الطرق- فهذا هو المعلل (١). وهو من أغمض أنواع علوم الحديث وأدقها، ولا يقوم به إلا من رزقه الله تعالى فهما ثاقبا، وحفظا واسعا، ومعرفة تامة بمراتب الرواة، وملكة قوية بالأسانيد والمتون؛ ولهذا لم يتكلم فيه إلا القليل من أهل هذا الشأن: كعلي بن المديني، وأحمد بن حنبل، والبخاري، ويعقوب بن أبي شيبة، وأبي حاتم، وأبي زرعة، والدارقطني. وقد تقصر عبارة المعلل عن إقامة الحجة على دعواه، كالصيرفي في نقد الدينار والدرهم).
مدرج الإسناد:
قال الحافظ في "النزهة" (ص/٢٢٦): (ثم المخالفة، وهي القسم السابع: إن كانت واقعة بسبب: تغير السياق، أي: سياق الإسناد، فالواقع فيه ذلك التغيير هو مدرج الإسناد. وهو أقسام (٢):
الأول: أن يروي جماعة الحديث بأسانيد مختلفة، فيرويه عنهم راو فيجمع الكل على إسناد واحد من تلك الأسانيد ولا يبين الاختلاف (٣).
الثاني: أن يكون المتن عند راو إلا طرفا منه فإنه عنده بإسناد آخر، فيرويه راو
стр. 37
عنه تاما بالإسناد الأول (١).
ومنه أن يسمع الحديث من شيخه إلا طرفا منه فيسمعه عن شيخه بواسطة، فيرويه راو عنه تماما بحذف الواسطة (٢).
الثالث: أن يكون عند الراوي متنان مختلفان بإسنادين مختلفين، فيرويهما راو عنه مقتصرا على أحد الإسنادين، أو يروي أحد الحديثين بإسناده الخاص به، لكن، يزيد فيه من المتن الآخر ما ليس في الأول (٣).
الرابع: أن يسوق الإسناد فيعرض له عارض، فيقول كلاما من قبل نفسه، فيظن بعض من سمعه أن ذلك الكلام هو متن ذلك الإسناد؛ فيرويه عنه كذلك (٤). هذه أقسام مدرج الإسناد).
مدرج المتن:
قال في "النزهة" (ص/٢٢٧): (وأما مدرج المتن: فهو أن يقع في المتن كلام ليس منه. فتارة يكون في أوله، وتارة في أثنائه، وتارة في آخره، وهو الأكثر؛ لأنه يقع بعطف جملة على جملة، أو بدمج موقوف من كلام الصحابة، أو من بعدهم، بمرفوع من كلام النبي ﷺ ، من غير فصل، فهذا هو مدرج المتن.
ويدرك الإدراج بورود رواية مفصلة للقدر المدرج فيه. أو بالتنصيص على ذلك من الراوي، أو من بعض الأئمة المطلعين، أو باستحالة كون النبي ﷺ يقول ذلك (٥).
وقد صنف الخطيب في المدرج كتابا (٦)، ولخصته، وزدت عليه قدر ما ذكر مرتين، أو أكثر (٧)، ولله الحمد).
المقلوب:
قال في "النزهة" (ص/٢٢٧): (أو إن كانت المخالفة بتقديم أو تأخير أي في الأسماء كمرة بن كعب، وكعب بن مرة (٨)؛ لأن اسم أحدهما اسم أبي الآخر، فهذا هو المقلوب، وللخطيب فيه كتاب: "رافع الارتياب". وقد يقع القلب في المتن، أيضا، كحديث أبي هريرة عند مسلم في السبعة الذين يظلهم الله في عرشه، ففيه: "ورجل تصدق بصدقة أخفاها حتى لا تعلم يمينه ما تنفق شماله". فهذا مما انقلب على أحد الرواة، وإنما هو: "حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه" كما في الصحيحين).
المزيد في متصل الأسانيد:
قال في "النزهة" (ص/٢٢٨): (أو إن كانت المخالفة بزيادة راو في أثناء الإسناد، ومن لم يزدها أتقن ممن زادها، فهذا هو المزيد في متصل الأسانيد.
وشرطه (٩) أن يقع التصريح بالسماع في موضع الزيادة (١٠)، وإلا فمتى كان معنعنا، مثلا (١١)، ترجحت الزيادة).
مثاله:
قال المناوي في " اليواقيت والدرر" (٢/ ٩٢): (مثاله: ما روى ابن المبارك قال: حدثنا سفيان عن عبد الرحمن بن يزيد حدثني بُسْرِ بن عبيد الله سمعت أبا إدريس الخولاني سمعت وَاثِلَةَ يقول: سمعت أبا مَرْثَد يقول: سمعت رسول الله يقول: لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها. فذكر سفيان وأبي إدريس في هذا الإسناد زيادة ووهم، فالوهم في سفيان ممن دون ابن المبارك، لأن الثقات رووه عن ابن المبارك (عن ابن جابر نفسه من غير ذكر سفيان)، ومنهم من صرح فيه بالإخبار. والوهم في أبي إدريس من ابن المبارك، فإن الثقات رووه عن ابن يزيد فلم يذكروا أبا إدريس (بين بسر وواثلة، ومنهم من صرح بسماع بسر من واثلة). وقد حكم الأئمة - البخاري وغيره - على ابن المبارك بالوهم فيه.
وقد صنف الخطيب في هذا النوع كتابا سماه: (تمييز المزيد في متصل الأسانيد) في كثير منه نظر).
المضطرب:
قال الحافظ: (أو بإبداله ولا مرجح فالمضطرب).
وقال في "النزهة" (ص/٢٢٨): (أو كانت المخالفة بإبداله، أي: الراوي (١٢)، ولا مرجح لإحدى الروايتين (١٣) على الأخرى (١٤)، فهذا هو المضطرب).
وعلى كلام الحافظ يعرف المضطرب بأنه: ما روى على أوجه مختلفة متساوية القوة.
فاشترط هنا شرطين للحكم على الحديث بالاضطراب وهما: اختلاف روايات الحديث، بحيث لا يمكن الجمع بينها بوجه من الوجه المقبولة، وأن تتساوي الروايات في القوة، بحيث لا يمكن ترجيح رواية على أخرى.
قال الشيخ بازمول في " المقترب في بيان المضطرب" (ص: ٤٠): (وأفاد قوله (على أوجه مختلفة) اشتراط اتحاد المخرج، إذ لو اختلف المخرج لم يكن هناك اختلافاً بين الرواة، ولذلك أئمة أهل الحديث لا يعلون حديثاً بآخر عند اختلاف المخرج وذكر الحافظ العراقي روايات الحوض واختلاف ألفاظها ثم قال: "وكل هذه الروايات في الصحيح قال القاضي عياض: وهذا الاختلاف في قدر عرض الحوض ليس موجباً للاضطراب؛ فإنه لم يأت في حديث واحد بل في أحاديث مختلفة الرواة عن جماعة من الصحابة" اهـ.
وقال ابن التركماني: "إنما تعلل رواية برواية إذا ظهر اتحاد الحديث" اهـ.
وقال ابن رجب في معرض بيانه لتعليل الأئمة حديثاً بآخر: "واعلم أن هذا كله إذا علم أن الحديث الذي اختلف في إسناده حديث واحد، فإن ظهر أنه حديثان بإسنادين لم يحكم بخطأ أحدهما. وعلامة ذلك أن يكون في أحدهما زيادة على الآخر أو نقص منه أو تغير يستدل به على أنه حديث آخر. فهذا يقول علي بن المديني وغيره من أئمة الصنعة: هما حديثان بإسنادين" اهـ.
وتعليلهم الحديثين المختلفين سنداً بالاضطراب إنما مرادهم الاضطراب لغة لا اصطلاحاً).
تنبيه:
وزاد الزركشي شرطا آخر فقال في "النكت" (٢/ ٢٢٤): (وينبغي أن يقال على وجه يؤثر ليخرج ما لو روي الحديث عن رجل مرة وعن آخر أخرى قال ابن حزم فهذا قوة للحديث وزيادة في دلائل صحته كما إذا روى الأعمش الحديث عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة ويرويه غير الأعمش عن سهيل عن أبيه عن أبي سعيد إذ من الممكن أن يكون أبو صالح سمع الحديث من أبي هريرة وأبي سعيد معا فرواه مرة عن هذا ومرة عن هذا انتهى).
وقال الشيخ بازمول في " المقترب" (ص:٤٢): (وكذا أخرج اضطراب الرواة في اسم الراوي ونسبه مع ثقته. وفي مثل هذا يقولون الاضطراب قد يجامع الصحة والحسن).
وقال الشيخ العثيمين ﵀ في "شرح البيقونية" (ص/١٠٨): (وهناك شرط
стр. 38
ثالث وهو: ألا يكون الاضطراب في أصل المعنى، بأن يكون أمراً جانبيًّا. مثل: اختلاف الرواة في ثمن جمل جابر ﵁ واختلاف الرواة في حديث فضالة بن عبيد في ثمن القلادة التي فيها ذهب وخرز، هل اشتراها باثني عشر ديناراً، أو بأكثر من ذلك أو بأقل.
فنقول: هذا الاختلاف لا يضر، لأنه لا يعود إلى أصل المعنى، وهو بيع الذهب بالذهب، لأنهم كلهم متفقون على أنها قلادة فيها ذهب وخرز، وكانت قد بيعت بدنانير، ولكن كم عدد هذه الدنانير؟ قد اختلف فيها الرواة، ولكن هذا الاختلاف لا يضر.
وكذلك حديث جابر ﵁ فقد اتفق الرواة على أن الرسول ﷺ اشتراه، وأن جابراً اشترط أن يركبه إلى المدينة، ولكن اختلفوا في مقدار الثمن، فنقول: إن هذا الاختلاف لا يضر؛ لأنه لا يعود إلى أصل المعنى الذي سيق من أجله الحديث).
- وعلى ذلك فيكون تعريف الحديث المضطرب هو: ما روى على أوجه مختلفة مؤثرة متساوية القوة ولا مرجح (١).
وقال الحافظ: -[(وهو يقع في الإسناد غالبا، وقد يقع في المتن، لكن قل أن يحكم المحدّث على الحديث بالاضطراب بالنسبة إلى اختلاف في المتن دون الإسناد).]-
ومعنى كلام الحافظ (٢) أن الاضطراب غالبا ما يقع في الإسناد، وأنه غالبا ما يقدح في المتن. وقد - ولاحظ أن قد تستعمل للتقليل - يقع الاضطراب في المتن فقط، وفي الغالب أن الاضطراب في المتن يكون ناتجا عن اضطراب في الإسناد.
قال القاري في " شرح النخبة" (ص:٤٨١): ((وهو) أي الاضطراب، (يقع في الإسناد غالبا) ويلزم منه أن يكون الحديث ضعيفا، لإشعاره بأنه لم يضبط على ما ذكره الجزري، (وقد) للتقليل، (يقع في المتن) أي فقط.
(لكن قل أن يحكم المحدث على الحديث بالاضطراب بالنسبة إلى الاختلاف في المتن دون الإسناد) استدراك عما يتوهم أنه يجوز أن يكون قليلا في نفسه، وكثيرا باعتبار حكم المحدث به، فاندفع ما قيل: إن التقليل يفهم من قوله: غالبا، وكذا من قد في قوله: وقد يقع في المتن، فلا يحسن استعماله).
