Полный текст (92 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.
стр. 1
مالك بن نبي
مشكلات الحضارة
فكرة كمنويلث إسلامي
دار الفكر المعاصر بيروت-لبنان
دار الفكر دمشق-سورية
стр. 2
مالك بن نبي
- مفكر إسلامي بارز
- ولد فى مدينة قسنطينة بالجزائر عام ١٣٢٣هـ / ١٩٠٥م.
- درس القضاء بالمعهد الإسلامي المختلط.
- انتقل إلى باريس فنال شهادة الهندسة الكهربائية من المعهد العالي للهندسة. وهناك أصدر عددٌ من كتبه المهمة.
- أعطته ثقافته المنهجية قدرة على إبراز مشكلات العالم المتخلف بوصفها قضية حضارية، فوضع كتبه كلها تحت عنوان (مشكلات الحضارة).
- لجأ إلى القاهرة عام ١٩٥٦ فأقام بها، وأصدر فيها بعضاً من كتبه، وكان غالب ما يكتب بالفرنسية.
- عاد إلى الجزائر بعد استقلالها، فعين مديراً عاماً للتعليم العالي وأصدر فيها بقية كتبه.
- استقال من منصبه عام ١٩٦٧، ليتفرغ للعمل الفكري .. حتى توفي سنة ١٣٩٣ هـ/١٩٧٣ م.
стр. 3
مالك بن نبي
فكرة كمنويلت إسلامي
تَرْجَمَة الطَّيّب الشَّرِيفْ
دار الفكر المعاصر بيروت-لبنان
دار الفكر دمشق-سورية
стр. 4
إعادة الطبعة الثانية
١٤٣١هـ = ٢٠٠٠م
ط١: ١٩٦٠م
стр. 5
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
في عام ١٩٧١، ترك أستاذنا مالك بن نبي ﵀ في المحكمة الشرعية في طرابلس لبنان، وصية سجلت تحت رقم ٢٧٥/ ٦٧ في ١٦ ربيع الثاني ١٣٩١هـ الموفق لـ ١٠ حزيران ١٩٧١، وقد حملني فيها مسؤولية كتبه المعنوية والمادية.
وتحملاً مني لهذه الرسالة، ووفاءً لندوات سقتنا على ظمأ صافي الرؤية، رأيت تسمية ما يصدر تنفيذاً لوصية المؤلف (ندوة مالك بن نبي).
والتسمية هذه، دعوة إلى أصدقاء مالك بن نبي وقارئيه، ليواصلوا نهجاً في دراسة المشكلات، كان قد بدأه.
وهي مشروع نطرحه بوصفه لعلاقات فكرية، كان ﵀ يرغب في توثيقها.
وإنني لأرجو من أصدقاء مالك وقارئيه، مساعدتنا على حفظ حقوق المؤلف في كل ما ينشر بالعربية، أو الفرنسية مترجماً من قبل المترجمين، أو غير مترجم. فقد حملني ﵀ مسؤولية حفظ هذه الحقوق، والإذن بنشر كتبه. فإن وجدت طبعات لم تذكر فيها إشارة إلى إذن صادر من قبلنا، فهذه طبعات غير مشروعة، ونرجو إبلاغنا عنها.
طرابلس لبنان
١٨ ربيع الأول ١٣٩٩
١٥ شباط (فبراير) ١٩٧٩
عمَر مسْقاوي
стр. 6
مقدمة
فكرة كمنويلث إسلامي
كان مفكرنا الأستاذ مالك بن نبي قد وضع الخطوط العامة لمشروع فكرته في نهاية الخمسينات. وقد أعطاني المشروع حينما كنت طالباً في القاهرة لأطبعه على الآلة الكاتبة. وحينما راجع الطباعة صحح بخطه كلمة (الكمنويلث) ولم أكن أدري أن هذا الصنيع سيعطي بعد ثلاثين عاماً لهذه الوثيقة قيمة تاريخية، باعتبارها أثراً من آثار هذا المفكر الكبير.
لذا وفي معرض إعادة طبع كتاب (فكرة كملنويلث إسلامي) أرى من الملائم أن ننشر الخطوط العريضة التي كان قد وضعها لمؤلفه، وأن أضيف إلى هذه الوثيقة وثيقة أخرى أعتز بها كثيراً، هي كلمة الإهداء التي وجهها إلي إثر صدور الطبعة الأولى من هذا الكتاب، والتي ننشرها بخط المرحوم مالك بن نبي. فعسى أن يكون مالك بن نبي قد أجيبت دعوته بما نقوم به من الإشراف على طبع مؤلفاته، وعسانا أن نكون قد بلغنا الأمانة ما استطعنا إلى ذلك سبيلاً.
وكتاب (فكرة كمنويلث إسلامي) يستمد مسوغاته من الخريطة السياسية والحضارية التي نشرت رقعتها على الكرة الأرضية حيث تركزت القوة في محور واشنطن- موسكو واستتبع ذلك وحدات جغرافية سياسية كمنطقة حلف الأطلنطي والمنطقة السوفياتية ومنطقة الصين الشعبية ومنطقة الوحدة الهندية.
وقد بدا العالم الإسلامي في إطار الجغرافيا السياسية في نهاية الخمسينات خارج الألوان التي تميز كل وحدة عن سواها على خريطة العالم. وقد لاحظ
стр. 7
بن نبي أن المسلم المنتمي إلى رقعته الجغرافية يستبطن هامشيته على خريطة العالم وهذا يدفعه إلى أحد احتمالين:
فإما أنه يقوم بثورة تستجيب للعوامل النفسية والاجتماعية الخاصة به.
وإما أنه يستجيب لثورة تأتيه من الخارج في غياب قيادة حكيمة ترسم له خطة سيره.
كانت هذه أفكاراً ورؤى، تشغل فكر مالك بن نبي ذلك الزمن، وهو يتطلع إلى سير التطورات الثورية والشعارات التي تنوش فكر النخبة والجيل الصاعد، فتوزعه بدداً إلى تيارات تضج بها نهاية الخمسينات، وتُوَرِّثُ الانقسامات الحادة والتناقضات على سطح المجتمع الواحد، وتركس الإرادة عن خطى الغد.
لذا كان كتابه هذا إشارات في ضباب ذلك الزمن، تضيء سبل التطلع إلى غدٍ بانت معالمه اليوم، حين يعاد رسم الخريطة السياسية للشرق والغرب. فتبرز وحدة أوروبا كحقيقة ترتد إلى عمق أصولها وترأب صدع (البيت الأوروبي) على حد تعبير غورباتشوف.
هكذا يصحو العالم الإسلامي، الذي قسمته الثورات المستوردة، على حقيقة واقعه: إنه مطرود من المعسكر الاشتراكي في ظل (البروستريكا)، ومنهوب من المعسكر الرأسمالي، خالي الوفاض رسالةً وثروةً بل تربك خطاه النزاعات الطائفية والعرقية والمذهبية. وتتخذ الأصولية سبلاً لها في ضباب جديد تنثره في أجوائنا رياح العصر الإسرائيلي لتعثر به الأقدام، حين تشتد الانقسامات مرة جديدة على سطح المجتمع.
فإذا كنا اليوم نطوي صفحة يمين الأمس ويساره، فها نحن نعيد سيرتنا في الدوران حول أنفسنا، حين نفتح صفحة الأصولية المتشددة الرافضة، والاعتدال
стр. 8
المتسربل بحتميات الواقع، بينما المشروع الإسرائيلي يستكمل طريقه برؤية تزن الخطى وتحكم وسائلها.
مالك بن نبي في (فكرة كمنويلث إسلامي) يرسم إطاراً لمشروع يمنح العالم الإسلامي موقعاً له في خريطة العالم المعاصر، يستمد رسالته من وسطية عقيدته كشاهد على الناس جميعاً.
ومن الطبيعي أن الشهادة وعي وإدراك لدقائق مسيرة العالم الحديث. وهي فوق ذلك قدوة في السلوك والمبادرات والحضور المؤثر في هذه المسيرة.
فالمجتمع المتخلف عن الحضارة وخطى الغد لا تقبل له شهادة أبداً. وهو كالفرد المنحرف والمتخلف عن مسيرة السلوك الاجتماعي تسقط شهادته في ميزان العدالة.
تلك قضية الحضارة ومشكلتها التي يطرح لها مالك بن نبي إطارها الجغرافي في (فكرة كمنويلث إسلامي) وهو كان قد حدد إطارها الفكري في مختلف كتبه.
وهذا الكتاب الذي نصدره اليوم سوف يجد له في كتابات مالك بن نبي اللاحقة، عبر الستينات وحتى وفاته، توضيحاً أكبر لمداه خصوصاً في كتاب (المسلم في عالم الاقتصاد) وكتاب (مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي).
والتطورات التي نشهدها اليوم في عالمنا المعاصر سوف ترفد القارئ بفهم أعمق لفكرة ابن نبي التي عرضها في نهاية الخمسينات واستمدت مسوغاتها من تلك الحقبة.
