عن كل أذن مطارِدة؛ بل إنه كان يقتادني معه أحياناً حذو (البنثيون Panthéon) أو (مقبرة العظماء)، مبالغة منه في الحذر. أعني بطريقة لا يتاح معها لأي طفيلي أن يقتنص ما يدور بيننا، من غير أن نشاهده مقبلاً عن بعد في هذا الميدان البراح.
والمؤكد أن الفكرة التي يكونها عن الوضعية الاجتماعية والسياسية في بلاده، هي التي يترجمها سلوكه بهذه الطريقة: إنه إنسان مطارد، لأن الوضع الاجتماعي والسياسي في الصين كان على مدى من السوء اقتضى منه هذا السلوك.
وبعد عشرين سنة من هذا التاريخ، أتيج لي أن ألتقي بشاب صيني آخر، أعني بعد تحرير الصين. ولقد كان هذا الشاب أقل ثقافة من صديقي ولا شك، وأقل منه اندفاعاً كذلك. ولكن أيّ تماسك في موقفه! ... لقد كان يصغرني بمراحل، ولكنه كان يتفرس فيّ ويتفحصني، يستشفني ويدرسني. وبتذكري لصديقي القديم، فهمت أن الثورة قد قامت بتبديل للشخصية الصينية: لقد هيمن مخاطبي على الصعوبات الداخلية، التي كانت تضفي فيما سلف على صديقي القديم مَيْسَم الإنسان المطارد! ..
ولقد سيطر الشاب الصيني، على هذه الصعوبات القائمة في عالمه الداخلي، وهو الآن- ونظرته إليّ توضح لي ذلك- يسعى للسيطرة على صعوبات عالمه الخارجي. وإننا لنتساءل: كيف تمّ التحول في الشخصية الصينية؟ المؤكد أن الثورة لم تأت بالحل لكل المشاكل القائمة في الصين بطرقة من عصاً سحرية؛ فعدد المشاكل وطبيعتها لما ينقصا بعد إلى حد يسمح بميلاد (عالم خارجي) يستطيع فيه الجيل الصيني الناشئ التمكُّن من الراحة والشعور بالتماسك، إلا أن هذا الجيل يجد أسباب تلك الراحة في ذاته هو، أي في (عالمه الداخلي)، فالثورة الصينية لم تحذف المشاكل ولكنها حورت موقف الفرد بالنسبة إليها من أساسه. وصديقي القديم كان يرى تلك المشاكل، ولكنه لم يكن ليرى أي طريق يؤدي إلى
стр. 37
حلولها. بينما الشاب الصيني المعنيّ يرى هذه الحلول بعيدة الأوان في قليل أو كثير، هذا هو الذي تبدل بالفعل وإنه لأساسي بالنسبة إلى مجتمع معين.
والآن، لو أنني انتقلت بهذه الاعتبارات على الصعيد النفسي لمخاطبَيّ المسلمين السالفي الذكر، لوجدت أن مشاكل المجتمع الإسلامي، في طبيعتها وعددها، ليست هي التي دفعتهما إلى عدم الأمن والقرار الذي هما عليه، ولكنه واقع عدم عثورها على حلول تلك المشاكل والطريق المؤدية إلى تلك الحلول. إن (عالمهما الداخلي) هو الذي يتضمن العلة أكثر مما هو (عالمهما الخارجي). ومخاطباي المسلمان في حاجة إلى شيء معين يبدل من موقفهما بالنسبة إلى المشاكل، وهذا الشيء المعين لا تعطيه غير إرادة جماعية ونزعة غيبية معينة كما سلف أن أعطته الثورة لست مئة مليون صيني. ومن هنا فحسب تنبثق فكرة (كمنويلث إسلامي) بصورة تلقائية، أعني من طبيعة المشاكل ذاتها، تلك التي يواجهها المجتمع الإسلامي الراهن. ولسوف نمد هذه الفكرة بتبريرات أخرى- علاوة على ما قدمنا- في الفقرات التالية.
стр. 38
ب - مشروع دراسة مكتملة:
١ - تبرير عام:
إننا بتحليلنا في الفصل السالف، للوضعية السائدة في العالم الإسلامي، قد أكدنا كيف اتسَمت هذه الوضعية في أساسها بالتخلف الاجتماعي للإنسان المسلم، بالنسبة إلى تطور العالم العام. وجدير بنا الآن أن نركز الانتباه حول العوامل - أو بعضها على الأقل- التي تؤثر على تلك الوضعية بوصفها عوامل مسرِّعة او معجِّلة للتطور العالمي، وبالتالي نزَّاعة إلى المضاعفة من تخلف المجتمع الإسلامي، ورامية كذلك إلى تعضيد العناصر ذات الصبغة النفسية والاجتماعية التي تكوِّن معطيات المشكلة ومظاهر الأزمة التي سبق أن حللناها. وكما سلف أن بينا ذلك، فهذه الأزمة ليست في طبيعة مشاكل المجتمع الإسلامي، بقدر ما هي في موقف الإنسان المسلم بالنسبة إلى هذه المشاكل. ولكن إذا كانت طبيعة المشاكل في التقدير الأوَّلي للحلول التي توضع عليها، تقع في الدرجة الثانية، فإن مستوى هذه المشاكل يأتي على العكس من ذلك في الدرجة الأولى، ولذلك يتعيّن اعتبار المساحة الجغرافية للمشاكل التي نريد دراستها، فهناك مشاكل ذات صبغة قومية فحسب ينبغي أن تجد حلولها في البلاد نفسها التي تثار فيها. ففي القاهرة والخرطوم وليس في غيرها يجب أن تجد مسألة مياه النيل حلها وإن كان يمكن أن ينْضمَّ النيل إلى اقتصاد منطقة أخرى معينة، كما أشرت إلى ذلك على سبيل المثال في كتابي (فكرة الأفريقية الآسيوية) ( L'Afro-asiatique)، وكيف أن العربية السعودية نفسها يمكنها أن تساهم في بناء مثل هذا الاقتصاد الإقليمي. ولكن هناك مشاكل أخرى توضع في (الرباط Rabat) مثلاً إلا أنها لا يمكن أن تجد حلها قي نطاق مراكش وحدها لأن التاريخ قد حدد من طبيعتها، والتطور
стр. 39
العام قد حدد مستواها بطريقة لا يمكن معها لتلك المشاكل أن تحسم إلا بحل عام يمكن تطبيقه في الرباط وجاكرتا معاً، أعني في مساحة معينة.
٢ - أسباب جغرافية سياسية:
والمتبقي هو أن هذه الاعتبارات قد أصبحت مُعَضَّدة بالاتجاه العام للتاريخ المعاصر. فهناك في نهاية الأمر مظهر جديد في التطور الراهن للعالم. فالعامل الفني الذي ترتب عليه، في مجرى النصف الأخير من القرن العشرين، تمركز القوة على محور واشنطن- موسكو، ترتب عليه من جراء هذا الحدث نفسه نتيجة أخرى ذات صبغة جغرافية- سياسية، فهذه القوة المركزية تحدد بدورها ظاهرة معينة، إذ هي قد أبرزت إلى حيز الوجود، المساحة المخططة، حيث يمكن أن يكون الاقتصاد منغلقاً على ذاته بقصد غايات استراتيجية. وبطبيعة الحال، فهذه الظاهرة لا تحدد مساحة مفردة، ولكن (مساحات مخططة) عديدة؛ وهي المساحات الكبرى التي تتطابق مع وحدات جغرافية- سياسية تواقة إلى البقاء في دائرة مغلقة، أو هي تكتمل على الأقل في هذا الاتجاه، وحيث تمركزت القوة أو هي بصدد الاتجاه إلى هذا التمركز. فكتلة الحلف الأطلنطي والاتحاد السوفييتي والصين الشعبية والاتحاد الهندي؛ تمثل كلها نماذج مختلفة ومتفاوتة الاكتمال لهذه (المساحات المخططة) التي تمركزت فيها القوة أو هي في طريقها إلى هذا التمركز. والمؤكد أن المشاكل في هذه المساحات، حتى ولو لم تتغير من حيث طبيعتها في قليل أو كثير، فإنها مع ذلك مسوقة إلى مستوى أكبر، وهي تتخذ من جراء هذا الحدث نفسه مظاهر فنية معينة يهيمن عليها قانون الأعداد.
على أن تلك الوحدات ليست مجزَّأة داخلياً بالطريقة نفسها ما دامت هذه (الفِقَر) - إن صح التعبير- متفاوتة في مرونتها، مضافاً إلى ذلك أن طابعها السياسي لا يهمنا، ولكن الذي يهمنا هو المظهر الفني والنفسي للمشاكل الجديدة
стр. 40
التي يضعها وجودها الموطَّد في قليل أو كثير، على محور من القوة، وهي المشاكل التي تتصل بمساحات جغرافية كبيرة وكتل بشرية ضخمة.
٣ - أسباب نفسية:
ومهما يكن من شيء فإن الذي يهمنا اعتباره هو كيف كان ردّ الإنسان المسلم، في عالم مخطط راضخ للعامل الفني، ولعامل القوة اللذين يَسِمانِ تطور كتلة بشرية لا يستهان بها بطابع الحركة المعجَّلة، ويعطيان لمشاكل هذه الكتلة مستوى غير مألوف، تصوره لنا أحياناً أرقام قياسية عجيبة، مثل المئة والخمسين ألف طن من الصراصير- إذا لم تخطئ ذاكرتي- التي وقعت إبادتها في الصين الشعبية أثناء المدة التي استغرقها مشروع الخمس سنوات الأولى هناك. وحينئذٍ فالإنسان المسلم يستشعر أحياناً في هذا العالم المخطط عدم جدواه، من حيث استشعاره لما هو واقع من أن التاريخ يصنع بدونه. فهو بوصفه عنصراً من عالم غير مخطط، يرى نفسه مجتازاً من طرف التطور المسَرَّع لبقية البشرية.
والآن لو استبطن الإنسان المسلم هذه المعطيات- وهو أمر من الطبيعي أن يفعله، بقدر ما يسترد وعيه وينتبه لدى تخلفه- فسيتاح لنا أن نفهم عنه، أنه سيأخذ بعين الاعتبار في هذا المستوى، أن العالم الإسلامي الذي ينتمي إليه، يحمل جما طواياه بذور ثورة. ومنذ هذا الحين يجتذبه سؤال في صورة (متحارجة dilemme):
أولاً- هل يستطيع العالم الإسلامي إنجاز ثورته حسب اطراد محدد منسق بمشروع مُعَدّ يؤخذ فيه اعتبار العناصر النفسية والعوامل الاجتماعية الخاصة بالمجتمع الإسلامي الراهن.