أمثلته:
قال الشيخ بازمول في "المقترب" (ص/٥٢) ما ملخصه: (مثال مضطرب الإسناد: ما رواه أبو داود في سننه حدثنا مسدد حدثنا بشر بن المفضل حدثنا إسماعيل بن أمية حدثني أبو عمرو بن محمد أنه سمع جده حريثاً يحدث عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "إذا صلى أحدكم فليجعل تلقاء وجهه شيئاً فإن لم يجد فلينصب عصاً فإن لم يكن معه عصاً فليخطط خطاً ثم لا يضره ما مرّ أمامه". وهذا إسناد ضعيف فيه مجهولان: أبو عمرو بن محمد وجده حريث ووقع فيه اضطراب في سنده.
فرواه الثوري عن إسماعيل بن أمية عن أبي محمد بن عمرو بن حريث عن جده عن أبي هريرة عنه به. فهنا قال (أبو محمد بن عمرو) وفي الذي قبله (أبو عمرو بن محمد).
ورواه الثوري عن إسماعيل بن أمية عن أبي عمرو بن حريث عن أبيه عن أبي هريرة عنه به. فهنا قال: (أبو عمرو بن حريث) وفيما سبق (أبو عمرو بن محمد). وقال هنا (عن أبيه) وفيما سبق (عن جده).
ورواه ابن جريج قال أخبرني إسماعيل بن أمية عن حريث بن عمار عن أبي هريرة عنه به. فهنا قال (عن حريث بن عمار) وفيما سبق (أبو عمرو بن حريث).
فالاضطراب واقع في جهتين:
الأولى: شيخ إسماعيل بن أمية:
أ- أبو عمرو بن محمد.
ب- أبو محمد بن عمرو.
ج- أبو عمرو بن حُرَيْث - حُرَيْث بن عمّار.
الثانية: شيخ شيخ إسماعيل بن أمية:
أ- جده حريث.
ب- جده عمرو بن حريث.
ج- أبوه حُرَيْث.
فالجهة الأولى غير مؤثرة؛ لأنه اختلاف في نسبه لا في حاله. أما الجهة الثانية فهي
مؤثرة (٣). والحديث ذكره ابن الصلاح مثالاً للمضطرب، وحكم غير واحد من الحفاظ
стр. 39
باضطراب سنده.
مثال مضطرب المتن:
قال الترمذي: حدثنا محمد بن إسماعيل الواسطي قال سمعت ابن نمير عن أشعث بن سوار عن أبي الزبير عن جابر قال: كنا إذا حججنا مع النبي ﷺ فكنا نلبي عن النساء ونرمي عن الصبيان.
وهذا إسناد ضعيف: فيه أشعث بن سوار ضعيف. وفيه عنعنة أبي الزبير وهو مدلس. وأعل باضطراب متنه.
فرواه ابن أبي شيبة عن ابن نمير عن أشعث عن أبي الزبير عن جابر قال: حججنا مع رسول الله ﷺ ومعنا النساء والصبيان فلبينا عن الصبيان ورمينا عنهم". فهنا جعل (التلبية والرمي عن الصبيان) وفيما سبق (التلبية عن النساء والرمي عن الصبيان). والحديث أعله ابن القطان باضطراب متنه.
مثال مضطرب السند والمتن:
قال أبو داود في سننه: حدثنا أحمد بن صالح حدثنا عبد الله بن وهب أخبرني يونس عن ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة حدثه عن عمار بن ياسر أنه كان يحدث أنهم تمسحوا وهم مع رسول الله ﷺ بالصعيد لصلاة الفجر فضربوا بأكفهم الصعيد ثم مسحوا وجوههم مسحة واحدة ثم عادوا فضربوا بأكفهم الصعيد مرة أخرى فمسحوا بأيديهم كلها إلى المناكب والآباط من بطون أيديهم.
وهذا إسناد ضعيف لأمرين:
١ - الانقطاع بين عبيد الله وعمّار.
٢ - الاضطراب في سنده ومتنه.
فرواه عمرو بن دينار عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن أبيه عن عمّار بن ياسر قال: "تيممنا مع رسول الله ﷺ إلى المناكب". فهنا قال (عن أبيه)
стр. 40
وفي الأول لم يقل.
ورواه صالح بن كيسان عن ابن شهاب الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس عن عمّار بن ياسر وفيه: (فقام المسلمون مع رسول الله ﷺ . فضربوا بأيديهم إلى الأرض. ثم رفعوا بأيدهم ولم يقضوا من التراب شيئاً. فمسحوا بها وجوههم وأيديهم إلى المناكب ... ). فهنا جعلها ضربة واحدة. وفيما سبق ضربتين.
وقال ابن عبد البر: "أحاديث عمّار في التيمم كثيرة الاضطراب. وإن كان رواتها ثقات"اهـ).
الإبدال عمدا في الحديث:
-[قال الحافظ: (وقد يقع الإبدال عمدا امتحانا).]-
وقال في "النزهة" (١/ ٢٢٨): (وقد (١) يقع الإبدال عمدا لمن يراد اختبار حفظه، امتحانا (٢) من فاعله، كما وقع للبخاري، والعقيلي (٣)، وغيرهما. وشرطه أن لا يستمر عليه، بل ينتهي بانتهاء الحاجة، فلو وقع الإبدال عمدا، لا لمصلحة، بل للإغراب (٤) مثلا، فهو
стр. 41
من أقسام الموضوع (١)، ولو وقع غلطا فهو من المقلوب، أو (٢) المعلل).
المُصَحَّفُ، والمُحَرَّفُ:
-[قال الحافظ: (أو بتغييرٍ مع بقاء السياق: فالمُصَحَّفُ، والمُحَرَّفُ).]-
وقال في "النزهة" (١/ ٢٢٩): (أو إن كانت المخالفة بتغيير حرف، أو حروف، مع بقاء صورة الخط في السياق: فإن كان ذلك بالنسبة إلى النقط فالمصحف (٣).
وإن كان بالنسبة إلى الشكل (٤) ....................................................
стр. 42
فالمحرف (١).
ومعرفة هذا النوع (٢) مهمة، وقد صنف فيه العسكري (٣)، والدارقطني (٤)، وغيرهما (٥). وأكثر ما يقع في المتون، وقد يقع في الأسماء التي في الأسانيد).
تغيير المتن واختصاره، والرواية بالمعنى .
-[قال الحافظ: (ولا يجوز تعمد تغيير المتن بالنقص والمرادف إلا لعالم بما يحيل المعاني. فإن خفي المعنى احتيج إلى شرح الغريب وبيان المشكل).]-
وقال في "النزهة" (١/ ٢٢٩): (ولا يجوز تعمد تغيير صورة المتن مطلقا، ولا الاختصار منه بالنقص، ولا إبدال اللفظ المرادف باللفظ المرادف له، إلا لعالم بمدلولات الألفاظ، وبما يحيل المعاني، على الصحيح في المسألتين (٦).
стр. 43
أما اختصار الحديث: فالأكثرون على جوازه، بشرط أن يكون الذي يختصره عالما؛ لأن العالم لا ينقص من الحديث إلا ما لا تعلق له بما يبقيه منه، بحيث لا تختلف الدلالة، ولا يختل البيان، حتى يكون المذكور والمحذوف بمنزلة خبرين، أو يدل ما ذكره على ما حذفه، بخلاف الجاهل فإنه قد ينقص ما له تعلق، كترك الاستثناء.
وأما الرواية بالمعنى: فالخلاف فيها شهير:
والأكثر على الجواز أيضا، ومن أقوى حججهم الإجماع على جواز شرح الشريعة للعَجَم بلسانهم للعارف به، فإذا جاز الإبدال بلغة أخرى فجوازه باللغة العربية أولى ... ولا شك أن الأولى إيراد الحديث بألفاظه، دون التصرف فيه (١) ...
فإن خفي المعنى، بأن كان اللفظ مستعملا بقلة، احتيج إلى الكتب المصنفة في شرح الغريب، ككتاب أبي عبيد القاسم بن سلام، وهو غير مرتب، وقد رتبه الشيخ موفق الدين بن قدامة على الحروف. وأجمع منه كتاب أبي عبيد الهروي، وقد اعتنى به الحافظ أبو موسى المديني، فنقب عليه واستدرك. وللزمخشري كتاب اسمه "الفائق" حسن الترتيب. ثم جمع الجميع ابن الأثير، في "النهاية"، وكتابه أسهل الكتب تناولا، مع إعواز قليل فيه.
وإن كان اللفظ مستعملا بكثرة، لكن، في مدلوله دقة، احتيج إلى الكتب المصنفة في شرح معاني الأخبار، وبيان المشكل منها. وقد أكثر الأئمة من التصانيف في ذلك كالطحاوي والخطابي وابن عبد البر وغيرهم).
стр. 44
الجهالة:
-[قال الحافظ: (ثم الجهالة: وسببها أن الراوي قد تكثر نعوته فَيُذكر بغير ما اشتهر به لغرض، وصنفوا فيه الموضح).]-
قال المناوي في "اليواقيت والدرر" (٢/ ١٣٠): (ثم الجهالة بالراوي: وهي السبب الثامن في الطعن سببها أمران أحدهما: إن الراوي قد تكثر نعوته من اسم أو كنية، أو لقب، أو صفة، أو حرفه، أو نسب إلى أب، أو بلد، أو حرفة فيشتهر بشيء منها فيذكر في سند بغير ما اشتهر به لغرض من الأغراض، فيظن أنه آخر فتحصل الجهالة بحاله.
وأكثر من يفعل ذلك المدلسون، ويسمى عندهم تدليس الشيوخ، وهو فن غويص جدا تمس الحاجة إليه، فإن كان الغرض إخفاء ضعفه لكونه لو سمي عرف حاله كان ذلك قادحا في فاعله، وأقبح من ذلك أن يكنى الضعيف بكنية الثقة المسمى باسمه.
وصنفوا فيه - أي في هذا النوع - المُوَضِّح لأوهام الجمع والتفريق وأجاد فيه الخطيب، وسبقه إليه عبد الغني وهو ابن سعيد الأزدي ثم المصري، صنف كتابا نافعا سماه " إيضاح الإشكال " ثم الصوري وهو تلميذ عبد الغني وشيخ الخطيب.
ومن أمثلته محمد بن السائب بن بشر الكلبي المفسر العلامة في الأنساب، أحد الضعفاء، وراوي حديث ذكاة كل مسك دباغة نسبه بعضهم إلى جده فقال: محمد بن بشر، وسماه بعضهم: حماد بن السائب، وكناه بعضهم أبا النضر، وبعضهم أبا سعيد ولم يذكروا اسمه لتوهم الناس أنه إنما روى عن أبي سعيد الخدري الصحابي ... ومثله محمد بن قيس الشامي المصلوب الوضاع دلس اسمه على خمسين وجها، بل يقال: مائة).
الوحدان:
-[قال الحافظ: (وقد يكون مقلا فلا يكثر الآخذ (١) عنه، وصنفوا فيه الوحدان).]-
قال المناوي في "اليواقيت والدرر" (٢/ ١٣٤): (والأمر الثاني الراوي قد يكون مقلا من الحديث فلا يكثر الآخذ عنه (٢).
стр. 45
وقد صنفوا فيه الوحدان وهو من لم يرو عنه إلا واحد ولو سُمى، فممن جمعه: مسلم، والحسن بن سفيان فألفا فيه وغيرهما.