عمر مسقاوي
دمشق ٤ شباط ١٩٩٠ م
стр. 9
ـ[لوحة: فكرة كمنويلث إسلامي]ـ
стр. 10
ـ[لوحة: رسم دراسة لفكرة كمنويلث إسلامي]ـ
стр. 11
الخطوط العامة للكتاب
فكرة ((الكمنويلث)) الإسلامي
١ - المبررات الجغرافية السياسية:
أ - هناك ناحية جديدة أصبح يتسم بها العالم في الوقت الحاضر: فتحت تأثير العامل ((الفني)) الذي أدى إلى تركيز ((القوى)) في محور واشنطن- موسكو ظهرت مناطق متسعة مخططة تمثل وحدات جغرافية سياسية تركزت في كل منها القوى، وأصجت على وشك التركيز مثل المنطقة الأطلنطية (الخاضعة لتخطيط مارشال). والمنطقة السوفياتية، ومنطقة الصين الشعبية، ومنطقة الوحدة الهندية.
ب - وفي غمار هذا العالم المخطط يشعر الرجل المسلم بعدم جدواه. وبأن أحداث التاريخ تسجل دون أن يكون له دخل فيها (كعضو في منطقة جغرافية سياسية غير مخطّطة) يرى أن تطور العالم قد سبقه.
٢ - مبررات سيكولوجية:
أ - وبما أنه يستبطن هذه المعطيات يصبح المسلم يفكر بمقتضاها بمصير العالم الإسلامي فتراه يحمل بين جنباته بذور ثورة.
ومن ثم يجد نفسه أمام احتمالين:
١ - هل بوسع العالم الإسلامي أن يقوم بثورة طبقاً لتطورات معينة؟ أي طبعة تخطيط يراعى فيه العوامل النفسية والاجتماعية الخاصة به.
٢ - أم في حالة عدم وجود قيادة حكيمة ترسم له خطته يرى العالم الإسلامي نفسه مندفعاً (بضرورة انسجامه في التطور العالمي الذي لا زالت سرعته تتزايد) إلى ثورة تأتيه من الخارج أي ثورة لن يكون في مقدوره التحكم فيها.
стр. 12
ب - ومن هنا فإن ضرورة تكتل العالم الإسلامي تبدو أول ما تبدو كضرورة نفسية أي كوسيلة تخفف من تهويل القضية في الضمير الإسلامي وبالتالي وسيلة فعالة للحد من بعض النزعات المفرقة التي يمكنها دفع العالم الإسلامي إلى ثورة تأتيه من الخارج.
٣ - مبررات فنية:
ولكن ما نكاد أن نحاول مواجهة التخطيط من الناحية الفنية حتى نجد موضوع التخطيط نفسه كأنه انعدم، لأننا نحاول التخطيط لعالم إسلامي، فنجد أنفسنا أمام عوالم إسلامية.
الخلاصة:
فيترتب إذن على ما سبق شيآن:
أ - ضرورة التخطيط للعالم الإسلامي.
ب - ولكن لا يمكن هذا التخطيط إلا عن قاعدة اتحادية بعيدة عن فكرة (الإسلامستان) التي ينادي بها قادة الباكستان أحياناً، ولا يمكن وضعها موضع التنفيذ إلا إذا كانت في صورة كمنويلثية.
стр. 13
رسم دراسة لفكرة كمنويلث إسلامي
ملاحظة:
إذا تعرضا لفكرة كمنويلت إسلامي باعتبارها موضوع بحث يرمي إلى تخطيط وحدة جغرافية سياسية معينة أو إلى مجرد معرفة نظرية للوقوف على معلومات أوسع بشأن هذه الوحدة يوجب أن يتضمن هذا البحث بعض الحقائق الأساسية والمقتضيات المنطقية التي تميز موضوع البحث وتبرر الحل الذي يراد إيجاده.
١ - حقائق أساسية:
أ - لقد احتفظ العالم الإسلامي في المرحلة التي يجتازها الآن بوحدته الروحية التي تعد له عاملاً جامعاً أساسياً ومبدأ موحداً يجب أن يطبق، في أي محاولة لتخطيطه تطبيقاً يناسب تجانس المشروع من الناحية السيكولوجية وتناسق عناصره من الناحية الفنية.
ب - لكن بجانب وحدته الروحية يبدو العالم الإسلامي في مرحلته الحاضرة متعدد الجوانب كأنه ليس عالماً واحداً بل عوالماً:
١ - العالم الإسلامي الزنجي أو الإفريقي.
٢ - العالم الإسلامي العربي.
٣ - العالم الإسلامي الإيراني (فرس، أفغان، باكستان).
٤ - العالم الإسلامي الملايو (أندونسيا، ملايو).
٥ - العالم الإسلامي الأصفر.
стр. 14
جـ - ونظرا لوحدته من ناحية وتعدده من ناحية أخرى يبدو أن العالم الإسلامي أصبح في مرحلة ينسجم فيها جانبه الروحي ويتشعب جانبه الدنيوي حتى أننا في هذه الظروف لو تعرضنا لمشكلة الخلافة مثلاً- لما كان في وسعنا أن نتغافل عن لزوم تحديد قانوني جديد لمعنى الإمامة في الإسلام.
٢ - المقتضيات المنطبقة:
أ - لكي ينتظم الكمنويلث الإسلامي طبقاً لأوضاعه الخاصة ولانسجامه مع تطور العالم المخطط، يجب أن يخطط ككتلة للعوالم الإسلامية يرأسها المؤتمر الإسلامي كجهاز ((فدرالي)).
ب - ودستور الاتحاد يجب أن يقوم على دراسة جديدة للإمامة مع استخدام الرابطة الاقتصادية حيثما وجدت بطبيعتها مثلاً بين مصر والسودان والرابطة القومية مثلاً في البلاد العربية.
جـ - تحديد مهمة الكمنويلث الإسلامي في العالم.
стр. 15
ـ[لوحة: غلاف الطبعة الأولى]ـ
стр. 16
مدخل
في هذه الصفحات التي نتناول فيها موضوع: (كملنويلث إسلامي) ( Commonwealth islamique) ليس للقارئ أن ينتظر وجود حل جاهز، بينما المشكلة التي تستدعي حلاًّ كهذا، ما تزال هي نفسها لم توضع بعد تماماً. وسوف يتاح للقارئ- خلال تتبعه لنا- أن يعرف البعض من أسباب هذه الثغرة. ولكن ينبغي علينا منذ الآن، أن نحدد الحدود المفروضة التي نستطيع تناول الموضوع في نطاقها، فالعالم الإسلامي، وهو في المرحلة الراهنة من تطوره، ليس مجهزاً لهذا النوع من العمل؛ فتجهيزه في هذا النطاق ليس كافياً، لأسباب عديدة: منها ما هو ذو صبغة نفسية، ومنها ما هو ذو صبغة مادية. وسنعود لتناول هذه المسألة التي تمثل مظهراً من المظاهر الأساسية فيما ندعوه بـ (اللافعالية)، التي أشرنا إليها في مناسبات شتى، والتي نرجئ تحليلها إلى ما بعد.
ومهما يكن من شيء، فموضوعنا لا يتطلب عملاً إدارياً، أو مجرد مقايسة نظرية ( Spéculation)، ولكنه يستدعي عملاً دقيقاً، على مجال القضية نفسها، وتحقيقاً مُعَمَّقاً على صعيد العالم الإسلامي؛ مضافاً إلى ذلك أن تحقيقاً من هذا النوع، لا يمكن أن يقوم به فرد منعزل، لأنه من مهام هيئة مشتركة من الأخصائيين، الذين يتقاسمون فيما بينهم المظاهر والقطاعات المختلفة لهذه المهمة، كل في دائرة اختصاصه، بنفس الطريقة التي سارت على منوالها هيئات العلماء الذين تقاسموا أعمال السنة الجغرافية- الطبيعية ( Géo-physique) الجارية على مساحة الكرة الأرضية لدراسة خصائصها. وهذا يعني أن دراستنا يجب أن تتناول
стр. 17
تحت إشراف (مركز للبحوث) لَمَّا يوجد بعد في العالم الإسلامي، حيث المنشآت التي تستطيع أن تقم بهذا الدور لا تعدو أحد أمرين:
إما أن تكون قد شاخت وهرمت، كما هو الحال في يومنا هذا بالنسبة إلى الهيئات التي سبق أن لعبت دوراً هاماً في الحياة العقلية للعالم الإسلامي، وإما أنها لا تزال حديثة وشابة، ومن ثَمَّ فهي لم تتكيف بعد مع عمل علميّ واسع النطاق.
