن البخاري ﵀ لم يخرج حديثاً مرفوعاً على شرطه في فضله وأنه خرج في " صحيحه " حديثين موقوفين عن ابن عباس ﵁ أحدهما يثبت الصُحْبَةَ، والثاني الفقه في الدين، وبحسب معاوية فضلاً عند المنصفين أنْ يكون صحابياً وفقيهاً، ثم إنَّ عدم ثبوت حديث في فضائله مرفوعاً إلى النَّبِي ﷺ على شرط البخاري لا ينفي ثبوت أحاديث في فضائله خَرَّجَهَا غير البخاري من أصحاب الكتب المعتمدة، وقد ذكر المؤلف نفسه حديثين مرفوعين في فضائله رواهما الترمذي، وهما من أصح ما ورد في فضائله، وقد عرض لما ورد في فضائله الحافظ الناقد ابن كثير في " البداية والنهاية " (٢) وبين الموضوع من غيره ثم قال: «ثُمَّ سَاقَ ابْنُ عَسَاكِرَ أَحَادِيثَ كَثِيرَةً مَوْضُوعَةً بِلاَ شَكٍّ فِي فَضْلِ مُعَاوِيَةَ، أَضْرَبْنَا عَنْهَا صَفْحًا، وَاكْتَفَيْنَا بِمَا أَوْرَدْنَاهُ مِنَ الأَحَادِيثِ الصحاح والحِسَانِ والمستجادات عما سواها من الموضوعات وَالْمُنْكَرَاتِ» وإذا فليس من الإنصاف في البحث أنْ نجعل كل ما ورد في فضائله موضوعاً وأنْ نجرده من كل خصيصة وفضل.
стр. 78
وأيضا فإننا لا ننكر ما وضع في فضل الشام وغيرها من البلاد المشهورة وكذلك لا ننكر أنَّ أحاديث الأبدال التي عرض لها مدسوسة على النَّبِي ﷺ كما نَبَّهَ على ذلك نُقَّادُ الحديث وجهابذته، وإنْ كان البعض قد أثبت بعضها، ولكن الذي ننكره البتة أنْ يكون معاوية ﵁ هو الذي أوحى بهذا الاختلاق، وأنْ يكون له ضلع فيه، وإليك غمزه ولمزه في [ص ٩٤] قال: «وما كاد معاوية يذكر - يعني في خطبته التي خطبها لما عاد من العراق إلى الشام بعد بيعة الحسن سَنَةَ ٤١ هـ - أنَّ الشام هي أرض الأبدال حتى ظهرت أحاديث مرفوعة عن هؤلاء الأبدال ثم ذكرها».
ومِمَّا يلقم المؤلف حجراً وينفي الظنة والتُّهمة عن معاوية ﵁ ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية من أنَّ لفظ الأبدال لم يَرِدْ إِلاَّ في حديث شامي منقطع الإسناد، عن علي بن أبي طالب ﵁ مرفوعاً إلى النَّبِي ﷺ وقال: إنَّ الأشبه أنه ليس من كلام النَّبِي، ومن العجيب حقاً أن المؤلف نقل كلام ابن تيمية ضمن نقله عن السيد رشيد رضا ﵀ في تزييف أحاديث الأبدال من [ص ٩٥ - ٩٩]، فلو أنَّ هذا الحديث كان مروياً عن معاوية لقلنا معه: لعل وعسى: ولكن الأمر كما ترى، وقد حاول السيد رشيد أنْ يُبَيِّنَ أنَّ الحديث المروي عن علي ﵁ على فرض ثبوته ليس المراد الأبدال بالمعنى المعروف عند الصُّوفِيَةِ، ولكن المُحَرِّفِينَ وَالمُتَزَلِّفِينَ هم الذين حملوه على هذا، ومن أعجب العجب أيضاً أنَّ المؤلف ينقل نقولاً يستجودها، وهي في الواقع ونفس الأمر تَرُدُّ ما يعتنقه ويهواه من آراء مبتسرة، وقد فعل ذلك في مواضع كثيرة من كتابه.
وقُصَارَى القول أنَّ أئمة الحديث وصيارفته قتلوا المرويات بحثاً، وأفنوا أعمارهم فيها، ولم يَدَعُوا رواية في الفضائل وغير الفضائل إِلاَّ
стр. 79
وبَيَّنُوا مكانها من الصحة أو الحسن أو الضعف والاختلاق، وبحسبك أنْ تستعرض الكتب التي أُلِّفَتْ في الأحاديث الموضوعة، وستتبين صدق ما أقول، فهم لم يُقَصِّرُوا في خدمة السُنَّة وتزييف الزائف منها، ولكن المُتَأَخِّرِينَ هم الذين قصرت بهم الهِمَمَ عن العلم بما دونه، فمن ثم وقعوا في كثير من الأخطاء والأغلاط، قال في [ص ١٠١]: «إنَّ وُضَّاعَ الحديث وضعوا أحاديث تسوغ لهم ما يضعون» ثم قال: «وأورد ابن حزم في " الأحكام " عن أبي هريرة مرفوعا قال: «إِذَا حَدَّثْتُمْ عَنِّي بِحَدِيثٍ يُوَافِقُ الْحَقَّ فَخُذُوا بِهِ حَدَّثْتُ بِهِ أَوْ لَمْ أُحَدِّثْ»
وعنه أيضا: أنَّ رسول الله ﷺ قال: «مَا بَلَغكُمْ عَنِّي مِنْ َقْوٍل حَسَنٍ لَمْ أَقُلْهُ فَأَنَا قُلْتُهُ» ونحن لا نشك - ولا أي عاقل - في أنَّ هذين الحديثين وما على شاكلتهما - تناقضاً وتهافتاً - موضوعان، وأنَّ نظرة فاحصة إلى المتن لَتَدُلُّنَا على أنَّ هذا لا يصدر عن معصوم فضلا عن عاقل، فكيف يتأتى من أعقل العقلاء أنَّ ما لم يقله ما دام حسناً فقد قاله؟! بل كيف يأمر بالأخذ بحديث حَدَّثَ به أو لم يُحَدِّثُ؟ إنَّ هذا لعجب عُجاب!
طعنه في حديث حسن:
ولو أنَّ المؤلف اقتصر على ذكر الحديثين الموضوعين في الاستدلال لما قال، لما كان لنا عليه أية مؤاخذة ولا استقام كلامه، ولكن الذي أؤاخذه عليه أنْ يأتي في الهامش بعد ذكر الحديثين فيقول ما نصه: «يشبه هذين الحديثين حديث رواه أحمد أنَّ رسول الله ﷺ قال: «إِذَا سَمِعْتُمُ الْحَدِيثَ عَنِّي تُنْكِرُهُ قُلُوبُكُمْ وَتَنْفِرُ مِنْهُ أَشْعَارُكُمْ وَأَبْشَارُكُمْ وَتَرَوْنَ أَنَّهُ مِنْكُمْ بَعِيدٌ فَأَنَا أَبْعَدُكُمْ مِنْهُ» قال السيد رشيد: إنَّ إسناده جَيِّدٌ.
فإذا كان السيد رشيد ﵀ الذي يُعَوِّلُ عليه في كثير من نقوله ويعتبره من العلماء المُحَدِّثِينَ قال: إنَّ إسناده جَيِّدٌ، فكيف سَوَّغَتْ
стр. 80
له نفسه أنْ يلحقه بهذين الحديثين اللَّذَيْنِ لا شك في وضعهما ونكارتهما كما قال حفاظ الحديث ونُقاده، والعجيب أنَّ المؤلف يعتمد على كلام السيد محمد رشيد رضا في كثير مِمَّا ينقل، ويأخذه قضية مُسَلَّمَةً، أما هنا فقد خالفه ولم يأخذ بكلامه وصدف عن الحق إلى الباطل، والذي يظهر لي أنَّ المؤلف رجل هوى ومزاج، فما وافق هواه أخذ به أو أخذ منه، وما لم يوافق هواه طرحه دبر أذنيه، ولعل السيد رشيد ﵀ اعتمد في الحُكْم على الحديث بالجودة على ما قاله الحافظ ابن كثير في " تفسيره " (١) عقب ذكره: رواه أحمد بإسناد جَيِّدٍ، ولم يخرجه أحد من أصحاب الكتب، والحق أنْ لا شَبَهَ بين الحديثين وهذا الحديث، لا في الثبوت ولا في المعنى، فهذان موضوعان وهذا حسن وهذا الحديث الذي رواه الإمام أحمد قريب في المعنى من حديث: «اسْتَفْتِ قَلْبَكَ، وَإِنْ أَفْتَاكَ النَّاسُ وَأَفْتَوْكَ»
فهو يشير إلى الاطمئنان القلبي أو عدم الاطمئنان عند سماع حديث من الأحاديث، وهذا الوجدان القلبي إنما يحصل للمسلم الذي عمر قلبه بالإيمان، واستضاء بهدي الشريعة، ومعرفة قواعدها، والذي يزاول السُنَّة، ويتعاهدها قراءة ودرساً حتى تصير عنده مَلَكَةٌ يُمَيِّزُ بها بين ما يكون من كلام النَّبِي وما ليس كلامه، وإلى هذه الملكة أشار الربيع بن خثيم حيث قال: «إِنَّ لِلْحَدِيثِ ضَوْءًا كَضَوْءِ النَّهَارِ تَعْرِفُهُ، وَظُلْمَةً كَظُلْمَةِ اللَّيْلِ تُنْكِرُهُ» وقال ابن الجوزي: «الحَدِيثُ الْمُنْكَرُ يَقْشَعِرُّ لَهُ جَلْدُ الطَّالِبِ لِلْعِلْمِ، وَيَنْفِرُ مِنْهُ قَلْبُهُ فِي الْغَالِبِ» وهكذا يَتَبَيَّنُ لنا أنَّ الحديث ثابت رواية وصحيح رواية ومعنى.
وقد ذكر المؤلف من [ص ١٠٥ - ١٠٧] عن كتاب " قواعد التحديث " للعلاَّمة القاسمي نقولاً كثيرة عن بعض الأئمة كابن تيمية وابن القيم وابن دقيق العيد وابن عروة الحنبلي، وكلها تدور حول الحديث عن الوجدان
стр. 81
القلبي والملكة التي تحصل عند المُحَدِّثِ، ويُمَيِّزَ بها الصحيح والسقيم، والمقبول والمردود.
