Полный текст (112 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
اعتقاد الفرق الضالة في أصحاب النبي ﷺ
الحمد لله وكفى، والصلاة والسلام على رسوله المصطفى، صلى الله عليه وعلى جميع أنبيائه ورسله.
وبعد: فهذا مجمل اعتقاد أهل السنة والجماعة فيما يتعلق بأصحاب النبي ﵊، لكن الأمر كما قال الشاعر: عرفت الشر لا للشر ولكن لتوقيه ومن لم يعرف الخير من الشر يقع فيه فلا بأس أن نعرج على عقيدة الفرق الضالة وبيان مذهبهم وموقفهم من أصحاب النبي ﵊.
стр. 37
عقيدة الشيعة في آل البيت والصحابة الكرام
الشيعة هم: الذين شايعوا علياً وشرفوه كتشريف النصارى عيسى بن مريم، وغالوا فيه جداً، وقالوا: إنه الإمام بعد رسول الله ﵊؛ فهم يرفضون إمامة أبي بكر وعمر وعثمان، ويقولون بأن النبي نص على إمامته نصاً جلياً، ثم افتروا لذلك نصوصاً تثبت أن الإمام من بعد النبي ﷺ هو علي بن أبي طالب ﵁، وهذه النصوص كلها كذب وافتراء، واعتقدوا كذلك أن الإمامة لا تخرج عنه وعن أولاده، وإن خرجت فبظلم من غيره، أي: بظلم من أبي بكر وعمر وعثمان أو بتقية من علي، يعني: هو يعلم أن الإمامة له، لكنه تنازل عنها إلى أبي بكر وعمر وعثمان.
ومن غلاة الشيعة فرقة تسمى السبئية، وهم أتباع عبد الله بن سبأ اليهودي الذي تظاهر بالإسلام ودس السم في العسل، وأفسد عقائد المسلمين في زمانه.
قالوا: علي هو الإله حقاً، وابن سبأ اليهودي هو أول من أظهر القول بوجوب إمامة علي ﵁، وقال: إنه لم يمت، وإنما قتل ابن ملجم شيطاناً تصور في صورة علي ﵁، قال: وإنه في السحاب الآن، والرعد صوته والبرق سوطه، وبعد ذلك ينزل علي إلى الأرض فيملؤلها عدلاً كما ملئت جوراً! ولذلك هم يقولون عند سماع الرعد: عليك السلام يا أمير المؤمنين! أرأيتم ضلالاً وفساداً أكثر من هذا؟! وأما الكاملية منهم وهم أتباع أبي كامل قالوا: كفر الصحابة بترك البيعة لـ علي، وكفر علي بترك طلب الحق، فلم ينج من ألسنتهم أحد لا علي ولا غيره.
وأما البيانية وهم أتباع بيان بن سمعان فقالوا بتناسخ الأرواح، وأن روح الله تعالى حلت في علي رضي الله تعالى عنه، حتى صار هو والإله سواء بسواء! وأما المغيرية فقالوا بأن الله عرض الأمانة، وفسروا الأمانة بمنع علي من الإمامة على السماوات والأرض والجبال، فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان، وقالوا الإنسان هنا هو: أبو بكر وعمر وعثمان، أي: حملها أبو بكر بأمر عمر حين ضمن له أن يعينه على ذلك بشرط أن يجعل الخلافة من بعده له.
انظروا إلى هذا الفساد! وأما المنصورية فقالوا بأن الجنة رجل.
لم يقولوا بأن الجنة حقيقة، قالوا: بل مصطلح الجنة، وكلمة الجنة التي وردت في الكتاب والسنة ما هي إلا عبارة عن رجل أمرنا بموالاته وهو الإمام، وأن النار رجل أمرنا بمعاداته وهو أبو بكر وعمر.
وأما الخطابية وهم أتباع أبي الخطاب الأسدي الهالك الضال، فقالوا: الأنبياء آلهة، وجعفر الصادق إله، وأبو الخطاب أفضل منه ومن علي.
كلام لا قيمة له ولا معنى.
وأما الذمية من فرق الشيعة فسموا بذلك؛ لأنهم ذموا محمداً ﵊ ومدحوا علياً ﵁، كالغرابية تماماً الذين قالوا: إن علياً أشبه بمحمد من الغراب بالغراب، والذباب بالذباب، وجبريل أخطأ وكان حقاً عليه أن ينزل بالوحي على علي، لكن لفرط الشبه بين علي ومحمد نزل الوحي على محمد.
فماذا قالت الذمية؟ قالوا: إن الله تعالى بعث محمداً ليدعو الناس إلى علي فدعاهم إلى نفسه، وقالوا بإلهية علي ﵁.
ومنهم من قال بإلهية الخمسة: محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين، فلما كان الضد لا يظهر حسنه إلا الضد قالوا: وضد هؤلاء الخمسة: أبو بكر وعمر وعثمان ومعاوية وعمرو بن العاص، وكفروا هؤلاء الخمسة! وأما الهشامية فقالوا بعصمة الأئمة دون الأنبياء، قالوا: لأن النبي يوحى إليه، والناس يتقربون إلى الله بما أخذوه عن أنبيائهم، وأما الأئمة فإنهم ليسوا كذلك؛ ولذلك تلزمهم العصمة -أي: عصمة السماء- خلافاً للأنبياء.
حجة أوهى من بيت العنكبوت.
يا إخواني هذا الكلام له أهميته؛ لأن الشيعة الآن يمثلهم قطاع عريض جداً من المسلمين، بل لهم دولة وصولة ونجدة، ولهم أئمة يقتدون بهم في بلاد فارس في إيران وغيرها، بل امتدت حبائل الشيعة إلى بلادنا هذه، فنحن لا نعدم أن يكون في هذا المسجد منهم أحد، بل أقسم بالله أن في المسجد الآن من الشيعة أناس أنا أعرفهم، وإنما أتوا باتفاق معي ليسمعوا هذا الكلام، وقد اتصلوا بي قبل مجيئي إلى هنا مباشرة، وقالوا: نحن نتصل بك من أمام مسجد الرحم
стр. 38
عقيدة الخوارج في الصحابة الكرام
أما الفرقة التي تقابل الشيعة ولهم موقف في غاية الخزي من صحابة النبي ﵊ فهم الخوارج، خلافاً للمعتزلة الذين جعلوا بعض الصحابة في منزلة بين المنزلتين، لكن الخوارج يمثلهم الناس في زماننا بجماعة التكفير والهجرة، وأقولها صراحة لله .
هذه الفرقة -وهم الخوارج ويمثلهم الآن جماعة التكفير والهجرة- قد أساءوا إلى الدين والإيمان والإسلام والمسلمين أعظم من إساءة اليهود والنصارى، وأعظم من إعمال القتل في رقاب المسلمين على طول التاريخ وعرضه، وهؤلاء تنطعوا غاية التنطع وجهلوا دين الله أعظم جهل، فإنا لله وإنا إليه راجعون، وإليه المرجع والمآب وعليه الاحتساب من كل من أساء إلى دين الله ، أو إلى عامة المسلمين.
وليس من عجيب أن تقول عائشة ﵂ لما قيل لها: إن ناساً يقعون في أعراض الصحابة حتى وقعوا في عرض أبي بكر وعمر، قالت: وهل في ذلك عجب؟! قوم قد انقطع عنهم العمل فأراد الله تعالى ألا يقطع عنهم الأجر، أي: هم مأجورون بوقيعة هؤلاء السفهاء في أعراضهم وهم أموات في قبورهم، فالخوارج وقفوا موقفاً في غاية الخزي والعار والشنار من أصحاب النبي ﵊.
فالمُحكِمة: هم الذين خرجوا على علي عند التحكيم وكفروه، وكفروا عثمان وأكثر الصحابة، وكفروا مرتكب الكبيرة كذلك.