صحيح أن جهوداً قيمة تبذل في مصر، بقصد التكيف مع ضرورات البحث، في مجالات عدة، ولكن العالم الإسلامي بصفة عامة يجتاز فترة تحول و (حَمْلٍ)؛ فبعض الأشياء قد أصبح ميتاً، ولم يعد صالحاً للاستعمال، وبعضها الآخر لما يولد بعد. ومن هنا نجمت فترة من (اللاتكيف)، يتعين على المنشآت والأفراد؛ الأشياء والأفكار، أن تجتازها جميعها بالضرورة، لكي تتكيف مع عالم جديد، لما تزل مقاييسه بعيدة عن متناولنا حتى الآن. إنها فترة ذات صبغة طفولية يمكن أن يعوِّق فيها فعل الإنسان المسلم وفكره، من جرات مركبات معينة، خاصة بوشطه. وفيما عدا ذلك، فالمسلم- لكي يتفوّق على بعض مركبات نقصه بإزاء عالم راضخ للتصميم، وللمنهج (التيلوري)؛ المنهج الذي يعمد إلى تنظيم العمل بشكل مُنَمٍّ لحصوله، حيث يستشعر نفسه، بطريقة غامضة، أنه غير متكيف مع هذا العالم- قد اتخذ بالنسبة له، وبسهولة مرموقة، بعض الدعاوى التي تترجم عموماً عن حقائق معينة. ونحن عندما نواصل تحليل الأشياء أبعد من ذلك، نلاحظ التأثير التنويميّ لهذه الدعاوى التي تخدر وعينا، في نوع من الانقياد المترفع بإزاء العالم الراضخ للتصميم ... فنحن على سبيل المثال، نتقبل على حق ما هو متعارَف من أن المادة تحظى في العالم المخطط، بمرتبة القيمة العليا، وأحسب أننا متفقون على هذه النقطة؛ ولكن لنواصل أبعد من ذلك: فالحق أننا نرى المجتمع الإسلامي الراهن- كما سلف أن أشرت إلى ذلك منذ عشر
стр. 18
سنوات، في كتابي (وجهة العالم الإسلامي) - يتخذ بالنسبة إلى المادة موقفاً غريباً:
فالواقع أن المادة قد واكبت تياراً. فكرياً مزدوجاً، ففي العالم الراضخ للتصيم، وللمنهج التيلوري، توجد نزعة مادية رأسمالية أو (بورجوازية) نوعياً، ونزعة مادية ماركسية أو (بروليتارية) نوعياً كذلك. فالنزعة الأولى تلتقي في الغرب، مع رفاهية طبقة مالكة لمصالحها وأذواقها وأشيائها. والنزعة الثانية، تمثل مذهب نضال طبقة كادحة، وتلتقي مع أصول هذا النضال، وتصوراته وأفكاره. وإذا بالعالم الإسلامي، الذي يريد الانفلات من أسر المادة - متخذاً من وجهة نظرية نفس التحفظ بالنسبة إلى كل من النزوعين اللذين تواكبهما- يسقط لا شعورياً في النزغة الأولى، ذلك أنه في الحقيقة منحصر التعلق - في المرحلة الراهنة من تطوره- (بالأشياء) لا (بالأفكار). ونحن نستطيع أن نفهم هذا الميل، على ضوء السيكولوجية الصبيانية: فالطفل لا يرى في العالم أفكاراً، ولكنه يرى أشياء؛ فكومة من قطع الحلوى، أثمن لديه بكثير من كومة من الجواهر! .. وكل المجتمعات البشرية تمر بهذه المرحلة من الصبيانية؛ وليس لغير ما سبب، أن يكون (لينين) قد كرَّس أحد كتبه (لأمراض الماركسية الصبيانية). غير أن هذا النزوع الفكري قد واكب، في العالم الإسلامي، استمراء السهولة. وإنه لمن المؤكد، أن شراء سيارة (كدلاك) أو ثلاجة، أسهل بكثير من الحصول على (الأفكار) الضرورية لصنعهما. ومن ثَمَّ نصل إلى هذا التقرير المتميز، المُتَمَثِّل في أن المادة التي كان من نتائجها في العالم المصمِّم التنمية من كمية (الأفكار)، كان من نتائجها العكسية في العالم الإسلامي، مضاعفة (الأشياء) فحسب .. ولا أحب أن أدفع بهذا التحليل الذي نجازف معه بالخروج عن الإطار الضيق المرصود لهذا المدخل، إلى أبعد من ذلك؛ مع أننا لو واصلنا أشواطاً أخرى، لعثرنا على تقريرات غير منتظرة. إلا أن هناك خلاصة لها أهميتها
стр. 19
بالنسبة إلى موضوعنا وهي: أن (الفكرة) ليس لها فعاليتها الكافية في العالم الإسلامي، أو هي لا تلعب دورها فيه. ولا ريب في أن فحص كل العوامل التي كان لها مفعول ما، في هذا القصور، سيكون ذا أهية بالغة. ولكن المؤكد، أن أحد مظاهر هذا القصور، هو ما نلاحظه في التطور الراهن للعالم الإسلامي، من تخلف بالنسبة إلى التطور العام. وإن هذا المظهر بالذات، لهو الذي تتضمنه بصفة خاصة، دراستنا هذه، لأنه يتصل بكل العوامل النفسية- الزمنية، التي تبرر فكرة (الكمنويلث).
стр. 20
القسم الأول:
مشروع دراسة شاملة
стр. 21
أ - تأريخ الفكرة:
١ - المحيط الجديد:
إن الحاج المسلم- الذي تضعه (الحافلة)، أثناء وقفة من وقفاتها، في إحدى المحطات، تحت صوامع حي الأزهر، التي طاما اختلطت بأحلامه كإنسان ذي عقيدة- يغتنم فرصة نزوله غالباً، لزيارة القاهرة. وبقدر ما يمكث داخل الدائرة التي حافظت فيها الحياة على طابعها التقليدي في قليل أو كثير- في حي (الموسكي) وما يجاوره على سبيل المثال- تحتفظ ارتساماته بلونها العادي، مع مرتفعات ومنخفضات يتلقاها انفعاله، من حب استطلاع طبيعي لديه. إنه يوجد في محيط توقظ فيه كل خطوة يخطوها، ذكرى تركتها في وعيه، حكايات أجيال الحجيج السابقة له من أسرته. فهو المحيط الذي ترعرت فيه طفولته بأحلامها الملونة، وتكونت فيه شخصيته كذلك؛ إن له روابط لا مرئية، ووشائج من القرابة الخفية، مع هذا العالم من الصوامع، والتوابيت المطعَّمة بالعاج، والأخشاب الثمينة؛ حيث لا يقاس الزمن بغير الفواصل بين الصلوات، أو بمواعيد الوجبات الغذائية الثلاث! .. فآلاف الأشياء الصغيرة، المعروضة على جنبات الدكاكين، وهذه الأشباح المارة من السكك الصغيرة، وتلك الجماعات التي تتجاذب الأحاديث أمام المقاهي الشعبية المنبثة كما اتفق في أي زاوية أو ركن، وهذا الظل الظليل حول المساجد التي ينتظر المتسوّلون أمام أبوابها إحسان المحسنين، مرددين أدعيتهم وصلواتهم الخالدة! .. وكذلك المرأة التي تدفع - لا شعورياً- بطرفٍ من برقعها فوق رأسها ... كل هؤلاء يتكلمون مع هذا الحاج لغة مألوفة. إنه عالم يعرفه حق المعرفة، لأنه يحمل صورته في أفكاره الحميمة، في أحاسيسه وردود أفعاله. وهو العالم الذي فُصِّلَ على مقاسه، فوضع في
стр. 22
ذاته صورته الحميمة، وأمده بالمعايير الأساسية للحكم على الأفراد والأشياء، وانطبع على مصيره .. ومن جراء هذه الاعتبارات ذاتها، فهو لا يمثل بالنسبة إليه أيَّ إلْغازٍ، ولا يضع أمامه أيَّ معضل يضايقه. فهذا الحاج المسلم، لا يكاد ينتبه إلى الطوابير التي تجمع أطلال هذا العالم، وتحملها بعيداً، لتهيئ مكاناً لطرقات جديدة، وحركة مرور أخرى، ولإيقاع حياتيّ جديد كذلك.
ولكنه إذا ما اقتادته الصدفة في نفس صبيحة هذا اليوم، خارج دائرة حي الأزهر، ودفعت به خطاه إلى المدينة الحديثة .. اختلفت انطباعاته شيئاً فشيئاً - وبطريقة غير محسوسة- باختلاف الزخرف الجديد. إنه في محيط آخر، قد رأته عيناه في أمكنة أخرى، ولكن وعيه لما يتمثله بعد. فرجلاه تنضويان تقدُّمياً، في عالم يتبدَّى له منه: أن قلبه وفكره ووعيه، لما تصل إليه بعد كلية. ويستشعر ارتساماته، ومشاعره وأفكاره، تتبدل في لونها. فهو في عالم من الأشياء، والأشباح، والمظاهر، التي تراها باصرتاه، ولا تعتدها بصيرته بعد تماماً. إنه المحيط الجديد، الذي يُؤَطِّرُ حياته، ولكن (أناهُ) لم تتقبله بعد في (إنَّيَّتِهِ) أو ذاتيته، ولا تمثلت بنوده، ومواضعاته، ولا عرفت مقاييسه ومعاييره؛ وإن لغته لتبدو له غريبة كذلك، فالمرأة المرتدية (للشوال)، يذكره رداؤها عرضاً بغرابته، فهو يحس بطريقة غامضة، أن بينه وبين هذا العالم، تخلُّفاً وانقطاعاً معيَّنين، من غير أن يعرف بالضبط، كيف يحدد سببهما الحقيقي. فهذه الجولة الصباحية أو المسائية في أحياء القاهرة، تلخص على نحو من الأنحاء، بالنسبة إلى الحاج المسلم، تاريخه الاجتماعي الخاص. فقد ولد في عالم أخذت عربات النقل تحمل منه آخر بقاياه! ..
