← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 37602

الشرح المختصر لنخبة الفكر

أبو المنذر المنياوي

Полный текст (98 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

الشرح المختصر لنخبة الفكر للإمام المحدث الحافظ أحمد بن علي ابن حجر العسقلاني المتوفى سنة ٨٥٢ هجرية تأليف الفقير إلى عفو ربه الغني: أبي المنذر: محمود بن محمد بن مصطفى المنياوي عفا الله عنه. الطبعة الأولى ١٤٣٢ هـ/٢٠١١ م المكتبة الشاملة

стр. 2

حقوق الطبع محفوظة للمؤلف الطبعة الأولى ١٤٣٢ هـ / ٢٠١١ م رقم الإيداع بالمكتبة الشاملة ٣/ ٢٠١١

стр. 3

الشرح المختصر لنخبة الفكر مقدمة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾. أما بعد ... فهذا شرح مختصر لنخبة الفكر للحافظ ابن حجر العسقلاني ضمن فعاليات الدورة المكثفة، والله أسأل الإعانة والقبول والسداد. ومنهجي في شرح النخبة توضيح وتحليل عباراتها في صورة مسائل وحواشي، وإن كان هناك ثمَّ اعتراض على الحافظ من بعض تلامذته فإنني أذكره وأذكر الجواب عنه إن كان غير وجيه، وفي ذلك فائدة كبيرة بتثبيت المعاني، وشحذ الأذهان. ولما كانت طبيعة هذه الدورات المكثفة - والتي تتطلب الانتهاء من المتون موضع الدراسة في فترة وجيزة - تتطلب عدم التوسع بذكر المتعلقات الخارجة عن صلب المتن فقد التزمت بذلك إلا فيما لابد منه مما يخدم المتن. والله أسأل أن يتقبل هذا العلم وأن يدخر لي أجره، وأن ينفع به، إنه ولي ذلك وهو القادر عليه. التعريف بالماتن (١): صاحب المتن هو: أحمد بن علي بن محمد بن محمد بن علي بن محمود بن حجر الكناني الشافعي ولقب بالعسقلاني نسبة إلى عسقلان (من مدن فلسطين) وابن حجر لقب لبعض آبائه. برع في علوم الحديث بجميع فنونه، وتصدى لنشر الحديث ونظرا لإتقان حفظه صار يعرف بالحافظ. ومن أهم مصنفاته: الإصابة في أسماء الصحابة، تهذيب التهذيب، التقريب، فتح الباري شرح صحيح البخاري، بلوغ المرام، تعجيل المنفعة،

стр. 4

تلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير، إتحاف المهرة وله ديوان شعر وديوان خطب ونخبة الفكر وهي موضوع دراستنا. مولده:٧٧٣هـ بالقاهرة (مصر القديمة). ووفاته:٨٥٢هـ ودفن بالقاهرة، وقد ترجم له تلميذه السخاوي ترجمة حافلة في مجلد ضخم، وقد طبع في ثلاث مجلدات بدار ابن حزم بعنوان (الجواهر والدرر في ترجمة شيخ الإسلام ابن حجر). مقدمة الماتن (١): قال الإمام الحافظ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني- رحمه الله تعالى-: (بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله الذي لم يزل عليماً قديراً وصلى الله على سيدنا محمد الذي أرسله إلى الناس كافةً بشيراً ونذيراً، وعلى آل محمد وصحبه وسلم تسليماً كثيراً). فيه مسائل ومنها: الأولى - بدأ الماتن كغيره من المصنفين بالبسملة لأمور منها:- التأسي بفعل الصحابة ﵃ في افتتاحهم المصحف الإمام بالتسمية وتبعهم جميع من كتب المصحف بعدهم في جميع الأمصار، سواء من يقول بأن البسملة آية من الفاتحة، ومن لا يقول ذلك. ومنها - الإقتداء بالرسول ﷺ في مكاتباته إلى الملوك وغيرهم، كما في رسالته ﷺ إلى هرقل، في الحديث المتفق عليه. ومنها - العمل بحديث: (كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه ببسم الله الرحمن الرحيم فهو أبتر)، أي ذاهب البركة، والحديث لا يثبت، وقد نقل السخاوي، والسيوطي، وغيرهما عن الحافظ ابن حجر صراحة أنه يجوز العمل بالضعيف في فضائل الأعمال بشروط. الثانية - بدأ بالحمدلة وفيها نحو الوجوه الثلاث السابقة فقد ابتدأ الصحابة كتابة المصحف الإمام بالفاتحة، وهي تبدأ بالحمد بعد البسملة، وكان النبي ﷺ يبدأ خطبته بالحمد، وأيضاً قد ورد في ذلك حديث مرسل لا يثبت، رواه أبو داود (٤٨٤٠) (٤/ ٢٦٢) وقال: (رواه يونس، وعقيل، وشعيب وسعيد بن عبدالعزيز عن الزهري عن النبي ﷺ مرسلاً)، وكذا صوب الدارقطني الإرسال في الحديث في سننه (١/ ٢٢٩) ولفظه: (كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بالحمد لله فهو أقطع)، وقد اشتهر الكلام على هذا الحديث وانظر الإرواء (٢) (١/ ٣٢) وعلى فرض ثبوت الحديثين فالأولية في البدء بالبسملة أولية حقيقية مطلقة، وأما الأولية في البدء بالحمدلة

стр. 5

فهي أولية نسبية، أي بالنسبة لما يأتي بعدها. الثالثة- وزاد في الشرح بعد قوله: (عليما قديرا) قوله: (حيا قيوما مريدا سميعا بصيرا). والصفات السبع الثبوتية عند الأشاعرة هي قسمان: الصفات العقلية، وضابطها: ما تتوقف عليه المعجزة من الصفات وهي (القدرة والإرادة والعلم والحياة). والصفات السمعية، وضابطها: ما لا تتوقف عليه المعجزة من الصفات وهي: (السمع والبصر والكلام). وطريقة إثباتهم لهذه الصفات تختلف عن طريقة السلف الصالح في إثباتها، بيان الفرق بين الطريقتين مما لا يتسع المجال لذكره الآن. والأشاعرة لا ينفون بقية الصفات لكنهم يقولون بأنه لا يلزم المسلم أن يثبت سوى هذه الصفات السبع. أما غيرها فهو غير ملزم بإثباتها لأنها تابعة لهذه الصفات السبع. ولكن حقيقة مذهبهم هو إثباتها مجازاً فقط لا حقيقة. وأما بالنسبة لصفة القيومية فهي ليست عندهم من الصفات المعنوية السبع التي يثبتونها، بل هي من الصفات النفسية أو الذاتية عندهم. والصفات النفسية عندهم هي: الوجود والقدم والبقاء والوحدانية والقيام بالذات والمخالفة للحوادث. وبالنظر لعبارة ابن حجر في النزهة نجد أنه قد أثبت ستا من الصفات السبع الثبوتية وهي: (العلم والقدرة والحياة والإرادة والسمع والبصر) ولم يثبت صفة الكلام، وأضاف صفة القيومية. وهذا مما دفع الكثيرين إلى إثبات تأثر ابن حجر بالأشاعرة واضطرابه في مسألة الأسماء والصفات. قال د. سفر الحوالي في كتابه منهج الأشاعرة في العقيدة: (والذي أراه أن الحافظ ﵀ أقرب شيء إلى عقيدة مفوضة الحنابلة كأبي يعلى ونحوه ممن ذكرهم شيخ الإسلام في درء تعارض العقل والنقل ووصفهم بمحبة الآثار والتمسك بها لكنهم وافقوا بعض أصول المتكلمين وتابعوهم ظانين صحتها عن حسن نية. ولو قيل إن الحافظ ﵀ كان متذبذبا في عقيدته لكان ذلك أقرب الى الصواب كما يدل عليه شرحه لكتاب التوحيد والله اعلم). ويقول الشيخ أبو عبد الله ربيع بن محمد السعودي في مقدمة تحقيقه لكتاب اليواقيت والدرر شرح نخبة الفكر للمناوي عندما ترجم للحافظ ابن حجر: (لا يختلف اثنان في

стр. 6

مكانة ابن حجر وعلمه غير أن الكمال المطلق لله وحده ولم تخل حياة ابن حجر من بعض الهنات. والذي يهمنا أن ننبه عليه أن ابن حجر كان يميل إلى تأويل الصفات ولاشك أن ذلك يخلف منهج السلف الذين كانوا يأخذون الصفات على ظاهرها من غير تأويل ولا تعطيل وقد تكون هذه سمة العصر الذي نشأ فيه ابن حجر ولعل عتب العلماء عليه كحافظ ثاقب الفهم واسع المعرفة متمكن في اخص العلوم ونسأل الله أن يتجاوز عنه وأن يغفر لنا وله). وقد ألفت بعض الكتب التي تناولت المخالفات العقدية للحافظ في فتح الباري ومنها: رسالة جامعية بعنوان: (منهج ابن حجر في العقيدة من خلال كتابه فتح الباري) في ثلاث مجلدات. ومنها: المخالفات العقدية في الفتح للشيخ البراك. ومنها: التنبيه على المخالفات العقدية في فتح الباري للشيخ علي الشبل. سبب تأليف الرسالة: قال ﵀: -[(أما بعد فان التصانيفَ في اصطلاح أهل الحديثِ قد كثرتْ وبُسطتْ واخْتُصرتْ فسألني بعضُ الإخوانِ أن ألخصَ له المُهِمَّ من ذلك فأجبتُه إلى سؤالِهِ؛ رجاءَ الاندراجِ في تلكَ المسالِكِ)]-. فيه مسائل ومنها: الأولى - قوله: (فسألني بعضُ الإخوانِ) قال على القاري في "شرح النخبة" (ص:١٤٨): (قيل: هو عز الدين بن جماعة. وقيل: هو الشيخ شمس الدين محمد بن محمد الزركشي)،وجزم السخاوي في "الضوء اللامع" بأن الزركشي في الذي أبهمه الشيخ هنا. الثانية - مميزات النخبة (١): - الاختصار، قال ابن حجر في النزهة (ص/٣٥): (لخصته في أوراق لطيفة، سميتها: "نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر" على ترتيب ابتكرته، وسبيل انتهجته، مع ما ضممت إليه من شوارد الفرائد، وزوائد الفوائد). - التحرير، وهذا ظاهر من اسمها فنخبة الشيء ما ينتخب منه ويختار، والفكر جمع فكرة والفكرة هي النشاط الذهني من تحليل وتركيب وتنسيق. - جودة الترتيب الميسر للفهم والحفظ، كما قال أنه رتبها على ترتيب ابتكره، وسبيل

стр. 7

انتهجه. - الشمول، قال الحافظ في "النزهة" (ص/٣٩) بعد أن ذكر طائفة من كتب المتقدمين والمحدثين في هذا العلم: (إلى أن جاء الحافظ الفقيه تقي الدين أبو عمرو عثمان بن الصلاح عبد الرحمن الشهرزوري نزيل دمشق، فجمع لما ولي تدريس الحديث بالمدرسة الأشرفية - كتابه المشهور، فهذب فنونه، وأملاه شيئا بعد شيء، فلهذا لم يحصل ترتيبه على الوضع المناسب، واعتنى بتصانيف الخطيب المتفرقة، فجمع شتات مقاصدها، وضم إليها من غيرها نخب فوائدها، فاجتمع في كتابه ما تفرق في غيره، فلهذا عكف الناس عليه وساروا بسيره، فلا يحصى كم ناظم له ومختصر، ومستدرك عليه ومقتصر، ومعارض له ومنتصر)، وقال السخاوي في "الجواهر والدرر" (٢/ ٦٧٧): (نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر، كراسة فيها مقاصد الأنواع لابن الصلاح وزيادة أنواع لم يذكرها، فاحتوت على أكثر من مائة نوع من أنواع علوم الحديث). - أنها خلاصة علم هذا العلم في علم أصول الحديث، وقد قال السخاوي في " الجواهر" (٢/ ٦٥٩): (سمعته يقول: لست راضيا عن شيء من تصانيفي لأني عملتها في ابتداء الأمر. ثم لم يتهيأ لي من يحررها معي سوى شرح البخاري ومقدمته والمشتبه والتهذيب ولسان الميزان. بل كان يقول: لو استقبلت من أمري ما استدبرت لم أتقيد بالذهبي، ولجعلته كتابا مبتكرا، بل رأيته في مواضع أثنى على شرح البخاري, والتغليق والنخبة). وقد انتهي ابن حجر في تأليفها علم ٨١٨ هـ أي وهو ابن خمس وأربعين سنة، وقد أقرأ هذا الكتاب قراءة بحث ودرس قبل وفاته بسنة واحدة أي عام (٨٥١ هـ) وقرأها عليه أحد علماء دمشق وهو ابن الأخصاصي ونسخته عليها توقيع ابن حجر. تقسيم الخبر باعتبار طرقه والمتواتر: قال ﵀: -[(فأقول: الخبر إما أن يكون له: طرق بلا عدد معين، أو مع حصر بما فوق الاثنتين، أو بهما، أو بواحد. فالأول: المتواتر المفيد للعلم اليقيني بشروطه).]- فيه مسائل منها: الأولى - الخبر والحديث . قال ابن حجر في "النزهة" (ص/٣٥): (الخبر: عند علماء هذا الفن مرادف للحديث. وقيل: الحديث: ما جاء عن النبي ﷺ ، والخبر: ما جاء عن غيره، ومن

стр. 8

ثمة قيل لمن يشتغل بالتواريخ وما شاكلها: "الإخباري"، ولمن يشتغل بالسنة النبوية: "المحدث". وقيل: بينهما عموم وخصوص مطلق (١): فكل حديث خبر، من غير عكس، وعبر هنا بـ"الخبر" ليكون أشمل). قوى الحافظ القول بالترادف، وضعف القولين الآخرين، فإن قيل لماذا عبر بالخير مع أنه مرادف للحديث وقال: ليكون أشمل. فالجواب أن الخبر بالنسبة للقول الأول مرادف للحديث فكلما استعمل الخبر دل على استعماله الحديث لترادفهما. وأما على القول الثالث فشمولية الخبر ظاهرة؛ لأنه أعم يشمل المرفوع والموقوف والمقطوع بخلاف الحديث فهو خاص بالمرفوع. وأما على القول الثاني (٢) فالمقصود أنه إذا اعتبرت هذه الأمور في الخبر الذي هو وارد عن غير النبي ﷺ فبالأولى اعتبارها في المرفوع. الثانية - المتواتر: اشترط الحافظ للمتواتر شروطا وهي: الشرط الأول كثرة العدد: صرح الحافظ بأن العدد الذي يتحقق به التواتر غير محصور بعدد حيث قال في "النزهة" (ص/٣٧): (وتلك الكثرة أحد شروط التواتر إذا وردت بلا حصر عدد معين). قال الشيخ السماحي في الرواية (ص/٥٠): (وقوله: (بلا حصر عدد معين) أي إذا وردت الطرق فغير معتبر فيها عدد معين يحصر أفرادها، بخلاف المحصور بواحد أو باثنين أو بأقل من ثلاثة، فمراده (بلا حصر عدد معين) عدم اشتراطه، لأنه في مقابلة المحصور بعدد معين، ولأنه أراد الرد على من حصره في عدد، لا أن شرطه ألا يكون محصورا بعدد معين). إلا أنه قد يفهم من كلام الحافظ الآتي أن هذه الكثرة تبدأ من العشرة حيث قال في "النزهة" (ص/٣٧): (فهو _ أي الخبر _ باعتبار وصوله إلينا إما أن يكون له طرق أي أسانيد كثيرة، لأن طُرُقاً جمع طريق، وفعيل في الكثرة يجمع على فُعُل بضمتين، وفي