ثانياً- أو أن العالم الإسلامي سيجد نفسه منقاداً- لعدم توافر توجيه سديد، حسب مشروع معَد وبضرورات تكفيه مع تطور عالمي، لم ينفك في
стр. 41
إسراع دائب، يتزايد يوماً فيوماً- إلى ثورة لا يكون مسيطراً عليها؟
وفي هذا السؤال يتمثل طرفا (المتحارجة) أو (المأزق)! ومن هنا تبدو ضرورة وضع تخطيط للعالم الإسلامي، أولاً وبالذات في المجال الأخلاقي: إذ يتعين التخفيف عن الواعية الإسلامية من ثقل الأحاسيس السلبية، التي تعبر عن ذاتها من خلال كلمات ذلك الشاب (الموريتاني)، وفي كلمات المثقفين التي سلف لنا ذكرها فيما مضى.
٤ - المظهر الفني:
لقد ذكرنا ما يكفي من البيانات عن طبيعة المشكلة وعن مستواها، فهي مشكلة العالم الإسلامي، أي مشكلة مساحة منحصرة بطريقة متحادَّة بين خطَّيْ طول (طنجة وجاكرتا)، وبين خطَّيْ عرض: (مدينة الجزائر ودار السلام) وهذه البيانات، ليست في حدّ ذاتها إلا المعطيات الأوّلية.
ولكننا بمجرد ما نتناول المشكلة في مظهرها الفني، الذي هو مظهر التنفيذ، تتبدى لنا معطيات أكثر تعقيداً. فالواقع أننا نوجد؛ ليس بإزاء عالم إسلامي واحد، ولكن بازاء عوالم إسلامية عديدة:
أ - العالم الإسلامي الأسود أو الأفريقي.
ب - والعالم الإسلامي العربي.
جـ - والعالم الإسلامي الإيراني: (فارس وأفغانستان وباكستان).
د - والعالم الإسلامي الماليزي: (أندونيسيا والملايو).
هـ - والعالم الإسلامي (الصيني- المنغولي).
وإذن فهناك مجال لتحديد (مبدأ مكامل) يُتطلَّب منه أن يعبر أساسياً عن وحدة المشكلة من ناحية، ومن ناحية أخرى أن يأخذ بعين الاعتبار ذلك التعدُّد الذي يتعين أن يترجم عن تعقيدها. وعلى هذا فتخطيط العالم الإسلامي، يجب
стр. 42
أن يبدأ بالضرورة من عملية (مكاملة) من ناحية، ومن عملية تبويب من ناحية أخرى؛ والمظهر الفني يعانق هاتين العمليتين. وإذا كانت العملية الأولى، يمكن أن تبدو لنا على نحو معين من السهولة- بالرغم مما يضفيه عليها العنصر الشيعي من التعقيد- فإن العملية الثانية المتعلقة بالتبويب المتطلب تحديده بين (العوالم الإسلامية)، ستكون أكثر تعقيداً بمراحل. وإذن فإننا إذا ما تناولنا موضوع (كمنويلث إسلامي) باعتباره مجرد موضوع للدراسة، المقصود منه معرفة أكثر بالعالم الإسلامي، أو بغية وضع تصميم لهذا العالم، يتعين علينا بالضرورة أن نأخذ بعين الإعتبار عدداً معيناً من المعطيات العضوية والضرورات المنطقية. ومن بين هذه المعطيات يأتي (المبدأ المكامل) في الاعتبار الأول، إذ لا جدال في أن العالم الإسلامي قد احتفظ- بالرغم من تقلبات تاريخية- بوحدة روحية، تكون عاملاً أساسياً من الوجهة النفسية في تماسك المشروع، ومن الوجهة الفنية في التوفيق بين عناصره، وعلاوة على ذلك، فإن هذه الوحدة لا تستطيع أن تقوم فعَّالياً بدورها (المكامل) إلا إذا تجسمت في صورة موائمة تمثل بشكل إنشائي إرادة العالم الإسلامي الجماعية، ومنذئذ تتعين مراجعة النطر في مشكلة (الْخِلافَة) على ضوء المعطيات الراهنة للعالم الإسلامي. وربما استطاع فقهاء القانون تحديد (الإمامة) تحديداً جديداً، لا يُغفل فيه ما يحمله اليوم المفهوم الإسلامي لكلمة (أمة) من تنوع، من حيث السياسة والجفرافيا والجنس. ويبدو أن هذا المفهوم نفسه قد أخذ يتقلص في الواعية المسلمة، كما تشهد بذلك بعض المظاهر المعينة، فقد تواصلت (الهجرة) إلى بقاع الإسلام المقدسة- وإلى (المدينة) بالخصوص- من طرف الأجيال الإسلامية منذ ثلاثة عشر قرناً؛ ولكن (حق الهجرة) يكون اليوم موضوعاً لتقييدات معينة من طرف السلطة السعودية العامة، ولاحتجاجات معينة من طرف بعض سكان (المدينة) أنفسم، من أولئك المهتمين بمراعاة مصالح مادية مشروعة على أية حال.
стр. 43
وأخيراً فهناك مجال- كما سلف أن ذكرنا- لاعتبار بعض الضرورات المنطقية المعينة، فالكمنويلث الإسلامي، لكي ينظم نفسه في علاقته الوظيفيَّة بمعطيات تطوره الخاص، وبضرورات تكيفه مع تطور عالم مخطط، يمكن أن يُعرَّفَ (كاتحاد فدرالي) بين (العوالم الإسلامية) يترأسه مؤتمر إسلامي، يقوم بدور الهيئة المنفذة لهذا الاتحاد. وعلاوة على ذلك فإن التقسيمات الفدرالية يجب أن تتلاقى مع الاتجاهات الطبيعية للتطور التاريخي والاقتصادي والسياسي. فهناك مثلاً من وجهة النظر الاقتصادية منطقة طبيعية تتمثل في مصر والسودان، ومن وجهة النظر السياسية منطقة عربية تمثل الجمهورية العربية المتحدة إحدى بوادرها.
٥ - إعتبارات عامة:
لقد رسمنا في الفقرات الأربع السالفة، الخطوط الكبرى لدراسة عن الكمنويلث الإسلامي، من وجهة نظر تصميميَّة. ولا بد أن يكون القارئ قد فهم أن هذه الدراسة لا يمكن أن يقوم بها شخص واحد، كما لا يمكن أن تتمَّ في موضع واحد، ولا في شهر واحد! ..
فنحن مثلاً، عندما نقسم العالم الإسلامي إلى قطاعات خمسة: تمثل ما أطلقنا عليه (العوالم الإسلامية)، نكون كأننا قد أشرنا بهذا التقسيم نفسه، إلى الفصول الخمسة لعمل يقتضي مجهودات مديدة ومتواصلة، لا يمكن أن تتمَّ إجراءاته في مكتب معين، ولكن في مجال القضية نفسها، من طرف هيئة من العاملين الممتازين. وحتى لو فرضنا أن هذا التقسيم لميدان القضية وللعمل الذي يقتضيه، صحيح في مبدئه- والواقع أنه يجب أن نضيف إلى تقسيمنا: (العالمَ الإسلامي الأوروبي) - فليس العمل بالسهل رغم ذلك .. لأن التحقيق في هذه القطاعات الخمسة أو الستة، يجب أن يجري في الداخل وعلى محيطها معاً. ففي
стр. 44
الداخل يتناول التحقيق موضوع العناصر العضويَّة الخاصة (بالعالم المكتشَف)، العناصر التي تكوِّن (هويَّته) وأصالته الخاصة. وعلى المحيط يتناول التحقيق موضوع العناصر النفسية، والقرابات التي يمكنها أن تضم (العالم) المشار إليه إلى (العوالم الإسلامية) الأخرى، تحت المبدأ نفسه (المكامل)، وبالإضافة إلى ذلك، فإن هذا التحقيق لا يمكن ان يقع ابتداء من المحيط إلى الداخل، ولكن من الداخل إلى المحيط. أو هو لا يتعين أن يقع ابتداء من (نقطة إشعاع)، ولكن يجب أن ينتهي إلى (نقطة التقاء). والنزوع إلى الاتصال، يجب أن يأتي من الداخل متجهاً صوب (نقطة الالتقاء) هذه ة فإن الاتصال لا يمكن أن يفرض من الخارج.
ونحن نستطيع تقديم هذه الاعتبارات في شكل تخطيطَيْن، يمكننا أن نتعرَّف من خلالهما- بصورة مشاهدة على نحو من الأنحاء- إلى ما لأحدهما من مميزات تبرر توجيهنا النظر إليه، كمنهج يفضل اتباعه، وما للآخر من عوارض يكون معها من السداد تجنبه، لأن اتباعه يؤدي إلى متناقضات معينة.
أ - تخطيط يتعين تجنبه:
العالم الإسلامي الأسود والأفريقي <--•--> العالم الإسلامي الصيني - المنغولي
العالم الإسلامي - العربي <--•--> العالم الإسلامي الماليزي
العالم الإسلامي - الأوربي <--•--> العالم الإسلامي الإيراني
стр. 45
ففي هذا التخطيط، تشع فكرة كمنويلث إسلامي، من نقطة مركزية؛ والاتصال يقع من الخارج إلى الداخل.
وقد كان هذا التخطيط ذا قيمة منذ ثلاثة عشر قرناً مضت، لأنه يمثل على وجه الدقة: المجرى الذي اتبعه إشعاع الفكرة الإسلامية الذي كتب له أن يبدأ انطلاقه من نقطة مركزية هي (مكة) على وجه التحديد.
ولم يكن لهذا الإشعاع في ذلك الحين، أن يقع بطريقة غير الطريقة التي سار عليها، وذلك لما فرضته عليه الشروط التاريخية من اتجاه محدد. أما اليوم فإن هذا التخطيط- على العكس من ذلك- لم يعد ذا قيمة لأسباب عديدة، لعل أهمها هو ما يمكن أن تؤوَّل به (النقطة المركزية) التي تشع منها الفكرة في المجال السياسي، باعتبارها (إرادة خاصة) تسعى إلى فرض هذه الفكرة على غيرها. ولنكن على يقين من أنه سيوجد حينئذ في العالم، ما لا يستهان به من المصالح الغريبة عن العالم الإسلامي، التي ستتولى تأويل الفكرة على هذا النحو طواعية ومن غير ما تحرج، علاوة على ما يوجد في هذا التخطيط من عوارض أخري تتعلق بالمنهج وبتسهيل العمل .. وإذن فهو تخطيط يتعين تجنبه.