وإذا ما اقتادته جولته إلى (ميدان التحرير)، فإن حب استطلاعه سيستوقفه أمام بناية (المجمَّع)، التي تهيمن كل الميدان بأدوارها الثلاثة عشر. ثم ينزلق بصره نحو المسجد الصغير، الذي يبرز بشبحه الأنيق، محاذياً لكتلة البناية
стр. 23
الإدارية الضخمة فيَبْدَهُ نظرَه التباين البَيِّن بين العمارتين؛ إذ يتعين توافر عشرين مكعباً في حجم ذلك المسجد تقريباً، لكي تضارع حجم بناية (المجمَّع)! .. وإذن فهناك انقلاب واضح في سُلَّم الأشياء؛ إذ أن الحاج، قد ولد في عالم تقاس فيه الأطوال، على مستوى المساجد- كمسجد (ابن طولون) أو (الجامع الأزهر) - وهو يحيا الآن في عالم، تقاس فيه الأطوال على مستوى بناية إدارية .. وهذا الانقلاب، يمثل عَرَضاً من أعراض تطور العالم الإسلامي، منذ نصف قرن، ويعني أن سُلَّمَ الأشياء عندنا قد تبدل. ولكننا. يجب أن نضع الإنسان المسلم هو الآخر، في هذا المستوى نفسه- (المسلم المقود كإنسان بضرورات اجتماعية، والمدفوع كإنسان عقيدي برغائب أخلاقية معينة) - لنفهم ما يَعْتَمِلُ في داخله؛ ويمر بوعيه ...
٢ - أوَّلية المعيار الاجتماعي:
إن الإنسان المسلم لما يعرف بعد تماماً، عالم الضرورات، لأنه لم يصنعه بنفسه. إنه عالم مستورد، تدخل في حياته بفعل تقلُّبات تاريخه الخاص. لقد كان لا يزال نائماً، عندما وجد نفسه منْضَوياً فيه، حوالي منتصف القرن التاسع عشر، عندما فرضته النزعة الاستعمارية عليه وعلى نشاطاته، وعلى أذواقه أيضاً، بالتدريج. فهو يستطيع المعارضة في طابعه الخاص، لأنه في باطن الأمر، عندما يفحص تلك الضرورات عن كثب، لا تبدو لعينيه جد ضرورية. فأي ضرورة يا ما ترى في رقص (الروك آندرول Rock and roll) أو في ارتداء (الشوال) ... ؟ ولكن عالم الضرورات- الحقيقية أو المزيفة- يبلغ حداً من التعقيد، لا يبدو من السهل إزاءه عملياً، أن نقيم على عتبة كل (مَوْئِل) مصفاةً لا تسمح بالعبور لغير الضرورات الحقيقية. فهذا النوع من التكرير أو التصفية يمكن أن يحدث لا على عتبة كل أسرة بمفردها، ولكن على عتبة المجتمع نفسه. وهذا هو الذي لم يحدث بالفعل كما هي الحال بالنسبة إلى رب الأسرة الذي يريد
стр. 24
توجيه تربية أطفاله وحياتهم إذ يجد نفسه محمولاً على إعداد حساب معين للضرورات الزائفة ... هكذا غزت الحياة الإسلامية- بدون تصفية أو بنصف تصفية- أشياءُ عديدة ليست ضرورية مطلقاً، ظلَّت تقلب التقاليد والأفكار والرغائب التي كانت تحرك تلك الحياة حتى يومنا هذا ...
ونحن ندرك أن الوعي الإسلامي، قد- أصبح ممزقاً منذئذ، بإن الرغبة في استدراك تأخر يعرف شدة وقعه في المجال السياسي- ونعني به التأخر الذي حاق به على الصعيد الاجتماعي- وبين الرغبة في إنقاذ تراث أخلاقي يعرف مدى قيته. وإذا كان يمكن لهذا التوق المزدوج أن يجد- في شكل من أشكال التطور الموجه- تعبيره في صورة تركيب يتم فيه التوفيق بين الحدود المتضاربة والمتنافرة، فإنه على العكس من ذلك تماماً قد أنتج تناقضاً صريحاً في التطور الحقيقي المتَّبَع من طرف البلاد الإسلامية منذ نصفه قرن. فقد مُزَّق وعي الإنسان المسلم في يومنا هذا من جراء التناقض، لأن هذا الإنسان لم يعرف كيف يندمج في عالم زمني هو مرغم على الحياة فيه، وإن كان لم يتمثل بعد معاييره. وهذا حدث من أحداث تطور (إعوازيّ entropique) كان قد زاد من حجم الأشياء أكثر مما زاد في حجم الأفكار ... وقد ترتب على ذلك في الفكر الإسلامي. (تقاطب polarisation) مزدوج، شطر حياته النفسية إلى عالمين منفصلين: فالمسلم يعيش في عالم غريب له منه (أشياؤه) وليس- (أفكاره)؛ وتلك خاصية النفسية الصبيانية، عندما يبدأ الطفل بوضع يده على الأشياء من غير استعداد لفهمها، فإذا بنا نراه أحياناً يمد يده إلى القمر جاداً في طلابه ولكن من غير طائل بطبيعة الحال! فهذه الحركة. تبدو لنا جذابة، لدى الطفل الذي تضحكنا منه هذه البادرة الدالة على براءته، عندما يندفع في أول تجاربه، لالتقاط. عود ثقاب مثلاً، أشْعِل بغية إثارة حبوره .. ولكننا ندرك كم يكون مثل هذه الحركة فاجعاً، في مجتمع مندفع وراء (الأشياء)، وكم يمكن أن تكون حروق هذا المجتمع نفسه شديدة الإيلام!.
стр. 25
٣ - التقليد و (التمثُّل assimilation):
إن الذي يحصل بالفعل، هو أن المجتمع الإسلامي، يقوم بتجربة مؤلمة، منذ نصف قرن، وإذا أردنا الدقة قلنا منذ منتصف القرن التاسع عشر. فهذا المجتمع قد انضوى- منذ أن استيقظ على ضربات النزعة الاستعمارية، وعلى نداء رجال من أمثال جمال الدين الأفغاني والشيخ محمد عبده- في حركة (النهضة)؛ وقد تعورف على تسمية هذه المرحلة بالنهضة- وهي المرحلة التي تبدأ منذ اليقظة الأولى لهذا المجتمع حوالي سنة ١٨٥٨، وتستمر حتى وضعه الراهن- ولكننا إذا ماحللنا هذه المرحلة لإبراز خصائص الفكر الإسلامي، طوال هذا القرن من تطوره، نجدها تنقسم إلى ثلاثة عصور متميزة:
أ - عصر النوم الذي استمر قروناً عديدة.
ب - وعصر الانتباه أو استرداد الوعي.
بر- وعصر الفوضى والذبذبة الراهنة.
وهذه العصور الثلاثة تتطابق بدقة، مع الأطوار الثلاثة لتجربة الطفل:
أ - الطور الأمومي: حيث لا يكون لدى الرضيع المتشبث بثدي أمه أيُّ مفهوم لعالم الأشياء.
ب - والطور (قبل الاجتماعي) حيث يبدأ الطفل في الدخول إلى عالم الأشياء، وإن كان لا يزال يجهل كل شيء عن عالم الأفكار.
جـ - والطور الاجتماعي (المدرسي وما بعد المدرسي) حيث يحاول الطفل أن يقيم في داخله الصلة بين عالم الأشياء وعالم الأفكار.
ولو حاول موجهو العالم الإسلامي تأمل هذا التخطيط البسيط، لتفهموا بكل تأكيد، وبطريقة أفضل، الآليةَ النفسية المهيمنة على تجربة الجيل الإسلامي
стр. 26
الراهن، والصعوبات التي يتعين على هذا الجيل التفوُّق عليها، وكذلك المشاكل الناتجة عن هذه الصعوبات في المجال السياسي والاجتماعي.