стр. 9

القلة على أفعلة. والمراد بالطرق الأسانيد) وقال في الفتح (١/ ٤٦٣): (العشرة آخر جمع القلة وأول جمع الكثرة)، ولعله لهذا الذي ذكره ابن حجر حداً بين القلة والكثرة بالعشرة ذهب السيوطي إلى أن أقل المتواتر عشرة، وعلله بأنه أول جموع الكثرة (١). وهنا ملاحظة وهي أن ابن حجر قد رد هذا المفهوم حيث قال في "النزهة" (ص/٣٧): (لا معنى لتعيين العدد على الصحيح، ومنهم من عينه في الأربعة، وقيل في الخمسة وقيل في السبعة، وقيل في العشرة، وقيل في الاثنى عشر ... وتمسك كل قائل بدليل جاء فيه ذكر ذلك العدد فأفاد العلم وليس بلازم أن يطرد في غيره لاحتمال الاختصاص) والجمع بين كلامه هنا أنه إنما رد التعيين والحصر في العشرة لا الإمكان فلا مانع من أن يكون عدد طرق المتواتر عشرة إذا حصل بخبرهم العلم، وإنما لم يحده بهذا الحد لأنه غير مطرد بمعنى أن هذا الحد قد يقيد العلم عند بعض الناس دون بعض تبعاً للقرائن. الشرط الثاني: أن تحيل العادة تواطؤهم، وتوافقهم على الكذب: قال الحافظ في "النزهة" (ص/٣٧): (وتلك الكثرة أحد شروط التواتر، إذا وردت بلا حصر عدد معين، بل تكون العادة قد أحالت تواطؤهم على الكذب، وكذا وقوعه منهم اتفاقا من غير قصد). قال الشيخ الحلبي في نكته على النزهة (ص/٥٦): (نُقِل عن المصنف أنه قال في الفرق بينهما: إن التواطؤ هو أن يتفق قوم على اختراع معين، بعد المشاورة والتقرير، بأن لا يقول أحد خلاف صاحبه. والتوافق: حصول هذا الاختراع من غير مشاورة بينهم ولا اتفاق؛ يعني: سواء كان عن سهو، أو غلط، أو عن قصد - أي للاختراع والكذب -) كما في حاشية لقط الدرر (ص/٢٦)). وبيَّن الشيخ السماحي في الرواية (ص/٥١) بعض القرائن التي قد يستدل بها على عدم التواطؤ أو التوافق على الكذب عادة فقال: (بأن يكونوا مثلا من بلدان متفرقة، وصنائع مختلفة، وأوساط متباينة، لا يجمعهم هوى، ولا يحويهم مكان، ولا تشملهم إمرة سلطان له هوى في جمعهم فأمرهم بالخبر، وهكذا ... وقلنا (عادة) أي إن العقل يستند في حكمه على جريان العادة، وسنة الله في خلقه على عدم إمكان اجتماعهم على هذا الأمر، وتواطئهم عليه). ملاحظة: ذهب قوم إلى اشتراط هذه القرائن في حد التواتر، وهو خطأ، قال طاهر الجزائري في توجيه النظر إلى أصول الأثر (١/ ١٥٢): (وأما ذكر العدالة وتباين الأماكن فتأكيد لعدم تواطئهم على الكذب وليس بشرط في التواتر). الشرط الثالث: تحقق الكثرة من ابتداء الإسناد إلى انتهائه: قال الحافظ في "النزهة" (ص/٣٨): (فإذا ورد الخبر كذلك، وانضاف إليه أن يستوي الأمر فيه في الكثرة المذكورة من ابتدائه إلى انتهائه -والمراد بالاستواء: أن لا تنقص الكثرة المذكورة في بعض المواضع، لا أن لا تزيد؛ إذ الزيادة مطلوبة هنا من باب أولى). ومعنى هذا الشرط أنه لابد من تحقق الكثرة التي توجب العلم من ابتداء السند إلى الانتهاء إلى مَن أخبرهم بالواقعة القولية أو الفعلية؛ لأن خبر كل طبقة وعصر مستقل بنفسه؛ فلابد فيه من ذلك، وليس المراد التماثل في ذكر العدد. الشرط الرابع: أن يكون مستند انتهائهم الحس، لا ما ثبت بقضية العقل الصِّرف: قال الحافظ في "النزهة" (ص/٣٨): (وأن يكون مستند انتهائه الأمر المشاهد أو المسموع، لا ما ثبت بقضية العقل الصِّرف). قال الشيخ السماحي في الرواية (ص/٥١): (أي يكون الخبر مخبرا عن أمر حسي لا عقلي، ويكون سند المخبرين هو الإحساس به على وجه اليقين. وذلك مثل أن يقولوا: رأينا كذا، أو سمعنا كذا، ونحو ذلك، مما يدرك بحاسة من الحواس الخمس، فإن كان الخبر مما لا يدرك بالحس لا يسمى متواترا، ولا يفيد العلم، وإن كان المخبرون به لا يحصون كثرة، فلو استدل مستدل على قدم العالم أو حدوثه بأن أكثر الخليقة تقول به، فإنه لا يعتبر بمثل هذا الاستدلال. لأنه لم يكن خبرا عن أمر محسوس). قال القاري في "شرح النخبة" (ص: ١٧٠): ((لا ما ثبت بقضية العقل الصرف) كوجود الصانع وقدمه، وقدم صفاته، وحدوث العالم، ومفرداته ومركباته، وكزيادة عدد الاثنين بالنسبة إلى الواحد). الشرط الخامس: أن يصحب خبرهم إفادة العلم لسامعه: قال ابن حجر في "النزهة" (ص/٣٨): (فإذا جمع هذه الشروط الأربعة ... وانضاف إلى ذلك أن يصحب خبرهم إفادة العلم لسامعه. فهذا هو المتواتر). اعلم أن حصول العلم هو ثمرة لتحقق الشروط الأربعة وليس هو شرطا زائداً عليها. واعلم أيضا أنهما متلازمان، بمعنى أن حصول العلم تابع ولازم لتحقق الشروط الأربعة

стр. 10

، وهو أيضا علامة عليها بمعنى أنه متى حدث هذا العلم اليقيني عند السامع علمنا لزوم تحقق هذه الشروط. الثالثة - إفادته العلم: قال الحافظ: -[(فالأول: المتواتر المفيد للعلم اليقيني بشروطه).]- وقال في "النزهة" (ص/٤١): (وهو المفيد للعلم اليقيني - فأخرج النظري- بشروطه التي تقدمت. واليقين: هو الاعتقاد الجازم المطابق. وهذا هو المعتمد أن خبر التواتر يفيد العلم الضروري. وهو: الذي يضطر الإنسان إليه بحيث لا يمكنه دفعه). المشهور: قال الحافظ: -[(والثاني: المشهور وهو المستفيض على رأي).]- وقال في "النزهة" (ص/٤٩): (والثاني - وهو أول أقسام الآحاد-: ما له طرق محصورة بأكثر من اثنين، وهو المشهور عند المحدثين. سمي بذلك لوضوحه (١)، وهو المستفيض على رأي جماعة من أئمة الفقهاء، سمي بذلك لانتشاره، من: فاض الماء يفيض فيضا، ومنهم من غاير بين المستفيض والمشهور، بأن المستفيض يكون في ابتدائه وانتهائه سواء (٢)، والمشهور أعم من ذلك (٣) ... ثم المشهور يطلق: على ما حرر هنا، وعلى ما اشتهر على الألسنة؛ فيشمل ما له إسناد واحد فصاعدا، بل ما لا يوجد له إسناد أصلا (٤)). العزيز: قال الحافظ:-[(والثالث: العزيز، وليس شرطاً للصحيح خلافاً لمن زعمه).]- وقال في "النزهة" (ص/٥٠): (والثالث: العزيز: وهو أن لا يرويه أقل من اثنين عن اثنين. وسمي بذلك إما لقلة وجوده، وإما لكونه عز، أي قوي بمجيئه من طريق أخرى.

стр. 11

وليس شرطا للصحيح، خلافا لمن زعمه). الغريب: قال الحافظ: -[(والرابع: الغريب).]- وقال في "النزهة" (ص/٥٤): (والرابع: الغريب: وهو ما يتفرد بروايته شخص واحد في أي موضع وقع التفرد به من السند). قال اللقاني في "قضاء الوطر" (١/ ٥٩٣): (لفظ "ما" فيه عموم، فيشمل كل المتن وبعضه وبعض السند، فالأول: كانفراد عبدالله بن دينار بحديث: "النهي عن بيع الولاء وهبته" فإنه لم يصح إلا من حديثه. والثاني: كانفراد مالك بزيادة من المسلمين في حديث: "زكاة الفطر" عن سائر رواته. ومثال الثالث: انفراد الدراوردي برواية حديث أم زرع عن هشام عن أبيه بلا واسطة، والمحفوظ فيه رواية عيسى بن يونس وغيره عن هشام بن عروة عن أخيه عبدالله عن أبيهما). وسوف يأتي الكلام على أنواع الغرابة قريبا بإذن الله - تعالى -. تتمة: قال الحافظ: -[(وكلها - سوى الأول - آحاد، وفيها المقبول والمردود لتوقف الاستدلال بها على البحث عن أحوال رواتها دون الأول، وقد يقع فيها ما يفيد العلم النظري بالقرائن على المختار)]- وفيه مسائل منها: الأولى - أنواع الآحاد: قال في "النزهة" (ص/٥٥): (وخبر الواحد في الاصطلاح: ما لم يجمع شروط التواتر). وهذا التعريف من ابن حجر يتمشى مع اصطلاحه حيث لم يجعل واسطة بين المتواتر والآحاد، ويدخل فيه مع الآحاد المشهور والعزيز. إلا أن قوله (ص/١٧): (وقد يقال: إن الشروط الأربعة إذا حصلت استلزمت حصول العلم، وقد وضح بهذا تعريف المتواتر. وخلافه قد يرد بلا حصر أيضاً، لكن مع فقد بعض الشروط، (أو مع حصر بما فوق الاثنين)؛ أي بثلاثة فصاعدا ما لم يجمع شروط المتواتر ... ). واختار اللقاني في "قضاء الوطر" (١/ ٤٩٢) أن المقصود بقوله: (وخلافه قد يرد بلا حصر أيضاً، لكن مع فقد بعض الشروط) هو قسم من المشهور قد يلتبس بالمتواتر لعدم حصر الرواة في طبقاته ولكنه فقد باقي الشروط الأخرى للمتواتر أو بعضها، واستشهد

стр. 12

بقول السخاوي بأن المشهور قسمان: قسم لم يرتق إلى التواتر وهو الأغلب فيه، وقسم يرتقي إليه. وهذا هو الأقرب فغير هذا النوع من الآحاد رواته محصورين. فتحصل مما سبق أن الآحاد يشمل المشهور بقسميه، والعزيز، والغريب. الثانية - المتواتر لا يبحث عن أحوال رواته . قوله: (وفيها المقبول والمردود لتوقف الاستدلال بها على البحث عن أحوال رواتها دون الأول). يفهم منه أن المتواتر كله صحيح وأن الاستدلال به لا يتوقف على البحث عن أحوال رواته، وصرح بذلك فقال في "النزهة" (ص/٤٢): (وإنما أبهمت شروط المتواتر في الأصل؛ لأنه على هذه الكيفية ليس من مباحث علم الإسناد، إذ علم الإسناد يبحث فيه عن صحة الحديث أو ضعفه؛ ليعمل به أو يترك من حيث: صفات الرجال وصيغ الأداء، والمتواتر لا يبحث عن رجاله، بل يجب العمل به من غير بحث). الثالثة - خبر الآحاد المحتف بالقرائن . قوله: (وقد يقع فيها ما يفيد العلم النظري بالقرائن على المختار). وقال في "النزهة" (ص/٥٨): (وقد يقع فيها- أي في أخبار الآحاد المنقسمة إلى: مشهور، وعزيز، وغريب- ما يفيد العلم النظري بالقرائن على المختار، خلافا لمن أبى ذلك. والخلاف في التحقيق لفظي، لأن من جوز إطلاق العلم قيده بكونه نظريا، وهو الحاصل عن الاستدلال، ومن أبى الإطلاق خص لفظ العلم بالمتواتر، وما عداه عنده ظني، لكنه، لا ينفي أن ما احتف بالقرائن أرجح مما خلا عنها. والخبر المحتف بالقرائن أنواع: أ - منها: ما أخرجه الشيخان في صحيحيهما، مما لم يبلغ التواتر، فإنه احتفت به قرائن، منها: - جلالتهما في هذا الشأن. - وتقدمهما في تمييز الصحيح على غيرهما. - وتلقي العلماء لكتابيهما بالقبول، وهذا التلقي وحده أقوى في إفادة العلم من مجرد كثرة الطرق القاصرة عن التواتر. إلا أن هذا: يختص بما لم ينتقده أحد من الحفاظ مما في الكتابين. وبما لم يقع التخالف بين مدلوليه مما وقع في الكتابين، حيث لا ترجيح؛ لاستحالة أن يفيد المتناقضان العلم بصدقهما من غير ترجيح لأحدهما على الآخر، وما عدا ذلك