والبيهسية منهم زادوا بقولهم: إذا كفر الإمام كفرت الرعية حاضراً أو غائباً، وهذا الذي يقوله الآن جماعة التكفير والهجرة، يقولون: الحكام كفرة وكذلك الشعوب؛ لأن الحاكم إذا كفر كفرت الرعية! وعندهم هذه الأمور مسلمات (١+١=٢)، وانتهت القضية على ذلك! أي علم هذا وأي دين هذا؟! هذا سفه وجنون في دين الله .
والأزارقة -وهم أتباع نافع بن الأزرق - كفروا مرتكب الكبيرة، وكفروا الصحابة عموماً، وكفروا علياً خصوصاً، وزعموا أنه هو الذي نزل في شأنه قول الله : ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾ [البقرة:٢٠٤]! هكذا زعموا، وقالوا: بأن ابن ملجم الذي قتل علياً كان محقاً في قتل علي ﵁، وهو الذي نزل فيه قول الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ﴾ [البقرة:٢٠٧]! وكذا الإباضية وهم أتباع عبد الله بن إباض وما أكثرهم في الأحياء القديمة في القاهرة، ولعل الكثير منكم يعرفهم، ويعرف مساجدهم وأنهم لا يسمحون قط بدخول أحد للصلاة معهم وخلفهم إلا أن يكون على معتقدهم، وهم ينطلقون في أحيائهم بشراء البيوت والمحلات حتى تصفو لهم هذه الأحياء؛ فلا يكون فيها غيرهم؛ فتكون دولاً داخل دولة واحدة.
أمور عجيبة تتم في بلاد الإسلام وعلى مرأى ومسمع من المسلمين حكاماً ومحكومين، وكأن لا أحد يعنيه الأمر.
قالت الإباضية: إن علياً هو الحيران في قول الله تعالى: ﴿كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا﴾ [الأنعام:٧١]، ويقولون: أصحابه الذين كانوا يدعونه إلى الهدى هم أهل النهروان.
وأما نحن أهل السنة والجماعة فنقول: نبرأ إلى الله من طريقة الشيعة والخوارج في آن واحد وكذلك طريقة المعتزلة، ونقول كما قال الشاعر: برئت من الخوارج لست منهم من الغزال منهم وابن باب ومن قوم إذا ذكروا علياً يردون السلام على السحاب اللهم اغفر لنا ذنوبنا، وإسرافنا في أمرنا وكل ذلك عندنا.
وصلى الله على نبينا محمد.
стр. 39
أصول أهل السنة والجماعة - وسطية الأمة
توسط أهل السنة والجماعة مأخوذ من توسط الأمة بين سائر الأمم، فإن الله سبحانه أكرمنا بنعمتين عظيمتين: نعمة الهداية إلى الإسلام، ونعمة العصمة من سبل أهل البدع والأهواء، فأهل السنة والجماعة وسط بين سائر الفرق الأخرى، كما أن الأمة الإسلامية في مجموعها ومعتقدها وأحكامها وتوحيدها وسط بين سائر الأمم الأخرى.
стр. 40
وسطية أهل السنة والجماعة بين فرق الأمة كوسطية الأمة بين سائر الأمم
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.
فموعدنا بمشيئة الله تعالى في هذه المحاضرة مع مواصلة الكلام عن خصائص أهل السنة والجماعة، وبعد أن مرت بنا محاضرات في بيان هذا الشأن، فموعدنا اليوم مع توسط أهل السنة والجماعة بين فرق الأمة، فإن هذه خاصية عظيمة جداً، وهي من أهم ما يميز أهل السنة والجماعة عن غيرهم من أصحاب الأهواء والبدع، لكن قبل الدخول في المطلوب لابد أن نقول: إن توسط أهل السنة والجماعة مأخوذ من توسط الأمة، فكما أن الأمة وسط بين سائر الملل والشرائع السابقة، فكذلك أهل السنة وسط في فرق الأمة؛ ولذلك قال أبو الأسود الدؤلي وميمون بن مهران وغير واحد من السلف: لا ندري أي النعمتين علينا أعظم: أن هدانا الله للإسلام أو عصمنا بالإسلام إلى سنة وسبيل، وحفظنا من اتباع الهوى.
هذا كلام في غاية النور، فإن السلف ﵃ تحيروا في نعم الله عليهم: أيها أعظم؟ فبعضهم يقول: أعظم نعمة هي الإسلام، والأمر كذلك ولاشك، ولكن الأقوى من ذلك: أن يعصمك الله تعالى في إسلامك من اتباع الهوى وركوب البدع، وأن يوفقك إلى الاستقامة على الصراط المستقيم والنهج القويم، هذه سعادة ما بعدها سعادة، وتوفيق وسداد ما بعده توفيق ولا سداد؛ ولذلك وجه سؤال إلى شيخ الإسلام ابن تيمية عليه رحمة الله في بيان توسط الأمة، وبيان توسط أهل السنة والجماعة في سائر الفرق الضالة، المأخوذ من قوله ﵊: (افترقت اليهود إلى إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى إلى ثنتين وسبعين فرقة، وستفترق هذه الأمة -أي: أمة النبي محمد ﵊ إلى ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة)، في رواية: (وهي الجماعة)، وفي رواية: (من كانوا مثل ما أنا عليه وأصحابي).
стр. 41
توسط أمة محمد بين سائر الأمم
فهذه الفرقة الناجية -وأخص منها الطائفة المنصورة- هم أهل السنة والجماعة، أما غيرهم فأهل الأهواء والبدع والضلال أعاذنا الله وإياكم، فالأمة في مجموعها وفي أصل معتقدها وفي أصل أحكامها وفي أصل توحيدها هي وسط بين أكثر من سبعين أمة سبقتها، فأجاب شيخ الإسلام ابن تيمية عليه رحمة الله بعد مقدمة لطيفة لبيان ما كانت عليه الأمم من قبل، وذلك في المجلد الثالث من مجموع الفتاوى.
حيث قال: (فإن الله بعث محمداً ﷺ بالهدى ودين الحق؛ ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيداً، وأنزل عليه الكتاب بالحق مصدقاً لما بين يديه من الكتاب ومهيمناً عليه، وأكمل له ولأمته الدين، وأتم عليهم النعمة وجعلهم خير أمة أخرجت للناس، فهم يوفون سبعين أمة هم خيرها وأكرمها على الله ، وجعلهم -أي: جعل الأمة في مجموعها- أمة وسطاً -أي: عدلاً خياراً- ولذلك جعلهم شهداء على الناس).
كما في قول الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة:١٤٣]، قال الله هذا الكلام بعد أن اعترض اليهود والمنافقون والسفهاء على تحويل القبلة من بيت المقدس إلى بيت الله الحرام، فقال سبحانه: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة:١٤٢].
ثم قال: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة:١٤٣].
قال: (ولذلك جعلهم شهداء على الناس، هداهم لما بعث به رسله جميعهم من الدين الذي شرعه لجميع خلقه، ثم خصهم بعد ذلك بما ميزهم به وفضلهم من الشرعة والمنهاج الذي جعله لهم).
ولذلك قال الله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة:٤٨]، فاختلاف الشرائع باختلاف الأنبياء، ومع كل نبي شريعة تخصه، أما الدين فهو واحد لا تبديل ولا تغيير فيه بين نبي وآخر.
قال: (مثل أصول الإيمان، وأعلاها وأفضلها هو توحيد الله ، وهو شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله).
الإيمان بها إيماناً جازماً، والقول بها قولاً بيناً، والعمل بمقتضاها على النحو الذي أمر الله ، وأمر به رسوله ﵊.
قال: (كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء:٢٥]، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل:٣٦]، وقال تعالى: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ [الزخرف:٤٥]، وقال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى﴾ [الشورى:١٣]، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ * وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾ [المؤمنون:٥١ - ٥٢]].