ب - التخطيط الصحيح:
العالم الإسلامي الأسود والأفريقي -->•<-- العالم الإسلامي الصيني - المنغولي
العالم الإسلامي - العربي -->•<-- العالم الإسلامي الماليزي
العالم الإسلامي - الأوربي -->•<-- العالم الإسلامي الإيراني
стр. 46
في هذا التخطيط تلاقينا عوارض التخطيط السالف، أولاً فيما يتعلق بالنقطة المركزية التي لا يمكن تأويلها هنا باعتبارها (إرادة خاصة)، وهو على نقيض سالفه، بتمثيله لنقطة التقاء خمس بوادر أو ستة في نظر الإنسان المسلم وغير المسلم سيان، سيكون من جراء هذا الاعتبار ذاته: التعبير الأكثر حقيقية عن (الإرادة الجماعية) الإسلامية. فهو يحقق إذن، وبطريقة مسبقة في شكله المحسوس، هذه الإرادة الجماعية مانحاً للمبدأ المكامل الذي سبق أن تحدثنا عنه كل فعاليته منذ البداية، حاثاً من جراء هذا الاعتبار ذاته عملية التكامل، وهذا أساسي للغاية.
وإذن فنحن بتوزيعنا العمل على لجان محلية مكلفة بدراسة المشروع، نكون قد كونا بهذا التوزيع نفسه وبطريقة مباشرة، التدشين الرمزي للكمنويلث الإسلامي، وكأننا قمنا بما يشبه وضع الحجر الأساسي في البناية. أما العمل الدراسي لهذه اللجان، الذي يبدأ من الداخل إلى المحيط كما قلنا، فسيكون- مهما تكن مدته- العمل التكويني، إذ يكون الكمنويلث الإسلامي قد ولد من خلاله في (عالم الأفكار)، ولم يتبق غير دخوله في عالم الوقائع التاريخية، ولسوف يدخله عمل تلك اللجان بطريقة مطردة في هذا المجال الأخير، لأن مواصلة هذا العمل ذاته تحتم بينهما مبادلات تربطها ضرورياً (بقاعدة مجمَّعة) أو (جهاز مركزي)، وهذا الجهاز، بوصله لتلك اللجان فيما بينها، سيكوِّن تيار التفكير الإسلامي، وبما أنه هذا التيار على وجه الدقة، هو الهدف الرئيسي الذي خلقت هذه اللجان من أجله، فإنها سوف تكون قد بلغت هدفها على نحو من الأنحاء، قبل إنجازها لعملها ذاته، لأن هذا العمل نفسه- ككل الأعمال التي تتعلق بالمجال البشري- هو في الوقت ذاته ذو صبغة فنية وأخرى (رمزية). والرمز في حد ذاته، ليس إلا عملية خلق، لأنه (يقاطب) بين الطاقات البشرية ويرغمها على الالتقاء في نقطة معينة. وإن عملية الخلق لتتم أحياناً قبل دخولها في المجال
стр. 47
الفني، أعني قبل أن تترجم في أرقام ووقائع.
إن بذرة الحياة، ليست سوى مجرد رمز في اللحظة التي تضعها (العناية) في رحم أمّ من الأمهات، ما هو وزنها؟ لا شيء أو كاللاشيء، ومع ذلك فإن مثل هذه البذور قد أنتج الأنبياء والعبقريات الكبيرة التي وجهت الحياة على صعيد هذه الأرض؛ وإذا ما اجتمع بعض الأفراد في خمس لجان أو ستة، لدراسة فكرة كمنويلث إسلامي، فإن اجتماعهم يمكن أن يبدوَ وكأنه لا معنى له! .. ومع ذلك فإن عالماً كاملاً يمكن أن ينشأ عن هذا الالتقاء.
стр. 48
القسم الثاني:
قيمة (الفكرة) في المجتمع الإسلامي
стр. 49
أ - (الفكرة) في المجتمع الإسلامي:
١ - ضعف أساسنا المفاهيمي:
إن أمام تنفيذ المشروع الذي سلف أن أشرنا إلى خطوطه العامة، بعض المصاعب التي تقوم في مجالين اثنين:
أ - فهي تعزى إلى التطور التاريخي للعالم الإسلامي، أعني إلى منشآته.
ب - كما أنها من ناحية أخرى، ناتجة عن تطوره النفسي، أعني عن أفكاره.
ويكفي فيما يتعلق بالنقطة الأولى أن نذكر بما سلف من أن كثيراً من الأشياء المتفسِّخة في العالم الإسلامي قد تلاشت بالموت. وأن الكثير من الأشياء الضرورية لما يولد بعد. والذي يترتب على هذا أن المنشآت في هذا العالم: إما أن تكون قد أصبحت لاغية، وإما أنها لما تتكيف بعدُ مع أوضاع العالم الإسلامي الراهنة. فمصر هي البلاد الإسلامية الوحيدة فيما أعرف، التي تهتم بإنجاز منشآت جديدة ضرورية لحياتها الداخلية ولاتصالها بالخارج. أما فيما يتعلق بالنقطة الثانية فإن الأشياء تبدو أكثر تعقيداً، وذات أهمية أكثر جسامة معاً، فنحن إذ قمنا فيما سلف بالمقارنة بين تطور اليابان الحديثة وتطور الشعوب الإسلامية منذ قرن من الزمان، قلنا إن هذه الشعوب قد دخلت (عالم الأشياء)، وأنها لَمّا تدخل بعدُ في (عالم الأفكار) كلية. كما ذكرنا أيضاً- مستعيرين للغة (علم نفس الطفل) - أن هذه المرحلة تمثل الطور (ما قبل الاجتماعي) الذي يكتشف فيه الطفل عالم الأشياء، وإن كان لا يزال على جهل (بعالم الأفكار).
ويمكننا أن (نُسْقِطَ) هذا الاعتبار على المظاهر المختلفة للحياة الإسلامية لنستخلص منها النتيجة المطابقة لها.
стр. 50
فنحن لو أسقطنا ذلك الاعتبار مثلاً على التطور الاقتصادي للعالم الإسلامي، منذ قرن من الزمان، نلاحظ أن هذا التطور باكتماله في اتجاه (الأشياء)، قد أنتج- ويلزم أن ينتج- (إعوازاً) زاد من حاجات هذا العالم، من غير أن يزيد في وسائله. وإذا ما أسقطناه على التطور الفكري، فهمنا السبب في أن هذا التطور عندما يتحول لدى المثقف المسلم إلى شكل من أشكال المادية، يكون قد اتجه نحو الشكل المحدَّد (بالأشياء) لا نحو الشكل المحدَّد (بالأفاكر).
وكذلك الأمر فيما لو أسقطناه على التطور الاجتماعي بصفة عامة، فإننا نفهم أن هذا التطور يتجه صوب ذلك الشكل من أشكال الحضارة الذي أدعوه (بالحضارة الشيئية)! ..
ويمكننا أن نسقط ذلك الاعتبار أيضاً على الاتجاه الجمالي أو السياسي، ويستخلص نتائج بالغة الأهمية .. إلا أننا نريد إسقاطه بطريقة أخص، على التصميم المفاهيمي، أعني على حياة الأفكار ذاتها ومدى فعاليتها في العالم الإسلامي.
فالمؤكد أن الالتقاء لَمّا يَتِمَّ بَعْدُ كلية بالنسبة إلينا بين عالم الأفكار وعالم الأشياء؛ ومن جراء هذا ظلت الفكرة معزولة ومحايدة، وكأنها العَزْلى من سلاحها بفَقْدها لفعَّاليتها.
وإذا ما أراد القارئ تكوين فكرة شخصية في هذا الصدد، فليقم بتجربة صغيرة يُرْضِخُ فيها محيطه لمعيار موائم. فقد كررت أنا نفسي تجربتي في كل الصور بالجزائر منذ ربع قرن. وإنني لأستطيع تأليف كتاب كامل في هذا الموضوع؛ ولكني أفضل أن يقوم القارئ بتجربته الشخصية بنفسه.
حاولوا في أي مناقشة أن توجهوا موضوع النقاش بطريقة منهجية حول
стр. 51
(الأفكار)، ولتختاروا على سبيل المثال موضوع المذاهب الاقتصادية أو أي موضوع نفساني. فإنه لا مَعْدى لكم عن الالتقاء في محيطم بثلاثة أصناف من الناس: الذين يلزمون الصمت تأدباً، والذين يتهكمون ملقين فيما بينهم بنظرات ذكية، وكأنهم يقولون من ورائها: يا للمخرف! .. وصنف ثالث وهم أكثر القوم خلوص نية: يتثاءبون من السآمة، ثم ينصرفون عنكم إلى الاهتمام بأشياء أكثر جدية كمشكلة (الشوال) مثلاً! ..
وحتى هذا المدى، فإنكم لا تزالون بعيدين عن مشاهدة كل المزعجات التي يمكن أن تحيق (بأفكاركم). إلا أنكم على أية حال قد قمتم في هذه الأثناء بملاحظة هامة، تتمثل في إدراككم لمدى ما عليه الفكرة في المجتمع الإسلامي من (لافعالية) وكأنها العَزْلى من سلاحها .. ولكن المجتمع- وهذا هو الأهم بدرجة لا تُضارَع- يعاني حينئذ نقيض مفعول موقفه: فهو مجتمع فقير الأفكار، في الساعة التي تمثل فيها الأفكار الثَّروة الوحيدة التي يُعوَّل عليها؛ وهو مجتمع أعزل مفاهيمياً أو إيديولوجياً، في نفس الوقت الذي يتعين فيه أن تُسَوَّى كل المنازعات في العالم من هنا فصاعداً لا بالأسلحة ولكن بالأفكار.
إن (عالم الأفكار) هو الذي يدعم (عالم الأشياء)، العالم الذي لا يقف على قدميه بدون العالم الأول، ولا يمكن أن يقف على قدميه بنفسه إذا ما أطاحت به النوائب.