стр. 13

فالإجماع حاصل على تسليم صحته. فإن قيل: إنما اتفقوا على وجوب العمل به لا على صحته، منعناه، وسند المنع: أنهم متفقون على وجوب العمل بكل ما صح، ولو لم يخرجه الشيخان؛ فلم يبق للصحيحين في هذا مزية، والإجماع حاصل على أن لهما مزية فيما يرجع إلى نفس الصحة. وممن صرح بإفادة ما خرجه الشيخان العلم النظري: - الأستاذ أبو إسحاق الإسفرائيني. - ومن أئمة الحديث: أبو عبد الله الحميدي. - وأبو الفضل بن طاهر، وغيرهما. ويحتمل أن يقال: المزية المذكورة كون أحاديثهما أصح الصحيح. ب - ومنها: المشهور إذا كانت له طرق متباينة سالمة من ضعف الرواة والعلل، وممن صرح بإفادته العلم النظري الأستاذ أبو منصور البغدادي، والأستاذ أبو بكر بن فورك، وغيرهما. جـ - ومنها: المسلسل بالأئمة الحفاظ المتقنين، حيث لا يكون غريبا، كالحديث الذي يرويه أحمد بن حنبل، مثلا، ويشاركه فيه غيره عن الشافعي ويشاركه فيه غيره عن مالك بن أنس، فإنه يفيد العلم عند سامعه بالاستدلال من جهة جلالة رواته وأن فيهم من الصفات اللائقة الموجبة للقبول ما يقوم مقام العدد الكثير من غيرهم، ولا يتشكك من له أدنى ممارسة بالعلم وأخبار الناس أن مالكا، مثلا، لو شافهه بخبر أنه صادق فيه، فإذا انضاف إليه من هو في تلك الدرجة ازداد قوة، وبعد ما يخشى عليه من السهو. وهذه الأنواع التي ذكرناها لا يحصل العلم بصدق الخبر منها إلا للعالم بالحديث المتبحر فيه العارف بأحوال الرواة، المطلع على العلل. وكون غيره لا يحصل له العلم بصدق ذلك لقصوره عن الأوصاف المذكورة لا ينفي حصول العلم للمتبحر المذكور. ومحصل الأنواع الثلاثة التي ذكرناها أن: الأول: يختص بالصحيحين. والثاني: بما له طرق متعددة. والثالث: بما رواه الأئمة. ويمكن اجتماع الثلاثة في حديث واحد، ولا يبعد حينئذ القطع بصدقه، والله أعلم). أنواع الغريب: قال الحافظ: (ثم الغرابة: إما أن تكون في أصل السند، أو لا. فالأول: الفرد المطلق. والثاني: الفرد النسبي، ويقل إطلاق الفرد عليه). وفيه مسائل منها: الأولى - الفرد المطلق والنسبي . قال في "النزهة" (ص/٦٤): (ثم الغرابة إما أن تكون: في أصل السند: أي في الموضع الذي يدور الإسناد عليه ويرجع، ولو تعددت الطرق إليه، وهو طرفه الذي فيه الصحابي (١). أو لا يكون كذلك، بأن يكون التفرد في أثنائه، كأن يرويه عن الصحابي أكثر من واحد، ثم ينفرد بروايته عن واحد منهم شخص واحد. فالأول: الفرد المطلق: كحديث النهي عن بيع الولاء وعن هبته، تفرد به عبد الله بن دينار عن ابن عمر، وقد ينفرد به راو عن ذلك المنفرد، كحديث شعب الإيمان، تفرد به أبو صالح عن أبي هريرة، وتفرد به عبد الله بن دينار عن أبي صالح، وقد يستمر التفرد في جميع رواته أو أكثرهم. وفي مسند البزار، والمعجم الأوسط، للطبراني أمثلة كثيرة لذلك. والثاني: الفرد النسبي: سمي بذلك لكون التفرد فيه حصل بالنسبة إلى شخص معين، وإن كان الحديث في نفسه مشهورا (٢)). وقال في "النكت" (٢/ ٧٠٥): (وأما النسبي فيتنوع - أيضا - أنواعا: أحدهما: تفرد شخص عن شخص. ثانيها: تفرد أهل بلد عن شخص. ثالثها: تفرد شخص عن أهل بلد. رابعها: تفرد أهل البلد عن أهل بلد أخرى. مثال الأول: حديث عبد الواحد بن أيمن عن أبيه عن جابر ﵁ في قصة الكُدْيَة التي عرضت لهم يوم الخندق أخرجه البخاري، وقد تفرد به عبد الواحد عن أبيه. وقد روي من غير حديث جابر ﵁. ومثال الثاني: حديث "القضاة ثلاثة". تفرد به أهل مرو، عن عبد الله بن بريدة عن أبيه ﵁. ومثال الثالث: وهو عكس الذي قبله، فهو قليل جدا وصورته أن ينفرد شخص عن جماعة بحديث تفردوا به. ومثال الرابع: ما رواه أبو دواد من حديث جابر ﵁ في قصة المشجوج: "إنما كان يكفيه أن يتيمم ويصعب على جرحه خرقة".قال ابن أبي داود: فيما حكاه الدارقطني في "السنن": "هذه سنة تفرد بها أهل مكة، وحملها عنهم أهل الجزيرة"). الثانية - الفرد والغريب . قال الحافظ عن الفرد النسبي: (ويقل إطلاق الفرد عليه). وقال في "النزهة" (ص/٦٦): (ويقل إطلاق الفردية عليه (٣)؛ لأن الغريب والفرد

стр. 14

مترادفان لغة (١) واصطلاحا، إلا أن أهل الاصطلاح غايروا بينهما من حيث كثرة الاستعمال وقلته، فالفرد أكثر ما يطلقونه على الفرد المطلق، والغريب أكثر ما يطلقونه على الفرد النسبي، وهذا من حيث إطلاق الاسم عليهما، وأما من حيث استعمالهم الفعل المشتق فلا يفرقون، فيقولون في المطلق والنسبي تفرد به فلان، أو أغرب به فلان). الصحيح لذاته: قال الحافظ: -[(وخبر الآحاد بنقل عدل تام الضبط، متصل السند، غير معلل ولا شاذ: هو الصحيح لذاته. وتتفاوت رتبه، أي الصحيح، بسبب تفاوت هذه الأوصاف. ومن ثم قدم صحيحُ البخاري، ثم مسلم، ثم شرطُهُما)]-. قال في "النزهة" (ص/٧٠): (قوله: وخبر الآحاد: كالجنس، وباقي قيوده كالفصل) وهذا تأكيد من الحافظ لكون المتواتر ليس من علم الدراية ولا يبحث عن إسناده، وأنه كله مقبول إذا توفرت فيه شروطه. خرج بقوله: (خبر الآحاد) المتواتر، وبقوله (عدل) غير العدل كالكاذب، وبقوله (تام الضبط) خفيف الضبط وفاحش الغلط ونحوه، وبقوله (متصل السند) المنقطع على أي وجه كان انقطاعه، وبقوله (غير معلل ولا شاذ) المعلل والشاذ. وهذا الحد غير مانع ولابد من إضافة قيد: (عن مثله إلى منتهاه) ليخرج ما كان فقط أحد رواته على صفة الصحيح دون باقي رواته. وعليه فالصحيح لذاته (خبر الآحاد متصل السند بنقل عدل تام الضبط، عن مثله إلى منتهاه، ولم يكن معللا ولا شاذا). شرح قيود التعريف: العدالة: قال الحافظ في "شرح النخبة" (ص/٦٩): (والمراد بالعدل من له ملكة تحمله على ملازمة التقوى والمروءة. والمراد بالتقوى اجتناب الأعمال السيئة من شرك أو فسق أو بدعة). واعترض الصنعاني في "ثمرات النظر في علم الأثر" على هذا التعريف بعدة اعتراضات، واختار أن مدار العدالة على مظنة صدق الراوي دون بقية الشروط المذكورة في تعريف العدالة، وقد ذكرت اعتراضاته في شرح الموقظة، فلا داعي للتكرار. تعريف الضابط: قال الصنعاني في "توضيح الأفكار" (١/ ٨): (الضابط عندهم من يكون حافظا متيقظا غير مغفل ولا ساه ولا شاك في حالتي التحمل والأداء وهذا الضبط التام وهو المراد هنا). أي في تعريف الحديث الصحيح. بمَّ يعرف الضبط ؟ قال ابن الصلاح في "مقدمته" (ص/٦١): (يعرف كون الراوي ضابطا بأن نعتبر روايته بروايات الثقاة المعروفين بالضبط والإتقان. فإن وجدنا رواياته موافقة - ولو من حيث المعنى - لرواياتهم، أو موافقة لها في الأغلب، والمخالفة نادرة، عرفنا حينئذ كونه ضابطا ثبتا. وإن وجدناه كثير المخالفة لهم عرفنا اختلال ضبطه، ولم نحتج بحديثه، والله أعلم). أقسام الضبط: قال الحافظ في "المزهة" (ص/٦٩): (والضبط: ضبط صدر: وهو أن يثبت ما سمعه بحيث يتمكن من استحضاره متى شاء. وضبط كتاب: وهو صيانته لديه منذ سمع فيه وصححه إلى أن يؤدي منه. وقيد بالتام إشارة إلى الرتبة العليا في ذلك). وقال الصنعاني في "توضيح الأحكام" (١/ ١٩): (فالذي ذكر المحدثون أربع صور: تام الضبط، خفيفه، كثير الغلط، من غلطه أكثر من حفظه، فالأوليان مقبول من اتصف بهما، والأخريان مردود من اتصف بهما). اتصال السند: وقال المليباري في رسالته علوم الحديث في ضوء تطبيقات المحدثين النقاد: (وأما العنصر الثاني - أي اتصال السند - فيعرف بما يلي: ١ - تصريح كل من سلسلة الإسناد بما يدل على سماعه للحديث من مصدره الذي

стр. 15

روى عنه ذلك الحديث، كقوله ك (سمعت فلاناً) أو (سمعنا فلاناً) أو (حدثني فلان) أو (حدثنا) أو (قرأت عليه) أو (حدثني قراءة عليه) أو (حدثنا قراءة عليه) أو (أخبرني) أو (أخبرنا) أو (أنبأني) أو (أنبأنا) أو (قال لي) أو (قال لنا)، أو نحو ذلك من العبارات الدالة على أن الراوي قد لقي من فوقه، وأنه سمع منه ذلك الحديث. ٢ - عنعنة الراوي، إذا لم يكن مدلساً، أو مرسلاً، فتفيد عنعنته الاتصال، وأما إن كان الراوي المعنعن مدلساً، فعنعنته تحمل على الانقطاع لقوة احتمال تدليسه في الإسناد بإسقاط شيخه الذي سمع منه هذا الحديث. وكذا الأمر إذا اختلف العلماء في سماع الراوي ممن فوقه عموماً، ولم يتبين الراجح في ذلك، فإن الحكم على الإسناد باتصاله حينئذ متوقف على ما يزول به احتمال الانقطاع، من القرائن ... ). وسوف يأتي بإذن الله الكلام على الشاذ والمعلل. رتب الصحيح: قال الحافظ: -[(وتتفاوت رتبه، أي الصحيح، بسبب تفاوت هذه الأوصاف. ومن ثم قدم صحيحُ البخاري، ثم مسلم، ثم شرطُهُما).]- وقال في "النزهة" (ص/٧١): (وتتفاوت رتبه؛ أي: الصحيح، بسبب تفاوت هذه الأوصاف المقتضية للتصحيح في القوة؛ فإنها لما كانت مفيدة لغلبة الظن الذي عليه مدار الصحة؛ اقتضت أن يكون لها درجات بعضها فوق بعض بحسب الأمور المقوية. وإذا كان كذلك فما يكون رواته في الدرجة العليا من العدالة والضبط وسائر الصفات التي توجب الترجيح؛ كان أصح مما دونه. فمن المرتبة العليا في ذلك ما أطلق عليه بعض الأئمة أنه أصح الأسانيد: كالزهري عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه. وكمحمد بن سيرين عن عبيدة بن عمرو السلماني عن علي. وكإبراهيم النخعي عن علقمة عن ابن مسعود. ودونها في الرتبة: كرواية بريد بن عبد الله بن أبي بردة عن جده عن أبيه أبي موسى. وكحماد بن سلمة عن ثابت «البناني» عن أنس. ودونها في الرتبة: كسهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة. وكالعلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة.

стр. 16

فإن الجميع يشملهم اسم العدالة والضبط؛ إلا أن للمرتبة الأولى من الصفات المرجحة ما يقتضي تقديم روايتهم على التي تليها، وفي التي تليها من قوة الضبط ما يقتضي تقديمها على الثالثة، وهي مقدمة على رواية من يعد ما ينفرد به حسنا؛ كمحمد بن إسحاق عن عاصم بن عمر عن جابر، وعمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. وقس على هذه المراتب ما يشبهها. والمرتبة الأولي هي التي أطلق عليها بعض الأئمة أنها أصح الأسانيد، والمعتمد عدم الإطلاق لترجمة معينة منها. نعم؛ يستفاد من مجموع ما أطلق الأئمة عليه ذلك أرجحيته على ما لم يطلقوه. ويلتحق بهذا التفاضل ما اتفق الشيخان على تخريجه بالنسبة إلى ما انفرد به أحدهما، وما انفرد به البخاري بالنسبة إلى ما انفرد به مسلم؛ لاتفاق العلماء بعدهما على تلقي كتابيهما بالقبول، واختلاف بعضهم على أيهما أرجح، فما اتفقا عليه أرجح من هذه الحيثية مما لم يتفقا عليه. وقد صرح الجمهور بتقديم «صحيح البخاري» في الصحة، ولم يوجد عن أحد التصريح بنقيضه. وأما ما نقل عن أبي علي النيسابوري أنه قال: ما تحت أديم السماء أصح من كتاب مسلم؛ فلم يصرح بكونه أصح من صحيح البخاري؛ لأنه إنما نفى وجود كتاب أصح من كتاب مسلم؛ إذ المنفي إنما هو ما تقتضيه صيغة أفعل من زيادة صحة في كتاب شارك كتاب مسلم في الصحة، يمتاز بتلك الزيادة عليه، ولم ينف المساواة. وكذلك ما نقل عن بعض المغاربة أنه فضل صحيح مسلم على صحيح البخاري؛ فذلك فيما يرجع إلى حسن السياق وجودة الوضع والترتيب. ولم يفصح أحد منهم بأن ذلك راجع إلى الأصحية، ولو أفصحوا به لرده عليهم شاهد الوجود، فالصفات التي تدور عليها الصحة في كتاب البخاري أتم منها في كتاب مسلم وأشد، وشرطه فيها أقوى وأسد. أما رجحانه من حيث الاتصال؛ فلاشتراطه أن يكون الراوي قد ثبت له لقاء من روى عنه ولو مرة، واكتفى مسلم بمطلق المعاصرة، وألزم البخاري بأنه يحتاج إلى أن لا يقبل العنعنة أصلا! وما ألزمه به ليس بلازم؛ لأن الراوي إذا ثبت له اللقاء مرة؛ لا يجري في رواياته احتمال أن لا يكون «قد» سمع منه؛ لأنه يلزم من جريانه أن يكون مدلسا، والمسألة