هذه الآية: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة:١٤٣] أي: عدولاً كما جاء في تفسير النبي ﵊ لما سئل عن الوسط قال: العدل، فهذه الأمة في مجموعها أمة عدل، ولذلك ارتضى الله لها -أي: كلفها- أن تشهد على الأمم من قبلها، ثم يكون الرسول ﵊ شهيداً على هذه الأمة.
قال: (ومثل الإيمان بجميع كتب الله وجميع رسل الله، كما قال تعالى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة:١٣٦]، ومثل قوله تعالى: ﴿وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ﴾ [الشورى:١٥]، ومثل قوله تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [البقرة:٢٨٥].
ومثل الإيمان بالله الإيمان باليوم الآخر وما فيه من الثواب والعقاب، كما أخبر عن إيمان من تقدم م
стр. 42
الشرائع التي شرعها الله لأمة محمد وميزها بها عن غيرها
قال: (ومثل أصول الشرائع كما ذكر الله تعالى في سورة الأنعام والأعراف وسبحان وغيرهن من السور المكية، من أمر الله تعالى لعباده بعبادته وحده لا شريك له، وأمره ببر الوالدين وصلة الأرحام والوفاء بالعهود، والعدل في المقال، وتوفية الميزان والمكيال، وإعطاء السائل والمحروم، وتحريم قتل النفس بغير الحق، وتحريم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، وتحريم الإثم والبغي بغير الحق، وتحريم الكلام في الدين بغير علم مع ما يدخل في التوحيد من إخلاص الدين لله تعالى، والتوكل على الله، والرجاء لرحمة الله، والخوف من الله، والصبر لحكم الله، والقيام لأمر الله، وأن يكون الله ورسوله أحب إلى العبد من أهله وماله والناس أجمعين إلى غير ذلك من أصول الإيمان التي أنزل الله ذكرها في مواضع من القرآن كالسور المكية وبعض السور المدنية.
وكذلك ما أنزل الله في السور المدنية من شرائع دينه، وما سنه الرسول ﵊ لأمته، فإن الله سبحانه أنزل عليه الكتاب والحكمة، وامتن على المؤمنين بذلك، وأمر أزواج نبيه بذكر ذلك، فقال: ﴿وَأَنزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ﴾ [النساء:١١٣]-أي: يا محمد- وقال تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [آل عمران:١٦٤]، وقال تعالى آمراً أزواج نبيه: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ﴾ [الأحزاب:٣٤]-أي: القرآن- ﴿وَالْحِكْمَةِ﴾ [الأحزاب:٣٤] أي: السنة النبوية؛ ولذلك قال حسان بن عطية: كان جبريل ﵇ ينزل على النبي ﷺ بالسنة كما ينزل عليه بالقرآن.
وقال النبي ﵊: (ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه، ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه، ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه)).
إجماع أهل السنة والجماعة أن المثلية هنا هي مثلية الوحي كتاباً وسنة، وهذه الشرائع التي هدى الله بها هذا النبي وأمته، مثل التوجه إلى القبلة والمنسك والمنهاج أي: الشريعة، وذلك مثل الصلوات الخمس في أوقاتها والقراءة والركوع والسجود واستقبال القبلة، كل ذلك أمرنا الله به في كتابه، كما أمرنا بذلك نبيه ﷺ .
قال: (ومثل فرائض الزكاة وأنصبتها التي فرضها الله في أموال المسلمين من الماشية والحبوب والثمار والتجارة والذهب والفضة، ومن جعلت له، حيث قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ﴾ [التوبة:٦٠] أي: الزكوات: ﴿لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة:٦٠].
ومثل صيام شهر رمضان، ومثل حج بيت الله الحرام، والحدود التي حدها الله تعالى لهم: في المناكح، والمواريث، والعقوبات، والمبايعات، ومثل السنن التي سنها الله تعالى لهم من الأعياد والجمعات والجماعات في المكتوبات، والجماعات في الكسوف والاستسقاء وصلاة الجنازة والتراويح).
كل هذا شرع الله تعالى تميزت به هذه الأمة عن غيرها من سائر الأمم.
قال: (وما سن لهم الرسول ﷺ في العادات، مثل: المطاعم، والملابس، والولادة، والموت، ونحو ذلك من السنن والآداب، والأحكام التي هي حكم الله ورسوله بينهم: في الدماء، والأموال، والأبضاع، والأعراض، والمنافع، والأبشار، وغير ذلك من الحدود والحقوق، إلى غير ذلك مما شرعه لهم على لسان رسوله ﷺ .
وحبب الله تعالى إليهم الإيمان وزينه في قلوبهم، فجعلهم متبعين لرسوله ﷺ ، وعصمهم أن يجتمعوا على ضلالة كما ضلت الأمم من قبلهم) -وهذه كذلك خاصية أخرى سنتعرض لها بإذن الله تعالى؛ أن الأمة في مجموعها معصومة، أما أفراداً أفراداً فليس أحد معصوماً إلا النبي ﷺ إذ كانت كل أمة إذا ضلت أرسل الله تعالى إليهم رسولاً، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل:٣٦]، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خلا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر:٢٤]-أي: رسول- ومحمد ﷺ خاتم الأنبياء لا نبي بعده، فعصم الله تعالى أمته أن تجتمع على ضلالة، وجعل فيها من تقوم به الحجة إلى يوم القيامة على سائر الخلق، ولهذا كان إجماعهم -أي: إجماع الأمة- حجة كما كان الكتاب والسنة حجة؛ ولهذا امتاز أهل الحق من هذه الأمة والسنة والجماعة عن أهل الباطل الذين يزعمون أنهم يتبعون الكتاب، ويعرضون عن سنة رسول الله ﷺ وعما م
стр. 43
المؤمنون وسط في أنبياء الله ورسله وعباده الصالحين
قال شيخ الإسلام ﵀: (والمسلمون وسط في أنبياء الله ورسله وعباده الصالحين، لم يغلوا فيهم كما غلت النصارى فاتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله ، كما اتخذوا المسيح ابن مريم إلهاً من دون الله: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة:٣١]-يعني: لم يغالوا في الأنبياء فيبلغوا مرتبة الإلهية- كما أن المسلمين لم يجفوا عنهم جفاء اليهود، الذين قتلوا الأنبياء بغير حق، والذين يقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس، وكلما جاءهم رسول بما لا تهوى أنفسهم استكبروا فقتلوا فريقاً وكذبوا آخر من أنبياء الله ورسله).
فالأمة وسط بين الغلاة -أي: بين الغلو والجفاء- فيما يتعلق بمعتقدهم في الأنبياء؛ يعتقدون أنهم بشر، وأن الله تعالى إله واحد لا إله غير ولا رب سواه.
كما زعمت النصارى أن عيسى إله، وزعموا أنه ابن الإله، وزعموا أنه ثالث ثلاثة، وكذلك قالت اليهود: عزير ابن الله، تعالى الله عن قولهم علواً كبيراً.
ولذلك: (أتى آت فهم بالسجود للنبي ﷺ وكان قد أتى من اليمن، فقال النبي ﷺ : ماذا تصنع؟ قال: يا رسول الله! أنت أحق بذلك، إنما رأيت الناس هناك يسجدون لبطارقتهم، فقال النبي ﵊: لا تفعل)، وقال ﵊: (لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم، إنما أنا عبد فقولوا: عبد الله ورسوله)، فهذا تقرير لعبودية النبي ﵊ لربه، وأنه ليس إلهاً، كما أن الله ﵎ أمر بإجلاله وتعظيمه وتوقيره وتعزيره، وألا نناديه كما ينادي أحدنا أخاه، بل أمر الله في أول الأمر أن من أراد أن ينادي رسول الله، فليقدم بين يديه صدقة، ثم نسخ الله تعالى ذلك، وأمرنا إذا ناديناه أن نقول: يا رسول الله! ولا نقول: يا محمد!