والمؤكد أن عصرنا، من جراء العامل الفني الذي يُعَجِّل من خطو كل الاطرادات، هو العصر الأخصب والأحفل بالتجارب الاجتماعية البناءة.
فقد رأينا كيف قامت ألمانيا- وهي المستنزفة والمنهكة جهداً ووسائل سنة ١٩٤٥ - بنهوض معجز خلال عشر سنوات. وقد سلف لي أن فسَّرت في دراسة أخرى، هذا النهوض؛ بالإنسان والتراب والوقت، التي تفسر مجتمعة، كل عملية
стр. 52
اجتماعية. ولكننا إذ ندفع هنا بالتحليل إلى أقصى حدوده، من غير أدنى تغيير في المعادلة:
ـ[إنسان + تراب + وقت = حضارة]ـ
يمكننا، بل يتعين علينا أن نقول: إن الإنسان هو الذي يحدد في النهاية، القيمة الاجتماعية لهذه المعادلة، لأن التراب والوقت لا يقومان- إذا اقتصر عليهما فحسب- بأي تحويل اجتماعي.
ونحن إذا ما تساءلنا إذن: بأي شيء أنهض (الإنسان) الألماني وضعية بلاده أثناء هذا العقد المنصرم من الزمان كانكون ملزمين بالجواب عن سؤالنا هذا بطريقة واحدة لا غير، وهي أن أفكاره، وأفكاره فحسب، هي التي أتاحت له أن يحقق ذلك النهوض.
وهذا أمر حقيقي- وحقيقي بصورة لا مجال للريب فيها- سيما وأن حرب ١٩٣٩ - ١٩٤٥، قد خرَّبت عملياً (عالم الأشياء) في ألمانيا؛ بمصانعه، وآلاته، ومناجمه، وبنوكه، ومختبراته؛ فكل هذه (الأشياء)، كانت قد دمرت وأتلفت.
وإذن فقد كانت ألمانيا- على وجه الدقة وبطريقة تكاد تكون رياضية- لا تملك سنة ١٩٤٥، أي مجموعة من (الأشياء)، ولكن مجموعة من (الأفكار) فحسب. وهي قد كوَّنت من جديد، وابتداء من هذا (الرَّأسمال) المفاهيمي، كل حياتها الاجتماعية، واحتلت مجدَّداً مكانتها السياسية في العالم.
إن تجربتها بالنسبة إلينا لا تقدر بثمن، فهي تتيح لنا أن نستخلص بطريقة علمية، أن قيمة مجتمع معين في فترة ما من تاريخه، لا يعبر عنها بمجموعة (الأشياء) في هذا المجتمع، ولكن بمجموعة (أفكاره).
стр. 53
وإذن فما هي قيمة مجتمعنا الآن؟ .. مهما يكن من أمر، فإن شيئاً واحداً هو المؤكد: وهو أن (أساسنا المفاهيمي) ضعيف للغاية، و (عالم أشيائنا) لا يرتكز على كبير شيء. مضافاً إلى ذلك أنه حتى (الأشياء) الموجودة في هذا العالم، كنَّا قد اشتريناها من مجتمعات تملك (أفكاراً).
٢ - الفكرة ومراقب الاستعمار:
والواقع أنه يضاف- إلى ضعف جهازنا المفاهيمي الذي كنا بصدد الإشارة إلى فساده الداخلي- مفعول إضعاف آخر يتأتى من الخارج. فنحن عندما نجهل قيمة شيء معين، لا يعني هذا مطلقاً أن كل العالم يجهلها مثلنا. ولنتخذ لهذا مثلاً: فهناك أجيال من إخواننا في الدين، قد عاشت في العراق على مقربة من منابع البترول المنتشرة على سطح الأرض، ولكن هذه الأجيال قد ظلت تجهل الثروة الماثلة لأبصارها، حتى حان الوقت الذي أحسّ فيه مغامر أرْمنِيُّ بالأمر، وكان يحيا في اسطنبول معدماً لا يملك نقيراً، وإذا به يقوم بأكبر صفقة مالية في ذلك الحين، بتخليه لإحدى الشركات الإنكليزية عن حقوق ليست له، ولكن جهالة المسلمين هي التي مكنته من اكتسابها في مقابل لقمة خبز!.
وقسْ على ذلك الحال بالنسبة إلى القيمة الاجتماعية للفكرة؛ إذ يمكن أن نكون على جهل بقيمتها، بل نحن نجهلها فعلاً، ولكن الاستعمار لا يجهلها مثلنا. فقد مَكَّنَ في العالم لجهاز من المراقب التي تقتصر مهمتها على تَرَصُّد حركة الأفكار، ومنها نفهم أن كل ما يمرّ في العالم الإسلامي من أفكار يهمه بصفة خاصة، بقدر ما يهمه البترول، بل أكثر من ذلك بكثير.
وبطبيعة الحال فهذا الاهتمام ليس لمصلحة فكرية محضة، فالاستعمار ليس من هواة الرَّقائق الفكرية أو المولعين بها، ولا هو من زارعي الأفكار أو مكتسبيها. فله أفكاره الخاصة به، وهو يحتفظ بها لنفسه بغيرة، مفضلاً بيع
стр. 54
(أشيائه) لنا. ولكنه لكي يحافظ على احتكاره (للأفكار)، قد مكن، على وجه الدقة، في العالم: لجهاز كامل من الْمَراقب التي تستكشف الأفكار، وتتتبع تحركاتها باهتمام بالغ. واهتمامه بها، اهتمام عملي محض، لأن الأمر ينحصر بالنسبة إليه في حماية ذلك الاحتكار لنفسه. وهذا يؤول عملياً إلى صياغة فنية واستراتيجية خاصة، ليس لدى العالم الإسلامي أي فكرة عنها.
والاستعمار لا يقنع بمجرد الاستعلام عن حركة الأفكار؛ فهذا شأن (الفيلسوف)، إلا أن للاستعمار فلسفته الخاصة التي تتمثل في التخلص من الأفكار التي تضايقه، وفي الانحراف بها عن مراميها، بتوجيهها خارج المدار الذي أراد أصحابها استبقاءها فيه.
- كيف يتخلص من فكرة معينة! ... كيف ينحرف بها ويوجهها خارج مدارها؟ ... - ها هنا بالذات تتجلى عبقرية الاستعمار الجهنمية.
ويتعين علينا أولاً أن نقبل مبدئياً: أن الاستعمار يعرف- على الأقل أكثر مما نعرف نحن أنفسنا- كلَّ التفاصيل التي أشرنا إليها بصدد ضعف أساسنا المفاهيمي، وربما لا نكون سوى مجرد أطفال بإزاء الأخصائيين الذين يعملون منذ عشرات السنين في مختبرات الاستعمار النفسية، حيث يمتلكون بالإضافة إلى ذلك، كل وسائل الاستعلام التي لا يمكننا امتلاكها الآن. وإذن فهو محيطٌ علماً بكل ثغرات نفسيتنا، ولذلك فهو عندما يقوم بمعركة مفاهيمية، يكون على معرفة تامة بأرض المعركة أولاً وبالذات، ثم إنه على معرفة فنية (بالفكرة) باعتبارها وسيلة من الوسائل، من حيث معرفته لقيمتها الرياضية، وحدود هذه القيمة في النهاية.
ولذلك فهو يطبق عليها كل قواعد الحساب الأوَّلي تقريباً، للتبديل من قيمتها بالزيادة أو النقص، حسب متطلبات القضية، وحسب البطاقات النفسية
стр. 55
التي تشير لديه إلى الاتجاه الذي يتعين على العمل أن يَتمَّ في منحاه. وحساب (الأفكار) هذا، يرتكز من ناحية على القيمة (الصُّلْبِيَّة) للفكرة، وعلى قواعد (علم ردود الأَفعال البافلوفي) من ناحية أخرى.
فالفكرة (ف) لها قيمة معطاة هي (ك) مثلاً، وهذا الفرض يمكن أن يكتب كما هي الحال في علم الجبر: ف = ك، وهذه العلاقة تعبر عن القيمة الرياضية للفكرة. ولكن إذا كانت القيمة العددية في الرياضة يمكن أن تزداد بجمعها إلى أخرى، فإن القيمة المفاهيمية تنقص عموماً بمجرد ما نضيف لها أي قيمة أخرى، حتى ولو كان حدّاً إيجابياً: ت>س (أكبر من) صفر، مثلاً؛ فأنا إذا أضفت هذا الحدّ مثلاً إلى العلاقة السالفة يكون لدي ف١ = ك + ت، ويكون لدي الإحساس بأني زدت في القيمة الرياضية لِـ: ف، ولكن ليس أقل من ذلك يقيناً: فالحد: ت يمكن أن يُنقص تماماً من قيمة الفكرة، ولا يزيد فيها كفكرة .. ولكي نفهم ذلك نأخذ حالة محسوسة وجد بسيطة، وإن كانت قد تكون غير معبرة بطريقة كافية: فكرة = ماء، لنضف إلى هذه المعادلة حدّاً إيجابياً: فنقول: فكرة جديدة = ماء عذب؛ والمعلوم أن قيمة (الماء) باعتبارها تعبيراً رياضياً عن فكرة معينة، أهم من (الماء العذب) لأنها أكثر (عموماً). وحتى لو أن المثال مفرط في التبسيط، فإنه يوضح مع ذلك أن قيمة فكرة معينة، يمكن أن تنقص حتى بإضافة حدّ إيجابي لها، وإذا كان التدليل صحيحاً بالنسبة إلى الحد الإيجابي، فحري به أن يكون كذلك بالنسبة إلى حدّ سلبي.
والآن فلنطبق هذا التخطيط المبسَّط على تصميم المعركة المفاهيمية، فالاستعمار يمتلك كما قلنا جهازاً من المراقب التي تستكشف الأفكار، كما يمتلك منهجاً يتيح له تبديل قيمة فكرة ما، بالإضافة أو الحذف لحدّ من حدودها، وهذا المنهج يطبق قانون ردود الفعل الشرطية الذي اكتشفه (بافلوف)، مستعملاً ما يمكن أن نطلق عليه (المرآة الْمُعَطِّلة) ذات الآلية المبسَّطة؛ فهذه
стр. 56
المرآة تُسْتَعْمَل في تسليط الانعكاسات التي (يسقطها) حدٌّ مختار لغاية معينة، بطريقة تلقائية على (فكرة) ما، في ذهن قارئ من القراء.