стр. 17

مفروضة في غير المدلس. وأما رجحانه من حيث العدالة والضبط؛ فلأن الرجال الذين تكلم فيهم من رجال مسلم أكثر عددا من الرجال الذين تكلم فيهم من رجال البخاري، مع أن البخاري لم يكثر من إخراج حديثهم، بل غالبهم من شيوخه الذين أخذ عنهم ومارس حديثهم، بخلاف مسلم في الأمرين. وأما رجحانه من حيث عدم الشذوذ والإعلال؛ فلأن ما انتقد على البخاري من الأحاديث أقل عددا مما انتقد على مسلم، هذا مع اتفاق العلماء على أن البخاري كان أجل من مسلم في العلوم وأعرف بصناعة الحديث منه، وأن مسلما تلميذه وخريجه، ولم يزل يستفيد منه ويتتبع آثاره حتى «لقد» قال الدارقطني: لولا البخاري لما راح مسلم ولا جاء. ومن ثم؛ أي: «و» من هذه الحيثية - وهي أرجحية شرط البخاري على غيره - قدم «صحيح البخاري» على غيره من الكتب المصنفة في الحديث. ثم صحيح مسلم؛ لمشاركته للبخاري في اتفاق العلماء على تلقي كتابه بالقبول أيضا، سوى ما علل. ثم يقدم في الأرجحية من حيث الأصحية ما وافقه شرطهما؛ لأن المراد به رواتهما مع باقي شروط الصحيح، ورواتهما قد حصل الاتفاق على القول بتعديلهم بطريق اللزوم، فهم مقدمون على غيرهم في رواياتهم، وهذا أصل لا يخرج عنه إلا بدليل. فإن كان الخبر على شرطهما معا؛ كان دون ما أخرجه مسلم أو مثله. وإن كان على شرط أحدهما؛ فيقدم شرط البخاري وحده على شرط مسلم وحده تبعا لأصل كل منهما. فخرج لنا من هذا ستة أقسام تتفاوت درجاتها في الصحة. وثمة قسم سابع، وهو ما ليس على شرطهما اجتماعا وانفرادا. وهذا التفاوت إنما هو بالنظر إلى الحيثية المذكورة. أما لو رجح قسم على ما «هو» فوقه بأمور أخرى تقتضي الترجيح؛ فإنه يقدم على ما فوقه - إذ قد يعرض للمفوق ما يجعله فائقا -. كما لو كان الحديث عند مسلم مثلا، وهو مشهور قاصر عن درجة التواتر، لكن حفته قرينة صار بها يفيد العلم؛ فإنه يقدم «بها» على الحديث الذي يخرجه البخاري إذا كان فردا مطلقا. وكما لو كان الحديث الذي لم يخرجاه من ترجمة وصفت بكونها أصح الأسانيد كمالك عن نافع عن ابن عمر؛ فإنه يقدم على ما انفرد به أحدهما مثلا، لا سيما

стр. 18

إذا كان في إسناده من فيه مقال). الحسن لذاته: قال الحافظ: -[(فإن خف الضبط فالحسن لذاته).]- وقال في "النزهة" (ص/٧٨): (فإن خف الضبط؛ أي: قل - يقال: خف القوم خفوفا: قلوا والمراد مع بقية الشروط المتقدمة في حد الصحيح؛ فهو الحسن لذاته لا لشيء خارج، وهو الذي يكون حسنه بسبب الاعتضاد، نحو حديث المستور إذا تعددت طرقه. وخرج باشتراط باقي الأوصاف الضعيف. وهذا القسم من الحسن مشارك للصحيح في الاحتجاج به، وإن كان دونه، ومشابه له في انقسامه إلى مراتب بعضها فوق بعض). وعليه فتعريف الحسن هو: (خبر الآحاد متصل السند بنقل العدل الذي خف ضبطه عن مثله أو أضبط منه إلى منتهاه ولم يكن معللا ولا شاذا). الصحيح لغيره: قال الحافظ: -[(وبكثرة طرقه يصحح).]- وقال في النزهة (ص/٧٨): (وبكثرة طرقه يصحح، وإنما نحكم له بالصحة عند تعدد الطرق؛ لأن للصورة المجموعة قوة تجبر القدر الذي قصر به ضبط راوي الحسن عن راوي الصحيح، ومن ثم تطلق الصحة على الإسناد الذي يكون حسنا لذاته لو تفرد إذا تعدد). الأحكام المركبة: قال الحافظ: -[(فإن جمعا فللتردد في الناقل حيث التفرد، وإلا فباعتبار إسنادين).]- وقال في "النزهة" (ص/٧٩): (فإن جمعا، أي الصحيح والحسن، في وصف واحد، كقول الترمذي وغيره: "حديث حسن صحيح"، فللتردد الحاصل من المجتهد في الناقل: هل اجتمعت فيه شروط الصحة أو قصر عنها، وهذا حيث يحصل منه التفرد بتلك الرواية. وعرف بهذا جواب من استشكل الجمع بين الوصفين؛ فقال: الحسن قاصر عن الصحيح؛ ففي الجمع بين الوصفين إثبات لذلك القصور ونفيه!. ومحصل الجواب: أن تردد أئمة الحديث في حال ناقله اقتضى للمجتهد أن لا يصفه بأحد الوصفين، فيقال فيه: حسن باعتبار وصفه عند قوم، صحيح باعتبار وصفه عند قوم، وغاية ما فيه أنه حذف منه حرف التردد؛ لأن حقه أن يقول: "حسن أو صحيح"، وهذا كما حذف حرف العطف من الذي بعده. وعلى هذا فما قيل فيه: "حسن صحيح" دون ما قيل فيه صحيح؛ لأن الجزم أقوى من التردد، وهذا حيث التفرد.

стр. 19

وإلا إذا لم يحصل التفرد فإطلاق الوصفين معا على الحديث يكون باعتبار إسنادين: أحدهما صحيح، والآخر حسن. وعلى هذا فما قيل فيه: "حسن صحيح" فوق ما قيل فيه: "صحيح" فقط -إذا كان فردا- لأن كثرة الطرق تقوي). والوجه الثاني عند الحافظ وارد عليه إشكال فيما يقول فيه الترمذي: حسن صحيح لا نعرفه إلا من هذا الوجه. قال الحافظ الذهبي في "الموقظة" (ص: ٢٩) فقال: (وقول الترمذي: (هذا حديث حسن، صحيح) عليه إشكال: بأن الحسن قاصر عن الصحيح، ففي الجمع بين السمتين لحديث واحد مجاذبة! وأجيب عن هذا بشيء لا ينهض أبدا، وهو أن ذلك راجع إلى الإسناد: فيكون قد روي بإسناد حسن، وبإسناد صحيح. وحينئذ لو قيل: (حسن، صحيح، لا نعرفه إلا من هذا الوجه)، لبطل هذا الجواب! وحقيقة ذلك - أن لو كان كذلك - أن يقال: (حديث حسن وصحيح). فكيف العمل في حديث يقول فيه: (حسن، صحيح، لا نعرفه إلا من هذا الوجه)؟ فهذا يبطل قول من قال: أن يكون ذلك بإسنادين). واعلم أن اختلاف العلماء في بيان مراد الإمام الترمذي بهذه الاصطلاحات وهذا الاختلاف يرجع إلى عدة أمور منها: ١ - أن الإمام الترمذي لم يفصح عن مراده من هذه الاصطلاحات إلا ما سبق ذكره من تعريفه للحديث الحسن، وأيضاً ما ذكر من أسباب استغراب العلماء للحديث. ٢ - صعوبة تحديد قول الترمذي في حكمه على الحديث، وذلك لكثرة اختلاف النسخ فتجد أن الترمذي يقول عن حديث (حسن صحيح) وفي نسخة (حسن) وفي نسخة (صحيح) وهكذا، وعليه فلتحقيق صحة نسبة حكم للترمذي على حديث لابد من مراجعة عدة أصول. ٣ - نظراً لأن الترمذي لم يفصح عن مقصوده من هذه الاصطلاحات فإنه يصعب الجزم بأن مقصوده من هذه الأحكام الحكم على الأسانيد، أم الحكم على المتن من أنه معمول به، كما قال عقب حديث: (المسلمون على شروطهم) حسن صحيح، مع أن في إسناده كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف المزني قد أغلظ فيه العلماء القول حتى قال عنه الإمام الشافعي: أحد الكذابين أو أحد أركان الكذب. ٤ - أن كل من قام بتفسير أحكام الترمذي المركبة إنما أصدر أحكاماً أغلبية، صادرة عن تتبع واستقراء جزئي لبعض الأحاديث، لذلك فالمتأمل لكلام العلماء الذين خاضوا في

стр. 20

هذا الشأن دائماً يصرحون بأن أحكامهم أغلبية، ونجد كذلك أن التعقب عليهم يكون له وجه. ٥ - اختلاف العلماء في الحكم على الترمذي نفسه بالتشدد، أو التساهل في التصحيح والتضعيف (١)، والصحيح عندي أن هذا الاختلاف ناتج عن عدم تحرير أحكام الترمذي، ومنهجه في الحكم على الأحاديث، فينبغي تحرير ذلك أولاً. ((لما سبق، ولغيره فإنني أرى الآتي: عدم جدوى التفسير القاصر لأحكام الترمذي. ضرورة سبر وتتبع أحكام الترمذي في سننه بالاستقراء التام حتى يكون الحكم كلي، لا أغلبي. وبعد فإنني قد وقفت على جملاً كثيرة مما كتب العلماء، وطلاب العلم حول تفسير أحكام الترمذي المركبة، وأرى أن الأقرب في تفسير قول الترمذي: "حسن صحيح" من الناحية النظرية - إن كان لابد من ذلك - أن الطرق التي ذكرها تقوت وارتفعت لدرجة الصحة، فيكون كالمنزلة التي يقول عنها ابن حجر: صحيح لغيره، وهذا إنما يتجه على كلا الاحتمالين الذين قد سبق وأن ذكرتهما قريباً في تفسير قول الترمذي: لا يكون في إسناده من يتهم بالكذب. فعلى كلام الحافظ ابن رجب فظاهر لدخول الراوي الثقة الذي يقل، أو يكثر في حديثه الغلط، وكذلك الراوي الصدوق. وعلى كلام الحافظ ابن حجر من اقتصاره على الرواة الذين فيهم ضعف محتمل دون الثقات، فيكون التقوي بالهيئة الاجتماعية. وإنما يتأتى هنا إشكالاً- على كلام ابن حجر - فيما يقول فيه الترمذي: حسن صحيح لا نعرفه إلا من حديث فلان، أو من هذا الوجه، والجواب عندي على هذا الإشكال أن يقال: لعل التقوي هنا إنما يتجه للمتن، لا للإسناد، كأن يشهد لمتن الحديث ظاهر القرآن، أو كأن يكون عليه العمل عند العلماء، كما قال في حديث: (الظهر يركب إذا كان مرهونا ولبن الدر يشرب إذا كان مرهونا وعلى الذي يركب ويشرب نفقته) فقد ساقه مرفوعاً من طريق أبي كريب ويوسف بن عيسى قالا حدثنا وكيع عن زكريا عن عامر عن أبي

стр. 21

هريرة مرفوعاً به، ثم قال: (هذا حديث حسن صحيح لا نعرفه مرفوعا إلا من حديث عامر الشعبي عن أبي هريرة وقد روى غير واحد هذا الحديث عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة موقوفا والعمل على هذا الحديث عند بعض أهل العلم وهو قول أحمد وإسحاق وقال بعض أهل العلم ليس له أن ينتفع من الرهن بشيء) والله أعلم. وقد وسعت الكلام في: شرحي الموقظة على أحكام الترمذي المركبة. زيادة الثقة والشاذ: قال الحافظ: -[(وزيادة راويهما مقبولة ما لم تقع منافية لمن هو أوثق، فإن خولف بأرجح فالراجح المحفوظ، ومقابله الشاذ)]-. المقصود أن زيادة راوي الحديث المقبول - سواء أكان تام الضبط أم خفيف الضبط - مقبولة ما لم تقع منافية لمن هو أولى منه، أما إن خولف هذا الراوي بأرجح منه عددا أو صفة فالراجح يقال له المحفوظ، والمخالف يقال له شاذ. قال الحافظ في "النزهة" (ص/٨٢): (وزيادة راويهما، أي: الصحيح والحسن، مقبولة، ما لم تقع منافية لرواية من هو أوثق ممن لم يذكر تلك الزيادة؛ لأن الزيادة: إما أن تكون لا تنافي بينها وبين رواية من لم يذكرها؛ فهذه تقبل مطلقا؛ لأنها في حكم الحديث المستقل الذي ينفرد به الثقة ولا يرويه عن شيخه غيره. وإما أن تكون منافية، بحيث يلزم من قبولها رد الرواية الأخرى؛ فهذه التي يقع الترجيح بينها وبين معارضها؛ فيقبل الراجح ويرد المرجوح. واشتهر عن جمع من العلماء القول بقبول الزيادة مطلقا، من غير تفصيل، ولا يتأتى ذلك على طريق المحدثين الذين يشترطون في الصحيح أن لا يكون شاذا، ثم يفسرون الشذوذ بمخالفة الثقة من هو أوثق منه. والمنقول عن أئمة الحديث المتقدمين: كعبد الرحمن بن مهدي، ويحيى القطان، وأحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وعلي بن المديني، والبخاري، وأبي زرعة، وأبي حاتم، والنسائي، والدارقطني، وغيرهم، اعتبار الترجيح فيما يتعلق بالزيادة وغيرها، ولا يعرف عن أحد منهم إطلاق قبول الزيادة ... فإن خولف بأرجح منه: لمزيد ضبط، أو كثرة عدد، أو غير ذلك من وجوه الترجيحات، فالراجح يقال له: "المحفوظ". ومقابله، وهو المرجوح، يقال له: "الشاذ" مثال ذلك: ما رواه الترمذي، والنسائي، وابن ماجة، من طريق ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عوسجة، عن ابن عباس: "أن رجلا توفي على عهد النبي ﷺ ، ولم يدع وارثا إلا مولى هو أعتقه ... "، الحديث، وتابع ابن عيينة على

стр. 22

وصله ابن جريج وغيره، وخالفهم حماد بن زيد؛ فرواه عن عمرو بن دينار، عن عوسجة. ولم يذكر ابن عباس. قال أبو حاتم: "المحفوظ حديث ابن عيينة". انتهى. فحماد بن زيد من أهل العدالة والضبط، ومع ذلك، رجح أبو حاتم رواية من هم أكثر عددا منه. وعرف من هذا التقرير أن الشاذ: ما رواه المقبول مخالفا لمن هو أولى منه، وهذا هو المعتمد في تعريف الشاذ، بحسب الاصطلاح). تتمة: المثال الذي ذكره الحافظ كمثال للزيادة في الإسناد ظاهره أنه مثال للزيادة المقبولة وليست الشاذة فزيادة الوصل مقبولة. ويجاب عن هذا كما قال اللقاني (١/ ٣٨٠) بأن إطلاق المخالفة في كلام الحافظ شاملة للزيادة والنقص، سواء كانت في السند، أم المتن. وهذا المثال الذي ذكره الحافظ مثال للمخالفة بالنقص في السند. ومن أمثلة الزيادة الشاذة في الإسناد ما رواه الحاكم من طريق عبيد بن محمد العجلي، حدثني العباس بن عبد العظيم العنبري، حدثني إسحاق بن منصور، ثنا هُرَيْمُ بن سفيان، عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر، عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب، عن أبي موسى، عن النبي ﷺ ، قال: " الجمعة حق واجب على كل مسلم في جماعة إلا أربعة: عبد مملوك، أو امرأة، أو صبي، أو مريض" وذكر أبي موسى فيه شاذ. قال الحافظ في "إتحاف المهرة" (ذكر أبي موسى فيه وهم فقد أخرجه أبو داود: عن عباس بن عبد العظيم، بهذا الإسناد بدون ذكره. والحاكم، وشيخه أبو بكر بن إسحاق، وشيخه عبيد بن محمد حفاظ لكنها زيادة شاذة، فقد أخرجه الدارقطني من وجه آخر: عن إسحاق بن منصور كما قال أبو داود. وكذا أخرجه الطبراني من وجه آخر: عن إسحاق). ومن أمثلة الزيادة المقبولة في المتن: ما رواه النسائي في "الكبرى" من طريق أبي داود الحفري، وفي "الكبرى" و"عمل اليوم والليلة" من طريق القاسم بن يزيد الجرمي، والدارمي من طريق محمد بن يوسف الفريابي، ثلاثتهم عن سفيان الثوري، عن سلمة، عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه: أن النبي ﷺ كان يقول إذا أصبح: " أصبحنا على فطرة الإسلام، وعلى كلمة الإخلاص، وعلى دين نبينا محمد ﷺ ، وعلى ملة أبينا إبراهيم حنيفا مسلما، وما كان من المشركين ". ورواه أحمد عن وكيع عن سفيان به