ومن فوائده معرفة المجهول إذا لم يكن صحابيا فلا يقبل).
المبهم:
-[قال الحافظ: (أو لا يسمى اختصارا، وفيه المبهمات، ولا يقبل المبهم ولو أبهم بلفظ التعديل على الأصح).]-
وقال في "النزهة" (ص:٢٣١): (أو لا يسمى الراوي، اختصارا من الراوي عنه.
كقوله: أخبرني فلان، أو شيخ، أو رجل، أو بعضهم، أو ابن فلان. ويستدل على معرفة اسم المبهم بوروده من طريق أخرى مسمى، وصنفوا فيه المبهمات. ولا يقبل حديث المبهم، ما لم يسم؛ لأن شرط قبول الخبر عدالة رواته، ومن أبهم اسمه لا يعرف عينه؛ فكيف عدالته. وكذا لا يقبل خبره ولو أبهم بلفظ التعديل، كأن يقول الراوي عنه: أخبرني الثقة؛ لأنه قد يكون ثقة عنده مجروحا عند غيره. وهذا على الأصح في المسألة، ولهذه النكتة لم يقبل المرسل ولو أرسله العدل جازما به؛ لهذا الاحتمال بعينه ... ).
المجهول:
-[قال الحافظ: (فإن سمي وانفرد واحد عنه فمجهول العين، أو اثنان فصاعدا، ولم يوثق: فمجهول الحال، وهو المستور).]-
وقال في "النزهة" (ص/٢٣٢): (فإن سمي الراوي، وانفرد راو واحد بالرواية عنه (١)، فهو مجهول العين، كالمبهم، إلا أن يوثقه غير من ينفرد عنه على الأصح، وكذا من ينفرد عنه إذا كان متأهلا لذلك (٢).
стр. 46
أو إن روى عنه اثنان فصاعدا، ولم يوثق فهو مجهول الحال، وهو المستور. وقد قبل روايته جماعة بغير قيد، وردها الجمهور. والتحقيق أن رواية المستور، ونحوه، مما فيه الاحتمال؛ لا يطلق القول بردها، ولا بقبولها، بل يقال: هي موقوفة إلى استبانة حاله، كما جزم به إمام الحرمين).
رواية المبتدع:
-[قال الحافظ: (ثم البدعة: إما بمكفر، أو بمفسق، فالأول: لا يقبل صاحبها الجمهور. والثاني: يُقْبَل من لم يكن داعية في الأصح، إلا إن روى ما يقوي بدعته فيرد على المختار، وبه صرح الجُوزَجَاني شيخ النسائي).]-
وقال في "النزهة" (ص/٢٣٢): (ثم البدعة: وهي السبب التاسع من أسباب الطعن في الراوي: وهي إما أن تكون بمكفر: كأن يعتقد ما يستلزم الكفر، أو بمفسق. فالأول: لا يقبل صاحبها الجمهور. وقيل: يقبل مطلقا. وقيل: إن كان لا يعتقد حل الكذب لنصرة مقالته قبل. والتحقيق أنه لا يرد كل مكفر ببدعة؛ لأن كل طائفة تدعي أن مخالفيها مبتدعة، وقد تبالغ فتكفر مخالفها، فلو أخذ ذلك على الإطلاق لاستلزم تكفير جميع الطوائف. فالمعتمد أن الذي ترد روايته من أنكر أمرا متواترا من الشرع معلوما من الدين بالضرورة، وكذا من اعتقد عكسه (١)، فأما من لم يكن بهذه الصفة وانضم إلى ذلك ضبطه لما يرويه، مع ورعه وتقواه، فلا مانع من قبوله.
стр. 47
والثاني: وهو من لا تقتضي بدعته التكفير أصلا، وقد اختلف، أيضا، في قبوله ورده:
فقيل: يرد مطلقا. وهو بعيد، وأكثر ما علل به أن في الرواية عنه ترويجا لأمره وتنويها بذكره، وعلى هذا فينبغي أن لا يروى عن مبتدع شيء يشاركه فيه غير مبتدع.
وقيل: يقبل مطلقا، إلا إن اعتقد حل الكذب، كما تقدم.
وقيل: يقبل من لم يكن داعية إلى بدعته؛ لأن تزيين بدعته قد يحمله على تحريف الروايات وتسويتها على ما يقتضيه مذهبه، وهذا في الأصح (١).
وأغرب ابن حبان؛ فادعى الاتفاق على قبول غير الداعية، من غير تفصيل. نعم، الأكثر على قبول غير الداعية، إلا أن يروي ما يقوي بدعته فيرد، على المذهب المختار، وبه صرح الحافظ أبو إسحاق إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني، شيخ أبي داود والنسائي، في كتابه "معرفة الرجال").
سوء الحفظ:
-[قال الحافظ: (ثم سوء الحفظ: إن كان لازما فهو الشاذ على رأي، أو طارئا فالمختلِط).]-
وقال في "النزهة" (ص/٢٣٣): (ثم سوء الحفظ: وهو السبب العاشر من أسباب الطعن، والمراد به: من لم يَرْجُح جانب إصابته على جانب خطئه (٢)، وهو على قسمين:
стр. 48
إن كان لازما للراوي في جميع حالاته فهو الشاذ، على رأي بعض أهل الحديث (١).
أو إن كان سوء الحفظ طارئا على الراوي؛ إما لكبره، أو لذهاب بصره، أو لاحتراق كتبه أو عدمها بأن كان يعتمدها فرجع إلى حفظه فساء فهذا هو المختلِط (٢). والحكم فيه أن
стр. 49
ما حدث به قبل الاختلاط إذا تميز قبل، وإذا لم يتميز توقف فيه، وكذا من اشتبه الأمر فيه، وإنما يعرف ذلك باعتبار الآخذين عنه).
الحسن لغيره:
-[قال الحافظ: (متى توبع السيئ الحفظ بمعتبر، وكذا المستور، والمرسَل، والمدلس: صار حديثهم حسنا لا لذاته، بل بالمجموع).]-
وقال في "النزهة" (ص/٢٣٤): (ومتى توبع السيء الحفظ بمعتبر: كأن يكون فوقه، أو مثله، لا دونه (١)، وكذا المختلط الذي لم يتميز، والمستور، والإسناد المرسل، وكذا المدلس إذا لم يعرف المحذوف منه صار حديثهم حسنا، لا لذاته، بل وصفه بذلك باعتبار المجموع، من المتابع والمتابع؛ لأن كل واحد منهم احتمال أن تكون روايته صوابا، أو غير صواب، على حد سواء، فإذا جاءت من المعتبرين رواية موافقة لأحدهم رجح أحد الجانبين من الاحتمالين المذكورين، ودل ذلك على أن الحديث محفوظ؛ فارتقى من درجة التوقف إلى درجة القبول (٢). ومع ارتقائه إلى درجة القبول فهو منحط عن رتبة الحسن لذاته، وربما توقف بعضهم عن إطلاق اسم الحسن عليه. وقد انقضى ما يتعلق بالمتن من حيث القبول والرد).
المرفوع
قال الحافظ: (ثم الإسناد: إما أن ينتهي إلى النبي -صلى الله تعالى عليه وسلم-، تصريحا، أو حكما: من قوله، أو فعله، أو تقريره ... فالأول: المرفوع.
قال في "النزهة" (ص:٢٣٤): (ثم الإسناد: وهو الطريق الموصلة إلى المتن، والمتن: هو غاية ما ينتهي إليه الإسناد من الكلام وهو إما أن ينتهي إلى النبي ﷺ ويقتضي لفظه -: إما تصريحا، أو حكما- أن المنقول بذلك الإسناد من قوله ﷺ ، أو من فعله، أو من تقريره (٣).
стр. 50
المرفوع
-[قال الحافظ: (ثم الإسناد: إما أن ينتهي إلى النبي ﷺ تصريحاً أو حكماً: من قوله, أو فعله, أو تقريره ... فالأول: المرفوع.]-
قال في "النزهة" (ص:٢٣٤): (ثم الإسناد: وهو الطريق الموصلة إلى المتن,
والمتن: هو غاية ما ينتهي إليه الإسناد من الكلام وهو إما أن ينتهي إلى النبي ﷺ ويقتضي لفظه-: إما تصريحاً, أو حكماً - أن المنقول بذلك الإسناد من قوله ﷺ , أو من فعله, أو من تقريره (١).
مثال المرفوع من القول تصريحا: أن يقول الصحابي: سمعت رسول الله ﷺ يقول كذا، أو: حدثنا رسول الله ﷺ بكذا، أو يقول، هو أو غيره: قال رسول الله ﷺ كذا، أو عن رسول الله ﷺ أنه قال كذا، ونحو ذلك.
ومثال المرفوع من الفعل تصريحا: أن يقول الصحابي: رأيت رسول الله ﷺ فعل كذا، أو يقول، هو أو غيره: كان رسول الله ﷺ يفعل كذا.
ومثال المرفوع من التقرير تصريحا: أن يقول الصحابي: فعلت بحضرة النبي ﷺ كذا، أو يقول، هو أو غيره: فعل فلان بحضرة النبي ﷺ كذا، ولا يذكر إنكاره لذلك.
ومثال المرفوع من القول، حكما لا تصريحا: أن يقول الصحابي -الذي لم يأخذ عن الإسرائيليات- ما لا مجال للاجتهاد فيه، ولا له تعلق ببيان لغة أو شرح غريب، كالإخبار عن الأمور الماضية: من بدء الخلق، وأخبار الأنبياء، أو الآتية: كالملاحم، والفتن، وأحوال يوم القيامة، وكذا الإخبار عما يحصل بفعله ثواب مخصوص، أو عقاب مخصوص.
وإنما كان له حكم المرفوع؛ لأن إخباره بذلك يقتضي مخبرا له، وما لا مجال
للاجتهاد فيه يقتضي موقفا للقائل به، ولا موقف للصحابة إلا النبي ﷺ ، أو بعض من يخبر عن الكتب القديمة؛ فلهذا وقع الاحتراز عن القسم الثاني.
فإذا كان كذلك، فله حكم ما لو قال: قال رسول الله ﷺ ، فهو مرفوع سواء كان مما سمعه منه، أو عنه بواسطة.
ومثال المرفوع من الفعل حكما: أن يفعل ما لا مجال للاجتهاد فيه، فينزل على أن ذلك عنده عن النبي ﷺ ، كما قال الشافعي في صلاة علي في الكسوف (١) في كل ركعة أكثر من ركوعين.
стр. 51
ومثال المرفوع من التقرير حكما: أن يخبر الصحابي أنهم كانوا يفعلون في زمان النبي ﷺ كذا، فإنه يكون له حكم الرفع من جهة أن الظاهر اطلاعه ﷺ على ذلك؛ لتوفر دواعيهم على سؤاله عن أمور دينهم، ولأن ذلك الزمان زمان نزول الوحي؛ فلا يقع من الصحابة فعل شيء ويستمرون عليه إلا وهو غير ممنوع الفعل، وقد استدل جابر وأبو سعيد ﵄ على جواز العزل بأنهم كانوا يفعلونه والقرآن ينزل، ولو كان مما ينهى عنه لنهى عنه القرآن ... ).