ومهما يكن من شيء فنحن إذا طبقنا كل دراستنا التخطيط المتعلق بنفسية الطفل، علمنا أن الطفل يجتاز مرحلة من التقليد يسلك أثناءها سلوك كبار الأشخاص، أمثال أمه وأبيه والكبار من إخوته، من غير أن يفهمهم. إنه يقلدهم وكفى. فهو يقلدهم أولاً في اللغة، وبتقليده للأصوات التي لا يفهمها، يتعلم الحديث. ولكن لنفرض أنه لسبب ما قد واصل تقليد هذه الأصوات حتى سن الثامنة والعاشرة ... إننا نرى في هذا بالتأكيد حالة شاذة؛ أعني على وجه الدقة حالة مرضية يكون لأهل الطفل إزاءها الحق ولا شك في التحير، واللجوء إلى أحد الأخصائيين. وهناك ملاحظة أخرى يجب مراعاتها أيضا في نفسية الطفل قبل تطبيقها على المجتمع الإسلامي: فالأهل يعرفون جيداً، وبدقة كافية من جراء ظاهرة التقليد نفسها، خطرَ القدوة أو المثال السيء بالنسبة. إلى طفلهم، ولذلك نراهم يعدّون لهذا الأخير رقابة معينة في المنزل والمدرسة والشارع، لأنهم لا يرون من الضروري ولا من المفيد، أن يقوم الطفل بكل تجربة يقع عليها بصره .. فهناك حتى التجارب المؤذية التي يمكنها أن تعطل لديه كل تقدم أخلاقي وعقلي. ولهذا السبب عينه ولا شك أخذ التحليل النفسي منذ (فرويد Freud) يبحث، في حالة شذوذ البالغ، عن الأسباب المرضية في التجارب البعيدة لهذا البالغ نفسه، عندما كان طفلاً ..
والآن فلننتقل بهذه الملاحظة المزدوجة- المتعلقة بالطفل المتأخر في تكوينه اللغوي، والبالغ الذي اختل سلوكه، من جراء تجربة بعيدة، لننتقل بها إلى موضوعنا لكي نتفهم ماهية المشاكل التي تعترض المجتمع الإسلامي حالياً. ولكي يزداد تفهمنا لمدى الاعتبار الأول، المنصَبِّ على نزعة التقليد، لنحاول تأمله على ضوء مثال محسوس، يضفي على ذلك الاعتبار كل دلالته الاجتماعية. لقد أرخنا
стр. 27
طفولة العالم الإسلامي الراهن، بسنة ١٨٥٨، بغية تتبع تطورها بمدى معين من الدقة. ولنأخذ تاريخاً آخر، وليكن سنة ١٨٦٨، التي تسجل ميلاد مجتمع آخر: هو المجتمع الياباني الحديث. ها نحن إذن، وبفارق عشر سنوات تقريباً- وهو فارق غير معدود، أو لا يعتد به كثيراً، في حياة المجتمعات البشرية- أمام ظاهرتين معاصرتين لطفلين توأمين. ولكن العجيب أن نلاحظ، بأيِّ مدى من السرعة، استطاع الطفل الياباني، اجتياز الطور الذي أطلقنا عليه اسم (الطور ما قبل الاجتماعي) في نفسية الطفل. فهو قد قلد (الكبار) كسائر الأطفال، لكي يتعلم أول الأمر إنشاء الألفاظ، ولقد قلد أوروبا في هذا المجال بطبيعة الحال، فاشترى له (الأشياء) من غير ما فهم (للأفكار) التي تمثلها. ومع ذلك، فالعجيب حقاً، هو تلك السرعة التي تعوَّد بها هذا الطفل، على لغة الكبار من الأشخاص، حتى لقد اعْتُرِفَ له سنة ١٩٠٥، بأنه قد أصبح يجيد الكلام بإطلاق المدافع في موقعة (ميناء أرثير Port Arthur)، وهي لغة سيئة بالتأكيد، ولكننا ندرس هنا حالة اجتماعية، وليس حالة أخلاقية! .. وهذه الحالة تبلور لنا حالتنا نحن، بصورة مميزة؛ إذ أننا، وحتى بعد مرور قرن من الزمان، لما نتعود بعد، على لغة كبار الأشخاص؛ فاليابان قد تمثلت (الأفكار)، بينما المجتمع الإسلامي لا يزال يشتري (الأشياء)!.
٤ - فوضى (الأشياء) و (الأفكار):
على أن هذا المجتمع ليس منغلقاً على ذاته: فهو يكون جزءاً من مجتمع عالمي (فوق صياغي Supertechnique)، يبيعه (الأشياء)، ويفرض عليه في الوقت نفسه مقاييسه، ويرغمه على إعداد اعتبار لمعاييره، وعلى تمثل ((أفكاره)) حسنها ورديئها. ولقد كان تطوره منذ نصف القرن، مشروطاً بهذه الرابطة المادية الصرف، والحتمية كذلك. ولقد ردّ المجتمع الإسلامي على مفعول هذه الرابطة، باعتبارها إلزاماً في الحقل الاقتصادي، و (فوق الإلزام) في المجال الفكري،
стр. 28
فكان رده هذا، لكي يتمكن من تحمل الثقل الساحق، لكومات (الأشياء) التي أدلخها في حياته، ولكي يستوعب الضغط الضخم (للأفكار) التي تهدد شخصيته وبقاءه: بالإلزام من طرف الأشياء، وما فوق الإلزام من طرف الأفكار؛ فما أن يقذف أحد مصمِّمي الأزياء في باريس بموضة خارجة عن العرف، حتى تثار مشكلة (الشوال) الأخلاقية بخطورة في العواصم الإسلامية، حيث يستدعي الحدث استفتاء المشايخ الموقرين في هذا الموضوع! وهكذا يمدنا المجتمع الإسلامي بمفاجآت تضيء لنا بوضوح طوراً غريباً من تطوره؛ وإننا لنلتقي في هذا المجتمع أحياناً بلمحات أكثر بهاء، وأشد جاذبية في الوقت ذاته، لدى بعض البلاد التي لا تزال في حداثة ذلك التطور، حيث لم يتخلص الجيل الراهن بعد، من الطور الاجتماعي السابق للطور الذي نحن بصدده. فنحن نرى؛ على سبيل المثال، الشرطة السعودية، تنظم حركة مرور هامة لقوافل السيارات التي تتضخم بشكل مفرط أثناء موسم الحج، حتى ليؤول الأمر بطبيعة الحال إلى تكاثر الزحام في بعض مراكز هذا المرور الوقتي، وبالخصوص في مكة وعرفات و (مِنَى)، وإذا بنا نرى الشرطي المنهمك بضخامة طابور العربات، يتصرف تماماً كما لو كان أمام قافلة من العير. لقد صادف أن كنت أؤدي فريضة الحج منذ حوالي ثلاث سنوات، فرأيت الشرطي، وهو منهمك لبعض الوقت، وإن كانت البسمة لا تفارق محياه، يطرق بضربات عصاه التي يمسكها في يده إذ ذاك، على ظهر العربة التي أوجد داخلها، تماماً كما لو كان يعطي نفس الضربات لأحد العير، كي يجعله يمر مسرعاً، ويدع القافلة تتقدم في سيرها! ولا ريب في أن هذه الصورة مفرطة في البساطة، باعتبارها علامة من علامات التطور الاجتماعي للعالم الإسلامي، ولكنها تترجم بدقة كافية عن طور من أطوار تطوره النفسي .. وإننا لنستطيع جمع صور أخرى، لها الدلالة العَرَضِيَّة نفسها، بالنسبة إلى الحالة الاجتماعية والنفسية الراهنة. ففي أثناء موسم الحج ذاته، يمكننا أن نشاهد على سبيل المثال، أحد الشبان (يطوف) في شوارع (المدينة) المزدحمة، على دراجة
стр. 29
مزخرفة، كما لو أعدت ليوم مهرجان، وقد جهزت دراجته الصغيرة، بقصاصات من الأوراق الزاهية الألوان، وغطيت العجلتان بالقطن (الكرتوني) المزهر؛ وعندما يمر في المساء، نرى في مؤخرة دراجته ثلاثة أو أربعة أضواء حمراء، وطاقماً كاملاً من الفنارات الأمامية .. فهذا الشاب كما هو مشاهد، مدفوع بشعور الغيرة لمنافسة مُلاَّك سيارات (الكدلاك Cadillacs)! .. وإن هذا النوع من الغيرة، ليجعلنا نبتسم بعض الشيء لسذاجته. ولكن لننتقل بنظرنا إلى أعلى من ذلك بقليل، وليكن في هذه المرة حول المناقشات الجارية في حياتنا الفكرية، حيث نرى الكثير من الجهود الكبيرة، والجديرة بالتقدير، تحاول أن تشق طريقاً أمام المجتمع الإسلامي؛ إننا نشاهد أحياناً بعض المحاولات المتميزة الرامية إلى أقْلَمَةِ أفكار يمكن أن تكون شديدة الأصالة بالنسبة إلى وسطها الأصلي، ولكنها تبدو في وسطنا نحن، قريبة الشبه بتلك الطُّرَفِ العصرية التي (تبعثرها) الصدفة أحياناً، في قرانا الجزائرية، والتي نجهل تاريخها واستعمالها. وبهذه الطريقة عينها، تبث الصدفة أحياناً، في أدبنا مواضيع غير منتظرة. فهؤلاء المولعون بالشعر والبدع الخرقاء، ربما وجدوا لذة مستعذبة في بابها، تضمنها مقطع شعري من شعر (الزهاوي)، أراد به الشاعر أن يعطينا نوعاً من التفسير لنشأة الكون، فذكر أن أصل الخليقة هو (الأثير)! .. وهذا أمر حسن ولا شك من ناحية (القافية)! .. ولكن الشاعر الكبير، لم يتصور. أن الإله الذي وضعه أصلاً لنظريته في نشأة الكون حوالي سنة ١٩٢٥م، قد هلك منذ أكثر من عشر سنوات قتيلاً على يد (فيزياء) القرن العشرين؛ إلا أن هذا الإله الهالك، لا يزال يجر خطاه في عدد لا يستهان به من مباحثنا الأدبية والفلسفية: فقد دخل في عالم (أفكارنا)، في الوقت نفسه الذي لفظه فيه العلم من عالمه! ..