стр. 23

وزاد وكيع: "وإذا أمسى"، وهي زيادة ثقة مقبولة غير منافية. ومن أمثلة الزيادة الشاذة في المتن ما رواه أحمد من طريق حماد بن سلمة، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، مرفوعا: (من صام رمضان إيمانا واحتسابا، غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر). وهذه الزيادة شاذة أيضا فقد انفرد بها حماد بن سلمة، وخالف غيره ممن رواها عن محمد بن عمرو بدونها قال الأرناؤوط في "هامش المسند": (أخرجه الترمذي من طريق عَبْدَة بن سليمان وعبد الرحمن بن محمد المحاربي، وابن ماجه من طريق محمد بن بشر العبدي، وابن حبان من طريق ثابت بن يزيد الأحول، والبغوي من طريق النضر بن شُمَيْل، خمستهم عن محمد بن عمرو، بهذا الإسناد - دون قوله: "وما تأخر"، فقد انفرد بها حماد بن سلمة، عن محمد بن عمرو، فهي زيادة شاذة). - وقال اللقاني (١/ ٨٣٤) في تفسير المخالفة في تعريف الشاذ: (قوله: "مخالفا" أي مخالفة بتعذر معها الجمع، وفي مقدمة الشارح: "يكفي التعذر بغير الوجوه المتكلفة جدا"). تنبيه: وأما إن وقعت الزيادة منافية لرواية من هو مساو له في الوثوق فلا تقبل بل يتوقف فيها (١). المنكر: قال الحافظ: -[(ومع الضعف فالراجح المعروف، ومقابله المنكر).]- وقال في "النزهة" (ص/٨٦): (وإن وقعت المخالفة له (٢) مع الضعف فالراجح يقال له: "المعروف"، ومقابله يقال له: "المنكر". مثاله: ما رواه ابن أبي حاتم من طريق حبيب بن حبيب - وهو أخو حمزة بن حبيب الزيات المقرئ- عن أبي إسحاق عن الْعَيْزَارِ بْنِ حُرَيْث عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال: "من أقام الصلاة، وآتى الزكاة، وحج، وصام، وقرى الضيف دخل الجنة". قال أبو حاتم: هو منكر؛ لأن غيره من الثقات رواه عن أبي إسحاق موقوفا وهو المعروف). تنبيه: ظاهر قول الحافظ: (وإن وقعت المخالفة له) أن المخالفة هنا وقعت من ضعيف لراوي الحديث المقبول سواء أكان ثقة أم خفيف الضبط، ويؤيد ذلك المثال الذي ذكره، فقد نقل عن أبي حاتم تعليل النكارة بقوله: (لأن غيره من الثقات رواه عن أبي إسحاق موقوفا). وعلى ذلك يأتي إشكال لماذا سمى الحديث الراجح بالمعروف وهناك بالمحفوظ، وهذا الاحتمال في حمل كلامه عليه صرح بعض تلامذته عنه بخلافه من أن المقصود هنا أن يكون الضعف من الجانبين مع رجحان أحدهما بأن يكون أحسن حالا من الآخر. قال اللقاني (١/ ٨٤١): قوله: "وإن وقعت المخالفة ... " إلخ: نقل بعض تلامذة المصنف عنه أنه قال: "المراد بقولي: وإن وقعت المخالفة مع الضعف: أن يكون الضعف في الجانبين مع رحجان أحدهما" انتهى. قلت: والمعنى: أن الضعيف إذا روى حديثا، وخالف في إسناده أو متنه ضعيفا أرجح منه؛ لكونه أقل منه وأحسن منه حالا، فما رواه الضعيف (الراجح يقال له: المعروف، ومقابله - وهو ما رواه الضعيف) المرجوح - يقال له: المنكر، والتمثيل الآتي يشكل عليه. فخرج بقيد الضعيف في كل منهما: المحفوظ والشاذ؛ لأن كل واحد منهما راويه مقبول). توجيه المثال المذكور: قال اللقاني (١/ ٨٤٨): (قول أبي حاتم: "لأن غيره من الثقات رووه" لا يناسب ما مر عن المصنف من أنه لابد في المنكر من ضعف كلٍّ من راوييه المخالِف والمخالَف، لذا قال بعض تلامذة المصنف: أنه أوقفه على هذا، فقال له: إن اللائق التمثيل بغيره، وإنه روجع مرة أخرى، فقال: يعتبر الضعف في راوي المنكر المخالِف. نعم لو وجد فيهما كان كذلك في التسمية، بأن يقال لمن قل ضعفه: معروف وللآخر منكر. انتهى). ولا خلاف بين الجوابين، فكان الأولى به أن يذكر مثالا يجمع فيه بين المعروف والمنكر، والمثال الذي ذكره مثال صحيح للمنكر دون المعروف. فتحصل من ذلك أن مخالفة الضعيف منكرة مطلقا، والمخالَف قد يكون معروفا إن كان أقرب في الضعف من المخالِف، وقد يكون مقبولا إن كان راويه مقبولا. إشكال: بقي الجواب عن ظاهر قوله: (وزيادة راويهما - أي الصحيح والحسن - مقبولة ما لم تقع منافية لمن هو أوثق. فإن خولف - أي راويهما - بأرجح فالراجح المحفوظ، ومقابله الشاذ، وإن وقعت المخالفة له مع الضعف فالراجح المعروف، ومقابله المنكر) فظاهر قوله المخالَف من الضعيف هو راوي الصحيح والحسن. قال اللقاني (١/ ٨٤٩): (وأما أن موضوع التقسيم راوي الحسن والصحيح؛ فجوابه: أن في الكلام شبه استخدام (٣) لقصد الاستطراد). والمقصود أن الظاهر هنا غير مراد وإنما ألجأ الماتن لذلك طريقة اللف والنشر المرتب التي سلكها وهي قريبة من طريقة السبر والتقسيم عند الأصوليين ليلتزم نظاما دقيقا، يستوعب كل مجموعة من علوم الحديث في ظل قسم واحد يجمعها في موضع واحد فيبدأ بذكر الأجناس ثم يفصل بذكر الأنواع مرتبة. تتمة: قال اللقاني (١/ ٨٤٣): (اعلم أن المنكر فردان: أحدهما: ما خالف فيه المستور، أو الضعيف الذي ينجبر بمتابعة مثله. وثانيهما: ما تفرد به الضعيف الذي لا ينجبر بمتابعة مثله. وقد قدمنا في الشاذ أنه: ما خالف فيه الثقة من هو أوثق منه، أو تفرد به قليل الضبط، فله فردان - أيضا -، فظهر أنهما متميزان، وأن كلا منهما قسمان، وان المقابل للشاذ: المحفوظ، والمنكر: المعروف ... ثم قال: عُلِمَ من كلام المصنف: أن الشاذ ما خالف الثقةُ الأوثقَ منه، وأن المحفوظ: ما خالف فيه الأوثق للثقة، وأن المنكر: ما خالف فيه الأضعف للضعيف، وأن المعروف: ما خالف فيه الضعيف الأضعف. مثال المخالفة في المتن: ما رواه أحمد وأبو داود وغيرهما من طريق أبي عقيل زهرة بن معبد، عن ابن عمه، عن عقبة بن عامر عن عمر ﵄ مرفوعا: " من توضأ فأحسن الوضوء، ثم رفع بصره إلى السماء - أو قال نظره إلى السماء - فقال: أشهد أن لا إله

стр. 24

إلا الله وحده لا شريك له. وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، فتحت له ثمانية أبواب الجنة يدخل من أيهن شاء " وزيادة رفع البصر إلى السماء منكرة فقد زادها ابن عم أبي عقيل وهم ومجهول، وقد رواه مسلم في "صحيحه" من طريق أبي إدريس الخولاني وجبير بن نفير عن عقبة عن عمر به دون هذه الزيادة. المتابعة: قال الحافظ: -[(والفرد النسبي إن وافقه فهو المتابع).]- وقال في "النزهة" (ص/٨٧): (وما تقدم ذكره من الفرد النسبي، إن وجد بعد ظن كونه فردا قد وافقه غيره فهو المتابِع بكسر الموحدة. والمتابعة على مراتب: لأنها إن حصلت للراوي نفسه فهي التامة. وإن حصلت لشيخه فمن فوقه فهي القاصرة، ويستفاد منها التقوية. مثال المتابعة: ما رواه الشافعي في "الأم"، عن مالك، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، أن رسول الله ﷺ قال: "الشهر تسع وعشرون، فلا تصوموا حتى تروا الهلال، ولا تفطروا حتى تروه، فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين". فهذا الحديث، بهذا اللفظ، ظن قوم أن الشافعي تفرد به عن مالك، فعدوه في غرائبه؛ لأن أصحاب مالك رووه عنه بهذا الإسناد بلفظ: "فإن غم عليكم فاقدروا له". لكن وجدنا للشافعي متابعا، وهو عبد الله بن مسلمة القعنبي، كذلك أخرجه البخاري عنه، عن مالك، وهذه متابعة تامة. ووجدنا له، أيضا، متابعة قاصرة في صحيح ابن خزيمة من رواية عاصم بن محمد، عن أبيه محمد بن زيد عن جده عبد الله بن عمر، بلفظ: "فكملوا ثلاثين"، وفي صحيح مسلم من رواية عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، بلفظ: "فاقدروا ثلاثين". ولا اقتصار في هذه المتابعة - سواء كانت تامة أم قاصرة - على اللفظ، بل لو جاءت بالمعنى كفى، لكنها مختصة بكونها من رواية ذلك الصحابي). تنبيهات: - قال اللقاني (١/ ٨٦٠): (قوله: "النسبي" إنما قيد به لأن الفرد المطلق لا يتأتى فيه المتابعة؛ لأن الذي ينفرد بروايته واحد عن الصحابي فما وُجِدَ له متابع لم يكن فردا مطلقا. كذا قيل، وفيه نظر؛ لأنه ليس الكلام مفروضا فيما أثبت فرديته، بل فيما يشك في فرديته، وأي متابع من ظن فردية مطلقة لحديث؛ فيسبر ويعتبر فيوجد غير فرد مطلق كما أن الفرد النسبي كذلك، ولعل التقييد باعتبار الكثير، وظاهر كلام ابن الصلاح

стр. 25

والعراقي الإطلاق بل صريحهما ذلك). - قوله: (وافقه غيره) يشمل الثقة وغيره ممن يعتبر حديثه، وممن لا يعتبر، وإن كانت متابعة الواهي لا تفيد الحجية (١). - سميت المتابعة التامة بذلك لمشاركته في رجال السند كلهم، ويقال لها أيضا متابعة حقيقية. وأما القاصرة فسميت بذلك لقصورها عن مشاركته هو وكلما بعد المتابع كانت أقصر. الشاهد: قال الحافظ: -[(وإن وجد متن يشبهه فهو الشاهد).]- وقال في "النزهة" (ص/٩٠): (وإن وجد متن يروى من حديث صحابي آخر يشبهه في اللفظ والمعنى، أو في المعنى فقط فهو "الشاهد". ومثاله في الحديث الذي قدمناه: ما رواه النسائي من رواية محمد بن حنين، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ فذكر مثل حديث عبد الله بن دينار عن ابن عمر سواء، فهذا باللفظ. وأما بالمعنى فهو ما رواه البخاري من رواية محمد بن زياد، عن أبي هريرة، بلفظ: "فإن غمي عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين"). الاعتبار: قال الحافظ: -[(وتتبع الطرق لذلك هو الاعتبار).]- وقال في "النزهة" (ص/٩٠): (واعلم أن تتبع الطرق: من الجوامع، والمسانيد، والأجزاء، لذلك الحديث الذي يظن أنه فرد؛ ليعلم: هل له متابع أم لا؟ هو "الاعتبار").