الموقوف:
-[قال الحافظ: (أو إلى الصحابي كذلك ... والثاني: الموقوف).]-
وقال في "النزهة" (ص:٢٣٧): (أو ينتهي غاية الإسناد إلى الصحابي كذلك، أي: مثل ما تقدم في كون اللفظ يقتضي التصريح بأن المنقول هو من قول الصحابي، أو من فعله، أو من تقريره، ولا يجيء فيه جميع ما تقدم، بل معظمه، والتشبيه لا تشترط فيه المساواة من كل جهة).
ظاهر عبارة الحافظ أنه لا يرى دخول ما ثبت حكما في عبارته، وصرح بذلك القاري حيث قال في "شرح النخبة" (ص:٥٧٤): ((ولا يجيء فيه) أي في هذا المقام، (جمع ما تقدم) لعدم شموله لما ثبت حكما أنه قول الصحابي، أو فعله أو تقريره ... (بل معظمه) أي أكثره وهو التصريح).
تتمات:
- تعريف الموقوف:
الموقوف هو: (ما يروى عن الصحابة ﵃ من أقوالهم وأفعالهم، ما لم يتجاوز به إلى رسول الله ﷺ ).
- هل تقرير الصحابي حجة:
ليس المقصود أن ذلك حجة ملزمة كالكتاب والسنة، وإنما المقصود أنه دلالة على ذهاب الصحابي إلى هذا القول - وسيأتي قريبا الكلام عن حجية قول الصحابي -.
قال الشيخ عبد الله الفوزان في "تيسير الوصول إلى قواعد الأصول ومعاقد الفصول": (لا ينسب لساكت قول، ثم إنه لا يجزم بأن هذا الساكت بلغه ذلك القول، أو يكون بلغه وقام مانع من الاعتراض، إمَّا لهيبة القائل، أو لأنه لا يرى الإنكار في مسائل الاجتهاد، أو لكونه يخاف على نفسه، أو أنه أنكر ولم يبلغنا إنكاره، إلى غير ذلك من الاحتمالات
стр. 52
الواردة في مثل هذه الحال.
وقد جعل المصنف المسألة عامة في مجتهدي الأعصار، وبعض الأصوليين يخص ذلك بالصحابة ﵃ دون من بعدهم؛ لأن منصبهم الشريف لا يقتضي السكوت في موضع المخالفة).
وهذا الأخير هو الراجح عندي، فروى الشيخان من عبادة بن الصامت ﵁ أنه قال: (بايعنا رسول الله ﷺ على أن نقوم أو نقول بالحق حيثما كنا لا نخاف في الله لومة لائم) ونحن نشهد بالله أنهم وفوا بهذه البيعة وقالوا بالحق وصدعوا به ولم تأخذهم في الله لومة لائم ولم يكتموا شيئاً منه مخافة سوط ولا عصاً ولا أمير ولا وال كما هو معلوم لمن تأمله من هديهم وسيرتهم، وعليه فتقرير الصحابي قول له.
- قول التابعي من السنة كذا:
قال العراقي في التقييد والإيضاح (ص/٦٨): (إذا قال التابعي من السنة كذا كقول عبيدالله بن عبد الله بن عتبة: السنة تكبير الإمام يوم الفطر ويوم الأضحى حين يجلس على المنبر قبل الخطبة تسع تكبيرات رواه البيهقي في سننه، فهل هو مرسل مرفوع، أو موقوف متصل؟ فيه وجهان لأصحاب الشافعي حكاهما النووي في شرح مسلم وشرح المهذب وشرح الوسيط قال والصحيح أنه موقوف انتهى. وحكى الداودى في شرح مختصر المزني أن الشافعي ﵁ كان يرى في القديم أن ذلك مرفوع إذا صدر من الصحابي أو التابعي ثم رجع عنه لأنهم قد يطلقونه ويريدون سنة البلد انتهى. وما حكاه الداودي من رجوع الشافعي عن ذلك فيما إذا قاله الصحابي لم يوافق عليه فقد احتج به في مواضع من الجديد فيمكن أن يحمل قوله ثم رجع عنه أي عما إذا قاله التابعي والله أعلم).
وظاهر اختيار ابن حجر التسوية بين الصحابي وغيره بشرط ألا يضيفه التابعي إلى غير النبي كسنة العمرين حيث قال في "النزهة" (ص:٢٣٦): (ومن الصيغ المحتملة قول الصحابي: من السنة كذا: فالأكثر أن ذلك مرفوع، ونقل ابن عبد البر فيه الاتفاق، قال: وإذا قالها غير الصحابي فكذلك، ما لم يضفها إلى صاحبها، كسنة العمرين، وفي نقل الاتفاق نظر؛ فعن الشافعي في أصل المسألة قولان.
وذهب إلى أنه غير مرفوع أبو بكر الصيرفي من الشافعية، وأبو بكر الرازي من الحنفية، وابن حزم من أهل الظاهر، واحتجوا بأن السنة تتردد بين النبي صلى الله عليه
стр. 53
وسلم وبين غيره.
وأجيبوا: بأن احتمال إرادة غير النبي ﷺ بعيد، وقد روى البخاري في صحيحه في حديث ابن شهاب عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه في قصته مع الحجاج حين قال له (١): إن كنت تريد السنة فهجر بالصلاة قال ابن شهاب: فقلت لسالم: أفعله رسول الله ﷺ ؟ فقال: وهل يعنون بذلك إلا سنته (٢)؟!، فنقل سالم - وهو أحد الفقهاء السبعة من أهل المدينة، وأحد الحفاظ من التابعين عن الصحابة - أنهم إذا أطلقوا السنة لا يريدون بذلك إلا سنة النبي ﷺ .
وأما قول بعضهم: إن كان مرفوعا فلم لا يقولون فيه: قال رسول الله ﷺ ؟. فجوابه: إنهم تركوا الجزم بذلك تورعا واحتياطا ... ).
- قول التابعي: كنا نفعل، أمرنا بكذا، أو نهينا عن كذا .
قال العراقي في التقييد والإيضاح (ص/٦٧): (المسألة الأولى - فإذا قال التابعي: كنا نفعل فليس بمرفوع قطعا، وهل هو موقوف؟ لا يخلو إما أن يضيفه إلى زمن الصحابة، أم لا فيحتمل، فإن لم يضفه إلى زمنهم فليس بموقوف أيضا، بل هو مقطوع، وإن أضافه إلى زمنهم فيحتمل أن يقال إنه موقوف؛ لأن الظاهر اطلاعهم على ذلك، وتقريرهم، ويحتمل أن يقال ليس بموقوف أيضا؛ لأن تقرير الصحابي قد لا ينسب إليه بخلاف تقرير النبي ﷺ ، فإنه أحد وجوه السنن ...
وأما المسألة الثانية - فإذا قال التابعي: أمرنا بكذا، أو نهينا عن كذا، فجزم أبو نصر بن الصباغ في كتاب العدة في أصول الفقه أنه مرسل، وذكر الغزالي في المستصفى فيه احتمالين من غير ترجيح هل يكون موقوفا، أو مرفوعا مرسلا ... ).
وقال الشيخ العثيمين في "شرح الأصول" (ص/٤٦١): (وليس قول التابعي - أي أُمرنا - كذلك؛ لأنه يحتمل أنه أَمْرُ الخليفة. فلو قال التابعي: هكذا أمرنا رسول الله ﷺ صار مرفوعا صريحا لكنه منقطع أو مرسل).
стр. 54
تعريف الصحابي:
-[قال الحافظ: (وهو: من لقي النبي -صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم- مؤمنا به، ومات على الإسلام، ولو تخللت ردة في الأصح).]-
والتعبير بقوله من لقى كالتعبير بقوله من اجتمع، وتعريف الحافظ غير جامع فلا يدخل فيه مؤمني الجن، ولذلك نضيف قيد: (ولو جنيا) كما ذكره ابن النجار.
قال الشيخ العثيمين ﵀ في "شرح الأصول" (ص/٤٦٩): ((وقوله: (من اجتمع بالنبي ﷺ ): سواء رآه أم لم يره، وسواء سمعه أم لم يسمعه، فلو قدر أن رجلا أعمى أصم اجتمع بالرسول ﷺ مؤمنًا به ومات على ذلك فهو صحابي وإن لم يره ويسمعه، ولا يشترط أن يراه النبي ﷺ فلو حضر مجلسا فيه رسول الله ﷺ فهو صحابي (١).
وقوله: (اجتمع بالنبي): هذا قيد لابد منه، فهو وصف أي أن يكون مجتمعًا بالنبي ﷺ حال كونه نبيا، فإن اجتمع به قبل أن يرسل مؤمنا بأنه سيبعث ثم لم يره بعد أن بعث فليس بصحابي، فلابد أن يكون مجتمعًا بالنبي ﷺ حال نبوته.
س: وهل يشمل من اجتمع به بعد موته وقبل دفنه - يعني حضر وصلى على النبي ﷺ ؟
ج: في هذا خلاف:
فمنهم من يقول: إنه إذا حضر النبي ﷺ بعد موته وقبل دفنه فهو صحابي؛ لأن نبوته ﷺ لا تنقطع بموته.
ومنهم من قال: ليس بصحابي؛ لأنه اجتمع بالنبي ﷺ وهو ميت.
стр. 55
وانتفاء الصحبة في هذه الحال واضح جدًا بخلاف ما لو اجتمع به وهو حي وهذا هو الأقرب أنه لا بد أن يكون النبي ﷺ حيًا (١) ...
ولابد أيضًا أن يكون مؤمنًا به (٢) فإن كان مؤمنًا بغيره كما لو اجتمع به نصراني يؤمن بالأديان السابقة. لكن لم يؤمن بالرسول إلا بعد موت الرسول ﷺ فلا يكون صحابيًا.
وقوله: (ومات على ذلك): فإن مات على الردة فليس بصحابي؛ لأن الردة تبطلِ جميع الأعمال، قال الله تعالى: (وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا) [الفرقان: ٢٣] والردة تمحو حتى الإسلام فضلاً عن الصحبة، فإن ارتد ثم عاد إلى الإِسلام فإن الأصح من أقوال أهل العلم أن صحبته تعود (٣)؛ لأن الله تعالى اشترط لبطلان العمل بالردة أن يموت الإنسان على ردته فقال الله : (وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ) [البقرة: ٢١٧]).
стр. 56
وقال ابن النجار في "شرح الكوكب" (٢/ ٤٧١): ((ولو جنيا في الأظهر) أي ولو كان من لقي النبي ﷺ مسلما جنيا في الأظهر من قولي العلماء ليدخل الجن الذين قدموا على النبي ﷺ من نصيبين وأسلموا، وهم تسعة أو سبعة من اليهود بدليل قوله تعالى: (إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى) [الأحقاف: ٣٠] وذكر في أسمائهم: شاص، وماص، وناشى، ومنشى، والأحقب، وزوبعة، وسرق، وعمر، وجابر. وقد استشكل ابن الأثير في كتابه " أسد الغابة " قول من ذكرهم من الصحابة. فإن بعضهم لم يذكرهم في الصحابة، وبعضهم ذكرهم قال في شرح التحرير قلت: الأولى أنهم من الصحابة. فإنهم لقوا النبي ﷺ وآمنوا به وأسلموا، وذهبوا إلى قومهم منذرين).
المقطوع:
-[قال الحافظ: (أو إلى التابعي، وهو من لقى الصحابي كذلك ... والثالث: المقطوع، ومن دون التابعي فيه مثلُهُ).]-
المقطوع هو: (ما أضيف إلى التابعي فمن بعده).