стр. 44
المؤمنون وسط فيما يتعلق بشرائع دين الله
قال شيخ الإسلام ﵀: (وكذلك المؤمنون وسط فيما يتعلق بشرائع دين الله، فلم يحرموا على الله أن ينسخ ما شاء ويمحو ما شاء ويثبت كما قالته اليهود، وكما حكى الله تعالى عنهم ذلك بقوله: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾ [البقرة:١٤٢]).
لو كانوا مسلمين حقاً لآمنوا بالتحويل، وما جعلها الله إلا ابتلاء لينظر من يؤمن ويسمع ويطيع، ممن ينقلب على عقبيه، وكان المنافقون واليهود أول من انقلب على عقبيه وأظهر الاعتراض على الله ، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ﴾ [البقرة:٩١].
قال: (ولا جوز المؤمنون لعلمائهم وعبادهم أن يغيروا دين الله كما فعلت النصارى).
ولذلك (دخل عدي بن حاتم على النبي ﷺ وهو يتلو: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة:٣١]، فقال عدي: يا رسول الله! ما عبدوهم؟ قال النبي ﵊: يا عدي! ألم يحرموا لهم الحلال ويحلوا لهم الحرام فاتبعوهم؟ قال: نعم.
قال: فتلك عبادتهم إياهم)، وهذا فيما يتعلق بالأحبار والرهبان، أي: علماء كل شرعة ومنهاج.
فلما أحلوا لهم ما لم يحله لهم الله تعالى ولا رسوله الذي بعث فيهم، وكذا فعلوا في الحلال أو في الحرام، فاتبعت الأمة علماءها ولم تتبع أنبياءها؛ فكان هذا ضرب من ضروب العبادة والربوبية لغير الله ، أما أمتنا فإنها ترد على أعلم أهل الأرض من أبناء المسلمين إذا حاد عن الطريق وإذا أخطأ.
لو أن أبا بكر الصديق ﵁ وهو أعظم رجل في الأمة بعد نبيها ﷺ قال قولاً لم يوافق الحق لوجب على الأمة أن ترد عليه، لا تعبده من دون الله، فهذه الأمة محروسة معصومة محفوظة بحفظ الله ﵎ لها، وهذا في مجموعها، ولا يمنع أن يخطئ مجتهد في اجتهاده، وهو مأجور أجراً واحداً، ومن أصاب فهو الأصل وله أجران.
стр. 45
المؤمنون وسط في باب الخلق والأمر والصفات
قال شيخ الإسلام ﵀: (والمؤمنون قالوا: (لله الخلق والأمر)، فكما لا يخلق غيره لا يأمر غيره).
أي: ليس لأحد حق الأمر إلا من كان له حق الخلق، فلما أجمعت الأمة أنه لا خالق إلا الله، فكذلك ليس لأحد أن يأمر وينهى إلا بأمر الله وأمر رسوله.
قال: (وقالوا: سمعنا وأطعنا فأطاعوا كل أمرٍ أمر الله به، وقالوا: إن الله يحكم ما يريد، أما المخلوق فليس له أن يبدل أمر الخالق تعالى ولو كان عظيماً.
وكذلك الأمة في صفات الله -وسط بين الأمم السابقة- فإن اليهود -عليهم لعنة الله- وصفوا الله تعالى بصفات المخلوق الناقصة، فقالوا: هو فقير ونحن أغنياء، وقالوا: يد الله مغلولة، وقالوا: إنه تعب من الخلق فاستراح يوم السبت!).
أي: تعب من خلق الكون فاستراح في اليوم السابع! تعالى الله عن قولهم علواً كبيراً، فإن الله لا يمسه نصب ولا تعب.
قال: (والنصارى وصفوا المخلوق بصفات الخالق المختصة به .
أما المؤمنون المسلمون فهم وسط بين هذا وذاك، فلم يصفوا الله تعالى بصفات النقص، بل أثبتوا له صفات الكمال والجلال على المعنى اللائق بالله تعالى، كما أنهم كذلك لم يعطوا أحداً من البشر ولو كان رسولاً أرسل من عند ربه أو نبياً شيئاً مما يجب صرفه لله ، كما أنهم كذلك لا يعطون لآحاد الأمة حقاً هو حق للرسول ﵊، فلكل حقه عند مجموع الأمة وعند أهل السنة والجماعة على جهة الخصوص.
قال: (والمؤمنون آمنوا بالله ليس له سمي ولا ند، ولم يكن له كفواً أحد، وليس كمثله شيء، فإنه رب العالمين وخالق كل شيء، وكل ما سواه عباد له فقراء إليه: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾ [مريم:٩٣ - ٩٥]].
стр. 46
المؤمنون وسط في باب الحلال والحرام
وكذلك في باب الحلال والحرام، فإن اليهود تنكبوا طريق الحلال والحرام، فارتكبوا الحرام وتركوا الحلال، وعلى العكس منهم فعل النصارى، ولكن هذه الأمة توسطوا في باب الحلال والحرام، فإنهم لم يحلوا شيئاً إلا أحله الله، ولم يحرموا شيئاً إلا حرمه الله؛ ولذلك أنزل الله تعالى عقوبته على اليهود والنصارى، ولم ينزلها على المؤمنين الموحدين.
قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: (فإن اليهود كما قال الله تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ [النساء:١٦٠]-كانت حلالاً، وبسبب ظلمهم حرمها الله تعالى عليهم- فلا يأكلون ذوات الظفر مثل: الإبل والبط، ولا شحم الثرب والكليتين ولا الجدي في لبن أمه إلى غير ذلك مما حرم الله تعالى عليهم من الطعام واللباس، حتى قيل: إن المحرمات عليهم ثلاثمائة وستون نوعاً، والواجب عليهم مائتان وثمانية وأربعون أمراً).
وكذلك شدد الله عليهم في النجاسات، فإذا أصاب ثوب أحدهم بول فلا يطهره الماء ولا التراب، إنما يلزمه أن يقرضه بالمقاريض، ويرميه ويلقيه على المزابل.
قال: (أما النصارى فاستحلوا الخبائث والمحرمات، وباشروا جميع النجاسات).
فالواحد منهم يصيب ثوبه البول والنجاسة، فيدخل الكنيسة فيصلي على هذا النحو.
أما نحن فإننا وسط في باب الحلال والحرام وفي باب النجاسات بين اليهود والنصارى، إذا أصاب ثوب أحدنا نجس أو خبث أزاله وغسله بالماء، ثم دخل في الوقوف بين يدي ربه لا حرج عليه، لم يؤمر بقرض الثوب بالمقراض، كما أننا كذلك لا تصح عبادتنا بهذه النجاسة، فإننا أمة طاهرة مطهرة بتطهير الله لها من الأرجاس والأدران.
стр. 47
المؤمنون وسط في باب القصاص
وكذلك القصاص شرط على اليهود لابد أن يفعلوه، لا يحل لصاحب المظلمة أن يتنازل، والتسامح شرط على النصارى لا يحل لأحدهم أن يأخذ قصاصاً ولا دية.
وأما نحن أمة الإسلام في مجموعها وفي كتاب ربها وسنة نبيها، فإنها مخيرة بين القصاص وبين الدية وبين العفو: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة:١٧٨]، وأما المؤمنون فكما نعتهم الله في قوله: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف:١٥٦]، فذنبك يا عبد الله مهما عظم شيء، ورحمة ربك وسعت كل شيء: ﴿فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف:١٥٦ - ١٥٧].
فلهذه الأمة من الدين أكمله، ومن الأخلاق أجلها، ومن الأعمال أفضلها، ووهبهم الله تعالى من العلم والحلم والعدل والإحسان ما لم يهبه لأمة من الأمم، فلذلك كانوا أمة وسطاً، وهذا بيان لوسطية الأمة في مجموع الأمم السبعين من قبلها، وقد رأيتم محاسن الدين فيما ذكرنا.