стр. 26

المقبول المحكم: قال الحافظ: -[(ثم المقبول: إن سلم من المعارضة فهو المحكم)]-. وقال في "النزهة" (ص/٢١٦): (ثم المقبول: ينقسم، أيضا، إلى معمول به وغير معمول به؛ لأنه إن سلم من المعارضة، أي: لم يأت خبر يضاده، فهو "المحكم"، وأمثلته كثيرة). قال اللقاني في "قضاء الوطر" (١/ ٨٧٩): (أشار إلى أن المراد بالمعارضة: المضادة، وهو قريب من قول الجدليين وغيرهم، معناها: إقامة الدليل على خلاف ما أقام الخصم عليه الدليل، فلابد بقرينة المقام في الخبر المضاد له من كونه مقبولا وفي مرتبته أيضا. وفي كلامه إشاره إلى أنه لابد من تعذر الجمع الغير متكلَّف حال الاعتبار أيضا). ومفاد كلامه أن المحكم هو: الحديث المقبول الذي سلم من معارضة مثله في القبول. وأنه يعمل به بلا شبهة. وقوله: (وأمثلته كثيرة) فقد مثل له الحاكم بحديث «إن أشد الناس عذابا يوم القيامة الذين يشبهون بخلق الله »، وحديث «لا يقبل الله صلاة بغير طهور، ولا صدقة من غلول»، وحديث «إذا وضع العشاء، وأقيمت الصلاة فابدءوا بالعشاء» ... وعقب الحاكم على كل حديث بقوله: (هذه سنة صحيحة لا معارض لها) ثم قال: (وقد صنف عثمان بن سعيد الدارمي فيه كتابا كبيرا) وهذا الكتاب اسمه " لا معارض له"، وقد أورد فيه كل حديث لا معارض له (١). مختلف الحديث: قال الحافظ: -[(وإن عورض - أي المقبول - بمثله: فإن أمكن الجمع فمختلف الحديث).]- ومفاد كلامه أن المختلف هو: الحديث المقبول المعارض بمثله مع إمكان الجمع. قوله: (عورض) أي معارضة ظاهرية أو صورية من وجهة نظر المجتهد وليست معارضة حقيقة، فالأدلة لا يكون بينها تعارض حقيقي. لا فرق بين الأدلة الظنية والقطعية (٢) في امتناع وقوع التعارض بينهما بمعنى أنه يمتنع

стр. 27

حدوث تعارض حقيقي بين الأدلة، وأنه إذا حدث تعارض بين الأدلة فإنه يكون صوريا أي من وجهة نظر المجتهد فقط، وذلك لأن كتاب الله سالم من الاختلاف والاضطراب والتناقض؛ لأنه تنزيل من حكيم حميد فهو حق من حق، قال تعالى: (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا) [النساء: ٨٢] ولهذا مدح الله تعالى الراسخين في العلم حيث قالوا: (آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا) [آل عمران: ٧]؛ أي: محكمه ومتشابهه حق. وقال ﷺ : (إن القرآن لم ينزل يكذب بعضه بعضًا، بل يصدق بعضه بعضًا، فما عرفتم منه فاعملوا به، وما جهلتم منه فردوه إلى عالمه) (١). كما أحاديث النبي ﷺ الصحيحة مبرأة من التناقض والاختلاف؛ لأن النبي ﷺ معصوم من التناقض والاختلاف بإجماع الأمة، لا فرق في ذلك بين المتواتر والآحاد، قال تعالى: (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى* إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى) [النجم: ٣، ٤]. وكل هذه الأدلة تشمل الظني والقطعي منهما. قوله: (بمثله) أي في القبول وليس في القوة، فلا يشترط التساوي في القوة فيمكن أن يقع التعارض بين المتواتر والآحاد، أو الصحيح والحسن، ونحو ذلك. قوله: (أمكن الجمع) أي بين مدلوليهما بغير تعسف (٢). قال اللقاني في "قضاء الوطر" (١/ ٨٨٦): (قوله: "بغير تعسف" أي: بأن يكون موافقا للقوانين اللغوية، أو الشرعية، أو العقلية، بحيث لا يخالف القواطع منها). قال القاري في "شرح النخبة" (ص:٣٦٢): ((إما أن يمكن الجمع) أي بتأويل، أو تقييد، أو تخصيص (بين مدلوليهما) أي معنييهما، (بغير تعسف) متعلق بالجمع، والتعسف: أزيد من التكلف، لأنه خروج عن الجادة. قال المصنف: لأن ما كان بتعسف فللخصم أن يرده، وينتقل إلى ما بعده من المراتب). أمثلته: قال المناوي في "اليواقيت والدرر" (١/ ٤٥٢): (ومثل له جمع بحديث الترمذي وغيره: "أيما إهاب دبغ فقد طهر" مع حديث أبي داود والترمذي وغيرهما: "لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب". الشامل للإهاب المدبوغ وغيره حملناه على غيره جمعا بين

стр. 28

الدليلين ... ). قال السخاوي في "فتح المغيث" (٤/ ٦٦): (وهو من أهم الأنواع، تضطر إليه جميع الطوائف من العلماء، وإنما يكمل للقيام به من كان إماما جامعا لصناعتي الحديث والفقه، غائصا على المعاني الدقيقة ; ولذا كان إمام الأئمة أبو بكر بن خزيمة من أحسن الناس فيه كلاما، لكنه توسع حيث قال: (لا أعرف حديثين صحيحين متضادين، فمن كان عنده شيء من ذلك فليأتني به لأؤلف بينهما). وانتقد عليه بعض صنيعه في توسعه، فقال البلقيني: إنه لو فتحنا باب التأويلات لاندفعت أكثر العلل. وأول من تكلم فيه إمامنا الشافعي، وله فيه مجلد جليل، ولكنه لم يقصد استيعابه، بل هو مدخل عظيم لهذا النوع، يتنبه به العارف على طريقه. وكذا صنف فيه أبو محمد بن قتيبة، وأتى فيه بأشياء حسنة، وقصر باعه في أشياء قصر فيها. وأبو جعفر بن جرير الطبري، وأبو جعفر الطحاوي في كتابه (مشكل الآثار)، وهو من أجل كتبه، ولكنه قابل للاختصار غير مستغن عن الترتيب والتهذيب، وقد اختصره ابن رشد، وممن صنف فيه أيضا أبو بكر بن فورك، وأبو محمد القصري، وابن حزم، وهو نحو عشرة آلاف ورقة). الناسخ والمنسوخ: قال الحافظ: -[(أو لا، وثبت المتأخر فهو الناسخ، والآخر المنسوخ.)]- فإن لم يمكن الجمع بين الحديثين المقبولين المتعارضين، أو أمكن الجمع ولكن بتعسف، فهنا إن ثبت تأخر أحدهما فهو الناسخ والآخر هو المنسوخ. قال في "النزهة" (ص/٢١٧): (ويعرف النسخ بأمور: أصرحها ما ورد في النص، كحديث بريدة في صحيح مسلم: "كنت نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروها فإنها تذكر الآخرة". ومنها ما يجزم الصحابي بأنه متأخر، كقول جابر: كان آخر الأمرين من رسول الله ﷺ : "ترك الوضوء مما مست النار"، أخرجه أصحاب السنن. ومنها ما يعرف بالتاريخ، وهو كثير (١)، وليس منها ما يرويه الصحابي المتأخر الإسلام معارضا لمتقدم عنه؛ لاحتمال أن يكون سمعه من صحابي آخر أقدم من المتقدم المذكور، أو مثله

стр. 29

فأرسله (١)، لكن إن وقع التصريح بسماعه له من النبي ﷺ فيتجه أن يكون ناسخا (٢)، بشرط أن يكون لم يتحمل عن النبي ﷺ شيئا قبل إسلامه (٣). وأما الإجماع فليس بناسخ، بل يدل على ذلك (٤)). الترجيح والتوقف بين المتعارضين: قال ابن حجر: -[(وإلا فالترجيح، ثم التوقف.)]- وقال في "النزهة" (ص/٢١٨): (وإن لم يعرف التاريخ فلا يخلو: إما أن يمكن ترجيح أحدهما على الآخر، بوجه من وجوه الترجيح المتعلقة بالمتن، أو بالإسناد (٥)، أو لا. فإن أمكن الترجيح تعين المصير إليه، وإلا فلا. فصار ما ظاهره التعارض واقعا على هذا الترتيب: الجمع إن أمكن، فاعتبار الناسخ والمنسوخ، فالترجيح إن تعين، ثم التوقف (٦) عن العمل بأحد الحديثين. والتعبير بالتوقف أولى من التعبير بالتساقط؛ لأن خفاء ترجيح أحدهما على الآخر إنما هو بالنسبة للمعتبر في الحالة الراهنة، مع احتمال أن يظهر لغيره ما خفي عليه). المردود المعلق والمرسل: قال الحافظ: (ثم المردود: إما أن يكون لسقط، أو طعن، والسقط إما أن يكون من مبادئ السند من مصنف أو من آخره بعد التابعي، أو غير ذلك. فالأول: المعلق، والثاني: المرسل). المعلق: قال في "النزهة" (ص/٢١٨): (والسقط إما أن يكون من مبادئ السند من تصرف مصنف (٧) فهو المعلق، سواء كان الساقط واحدا، أم أكثر (٨). ومن صور المعلق: أن يحذف جميع السند ويقال مثلا: قال رسول الله ﷺ . ومنها: أن يحذف إلا الصحابي، أو إلا التابعي والصحابي معا. ومنها: أن يحذف من حدثه، ويضيفه إلى من هو فوقه، فإن كان من فوقه شيخا لذلك المصنف فقد اختلف فيه: هل يسمى تعليقا، أو لا؟ والصحيح في هذا التفصيل: فإن عرف بالنص أو الاستقراء أن فاعل ذلك مدلس قضي به، وإلا فتعليق. وإنما ذكر التعليق في قسم المردود للجهل بحال المحذوف. وقد يحكم بصحته إن عرف، بأن يجيء مسمى من وجه آخر. فإن قال: جميع من أحذفه ثقات، جاءت مسألة

стр. 30

التعديل على الإبهام (١)، والجمهور: لا يقبل حتى يسمى (٢). لكن، قال ابن الصلاح هنا: إن وقع الحذف في كتاب التزمت صحته، كالبخاري، فما أتى فيه بالجزم (٣) دل على أنه ثبت إسناده عنده، وإنما حذف لغرض من الأغراض، وما أتى فيه بغير الجزم (٤) ففيه مقال). المرسل: قال الحافظ: -[(والسقط إما أن يكون من آخره بعد التابعي فالمرسل.)]- قال في "النزهة" (ص/٢١٩): (ما سقط من آخره من بعد التابعي، هو "المرسل". وصورته: أن يقول التابعي سواء كان كبيرا أم صغيرا (٥): قال رسول الله ﷺ كذا، أو فعل كذا، أو فعل بحضرته كذا، ونحو ذلك. وإنما ذُكِر في قسم المردود للجهل بحال المحذوف؛ لأنه يحتمل أن يكون صحابيا، ويحتمل أن يكون تابعيا. وعلى الثاني (٦) يحتمل أن يكون ضعيفا، ويحتمل أن يكون ثقة، وعلى الثاني يحتمل أن يكون حمل عن صحابي، ويحتمل أن يكون حمل عن تابعي آخر، وعلى الثاني فيعود الاحتمال السابق، ويتعدد. أما بالتجويز العقلي فإلى ما لا نهاية له (٧)، وأما

стр. 31

بالاستقراء فإلى ستة أو سبعة، وهو أكثر ما وجد من رواية بعض التابعين عن بعض. فإن عرف من عادة التابعي أنه لا يرسل إلا عن ثقة، فذهب جمهور المحدثين إلى التوقف؛ لبقاء الاحتمال، وهو أحد قولي أحمد، وثانيهما - وهو قول المالكيين والكوفيين-: يقبل مطلقا، وقال الشافعي: يقبل إن اعتضد بمجيئه من وجه آخر يباين الطريق الأولى، مسندا أو مرسلا، ليرجح احتمال كون المحذوف ثقة في نفس الأمر (١)). المعضل: قال الحافظ: -[(والسقط إن كان باثنين فصاعدا مع التوالي فهو المعضل.)]- قال السخاوي في "فتح المغيث" (١/ ١٩٨): ((والمعضل) وهو بفتح المعجمة من الرباعي المتعدي، يقال: أعضله فهو معضل وعضيل، وأعله المرض فهو عليل بمعنى معل، وفعيل بمعنى مفعل إنما يستعمل في المتعدي، والعضيل: المستغلق الشديد. ففي حديث: «إن عبدا قال: يا رب لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم شأنك، فأعضلت بالملكين، فلم يدريا كيف يكتبان». . . الحديث " قال أبو عبيد: هو من العضال، الأمر الشديد الذي لا يقوم له صاحبه). انتهى. فكأن المحدث الذي حدث به أعضله؛ حيث ضيق المجال على من يؤديه إليه، وحال بينه وبين معرفة رواته بالتعديل أو الجرح، وشدد عليه الحال، ويكون ذاك الحديث معضلا له لإعضال الراوي له. هذا تحقيقه لغة، وبيان استعارته. وهو في الاصطلاح: (الساقط منه) أي: من إسناده (اثنان فصاعدا) أي: مع التوالي، حتى لو سقط كل واحد من موضع كان منقطعا، لا معضلا). العلاقة بين المعلق والمعضل: قال في "النزهة" (ص/٢١٩): (بين المعلق وبين المعضل، عموم وخصوص من وجه: فمن حيث تعريف المعضل بأنه: سقط منه اثنان فصاعدا؛ يجتمع مع بعض صور المعلق، ومن حيث تقييد المعلق بأنه من تصرف مصنف من مبادئ السند يفترق منه؛ إذ هو أعم من ذلك).

стр. 32

شأن العموم والخصوص الوجهي أن يجتمعا في صورة، وينفرد كل واحد منهما في صورة، فالمعلق والمعضل يجتمعان في السقط إن كان في أوله لراويبن أو أكثر على التوالي من أوله، وينفرد المعلق إن كان السقط لراو واحد من أوله، وينفرد المعضل إن كان السقط لراويين أو أكثر على التوالي من أي مكان غير أول السند. المنقطع: -[قال الحافظ: (وإلا فالمنقطع).]- والمقصود أن السقط في السند إن لم يكن على أي صورة من الصور السابقة فهو المنقطع. قال في "النزهة" (ص/٢٢٠): (وإلا، فإن كان الساقط باثنين غير متواليين، في موضعين مثلا، فهو المنقطع، وكذا إن سقط واحد، فقط، أو أكثر من اثنين، لكنه، بشترط عدم التوالي). وعليه فالمنقطع هو: ما سقط من وسط سنده راو فأكثر لا على التوالي. فائدة: قال ابن حجر في "النكت" (٢/ ٥٨١): (قال الجوزقاني مقدمة كتابه في الموضوعات: "المعضل أسوأ حالا من المنقطع، والمنقطع أسوأ حالا من المرسل والمرسل لا تقوم به حجة". قلت: وإنما يكون المعضل أسوأ حالا من المنقطع إذا كان الانقطاع في موضع واحد من الإسناد، وأما إذا كان في موضعين أو أكثر، فإنه يساوي المعضل في سوء الحال). أقسام السقط من حيث الظهور والخفاء: السقط الظاهر: قال الحافظ: -[(ثم قد يكون واضحا أو خفيا - إي السقط -. فالأول: يدرك بعدم التلاقي، ومن ثم احتيج إلى التأريخ).]- وقال في "النزهة" (ص/٢٢١): (ثم إن السقط من الإسناد قد يكون واضحا يحصل الاشتراك في معرفته، ككون الراوي، مثلا، لم يعاصر من روى عنه، أو يكون خفيا فلا يدركه إلا الأئمة الحذاق المطلعون على طرق الحديث وعلل الأسانيد. فالأول: وهو الواضح، يدرك بعدم التلاقي بين الراوي وشيخه، بكونه لم يدرك عصره، أو