قال المناوي في "اليواقيت والدرر" (٢/ ٢٢٤): (المقطوع وهو: ما ينتهي إلى التابعي قولا وفعلا ومن دون التابعي كذلك من أتباع التابعين فمن بعدهم فيه - أي التسمية - مثله - أي (مثل) ما ينتهي إلى التابعي).
- وإقرار التابعي فمن دونه ليس بحجة.
تعريف التابعي:
قال ابن حجر في "النزهة" (ص/ ٢٣٩): (التابعي: وهو من لقي الصحابي كذلك،
وهذا متعلق باللقي، وما ذكر معه؛ إلا قيد الإيمان به؛ فذلك خاص بالنبي ﵌. وهذا هو المختار؛ خلافا لمن اشترط في التابعي طول الملازمة، أو صحة السماع، أو التمييز).
ومقصود الحافظ أن الإيمان خاص بالنبي ﷺ يعني لا يصح أن نقول في التعريف: (لقى الصحابي مؤمنا به) بل نقول مؤمنا بالنبي ﷺ فالإيمان خاص بالنبي ﷺ .
وقد فهم البعض أن معنى عبارته أنه لا يشترط في التابعي أن يكون مسلما وقت اجتماعه بالصحابي. قال المناوي في "اليواقيت والدرر" (٢/ ٢١٧ (: (التابعي، وهو: من لقى الصحابي كذلك، وهذا متعلق باللقي. وما ذكر معه إلا قيد الإيمان به فذلك خاص
стр. 57
بالنبي. وقال الكمال ابن أبي شريف: قوله خاص بالنبي أي فإنه لا يشترط في التابعي أن يكون وقت تحمله عن الصحابي مؤمنا، بل لو كان كافرا ثم أسلم بعد موت الصحابي وروى سميناه تابعيا وقبلناه. انتهى).
وهذا خطأ في فهم عبارة الحافظ وعبارته لا تحتمله، فلو أراد الحافظ هذا المعنى لقال: قيد الإيمان خاص بتعريف الصحابي (١).
- لا يشترط طول الملازمة:
وقول أبو سعيد ﵁ في الحديث الذي رواه مسلم: (فيكم من رأى من صحب رسول الله ﷺ ؟ فيقولون نعم فيفتح لهم) يدل على الاكتفاء بمجرد رؤية الصحابي ليحكم له بأنه تابعي.
قال الشيخ العثيمين ﵀ في "شرح الأصول " (ص/٤٧١): (وظاهر كلام العلماء أنه لا تشترط طول الصحبة بين التابعي والصحابي، وأنه لو جلس معه ساعةً أو ساعتين ثم فارقه ولم يره بعد ذلك فهو تابعي).
- يشترط أن يكون من لقى الصحابي مميزا حتى يحكم له بأنه تابعي ؟
لم يشترط ابن حجر التمييز في التابعي، واشترط ذلك ابن حبان فقال في كتاب "الثقات" (٦/ ٢٧٠) في ترجمة خلف بن خليفة: (قال خلف بن خليفة: كنت في حجر أبى إذ مر رجل على بغل أو بغلة فقيل هذا عمرو بن حُرَيْث صاحب النبي ﷺ قال أبو حاتم ﵁ لم يدخل خلف بن خليفة في التابعين وإن كان له رؤية من الصحابة لأنه رأى عمرو بن حريث وهو صبي صغير ولم يحفظ عنه شيئا فان قال قائل فلم أدخلت الأعمش في التابعين وإنما له رؤية دون رواية كما لخلف بن خليفة سواء يقال له إن الأعمش رأى أنسا بواسط يخطب والأعمش بالغ يعقل وحفظ منه خطبته ورآه بمكة يصلى عند المقام وحفظ عنه أحرفا حكاها فليس حكم البالغ إذا رأى وحفظ كحكم غير البالغ إذا رأى ولم يحفظ).
ومن تعريف الصحابي فإنه يصح إلحاق محمد بن أبي بكر المولود قبل الوفاة النبوية بثلاثة أشهر وأيام برتبة الصحابة اصطلاحا، وهو وإن لم تصح نسبة الرؤية إليه ولكن صدق أن النبي ﷺ رآه ويكون صحابيا من هذه الحيثية خاصة، ومثل هذا الحكم لا يصح تعديته إلى غيره ﷺ لعدم صحة قياس النبي -
стр. 58
صلى الله عليه وسلم - على غيره.
وعليه فكلام ابن حبان له وجه. والراجح في حديث هذه الطبقة من غير المميزين لرؤية الصحابي أنه من قبيل المعضل على أحسن أحواله سواء ألحقناهم بطبقة التابعين حكما أم بتابعيهم حقيقة.
وعليه فالتابعي هو: (من اجتمع بالصحابي مميزا مؤمناً بالنبي ﷺ ومات على ذلك).
الأثر:
-[قال الحافظ: (ويقال للأخيرين: الأثر).]-
أي أن اصطلاح الحافظ أن الموقوف والمقطوع يطلق عليهما: الأثر، بخلاف المرفوع فسيأتي أنه يطلق عليه المسند .
وذكر في "النكت" نقلا عن النووي أن المحدثين يطلقون الأثر على الموقوف والمرفوع فقال (١/ ٥١٣): (الأثر في الأصل العلامة والبقية والرواية ونقل النووي عن أهل الحديث أنهم يطلقون الأثر على المرفوع والموقوف معا. ويؤيده تسمية أبي جعفر الطبري كتابه (تهذيب الآثار) وهو مقصور على المرفوعات وإنما يورد فيه الموقوفات تبعا. وأما كتاب (شرح معاني الآثار) للطحاوي فمشتمل على المرفوع والموقوف - أيضا -) والمسألة اصطلاحية.
المسند:
قال الحافظ: (والمسند: مرفوع صحابي بسند ظاهره الاتصال).
وقال في "النزهة" (ص:٢٤١): (والمسند في قول أهل الحديث: "هذا حديث مسند" هو: مرفوع صحابي بسند ظاهره الاتصال.
فقولي: "مرفوع" كالجنس.
وقولي: "صحابي" كالفصل، يخرج به ما رفعه التابعي؛ فإنه مرسل، أو من دونه؛ فإنه معضل، أو معلق.
وقولي: "ظاهره الاتصال"، يخرج به ما ظاهره الانقطاع، ويدخل ما فيه الاحتمال، وما يوجد فيه حقيقة الاتصال، من باب الأولى. ويفهم من التقييد بالظهور أن الانقطاع الخفي، كعنعنة المدلس، والمعاصر الذي لم يثبت لقيه لا يخرج الحديث عن كونه مسندا؛ لإطباق الأئمة الذين خرجوا المسانيد على ذلك).
стр. 59
المسند:
-[قال الحافظ: (والمسند: مرفوع صحابي بسند ظاهره الاتصال).]-
وقال في "النزهة" (ص:٢٤١): (والمسند في قول أهل الحديث: " هذا حديث مسند"
هو: مرفوع صحابي بسند ظاهره الاتصال.
فقولي:"مرفوع" كالجنس.
وقولي:"صحابي" كالفصل, يخرج به ما رفعه التابعي؛ فإنه مرسل, أو من دونه؛ فإنه
معضل, أو معلق.
وقولي:" ظاهرة الاتصال", يخرج به ما ظاهره الانقطاع, ويدخل ما فيه الاحتمال,
وما يوجد فيه حقيقة الاتصال, من باب الأولى. ويفهم من التقييد بالظهور أن الانقطاع
الخفي, كعنعنة المدلس, والمعاصر الذي لم يثبت لقيه لا يخرج الحديث عن كونه مسنداً؛
لإطباق الأئمة الذين خرجوا المسانيد على ذلك).
فائدة:
لاحظ أن الحافظ جمع في تعريفه للمسند بين المرفوع والمتصل فراعي الإسناد والمتن معا كالحاكم (١).
قال اللقاني (٢/ ١٣٥٢): (بعضهم جعل المسند من صفات المتن، وهو قول ابن عبد البر، فإذا قيل - عنده -: هذا حديث مسند، معناه: أنه مضاف للنبي ﷺ ثم قد يكون مرسلا، وقد يكون معضلا، إلى غير ذلك.
وبعضهم جعله من صفات الإسناد - وهو قول الخطيب - فإذا قيل - عنده -: هذا مسند فمعناه: أنه متصل الإسناد، ثم قد يكون مرفوعا، وقد يكون موقوفا إلى غير ذلك.
وبعضهم جعله من صفاتهما معا، وهو قول الحاكم).
تعقب:
стр. 60
وتُعقب تعريف الحافظ بأن استخدام كلمة: (سند) في تعريف (المسند) فيه دور، كما أنه لا حاجة إلى التعرض بذكر الصحابي مع اشتراط الاتصال (٢).
والأولى في تعريف المسند أن يقال: (ما اتصل إلى النبي ﷺ
ولو ظاهرا).
العلو المطلق والنسبي:
-[قال الحافظ: (فإن قل عدده: إما أن ينتهي إلى النبي - صلى الله عليه وعلى آله
وسلم، أو إلى إمام ذي صفة علية كشعبة فالأول: العلو المطلق، والثاني: النسبي).]-
وقال في "النزهة" (ص/٢٤١): (فإن قل عدده، أي: عدد رجال السند، فإما:
أن ينتهي إلى النبي ﷺ بذلك العدد القليل بالنسبة إلى سند آخر، يرد به ذلك الحديث بعينه بعدد كثير.
أو ينتهي إلى إمام من أئمة الحديث ذي صفة علية: كالحفظ، والفقه، والضبط، والتصنيف، وغير ذلك من الصفات المقتضية للترجيح، كشعبة ومالك، والثوري،
والشافعي، والبخاري، ومسلم، ونحوهم.
فالأول: -وهو ما ينتهي إلى النبي ﷺ : العلو المطلق، فإن اتفق أن يكون سنده صحيحا كان الغاية القصوى، وإلا فصورة العلو فيه موجودة، ما لم يكن موضوعا؛ فهو كالعدم.
والثاني: العلو النسبي، وهو ما يقل العدد فيه إلى ذلك الإمام، ولو كان العدد من ذلك الإمام إلى منتهاه كثيرا.
وقد عظمت رغبة المتأخرين فيه، حتى غلب ذلك على كثير منهم، بحيث أهملوا الاشتغال بما هو أهم منه.
وإنما كان العلو مرغوبا فيه لكونه أقرب إلى الصحة وقلة الخطأ؛ لأنه ما من راو من رجال الإسناد إلا والخطأ جائز عليه، فكلما كثرت الوسائط وطال السند كثرت مظان التجويز، وكلما قلت قلت.
فإن كان في النزول مزية ليست في العلو: كأن تكون رجاله أوثق منه، أو أحفظ، أو أفقه، أو الاتصال فيه أظهر، فلا تردد أن النزول، حينئذ، أولى.
وأما من رجح النزول مطلقا واحتج بأن كثرة البحث تقتضي المشقة؛ فيعظم الأجر، فذلك ترجيح بأمر أجنبي عما يتعلق بالتصحيح والتضعيف (١)).