خلط أَبِي رَيَّةَ بين الوضع والإدراج:
في [ص ١٠٤] ذكر الوضع بالإدراج، وجعل المُدْرَجَ من قبيل الموضوع. وإطلاق الموضوع على المُدْرَجِ تساهل، نعم إنَّ بعض أئمة الحديث كابن الصلاح اعتبر الإدراج عن طريق الغلط - بظن ما ليس بحديث حديثاً - ملحقاً بالوضع وشبيهاً به، والأكثرون على عَدِّهِ إدراجاً فحسب، وكان على المؤلف أنْ يُمَيِّزَ بين الإدراج الذي لا لبس فيه ولا إشكال ولا إيهام، والإدراج الذي فيه إيهام أنَّ ما ليس من الحديث هو منه، فالإدراج الذي يكون لتفسير كلمة غامضة أو توضيح اسم مُبْهَمٍ في السند، والإدراج الذي يكون معه من القرائن اللفظية أو الحالية ما يدل على أنه مُدْرَجٌ من كلام الراوي أمره سهل هَيِّنٌ، ولا يخل بعدالة الراوي، وهو أبعد ما يكون عن الوضع، وأما الإدراج الذي يكون فيه إيهام ولبس وهو الذي لا تصحبه قرائن فهو حرام كله إذا كان متعمداً، وَيُخِلُّ بعدالة الراوي، ويلحقه بِالكَذَّابِينَ، قال السمعاني: «مَنْ تَعَمَّدَ الإِدْرَاجَ فَهُوَ سَاقِطُ الْعَدَالَةِ، وَمِمَّنْ يُحَرِّفُ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ، وَهُوَ مُلْحَقٌ بِالْكَذَّابِينَ» وهكذا يَتَبَيَّن لنا جَلِيًّا تساهل المؤلف في عَدِّ الإدراج كله وضعاً، وعلى قاعدة المؤلف يكون كثير من أئمة الحديث الذين يدرجون للتفسير أو توضيح المُبْهَم موصوفين بالوضع، فالزُّهْرِي لما روى حديث «بدء الوحي» في " الصحيحين " وفسر كلمة «التحنث» بالتعبد يكون وَضَّاعاً، وراوي حديث النسائي «أَنَا زَعِيمٌ» - والزعيم الحَمِيلُ - يكون وَضَّاعاً، وأبو هريرة لما روى عن النَّبِي ﷺ «لِلْعَبْدِ الْمَمْلُوكِ أَجْرَانِ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْلا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَالْحَجُّ، وَبِرُّ أُمِّي لأَحْبَبْتُ أَنْ أَمُوتَ وَأَنَا مَمْلُوكٌ» وهو في الصحيح يكون قوله: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ .... » إلخ.
стр. 82
من قبيل الوضع، وهذا المثال الأخير مِمَّا يَتَبَيَّنُ في الإدراج بداهة لاستحالة أنْ يقوله النَّبِي ﷺ لأنَّ أُمَّهُ ماتت وهو صغير، ولأنه يمتنع منه أنْ يتمنى الرِقَّ وهو أفضل الخلق على الإطلاق، فما ذهب إليه المؤلف لا يقره عليه أي باحث ولا خبير بالفن!!
طعن أَبِي رَيَّةَ في كعب الأحبار:
في [ص ١٠٨] ذكر عنوان «الإسرائيليات في الحديث» وَبَيَّنَ منشأها ثم عرض لكعب الأحبار ووهب بن منبه وأضرابهما من علماء أهل الكتاب الذين أسلموا، وقد نال أكثر ما نال من كعب، واعتبره الصهيوني الأول.
وإليك رأيي فيما عرض له:
١ - كعب الأحبار من التابعين، وعلماء الجرح والتعديل - وهم الذين لا تخفى عليهم حقيقة أي راو مهما تستر - لم يتهموه بالوضع والاختلاق والجمهور على توثيقه، ولذا لا تجد له ذكرا في كتب الضعفاء والمتروكين وقد ترجم له الذهبي ترجمة قصيرة في " تذكرة الحفاظ " وتوسع ابن عساكر في ترجمته في " تاريخ دمشق " وأطال أبو نعيم في " الحِلْيَةِ " في أخباره وعظاته وتخويفه لعمر، وترجم له ابن حجر في " الإصابة " و " تهذيب التهذيب "، وقد اتفقت كلمة النُقَّادِ على توثيقه (١) ولكن يعكر على هذا ما ورد في حقه في " الصحيح ": روى البخاري بسنده عن معاوية وهو يُحَدِّثُ رهطاً من قريش بالمدينة - يعني لما حج في خلافته - وذكر كعب الأحبار فقال: «إِنْ كَانَ مِنْ أَصْدَقِ هَؤُلاَءِ المُحَدِّثِينَ عَنْ أَهْلِ الكِتَابِ، وَإِنْ كُنَّا مَعَ ذَلِكَ لَنَبْلُو عَلَيْهِ الكَذِبَ» وفي رواية أخرى: «لَمِنْ أَصْدَقِ» وظاهر كلام معاوية ﵁ يخدش كعباً في بعض مروياته، ولكنه لا يدل على ما ذهب إليه المؤلف وأمثاله من أنه كان وَضَّاعاً كذاباً.
стр. 83
وهذا الكلام من معاوية له وزنه فهو رجل داهية لا تخفى عليه الرجال ولا دسائسهم، ومعاوية لا يخشى كعباً ولا يعقل أنْ يَتَمَلَّقَهُ، ولو يعلم فيه أكثر من ذلك لقاله، وقد حسن العلماء الظن بكعب فحملوا هذه الكلمة على محل حسن، قال ابْنُ حِبَّانَ في " الثِّقَاتِ ": «أَرَادَ مُعَاوِيَةُ أَنَّهُ يُخْطِئُ أَحْيَانَا فِيمَا يُخْبِرُ بِهِ وَلَمْ يُرِدْ أَنَّهُ كَانَ كَذَّابًا» وقال ابن الجوزي: «الْمَعْنَى أَنَّ بَعْضَ الَّذِي يُخْبِرُ بِهِ كَعْبٌ عَنْ أَهْلِ الْكِتَابِ يَكُونُ كَذِبًا لاَ أَنَّهُ يَتَعَمَّدُ الْكَذِبَ، وَإِلاَّ فَقَدْ كَانَ كَعْبٌ مِنْ أَخْيَارِ الأَحْبَارِ» ومن قبل ذلك قال ابن عباس في كعب «بَدَلَ مَنْ قَبْلَهُ فَوَقَعَ فِي الْكَذِبِ» (١)، ولا يعزب عن بالنا أن ابن الجوزي صاحب ملكة في النقد وكان حربا على الوَضَّاعِينَ وكتابه " الموضوعات " أشهر الكتب وأحفلها وإنْ أخذوا عليه فيه أنه يتساهل في الحُكْم بالوضع أحياناً.
فلو أنه كان يرى في كعب ما رأى المؤلف وأمثاله من أنه كان وَضَّاعاً دَسَّاساً لما تَرَدَّدَ في تجريحه، ولما حمل كلمة معاوية على هذا المحمل الحسن ولا سيما وقد كان لسانه حاداً على الوَضَّاعِينَ كما يَتَبَيَّن ذلك جَلِيًّا لمن راجع مقدمة كتابه المذكور، فمن ثم يَتَبَيَّنُ لنا بعد ما سمعنا من مقالة العلماء في كعب أنه لم يكن وَضَّاعاً ولا مُتَعَمِّداً للكذب، وأنه إنْ كانت وقعت في بعض مروياته إسرائيليات مكذوبة أو خرافات، فذلك إنما يرجع إلى من نقل عنهم من أهل الكتاب السابقين الذين بَدَّلُوا وَحَرَّفُوا، وإلى بعض الكتب القديمة التي ملئت بالخرافات والإسرائيليات، ولو أنه تَحَرَّى الحق والصدق وَمَيَّزَ بين الغث والسمين من هذه المنقولات لكان أولى به وأجمل.
طعنه في وهب بن منبه والرَدِّ عليه:
وأما وهب بن منبه فهو من خيار التابعين وثقاتهم، ولم نعلم أحداً طعن فيه بأنه وَضَّاعٌ وَدَسَّاسٌ إِلاَّ المؤلف.
стр. 84
والباحث المُتَثَبِّتُ والناقد البصير لا ينكر أنَّ الكثير من الإسرائيليات دخلت في الإسلام عن طريق أهل الكتاب الذين أسلموا، وأنهم نقلوها بحسن نِيَّةٍ، وكذلك لا ينكر أثرها السيئ في كتب العلوم وأفكار العوام من المسلمين، وما جرته على الإسلام من طعون أعدائه ظناً منهم أنها منه والإسلام منها براء، ولكن الذي لا يسلم به الباحث أنْ يكون كعب ووهب وأضرابهما مِمَّنْ أسلموا وَحَسُنَ إسلامهم كان غرضهم الدَسَّ والاختلاق والإفساد في الدين، ولقد كان من لطف الله بالأمَّة الإسلامية أنَّ هذه الإسرائيليات إنما كانت في قصص الأنبياء والأمم السابقة، وأحوال البدء والمعاد وأسرار الخليقة، إلى غير ذلك مِمَّا لا يتعلق بالحلال والحرام والعقائد إِلاَّ بعضاً منها مِمَّا ينافي عصمة الأنبياء فإنه يدرك كذبه وبطلانه بادئ الرأي.
وابن خلدون لما عرض في " مقدمته " لما دخل في التفسير بالمأثور من الإسرائيليات لم يرم مسلمة أهل الكتاب بِالدَسِّ والوضع - كما صنع المؤلف - وإنما جعلهم مصدراً لنقل هذه الإسرائيليات إلى العرب، وهذا شأن الباحث المُنْصِف لا الطاعن المتحامل (١).
نقد المُحَدِّثِينَ للإسرائيليات:
ولقد كان لجهابذة الحديث ونقاده جهاد مشكور في الكشف عن هذه الإسرائيليات وتمييز صحيحها من باطلها، وَغَثِّهَا من ثمينها، وما من رواية من روايات كعب وغيره إِلاَّ ونقدوها نقداً علمياً نزيهاً، ولولا هذا الجهاد الرائع من علماء المسلمين لكانت طامَّة على الإسلام والمسلمين، ولقد بلغ من تَحَوُّطِ أئمة الحديث البالغ الغاية أنهم قالوا: أنَّ قول الصحابي فيما لا مجال للرأي فيه إنما يكون له حكم الرفع إذا لم يكن معروفا بالأخذ عن علماء أهل الكتاب الذين أسلموا، فأما إذا كان معروفا بالأخذ عنهم
стр. 85
فلا، لجواز أنْ يكون من الإسرائيليات، وهو تحوط يدل على أصالة في النقد وَبُعْدِ نظر محمود من المُحَدِّثِينَ.
وَأُحِبُّ أنْ يعلم القارئ الكريم أني كتبت بحثاً مستفيضاً نشر على صفحات " مجلة الأزهر " تحت عنوان «الدخيل وكتب التفسير» أمطت فيها اللثام عن كثير من الإسرائيليات والخرافات التي ألصقت بالإسلام (١).
منهج أَبِي رَيَّةَ في البحث غير علمي:
إنَّ المؤلف جرى في بحثه في الإسرائيليات على أنَّ كل ما روي عن كعب الأحبار ووهب بن منبه وأمثالهما مختلق مكذوب، وأنَّ مروياتهم ليس فيها صدق ولا حق، حتى ولو كان في شريعتنا ما يؤيد هذا المروي ويصدقه.