أسأل الله تعالى أن يغفر لي ولكم.
стр. 48
تفسير قوله تعالى: (وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس)
الحمد لله وكفى، والصلاة والسلام على رسوله المصطفى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
وبعد: في قول الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة:١٤٣] يقول ابن كثير رحمه الله تعالى: إنما حولناكم إلى قبلة إبراهيم ﵇، واخترناها لكم لنجعلكم خيار الأمم؛ ولتكونوا يوم القيامة شهداء على الأمم؛ لأن الجميع معترفون لكم بالفضل.
جميع الأمم يعترفون لأمة النبي ﷺ يوم القيامة بالفضل، ولما جعل الله هذه الأمة وسطاً خصها بأكمل الشرائع وأقوم المناهج وأوضح المذاهب، كما قال الله تعالى: ﴿هُوَ اجْتَبَاكُمْ﴾ [الحج:٧٨] أي: اصطفاكم من بين الخلق: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [الحج:٧٨].
قال الإمام أحمد: عن أبي سعيد الخدري: قال النبي ﷺ : (يدعى نوح يوم القيامة فيقال له: هل بلغت؟ فيقول: نعم يا رب، فيدعى قومه، فيقال لهم: هل بلغكم هذا؟ فيقولون: ما أتانا من نذير وما أتانا من أحد، فيقال لنوح: من يشهد لك؟ فيقول: محمد وأمته.
قال: فذلك قول الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة:١٤٣]، قال النبي ﷺ : والوسط: العدل، فتدعون فتشهدون له بالبلاغ، ثم أشهد عليكم) وكذلك رواه البخاري.
ومن طريق أبي سعيد: قال النبي ﵊: (يجيء النبي يوم القيامة ومعه الرجلان وأكثر من ذلك، فيدعى قومه فيقال لهم: هل بلغكم هذا؟ فيقولون: لا، فيقال له: هل بلغت قومك؟ فيقول: نعم.
فيقال: من يشهد لك؟ فيقول: محمد وأمته، فيدعى محمد وأمته، فيقال لهم: هل بلغ هذا قومه؟ فيقولون: نعم.
يا رب! فيقال: وما علمكم؟ فيقولون: جاءنا نبينا فأخبرنا أن الرسل قد بلغوا، فذلك قول الله : ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة:١٤٣]، قال: عدلاً).
عن جابر بن عبد الله الأنصاري: (شهد رسول الله ﷺ جنازة في بني مسلمة، وكنت إلى جانب رسول الله ﷺ ، فقال بعضهم: والله يا رسول الله! لنعم المرء كان -يعني: هذا الميت كان نعم المرء- لقد كان عفيفاً مسلماً وكان وكان وكان، وأثنوا عليه خيراً، فقال رسول الله ﷺ : أنت بم تقول -يعني: احذر أيها القائل! لأنك مرهون بقولك يوم القيامة- فقال الرجل: الله أعلم بالسرائر، فأما الذي بدا لنا منه فذاك يا رسول الله! فقال النبي ﷺ : وجبت، ثم شهد جنازة في بني حارثة، وكنت إلى جانب رسول الله ﷺ ، فقال بعضهم: يا رسول الله! بئس المرء كان، إن كان لفظاً غليظاً، فأثنوا عليه شراً، فقال النبي ﵊ لبعضهم: أنت بالذي تقول، فقال الرجل: الله أعلم بالسرائر، فأما الذي بدا لنا منه فذاك يا رسول الله! فقال رسول الله ﷺ : وجبت).
قال مصعب بن ثابت: فقال لنا عند ذلك محمد بن كعب: صدق رسول الله ﷺ ، ثم قرأ: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة:١٤٣].
وفي مسند أحمد من طريق أبي الأسود الدؤلي أنه قال: (أتيت المدينة فوافقتها وقد وقع بها مرض، فهم يموتون موتاً ذريعاً -أي: سريعاً كثيراً- فجلست إلى عمر بن الخطاب ﵁، فمرت به جنازة، فأثني على صاحبها خيراً فقال: وجبت، ثم مر بأخرى فأثني عليها شراً، فقال عمر: وجبت، فقال أبو الأسود: يا أمير المؤمنين! ما وجبت؟ قال: قلت كما قال رسول الله ﷺ : أيما مسلم شهد له أربعة بخير أدخله الله الجنة.
قال: فقلنا: وثلاثة؟ فقال: وثلاثة، فقلنا: واثنان؟ قال: واثنان، ثم لم نسأله عن الواحد)، وكذلك رواه البخاري والترمذي والنسائي.
وعن أبي بكر بن أبي زهير الثقفي عن أبيه قال: سمعت النبي ﷺ يقول: (يوشك أن تعلموا خياركم من شراركم، قالوا: يا رسول الله! بم؟ قال: بالثناء الحسن والثناء السيئ، أنتم شهداء الله في الأرض).
وعند مسلم من حديث أنس بنصه، وعند البخاري بمعناه: (
стр. 49
أصول أهل السنة والجماعة - عقيدتنا في الأسماء والصفات
مذهب أهل السنة والجماعة في أسماء الله وصفاته وسط بين التمثيل والتعطيل، فهم يثبتون ما أثبته الله لنفسه من أسماء وصفات، ويثبتون ما أثبته له رسوله ﷺ ، وينفون ما نفاه الله عن نفسه وما نفاه عنه رسوله ﷺ ، ولا يمثلون ذات الله وصفاته بذوات خلقه وصفاتهم، كما أن لأهل السنة والجماعة قواعد التزموها في أسماء الله وصفاته، تخرجهم من المذاهب الفاسدة التي ذهب إليها أهل الزيغ والضلال.
стр. 50
مذهب أهل السنة والجماعة في أسماء الله وصفاته
إن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، وما قل وكفى خير مما كثر وألهى، وإنما توعدون لآت وما أنتم بمعجزين، وما لم يكن يومئذ ديناً فليس اليوم بدين.
وكل خير في اتباع من سلف وكل شر في ابتداع من خلف قد كثر
السؤال
من هم أهل السنة والجماعة؟ أهل السنة هم: من تميزوا بكيت وكيت، فتلك عقائدهم، وهذه خصائصهم، وهي التي تميزهم عن غيرهم من سائر فرق الأمة، ولذلك لما تكلمنا عن خصائصهم واحدة بعد الأخرى، بلغنا إلى الكلام عن الوسطية، وقدمنا لوسطية أهل السنة والجماعة بوسطية الأمة عموماً في سائر الأمم، ووسطية الملة في سائر الملل، تمهيداً للكلام الطويل عن وسطية أهل السنة والجماعة بين سائر فرق الأمة التي استوجبت النار في قوله ﵊: (وستفترق أمتي إلى ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة)، فما استوجبت هذه الفرق نار الله الموقدة إلا بمخالفتها لخصائص أهل السنة وعقيدتهم ومعتقدهم في ربهم على جهة الخصوص، خاصة أسماء الله تعالى وصفاته، فلما خالفت هذه الفرق أهل السنة والجماعة في معتقدهم في ربهم وفي إلههم في أسمائه وصفاته استوجبوا في هذا الباب بالذات أن يدخلوا النار؛ ولذلك بين النبي ﵊ أن الفرقة الناجية ما استوجبت رحمة الله ولا جنته إلا بسيرها على منهاج النبوة الأول.