стр. 61
الموافقة، والبدل، والمساواة، والمصافحة:
-[قال الحافظ: (وفيه الموافقة: وهي الوصول إلى شيخ أحد المصنفين من غير طريقه. وفيه البدل: وهو الوصول إلى شيخ شيخه كذلك. وفيه المساواة: وهي استواء عدد الإسناد من الراوي إلى آخره مع إسناد أحد المصنفين. وفيه المصافحة: وهي الاستواء مع تلميذ ذلك المصنف).]-
مثال: (١)
قال الإمام البخاري: حدثنا قتيبة بن سعيد عن مالك عن الزهري عن ابن المسيب عن ابي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ .
فلو أن أحد المحدثين ممن تأخر عهده عن البخاري، وليكن البيهقي مثلا أراد أن يروي الحديث بعينه من طريق البخاري فوجد أنه بينه وبين قتيبة - شيخ البخاري - أربعة رواه، فأراد أن يرويه من غير طريق البخاري ليعلو بالإسناد ويقل عدد الرواة بينه وبين قتيبة، فوجده أنه بينه وبين قتيبة ثلاثة رواه فهذه تسمى موافقة؛ لأنه وافق البخاري في رواية الحديث في شيخه مع العلو في الإسناد (٢).
وإن أردا البيهقي أن يرويه من غير طريق قتيبة مع المحافظة على العلو في الإسناد فرواه من غير طريق قتيبة ن كمحمد بن بشار مثلا عن مالك، فهذه تسمى: البدل.
وأما المساواة، فكأن يروي النسائي، مثلا، حديثا يقع بينه وبين النبي ﷺ فيه أحد عشر نفسا، فيقع لنا ذلك الحديث، بعينه، بإسناد آخر إلى النبي ﷺ يقع بيننا وبين النبي ﷺ أحد عشر نفسا؛ فنساوي النسائي، من حيث العدد، مع قطع النظر عن ملاحظة ذلك الإسناد الخاص.
وكلما تأخر الزمان فقدت المساواة بين المتقدم والمتأخر كما لا يخفى.
وأما المصافحة فهي: أن يروي المتأخر الحديث بما يزيد عن عدد رواة المتقدم براو واحد فقط، فكأنه تلميذ له، وسميت مصافحة؛ لأن من عادة التلميذ إذا لقى شيخه أن بصافحه فشبهت بذلك.
وعليه: فالموافقة هي: الوصول إلى شيخ أحد المصنِّفين من غير طريقه بعدد أقل
стр. 62
مما لو رَوَي من طريقه عنه.
والبدل هو: الوصول إلى شيخ شيخِ أحد المصنِّفين من غير طريقه بعدد أقل مما لو روي من طريقه عنه.
والمساواة هي: استواء عدد الإسناد من الراوي إلى آخره مع إسناد أحد المصنِّفين.
والمصافحة هي: استواء عدد الإسناد من الراوي إلى آخره مع إسناد تلميذ أحد المصنِّفين.
النزول:
-[قال الحافظ: (ويقابل العلو بأقسامه النزول).]-
المصنف لم يذكر إلا قسمين من أقسام العلو الخمسة، والمقصود ذكر أن كل قسم من أقسام العلو يقابله قسم من أقسام النزول، فكل ما حكمنا بعلوه حكمنا على مقابله بالنزول.
قال السخاوي في "فتح المغيث" (٣/ ٣٥٨): (وأنزل ما في الصحيحين مما وقفت عليه ما بينهما وبين النبي ﷺ فيه ثمانية، وذلك في غير ما حديث، كحديث توبة كعب في تفسير (براءة). وحديث بعث أبي بكر لأبي هريرة في الحج في (براءة) أيضا ... ).
الأقران:
-[قال الحافظ: (فإن تشارك الراوي ومن روى عنه في السن واللقي فهو الأقران.]-
وقال في "النزهة" (ص:٢٤٣): (فإن تشارك الراوي ومن روى عنه، في أمر من الأمور المتعلقة بالرواية: مثل السن، واللقي وهو الأخذ عن المشايخ فهو النوع الذي يقال له: رواية الأقران؛ لأنه حينئذ يكون راويا عن قرينه).
تنبيهات (١):
- ظاهر المتن يوهم أنه لابد من التشارك في الأمرين جميعا أي السن والأخذ عن الشيوخ، ولكن قوله في الشرح: (أمر من الأمور المتعلقة بالرواية: مثل السن، واللقي) صرفه عن ظاهره وبين أن الإجتماع ولو في أحدهما كاف.
غير أن الإطلاق في الأحدية يشمل السن، وفيه نظر، فقد قال العراقي في شرح ألفيته" (٢/ ١٧٤): (القرينان: من استويا في الإسناد والسن غالبا، والمراد بالاستواء في ذلك على المقاربة، كما قال الحاكم: (إنما القرينان إذا تقارب سنهما وإسنادهما). وقولي:
стр. 63
(غالبا) متعلق بالسن فقط، إشارة إلى أنهم قد يكتفون بالإسناد دون السن، قال ابن الصلاح: (وربما اكتفى الحاكم بالتقارب في الإسناد، وإن لم يوجد التقارب في السن)).
قال اللقاني: (فكان الأليق بقاء المتن على ظاهره، وحمله على الغالب، وجعل مقابله الاكتفاء باللقاء دون السن).
- قال السخاوي في " فتح المغيث" (٤/ ١٧٠): (ومثال ذلك: رواية سليمان التيمي عن مِسْعَر ; فقد قال الحاكم: لا أحفظ لمسعر عن التيمي رواية، على أن غيره توقف في كون التيمي من أقران مسعر، بل هو أكبر منه، كما صرح به المزي وغيره. نعم، روى كل من الثوري ومَالِكُ بْنُ مِغْوَل عن مسعر، وهم أقران، والأعمش عن التيمي، وهما قرينان).
- فائدة معرفة هذا النوع: الأمن من ظن الزيادة في السند.
المُدَبَّج:
-[قال الحافظ: (وإن روى كل منهما عن الآخر: فالمُدَبَّج.]-
وقال في "النزهة" (ص:٢٤٣): (وإن روى كل منهما، أي: القرينين، عن الآخر فهو المدبج. وهو أخص من الأول؛ فكل مدبج أقران، وليس كل أقران مدبجا، وقد صنف الدارقطني في ذلك (١)، وصنف أبو الشيخ الأصبهاني في الذي قبله (٢)، وإذا روى الشيخ عن تلميذه (٣) صدق أن كلا منهما يروي عن الآخر؛ فهل يسمى مدبجا؟ فيه بحث، والظاهر: لا؛ لأنه من رواية الأكابر عن الأصاغر، والتدبيج مأخوذ من ديباجتي الوجه (٤)؛ فيقتضي أن يكون ذلك مستويا من الجانبين؛ فلا يجيء فيه هذا).
- أمثلة:
قال السخاوي في "فتح المغيث" (٤/ ١٦٩): (مثال ذلك في الصحابة: أبو هريرة وعائشة، روى كل منهما عن الآخر. وفي التابعين: الزهري وأبو الزبير كذلك. وفي أتباعهم: مالك والأوزاعي كذلك).
стр. 64
الأكابر عن الأصاغر وعكسه:
-[قال الحافظ: (وإن روى عمن دونه: فالأكابر عن الأصاغر، ومنه الآباء عن الأبناء، وفي عكسه كثرة، ومنه من روى عن أبيه عن جده).]-
قال القاري في "شرح النخبة" (ص:٦٣٦) ما ملخصه: ((وإن روى الراوي عمن هو دونه في السن، أو في اللقي، أو في المقدار). وحاصله: أن هذا النوع أقسام:
أحدها: أن يكون الراوي أكبر سنا، وأقدم طبقة كالزهري، ويحيى بن سعيد عن مالك. ثانيها: أن يكون أكبر قدرا في الحفظ والعلم، كمالك عن عبد الله بن دينار، وأحمد وإسحاق عن عبيد الله بن موسى.
ثالثها: أن يكون أكبر من الجهتين كرواية العبادلة عن كعب، وكرواية كثير من العلماء عن تلاميذهم. (فهذا النوع هو رواية الأكابر عن الأصاغر) هو نوع مهم تدعو لفعله الهمم العلية، والأنفس الزكية، ولذا قيل: لا يكون الرجل محدثا حتى يأخذ عمن فوقه، ومثله ودونه. وفائدة ضبطه: الخوف من ظن الانقلاب في السند مع ما فيه من العمل بقوله صلى الله تعالى عليه وسلم: " أنزلوا الناس منازلهم "، وإلى ذلك أشار ابن الصلاح بقوله: ومن الفائدة فيه أن لا يتوهم كون المروي عنه أكبر أو أفضل، نظرا إلى أن الأغلب كون المروي عنه كذلك، فتجهل بذلك منزلتهما، والأصل فيه رواية النبي صلى الله تعالى عليه وسلم حديث الجساسة عن تميم الداري، كما في صحيح مسلم.
(ومنه، أي من جملة هذا النوع - وهو أخص من مطلقه - رواية الآباء عن الأبناء) وفائدة ضبطه الأمن من التحريف الناشئ عن كون الابن أبا في: " عن أبيه " مثلا، وفيه أمثلة كثيرة كقول أنس: حدثتني ابنتي أمينة: أنه دفن لصلبي إلى مقدم الحجاج البصرة بضع وعشرون ومئة "، وكروايته أيضا عن ابنه ولم يسمه، وكرواية عمر بن الخطاب عن ابنه عبد الله، وكرواية العباس عم النبي ﵊ عن ابنه الفضل حديث " الجمع بين الصلاتين بالمزدلفة ".
(والصحابة) أي ومنه رواية الصحابة (عن التابعين) كرواية أنس عن كعب الأخبار، (والشيخ عن تلميذه) كرواية البخاري عن أبي العباس السراج، (ونحو ذلك) كرواية التابعين عن الأتباع كالزهري عن مالك.
(وفي عكسه) أي رواية الراوي عمن فوقه في السن، أو اللقي، أو المقدار، وهو المعبر عنه برواية الأصاغر عن الأكابر، (كثرة؛ لأنه هو الجادة) أي الطريق المستوية المستقيمة، (المسلوكة الغالبة، وقد صنف الخطيب في رواية الآباء عن الأبناء تصنيفا،
стр. 65
وأفرد جزء لطيفا في رواية الصحابة عن التابعين، ومنه) أي من العكس (من روى عن أبيه عن جده، وجمع الحافظ صلاح الدين العلائي) منسوب إلى العلاء بفتح المهمل ة (من المتأخرين مجلدا كبيرا في معرفة من روى عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم) كبَهْز بن حكيم عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، فحكيم هو ابن معاوية بن حيدة القشيري، فالصحابي هو معاوية، وهو جد بهز).
السابق واللاحق:
-[قال الحافظ: (وإن اشترك اثنان عن شيخ، وتقدم موت أحدهما، فهو: السابق واللاحق).]-
وقال في "النخبة" (ص/٢٤٥): (وإن اشترك اثنان عن شيخ وتقدم موت أحدهما على الآخر؛ فهو السابق واللاحق (١). وأكثر ما وقفنا عليه من ذلك ما بين الراويين فيه في الوفاة مائة وخمسون سنة، وذلك أن الحافظ السِّلفي سمع منه أبو علي البَرْدانيّ- أحد مشايخه - حديثا، ورواه عنه، ومات على رأس الخمسمائة، ثم كان آخر أصحاب السلفي بالسماع سِبْطَه أبو القاسم عبد الرحمن بن مكي، وكانت وفاته سنة خمسين وستمائة. ومن قديم ذلك أن البخاري حدث عن تلميذه أبي العباس السَّرَّاج أشياء، في التاريخ وغيره، ومات سنة ست وخمسين ومائتين، وآخر من حدث عن السراج، بالسماع، أبو الحسين الخفَّاف، ومات سنة ثلاث وتسعين وثلاث مئة. وغالب ما يقع من ذلك أن المسموع منه قد
стр. 66
يتأخر بعد أحد الراويين عنه زمانا؛ حتى يسمع منه بعض الأحداث، ويعيش بعد السماع، دهرا طويلا؛ فيحصل من مجموع ذلك نحو هذه المدة).