وهو إسراف في الحُكْم وَتَجَنٍ على الحق والواقع، والعلماء المُحَقِّقُونَ المُتَثَبِّتُونَ على أنَّ ما روي عن أهل الكتاب الذين أسلموا منه ما هو حق وصدق، ومنه ما هو باطل وكذب، ومنه ما هو محتمل لهما، فهذا هو الإمام ابن تيمية - وهو زعيم مدرسة جمعت إلى حفظ الحديث والبراعة فيه والفقاهة في الدين وجودة الفهم وأصالة النقد - يقسم أخبار مسلمة أهل الكتاب إلى ثلاثة أقسام:
أحدها: ما علمنا صحته مِمَّا بأيدينا مِمَّا يشهد له بالصدق فذلك صحيح.
والثاني: ما علمنا كذبه بما عندنا مِمَّا يخالفه.
والثالث: ما هو مسكوت عنه لا من هذا القبيل ولا من هذا القبيل فلا نؤمن به ولا نكذبه، وتجوز حكايته لما تقدم، وغالب ذلك مِمَّا لا فائدة فيه تعود إلى أمر ديني (٢)، ومثل ذلك قال تلميذه ابن كثير في " تفسيره " (٣).
стр. 86
وإليك ما ذكره الحافظ الكبير ابن حجر في " الفتح " (١) عند شرح الحديث الذي رواه البخاري عن أبي هريرة، قال: «كَانَ أَهْلُ الكِتَابِ يَقْرَأُونَ التَّوْرَاةَ بِالعِبْرَانِيَّةِ، وَيُفَسِّرُونَهَا بِالعَرَبِيَّةِ لأَهْلِ الإِسْلاَمِ، فَقَالَ رَسُولُ ﷺ : " لاَ تُصَدِّقُوا أَهْلَ الكِتَابِ وَلا تُكَذِّبُوهُمْ، وَقُولُوا: آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ ". قال: " أي إذا كان ما يخبرونكم به محتملاً، لئلا يكون في نفس الأمر صدقًا فتكذبوه أو كذبًا فتصدِّقوه فتقعوا في الحرج، ولم يرد النهي عن تكذيبهم فيما وَرَدَ شَرْعُنَا بخلافه، ولا عن تصديقهم فيما وَرَدَ شَرْعُنَا بوفاقه، نَبَّهَ على ذلك الشافعي ﵀» وهكذا يَتَبَيَّن لنا أنَّ الحُكْمَ على كل ما رَوَوْهُ بالصحة فيه تساهل وَبُعْدٌ عن الحق والصواب، وأَنَّ الحُكْمَ على كل ما رَوَوْهُ بالكذب والبطلان فيه إسراف وَتَجَنٍّ.
وقد تمخضت هذه الطريقة التي أخذ بها المؤلف عن جملة من الأخطاء والأغلاط، فحكم على كثير من الأحاديث الصحيحة التي لا يتعلق بها الريب بأنها إسرائيليات وخرافات من خرافات أهل الكتاب، ولا حُجَّةَ له في هذا إِلاَّ الظن والحدس، وقد بلغ به الشطط أنه زَيَّفَ بعض الروايات التي نرى مصداقها في كتاب الله، وهو القرآن الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، بل وَزَيَّفَ بعض أحاديث ليس في روايتها أحد من مُسْلِمَةِ أهل الكتاب، ولا يحتمل أنْ تكون أخذت عنهم، وسأعرض لهذه الأحاديث لترى طرائق للبحث عجيبة.
طَعْنُ أَبِي رَيَّةَ فِي حَدِيثٍ صَحِيحٍ يَشْهَدُ لَهُ القُرْآنُ الكَرِيمُ:
في [ص ١١٣، ١١٤] بعد أَنْ ذكر ما روي عن كعب وابن سَلاَّم عن البشارة بِالنَّبِيِّ، وذكر أوصافه في " التوراة " قال: «وقد امتدت هذه الخرافة - يعني البشارة بِالنَّبِيِّ وذكر أوصافه - إلى أحد تلاميذ كعب: عبد الله بن
стр. 87
عمرو بن العاص، فقد روى " البخاري " عن [عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ] (*) قَالَ: «لَقِيتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵄ قُلْتُ: أخْبِرْنِي عَنْ صِفَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي التَّوْرَاةِ قَالَ: أَجَلْ وَاللَّهِ إِنَّهُ لَمَوْصُوفٌ فِي التَّوْرَاةِ بِبَعْضِ صِفَتِهِ فِي الْقُرْآنِ! ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ (١)، وَحِرْزًا للأُمِيِّينَ، أَنْتَ عَبْدِي وَرَسُولِي سَمَّيْتُكَ المتَوَكِّلَ لَيْسَ بِفَظٍّ وَلَا غَلِيظٍ وَلاَ سَخَّابٍ فِي الأَسْوَاقِ وَلاَ يَدْفَعُ بِالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَةَ وَلَكِنْ يَعْفُو وَيَغْفِرُ وَلَنْ يَقْبِضَهُ اللَّهُ حَتَّى يُقِيمَ بِهِ الْمِلَّةَ الْعَوْجَاءَ بِأَنْ يَقُولُوا لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَيَفْتَحُ بِهَا أَعْيُنًا عُمْيًا وَآذَانًا صُمًّا وَقُلُوبًا غُلْفًا» وزاد ابن كثير قَالَ ابْنُ يَسَارٍ: " ثُمَّ لَقِيتُ كَعْبًا الْحَبْرَ فَسَأَلْتُهُ فَمَا اخْتَلَفَا فِي حَرْفٍ " وكيف؟ وكعب هو الذي علمه».
وإنها لحماقة حمقاء أنْ يطلق هذا المؤلف على البشارة بِالنَّبِيِّ الأُمِيِّ العربي في الكتب السابقة: أنها خرافة، ولا أدري أفقد المؤلف صوابه؟ أم غاب عنه قول الحق ﵎: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ، الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٢)؟ وهل هذا الحديث إِلاَّ مصداق لهذا القرآن الذي لا يتطرق إليه الشك؟ وسواء أكان هذا الحديث قد حمله عبد الله بن عمرو عن كعب، أو هو مِمَّا عَلِمَهُ من كُتُبِهِمْ، لأنه كان قارئاً كاتبًا وعنده علم بِكُتُبِ أهل الكتاب فقد صدقه القرآن المهيمن والشاهد على الكتب فهو حق وصدق، والتصديق به واجب، وإني لأعجب للمؤلف كيف سَوَّلَتْ له نفسه وسمح له ضميره أَنْ يقول عن البشارة بِالنَّبِيِّ وذكر أوصافه في " التوراة " و " الإنجيل ":
стр. 88
إنها خرافة. ألاَ فَلْتُهَلِّلُوا أيها المُبَشِّرُونَ فقد وجد مِمَّنْ يَتَسَمَّى بأسماء المسلمين من يخدمكم ويشيع مقالتكم باسم البحث والمعرفة!!
طعنه في حديث الاستسقاء بالعباس ﵁ -:
في [ص ١١٨] لحديث الاستسقاء وذكر أَنَّ كعبا انتهز الفرصة ليفسد على المسلمين عقائدهم، وأنه هو الذي أوقع عمر ﵁ في الاستسقاء بالعباس عم النَّبِيِّ ﷺ وبعد أَنْ ذكر أنَّ عمر استسقى بالعباس لم يلبث أنْ قال: إنَّ عمر تَنَبَّهَ إلى المكيدة وفطن لها فلم يستسق بأحد حتى النَّبِي ﷺ واقتصر على الاستغفار، ولكي يؤيد زعمه هذا ذكر عن كتاب " المُغَنِي " و " الشرح الكبير ": «أَنَّ عمر خرج يستسقي فلم يزد على الاستغفار ... »
وللرد على ذلك أقول:
١ - إِنَّ حديث الاستسقاء بالعباس ﵁ رواه البخاري في " صحيحه " عن أنس «أَنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ، كَانَ إِذَا قَحَطُوا اسْتَسْقَى بِالعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ فَقَالَ: «اللَّهُمَّ إِنَّا كُنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِنَبِيِّنَا ﷺ فَتَسْقِينَا، وَإِنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِعَمِّ نَبِيِّنَا فَاسْقِنَا» قَالَ: فَيُسْقَوْنَ» ولأجل أنْ يُدَلِّلَ على ما ذهب إليه من أنَّ الاستسقاء بالعباس دَسِيسَةٌ من كعب طعن في حديث أنس واعتده مخالفاً للروايات القوية التي جاءت بخلافها، ثم أتدري أيها القارئ ما هي الروايات القوية التي رَجَّحَهَا على رواية " البخاري "؟.
هي رواية ذكرت في كتاب " المطر " لابن أبي الدنيا، وكتاب " المُغْنِي " و " الشرح الكبير "، وكتاب " البيان والتبيين " للجاحظ!! ثم ما هي المخالفة بين حديث أنس وما ذكره أَنَّ الاستسقاء له حالات: فَمَرَّةٌ يكون بالصلاة والخطبة وَمَرَّةً يكون في خطبة الجمعة أو عقب صلاة مفروضة، وَمَرَّةً أخرى يكون بدعاء من غير صلاة، وحيناً كان على المنبر في المسجد، وحينا آخر كان
стр. 89
خارج المسجد، وكلها حالات ثابتة في السُنَّة الصحيحة (١)، وعمر ﵁ مَرَّةً استسقى بالعباس، وَمَرَّةً أخرى اقتصر على الدعاء بطلب السُقْيَا، وَمَرَّةً ثالثة اكتفى بالاستغفار، لأنه مجلبة للغيث وعلى هذا فلا تعارض قَطُّ بين الروايات ولا سيما والرواية التي رَجَّحَهَا لا حصر فيها، وكتاب " المُغني " و " الشرح الكبير " الذي نقل عنه الرواية الثانية، قال مؤلفه بعد ذلك بصفحات ما نصه (٢): «وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُسْتَسْقَى بِمَنْ ظَهَرَ صَلاَحُهُ؛ لأَنَّهُ أَقْرَبُ إلَى إجَابَةِ الدُّعَاءِ، فَإِنَّ عُمَرَ ﵁ اسْتَسْقَى بِالْعَبَّاسِ عَمِّ النَّبِيِّ ﷺ عَامَ الرَّمَادَةِ» ثم ذكر استسقاء معاوية بيزيد بن الأسود، والضحاك بن قيس به أيضاً وهكذا يَتَبَيَّن بنا أنَّ المؤلف «يدع ما يشاء ويأخذ ما يشاء» بحسب هواه وما يتراءى له كي يصل إلى ما يريد، من أَنَّ الاستسقاء بالعباس دَسِيسَةٌ من كعب (٣) كي يفسد عقائد المسلمين.
٢ - ثم أي فساد في العقيدة بالاستسقاء بالعباس ﵁؟ إنَّ المسلمين قاطبة مجمعون على التَوَسُّلِ بالأحياء، ولم يقل أحد إنَّ التوسل بالأحياء يفسد العقيدة، وكيف خَفِيَ على المهاجرين والأنصار وفيهم عمر مخالفة الاستسقاء بالعباس للعقيدة حتى وقعوا فيما وقعوا فيه؟ وكيف خَفِيَ على فقهاء الأمَّة وَمُحَدِّثِيهَا أَنَّ حديث أنس مدسوس فحكموا عليه بالصحة واستدلوا به؟ إنَّ هذا مِمَّا لا يقضي منه العجب!!!.