ونحن نستطيع أن نأخذ على سبيل المثال، بغية توضيح الكيفية التي تعمل بها هذه المرآة، (الفكرةَ) التي نتحدث عنها هنا بالذات، أعني فكرة الكمنويلث الإسلامي؛ ولنكن على اقتناع كما سيأتي توضيح ذلك، أن هذه (الفكرة) لم تغب عن مراقب الاستعمار المختصة، منذ الوهلة الأولى التي أذيعت فيها على الجمهور بين سلسلة الدراسات التي يُزْمَع نشرها في (سلسلة الثقافة الإسلامية)، ومن ثَمَّ فهل تدهش أيها القارئ المسلم الطيِّب القلب، إذا ما قرأت صبيحة ذات يوم في صحيفتك هذه السطور المحرَّرة كما يلي:
«عندما كان فاضل الجمالي يسافر إلى لبنان، كان يزور حزب الكتائب، ويثير في أعضائه الشبان: النزعةَ إلى الفتنة الطائفيَّة ضدَّ المسلمين، ويخرج من دار الحزب ليعقد المؤتمرات الصحفية التي يدعو فيها إلى تكوين (كملنويلث إسلامي)».
وإنك لتتساءل أيها القارئ الطيب القلب، عما إذا كان هذا ممكن الوقوع؟! .. - بلى قد حصل ذلك بالفعل، وقد تكون قرأت الخبر المذكور في إحدى الصحف التي تصدر بالقاهرة، في عددها الصادر بتاريخ: ٥/ ١٠/ ١٩٥٨م.
ها نحن على وجه الدقة، أمام (مرآة) تامة الشروط، حيث يأتي اسم (فاضل الجمالي) كما هو المرآة، ليعكس في ذهن القارئ ردود فعل معَطِّلة، وربما ليس فيما يتعلق بهذه الدراسة فحسب، لأنه من يدري إلى أيِّ مدى ترمي فكرة الاستعمار في هذه الحالة؟
مهما يكن من شيء، فنحن نرى في نطاق موضوعنا، أيَّ (حدٍّ سلبيّ)
стр. 57
يريد الاستعمار إضافته في هذه المرَّة إلى الفكرة التي نحن بصدد تحريرها هنا، وهذه لغة مرآته، وكأنها تقول للقارئ: إننا هنا بصدد تحرير فكرة عزيزة على رجل يقف في هذه الآونة أمام عدالة بلاده، متَّهماً بالخيانة العظمى!! ..
ولكي نترك للقارئ تحكيم حاسته النقدية، نُذكِّره فحسب، بأن السيد (فاضل الجمالي) وبقية الرجال الذين كانوا يحكمون معه ببغداد، كان لهم قاموس ديبلوماسي آخر؛ وبما أنني أعرف من هو فاضل الجمالي منذ زمن بعيد- وقد كنت أجاهر بذلك في كتاباتي عندما كان بعض الساسة المعيَّنين يفسحون له صدورهم في صحافتهم- فإنني أستطيع أن أؤكد أن (فرس الرّهان) السابق (لنوري السعيد)، كان يستعمل كلمة (إسلامستان): بدل (كملنويلث إسلامي) وهي الكلمة التي قذفَت بها وزارة الخارجية الإنكليزية في (طهران) منذ نهاية الحرب الأخيرة، لتَضع بها قاعدة مفاهيمية تمهِّد (لحلف بغداد) مستقبلاً!
وإذن فنحن قلباً وقالباً أمام (مرآة) تُسْتَعمل بدقَّة متناهية في (إسقاط) انعكاسات معينة على فكرة الكمنويلث الإسلامي، ويتعين علينا أن ندع للقارئ التَّمَرُّن على زيادة تحليل آليتها إذا أراد.
فقد أردنا في هذه الفقرة أن نبين له ببساطة أنه يَنْضافُ إلى الضِّعف الداخلي في تجهيزنا المفاهيمي، (إضْعَاف) ناتج عن مجهود منهجي، من المعاكسة الموتجِّهة من الخارج؛ وباجتماع ذينك المفعولين تصبح حياة (الأفكار) صعبة في المجتمع الإسلامي، المجتمع الذي لم يَصِلْ بعد- في طوره/ ما قبل الاجتماعي/- عالمَ الأشياء بعالم الأفكار. وبطبيعة الحال فإنَّ لهذا التخلُّف الذي يَسِمُ طوره/ ما قبل الاجتماعي/ دَوِيُّه وتأثيره على كل الحياة في الأشكال المختلفة للافعَّالية التي قد تكوِّن من الوجهة الاجتماعية أهمَّ مشكلات العالم الإسلامي.
стр. 58
ب - اللافعالية في المجتمع الإسلامي:
(مظاهرها المختلفة):
من البين أنه لا تلزمنا ملاحظة طويلة، لكي نأخذ في اعتبارنا أن (المنطق العمليَّ) ينقص البلاد الإسلامية عموماً؛ فهذا أمر متوقَّع، لأنّ العجز في الأفكار، يخلق أو يُنتِجُ في المجال النفسيّ عجزاً في (المراقبة الذّاتية)، وفي مراجعة (النتائج). ففكرنا لا يقيم علاقات بين النشاطات والجهود والوسائل من ناحية، و (نتائجها) من ناحية أخرى. ومفهوم (المحصول) لا وجود له في تربيتنا الأولى، إذ هو لا يكوّن جزءاً من عالم أفكارنا. بينما المجتمع هو جهاز التّحويل، الذي يحوِّل الطاقات الاجتماعية إلى (نتائج) مختلفة، ولذلك يتعيّن علينا أن نطبِّق عليه (برهان الديناميكا الحرارية)، الذي يعبّر عن العلاقة بين (الطّاقة المستهلَكة) م، و (العمل الحاصل) ر، حسب النسبة الكلاسيكية: المحصول= ر/م.
فالميكانيكيّون يعلمون أن هذا الجهاز، يكون أقرب إلى الكمال عندما تكون قية ر/م أقرب إلى ١ (واحد)؛ مع العلم بأنها تظلّ دائماً دون (الواحد) بحكم طبائع الأشياء. و (الفرق) الموجود بين (الواحد) و (خارج القسمة) يسمَّى (التَبْديد)؛ (فالمحصول) و (التبديد) قيمتان متعاكستان، أعني إذا زاد أحدها نقص الآخر بالضرورة. فإذا كان الجهاز مطلق الجودة، فإن محصوله يكون مساوياً للواحد، وفي هذه الحالة نحصل على ما يسمَّى بـ (الحركة الدّائمة)، وهو أمر مستحيل التحقُّق حسبه قوانين الميكانيكا. وإذن فهناك فجوة بين القيمة الحقيقية للمحصول والواحد، وبهذه الفجوة يمكن أن يقاس مقدار العجز الميكانيكيِّ أو ما يدعى بتبديد الجهاز.
стр. 59
وكل هذه المفاهيم تنطبق تماماً على المجتمع البشري، باعتباره جهاز تحويل للطاقات الاجتماعية. وبطبيعة الحال فإن هذا (الجهاز) الأخير، بقدر ما يكون أكثر جودة، بقدر ما يكون (محصوله) - أعني علاقته ر/م في مستوى أفضل؛ على أنه يتعيَّن علينا أن نلاحظ بانتباه بالغ أنَّ عملية تحويل الطاقات الاجتماعية ترضخ لقوانين مختلفة عن مجرد قوانين العملية الميكانيكيَّة البسيطة؛ فهي ترضخ بالخصوص لنسق النظام الاقتصاديّ الذي يحتِّم أن يكون الإنتاج متفوِّقاً على الاستهلاك دائماً، وإلاَّ تحدَّر المجتمع إلى درك الإفلاس. وهذا الشرط المعبِّر عنه في صورة (جبريَّة) بوساطة (اللاَّمُتَساوية).
الواجب> (أكبر من) الحق، يشير إلى أن العلاقة: ر/م لأحد المجتمعات يجب أن تكون على عكس العلاقة الميكانيكيَّة، أعني أكثر من (الواحد) بقدر الإمكان. وهذه الحقائق التي تشير إليها المصطلحات في صيغة جبرية، هي التي يعبر عنها عالم الاقتصاد بقوله: إنه يجب أن يكون الإنتاج أكبر من الاستهلاك.
ويمكننا التَّدليل على ما سلف بالمثال التَّالي، وذلك باتِّخاذنا إياه كصورة مُحَلَّلة من صور النَّشاط قي شكل:
......... ميزانية لإحدى الروابط الطالبية بالقاهرة .........
ابتداءمن شهر (نوفمبر) سنة ١٩٥٨ حتى شهر (يوليو) سنة ١٩٥٩ م:
أ - مداخيل ...................................................................... ق ٨٥، .......... ج ٤٧٩
(تضاف إليها مساعدة قيمتها) .................................................... -، ............... ج ١٢٠
ب - نفقات ..................................................................... ق ٧٣، ........... ج ٣٣١
جـ - تفاصيل النفقات:
١ - معونة للطلبة ................................................................ ق ٥٠، ........... ج ٨٣
٢ - مصاريف إدارية .............................................................. ق ٢٠، ........... ج ١٣
стр. 60
٣ - مواصلات ................................................ ق ٢١، ........... ج ٦
٤ - مصاريف الاستقبالات ..................................... ق ٥٧، ........... ج ٢٦
٥ - نشاط ثقافي: .............................................. ق ١٥، ........... ج ١
(عددان اثنان لجريدة حائطية)
٦ - نفقات المؤتمرات ............................................ -، ........... ج ٧٦
٧ - أدوات الرياضة والرحلات .................................. -، ........... ج ١٤
٨ - مساهمة الرابطة في تكاليف المحل ............................ ق ٧.، ........ ج ٦٧
٩ - تسديد الدُّيون ............................................. ق ٦١، ....... ج ة ٣
١٠ - مكافأة البوّاب ............................................. -، ...... ج ٠٨ (١)
ملحوظة: لو نظرنا إلى الفقرة رقم (٥) باعتبارها قاعدة النشاط لرابطة طلابية، لوجدنا العلاقة: ر/م مساوية لِـ: ق١٠،ج١/ق٧٣،ج٣٣١، أي أنها أسوأ من علاقة محرِّك رديء، وذلك باعتبارنا الأشياء من وجهة نظرية بحتة بطبيعة الحال.