المهمل:
-[قال الحافظ: (وإن روى عن اثنين متفقي الاسم ولم يتميزا، فباختصاصه بأحدهما يتبين المهمل).]-
وقال في "النزهة" (ص:٢٤٥): (وإن روى الراوي عن اثنين متفقي الاسم، أو مع اسم الأب، أو مع اسم الجد، أو مع النسبة، ولم يتميزا بما يخص كلا منهما فإن كانا ثقتين لم يضر.
ومن ذلك ما وقع في البخاري في روايته عن أحمد، غير منسوب، عن ابن وهب؛
فإنه إما أحمد بن صالح، أو أحمد بن عيسى. أو عن محمد، غير منسوب، عن أهل العراق؛ فإنه إما محمد بن سلام، أو محمد بن يحيى الذهلي.
ومن أراد لذلك ضابطا كليا يمتاز أحدهما عن الآخر فباختصاصه (١)، أي الشيخ المروي عنه بأحدهما يتبين المهمل، ومتى لم يتبين ذلك، أو كان مختصا بهما معا، فإشكاله شديد؛ فيرجع فيه إلى القرائن والنظر الغالب).
من حدث ونسي:
-[قال الحافظ: (وإن جحد مرويه جزما: رد، أو احتمالا: قبل في الأصح. وفيه: من حدث ونسي).]-
وقال في "النزهة" (ص:٢٤٦): (وإن روى عن شيخ حديثا فجحد الشيخ مرويه:
فإن كان جزما: كأن يقول: كذب علي، أو: ما رويت هذا، أو نحو ذلك، فإن وقع منه ذلك رُدَّ ذلك الخبر (٢) لكذب واحد منهما، لا بعينه، ولا يكون ذلك قادحا في واحد منهما؛ للتعارض (٣).
أو كان جحده احتمالا، كأن يقول: ما أذكر هذا، أو لا أعرفه قبل ذلك الحديث في الأصح؛ لأن ذلك يحمل على نسيان الشيخ، وقيل: لا يقبل؛ لأن الفرع تبع للأصل في إثبات الحديث، بحيث إذا أثبت الأصل الحديث ثبتت رواية الفرع، وكذلك ينبغي أن يكون فرعا عليه، وتبعا له - في التحقيق- في النفي. وهذا متعقب فإن عدالة الفرع تقتضي صدقه، وعدم علم الأصل لا ينافيه، فالمثبت مقدم على النافي.
وفيه، أي: في هذا النوع، صنف الدارقطني كتاب: "من حدث ونسي"، وفيه ما يدل على تقوية المذهب الصحيح؛ لكون كثير منهم حدثوا بأحاديث فلما عرضت عليهم لم يتذكروها، لكنهم؛ لاعتمادهم على الرواة عنهم، صاروا يروونها عن الذين رووها عنهم، عن أنفسهم، كحديث سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة مرفوعا في قصة
стр. 67
الشاهد واليمين، قال عبد العزيز بن محمد الدراوردي: حدثني به ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن سهيل، فلقيت سهيلا فسألته عنه فلم يعرفه، فقلت: إن ربيعة حدثني عنك بكذا، فكان سهيل بعد ذلك يقول: حدثني ربيعة عني أني حدثته عن أبي به. ونظائره كثيرة).
تنبيه:
سوى الحافظ بين مسألة الجحد والتكذيب ومَثَّل لأحدهما بالأخرى - وتبعه السيوطي في التدريب وسيأتي كلامه -، وقد نقل ابن حجر عن أهل الحديث التفريق بينهما فقال في "الفتح" (٢/ ٣٢٦): (لأهل الحديث فيه تفصيل قالوا إما أن يجزم برده أو لا وإذا جزم فإما أن يصرح بتكذيب الراوي عنه أو لا فإن لم يجزم بالرد كأن قال لا أذكره فهو متفق عندهم على قبوله؛ لأن الفرع ثقة والأصل لم يطعن فيه وإن جزم وصرح بالتكذيب فهو متفق عندهم على رده؛ لأن جزم الفرع بكون الأصل حدثه يستلزم تكذيب الأصل في دعواه أنه كذب عليه وليس قبول قول أحدهما بأولى من الآخر وإن جزم بالرد ولم يصرح بالتكذيب فالراجح عندهم قبوله).
والراجح هو القبول مطلقا إذ أن المسألة مفترضة في الراوي الثقة، وهو في جميع الحالات مثبت ومؤكد لصحة روايته، والمثبت مقدم على النافي.
قال السيوطي في "تدريب الراوي" (١/ ٣٩٥): ((إذا روى) ثقة عن ثقة (حديثا ثم نفاه المسمع) لما روجع فيه (فالمختار) عند المتأخرين (أنه إن كان جازما بنفيه بأن قال ما رويته) أو كذب علي (ونحوه وجب رده) لتعارض قولهما ... ومقابل المختار في الأول عدم رد المروي، واختاره السمعاني وعزاه الشاشي للشافعي، وحكى الهندي الإجماع عليه، وجزم الماوردي والروياني بأن ذلك لا يقدح في صحة الحديث إلا أنه لا يجوز للفرع أن يرويه عن الأصل ... ومن شواهد القبول ما رواه الشافعي عن سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن أبي معبد عن ابن عباس قال: «كنت أعرف انقضاء صلاة رسول الله ﷺ بالتكبير».
قال عمرو بن دينار ثم ذكرته لأبي معبد فقال: لم أحدثكه، قال عمرو: قد حدثتنيه.
قال الشافعي: كأنه نسيه بعد ما حدثه إياه، والحديث أخرجه الشيخان من حديث ابن عيينة).
قال الشيخ أبو بكر كافي في "منهج الإمام البخاري" (ص:٩٣) عقب ذكره للحديث السابق: (وهذا يدل على أن البخاري ومسلماً يذهبان إلى صحة الحديث ولو أنكره راويه إذا كان الناقل عنه عدلاً، وأن ذلك لا يقدح في عدالة أصل الراوي ولا في عدالة الفرع
стр. 68
الراوي عنه).
المسلسل:
-[قال الحافظ: (وإن اتفق الرواة في صيغ الأداء أوغيرها من الحالات، فهو: المسلسل).]-
المسلسل لغة: اتصال الشيء بعضه ببعض، ومنه سِلْسِلَةُ الحديد.
وعرفه اصطلاحا ابن جماعة بأنه: " ما تتابع رجال إسناده عند روايته على صفة أو حالة إما في الراوي أو في الرواية ".
وشرح التعريف الشيخ أحمد الفياض في " مباحث في الحديث المسلسل" (ص:١٣٨) فقال: (التتابع: اشتراك الراوي في صفة أو حال باقي رجال الإسناد.
على صفة: وهي ما اتصف به الراوي مثل: القراء أو القضاة أو ما اتصفت به الرواية مثل: صيغ الأداء كحدثنا وسمعت.
أو حالة: وهي إما قولية مثل: حديث معاذ (إني احبك فقل) أو فعلية كحديث التشبيك.
الفرق بين الصفة والحال:
أما الصفة فهي ما تكون ملازمة للإنسان في جميع أوقاته وأحواله فنقول عن فلان من الناس إنه حافظ أو قارئ أو إمام الى غير ذلك من الصفات التي تلازم الإنسان ونقول أيضا الحديث المسلسل بالحفاظ أو الثقات أو القضاة وهكذا.
وأما الحال فهو ما يحصل للإنسان بصورة وقتية وليس بالضرورة أن تكون ملازمة له فالحب والبغض من الأحوال الإنسانية وكذلك تشبيك الأصابع الى غير ذلك من الأحوال).
وقال ابن حجر في "النزهة" (ص/٢٤٧): (وإن اتفق الرواة في إسناد من الأسانيد في صيغ الأداء: كسمعت فلانا، قال: سمعت فلانا، أو: حدثنا فلان، قال: حدثنا فلان، وغير ذلك من الصيغ، أو غيرها من الحالات القولية، كسمعت فلانا يقول: "أشهد بالله لقد حدثني فلان ... "، إلى آخره، أو الفعلية كقوله: دخلنا على فلان فأطعمنا تمرا إلى آخره، أو القولية والفعلية معا كقوله: "حدثني فلان وهو آخذ بلحيته قال: آمنت بالقدر ... "، إلى آخره فهو المسلسل.
وهو من صفات الإسناد، وقد يقع التسلسل في معظم الإسناد، كحديث المسلسل
стр. 69
بالأولية (١)، فإن السلسلة تنتهي فيه إلى سفيان بن عيينة فقط، ومن رواه مسلسلا إلى منتهاه فقد وهم).
فائدة - فضيلة التسلسل:
قال ابن الصلاح في " مقدمته" (ص:٢٧٦): (وخيرها ما كان فيه دلالة على اتصال السماع وعدم التدليس.
ومن فضيلة التسلسل اشتماله على مزيد الضبط من الرواة، وقلما تسلم المسلسلات من ضعف، أعني في وصف التسلسل لا في أصل المتن.
ومن المسلسل ما ينقطع تسلسله في وسط إسناده، وذلك نقص فيه).
طرق التحمل وصيغ الأداء:
السماع من لفظ الشيخ:
-[قال الحافظ: (وصيغ الأداء: سمعت وحدثني. فالأولان: لمن سمع وحده من لفظ الشيخ، فإن جمع فمع غيره. وأولها: أصرحها وأرفعها في الإملاء).]-
فائدة:
قال اللقاني (٢/ ١٤٢٨): (اختصر المحدثون في الكتابة دون اللفظ "حدثنا" على "ثنا" وهو المشهور، وبعضهم يختصرها على "نا"، وبعضهم على "دثنا".
واختصروا - أيضا -: "أخبرنا" على "أنا"، وهو المشهور، وبعضهم يختصرها على "أرنا" بحذف الخاء والباء، واختصرها البيهقي على "أبنا".
قال شيخ الإسلام (٢): "ويختصر حدثني على: "ثني"، أو "دثني"؛ دون أخبرني ودون أنبأنا، وأنبأني ". انتهي.
وذكر ابن حجر "أنبأنا" يختصر على "أنبا"، والأول هو المنقول).
قال ابن حجر في "النزهة" (ص/٢٤٧): (فاللفظان الأولان من صيغ الأداء، وهما: سمعت وحدثني صالحان لمن سمع وحده من لفظ الشيخ (٣). وتخصيص التحديث بما سمع من لفظ الشيخ هو الشائع بين أهل الحديث اصطلاحا، ولا فرق بين التحديث والإخبار من
стр. 70
حيث اللغة (١)، وفي ادعاء الفرق بينهما تكلف شديد، لكن، لما تقرر الاصطلاح صار ذلك حقيقة عرفية فتقدم على الحقيقة اللغوية، مع أن هذا الاصطلاح إنما شاع عند المشارقة ومن تبعهم، وأما غالب المغاربة فلم يستعملوا هذا الاصطلاح، بل الإخبار والتحديث عندهم بمعنى واحد.