طعنه في حديث الإسراء والمعراج:
في [ص ١٢٣] جعل مراجعة موسى لِنَبِيِّنَا محمد - عَلَيْهِمَا الصَلاَةُ وَالسَّلاَمُ -
стр. 90
في حديث الإسراء والمعراج من الإسرائيليات، وجهل الذين يعتقدون صحة ذلك، واعتبرهم من حشوية آخر الزمان إلى آخر ما نضح به قلمه من نبز وسباب.
وللرد على هذا أقول لهذا المؤلف:
إنَّ الرمي بالقول على عواهنه من غير حُجَّة وبرهان لا يليق بالباحث المُنْصِف المُتَثَبِّت، وهل يقتضي ذكر موسى ﵇ ومراجعته لِلْنَّبِيِّ ﵇ ليلة المعراج كي يخفف الله سبحانه على أُمَّتِهِ الصلوات أَنْ يكون من الإسرائيليات؟ وعلى منطق المؤلف تكون كل الأحاديث التي ذكرت فضيلة لموسى أو لِنََبِِيٍّ من أنبياء بني إسرائيل من الإسرائيليات وأعتقد أنَّ هذا لا يقوله عاقل فضلاً عن باحث، وبحسب القارئ ما ذكرته في المقال السابق من موقف علماء الإسلام من أخبار بني إٍسرائيل، ولو أنَّ حديث الإسراء والمعراج كان مرويًا عن كعب الأحبار أو غيره من علماء بني إسرائيل لجاز في العقل أنْ يكون ذكر موسى ﵇ من دَسِّهِمْ، أما والحديث مروي عن بضع وعشرين صحابياً ليس فيهم ولا فيمن أخذ عنهم أحد من مُسْلِمَةِ أهل الكتاب فقد أصبح الاحتمال بعيداً كل البعد إنْ لم يكن غير ممكن في منطق البحث الصحيح، وقد ذكر الحافظ أبو الخطاب بن دحية في كتابه " التنوير في مولد السراج المنير " الصحابة الذين رُوِيَ عنهم حديث الإسراء والمعراج فوصل بهم إلى خمسة وعشرين صحابياً، واعتبر الروايات الواردة فيه متواترة ونقل كلامه الحافظ الناقد ابن كثير في " تفسيره " ووصفه بالإفادة والجودة (١) فهل يجوز عند العقلاء أَنْ يكون لِلْدَسِّ مجال في هذا؟ وقد خرج حديث المعراج البخاري ومسلم وغيرهما من أصحاب الكتب المعتمدة من طرق متعددة، وقد استعرض هذه الروايات الإمام ابن كثير في " تفسيره " فليرجع إليه من يريد زيادة اليقين، وَلَمْ أَرَ - فيما أعلم - عن أحد من أهل العلم الموثوق بهم أنه ذكر
стр. 91
أنَّ مراجعة موسى لنبينا ﵉ دَسِيسَةٌ إسرائيلية، فهل خَفِيَ على علماء الأُمَّةِ جميعهم ما تَخَيَّلَهُ هذا المؤلف؟! وكان الأولى به أنْ يبحث عن السِرِّ في المراجعة وحكمتها بدل التشكيك فيها، ومحاولة بيان استلزامها لنفي علم الله - جَلَّ شَأْنُهُ -، وعلم رسوله مبلغ احتمال الأُمَّةِ وقدرتها على أدائها قبل التخفيف. وأي ضير في أنْ يعلم موسى ﵇ بما سبق إليه من تجربة الناس، ومعالجة بني إسرائيل أشد المعالجة ما خفي على نبينا ﵊ حتى أشار عليه بالرجوع إلى ربه وطلب التخفيف، حتى يرتب عليه المؤلف ما زعم ثم من قال أنَّ فرض الصلوات خمسين وتخفيفها إلى خمس بسبب المراجعة تستلزم أنْ يكون الله سبحانه لا يعلم مبلغ قوة احتمال عباده على أدائها حتى رَتَّبَ عليه ما رَتَّبَ؟ إنَّ الله سبحانه يعلم كل ما كان وما يكون ويعلم أنَّ نَبِيَّهُ محمدا - صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلاَمُهُ عَلَيْهِ - سيسأله التخفيف على العباد وبسبب هذا السؤال سيخفف الصلوات من خمسين إلى خمس، ولذلك سِرٌّ وَحِكْمَةٌ، وهي إظهار رحمة الله بهذه الأُمَّة وَمِنَّتِهِ عليها بالتخفيف عليها، بدليل قول الرب تعالى: «أَمْضَيْتُ فَرِيضَتِي، وَخَفَّفْتُ عَنْ عِبَادِي» كما أَنَّ فيها إظهار منزلة النَبِيِّ عند ربه بقبول شفاعته في التخفيف عن أُمَّتِهِ، وبيان رأفته ورحمته بأُمَّتِهِ باستماعه إلى مشورة أخيه موسى، ولا تسل عما في المراجعة من تكرار المناجاة بين العبد والمعبود والمُحِبِّ والمحبوب.
زَعْمُهُ أَنَّ حَدِيثَ «لاَ تُشَدُّ الرِّحَالُ ... » مِنَ الإِسْرَائِيلِيَّاتِ:
في [ص ١٢٨] قال: «الإسرائيليات في فضل بيت المقدس» وذكر بعضًا منها.
وفي [ص ١٢٩] ذكر أَنَّ الأحاديث الصحيحة كانت في أول الأمر في فضل المسجد الحرام ومسجد الرسول، ولكن بعد بناء قبة الصخرة ظهرت أحاديث في فضلها وفضل المسجد الأقصى، واعتبر ذكر المسجد الأقصى في
стр. 92
حديث: «لاَ تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلاَّ إِلَى ثَلاَثَةِ مَسَاجِدَ: مَسْجِدِي هَذَا، وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالمَسْجِدِ الأَقْصَى» من الإسرائيليات الموضوعة، واستند في دعواه إلى ما روي عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، [أَنَّهُ قَالَ]: إِنَّ امْرَأَةً اشْتَكَتْ شَكْوَى، فَقَالَتْ: إِنْ شَفَانِي اللهُ لأَخْرُجَنَّ فَلأُصَلِّيَنَّ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ، فَبَرَأَتْ، ثُمَّ تَجَهَّزَتْ تُرِيدُ الْخُرُوجَ، فَجَاءَتْ مَيْمُونَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ تُسَلِّمُ عَلَيْهَا، فَأَخْبَرَتْهَا ذَلِكَ، فَقَالَتْ: اجْلِسِي فَكُلِي مَا صَنَعْتِ، وَصَلِّي فِي مَسْجِدِ الرَّسُولِ ﷺ . فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، يَقُولُ: " صَلاَةٌ فِيهِ أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ صَلاَةٍ فِيمَا سِوَاهُ مِنَ الْمَسَاجِدِ، إِلاَّ مَسْجِدَ الكَعْبَةِ "» قال: «ولو أَنَّ المسجد الأقصى كان قد ورد فيه تلك الأحاديث لما منعت ميمونة هذه المرأة من أَنْ تُوفِي بنذرها!!».
وللجواب على هذه المزاعم نقول:
١ - إننا لا ننكر أنه وُضِعَ في فضل بيت المقدس والصخرة أحاديث وآثار كثيرة، ولكن الذي ننكره حقًا أَنْ يكون ذكر بيت المقدس في حديث «لاَ تُشَدُّ الرِّحَالُ» من قبيل الوضع والدَسِّ، وأعتقد أنه من الإسراف في الحُكْم والشطط في البحث أَنْ يُجَرِّدَ باحث بيت المقدس من الفضيلة، ويعتبر كل ما ورد فيه من صنع بني إسرائيل، وكيف وفضل بيت المقدس لم يثبت بالأحاديث الصحيحة فحسب؟ ولكنه ثبت ثبوتاً قطعياً بالقرآن المتواتر الذي لا يتطرق إليه الشك قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (١) فلم يَعُدْ ثَمَّةَ مجال للحدس والظن الذي لم يقم على أساس ولا يستند إلى دليل وبيت المقدس قِبْلَةُ الأنبياء السابقين ومهاجرهم، وثاني المساجد التي وضعت في الأرض وشرفت بناه حفيد الخليل يعقوب - عَلَيْهِمَا الصَلاَةُ وَالسَّلاَمُ - وَجَدَّدَهُ نبي الله سليمان ﵇ وإليه توجه المسلمون في صلاتهم بعد الهجرة بضعة عشر شهراً، فكيف يستبعد المؤلف أَنْ يذكر هو ومسجد مكة والمدينة في حديث وَإِنْ كان دونهما في الفضل؟ والمساجد الثلاثة يجمعها أنها آثار،
стр. 93
وتحمل ذكريات مجيدة لبعض أنبياء الله ورسله الكرام، ولو أَنَّ المؤلف كان باحثاً حقاً لنقده من وجهة سنده ومتنه نقداً علمياً صحيحاً بدل أَنْ يلقي بالقول جزافاً.
٢ - هذا الحديث رواه الإمامان الجليلان: البخاري ومسلم في " صحيحيهما " وَهُمَا مَنْ هُمَا في عُلُوِّ كَعْبِهِمَا في التصحيح، ومعرفتهما التامة بالرجال والعلل، ونظرهما الثاقب في الكشف عن خفايا الأحاديث وَعِلَلِهَا، ورواه غيرهما كابن حبان في " صحيحه "، وأبي داود والترمذي والنسائي وابن ماجه في " سُنَنِهِمْ "، ورواه أحمد والبزار في " مُسْنَدَيْهِمَا "، والطبراني في " المعجم الكبير " و " الأوسط "، وَرُوِىَ عن جمع من الصحابة كَعُمَرٍ وأبي سعيد الخُدري وأبي هريرة وأبي بصرة الغِفاري وأبيه وأبي الجعد (١) وقد تلقت الأُمَّة هذا الحديث بالقبول، واحتج به أئمة فطاحل لا يحصيهم العد ولا يشق لهم غُبَارٌ في النقد والبصر بالأحاديث من عصر السلف إلى وقتنا هذا، فهل كل هؤلاء خفي عليهم ما لاَحَ وظهر لهذا المؤلف؟!!!.
٣ - أما ما ذكره من قصة المرأة التي نذرت أَنْ تصلي في بيت المقدس إنْ شفاها الله ... إلخ. فَمِمَّا يضحك الثكلى! ومن قال - يا من زعمت أنك طوفت في عشرات الكتب والمراجع - أَنَّ الفتوى على خلاف ما يدل عليه حديث أو العمل على خلافه يكون دليلاً على كذبه؟ لو كان الأمر كذلك لحكمنا على كثير من الأحاديث بالوضع والاختلاق.