وقد سئل ﵊ عن الفرقة الناجية: (من هم يا رسول الله؟ قال: من كانوا على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي)، وفي رواية قال: (هم الجماعة، قيل: ومن هم؟ قال: من كانوا على مثل ما أنا عليه وأصحابي)، وهذا تزكية لمنهج النبي ﵊، كيف لا وهو أعلم الخلق بربه، كما أن الله تعالى أعلم بذاته، وكذلك خلفاؤه الراشدون ﵃، وكذا سائر أصحابه المرضيين هم أعلم الخلق بالله ، وبرسوله الكريم ﵊، كما أنهم كذلك أعلم الخلق بلسان العرب ومدلولات الألفاظ ومعاني النصوص، ولذلك لم يثبت أن واحداً منهم -تبعاً لنبيهم ﵊ قال: ما معنى ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح:١٠]، وما معنى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ [الفجر:٢٢]، وما معنى الساق، وما معنى العين، وما معنى الضحك، وما معنى الغضب، وما معنى الرضا، وما معنى السخط الذي هو ثابت لله ، ولكن الخلف من الجهمية والمعتزلة والأشعرية لم يرق لهم تلك النصوص، فذهبوا يحرفونها ويعطلونها، ومنهم من ذهب إلى تأويلها وصرف النص عن ظاهره، فكانوا بين فريقين: فريق ذهب يزعم أنه ينزه الله ﵎ عن الشبيه والمثيل والند والمكافئ، فقال بإلغاء جميع الصفات، وهذا هو الإلحاد في الأسماء والصفات، ولذلك قال الله تعالى: ﴿وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾ [الأعراف:١٨٠]، فالإلحاد هو: تعطيل اللفظ أن يجري على ظاهره، مع الإيمان الجازم به وتسليم الكيفية إلى الله ، وبعضهم إنما نفى ما عليه أهل التعطيل من الجهمية والمعتزلة، فذهب إلى التأويل، فقال: معنى اليد: النعمة، ومعنى العون: الرعاية، ومعنى الغضب: الرضا، ومعنى السخط غير ذلك، حتى صرفوا هذه النصوص - التي هي صفات ذات لله، أو صفات فعل لله عن ظاهرها، فكان منهم المعطل، وكان منهم المؤول؛ ولذلك قال ابن تيمية: من عطل فإنما يعبد عدماً، ومن مثل فإنما يعبد صنماً.
نعم.
الذي أثبت هذه الصفات على ظاهرها لله ، وقال: المراد منها: أن الله تعالى له يد كأيدينا، وله عين كأعيننا، وله ساق كسوقنا، وله من سائر الصفات الذاتية والفعلية ما لنا من صفات؛ فلا شك أنه ينتهي به المطاف إلى تشبيه الله تعالى برجل منا، فمن كان أمره وش
стр. 51
أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة في أسماء الله وصفاته
стр. 52
ذات الله وصفاته تختلف عن ذوات الخلق وصفاتهم
سئل مالك عليه رحمة الله، وسئل من قبله شيخه ربيعة الرأي، وهو إمام المدينة في زمانه كما سئلت من قبلهما أم سلمة زوج النبي ﷺ عن معنى قول الله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥].
قالت: الاستواء معلوم -فلا تفويض عند السلف في العلم- والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، هذه القاعدة الأصولية الاعتقادية سار عليها سلفنا رضي الله تعالى عنهم إلى يومنا هذا، وستبقى قاعدة أصلية لكل من انتهج منهج السلف إلى قيام الساعة، وهذا الذي يقال في صفة إنما يقال في جميع صفات الباري ﵎، فكيفية الصفة مجهولة لا يعلمها إلا الله ، أما العلم بها فإنه ثابت في كتاب الله وفي سنة الرسول ﵊ اللذين هما مصدرا كل خير مصدرا الاعتقاد والتشريع، ومصدرا الحكم والإيمان وحسن الاعتقاد، وليس هناك مصدر وحي غير الكتاب والسنة.
الكيف مجهول والعلم بالصفة معلوم يقيناً؛ لأنه قد ورد في كتاب الله، ومعنى: (معلوم يقيناً) في دلالات ألفاظ العرب، وإلا فكيف يخاطبنا الله ﵎ بألفاظ لا معنى لها معلومة عندنا، كيف يقول الله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]، ولا يدري المخاطب - النبي ﵊ ما معنى استوى؟ لابد أن لغة العرب فيها ما يشهد لمعاني الاستواء، فإذا كان الاستواء لله ، فهو العلو والارتفاع، ولذلك أطبق السلف رضي الله تعالى عنهم أن معنى ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾: علا وارتفع، وأن الله ﵎ ينزل إلى السماء الدنيا إذا انقضى ثلث الليل الآخر.
يقولون: نزول الله ﵎ إلى السماء الدنيا لا يستلزم خلو العرش منه، وهذا الذي وقع فيه المبتدعة؛ لأنهم قاسوا ما يلزم الخالق على المخلوق.
قالوا: نزولنا من مكان إلى مكان يستلزم خلو المكان الأول منا، فكذلك الله تعالى إذا نزل إلى السماء الدنيا فإنه ينزل من علو إلى سفل، ويخلو منه العرش! وهذا كلام في غاية البطلان والفساد، إنما الحق أن ما يلزم الله من أسماء وصفات لا يمكن قياسه على ما يلزم المخلوقين؛ وما ذلك إلا للأصل الأصيل، وهو أن ذات الله تعالى تختلف عن ذوات الخلق، فكذلك - لزوماً وتبعاً وتضمناً - تختلف صفاته عن صفات الخلق، فإذا قلت: إن إتياني ونزولي يستلزم خلو المكان الأول مني فإن ذلك ليس بلازم لله ، ولذلك أطبق السلف -لم يخالف واحد في ذلك- أن نزول الله تعالى إلى السماء الدنيا لا يخلو منه العرش، ومن تخيل أن نزول الله تعالى يستلزم خلو العرش منه؛ فإنما جعل في مخيلته صورة لله تشابه وتماثل وتكافئ صور المخلوقين، وهذا بلا شك كفر وإلحاد لا خلاف بين السلف على ذلك؛ ولذلك عصم الله ﵎ أهل السنة والجماعة بأن وضعوا أصولاً لأنفسهم ولمن أتى بعدهم، إذا سلكوها لم يضلوا ولم يتيهوا كما تاه غيرهم، من هؤلاء الذين تاهوا صاحب (جوهرة التوحيد) الذي يدرس إلى الآن في المعاهد الأزهرية باسم (السلفية والسنة)، وهو كلام في غاية الفساد والنكران.
قال صاحب الجوهرة: وكل نص أوجب التشبيها أوله أو فوض ورم تنزيهاً وهذا كلام باطل، كيف يجتمع التنزيه مع التفويض والتأويل؟ فتفويض العلم والمعنى إنما هو سبيل أهل الضلال والانحراف، وأهل السنة والجماعة لم يفوضوا إلا الكيفية فقط، أما تفويض العلم فليس من منهجهم، ولا من بنات أفكار مدرستهم، وكذلك تفويض المعنى، فإنهم يعلمون معاني الصفات، والفرق بينهم وبين غيرهم من أهل الضلال والانحراف في معرفة المعنى أنهم يثبتون المعنى لله على ما يليق بجماله وكماله.
نعم.
يقولون: الله تعالى له يد وله ساق وله عين وله وله، لكن على المعنى الذي يليق بذاته العلية ، فيده ليست كأيدينا، وعينه ليست كأعيننا، ونفسه ليست كأنفسنا، وغير ذلك من سائر الصفات، والله تعالى يغضب ليس كغضبنا، ويفرح ليس كفرحنا، ويجيء ليس كمجيئنا، ويأتي ليس كإتياننا، ويذهب ليس كذهابنا وغير ذلك من الثابت لله من أسماء وصفات.