فإن جمع، الراوي أي: أتى بصيغة الجمع في الصيغة الأولى (٢)، كأن يقول: حدثنا فلان، أو: سمعنا فلانا يقول = فهو دليل على أنه سمع منه مع غيره، وقد تكون النون للعظمة، لكن، بقلة.
وأولها، أي: المراتب أصرحها، أي: أصرح صيغ الأداء في سماع قائلها؛ لأنها لا تحتمل الواسطة، لكن، "حدثني" قد تطلق في الإجازة تدليسا (٣). وأرفعها مقدارا ما يقع في الإملاء؛ لما فيه من التثبت والتحفظ).
стр. 71
العرض (١):
-[قال الحافظ: (ثم أخبرني، وقرأت عليه، ثم قرئ عليه وأنا أسمع).]-
وقال في "النزهة" (ص/٢٤٨): (والثالث: وهو أخبرني، والرابع: وهو قرأت لمن قرأ بنفسه على الشيخ، فإن جمع كأن يقول: أخبرنا، أو: قرأنا عليه، فهو كالخامس، وهو: قرئ عليه وأنا أسمع. وعرف من هذا أن التعبير "بقرأت" لمن قرأ خير من التعبير بالإخبار؛ لأنه أفصح بصورة الحال.
تنبيه:
القراءة على الشيخ أحد وجوه التحمل عند الجمهور، وأبعد من أبى ذلك من أهل العراق، وقد اشتد إنكار الإمام مالك، وغيره من المدنيين، عليهم في ذلك (٢)، حتى بالغ بعضهم فرجحها على السماع من لفظ الشيخ، وذهب جمع جم، منهم البخاري -وحكاه في أوائل صحيحه عن جماعة من الأئمة- إلى أن السماع من لفظ الشيخ والقراءة عليه -يعني في الصحة والقوة- سواء (٣)، والله أعلم).
стр. 72
الإنباء:
-[قال الحافظ: (ثم أنبأني، ثم ناولني، ثم شافهني. ثم كتب إلي، ثم عن، ونحوها (١) ...
والإنباء: بمعنى الإخبار إلا في عرف المتأخرين فهو للإجازة كعن، وعنعنة المعاصر محمولة على السماع إلا من مدلس وقيل: يشترط ثبوت لقائهما - ولو مرة-، وهو المختار.
وأطلقوا المشافهة في الإجازة المتلفظ بها، والمكاتبة في الإجازة المكتوب بها، واشترطوا في صحة المناولة اقترانها بالإذن بالرواية، وهي أرفع أنواع الإجازة، وكذا اشترطوا الإذن في الوجادة، والوصية بالكتاب وفي الإعلام، وإلا فلا عبرة بذلك كالإجازة العامة، وللمجهول وللمعدوم على الأصح في جميع ذلك).]-
وقال في "النزهة" (ص/٢٤٨): (والإنباء من حيث اللغة واصطلاح المتقدمين بمعنى الإخبار، إلا في عرف المتأخرين فهو للإجازة كـ"عن"، لأنها في عرف المتأخرين للإجازة.
وعنعنة المعاصر محمولة على السماع، بخلاف غير المعاصر فإنها تكون مرسلة أو منقطعة (٢)، فشرط حملها على السماع ثبوت المعاصرة، إلا من المدلس فإنها ليست محمولة على السماع.
وقيل: يشترط في حمل عنعنة المعاصر على السماع ثبوت لقائهما، أي: الشيخ والراوي عنه، ولو مرة واحدة؛ ليحصل الأمن من باقي معنعنه عن كونه من المرسل
стр. 73
الخفي، وهو المختار، تبعا لعلي بن المديني، والبخاري، وغيرهما من النقاد.
وأطلقوا المشافهة في الإجازة المتلفظ بها تجوزا، وكذا المكاتبة في الإجازة المكتوب بها: وهو موجود في عبارة كثير من المتأخرين، بخلاف المتقدمين؛ فإنهم إنما يطلقونها فيما كتب به الشيخ من الحديث إلى الطالب، سواء أذن له في روايته أم لا، لا فيما إذا كتب إليه بالإجازة فقط.
واشترطوا في صحة الرواية بالمناولة اقترانها بالإذن بالرواية، وهي إذا حصل هذا الشرط أرفع أنواع الإجازة؛ لما فيها من التعيين والتشخيص.
وصورتها: أن يدفع الشيخ أصله، أو ما قام مقامه للطالب، أو: يحضر الطالب الأصل للشيخ، ويقول له في الصورتين: هذا روايتي عن فلان فاروه عني، وشرطه، أيضا، أن يمكنه منه: إما بالتمليك، وإما بالعارية؛ لينقل منه ويقابل عليه، وإلا إن ناوله واسترد في الحال فلا يتبين لها زيادة مزية على الإجازة المعينة، وهي: أن يجيزه الشيخ برواية كتاب معين ويعين له كيفية روايته له.
وإذا خلت المناولة عن الإذن لم يعتبر بها عند الجمهور، وجنح من اعتبرها إلى أن مناولته إياه تقوم مقام إرساله إليه بالكتاب من بلد إلى بلد.
وقد ذهب إلى صحة الرواية بالكتابة المجردة جماعة من الأئمة، ولو لم يقرن
ذلك بالإذن بالرواية، كأنهم اكتفوا في ذلك بالقرينة، ولم يظهر لي فرق قوي بين مناولة الشيخ من يده للطالب، وبين إرساله إليه بالكتاب من موضع إلى آخر، إذا خلا كل منهما عن الإذن.
وكذا اشترطوا الإذن في الوجادة:
وهي: أن يجد بخط يعرف كاتبه فيقول: وجدت بخط فلان، ولا يسوغ فيه إطلاق أخبرني بمجرد ذلك، إلا إن كان له منه إذن بالرواية عنه، وأطلق قوم ذلك فغلطوا.
وكذا الوصية بالكتاب:
وهو: أن يوصي عند موته، أو سفره، لشخص معين، بأصله، أو بأصوله، فقد قال قوم من الأئمة المتقدمين: يجوز له أن يروي تلك الأصول عنه بمجرد هذه الوصية، وأبى ذلك الجمهور، إلا إن كان له منه إجازة.
وكذا اشترطوا الإذن بالرواية في الإعلام:
وهو: أن يعلم الشيخ أحد الطلبة بأنني أروي الكتاب الفلاني عن فلان، فإن كان له منه إجازة اعتبر، وإلا فلا عبرة بذلك.
стр. 74
كالإجازة العامة في المجاز له، لا في المجاز به، كأن يقول: أجزت لجميع المسلمين، أو لمن أدرك حياتي، أو لأهل الإقليم الفلاني، أو لأهل البلد الفلانية، وهو أقرب إلى الصحة؛ لقرب الانحصار.
وكذا الإجازة للمجهول، كأن يكون مبهما أو مهملا.
وكذا الإجازة للمعدوم كأن يقول: أجزت لمن سيولد لفلان، وقد قيل: إن عطفه على موجود صح، وكأن يقول: أجزت لك ولمن سيولد لك، وقد قيل: الأقرب عدم الصحة، أيضا، وكذلك الإجازة لموجود، أو معدوم، علقت بشرط مشيئة الغير، كأن يقول: أجزت لك إن شاء فلان، أو أجزت لمن شاء فلان، لا أن يقول: أجزت لك إن شئت. وهذا في الأصح في جميع ذلك.
وقد جوز الرواية بجميع ذلك -سوى المجهول، ما لم يتبين المراد منه- الخطيب، وحكاه عن جماعة من مشايخه، واستعمل الإجازة للمعدوم من القدماء أبو بكر بن أبي داود، وأبو عبد الله بن منده، واستعمل المعلقة منهم، أيضا، أبو بكر بن أبي خيثمة، وروى بالإجازة العامة جمع كثير جمعهم بعض الحفاظ في كتاب، ورتبهم على حروف المعجم لكثرتهم.
وكل ذلك، كما قال ابن الصلاح، توسع غير مرضي؛ لأن الإجازة الخاصة المعينة مختلف في صحتها اختلافا قويا عند القدماء، وإن كان العمل استقر على اعتبارها عند المتأخرين، فهي دون السماع بالاتفاق، فكيف إذا حصل فيها الاسترسال المذكور! فإنها تزداد ضعفا، لكنها، في الجملة، خير من إيراد الحديث معضلا. والله تعالى أعلم.
стр. 75
وإلى هنا انتهى الكلام في أقسام صيغ الأداء).
الْمُتَّفِق وَالْمُفْتَرِق:
-[قال الحافظ: (ثم الرواة إن اتفقت أسماؤهم، وأسماء آبائهم فصاعدا، واختلفت أشخاصهم: فهو المتفق والمفترق).]-
قال اللقاني (٢/ ١٤٩٤): (قوله: "فصاعدا" ليس حالا من آبائهم، بل من أسمائهم وأسماء آبائهم، أي: فذهب الاتفاق من الأسماء صاعدا إلى النسبة، والكنية، واللقب، والأب، والجد، والقبيلة، وهلم جرّا).
قال السخاوي في "فتح المغيث" (٤/ ٢٦٧) ما ملخصه: (وينقسم إلى ثمانية أقسام:
الأول: أن تتفق أسماؤهم وأسماء آبائهم خاصة نحو: أيوب بن سليمان ستة عشر، وإبراهيم بن يزيد ثلاثة عشر، وإبراهيم بن موسى اثنا عشر، وعلي بن أبي طالب تسعة، وإبراهيم بن مسلم ثمانية، وعمر بن خطاب سبعة، وأنس بن مالك ستة، وأبان بن عثمان خمسة، ويحيى بن يحيى أربعة، وإبراهيم بن بشار ثلاثة، وعثمان بن عفان اثنان.
والثاني أن تتفق أسماؤهم وأسماء آبائهم وأجدادهم، فمنه أحمد بن جعفر وجده حمدان هم أربعة متعاصرون من طبقة واحدة.
والثالث: أن تتفق الكنية والنسبة معا ومن أمثلته أبو سليمان الداراني الدمشقي الْعَنْسِيّ اثنان، أقدمهما عبد الرحمن بن سليمان بن أبي الْجَوْنِ، والآخر وهو الزاهد الشهير، اسمه أيضا عبد الرحمن بن أحمد بن عطية، تعاصر مع الأول.
والرابع: مما هو متفق معه في الاسم في الجملة وفي النسبة، ومن أمثلته: محمد بن عبد الله، هما من الأنصار، أحدهما بالنسب، والآخر بالولاء.
والخامس: أن تتفق كناهم وأسماء آبائهم ; كأبي بكر بن عبد الله: جماعة.
والسادس ضد ما قبله: وهو أن تتفق أسماؤهم وكنى آبائهم، ومنه: صالح أربعة كلهم ابن أبي صالح.
والسابع: ما الاتفاق فيه في اسم، أو في كنية أو في نسبة فقط ويقع في السند منهم واحد باسمه أو بكنيته أو بنسبته خاصة مهملا من ذكر أبيه أو غيره مما يتميز به عن المشاركة له فيما ورد به فيلتبس كنحو حماد إذا ما يهمل من نسبة أو غيرها.
والثامن: ما يحصل الاتفاق فيه في لفظ نسب فقط، والافتراق في أن ما نسب إليه