قال العلاَّمة ابن الصلاح «وَهَكَذَا نَقُولُ: إِنَّ عَمَلَ الْعَالِمِ أَوْ فُتْيَاهُ عَلَى وَفْقِ حَدِيثٍ لَيْسَ حُكْمًا مِنْهُ بِصِحَّةِ ذَلِكَ الْحَدِيثِ، وَكَذَلِكَ مُخَالَفَتُهُ لِلْحَدِيثِ لَيْسَتْ قَدْحًا مِنْهُ فِي صِحَّتِهِ وَلاَ فِي رَاوِيهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ» (٢) والسيدة ميمونة استندت في فتواها إلى هذا الحديث الذي يثبت أَنَّ الصلاة في
стр. 94
المسجدين أفضل من الصلاة في المسجد الأقصى، فيكون أداء النذر في الأفضل أولى، ولا سيما أَنَّ فيه راحة من مَشَقَّةِ السفر وهي امرأة.
قال الإمام العيني: «واستدل قوم بهذا الحديث - حديث لا تشد الرحال - على أَنَّ من نذر إتْيَان أحد هَذِه الْمَسَاجِد لزمَه ذَلِك وَبِه قَالَ مَالك وَأحمد وَالشَّافِعِيّ فِي الْبُوَيْطِيّ، وقال أبو حنيفة لا يجب مطلقاً، وقال الشافعي في " الأم ": يجب في المسجد الحرام لتعلق النسك به بخلاف المسجدين الآخرين وقال ابن المنذر: يجب إلى الحرمين وأما الأقصى فلا، واستأنس بحديث جابر أن رجلا قال لِلْنَّبِيِّ ﷺ : «إني نذرت إن فتح الله عليك مكة أن أصلي في بيت المقدس قال صل ههنا» (١) فمدار الفتوى في حديث جابر والسيدة ميمونة على أن من نذر الصلاة في مفضول أجزأه الصلاة في الأفضل ولا عكس». (٢) وها نحن أولاء نرى أن الشافعي ﵀ في " الأم " أوجب أداء النذر في المسجد الحرام دون المسجدين الآخرين المشرفين، مع أَنَّ الشافعي مِمَّنْ يرى صحة حديث «لاَ تُشَدُّ الرِّحَالُ»، وعلى منطق المؤلف في البحث كان يلزم أَنْ نقول استناداً إلى رأي الشافعي في " الأم ": إنَّ فضيلة المسجدين: مسجد المدينة والأقصى غير ثابتة، وإِنَّ ذكرها في الحديث اختلاق، وهو منهج في البحث سقيم، لَمْ نَرَ له مثيلاً في القديم ولا في الحديث.
طَعْنُ أَبِي رَيَّةَ فِي حَدِيثٍ فِي " الصَّحِيحَيْنِ ":
في [ص ١٣١] ذكر تحت عنوان «اليد اليهودية في تفضيل الشام» حديث " الصحيحين " المرفوع ولفظه: «لاَ تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ لاَ يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ، وَلاَ مَنْ خَالَفَهُمْ، حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَذَلِكَ». قال: روى البخاري: «هُمْ بِالشَّامِ».
стр. 95
ونحن لا ننكر في أن بلاد الشام وغيرها من بلاد الإسلام قد وضعت فيها أحاديث كثيرة بداعي العصبية الوطنية، وقد سبق أئمة الحديث وصيارفته إلى بيان ذلك منذ مئات السنين، ولكن الذي ننكره على المؤلف الطعن في الأحاديث الصحيحة بالظن من غير تثبت، أو اعتمادا على تأويل مؤول للحديث.
وليس أدل على هذا من ذكره هذا الحديث واعتباره من صنع اليد اليهودية وأي فائدة تعود على اليهود من هذا وبلاد الشام ليست بلادهم وإنما هي بلاد العرب قبل أن تكون بلادا لهم؟ وهل يعقل من اليهود في سبيل التزلف إلى بني أمية أن يضعوا هذا الحديث الذي يدل على بقاء الإسلام وبقاء سلطانه، وبقاء هذه الطائفة الثابتة على الحق من الأُمَّة المحمدية إلى يوم القيامة؟ وكيف وهم يدعون أنهم شعب الله المختار - كذبا وزورا - وأنهم أحق الشعوب بالبقاء، لقد وصفهم المؤلف بالدهاء والمكر، فكيف يضعون أحاديث تعلي بنيان أعدائهم وتقوض بيتهم من أساسه؟ الحق أن المؤلف يريد منا أن نلغي عقولنا.
وهذا الحديث رواه الشيخان في " صحيحيهما "، رواه البخاري في (كتاب الاعتصام) عن المغيرة بن شعبة عن النَّبِي ﷺ بلفظ: «لاَ تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ حَتَّى يَأْتِيَهُمْ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ ظَاهِرُونَ». والرواية التي أشار إليها المؤلف رواها " البخاري " في باب بعد علامات النبوة ببابين، عن عمير بن هانئ أنه سمع معاوية يقول: سمعت النَّبِي ﷺ يقول: «لاَ يَزَالُ مِنْ أُمَّتِي أُمَّةٌ قَائِمَةٌ بِأَمْرِ اللَّهِ، لاَ يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ، وَلاَ مَنْ خَالَفَهُمْ، حَتَّى يَأْتِيَهُمْ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ عَلَى ذَلِكَ»
(قَالَ عُمَيْرٌ: فَقَالَ مَالِكُ بْنُ يُخَامِرَ: قَالَ مُعَاذٌ: وَهُمْ بِالشَّامِ، فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: هَذَا مَالِكٌ يَزْعُمُ أَنَّهُ سَمِعَ مُعَاذًا يَقُولُ: وَهُمْ بِالشَّامِ).
ورواه مسلم في " صحيحه " عن ثوبان وعن المغيرة بن شعبة وعن معاوية
стр. 96
وعن جابر بن عبد الله، وليس في رواية مسلم عن معاوية» قال معاذ: «وَهُمْ بِالشَّامِ» ورواه غير البخاري ومسلم.
ومِمَّا ينبغي أن يتنبه إليه أن قول معاذ ليس من الحديث المرفوع كما يوهم صنيع المؤلف، وإنما هو تأويل لمعاذ في الحديث، أما المرفوع فليس فيه هذه الزيادة، قال البدر العيني في " شرحه على البخاري ": وحديث مالك هذا - يعني - هذا - يعني مازل بن يخامر عن معاذ - غير مرفوع» وقد فسر البخاري هذه الطائفة فقال بعد إيراد الترجمة للحديث: «وَهُمْ أَهْلُ الْعِلْمِ» وعن علي بن المديني أنه قال: هم أصحاب الحديث، وهكذا روي عن الإمام أحمد وقيل غير ذلك نرى أن الأئمة من لدن الصحابة اختلفوا في تعيين المراد من هذه الطائفة فتخريج الإمام البخاري لهذه الرواية عن معاذ في فهم الحديث لا ينهض دليلا للطعن في الحديث الصحيح واعتباره من دسائس اليهود.
وكذلك قول بعض العلماء في الحديث الذي رواه الإمام مسلم في " صحيحه " عن سعد بن أبي وقاص مرفوعا: «لاَ يَزَالُ أَهْلُ الْمَغْرِبِ ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ»: أن المراد بهم أهل الشام، لا ينهض للطعن في الحديث وذكر مع أحاديث نبه العلماء على وضعها في قرن واحد.
ومن عجيب أمر هذا المؤلف أنه يعتمد في نقل بعض الأحاديث التي توافق هواه على كتب الأدب كـ " نهاية الأرب "، وكتب التاريخ كـ " المعجب في تلخيص أخبار المغرب " على حين يطعن في أحاديث في " الصحيحين " بالوضع ما دامت على غير هواه. ولا أدري كيف غاب عنه أَنَّ كتب الأدب والتواريخ ونحوها تجمع الغث والسمين والمقبول والمردود، فكيف يعتمد عليها فيما ينقل؟ أَلاَ إِنَّ المعول عليه في السُنَّة هي كتب الحديث المعتمدة التي تبرز الأسانيد أو تعزو الأحاديث وتميز بين الصحيح والضعيف والمقبول والمردود.
стр. 97
زعم أَبِي رَيَّةَ أنَّ في الإسلام مسيحيات وطعنه في تميم الداري:
في ص [١٤٠] ذكر عنوان المسيحيات في الإسلام وقال: إذا كانت الإسرائيليات قد لوثت الدين الإسلامي بمفترياتها، فإنَّ المسيحيات كان لها كذلك نصيب مِمَّا أصاب هذا الدين، وأول من تولى كِبْرَ هذه المسيحيات هو تميم بن أوس الداري، ثم عرض لأحاديث زعم أنها من المسيحيات.
فمن ذلك ما ذكره في [١٤١] حيث قال: «مِمَّا بثه تميم الداري من مسيحياته ما ذكره النَّبِي ﷺ من قصة الجساسة والدجال ونزول عيسى وغير ذلك» ... إلخ ما قال.
حديث الجساسة ليس بموضوع:
أما حديث الجساسة فقد رواه الإمام مسلم في " صحيحه " (١) عن فاطمة بنت قيس وذلك «أَنَ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ مُنَادِيًا يُنَادِي: الصَّلاَةَ جَامِعَةً، فَلَمَّا سَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " لِيَلْزَمْ كُلُّ إِنْسَانٍ مُصَلاَّهُ "»، ثُمَّ قَالَ: «أَتَدْرُونَ لِمَ جَمَعْتُكُمْ؟» قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: «إِنِّي وَاللَّهِ مَا جَمَعْتُكُمْ لِرَغْبَةٍ وَلاَ لِرَهْبَةٍ، وَلَكِنْ جَمَعْتُكُمْ، لأََنَّ تَمِيمًا الدَّارِيَّ كَانَ رَجُلاً نَصْرَانِيًّا، فَجَاءَ فَبَايَعَ وَأَسْلَمَ، وَحَدَّثَنِي حَدِيثًا وَافَقَ الَّذِي كُنْتُ أُحَدِّثُكُمْ عَنْ المَسِيحِ الدَّجَّالِ»، ثم ذكر لهم قصة تميم وخروجه مع جماعة من قومه راكبين سفينة فَضَلُّوا شهرًا في البحر حتى وصلوا إلى جزيرة في البحر فنزلوها فوجدوا دابة عظيمة فكلمتهم ثم دلتهم على شخص بمكان الجزيرة فذهبوا إليه فَحَدَّثَهُمْ بحديث طويل وأنه المسيح الدجال.
وليس للمؤلف سلف في التشكيك في هذا الحديث إِلاَّ ما كان من المرحوم السيد محمد رشيد رضا الذي نقل المؤلف كلامه في كتابه، وكلام السيد رشيد ليس فيه التصريح بكذب القصة، ولا بتكذيب تميم، وكل ما فيه محاولة إثبات أَنَّ سكوت النَّبِي ﷺ لا يدل على صدق
стр. 98
القصة وَأَنَّ مثل هذا لا يدخل تحت التقرير، وَأَنَّ تصديق الكاذب فيما لا يخل بأمر الدين ولا يترتب عليه حُكْمٌ شَرْعِيٌّ أمر جائز على الأنبياء.