وقد ثبت عنهم لما سئلوا عن هذه الصفات أنهم قالوا: أمروها كما جاءت، يعني: نحن نؤمن بها إيماناً جازماً، ونعلمها علماً يقيناً من واقع كلام الله تعالى وواقع كلام رسوله، كما أننا نعلم معناها لا تفويض في هذا ولا ذاك، ولكن أمروها أي: لا تخوضوا فيها بتأويل أو تعطيل أو تمثيل أو تكييف، وذلك لأن الكلام في الصفات فرع عن الكلام في الذات، فلما لم يكن بوسع أحد أن يتكلم في ذات الإله تعالى كذلك ينبغي ألا يكون في وسعه أن يتكلم في صفات الله تعالى، بل يجب عليه أن يؤمن بها وأن يمرها كما جاءت ولا يخوض فيها، هذا منهج أهل السنة والجماعة.
وللأسف الشديد كثير من طلاب العلم لا يعرف موقف سلف الأمة من صفات الباري ﵎، إذا سألته: ما معتقد أهل السنة والجماعة في صفات الله تعالى وأسمائه سكت ولم يعطك جواباً،
стр. 53
إثبات ما أثبته الله تعالى لنفسه وما أثبته له رسوله بلا تحريف ولا تعطيل ولا تمثيل ولا تكييف
والأصل الثاني: أن أهل السنة والجماعة أثبتوا لله تعالى ما أثبته لنفسه في كتابه، وما أثبته له رسوله ﵊ في صحيح سنته، من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تمثيل ولا تكييف، وعمدتهم في ذلك: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] نفياً وإثباتاً على المعنى اللائق بالله .
стр. 54
نفي أهل السنة والجماعة ما نفاه الله عن نفسه
الأصل الثالث: أنهم نفوا عن الله ما نفاه عن نفسه من السِّنة والنوم والتعب والكلام والملل وغير ذلك، مما لا يليق إلا بالمخلوقين؛ لأن هذه الصفات صفات نقص لا تليق إلا بالمخلوقين، أما الله ﵎ فإنه أهل لكل جمال وكمال.
стр. 55
الكف وعدم الخوض في إدراك حقيقة الكيفية لله تعالى وتفويض علم الكيفية إليه سبحانه
الأصل الرابع: أهل السنة والجماعة كفوا ولم يخوضوا في إدراك حقيقة الكيفية لله تعالى، وفوضوا علم الكيفية إلى الله ، كما قال الله تعالى: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه:١١٠]، مهما بلغوا من علم فإنهم لا يحيطون علماً بصفات الله تعالى وأسمائه؛ وذلك لأنهم لم يحيطوا بذاته، والكلام عن الصفات فرع عن الكلام في الذات، فمن أجاز لنفسه الكلام في ذات الله أجاز لنفسه الكلام من باب أولى في صفاته سبحانه، ولما امتنع الأول امتنع الثاني ولابد.
стр. 56
صفات الله تعالى توقيفية
الأصل الخامس: صفات الله تعالى توقيفية، أي: أننا لا نثبت لله إلا ما أثبته لنفسه، ولا ننفي عنه إلا ما نفاه نصاً عن نفسه، كما أننا ننفي عنه جميع صفات النقص التي لا تليق إلا بالمخلوقين، كذلك لا نثبت لله إلا ما أثبته له رسوله، ولا ننفي عنه إلا ما نفاه عنه رسوله وسائر صفات النقص التي لا تليق إلا بالمخلوقين.
стр. 57
اعتقاد ثبوت كمال الضد لله تعالى
الأصل السادس: منهج السلف في نفي النقص عن الله اعتقادهم ثبوت كمال الضد، إذا أثبتنا أن الله تعالى لا يظلم يلزم من ذلك أن نثبت له كمال العدل؛ لأن العدل هو المقابل للظلم، فإذا كان الله تعالى لا يظلم فإنه متصف بكمال العدل، إذا كان الله تعالى لا يتصف بالسِّنة والنوم، فلابد أن نثبت الضد وهو كمال الحياة والقيومية لله .
فنفي صفات النقص تستلزم ثبوت كمال الضد لله ، وهذه طريقة السلف رضي الله تعالى عنهم.
стр. 58
الاتفاق على مراعاة الألفاظ الواردة في صفات الله وأسمائه
الأصل السابع: اتفاقهم على مراعاة الألفاظ الواردة في صفات الله وأسمائه دون التزيد عليها، خلافاً لأهل البدع، لما أرادوا بزعمهم أن ينزهوا الله ، قالوا: ننفي عن الله الجهة والجسم والحيز والحد والحركة والانتقال وغير ذلك! هذا كلام عظيم جداً، لو أن واحداً من السلف سمعه لخر ميتاً؛ لأن هذه المصطلحات في جنب الله لم يتداولها أحد منهم، ولذلك هل الذي يقول بهذا يزعم أنه ينزه الباري ﵎، هل يجرؤ أن يدخل على ملك من ملوك الدنيا أو رئيس أو زعيم من زعمائها ورؤسائها، فيقول: لست كلباً ولا حماراً ولا خنزيراً، هل يستطيع أن يقول له ذلك؟ لا يمكن وإلا قام فقتله بغير تردد، فكذلك الله تعالى يوصف ابتداء بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله ﷺ ، ويمسك اللسان عن ذكر مصطلحات وألفاظ لم يعرفها السلف.
стр. 59
صفات الله تعالى كلها صفات كمال وجلال لا نقص فيها بوجه من الوجوه
وأصل من الأصول: صفات الله تعالى كلها صفات كمال وجلال لا نقص فيها بوجه من الوجوه، وصفاته سبحانه إما ذاتية كاليد والعين والساق والرجل والأصابع وغيرها، فكل هذا ثابت في الكتاب والسنة بأسانيد صحيحة، لكن لا مجال الآن لسردها، وقد سردناها في هذا المكان في دروس الاعتقاد مراراً وتكراراً، إيماناً منا بأن هذا الباب هو أعظم باب يمكن أن يهتم به المسلم.
كذلك من صفات الله صفات فعلية متعلقة بفعله سبحانه إن شاء فعل وإن شاء لم يفعل، منها الإتيان والمجيء والنزول والاستواء والغضب والضحك والرضا والسخط وغيرها، وصفاته كما قلنا متعلقة بأفعاله، وأفعاله لا منتهى لها سبحانه؛ ولذلك قال تعالى: ﴿وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم:٢٧]، وقال سبحانه: ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢٣]، وقال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ [البقرة:٢٥٣]، وقال تعالى: ﴿اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ [آل عمران:٤٠].
حدثت مناظرة في زمن العباسيين.
قال أبو عبد الله الرباطي حضرت يوماً مجلس الأمير عبد الله بن طاهر أمير خراسان، وحضر هذا المجلس إسحاق بن راهويه من أهل السنة والجماعة، فسئل ابن راهويه عن حديث النزول أي: (أن الله تعالى ينزل إلى السماء الدنيا إذا انقضى ثلث الليل الأول، إذا بقي ثلث الليل الآخر) كما في روايتين فسئل عنه: أصحيح هو يا أبا يعقوب؟! قال: نعم.
قيل له: يا أبا يعقوب! أتزعم أن الله تعالى ينزل كل ليلة؟ قال: نعم.
قال: كيف ينزل؟ قال: أثبته أنت فوق أولاً حتى أثبت لك النزول، فقال له رجل: أثبته فوق، فقال له إسحاق: قال الله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر:٢٢]، قال الأمير عبد الله بن طاهر: هذا يوم القيامة، يعني: مجيء الله تعالى ثابت يوم القيامة، فقال إسحاق: أعز الله الأمير ومن يجيء يوم القيامة من يمنعه اليوم؟ انظروا إلى هذا النور الإيماني الرباني الذي يزينه الله تعالى في قلوب عباده الصالحين! وعند الترمذي قال: سمعت إسحاق بن راهويه يقول: اجتمعت الجهمية إلى عبد الله بن طاهر يوماً فقالوا له: أيها الأمير! إنك تقدم إسحاق - أي: ابن راهويه - وتكرمه وتعظمه، وهو كافر يزعم أن الله ينزل إلى السماء الدنيا كل ليلة ولا يخلو منه العرش.