стр. 33

أدركه لكن، لم يجتمعا، وليست له منه إجازة، ولا وجادة (١)،ومن ثم، احتيج إلى التاريخ؛ لتضمنه تحرير مواليد الرواة ووفياتهم، وأوقات طلبهم وارتحالهم، وقد افتضح أقوام ادعوا الرواية عن شيوخ ظهر بالتاريخ كذب دعواهم (٢)). فائدة: قال اللقاني (١/ ٩٨٠): (فإن قلت: لم يذكر المصنف لهذا النوع اسما. قلت: نعم، لكن قال البقاعي: إن هذا القسم لا اسم له إلا المنقطع وإن كان من أول السند من تصرف مصنف سمى معلقا - أيضا - انتهي. والذي يظهر دخوله - أيضا - في باب المعضل والمرسل، والحاصل أن هذا لاقسم ليس له اسم خاص لجريانه في البواب السابقة، فينظر لمحل ذلك الحذف الواضح، ويحكم له بما يَلحق به من مسميات تبك الأقاب السابقة، وتطبق عليه أسماؤها من تعليق، أو انقطاع، أو عضل، أو إرسال). السقط الخفي: (المدلَّس): قال الحافظ: -[(والثاني المدلَّس ويرد بصيغة تحتمل اللقى: كعن، وقال).]- وقال في "النزهة" (ص/٢٢١): (والقسم الثاني: وهو الخفي: المدَّلس - بفتح اللام- سمي بذلك لكون الراوي لم يُسم مَن حدثه، وأوهم سماعه للحديث ممن لم يحدثه به. واشتقاقه من الدَّلَس بالتحريك، وهو اختلاط الظلام بالنور، سمي بذلك لاشتراكهما في الخفاء. ويَرِد المدَّلس بصيغة من صيغ الأداء تحتمل وقوع اللقى بين المدلس ومن أسند عنه، كـ"عن"، وكذا "قال". ومتى وقع بصيغة صريحة لا تجوز فيها كان كذبا. وحكم من ثبت عنه التدليس إذا كان عدلا: أن لا يقبل منه إلا ما صرح فيه بالتحديث، على الأصح). تنبيه: قال اللقاني (١/ ٩٩٢): (كلام الشرح والأصل ليس فيه إلا تدليس الإسناد، وهو أن يروي عمن لقيه، أو سمع منه ما لم يسمع منه موهما أنه سمع منه. وسكت عن تدليس الشيوخ وهو أن يصف الشيخ الواحد الذي سمع منه ذلك الحديث بما لا يكون معروفا به، ولا مشهورا من اسم أو لقب أو كنية أو نسبة إلى قبيلة أو بلدة أو صفة أو نحوها. والحامل عليه مقاصد: إما ضعف في الراوي عنه، وإما صغره عند المدلس بأن يكون أصغر من المدلس أو أكبر منه لكن بيسير، أو بكثير لكن تأخرت وفاته حتى شاركه في الأخذ من هو دونه. وملخصه: أن يستكبر المدلس عن الرواية عنه لشئ من هذه الأمور، وإما لإيهام المدلس أنه يروي ذلك الحديث عن عدة شيوخ. كما سكت أيضا عن تدليس التسوية المعبر عنه عند القدماء بالتجويد بحيث قالوا: "جَوَّد فلانا الإسناد" فإنما يريدون ذَكَرَ من فيه من الأجواد، وحذف الأدنياء، وهو أن يروي حديثا عن ضعيف بين ثقتين لقى أحدهما الآخر فيسقط المدلس الضعيف ويروي الحديث عن شيخه الثقة عن الثقة. ولعله إنما سكت عنهما؛ لرجوع الأول للرواية عن المجهول والثاني لتدليس الإسناد كما صرح به المصنف في الثاني حيث جعله نوعا من تدليس الإسناد). المرسل الخفي: قال الحافظ: (وكذا المرسل الخفي من معاصر لم يلق). وقال في "النزهة" (ص/٢٢١): (وكذا المرسل الخفي، إذا صدر من معاصر لم يلق من حدث عنه، بل بينه وبينه واسطة. والفرق بين المدلس والمرسل الخفي دقيق، حصل تحريره بما ذكر هنا: وهو أن التدليس يختص بمن روى عمن عرف لقاؤه إياه، فأما إن عاصره، ولم يعرف أنه لقيه، فهو المرسل الخفي). أسباب الطعن في الراوي قال الحافظ: (ثم الطعن: إما أن يكون لكذب الراوي (٣)، أو تهمته بذلك، أو فحش غلطه، أو غفلته، أو فسقه، أو وهمه، أو مخالفته، أو جهالته، أو بدعته، أو سوء حفظه. فالأول: الموضوع، والثاني: المتروك، والثالث: المنكر على رأي، وكذا الرابع والخامس. ثم الوهم: إن اطلع عليه بالقرائن، وجمع الطرق: فالمُعَلَّل. ثم المخالفة: إن كانت بتغيير السياق: فمدرج الإسناد، أو بدمج موقوف بمرفوع: فمدرج المتن، أو بتقديم أو تأخير: فالمقلوب، أو بزيادة راو: فالمزيد في متصل الأسانيد، أو بإبداله ولا مرجح: فالمضطرب وقد يقع الإبدال عمدا امتحانا أو بتغيير مع بقاء السياق: فالمصحف والمحرف. ولا يجوز تعمد تغيير المتن بالنقص والمرادف إلا لعالم بما يحيل المعاني. فإن خفي المعنى احتيج إلى شرح الغريب وبيان المشكل. ثم الجهالة: وسببها أن الراوي قد تكثر نعوته فيذكر بغير ما اشتهر به لغرض، وصنفوا فيه الموضح، وقد يكون مقلا فلا يكثر الأخذ عنه، وصنفوا فيه الوحدان، ولا يسمى اختصارا، وفيه المبهمات، ولا يقبل المبهم ولو أبهم بلفظ التعديل على الأصح، فإن سمي وانفرد واحد عنه فمجهول العين، أو اثنان فصاعدا، ولم يوثق: فمجهول الحال، وهو المستور. ثم البدعة: إما بمكفر، أو بمفسق، فالأول: لا يقبل صاحبها الجمهور، والثاني: يقبل من لم يكن داعية في الأصح، إلا إن روى ما يقوي بدعته فيرد على المختار، وبه صرح الجُوزقاني شيخ النسائي. ثم سوء الحفظ: إن كان لازما فهو الشاذ على رأي، أو طارئا فالمختلط، ومتى توبع سيئ الحفظ بمعتبر، وكذا المستور والمرسل، والمدلس: صار حديثهم حسنا لا لذاته، بل بالمجموع.). ذكر الماتن ﵀ عشرة أسباب للطعن في الحديث خمسة منها متعلقة بالعدالة وهي: الكذب، والتهمة به، والفسق، والجهالة، والبدعة. وخمسة تتعلق بالضبط وهي: فحش الغلط، والغفلة، والوهم، والمخالفة، وسوء الحفظ. ولم يميز الماتن بينهما؛ لأنه فضل ذكرها مرتبة على الأشد فالأشد في موجب الرد على سبيل التدلي، وفيه فائدة أعظم من تمييزها سيما للمبتدئ (٤). الكذب: وقال في "النزهة" (ص/٢٢٣): (الطعن إما أن يكون: لكذب الراوي في الحديث النبوي: بأن يروي عنه ﷺ ما لم يقله (٥)، متعمدا لذلك (٦). فالقسم الأول: وهو الطعن بكذب الراوي في الحديث النبوي هو الموضوع. والحكم عليه بالوضع إنما هو بطريق الظن الغالب، لا بالقطع؛ إذ قد يصدق الكذوب، لكن، لأهل العلم بالحديث ملكة قوية يميزون بها ذلك، وإنما يقوم بذلك منهم من يكون اطلاعه تاما، وذهنه ثاقبا، وفهمه قويا، ومعرفته بالقرائن الدالة على ذلك متمكنة. وقد يعرف الوضع بإقرار واضعه، قال ابن دقيق العيد: "لكن لا يقطع بذلك، لاحتمال أن يكون كذب في ذلك الإقرار" انتهى. وفهم منه بعضهم أنه لا يعمل بذلك الإقرار أصلا، وليس ذلك مراده، وإنما نفي القطع بذلك، ولا يلزم من نفي القطع نفي الحكم؛ لأن الحكم يقع بالظن الغالب، وهو هنا كذلك، ولولا ذلك لما ساغ قتل المقر بالقتل، ولا رجم المعترف بالزنى؛ لاحتمال أن يكونا كاذبين فيما اعترفا به. ومن القرائن، التي يدرك بها الوضع: ما يؤخذ من حال الراوي، كما وقع للمأمون بن أحمد أنه ذكر بحضرته الخلاف في كون الحسن سمع من أبي هريرة أو لا، فساق في الحال إسنادا إلى النبي ﷺ أنه قال: سمع الحسن من أبي هريرة. وكما وقع لغِياث بن إبراهيم، حيث دخل على المهدي فوجده يلعب بالحمام؛ فساق في الحال إسنادا إلى النبي ﷺ ، أنه قال: "لا سبق إلا في نصل أو خف أو حافر أو جناح"، فزاد في الحديث: "أو جناح"؛ فعرف المهدي أنه كذب لأجله فأمر بذبح الحمام. ومنها ما يؤخذ من حال المروي: كأن يكون مناقضا لنص القرآن، أو السنة المتواترة (٧)، أو الإجماع القطعي، أو صريح العقل، حيث لا يقبل شيء من ذلك التأويل. ثم المروي تارة يخترعه الواضع، وتارة يأخذ كلام غيره: كبعض السلف الصالح، أو قدماء الحكماء، أو الإسرائيليات، أو يأخذ حديثا ضعيف الإسناد فيركب له إسنادا صحيحا ليروج. والحامل للواضع على الوضع: إما عدم الدين كالزنادقة، أو غلبة الجهل كبعض المتعبدين، أو فرط العصبية، كبعض المقلدين، أو اتباع هوى بعض الرؤساء، أو الإغراب

стр. 34

لقصد الاشتهار. وكل ذلك حرام بإجماع من يعتد به، إلا أن بعض الكرامية، وبعض المتصوفة نقل عنهم إباحة الوضع في الترغيب والترهيب، وهو خطأ من فاعله، نشأ عن جهل، لأن الترغيب والترهيب من جملة الأحكام الشرعية، واتفقوا على أن تعمد الكذب على النبي ﷺ من الكبائر، وبالغ أبو محمد الجويني فكفر من تعمد الكذب على النبي ﷺ (١). واتفقوا على تحريم رواية الموضوع إلا مقرونا ببيانه؛ لقوله ﷺ : من حدث عني بحديث يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين، أخرجه مسلم). المتروك: وهذا هو القسم الثاني من أقسام المردود: وهو ما يكون بسبب تهمة الراوي بالكذب في حديث النبي ﷺ ، ويسمى الحديث بـ: "المتروك". قال ابن حجر في "النزهة" (ص/٢٢٥): (أو تهمته بذلك: بأن لا يروى ذلك الحديث إلا من جهته (٢)، ويكون مخالفا للقواعد المعلومة (٣)، وكذا من عرف بالكذب في كلامه، وإن لم يظهر منه وقوع ذلك في الحديث النبوي، وهذا (٤) دون الأول). قال الشيخ الطحان في "تيسيره" (ص/١١٧): (إذا كان سبب الطعن في الراوي هو التهمة بالكذب -وهو السبب الثاني- سمي حديثه: المتروك. - تعريفه: هو الحديث الذي في إسناده راوٍ متهم بالكذب. - أسباب اتهام الراوي بالكذب: أسباب اتهام الراوي بالكذب أحد أمرين؛ هما: أ- ألا يروى ذلك الحديث إلا من جهته، ويكون مخالفا للقواعد المعلومة. ب- أن يعرف الراوي بالكذب في كلامه العادي، لكن لم يظهر منه الكذب في الحديث النبوي). المنكر - على رأي -: قال الحافظ في "النزهة" (ص/٢٢٣): (أو فُحش غَلَطِه، أي: كثرته (٥)، أو

стр. 35

غفلته (١) عن الإتقان (٢)، أو فسقه: أي: بالفعل أو القول، مما لم يبلغ الكفر ... ثم قال: (والثالث: المنكر -على رأي من لا يشترط في المنكر قيد المخالفة (٣) - وكذا الرابع، والخامس، فمن فحش غلطه، أو كثرت غفلته، أو ظهر فسقه، فحديثه منكر). تنبيهان: الأول - لاحظ أننا ذكرنا فيما سبق أن الحافظ يعتبر في المنكر قيد المخالفة من الضعيف حيث قال في "النزهة" (ص/٨٦): (وإن وقعت المخالفة له مع الضعف فالراجح يقال له: "المعروف"، ومقابله يقال له: "المنكر") وعلى هذا القول الذي ذكره هنا فلا يعتبر قيد المخالفة بل المنكر هو الحديث الذي في إسناده راو فحش غلطه، أو كثرت غفلته، أو ظهر فسقه. قال الحافظ في "النكت" (٢/ ٦٧٥): (ما انفرد المستور أو الموصوف بسوء الحفظ أو المضعف في بعض مشايخه دون بعض بشيء لا متابع له ولا شاهد فهذا أحد قسمي المنكر، وهو الذي يوجد في إطلاق كثير من أهل الحديث. وإن خولف في ذلك، فهو القسم الثاني وهو المعتمد على رأي الأكثرين). الثاني - بين تعمد الكذب والفسق عموم وخصوص مطلق: قال في "النزهة (ص/٢٢٣): (وبينه وبين الأول عموم، وإنما أفرد الأول لكون القدح به أشد في هذا الفن) والفسق أعم من تعمد الكذب؛ لأنه أحد صوره. المُعَلَّل: قال في "النزهة" (ص:٢٢٦): (ثم الوهم (٤): - وهو القسم السادس إن اطلع عليه، أي الوهم، بالقرائن الدالة على وهم راويه - من وصل مرسل أو منقطع أو إدخال حديث في حديث (٥)، أو نحو ذلك من الأشياء القادحة (٦)، وتحصل معرفة ذلك بكثرة التتبع وجمع

стр. 36

الطرق- فهذا هو المعلل (١). وهو من أغمض أنواع علوم الحديث وأدقها، ولا يقوم به إلا من رزقه الله تعالى فهما ثاقبا، وحفظا واسعا، ومعرفة تامة بمراتب الرواة، وملكة قوية بالأسانيد والمتون؛ ولهذا لم يتكلم فيه إلا القليل من أهل هذا الشأن: كعلي بن المديني، وأحمد بن حنبل، والبخاري، ويعقوب بن أبي شيبة، وأبي حاتم، وأبي زرعة، والدارقطني. وقد تقصر عبارة المعلل عن إقامة الحجة على دعواه، كالصيرفي في نقد الدينار والدرهم). مدرج الإسناد: قال الحافظ في "النزهة" (ص/٢٢٦): (ثم المخالفة، وهي القسم السابع: إن كانت واقعة بسبب: تغير السياق، أي: سياق الإسناد، فالواقع فيه ذلك التغيير هو مدرج الإسناد. وهو أقسام (٢): الأول: أن يروي جماعة الحديث بأسانيد مختلفة، فيرويه عنهم راو فيجمع الكل على إسناد واحد من تلك الأسانيد ولا يبين الاختلاف (٣). الثاني: أن يكون المتن عند راو إلا طرفا منه فإنه عنده بإسناد آخر، فيرويه راو