وللرد على ذلك نقول:
[أ] إن حديث الجساسة رواه الإمام مسلم في " صحيحه " ورجاله ثقات عُدُولٌ لا مطعن في واحد منهم، وقد رواه غير مسلم: الإمام أحمد وأبو يعلى وأبو داود وابن ماجه، ورواه غير فاطمة بنت قيس من الصحابة أبو هريرة وعائشة وجابر - رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِمْ - فالحديث لم ينفرد به مسلم، ولا انفردت بروايته فاطمة بنت قيس.
وقد حَدَّثَ به النَّبِي ﷺ على المنبر في جمع من الصحابة واعتبره موافقًا لما كان يُحَدِّثُهُمْ به عن المسيح الدجال وغيره من أشراط الساعة الكبرى، فالقول بأنه لا يدخل تحت التقرير غير مسلم، وقد اعتبر الأئمة رواية النَّبِي ﷺ ذلك عنه من مناقبه، قال الحافظ الكبير ابن حجر في " الإصابة " (١) في ترجمة تميم ﵁: «مشهور في الصحابة كان نصرانيا وقدم المدينة فأسلم وذكر لِلْنَّبِيِّ ﷺ قصة الجساسة والدجال فحدث النَّبِي ﷺ عنه بذلك وعد ذلك من مناقبه» ثم نقل عن أبي نعيم أنه قال: كان راهب أهل عصره وعابد فلسطين وكان كثير التهجد بالليل، قام ليلة بآية حتى أصبح وهي قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ﴾ (٢) ومن مناقبه ما ذكره في " الإصابة " أيضاً (٣) قال: أخرج البغوي من طريق الجريري عن أبي العلاء معاوية بن حرمل قال: قدمت على عمر فقلت: يا أمير المؤمنين، تائب من قبل أن تقدر عليه، فقال: من أنت؟ فقلتُ معاوية بن حرمل
стр. 99
ختن مسيلمة - أي صهره - قال: اذهب فانزل على خير أهل المدينة، قال: فنزلت على تميم الداري فبينا نحن نتحدث إذ خرجت نار بالحرة، فجاء عمر إلى تميم فقال: يا تميم اخرج، فقال: وما أنا؟ وما تخشى أَنْ يبلغ من أمري؟ فصغر نفسه، ثم قام فحاشها (١) حتى أدخلها الباب الذي خرجت منه ثم اقتحم في أثرها، ثم خرج فلم تضره».
وعمر - رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ - وهو العبقري الملهم المُحَدِّث ما كان ليخفى عليه حال تميم ومنزلته من الصلاح والاستقامه والإخلاص وهو القائل: «لست بخب والخب لا يخدعني» فكيف يجوز في العقول أَنْ يرمي مثل هذا بالكذب وَالدَسِّ والإفساد في الدين؟!.
[ب] ما زعمه السيد رشيد من أَنَّ هذا لا يدخل تحت التقرير ممنوع قال الحافظ في " الفتح " (٢): «وَقَدْ اِتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ تَقْرِير النَّبِيّ ﷺ لِمَا يُفْعَل بِحَضْرَتِهِ أَوْ يُقَال وَيَطَّلِعُ عَلَيْهِ بِغَيْرِ إِنْكَار دَالٌّ عَلَى الْجَوَازِ، لأَنَّ الْعِصْمَة تَنْفِي عَنْهُ مَا يَحْتَمِل فِي حَقّ غَيْره مِمَّا يَتَرَتَّبُ عَلَى الإِنْكَار فَلاَ يُقِرُّ عَلَى بَاطِلٍ» وما زعمه أيضا من أَنَّ هذا ليس من أمور الدين التي يعصم الأنبياء عن تصديق الكاذب فيها أشد منه منعًا، ولا أدري أنا ولا غيري كيف لا يُعتبر الإخبار بأشراط الساعة من أمور الدين؟ ولو كان ما حدث به تميم كذبًا لما سكت الوحي عن بيان الحق فيما أخبر به كما حدث في كثير من الأحيان حينما كان المنافقون وأضرابهم يقولون خلاف ما يبطنون فينزل الوحي فاضحًا لهم وَمُبَيِّنًا كذبهم.
أحاديث الدجال ونزول المسيح في آخر الزمان صحيحة:
على أن النَّبِي - صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلاَمُهُ عَلَيْهِ - قد أخبر في غير ما حديث بالدجال ونزول المسيح عيسى ابن مريم ﵇ في آخر الزمان حُكْمًا
стр. 100
عدلا بشريعة نبينا محمد ﷺ فيكسر الصليب ويقتل الخنزير وعلى يديه يكون قتل الدجال، وكل هذا مروي من طرق متكاثرة في " الصحيحين " (١) وغيرهما من كتب السنن المعتمدة، فإخبار النَّبِي بهذه الأشراط لم يكن متوقفا على إخبار تميم ﵁ وإنما انتهز النَّبِي فرصة تحديث تميم لما حدث به ليبين لهم أَنَّ ما حدثهم به حق وواقع لا شك فيه، ثم رأى المؤلف وأضرابه في قول الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لاَ يُوقِنُونَ﴾ (٢) وهذه الدابة عند كثير من المفسرين هي الجساسة التي ورد ذكرها في حديث " مسلم "، أليست الآية فيها تصديق لهذا الحديث؟ ولا سيما والآية لا تنفي وجودها قبل يوم القيامة، إذ المعلق على وقوع القول الخروج لا الوجود بل التعبير القرآني يشعر بوجودها قبل هذا.
[ج] مَا تَهَكَّمَ به المؤلف من تعليقه في الهامش على قصة تميم حيث قال: «لعل علماء الجغرافيا يبحثون عن هذه الجزيرة ويعرفون أين مكانها من الأرض ثم يخبروننا حتى نرى ما فيها من الغرائب التي حدثنا بها (سيدنا تميم) ﵁.
إنما يدل على ضيق العطن وقصور التفكير، وهل علماء الجغرافيا يا (سيدنا المؤلف) اكتشفوا كل بقعة في الأرض؟ إِنَّ كثيرًا من أقطار البر والبحر لا تزال بِكْرًا إلى الآن لم تطرقها قدم مستكشف، بل في القارات المعروفة أماكن ما زالت مجهولة إلى اليوم، وأظن أنه لا يعزب عنك مجاهيل أفريقيا وغير أفريقيا، بل في بعض الجهات المرتادة مغارات وكهوف لا تزال غير معروفة، فإذا كان هذا في البر فما بالك بالبحر؟ وثلاثة أرباع هذه الأرض التي يسكنها النوع الإنساني بحار وعلى تسليم أنها كانت في
стр. 101
جزيرة من الجزر المعروفة للناس اليوم، فهل يلزم من اطلاع الله سبحانه تميما وصحبه على الدابة والدجال اطلاع غيرهم عليها؟ ألا يجوز بعد ما رآها تميم وصحبه أَنْ تكون اختفت عن الأنظار وذهبت إلى حيث علم الله سبحانه؟
ثم ما موضع العجب ألأن دابة تتكلم؟ وأي غرابة وهذه الببغاء تحكي ما يقوله الإنسان؟ وإذا كان العقل البشري توصل إلى استنطاق الجماد فكيف نستبعد على قدرة الله - عَزَّ شَأْنُهُ - إنطاق الحيوان؟
طعنه في حديث " الصحيحين ":
في [ص ١٤٤] قال: ومن المسيحيات في الحديث ما رواه " البخاري " عن أبي هريرة: أن النَّبِي ﷺ قال: «كُلُّ بَنِي آدَمَ يَطْعُنُ الشَّيْطَانُ فِي جَنْبِهِ حِينَ يُولَدُ غَيْرَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ، ذَهَبَ يَطْعُنُ فَطَعَنَ فِي الحِجَابِ». وفي رواية سمعت رسول الله يقول: «مَا مِنْ بَنِي آدَمَ مَوْلُودٌ إِلاَّ يَمَسُّهُ الشَّيْطَانُ حِينَ يُولَدُ، فَيَسْتَهِلُّ صَارِخًا مِنْ مَسِّ الشَّيْطَانِ، غَيْرَ مَرْيَمَ وَابْنِهَا ... ». ثم قال في الحاشية: وحديث طعن الشيطان الذي رواه البخاري قال ابن حجر في " شرحه ": «وقد طعن صاحب " الكشاف " في معنى هذا الحديث وتوقف في صحته، وكذلك طعن فيه الرازي وقال: إِنَّ الحديث خبر واحد ورد على خلاف الدليل ... ».
وللرد على ذلك نقول:
[أ] إِنَّ هذا الحديث صحيح رواه " البخاري " و" مسلم " وغيرهما من أئمة الحديث، وما دَلَّ عليه هو استجابة لدعاء أم السيدة مريم حيث قالت كما قال الله تعالى: ﴿وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ (١). ولا أدري أي ضير في أَنْ يصدع النَّبِي الذي لا ينطق عن الهوى بخصيصة من الخصائص، أو إظهار فضيلة من الفضائل لأحد من إخوانه الأنبياء أو غيرهم، إِنَّ إظهار فضيلة من الفضائل لأحد من إخوانه الأنبياء أو غيرهم، إِنَّ هذا إِنْ دَلَّ على شيء فإنما يدل على غاية السمو
стр. 102
المحمدي وعلى الأمانة الفائقة في التبليغ وعلى أَنَّ الإسلام دين إلهي وليس من عند بشر، إذ لو كان من عند بشر لما حرص على أَنْ يظهر الأنبياء بهذا المظهر الكريم وبهذه المنازل العالية، وليس في إسناد خصوصية لعيسى أو لغيره ما يعود بالنقص على إخوانه الأنبياء ولا ما يثبت تفضيله عليهم، إذ من المسلم أنه قد يكون في المفضول من الخصائص ما ليس للأفضل ولا يؤثر هذا في أفضليته، لأن له من الخصائص ما يؤهله لاستحقاق الأفضلية، هذا إلى أَنَّ المتكلم غير داخل في عموم كلامه كما قال جمع من العلماء، فيكون نبينا محمد - صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلاَمُهُ عَلَيْهِ - مِمَّنْ لم يمسه الشيطان أيضا كما رُوِيَ ذلك في حديث، وَأَيًّا ما كان الأمر فليس في الحديث ما يدل على أفضلية عيسى ﵇ على نبينا ﵊ أما كون بعض القسس المسيحيين «اتكأوا على هذا الحديث في إثبات عقيدة من عقائدهم الزائفة» كما قال المؤلف، فلا يعود على الحديث بالبطلان أو الرَدِّ كما زعم، والتبعة إنما هي على من حرف الحديث عن مواضعه وحمله على غير محامله الصحيحة.