وفي أيامنا هذه تُدَاعَبُ النزعة الوجودية في العالم الإسلامي، حيث يبذل - أو على الأصح- بذل مجهود معين، لأقلَمة بعض الأفكار (السارترية
стр. 30
Sartriennes)، ولكننا نتساءل: أي علاقة يمكن أن تكون بين عالم (الأشياء) و (الأفكار) الذي أوحى إلى (جان بول سارتر John Paul Sarter) بكتابه: (الغثيان La nausée)، وبين عالمنا نحن؟! ..
حقاً إن التقليد ليذهب مذاهب بعيدة المدى، وهو لا يعضد في هذا المدى غير فوضى من (الأشياء) و (الأفكار): كعالمين منفصلين لا مجال في داخلهما لأي تنظيم، أو كسد يمين ليس بينهما أية صلة جدلية! ..
٥ - الاضطراب:
وبافتقادنا هذا التنظيم الداخلي، الذي يضع كل فرد وكل شيء، حيث ينبغي أن يوضع، نجد العالم الإسلامي لا يمنح الفرد كل الضمانات الاجتماعية لتحسين عمله اليدوي أو الفكري، ولا يتيح له أن يجني ثمار هذا العمل. وإذا كانت بلاد كمصر قد شُرِع فيها بالاهتمام بهذه المشاكل، فذلك راجع في الوقت ذاته تقريباً لتطور الحكم بعيد سنة ١٩٥٢م، وللاستمرار الاجتماعي الذي عضده (النيل) دائماً في هذه البلاد، من حيث معاضدته للنظام الزراعي منذ آلاف السنين؛ ولسوف تزداد الخاصية الاجتماعية لهذا الاستمرار نمواً، مع حركة التصنيع. ومهما يكن من شيء، فإن المشكلة تتناول هنا، من وجهة النظر الإسلامية بصفة عامة، ولم تعد لتتناول من الزاوية السياسية كما سنوضح أسباب ذلك فيما بعد.
وإذن فالمسلم يولد في مجتمع، لا يقدم له الضمانات الضرورية لاكتماله الاجتماعي. وعلاوة على ذلك، فهو يأخذ بعين الاعتبار، وبطريقة غامضة في قليل أو كثير: أن ليس مصيره بوصفه فرداً، هو مثار القضية، ولكنه مصيره بوصفه (مسلماً). فالفرد يجد في نهاية الأمر دائماً في بلاده، نفس الحظوظ التي هي لمواطنيه على سبيل التقريب، إلا إذا تدخل سبب شاذ، أو يد غريبة مثلاً
стр. 31
في الإضرار به، ولكن حظوظه بوصفه مسلماً، في المنافسة العالمية، أكثر ضآلة، من جراء بعض العوامل السلبية التي أثرت على تطور العالم الإسلامي منذ بضعة قرون. وهذا مجرد تقرير للواقع المشاهد؛ ولكن يجب أن يوضع هذا التقرير داخل وعي الإنسان المسلم، لنتفهم بعض مظاهر سلوكه منذ خمسين عاماً. فالفوضى في الأشياء وفي الأفكار كان من نتائجها الحتمية انعدام الأمن في المجتمع، والبلبلة في الأفكار والاضطراب في الأرواح. فهناك دائماً تبعية مشتركة بين الحالة الاجتماعية، والحالة الأخلاقية في وسط معين: فالفوضى الاجتماعية في أشكالها المختلفة، الاقتصادية والفكرية، تنتج الاضطراب الأخلاقي. وهذا الاضطراب لا يترجم بطبيعة الحال، بنفس الطريقة في طبقات المجتمع المختلفة، ولا في عصور تطوره المختلفة. فقد سلف أن أشرت في غير هذا المكان، كيف أجاب أحد الشبان المسلمين من سكان (موريتانيا Mauritanie) عن سؤال وجهه إليه الضابط الفرنسي، والاستعماري اللامع المدعو (إرنست بسيكاري Ernest bsichari)، الذي لا يزال على معتقد ديني هش، والذي لم يعرف كيف يحتفظ بالعرفان المدين به للوسط (الموريتاني) الذي أتيح له أن يوجد في أفيائه، فقد حاول أن يضع الشاب المسلم الذي اتخذه دليلاً له في صحراء موريتانيا، أمام التفوق الصياغي الأكيد لأوربا، بغية وضعه في مأزق، يتوقع معه تصدعاً في عقيدة الشاب المسلم؛ ولكن هذا الأخير، من غير أن يفكر في إعداد أي حساب لرده، انفلت من ذلك المأزق مجيباً بكل بساطة:
((أنتم لكم الأرض، ونحن لنا السماء))! ..
وهذا النوع من التفكير يتيح لنا أن نأخذ بعين الاعتبار؛ أن الشاب المسلم قد انفلت في الوقت ذاته من المنافسة الأرضية، المتمثلة في الارتباط بالآخرين؛ ويبين لنا كذلك وبصورة حية، رد الفعل للإنسان الشعبي المسلم حوالي سنة ١٩١٢م. وحتى في تاريخ أقرب من هذا إلينا لم تكفَّ الأسباب التي يمكننا أن
стр. 32
نعزو إليها هذا الاضطراب اللاشعوري في فكرة الشاب الموريتاني تلك، عن ممارسة مفعولها بطبيعة الحال؛ فنحن لو نظرنا إلى بعض الاعتبارات المعينة، يمكننا أن نقول: إن ذلك الاضطراب قد زاد احتداماً، في الحد الفاصل الذي يمكن أن نتصوره بين المستوى الصياغي (أو الفني) للعالم المخطط سنة ١٩١٢م، وبين مستواه الراهن. وحينئذ، فاضطراب الواعية المسلمة حتى لدى الإنسان الشعبي، ليس إلا نتيجة مباشرة في قليل أو كثير لذلك الفاضل الذي نستبين منه أن التطور الصياغي الراهن للعالم قد زاد ولم ينقص من تخلف المجتمع الإسلامي بالنسبة إلى الإيقاع العام؛ لأن الذي تهمنا مقارنته هنا ليس الوضعية الراهنة للعالم الإسلامي بالنسبة إلى وضعيته التي كان عليها حوالي سنة ١٩١٣م، ولكان بالنسبة إلى الوضعية العامة التي تنتظم عالم اليوم. ومن هنا نلاحظ أن مفعول هذا التخلف قد تفشى فعلياً في الواعية المسلمة منذ ربع قرن. فهناك احتدام مَأْساويّ لهذا التحلف الذي ندرك نتيجته في أشكال مختلفة للحياة الإسلامية الحالية. وبطبيعة الحال فهذه الأشكال غالباً ما تكون متناقضة ومتقابلة. ولنراقب إذا أردنا ردّ فعل المتفزجين من المسلمين بإحدى قاعات (السينما) في موقف من مواقف فيلم أجنبي؛ إننا نرى متفرجاً يضحك والآخر يبكي من الانفعال. وأنا أتخذ (الفيلم) الأجنبي وليس العربي كمعيار لأنه يتيح لنا بطريقة أفضل التمييز بين تباين استجابات المتفرجين المسلمين بالنسبة إلى (عالم الأفكار) الذي نحن بصدده. وعلى صعيد آخر، وعلى مستوى أرقى إن صح التعبير، نرى حركة نشر وصحافة رائدة تقف في صف كل المبتكرات- كالشوال أو غيره- معتقدة أنها تخدم بذلك تجدد البلاد، أو هي تقف في صف كل الحريات، معتقدة أنها تسهم في تحرير الأمة؛ وكان من الطبيعي أن نرى في نفس الوقت انبثاق حركة (أدب إجتماعي) تواجه كل عنوان من عناوين المنشورات السالفة بعنوان مضاد، مثل: (العدالة الاجتماعية في الإسلام)؛ و (الملكية في الإسلام)!.