стр. 37

عنه تاما بالإسناد الأول (١). ومنه أن يسمع الحديث من شيخه إلا طرفا منه فيسمعه عن شيخه بواسطة، فيرويه راو عنه تماما بحذف الواسطة (٢). الثالث: أن يكون عند الراوي متنان مختلفان بإسنادين مختلفين، فيرويهما راو عنه مقتصرا على أحد الإسنادين، أو يروي أحد الحديثين بإسناده الخاص به، لكن، يزيد فيه من المتن الآخر ما ليس في الأول (٣). الرابع: أن يسوق الإسناد فيعرض له عارض، فيقول كلاما من قبل نفسه، فيظن بعض من سمعه أن ذلك الكلام هو متن ذلك الإسناد؛ فيرويه عنه كذلك (٤). هذه أقسام مدرج الإسناد). مدرج المتن: قال في "النزهة" (ص/٢٢٧): (وأما مدرج المتن: فهو أن يقع في المتن كلام ليس منه. فتارة يكون في أوله، وتارة في أثنائه، وتارة في آخره، وهو الأكثر؛ لأنه يقع بعطف جملة على جملة، أو بدمج موقوف من كلام الصحابة، أو من بعدهم، بمرفوع من كلام النبي ﷺ ، من غير فصل، فهذا هو مدرج المتن. ويدرك الإدراج بورود رواية مفصلة للقدر المدرج فيه. أو بالتنصيص على ذلك من الراوي، أو من بعض الأئمة المطلعين، أو باستحالة كون النبي ﷺ يقول ذلك (٥). وقد صنف الخطيب في المدرج كتابا (٦)، ولخصته، وزدت عليه قدر ما ذكر مرتين، أو أكثر (٧)، ولله الحمد). المقلوب: قال في "النزهة" (ص/٢٢٧): (أو إن كانت المخالفة بتقديم أو تأخير أي في الأسماء كمرة بن كعب، وكعب بن مرة (٨)؛ لأن اسم أحدهما اسم أبي الآخر، فهذا هو المقلوب، وللخطيب فيه كتاب: "رافع الارتياب". وقد يقع القلب في المتن، أيضا، كحديث أبي هريرة عند مسلم في السبعة الذين يظلهم الله في عرشه، ففيه: "ورجل تصدق بصدقة أخفاها حتى لا تعلم يمينه ما تنفق شماله". فهذا مما انقلب على أحد الرواة، وإنما هو: "حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه" كما في الصحيحين). المزيد في متصل الأسانيد: قال في "النزهة" (ص/٢٢٨): (أو إن كانت المخالفة بزيادة راو في أثناء الإسناد، ومن لم يزدها أتقن ممن زادها، فهذا هو المزيد في متصل الأسانيد. وشرطه (٩) أن يقع التصريح بالسماع في موضع الزيادة (١٠)، وإلا فمتى كان معنعنا، مثلا (١١)، ترجحت الزيادة). مثاله: قال المناوي في " اليواقيت والدرر" (٢/ ٩٢): (مثاله: ما روى ابن المبارك قال: حدثنا سفيان عن عبد الرحمن بن يزيد حدثني بُسْرِ بن عبيد الله سمعت أبا إدريس الخولاني سمعت وَاثِلَةَ يقول: سمعت أبا مَرْثَد يقول: سمعت رسول الله يقول: لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها. فذكر سفيان وأبي إدريس في هذا الإسناد زيادة ووهم، فالوهم في سفيان ممن دون ابن المبارك، لأن الثقات رووه عن ابن المبارك (عن ابن جابر نفسه من غير ذكر سفيان)، ومنهم من صرح فيه بالإخبار. والوهم في أبي إدريس من ابن المبارك، فإن الثقات رووه عن ابن يزيد فلم يذكروا أبا إدريس (بين بسر وواثلة، ومنهم من صرح بسماع بسر من واثلة). وقد حكم الأئمة - البخاري وغيره - على ابن المبارك بالوهم فيه. وقد صنف الخطيب في هذا النوع كتابا سماه: (تمييز المزيد في متصل الأسانيد) في كثير منه نظر). المضطرب: قال الحافظ: (أو بإبداله ولا مرجح فالمضطرب). وقال في "النزهة" (ص/٢٢٨): (أو كانت المخالفة بإبداله، أي: الراوي (١٢)، ولا مرجح لإحدى الروايتين (١٣) على الأخرى (١٤)، فهذا هو المضطرب). وعلى كلام الحافظ يعرف المضطرب بأنه: ما روى على أوجه مختلفة متساوية القوة. فاشترط هنا شرطين للحكم على الحديث بالاضطراب وهما: اختلاف روايات الحديث، بحيث لا يمكن الجمع بينها بوجه من الوجه المقبولة، وأن تتساوي الروايات في القوة، بحيث لا يمكن ترجيح رواية على أخرى. قال الشيخ بازمول في " المقترب في بيان المضطرب" (ص: ٤٠): (وأفاد قوله (على أوجه مختلفة) اشتراط اتحاد المخرج، إذ لو اختلف المخرج لم يكن هناك اختلافاً بين الرواة، ولذلك أئمة أهل الحديث لا يعلون حديثاً بآخر عند اختلاف المخرج وذكر الحافظ العراقي روايات الحوض واختلاف ألفاظها ثم قال: "وكل هذه الروايات في الصحيح قال القاضي عياض: وهذا الاختلاف في قدر عرض الحوض ليس موجباً للاضطراب؛ فإنه لم يأت في حديث واحد بل في أحاديث مختلفة الرواة عن جماعة من الصحابة" اهـ. وقال ابن التركماني: "إنما تعلل رواية برواية إذا ظهر اتحاد الحديث" اهـ. وقال ابن رجب في معرض بيانه لتعليل الأئمة حديثاً بآخر: "واعلم أن هذا كله إذا علم أن الحديث الذي اختلف في إسناده حديث واحد، فإن ظهر أنه حديثان بإسنادين لم يحكم بخطأ أحدهما. وعلامة ذلك أن يكون في أحدهما زيادة على الآخر أو نقص منه أو تغير يستدل به على أنه حديث آخر. فهذا يقول علي بن المديني وغيره من أئمة الصنعة: هما حديثان بإسنادين" اهـ. وتعليلهم الحديثين المختلفين سنداً بالاضطراب إنما مرادهم الاضطراب لغة لا اصطلاحاً). تنبيه: وزاد الزركشي شرطا آخر فقال في "النكت" (٢/ ٢٢٤): (وينبغي أن يقال على وجه يؤثر ليخرج ما لو روي الحديث عن رجل مرة وعن آخر أخرى قال ابن حزم فهذا قوة للحديث وزيادة في دلائل صحته كما إذا روى الأعمش الحديث عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة ويرويه غير الأعمش عن سهيل عن أبيه عن أبي سعيد إذ من الممكن أن يكون أبو صالح سمع الحديث من أبي هريرة وأبي سعيد معا فرواه مرة عن هذا ومرة عن هذا انتهى). وقال الشيخ بازمول في " المقترب" (ص:٤٢): (وكذا أخرج اضطراب الرواة في اسم الراوي ونسبه مع ثقته. وفي مثل هذا يقولون الاضطراب قد يجامع الصحة والحسن). وقال الشيخ العثيمين ﵀ في "شرح البيقونية" (ص/١٠٨): (وهناك شرط

стр. 38

ثالث وهو: ألا يكون الاضطراب في أصل المعنى، بأن يكون أمراً جانبيًّا. مثل: اختلاف الرواة في ثمن جمل جابر ﵁ واختلاف الرواة في حديث فضالة بن عبيد في ثمن القلادة التي فيها ذهب وخرز، هل اشتراها باثني عشر ديناراً، أو بأكثر من ذلك أو بأقل. فنقول: هذا الاختلاف لا يضر، لأنه لا يعود إلى أصل المعنى، وهو بيع الذهب بالذهب، لأنهم كلهم متفقون على أنها قلادة فيها ذهب وخرز، وكانت قد بيعت بدنانير، ولكن كم عدد هذه الدنانير؟ قد اختلف فيها الرواة، ولكن هذا الاختلاف لا يضر. وكذلك حديث جابر ﵁ فقد اتفق الرواة على أن الرسول ﷺ اشتراه، وأن جابراً اشترط أن يركبه إلى المدينة، ولكن اختلفوا في مقدار الثمن، فنقول: إن هذا الاختلاف لا يضر؛ لأنه لا يعود إلى أصل المعنى الذي سيق من أجله الحديث). - وعلى ذلك فيكون تعريف الحديث المضطرب هو: ما روى على أوجه مختلفة مؤثرة متساوية القوة ولا مرجح (١). وقال الحافظ: -[(وهو يقع في الإسناد غالبا، وقد يقع في المتن، لكن قل أن يحكم المحدّث على الحديث بالاضطراب بالنسبة إلى اختلاف في المتن دون الإسناد).]- ومعنى كلام الحافظ (٢) أن الاضطراب غالبا ما يقع في الإسناد، وأنه غالبا ما يقدح في المتن. وقد - ولاحظ أن قد تستعمل للتقليل - يقع الاضطراب في المتن فقط، وفي الغالب أن الاضطراب في المتن يكون ناتجا عن اضطراب في الإسناد. قال القاري في " شرح النخبة" (ص:٤٨١): ((وهو) أي الاضطراب، (يقع في الإسناد غالبا) ويلزم منه أن يكون الحديث ضعيفا، لإشعاره بأنه لم يضبط على ما ذكره الجزري، (وقد) للتقليل، (يقع في المتن) أي فقط. (لكن قل أن يحكم المحدث على الحديث بالاضطراب بالنسبة إلى الاختلاف في المتن دون الإسناد) استدراك عما يتوهم أنه يجوز أن يكون قليلا في نفسه، وكثيرا باعتبار حكم المحدث به، فاندفع ما قيل: إن التقليل يفهم من قوله: غالبا، وكذا من قد في قوله: وقد يقع في المتن، فلا يحسن استعماله). أمثلته: قال الشيخ بازمول في "المقترب" (ص/٥٢) ما ملخصه: (مثال مضطرب الإسناد: ما رواه أبو داود في سننه حدثنا مسدد حدثنا بشر بن المفضل حدثنا إسماعيل بن أمية حدثني أبو عمرو بن محمد أنه سمع جده حريثاً يحدث عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "إذا صلى أحدكم فليجعل تلقاء وجهه شيئاً فإن لم يجد فلينصب عصاً فإن لم يكن معه عصاً فليخطط خطاً ثم لا يضره ما مرّ أمامه". وهذا إسناد ضعيف فيه مجهولان: أبو عمرو بن محمد وجده حريث ووقع فيه اضطراب في سنده. فرواه الثوري عن إسماعيل بن أمية عن أبي محمد بن عمرو بن حريث عن جده عن أبي هريرة عنه به. فهنا قال (أبو محمد بن عمرو) وفي الذي قبله (أبو عمرو بن محمد). ورواه الثوري عن إسماعيل بن أمية عن أبي عمرو بن حريث عن أبيه عن أبي هريرة عنه به. فهنا قال: (أبو عمرو بن حريث) وفيما سبق (أبو عمرو بن محمد). وقال هنا (عن أبيه) وفيما سبق (عن جده). ورواه ابن جريج قال أخبرني إسماعيل بن أمية عن حريث بن عمار عن أبي هريرة عنه به. فهنا قال (عن حريث بن عمار) وفيما سبق (أبو عمرو بن حريث). فالاضطراب واقع في جهتين: الأولى: شيخ إسماعيل بن أمية: أ- أبو عمرو بن محمد. ب- أبو محمد بن عمرو. ج- أبو عمرو بن حُرَيْث - حُرَيْث بن عمّار. الثانية: شيخ شيخ إسماعيل بن أمية: أ- جده حريث. ب- جده عمرو بن حريث. ج- أبوه حُرَيْث. فالجهة الأولى غير مؤثرة؛ لأنه اختلاف في نسبه لا في حاله. أما الجهة الثانية فهي مؤثرة (٣). والحديث ذكره ابن الصلاح مثالاً للمضطرب، وحكم غير واحد من الحفاظ

стр. 39

باضطراب سنده. مثال مضطرب المتن: قال الترمذي: حدثنا محمد بن إسماعيل الواسطي قال سمعت ابن نمير عن أشعث بن سوار عن أبي الزبير عن جابر قال: كنا إذا حججنا مع النبي ﷺ فكنا نلبي عن النساء ونرمي عن الصبيان. وهذا إسناد ضعيف: فيه أشعث بن سوار ضعيف. وفيه عنعنة أبي الزبير وهو مدلس. وأعل باضطراب متنه. فرواه ابن أبي شيبة عن ابن نمير عن أشعث عن أبي الزبير عن جابر قال: حججنا مع رسول الله ﷺ ومعنا النساء والصبيان فلبينا عن الصبيان ورمينا عنهم". فهنا جعل (التلبية والرمي عن الصبيان) وفيما سبق (التلبية عن النساء والرمي عن الصبيان). والحديث أعله ابن القطان باضطراب متنه. مثال مضطرب السند والمتن: قال أبو داود في سننه: حدثنا أحمد بن صالح حدثنا عبد الله بن وهب أخبرني يونس عن ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة حدثه عن عمار بن ياسر أنه كان يحدث أنهم تمسحوا وهم مع رسول الله ﷺ بالصعيد لصلاة الفجر فضربوا بأكفهم الصعيد ثم مسحوا وجوههم مسحة واحدة ثم عادوا فضربوا بأكفهم الصعيد مرة أخرى فمسحوا بأيديهم كلها إلى المناكب والآباط من بطون أيديهم. وهذا إسناد ضعيف لأمرين: ١ - الانقطاع بين عبيد الله وعمّار. ٢ - الاضطراب في سنده ومتنه. فرواه عمرو بن دينار عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن أبيه عن عمّار بن ياسر قال: "تيممنا مع رسول الله ﷺ إلى المناكب". فهنا قال (عن أبيه)

стр. 40

وفي الأول لم يقل. ورواه صالح بن كيسان عن ابن شهاب الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس عن عمّار بن ياسر وفيه: (فقام المسلمون مع رسول الله ﷺ . فضربوا بأيديهم إلى الأرض. ثم رفعوا بأيدهم ولم يقضوا من التراب شيئاً. فمسحوا بها وجوههم وأيديهم إلى المناكب ... ). فهنا جعلها ضربة واحدة. وفيما سبق ضربتين. وقال ابن عبد البر: "أحاديث عمّار في التيمم كثيرة الاضطراب. وإن كان رواتها ثقات"اهـ). الإبدال عمدا في الحديث: -[قال الحافظ: (وقد يقع الإبدال عمدا امتحانا).]- وقال في "النزهة" (١/ ٢٢٨): (وقد (١) يقع الإبدال عمدا لمن يراد اختبار حفظه، امتحانا (٢) من فاعله، كما وقع للبخاري، والعقيلي (٣)، وغيرهما. وشرطه أن لا يستمر عليه، بل ينتهي بانتهاء الحاجة، فلو وقع الإبدال عمدا، لا لمصلحة، بل للإغراب (٤) مثلا، فهو
следующие страницы →