والواقع أننا عندما نحلِّل بعض النشاطات النموذجية في المجتمع الإسلامي، نلاحظ أن (التبديد) هو الغالب بكثير في معظم الأحيان على (المحصول)؛ وبملاحظتنا لبعض النشاطات النموذجية في الجزائر، تمكنت في دراسة ظهرت لي منذ بضعة سنين، من الإشارة بالأرقام إلى تبديد مفرط، لطاقتنا الاجتماعية، وتبذير مسرف وغير محسوس في وسائلنا، وهذا مظهر من مظاهر اللاَّفعَالية التي تُعزَى إلى العجز في (أفكارنا)، ولكننا إذ نقرِّب الملاحظة التي قمنا بها في الجزائر، من ملاحظة أخرى أجريت على الصعيد الاجتماعي نفسه، نلاحظ أن هذا العجز يخلق مفعولاً اجتماعياً معيناً، وسبباً نفسياً مصطنعاً يمدد في هذا
стр. 61
المفعول ويمنحه تبريراً ومغالطة، لأننا نلاحظ على الصعيد نفسه (التبديد) في الوسائل، مما يؤول إلى (نتائج) محدودة من ناحية، ثم نجد أن الأشخاص يفسِّرون هذه المحدوديّة في النتائج لا بسببها الحقيقي المتمثِّل في التبديد، ولكن بسبب ثانوي هو: (الفقر)!
وبما أن هذا السبب الثاني، ليس هو السبب الحقيقي، نجدنا على نحو من الأنحاء، مُنحَبِسين في مناقضة أضعنا مفتاح مغاليقها: فنحن لا نعاني اللاَّفعَّالية فحسب، ولكننا نخترع شيئاً ما: (تُرَّهة) معينة لاستبقائها! ونحن عندما نتفحَّص عن كثب حياتنا الاجتماعية، نجد فيها ما لا يستهان به من التُّرهات من هذا القبيل، بغية تبرير لافعَّاليتنا.
بالإضافة إلى تُرَّهة (الفقر)، يمكننا أن نذكر ترَّهة (الجهل) التي تبرِّر لافعَّاليتنا في مجال آخر؛ بل وهناك حتى تُرَّهة (المسافة)! فقد سألت أخيراً اثنين من الطلاب الأندنوسيين السؤال التالي كمعيار:
- لماذا لا يوجد في العالم الإسلامي تيار فكريّ نوعيّ، كما هو الشأن في العالم الشيوعي، والعالم الغربي؟
وقد فكر الشابان ثانية من الزمان ثم أجاباني: إن (المسافة) بين أجزاء العالم الإسلامي تفصلها الواحد عن الآخر، وتفصل بين أفكارها كما تفصل بين أجسامها. فسألتُ سؤالاً آخر:
- هل تريان أن أجزاء العالم الإسلامي هذه، كانت تتصرف بطريقة أخرى، لو انعدمت هذه المسافة التي تفصل بينها؟
- فأجابا: أن نعم وبالتأكيد.
وحينئذٍ سألت السؤال الثالث:
стр. 62
- ها أنتما تريان أن هذه الأجزاء قد تخلَّصت من تلك المسافة الفاصلة في القاهرة، حيث تتمثَّل هذه الأجزاء في صورة بعوث طالبية، فهَلاَّ رأيتما هؤلاء الطلاب يقيمون فيما بينهم تيَّاراً فكريّاً؟
ولقد بدَّد سؤالي هذا ولا ريب في ذهنيهما (تُرَّهة المسافة) لأنَّني رأيتهما يبتسمان كما يبتسم الطيِّبون من أولي العقيدة، عندما يكتشفون غلطتهم بأنفسهم! ..
وهناك أشكال أخرى من اللاَّفعَّالية غير التُّرَّهات، أو هي على الأقل تبزر بترهات من نوع آخر، وتفسَّر في النهاية بالداء نفسه المتمثل في: العجز في الأفكار، وانعدام الاتصال بين عالم أفكارنا وعالم أشيائنا.
لاحظوا سلوكَ أحد الوُعَّاظ المصلحين: ما الذي يريد عمله؟
تُراه يبغي إصلاح المجتمع بكلماته ومواعظه؟ هذا حسن جدّاً.
ولكننا نتساءل: في أيِّ البقاع تبدو الحاجة أمَسَّ إلى كلماته؟
إنها تبدو بطبيعة الحال في القطاع الاجتماعي الذي يمكن لمواعظه أن تحدث فيه أكبر قدر مستطاع من التأثير، أعني في البقاع التي تُرك فيها الشعب لمصيره من غير تعليم، ومن غير عمل، ومن غير مثال بناء يُنَزِّله منزلة القُدْوة. وإذن فالمتعَيِّنُ على هذا المصلح أن يحمل كلماته إلى أسفل وأوسع قطاع ممكن؛ أعني إلى الطبقات السفلية من الأهلين، وإذا بنا نراه يقف شخصه على (الأفراد الموسرين)، الذين يسعون بأنفسهم إلى جوار منبره، أو أمام مِنَصَّتِه، ليسمعوا أقواله، ثم يعودون به إلى مقره في عرباتهم الفخمة!
وفي حالة أبعد من أن تكون مماثلة لهذه، حيث وقف النبي ﷺ ذات مرة كبماتِه على (وجهاء القوم)، فجابهه القرآن بالآية:
стр. 63
﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى .. ﴾ [عبس ٨٠/ ١ - ٢].
أيّ كلمات شديدة الوقع تتنزَّل من السماء لو وُجهت في يومنا هذا إلى هذا المصلح بالخصوص!
ولنشاهد أبسط واعظ في المساجد يوم الجمعة، إن دعوته تنصبُّ عملياً على الفضائل التي كوَّنت عظمة الإسلام في القرون الأولى. ولكن لنراقب هذا الواعظ عندما يغادر المنبر. إن حياته العائلية مطابقة في معظم الأحيان للمثال الذي كان ينتقده، فغالباً ما تكون أسرته مالكة لما هو غير ضروري، ومتصلة بالأسر المترفة التي تمتلك السيارات الفخمة والتي تقضي عطلاتها على الشواطئ.
إن وعظه ليس عملاً اجتماعياً، ولكنه مجرد واقعة لفظية؛ أو هو في أحسن الأحوال مجرد أخلاقية ملتفتة إلى الماضي أكثر من اتجاهها صوب المستقبل؛ فهو يفتقد القوة التي تَسِمُ الأعمال الكبيرة، والتي تصدر عن الروح في لحظات توترها الخلاق، وهو ما يمكن تفسيره بانعدام النزعة الغيبية الحقيقية. فنحن لا نجد في ذلك الوعظ الاهتمام بالفعالية، ولا الفعالية ذاتها، تلك التي تكوِّن معياراً صالحاً في كل زمان، وبالخصوص في عصرنا هذا، حيث تمثل المعيار الراجح في جدول قيم هذا الزمان.
إننا في كل مرة نقف فيها أمام مظهر من مظاهر اللافعالية في المجتمع الإسلامي، نرى أنفسنا مجبرين على ربطه (بعالم أفكارنا) لأنه في هذا العالم تكمن أدواؤنا!
стр. 64
القسم الثالث:
وظيفة كمنويلث إسلامي
стр. 65
١ - مناطق (الحضور):
إن (عالم أفكارنا) يتكوَّن بالتَّدريج، منذ اللحظة التي ندخل فيها هذا العالم. وهو يعانق على التوالي دائرة أوسع، بقدر ما نُحَسِّنُ من تفكيرنا في الأشياء، ابتداء من المرحلة/ ما قبل الاجتماعية/، في انتقالنا تقدمياً من محيط الأسرة إلى المحيط الاجتماعي. وهكذا يتكوَّن تفكيرنا وتنمو معه أفكارنا من احتكاكنا بعالم الأشياء.
وهذا الاطراد النفسي هو الذي يحدد الخصائص الاجتماعية (للأنا) لدى الطفل، كما يحدد على نحو ما مدى حقل نشاطه، أو بتعبير آخر فَلَكَ (حضوره) في العالم، وبقدر ما تزداد تربية الطفل، بقدر ما تكتمل الخصائص الاجتماعية (لأناه)، وتتسع دائرة (حضوره) في العالم، وتخصب شخصيته. ومن ناحية أخرى، نلاحظ أن تكيّف طفل اليوم مع (عالم الأفكار) وتكوُّن دائرة حضوره، يتمان بأسرع مما كان عليه الأمر قديماً.
فالعنصر الصياغي الذي أبرز إلى الوجود من الوجهة الجغرافية- السياسية.: المساحات الكبيرة المخططة، وسَرَّع التطور الاجتماعي للكتل البشرية التي تعيش في هذه المساحات، قد سَرَّع كذلك، من وجهة النظر النفسية، تكيف الأطفال مع (عالم الأفكار)، لأن الطفل نفسه قد أصبح يعيش في مجال أوسع، بفضل المذياع، والسينما والتلفزيون، ومجلات الأطفال المصورة. فقد حدث ما يشبه التمدد في مستواه الشخصي، وعلى العكس من ذلك، إذا ما طرأت ظروف خاصة لا تمكنه من التكيف بهذه الطريقة، فهو يبدو متخلفاً بالنسبة إلى جيله، ومن ثَمَّ تطول مرحلته ما قبل الاجتماعية.
стр. 66
وهذه الاعتبارات ذاتها، صالحة فيما يتعلق بتطور الفرد النفسي عموماً، وتطور المسلم نفسياً بالخصوص. فالمستوى الشخصي لهذا المسلم، حتى ولو نما نمواً نسبياً، يمكن أن يبدو في حالة تضاؤل، بقدر ما ينمو تطور الآخرين بسرعة أكثر. والواقع أن الوعي الاجتماعي الذي كان يتكون منذ حين في دائرة محدودة، أمام منظر محدَّد عموماً، بنطاق بلاد معينة هي الموطن، قد أصبح يتكون اليوم في إطار أكثر امتداداً بدرجة لا تضارع، وفي منظر أكثر انفساحاً كذلك. فكما هي الحال بالنسبة إلى الطفل، وللأسباب نفسها، يحصل امتداد في المستوى الشخصي للفرد: امتداد حضوره إلى مدى أبعد هن مقره، فوسطه، فبلاده. وهذا التوسع في مستواه الشخصي، يكون مقياساً غير مباشر لدرتجة تحضر هذا الوسط، حيث لا يحيا الفرد مع أهله ومواطنيه فحسب، ولكن مع عدد أكبر من الآدميين.