стр. 33
فالتقاطب المزدوج الذي أشرنا إليه فيما مضى، ونحن بصدد النفسية الإسلامية- ملاحظين لما هو واقع من عدم الترابط العضوي بين عالم (الأشياء) وعالم (الأفكار) - يترجم هنا بعقلية مزدوجة كذلك، فالإنسان الذي يضحك في (السينما) يمثل (مناظراً) للإنسان الذي يبكي. والإنسان الذي يكتب- بين السطور على الأقل- أن الإسلام أصبح شيئاً فات أوانه، ويتعين استبداله بما يحل محله، يمثل مواجهاً للإنسان الذى ينادي بالعودة إلى إسلام اجتماعي بوصفه الوسيلة الوحيدة للنجاة. إنها قطبان متقابلان في حياة المجتمع الإسلامي الراهن: الفكرية والعاطفية. وكل هذا النشاز، وكل هذا (اللاتناغم) من شأنهما أن يضيفا مفعولهما النفسي للاضطراب الأخلاقي السائد في هذا المجتمع. وإذا كنا رأينا شاباً مسلماً ينفلت ببساطة من الأرض وتبعاتها. بمثل ذلك الجواب الذي ردّ به سنة ١٩١٢م على الضابط الفرنسي أرنست بسيكاري فإننا نستطيع أن نرى في يومنا هذا أحد كبار المسؤولين الإداريين المسلمين مثلاً، ينفلت من الإسلام بحجة أن الدين قد أدى مهمته الاجتماعية، وأنه يجب أن يدع مكانه من هنا فصاعداً في هذه المهمة إلى العلوم الاجتماعية! .. لندعْ هذا الشخص لشروده ... فالذي تهمنا معرفته آنئذ، هو أن الظاهرة الاجتماعية التي يترجمها بطريقته ومنطقه الخاص، يجب أن تترجم بشكل أو بآخر في الواعية الإسلامية ذاتها ...
٦ - تكوين الفكرة:
إن الاعتبارات التي قدّمناها في الفقرات السالفة، تترجم بكل طريقة عن أزمة النموّ، التي يجتازها العالم الإسلامي منذ أن استيقظ وعيه. وهي اعتبارات تكوّن في جملتها المظهر المرَضيّ، لما تعورف عليه (بالنهضة)؛ فالأزمة نتيجة لهذه النهضة. ونحن نستطيع أن نبوب عناصرها حسب طبيعتها الاجتماعية والنفسية، كما سلف أن قدَّمنا؛ فالتأخر في المجال الاجتماعي، وفي الشروط الراهنة لتطور العالم العام، يُترجم باضطراب في المجال الأخلاقي؛ وهذا الاضطراب
стр. 34
يُترجم بدوره في سلوك الأفراد؛ فهو في المستويات المختلفة للسُّلَّم الاجتماعي يُترجم: إمَّا بوَهَنٍ في الرَّأي أو بالسُّخط والتطرف في وجهات النظر؛ ولا أحبّ أن أذكر حالات تمثل للشقّ الأخير، لأن من بينها ما هو مضنٍ بدرجة غير محتملة، حتى ليؤول الأمر ببعض الأفراد من هذا الصنف، إلى الارتداد عن الإسلام، واعتناق المسيحية بدافع من اضطرابهم! ... وإني لأعرف من بينهم على الأقل حالة في مراكش، وأكثر من حالة في الجزائر، ويتعيَّن عليّ أن أقول: إن هؤلاء المرتدّين، يكونون أحياناً من صفوة الناس .. ولكني أحب أن أذكر من بين الصنف الثاني نموذجين، لأن حالتهما على وجه الدقة، هي التي أوحت إليّ إجمالاً بموضوع هذه الدراسة.
لقد ذهبت لزيارة مسلم، كنت أقدر فيه صفته ومجهوده الفكري البارز، وكنت لا أعرفه إلا عن طريق مؤلفاته؛ وعندما دخلت عليه، وجدتُ فيه رجلاً يبعثُ على الارتياح، وربما تكون طلعتي قد حظيت بارتياحه هو الآخر! .. فقد انسجم معي في تجاوب سريع؛ وكنت أنتظر منه أن يحدثني عن عمله، وإذا به يحدثني عن حالته الروحية:
((إنني أعمل واليأس يملأ قلبي))! ..
واليأس ربما يكون أفضل من الكفران والارتداد، ولكنه ليس ببادرة صحة أخلاقية في مجتمع معين على أية حال! ..
أما المثقف المسلم الثاني، فقد سعى إليَّ بنفسه في هذه المرة. وكان. طييباً استدعيته لعلاجي من مرض ألمَّ بساقي؛ ولكن سرعان ما فهمت أنه يتعين عليَّ أن أحاول أنا نفسي علاج رأسه وقلبه اللذين يملؤهما التشاؤم فيما بدا لي. قال لي وهو يتنهد بحسرة:
((أحب أن أصارحك بأني لا أجد لدى المسلمين أي شيء في مكانه الذي يجب
стр. 35
أن يكون فيه)) ...
وهذا النوع من التفكير. وذلك التنهد المتحسر. ينبئاننا عن الكثير فيما يتعلق بالحالة الروحية التي عليها زائري الذي لا يشكو أيَّ خصاصة من الناحية المادية ...
وهاتان الزيارتان- الزيارة التي قمت بها. والزيارة التي قام بها غيري إليَّ- تركتا فيَّ تأثيراً عميقا. لأن ما تبدى لي منهما قد ذكرني بحالتين أخريين وَصلتُ من مقارنتهما إلى نتائج محسوسة.
والحاصل أن هذه المقارنة قد تمت آلياً في مخيلتي، حتى لقد تلخت عني أوجاع ساقي بمجرد سماعي لكلمات الطبيب الذي استقدمته لعلاجي! ..
فقد تعرفت في باريس- أثناء المدة الواقعة بين سنة ١٩٣٤م وسنة ١٩٣٥م- إلى طالب صيني كان زميلاً لي في الدراسة، وقد ربطت بيننا صداقة متينة، لأن كل واحد منا يعيش مأساةَ الإنسان المستعمَر بطريقته الخاصة.
ونحن نذكر أن (الإمبريالية) اليابانية كانت طوال تلك المدة تتدفق على القارة الصينية بغية اسْتِنْحَاتِ مملكة استعمارية. وكان صديقي شديد التأثر لذلك، مما يزيد في التهاب أحاسيسه الوطنية، وكنا نتبادل بطبيعة الحال أحاسيسنا تلك فيما بيننا. إلا أنني لم أكن لأعرف كيف كانت نظرته إليَّ كمناضل جزائري في ذلك الحين؛ ولكنني أذكر جيداً كيف كانت نظرتي بالنسبة إليه كمناضل صيني؛ فقد كنت متأكداً أنه مستعد لبذل حياته في سبيل خلاص بلاده. ووراء هذا العزم الذي طالما رأيته يلتمع في عينيه كالوميض البارق، كنت أستبين كذلك قرارة من التشاؤم واليأس: لقد كنت أستشعرني إزاء إنسان حائر. إنسان مطارَد .. وعلاوة على ذلك فهو لم يدع لي في هذا الصدد أيَّ مجال للريب: ففي كل مرة يريد أن يتحدث إلي فيها عن السياسة، كان يأخذني جانباً، بعيداً
стр. 36
عن كل أذن مطارِدة؛ بل إنه كان يقتادني معه أحياناً حذو (البنثيون Panthéon) أو (مقبرة العظماء)، مبالغة منه في الحذر. أعني بطريقة لا يتاح معها لأي طفيلي أن يقتنص ما يدور بيننا، من غير أن نشاهده مقبلاً عن بعد في هذا الميدان البراح.
والمؤكد أن الفكرة التي يكونها عن الوضعية الاجتماعية والسياسية في بلاده، هي التي يترجمها سلوكه بهذه الطريقة: إنه إنسان مطارد، لأن الوضع الاجتماعي والسياسي في الصين كان على مدى من السوء اقتضى منه هذا السلوك.
وبعد عشرين سنة من هذا التاريخ، أتيج لي أن ألتقي بشاب صيني آخر، أعني بعد تحرير الصين. ولقد كان هذا الشاب أقل ثقافة من صديقي ولا شك، وأقل منه اندفاعاً كذلك. ولكن أيّ تماسك في موقفه! ... لقد كان يصغرني بمراحل، ولكنه كان يتفرس فيّ ويتفحصني، يستشفني ويدرسني. وبتذكري لصديقي القديم، فهمت أن الثورة قد قامت بتبديل للشخصية الصينية: لقد هيمن مخاطبي على الصعوبات الداخلية، التي كانت تضفي فيما سلف على صديقي القديم مَيْسَم الإنسان المطارد! ..