ب) هذا الحديث صحيح رواية ودراية وليس في معناه ما يدعو إلى رده عند المحققين لأنه لا يخالف عقلاً ولا نقلاً، وكل ما هنالك أَنَّ بعض الناس تخيل ذلك فَرَدَّ الحديث أو توقف فيه، فمن هؤلاء القاضي عبد الجبار المعتزلي والزمخشري، وَإِنْ كان الثاني تردد في صحة الحديث وقال: إِنْ صح فالمراد، أن كل مولود يطمع الشيطان في إغوائه إِلاَّ مريم وابنها فإنهما كانا معصومين وكذلك كل من كان في صفتهما كقوله تعالى: ﴿لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ، إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ (١). واستهلاله صَارِخًا من مَسِّهِ تخيل وتصوير لطمعه فيه كأنه يَمَسُّهُ ويضرب بيده عليه، وأما حقيقة النخس والمس كما يتوهم أهل الحشو فكلا، ولو سَلَّطَ إبليس على الناس بنخسهم لامتلأت الدنيا صُرَاخًا وعياطا» فها أنت ذا ترى أَنَّ الزمخشري لم يقطع بعدم صحة الحديث، والأكثرون من العلماء على أَنَّ الحديث على ظاهره
стр. 103
وَأَنَّ المس حقيقة وَأَنَّ الشيطان حاول ذلك مع مريم وابنها فلم يمكن منه استجابة لدعاء أمها لها، إذ لا يلزم من وقوع المس وقوع الإغواء، وذلك بالنسبة إلى الأنبياء ومن على شاكلتهم من المخلصين الأصفياء وعلى هذا فلا يكون الحديث كما تَوَهَّمَ مُخَالِفًا لقوله تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ (١). وقوله: ﴿إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ (٢).
ولا يلزم أَنْ تمتلئ الدنيا صُرَاخًا وعياطا كما تَوَهَّمَ الزمخشري، لأن الحديث إنما جعل ذلك عند الولادة فحسب، وأما بعدها فلا، ولو حكمنا المشاهدة فما من مولود إِلاَّ ويستهل صَارِخَا أَوْ بَاكِيًا، وإنكار ذلك مكابرة.
الزمخشري لا يُعَوَّلُ على كلامه في الطعن في الأحاديث:
ومِمَّا ينبغي أَنْ يعلم أَنَّ الزمخشري - مع كونه إمامًا في التفسير - لا يرجع إليه في معرفة الصحيح من غيره، إذ هو ليس من رجال الحديث العارفين لِعِلَلِهِ، المُبْصِرِينَ برجاله، وكم ذكر في " كَشَّافِهِ " من موضوعات في قصص الأنبياء وغير القصص.
ولو أَنَّ المؤلف كان أمينًا في البحث لما عرض الأمر من جهة واحدة، وكان عليه أَنْ يعرض لرأي المُصَحِّحِينَ للحديث ووجهة نظرهم ويناقشهم وهو بعد ذلك حُرٌّ في أَنْ يختار ما يشاء، ولكن مسلك المؤلف مسلك المتحيز غير المُنْصِف الذي ينظر إلى الشيء بعين واحدة فمن ثم كثرت هفواته وسقطاته.
وإليك ما قاله العلماء المُحَقِّقُونَ:
قال الحافظ ابن حجر في " الفتح " (٣) بعد أَنْ ذكر اعتراض الزمخشري وَبَيَّنَ أنه غير مُسَلَّمٍ: «والذي يقتضيه لفظ الحديث لا إشكال في معناه، ولا مخالفة لما ثبت من عصمة الأنبياء، بل ظاهر الخبر أَنَّ إبليس ممكن من مَسِّ كل مولود عند ولادته، ولكن من كان من عباد الله المخلصين لم
стр. 104
يضره ذلك المس أيضًا، واستثنى من المخلصين مريم وابنها، فلأنه ذهب يمس على عادته فَحِيلَ بينه وبين ذلك، فهذا وجه الاختصاص، ولا يلزم منه تسلطه على غيرهما من المخلصين» ... الخ ما قال (١).
وقال القرطبي في " تفسيره " (٢): «قال قتادة: " كل مولود يطعن الشيطان في جنبه حين يولد غير عيسى وأمه جعل بينهما حجاب فأصابت الطعنة الحجاب ولم ينفذ منها شيء "، قال علماؤنا: وإن لم يكن كذلك بطلت الخصوصية بهما ولا يلزم من هذا أَنَّ نخس الشيطان يلزم منه إضلال الممسوس وإغواؤه فإن ذلك ظن فاسد، فكم تعرض الشيطان للأنبياء والأولياء بأنواع الإفساد والإغواء، ومع ذلك عصمهم الله مِمَّا يرومه الشيطان كما قال: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ (٣).
وقال الفخر الرازي (٤) بعد ذكر كلام القاضي عبد الجبار وَرَدِّهِ للحديث: «واعلم أَنَّ هذه الوجوه محتملة وبأمثالها لا يجوز دفع الخبر والله أعلم»، ثم قال: «والعجب من بعض أهل السُنَّة كيف يتبع المعتزلة في تأويل مثل هذه الأحاديث الصحيحة لمجرد الميل إلى ترهات الفلاسفة، مع أَنَّ إبقاءها على ظاهرها لا يروق لهم شربا ولا يضيق عليهم سربا» فهل من الأمانة في النقل أَنْ يفتري على الإمام الرازي وَيُقَوِّلُهُ ما لم يقل وينسب إليه ما ليس من كلامه؟ وهل يتفق ما نقلته عن الرازي بنصه هو وما زعمه من أن الرازي طعن في الحديث والحق أَنَّ الرازي نقل كلام القاضي عبد الجبار في الطعن في الحديث ورده كما سمعت، ولكن المؤلف كثيرا ما يخطف الأمور بسرعة فمن ثم يقع في الغلط وكثيرًا ما يتعمد بتر النصوص لحاجة في نفسه، وقال الإمام الألوسي في " تفسيره " بعد أَنْ عرض لرأي
стр. 105
الزمخشري: «ولا يخفى أَنَّ الأخبار في هذا الباب كثيرة وأكثرها مُدَوَّنٌ في الصحاح والأمر لا امتناع فيه، وقد أخبر به الصادق ﵇، فليتلق بالقبول، ثم شرع يُفَنِّدُ ما ذهب إليه الزمخشري ومن قبله القاضي عبد الجبار.
تَكْذِيبُهُ لأَحَادِيثِ شَقِّ صَدْرِ النَّبِي ﷺ -:
في [ص ١٤٦] شَكَّكَ في أحاديث شق الصدر، واستعمل في ذلك أسلوبًا ساخرًا تَهَكُّمِيًا، وقارن بين عملية شق الصدر لِلْنَّبِيِّ ﷺ وعملية الصلب للمسيح عند المسيحيين - وشتان ما بينهما - بل نَصَّبَ من نفسه مدافعا عن عقيدة الصلب ... الخ ما شاء له هواه أَنْ يقول، وهو في هذا لا يخلو من أحد أمرين:
[١] إما أَنْ يكون منافقًا كشف لنا عن حقيقة إيمانه ودخيلة نفسه وخبث طويته.
[٢] وإما أَنْ يكون مُدَاهنًا مُتَمَلِّقًا يتملق جمهور المسيحيِّين ولا سيما سادته المُبَشِّرُونَ وَالمُسْتَشْرِقُونَ وكلا الأمرين ضلال وشر.
أَحَادِيثُ شَقِّ الصَّدْرِ صَحِيحَةٌ ثَابِتَةٌ:
وقصة شق الصدر ثابتة بالأحاديث الصحيحة، وقد وقع ذلك مرة في صغره وهو عند مرضعته السيدة حليمة السعدية، وَمَرَّةً أخرى عند الإسراء والمعراج وهي ثابتة في " الصحيحين "، بل قيل بحصول الشق في غير هاتين المرتين وتكرره إنما كان لتجديد استعداده ﷺ لما يلقى إليه من الوحي الفينة بعد الفينة، قال الحافظ ابن حجر في " الفتح ": «وَقَدْ اِسْتَنْكَرَ بَعْضهمْ وُقُوع شَقّ الصَّدْر لَيْلَة الْإِسْرَاء وَقَالَ: إِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ وَهُوَ صَغِير فِي بَنِي سَعْد، وَلاَ إِنْكَار فِي ذَلِكَ، فَقَدْ تَوَارَدَتْ الرِّوَايَات بِهِ. وَثَبَتَ شَقّ الصَّدْر أَيْضًا عِنْد الْبَعْثَة كَمَا أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْم فِي
стр. 106
" الدَّلائِل " وَلِكُلٍّ مِنْهَا حِكْمَةٌ، فَالأَوَّل وَقَعَ فِيهِ مِنْ الزِّيَادَة كَمَا عِنْد " مُسْلِمٍ " مِنْ حَدِيث أَنَس " فَأَخْرَجَ عَلْقَمَة فَقَالَ: هَذَا حَظّ الشَّيْطَان مِنْك " وَكَانَ هَذَا فِي زَمَن الطُّفُولِيَّة فَنَشَأَ عَلَى أَكْمَل الأَحْوَال مِنْ الْعِصْمَة مِنْ الشَّيْطَان، ثُمَّ وَقَعَ شَقّ الصَّدْر عِنْد الْبَعْث زِيَادَة فِي إِكْرَامه لِيَتَلَقَّى مَا يُوحَى إِلَيْهِ بِقَلْبٍ قَوِيّ فِي أَكْمَل الأَحْوَال مِنْ التَّطْهِير، ثُمَّ وَقَعَ شَقّ الصَّدْر عِنْد إِرَادَة الْعُرُوج إِلَى السَّمَاء لِيَتَأَهَّب لِلْمُنَاجَاةِ».
ولا أدري ما وجه المقارنة بين الشق والصلب؟ فالشق أمر حق وممكن وثابت بالأسانيد الصحيحة، والصلب أمر باطل وفيه مخالفة للعقل والنقل، وقد نفاه " القرآن " الصادق نفيًا بَاتًّا، قال تعالى: ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا، بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ (١). ولئن جاز استبعاد شق الصدر في العصور السابقة لا يجوز أَنْ يستبعد في عصورنا هذه التي تقدم فيها الطب تقدما عجيبا، حتى أصبحت العمليات تجري في القلب وفي المخ وغيرهما من الأعضاء التي هي بسبب وثيق من حياة الإنسان.
وهذا مِمَّا يقرب إلى النفوس التي دأبت على الجحود هذه المعجزة النبوية التي جرت بغير جراحة وبغير مبضع.
وبعد كل هذا التهجم والطعن بغير حق أحالنا في الاستزادة من معرفة الإسرائيليات والمسيحيات إلى كتب التفسير والحديث والتاريخ، وإلى كتب المُسْتَشْرِقِينَ أمثال جولدتسيهر وفُونْ كْرِيمِرْ وغيرهما، وبهذا استعان - المؤلف وكشف لنا عن حقيقة نفسه، وفي الحق أنه ما أوقعه في كل هذا الزلل وتلك العثرات المتلاحقة إِلاَّ متابعته لأساتذته من المُسْتَشْرِقِينَ والمُبَشِّرِينَ الذين اتخذهم له أئمة.