وإذا كان هذا مقياساً للتحضر بالنسبة إلى وسط معين، فهو صالح كذلك بالنسبة إلى الوسط الإسلامي، إما لقياس تقدمه إذا كان متقدماً في هذا الطريق، وإما لقياس تخلفه إذا كان متخلفاً فيه.
وإذن فنحن إذا أردنا استدراك هذا (التخلف) الذي تناولناه كحالة مرضية خاصة بالمجتمع الإسلامي، كما سلف أن شرحنا ذلك فيما مضى، فهناك مجال لكي نأخذ في اعتبارنا بطريقة منهجية الإطار الاجتماعي الذي يتكوَّن فيه وعي المسلم المعاصر، بغية منحه أقصى مستوى شخصي ممكن. والواقع أن فكرة الكمنويلث الإسلامي تمثل في ذاتها تمديداً في المنظر الذي يتكوَّن فيه الإنسان المسلم، وبالتالي امتداداً في مستواه الشخصي.
ونحن إذ نُلخِّص هذه الاعتبارات بالنسبة إلى مسلم معين؛ يمكننا أن نقول إن وعيه يتكوَّن وسط عدد معين من الدوائر التي نستطيع تخطيطها، في اعتبارنا لها
стр. 67
بالنسبة إلى فرد (عربي جزائري) لا يتعدى نطاق حضوره الدائرة المشار إليها بالرقم (١)، ولتكن (مدينة الجزائر) على سبيل المثال:
(١ عربي جزائري)
(٢ العالم العربي)
(٣ العالم الإسلامي)
(٤ العالم الإفريقي - الآسيوي)
(٥ الدائرة العالمية)
فنشاهد على هذا التخطيط، أنه بقدر ما يعي فيه الفرد المولود في الدائرة رقم (١)، الدائرةَ رقم (٢)، أعني مشاكل العالم العربي واتجاهاته وآماله، بقدر ما يكتمل وعيه ذاته، وينمو مستواه الشخصي؛ وبقدر ما يتخطَّى دائرة داخلية إلى أخرى خارجية، بقدر ما ينمو عالم أفكاره؛ وعندما يبلغ وعيه الاكتمال المتطابق مع (الدائرة العالمية) يكون مستواه الشخصي قد بلغ أقصى اكتماله، بحيث يَنْبَثُّ (حضوره) في سائر أجزاء المعمورة.
ولكي نعود إلى موضوعنا، نقول إن الإنسان المسلم بتطوره في الاتجاه (الانبساطي)، يستدرك تقدمياً من تأخره، ويملأ فراغ تخلفه كذلك. وإذن فانتقاله من دائرة مواطنه إلى دائرة العالم الإسلامي حيث تحتل فكرة الكمنويلث الإسلامي مكانها، يمثل اتجاه اكتماله الطبيعي في عصر المساحات الكبيرة المخططة!
стр. 68
٢ - تبعية المشاكل:
غالباً ما نذكّر بأن القرن التاسع عشر، قد كان قرن التاريخ، لأن مشاكله توضع في الزمان، ويتم تقصِّيه للأحداث في ماضي البشرية حتى تخوم ما قبل التاريخ.
وكذلك يقال إن القرن العشرين، هو قرن الجغرافيا السياسية، لأن مشاكله أميل إلى عناق معطيات المكان؛ وبما أنه قد شاهد ظهور المساحات الكبيرة المخططة، فقد أدى به اطراده في هذا الاتجاه، إلى أن يشاهد الآن المحاولات الأولى، لفتح ما بين الكواكب من مجال.
وإن دوائر الأفكار التي قدمنا تخطيطها الرامز لهذا المفهوم، لهي الترجمة البسيطة لهذه الظاهرة العامة في حياة المسلم. فقد أصبح الإنسان المسلم ذاته مرغماً على الحياة في مجال أكبر، أو بتعبير أدق، في مجالات متعددة، فهو في أحدها مواطن في بلاد معينة، وفي الآخر يمكن أن يكون من مشمولات وحدة فدرالية ذات طابع سياسي سُلالي، وفي مجال ثالث يكون فرداً تابعاً لمجتمع ذي طابع ديني، وفي الرابع يمثل عضواً في مُتَّحَدٍ ما زال يبحث عن تحديد طابعه ورسالته، وأخيراً فهو في حيِّز القوة (مواطن عالمي) حسب التعبير الأصيل المعزوّ إلى جاري ديويز ( Garry Dawies).
ولكننا حتى الآن لم نضع مشكلة الإنسان المسلم إلا بالنسبة إلى المجال المحدد (بدار الإسلام). ويمكن للقارئ أن يقدر أننا بهذه الطريقة، قد استطعنا أن نهمل، في قليل أو كثير، المعطيات التي تتدخل على حد سواء في تلك المشكلة، إما باعتبارها عاملاً محدداً لموقف الإنسان المسلم الاجتماعي، أو باعتبارها نتيجة مترتبة على هذا الموقف. وهذا حق فقد قصرنا موضوعنا طواعية على زاوية جد محدودة، إذ لم نأخذ في اعتبارنا إلا العناصر التي تتعلق مباشرة بفكرة
стр. 69
الكومنويلث الإسلامي. ولكننا بنظرتنا الى المسلم في هذا المجال، يمكننا ان نتعرف من هذه النظرة نفسها على ماضيه ومستقبله، وِراثته ومهمته، وعلى دوره كإنسان عقيدي، ودوره كمواطن.
ولقد لاحظنا في الفقرة السالفة أن كل انتقال من دائرة داخلية إلى دائرة خارجية، يسجل تقدماً في التطور النفسي للفرد، وتمدداً في مستواه الشخصي يمنحه سَعَةً أكبر على نحو من الأنحاء. وعلى ذلك فمن الحق القول بأننا إذ نسلم للمسلم بمهمة تشمل سعة العالم الإسلامي، نكون قد زدنا في مستواه الشخصي أولاً وبالذات؛ ولكن أليس هذا التقدم للإنسان العقيدي في نهاية الحساب تقدماً للمواطن؟ .. المؤكد أنه قيد مشترك بين الطرفين، القول بأن العقيدي الحق، يكون دائماً مواطناً حقيقياً حتى بالنسبة إلى مساكنيه من ذوي المعتقدات المغايرة لمعتقده.
ومن ناحية أخرى فقد قلنا فيما مضى أن (عالم أفكارها) هو الذي يحمل الداء وأسباب أزمة العالم الإسلامي. وهذه الملحوظة يمكن أن تُتَرْجَمَ بطريقة أخرى هنا، فنقول إن (الإنسان العقيدي) يحمل في داخله المشاكل التي يواجهها المواطن، وإذا ما خلَّصْنا الواحد من بعض عقده المعينه، نكون قد خلصنا الآخر، بهذه العملية ذاتها من جزء كبير من مشاقه، لأنه يتصرف حاملاً لردود فعل ليست متأتية من بلاده، ولكن من (حبكة) تاريخية متأتِّية من الحضارة الإسلامية ذاتها. فثلاثة عشر قرناً قد فصَّلت نموذجماً اجتماعياً مسلماً، يتصرف ويفكر حسب كيفيات لا تغيب عنا ملاحظة سماتها المشتركة من (طنجة) إلى (جاكرتا). والمترتب على ذلك، أننا بملاحظتنا لمشكلة (الإنسان العقيدي)، نكون قد لاحظنا مشكلة المواطن في عمقها: إذ أن مشاكل هذا أو ذاك ذات تبعية متلازمة.
وإذن فنحن إذ نتناول مشكلة الإنسان المسلم نكون قد التقينا بمشكلة
стр. 70
(المواطن)، في أي بلاد ربطها التاريخ بصلات تقليدية مع المجتمع الإسلامي، بل نحن نتناول هذه المشكلة الأخيرة بطريقة أفضل. فنحن بهذه الطريقة سنتفهم بالخصوص، وبأفضل من ذلك، البدعة المتبدِّية فيما هو واقع من أن مواطن (جاوة) ومواطن (مراكش)، يعيشان اليوم على نفس المحور الجغرافي - السياسي الذي يبدأ من طنجة إلى جاكرتا، وهما مع ذلك جد مختلفيْن، بالنظر إلى النموذج المجتمعي الذي يحيا على محور واشنطن- موسكو ...
وذلك راجع لما بينهما من قاسم مشترك، ليس متأتياً من الطقس ولا من التراب في بلادهما، ولكن من وراثة معينة يدينان بها إلى مجمتع (ما بعد الْمُوَحِّدين) الذي خصَّهُما في الواقع بالكثير من العناصر السلبية التي سبق لي أن حاولت إدراجها في دراسة أخرى تحت عنوان: (القابلية للاستعمار). وإذن ففي يومنا هذا توضع مشكلة (المواطن) في أي بلاد على نفس المضمون الاجتماعي لمشكلة أي كان من (إخوانه في الدين) في البلاد الأخرى. وهذا يؤدي إلى القول بأن مشكلة الإنسان العقيدي هي التي توضع في حقيقة الأمر، أعني مشكلة الإنسان المسلم الذي لا يعرف البتة كيف يستعمل عقيدته باعتبارها أداة اجتماعية ... وإن إحدى الفضائل التي يتعين ربطها بفكرة الكمنويلث الإسلامي، لهي إرْجاعُ هذا الاستعمال للإنسان المسلم، ومن ثَمَّ إرجاع ما للإسلام ذاته في النهاية من فعالية اجتماعية، ومن إشعاع في العالم.
٣ - الشهادة:
إن الاعتبارات التي أجْرِيتْ على تخطيط الدوائر (أي مناطق الحضور)، قد تناولت بالخصوص موضوع المظهر النفسي- الاجتماعي في مشكلة الإنسان المسلم باعتباره (مُمَثلاً) لأفعاله أو (مؤلفاً) لها .. ولكن القرآن يعينه لدور آخر، هو دور (الشاهد) أو المشاهد الأمين لأعمال الآخرين:
стр. 71
﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة ٢/ ١٤٣].
والتخطيط السالف يمكن أن يتيح المجال لاعتبارات بالغة الأهمية متعلقة بهذا المظهر الأخلاقي، تلتقي تماماً مع الاعتبارات التي قدمناها في الفقرتين السالفتين، أو هي تواكبها امتداداً على نحو من الأنحاء ..