ولقد سيطر الشاب الصيني، على هذه الصعوبات القائمة في عالمه الداخلي، وهو الآن- ونظرته إليّ توضح لي ذلك- يسعى للسيطرة على صعوبات عالمه الخارجي. وإننا لنتساءل: كيف تمّ التحول في الشخصية الصينية؟ المؤكد أن الثورة لم تأت بالحل لكل المشاكل القائمة في الصين بطرقة من عصاً سحرية؛ فعدد المشاكل وطبيعتها لما ينقصا بعد إلى حد يسمح بميلاد (عالم خارجي) يستطيع فيه الجيل الصيني الناشئ التمكُّن من الراحة والشعور بالتماسك، إلا أن هذا الجيل يجد أسباب تلك الراحة في ذاته هو، أي في (عالمه الداخلي)، فالثورة الصينية لم تحذف المشاكل ولكنها حورت موقف الفرد بالنسبة إليها من أساسه. وصديقي القديم كان يرى تلك المشاكل، ولكنه لم يكن ليرى أي طريق يؤدي إلى
стр. 37
حلولها. بينما الشاب الصيني المعنيّ يرى هذه الحلول بعيدة الأوان في قليل أو كثير، هذا هو الذي تبدل بالفعل وإنه لأساسي بالنسبة إلى مجتمع معين.
والآن، لو أنني انتقلت بهذه الاعتبارات على الصعيد النفسي لمخاطبَيّ المسلمين السالفي الذكر، لوجدت أن مشاكل المجتمع الإسلامي، في طبيعتها وعددها، ليست هي التي دفعتهما إلى عدم الأمن والقرار الذي هما عليه، ولكنه واقع عدم عثورها على حلول تلك المشاكل والطريق المؤدية إلى تلك الحلول. إن (عالمهما الداخلي) هو الذي يتضمن العلة أكثر مما هو (عالمهما الخارجي). ومخاطباي المسلمان في حاجة إلى شيء معين يبدل من موقفهما بالنسبة إلى المشاكل، وهذا الشيء المعين لا تعطيه غير إرادة جماعية ونزعة غيبية معينة كما سلف أن أعطته الثورة لست مئة مليون صيني. ومن هنا فحسب تنبثق فكرة (كمنويلث إسلامي) بصورة تلقائية، أعني من طبيعة المشاكل ذاتها، تلك التي يواجهها المجتمع الإسلامي الراهن. ولسوف نمد هذه الفكرة بتبريرات أخرى- علاوة على ما قدمنا- في الفقرات التالية.
стр. 38
ب - مشروع دراسة مكتملة:
١ - تبرير عام:
إننا بتحليلنا في الفصل السالف، للوضعية السائدة في العالم الإسلامي، قد أكدنا كيف اتسَمت هذه الوضعية في أساسها بالتخلف الاجتماعي للإنسان المسلم، بالنسبة إلى تطور العالم العام. وجدير بنا الآن أن نركز الانتباه حول العوامل - أو بعضها على الأقل- التي تؤثر على تلك الوضعية بوصفها عوامل مسرِّعة او معجِّلة للتطور العالمي، وبالتالي نزَّاعة إلى المضاعفة من تخلف المجتمع الإسلامي، ورامية كذلك إلى تعضيد العناصر ذات الصبغة النفسية والاجتماعية التي تكوِّن معطيات المشكلة ومظاهر الأزمة التي سبق أن حللناها. وكما سلف أن بينا ذلك، فهذه الأزمة ليست في طبيعة مشاكل المجتمع الإسلامي، بقدر ما هي في موقف الإنسان المسلم بالنسبة إلى هذه المشاكل. ولكن إذا كانت طبيعة المشاكل في التقدير الأوَّلي للحلول التي توضع عليها، تقع في الدرجة الثانية، فإن مستوى هذه المشاكل يأتي على العكس من ذلك في الدرجة الأولى، ولذلك يتعيّن اعتبار المساحة الجغرافية للمشاكل التي نريد دراستها، فهناك مشاكل ذات صبغة قومية فحسب ينبغي أن تجد حلولها في البلاد نفسها التي تثار فيها. ففي القاهرة والخرطوم وليس في غيرها يجب أن تجد مسألة مياه النيل حلها وإن كان يمكن أن ينْضمَّ النيل إلى اقتصاد منطقة أخرى معينة، كما أشرت إلى ذلك على سبيل المثال في كتابي (فكرة الأفريقية الآسيوية) ( L'Afro-asiatique)، وكيف أن العربية السعودية نفسها يمكنها أن تساهم في بناء مثل هذا الاقتصاد الإقليمي. ولكن هناك مشاكل أخرى توضع في (الرباط Rabat) مثلاً إلا أنها لا يمكن أن تجد حلها قي نطاق مراكش وحدها لأن التاريخ قد حدد من طبيعتها، والتطور
стр. 39
العام قد حدد مستواها بطريقة لا يمكن معها لتلك المشاكل أن تحسم إلا بحل عام يمكن تطبيقه في الرباط وجاكرتا معاً، أعني في مساحة معينة.
٢ - أسباب جغرافية سياسية:
والمتبقي هو أن هذه الاعتبارات قد أصبحت مُعَضَّدة بالاتجاه العام للتاريخ المعاصر. فهناك في نهاية الأمر مظهر جديد في التطور الراهن للعالم. فالعامل الفني الذي ترتب عليه، في مجرى النصف الأخير من القرن العشرين، تمركز القوة على محور واشنطن- موسكو، ترتب عليه من جراء هذا الحدث نفسه نتيجة أخرى ذات صبغة جغرافية- سياسية، فهذه القوة المركزية تحدد بدورها ظاهرة معينة، إذ هي قد أبرزت إلى حيز الوجود، المساحة المخططة، حيث يمكن أن يكون الاقتصاد منغلقاً على ذاته بقصد غايات استراتيجية. وبطبيعة الحال، فهذه الظاهرة لا تحدد مساحة مفردة، ولكن (مساحات مخططة) عديدة؛ وهي المساحات الكبرى التي تتطابق مع وحدات جغرافية- سياسية تواقة إلى البقاء في دائرة مغلقة، أو هي تكتمل على الأقل في هذا الاتجاه، وحيث تمركزت القوة أو هي بصدد الاتجاه إلى هذا التمركز. فكتلة الحلف الأطلنطي والاتحاد السوفييتي والصين الشعبية والاتحاد الهندي؛ تمثل كلها نماذج مختلفة ومتفاوتة الاكتمال لهذه (المساحات المخططة) التي تمركزت فيها القوة أو هي في طريقها إلى هذا التمركز. والمؤكد أن المشاكل في هذه المساحات، حتى ولو لم تتغير من حيث طبيعتها في قليل أو كثير، فإنها مع ذلك مسوقة إلى مستوى أكبر، وهي تتخذ من جراء هذا الحدث نفسه مظاهر فنية معينة يهيمن عليها قانون الأعداد.
على أن تلك الوحدات ليست مجزَّأة داخلياً بالطريقة نفسها ما دامت هذه (الفِقَر) - إن صح التعبير- متفاوتة في مرونتها، مضافاً إلى ذلك أن طابعها السياسي لا يهمنا، ولكن الذي يهمنا هو المظهر الفني والنفسي للمشاكل الجديدة
стр. 40
التي يضعها وجودها الموطَّد في قليل أو كثير، على محور من القوة، وهي المشاكل التي تتصل بمساحات جغرافية كبيرة وكتل بشرية ضخمة.
٣ - أسباب نفسية:
ومهما يكن من شيء فإن الذي يهمنا اعتباره هو كيف كان ردّ الإنسان المسلم، في عالم مخطط راضخ للعامل الفني، ولعامل القوة اللذين يَسِمانِ تطور كتلة بشرية لا يستهان بها بطابع الحركة المعجَّلة، ويعطيان لمشاكل هذه الكتلة مستوى غير مألوف، تصوره لنا أحياناً أرقام قياسية عجيبة، مثل المئة والخمسين ألف طن من الصراصير- إذا لم تخطئ ذاكرتي- التي وقعت إبادتها في الصين الشعبية أثناء المدة التي استغرقها مشروع الخمس سنوات الأولى هناك. وحينئذٍ فالإنسان المسلم يستشعر أحياناً في هذا العالم المخطط عدم جدواه، من حيث استشعاره لما هو واقع من أن التاريخ يصنع بدونه. فهو بوصفه عنصراً من عالم غير مخطط، يرى نفسه مجتازاً من طرف التطور المسَرَّع لبقية البشرية.
والآن لو استبطن الإنسان المسلم هذه المعطيات- وهو أمر من الطبيعي أن يفعله، بقدر ما يسترد وعيه وينتبه لدى تخلفه- فسيتاح لنا أن نفهم عنه، أنه سيأخذ بعين الاعتبار في هذا المستوى، أن العالم الإسلامي الذي ينتمي إليه، يحمل جما طواياه بذور ثورة. ومنذ هذا الحين يجتذبه سؤال في صورة (متحارجة dilemme):
أولاً- هل يستطيع العالم الإسلامي إنجاز ثورته حسب اطراد محدد منسق بمشروع مُعَدّ يؤخذ فيه اعتبار العناصر النفسية والعوامل الاجتماعية الخاصة بالمجتمع الإسلامي الراهن.
ثانياً- أو أن العالم الإسلامي سيجد نفسه منقاداً- لعدم توافر توجيه سديد، حسب مشروع معَد وبضرورات تكفيه مع تطور عالمي، لم ينفك في
следующие страницы →