وغاب عليه ما يضمره هؤلاء اليهود المعاصرين السَبَئِيُّونَ من حقد وضغينة على الإسلام والمسلمين، ولم يجدوا ثغرة ينفذون منها إلى
стр. 107
أغراضهم السيئة إِلاَّ النيل من السُنَّة ومحاولة التشكيك فيها وإطفاء هذا القبس الإلهي، ويأبى الله إِلاَّ أن يتم نوره، ولو كره الكافرون.
أَبُو هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ -:
وقد عرض «أَبُو رَيَّةَ» في كتابه لترجمة الصحابي الجليل أبي هريرة ﵁ فيما يربو على خمسين صفحة، ولم يدع منقصة ولا مذمة إِلاَّ ألصقها به، وعلى أَنَّ الفصل معقود لأبي هريرة، فقد نال من غيره من الصحابة كما نال منه، وَجَرَّحَهُمْ كما جَرَّحَهُ، وَتَهَكَّمَ بجمهور أهل العلم الذين قالوا إِنَّ الصحابة كلهم عدول، وقولهم ما لا يقولون
لذلك كان لِزَامًا عَلَيَّ أَنْ أكتب بين يدي الرُدُودَ كلمة عن الصحابة - رِضْوَانُ اللهِ تَعَالَى عَلَيْهِمْ - لأضع الحق في نصابه في هذا الموضوع.
مَنْزِلَةُ الصَّحَابَةِ فِي الإِسْلاَمِ:
الصحابي في عُرْفِ العلماء وأئمة الحديث هو من لقي النَّبِي ﷺ مؤمنا به ومات على ذلك، فمن ارتد ومات على ردته بطلت صحبته، ومن تاب وعاد إلى الإسلام عادت إليه الصحبة على الأصح، وكذلك من أظهر الإسلام وأبطن الكفر من أهل النفاق بمعزل عن شرف الصُحْبَةِ، وقد تَكَفَّلَ الله ورسوله بالكشف عن نفاق هؤلاء، والجمهور من العلماء على أَنَّ الصُحْبَةَ لا يشترط فيها طول الوقت، ولا الجهاد والإنفاق في سبيل الإسلام، وبعض العلماء اشترط في الصحبة طول الملازمة والمعاشرة، وَأَنْ يكون غزا مع النَّبِي غزوة أو غزوتين، ومع أَنَّ الجمهور من العلماء على عدم اشتراط طول الصحبة أو الغزو أو الإنفاق إِلاَّ أنهم يرون أَنَّ من طالت صحبته بِالنَّبِيِّ أو سمع منه أو غزا معه أو بذل نفسه وماله في سبيل نصرته أحق بالفضل وأولى بالتقديم مِمَّنْ ليس كذلك، قال الحافظ ابن حجر في " شرح نخبة الفكر ": «لاَ خَفاءَ برُجْحانِ رُتبةِ مَن لازَمَه ﷺ ، وقاتَلَ معَهُ، أََوْ قُتِلَ تَحْتَ رَايتِهِ، عَلَى مَنْ لَمْ يُلازمْهُ،
стр. 108
أََوْ لَمْ يَحْضُرْ مَعَهُ مَشْهَدًا، وَعَلَى مَنْ كلَّمَهُ يَسيرًا، أََوْ مَاشَاهُ قَليلاً، أَو رآهُ على بُعْدٍ، أََوْ فِي حَالِِ الطُّفولةِ، وَإِِنْ كَانَ شرفُ الصُّحْبةِ حَاصِلاً للجَميعِ، وَمَنْ لَيْسَ لَهُ مِنْهُمْ سَمَاعٌ منهُ؛ فَحَدِيثُهُ مُرْسَلٌ مِنْ حَيْثُُ الرِّوايةُ، وَهُمْ مَعَ ذَلِكَ مَعْدُودُونَ فِي الصَّحَابَةِ، لِمَا نَالُوهُ مِن شرفِ [الرُّؤيةِ]» (١).
ويشير إلى هذا المعنى قول الله تعالى: ﴿لاَ يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ (٢).
عَدَالَةُ الصَّحَابَةِ:
والصحابة كلهم عدول عند جمهور العلماء من المُحَدِّثِينَ والفقهاء والأصوليين، ومعنى عدالتهم: أنهم لا يتعمدون الكذب على رسول الله ﷺ لما اتصفوا به من قوة الإيمان والتزام التقوى والمروءة وَسُمُوِّ الأخلاق والترفع عن سفاسف الأمور وليس معنى عدالتهم أنهم معصومون من المعاصي أو من السهو أو الغلط فإن ذلك لم يقل به أحد من أهل العلم، ولم يخالف في عدالتهم إِلاَّ شذاذ من المبتدعة وأهل الأهواء، لا يعتد بأقوالهم وآرائهم لعدم استنادها إلى برهان ولا يتسع المقام الآن لذكر آرائهم ومناقشتها، وبحسبنا هذا الإجمال والإيجاز في هذا المقام.
وعدالة الصحابة ثابتة معلومة بتعديل الله سبحانه لهم وإخباره عن طهارتهم وأنهم خير الأمم وأوسطها وأزكاها وأتقاها، قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ (٣) الآية، والوسط هم الخيار العدول، إذ الوسط من كل شيء خياره وأعدله، وقال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ (٤) وليس من شك في أَنَّ الخطاب في الآيتين يدخل فيه الصحابة دخولاً أوليًا، وقال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ (٥) وقال: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ
стр. 109
إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ (١) الآية، وقال: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ (٢)، إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة التي تزكيهم وتشيد بفضلهم ومآثرهم وصدق إيمانهم وإخلاصهم وسمو أخلاقهم، وأي تزكية بعد تزكية الله الذي لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء؟ ومن أصدق من الله قِيلاً؟ وأيضا فقد نَوَّهَ بعدالتهم نبينا محمد - صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلاَمُهُ عَلَيْهِ - ودعا إلى معرفة حقوقهم وإكرامهم، وعدم إيذائهم والتهجم عليهم لما لهم من الأفضال، ففي " الصحيحين " مرفوعًا: «لاَ تَسُبُّوا أَصْحَابِي، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا أَدْرَكَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلاَ نَصِيفَهُ». وقد تواتر عن النَّبِي ﷺ في " الصحيحين " وغيرهما من كتب السُنَّة المعتمدة أنه قال: «خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ»، الحديث. وروى الترمذي وابن حبان في " صحيحه " أن النَّبِي ﷺ قال: «اللَّهَ اللَّهَ فِي أَصْحَابِي، لاَ تَتَّخِذُوهُمْ غَرَضًا بَعْدِي، فَمَنْ أَحَبَّهُمْ فَبِحُبِّي أَحَبَّهُمْ، وَمَنْ أَبْغَضَهُمْ فَبِبُغْضِي أَبْغَضَهُمْ، وَمَنْ آذَاهُمْ فَقَدْ آذَانِي، وَمَنْ آذَانِي فَقَدْ آذَى اللَّهَ، وَمَنْ آذَى اللَّهَ فَيُوشِكُ أَنْ يَأْخُذَهُ».
وروى البزار في " مسنده " بسند رجاله موثقون أنَّ رسول الله ﷺ قال: «إِنَّ اللَّهَ اخْتَارَ أَصْحَابِي عَلَى الثَّقَلَيْنِ سِوَى النَّبِيِّينَ وَالْمُرْسَلِينَ». والواقع التاريخي يؤيد هذا الحديث كل التأييد، وإنما يعلم ذلك حق العلم من اطلع على تاريخ الصحابة وسيرهم، وما كانوا عليه من العلم والعمل والتقوى وطهارة الأخلاق والترفع عن الأهواء والشهوات، وقد كان كبار الصحابة ولا سيما الخلفاء الراشدون يعرفون هذا الفضل لكل صحابي، وَإِنْ لم يكن له من الصحبة إِلاَّ الرؤية ... وقد روي أنه جيء للفاروق عمر ﵁ برجل بدوي هجا الأنصار فقال لهم: «لولا أن له صحبة من رسول الله ﷺ ما أدري
стр. 110
ما نال فيها لكفيتكموه ولكن له صحبة منه» فها هو ذا عمر على صرامته في الحق قد توقف عن معاتبته، فضلاً عن معاقبته لكونه علم أنه حظى بشرف الصُحْبَةِ.
على أنه لو لم يرد من الله ورسوله فيهم شيء مِمَّا ذكرنا لأوجبت الحال التي كانوا عليها - من الهجرة وترك الأهل والمال والولد والجهاد ونصرة الإسلام وبذل المهج والأموال وقتل الآباء والأبناء في سبيل الله - القطع بتعديلهم واعتقاد نزاهتهم وأمانتهم، وأنهم كانوا أفضل من كل من جاء بعدهم. وقد عرف أئمة الإسلام كل هذا للصحابة، روى الحافظ أحمد البيهقي أَنَّ الإمام الشافعي - وهو من هو دينًا وعقلاً وعلمًا وألمعية - ذكر الصحابة في رسالته القديمة وأثنى عليهم بما هم أهله ثم قال: «وهم فوقنا في كل علم واجتهاد وورع وعقل وأمر استدرك به علم واستنبط به، وآراؤهم لنا أحمد وأولى بنا من آرائنا عندنا لأنفسنا» (١) وقال الإمام أبو زرعة الرازي: «إِذَا رَأَيْتَ الرَّجُلَ يَنْتَقِصُ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَاعْلَمْ أَنَّهُ زِنْدِيقٌ , وَذَلِكَ أَنَّ الرَّسُولَ ﷺ حَقٌّ , وَالْقُرْآنَ حَقٌّ , وَمَا جَاءَ بِهِ حَقٌّ، وَإِنَّمَا أَدَّى ذَلِكَ كُلَّهُ إِلَيْنَا الصَحَابَةُ، وَهَؤُلاَءِ - يُرِيدُ الزَّنَادِقَةَ وَأَشْبَاهَهُمْ - يُرِيدُونَ أَنْ يُجَرِّحُوا شُهُودَنَا لِيُبْطِلُوا الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ , وَالْجَرْحُ بِهِمْ أَوْلَى، وَهُمْ زَنَادِقَةٌ» وما أحكمها من كلمة ألقى بها الله سبحانه على لسان أبي زرعة ﵀، ولا يدخلن الشك إلى نفسك ما رُوِيَ من مراجعة الخليفتين أبي بكر وعمر لبعض الصحابة في بعض مروياتهم وطلبهم شاهدًا ثانيًا، ومراجعة بعض الصحابة لبعض في القليل النادر، فذلك ليس لتهمة ولا تجريح، وإنما هو أمر لزيادة اليقين والتثبت، وقد وضع الخليفتان الراشدان بهذا التحوط البالغ والتثبت المحمود المنهج السليم في التثبت في الرواية، وليس أَدَلَّ على هذا من قول عمر ﵁ لأبي موسى الأشعري وقد طلب منه أَنْ يأتي بمن يشهد معه أنه سمع ما رواه