فالواقع أن (الشاهد) في أساسه هو (الحاضر) في عالم الآخرين. والصفة الأولى المكتسبة، لإثبات قيمة أي (شهادة) هي: (حضور) الشاهد. ومنذئذ، إذا كان متعيناً على المسلم أن يقوم بالدور الملقى على عاتقه في الآية السالفة، فهو مجبر على الحياة في اتصال وثيق بأكبر عدد من الذوات البشرية ومشاكلها كذلك. ومن ثم يتعين على (حضوره) أن يعانق أقصى حدّ ممكن في المكان، لكي تعانق (شهادته) أقص كمٍّ ممكن من الوقائع. وعلاوة على ذلك، فإن المسلم في هذه الحالة ليس صاحب دور سلبي محض؛ إذ أن حضوره نفسه يؤثر على الأشياء وعلى أعمال الآخرين.
فعندما يكون الشاهد حاضراً، يمكن لحضوره فحسب أن يغير من سير الأحداث، وأن يجنب الوقوع في المحظور؛ وعلى هذا فإن رسالة المسلم في عالم الآخرين لا تتمثل في ملاحظة الوقائع، ولكن في تبديل مجرى الأحداث، بردها إلى اتجاه (الخير) ما استطاع إلى ذلك سبيلاً:
«من رآى منم منكراً، فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان».
فهذا الحديث يضبط درجات الشهادة الثلاث، والدرجة الثالثة تمثّل الحضور المحض من غير تأثير مشاهد على الأحداث. وحتى في هذه الدرجة التي يصفها الحديث «بأضعف الإيمان»، ليس حضور المسلم بالسلبيّة المحضة ... ففي تَثبّت
стр. 72
الوقائع الباطني، يوجد الدليل الكافي على حضور المسلم في عالم الآخرين، ليس فحسب في دائرة مصالحه ومشاكله الذاتية بصفته مواطناً وعقيدياً، ولكن في الدوائر الأخرى كمجرد (إنسان).
إلا أنه يجب أن نربط مفهوم الشهادة هذا، بكل الأهمية المتطابقة مع الدلالة التي يمنحه إياها القرآن، لكي نجعل منه رسالة المسلم الأساسية. كما يجب أن نطرح المسألة على الصعيد (الأُخْرَوِيّ)، لكي نستكشف دلالتها بمزيد من الجلاء، وإن كنا لا ننتوي القيام بذلك في هذه الفقرة.
٤ - الرسالة:
وهناك مفهوم آخر يوضحه تخطيط الدوائر كذلك فيما يتعلق بالإنسان المسلم الذي يجب عليه أن يقوم بدور الشاهد، كما سلف القول؛ فهذا المفهوم قد بيَّن لنا أنه يتعيَّن عليه الحضور في مجال الآخرين- أو بتَعبير مُتَمَشٍّ مع تخطيطنا- في الدائرتين ٤ و ٥، ما دام حاضراً في الدوائر السابقة لهما.
وفي ذات الوقت الذي يكون فيه (شاهداً)، يتعين عليه أن يصبح (رسولاً). كذلك، أعني صاحب رسالة يبلغها إلى الآخرين.
لقد ختم النبيُّ ﷺ (حجة الوداع) - كما نعلم جميعاً- بإشهاد ذي أهمية خاصة من وجهة النظر الأخلاقية، إذ توجّه بخطابه إلى جموع المؤمنين التي كانت تستمع إليه في صمت وخشوع، بعد أن أدّى إليهم آخر وصاياه، متخذاً السماء شهيداً، فقال لهم: «ألا ليبلِّغ الشاهد منكم الغائب».
فهذه العبارة تسجل رمزياً ختام رسالة النبي ﷺ ، ولكنها تسجل في الوقت ذاته اللحظة المشهودة التي تصبح فيها هذه الرسالة، بما في محتواها من أساسي، الرسالةَ الخاصة بكل مسلم (حاضر) بإزاء (الغائبين). ولكي نعطي هذا المشهد الدلالة المتطابقة مع رمزيته، يجب أن نربط كلماته ذاتها بمعنى
стр. 73
رمزي ة فالمسلم (الحاضر) في هذا اليوم بسفح جبل عرَفات، لا يمثل شخصه وجيله فحسب، ولكنه يمثل الأجيال التي تأتي بعده كذلك، لأن عبارة النبي ﷺ لم تكف ولن تكفَّ عن التَّصادي والرنين في أسماع الأجيال المسلمة المتعاقبة منذ الجيل الأول الذي سمعها. فقد كانت هذه الأجيال جميعها (حاضرة) في شخص السامعين ذلك اليوم، كما أن الأجيال البشرية قد حلفت يمين آدم في شخصه قبل أن توجد في هذا العالم.
﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ * أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ * وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الأعراف ٧/ ١٧٢ - ١٧٤].
كذلك إذ نستعمل اللغة الرمزية التي تترجم روحَ المشهد المذكور بطريقة أفضل، نقول: إن (الغائبين) في ذلك اليوم ليسوا فحسب، المسلمين الذين أقعدهم الشغل الشاغل أو المرض، بعيداً عن (مكة) و (عرفات)، ولكن (الغائبين) في تصور كل الأجيال، والغائبين الذين لم تبلغهم بعد رسالة الإسلام.
فكل مسلم قد كان (حاضراً) معنوياً في عرفات، واستمع إلى وصايا الرسول ﷺ الأخيرة. ولذلك يتعين عليه اليوم أن يحمل الرسالة الإسلامية إلى كل الذين غابوا في ذلك اليوم، وإلى كل الذين لا يزالون (غائبين) الآن، وما بعد الآن.
فهل يحمل المسلم هذه الرسالة؟! ..
إن هذا الخبر القصير المقتطف من إحدى الصحف، يجيب عن السؤال: فقد قرآنا في صحف ١٣/ ٩ / ١٩٥٨، هذا الإعلان الغريب: ((زعيمة الجالية الإسلامية في
стр. 74
برلين اسمها فاطمة)): ((زعيمة الطائفة الإسلامية في برلين سيدة اسمها فاطمة. إنها ألمانية تزوتجت رجلاً باكستانياً، وأعلنت إسلامها. وعندما مات زوجها ذهبت لتقيم في الجامع الصغير الوحيد الموجود في ضاحية برلين، وكرست حياتها للدعوة الإسلامية.
إن فاطمة تشكو من إهمال جامع برلين. إنها تشكو من أنها تملك خمس مصاحف فقط؛ ولا تملك أسطوانات كافية لإذاعة القرآن؛ وقد احترقت مكتبة الجامع في الحرب، وهي لا تجد الكتب الكافية للدعوة إلى الإسلام، ولإطلاع الألمان الذين يريدون معرفة تعاليمه، على كل هذه التعاليم)).
وإنني لعلى علم بوضع هؤلاء المسلمين المعزولين المبذورين في نواحي متفرقة من أوروبا، حيث يحملون إشعاع الفكرة الإسلامية بعيداً عن نطاقاتها التقليدية. ولذلك أحسبني أقرأ بين سطور رسالة الأخت فاطمة، ما لم تسمح لها كرامتها بكتابته. ولكن رسالتها لا تزداد إلا تأثيراً- على ما هي عليه الآن- عندما نكون فى شيء من العلم، بالأشياء التي لا تذكر بصريح العبارة.
أيتها الأخت فاطمة إن رسالتك اتهام موجه ضدَّ قادة خمس مئة مليون مسلم!. وضدَّ أمرائهم، ممن تستطيع نفقاتهم الباذخة لليلة واحدة أن تمول مشروعك لسنة كاملة. وضدَّ علمائهم ممن يعزز صمتهم الآثم الكثير من الأخطاء والخطايا في البلاد الإسلامية! ..
أي أختي فاطمة، لَكَمْ تكون شهادتك دامغة، يوم يقوم الحساب، ضدَّ كل أولئك الذين خانوا رسالتم بالنسبة إلى إخوانهم في الإنسانية، الذين كانوا- منذ ثلاثة عشر قرناً- في عداد (الغائبين) عن عرفات يوم حجة الوداع! ..
стр. 75
٥ - المثال البريطاني:
إننا باختيارنا لعنوان هذا الكتاب، قد استقينا النموذج الأصلي- كما لا يغيب عن فطنة القارئ- من مثال موجود فعلاً، وهو (الكمنويلث البريطاني). وكل اختيار لمثال يفرض مواطن شَبَهٍ في مظهر الأشياء أو في ماهيتها. ولكننا لو قمنا بصنع تقويم لمواطن الشبه هذه، فإننا نصل بالضرورة إلى نهايتها التي تتبدَّى فيما وراءها حينئذ مواطن الاختلاف. والمشابهات قائمة على نحو من الأنحاء في مستوى المشاكل، والمفارقات كائنة في طبيعتها؛ فالكمنويلث البريطاني (مساحة كبيرة). وفي هذا المستوى تتخذ المشاكل صبغة جغرافية- سياسية، أعني صبغة سياسية محدَّدة بالمساحة على الخصوص.
والكمنويلث الإسلامي، بسبب مسافاته المحورية، والكتل البشرية التي تشملها مساحته، يضع أمامنا مشكلة ذات طابع جغرافي- سياسي، في مستوى الكمنويلث البريطاني.
وهذه مشابهة مهمة. جداً، من شأنها، في مقياس معين، الإيحاءُ بالحلول، والتقريب بينها، خاصة وأن الكمنويلث البريطاني، ليس دولة، ولا فيدرالية دول، ما دامت كل بلاد عضوة فيه تمارس سيادتها في كل المجالات، وتملك تمثيلها الديبلوماسي الخاص بها في الخارج. وعلى العكس من ذلك، فإن دول (الولايات المتحدة الأمريكية)، تكون فيدرالية ذات تمثيل ديبلوماسي واحد. والمترتب على هذا أنه لكي نحدِّد الرابطة العضوية، التي تستطيع الربط بين أجزاء كمنويلث إسلامي، يمكننا- ما دمنا على علم بالوضع الحقيقي لهذه الأجزاء- أن نستلهم المثال البريطاني، أكثر من استلهامنا للمثال الأمريكي أو السوفياتي.
على أن لهذه المشابهة نفسها حدها الذي لا تتعداه، فالرابطة العضوية بالنسبة إلى الكمنويلث البريطاني، المجسَّمة كما هو الواقع في شخص (ملك