وهذا محض افتراء؛ لأن إسحاق لم يقل بأن العرش يخلو من الرحمن، فغضب عبد الله بن طاهر، وبعث إلي، فدخلت وسلمت فلم يرد علي السلام، لأن هؤلاء الملاحدة قالوا: إنه كافر.
قال: ولم يستجلسني أي: ولم يأذن لي بالجلوس على عادة الجبابرة والظلمة أنهم لا يأذنون لأهل العلم والإيمان بالجلوس، ويدعونهم وقوفاً، ثم رفع عبد الله بن طاهر رأسه وقال لي: ويلك يا إسحاق! ما يقول هؤلاء؟ قال: قلت: لا أدري، قال: تزعم أن الله ينزل إلى السماء الدنيا في كل ليلة ولا يخلو منه العرش؟ فقال: أيها الأمير! لست أنا قلته قاله النبي ﵊ فيما حدثنا أبو بكر بن عياش عن إسحاق عن الأغر بن مسلم أنه قال: أشهد على أبي بكر وأبي سعيد أنهما شهدا على رسول الله ﵊ أنه قال: (ينزل الله إلى سماء الدنيا كل ليلة فيقول: من يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له) إلى آخر الحديث، قال: فلما ذكرت له النبي ﵊ وأنه قائل ذلك سكن غضبه، ثم قال لي: اجلس.
فجلست، فقلت: مرهم أيها الأمير! يناظروني، فقال الأمير لهؤلاء الجهمية: ناظروه.
فقلت لهم: يستطيع أن ينزل ولا يخلو منه العرش، أم لا يستطيع؟ قال: فسكتوا وأطرقوا رءوسهم، فقلت: أيها الأمير! مرهم أن يجيبوا، فسكتوا، فقال: ويحك يا إسحاق! ماذا سألتهم؟ قلت: أيها الأمير! قل لهم: هل يستطيع الله تعالى أن ينزل إلى السماء الدنيا ولا يخلو منه العرش أم لا؟ فقال: فأيش هذا يا أبا يعقوب؟! قلت: إن زعموا أن الله لا يستطيع أن ينزل إلا أن يخلو منه العرش فقد زعموا أن الله عاجز مثلي ومثلهم وقد كفروا، وإن زعموا أنه لا يستطيع أن ينزل ولا يخلو منه العرش فهو ينزل إلى السماء الدنيا كيف يشاء ولا يخلو منه المكان، فانقطعت حجة الجهمية وثبت نور الإيمان في هذا المجلس الذي تحرش لأهل الإيمان فيه أهل البدعة والضلال، وهكذا غير مناظرة في باب أسماء الله وصفاته، ولكن المقام لا يسمح بسردها.
стр. 60
الكلام في الصفات كالكلام في الذات والقول في بعض الصفات كالقول في البعض الآخر
ومن أصول أهل السنة والجماعة كذلك في معتقدهم: أن الكلام في الصفات كالكلام في الذات، فكما أننا نثبت لله تعالى ذاتاً حقيقية لا نعلم كيفيتها، فلابد أن نعتقد كذلك أن هذه الذات متصفة بصفات حقيقية لا مجازية تليق بهذه الذات العلية، ونحن لا نعلم كيفيتها.
وكذلك من منهجهم: أن القول في بعض الصفات كالقول في البعض الآخر، وهذا الكلام يرد به على الأشاعرة الذين أثبتوا بعض الصفات ونفوا البعض الآخر، كما أن الأصل السابق وهو أن الكلام في الصفات فرع عن الذات رد على الجهمية الذين أثبتوا الذات ونفوا الصفات، وكذلك أسماء الله تعالى لا حصر لها، كما قال النبي ﵊: (اللهم إني أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحداً من خلقك، أو استأثرت -وهذا الشاهد- أو استأثرت به في علم الغيب عندك)، وكل اسم لا محالة يدل على صفة، فإذا كانت أسماء الله تعالى لا تقع تحت حصر، فكذلك صفاته من باب اللازم؛ لأن كل اسم يدل على صفة، والسلف ﵃ لا يخوضون في صفات الله تعالى بالتشبيه والتمثيل ولا بالتحريف والتعطيل حملاً للألفاظ على ما يجوز لها في اللغة، ولكن يحملون هذه الآيات والأحاديث الواردة في أسماء الله وصفاته على ما يليق بجماله وكماله شرعاً ومعنى.
стр. 61
ما من شيئين إلا وبينهما قدر مشترك وقدر فارق
والسلف كذلك يعتقدون أنه ما من شيئين إلا وبينهما قدر مشترك وقدر فارق، فالله تعالى له اليد ولي يد، فالقدر المشترك بيني وبين الله في الاسم فقط، والقدر الفارق هو في حقيقة وماهية وكيفية هذه اليد، هذا ثابت في صفات المخلوقين، بل في صفات المخلوق الواحد أحياناً، فأنت لا تجد يده اليمنى كيده اليسرى، فكيف تجعلون يد المخلوق عموماً كيد الخالق خاصة، كيف ذلك؟ لابد أن يكون بين كل شيئين قدر فارق وقدر مشترك، وكذلك الله تعالى له ذات وأنت ذات، لكن الاتفاق في مطلق الاسم، وأما في الحقيقة والكيفية فذات الله تختلف عن ذوات المخلوقين والعكس بالعكس، والله تعالى له صورة ولك صورة، والاتفاق في الاسم والاختلاف في الكيفية والحقيقة، وهكذا ما من شيئين إلا وبينهما قدر مشترك أي: في مطلق الاسم وبينهما كذلك قدر فارق، فإذا كان هذا في المخلوقين فهو بين الخالق والمخلوق من باب أولى.
هذه بعض الأصول التي سلكها سلفنا ﵃ فيما يتعلق بأسماء الله وصفاته، ولذلك مذهب السلف في أصول الدين وسط بين التمثيل والتعطيل، كما أن هذه الأمة وسط بين الأمم كلها، فهم لا يمثلون صفات الله بصفات خلقه، كما لا يمثلون ذات الله بذوات خلقه، ولا ينفون عنه ما وصف به نفسه ووصفه به رسوله ﷺ ؛ فيعطلوا أسماءه الحسنى وصفاته العليا ويحرفوا الكلم عن مواضعه، ويلحدوا في أسماء الله وآياته، فهم وسط بين هؤلاء وهؤلاء، ويعتقدون أن كل ممثل معطل، وأن كل معطل ممثل؛ لأنهم لم يفهموا أسماء الله وصفاته إلا ما يفهمون من أسماء وصفات المخلوقين؛ ولذا قال شيخ الإسلام: الممثل يعبد صنماً، والمعطل يعبد عدماً.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.
стр. 62
قواعد التزمها أهل السنة والجماعة في أسماء الله وصفاته
الحمد لله وكفى، والصلاة والسلام على عباده الذين اصطفى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
قواعد كذلك التزمها أهل السنة والجماعة حتى لا تزل أقدامهم كما زلت أقدام أهل البدع والضلال.
стр. 63
الإثبات المفصل أو المجمل في كل صفة كما ورد بها القرآن الكريم
القاعدة الأولى: الإثبات المفصل أو المجمل في كل صفة كما ورد بها القرآن الكريم في قول الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف:١٨٠]، وفي قوله: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَّا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الإسراء:١١٠].
стр. 64
التنزيه وعدم التكييف والتشبيه
القاعدة الثانية: التنزيه وعدم التكييف والتشبيه، أهل السنة والجماعة يعتقدون أن إثبات الصفة لله على ما يليق به هو التنزيه الحق، خلافاً للجهمية المعطلة الذين زعموا أن التنزيه إنما هو التعطيل وتحريف الكلم عن مواضعه؛ ولذلك قال الله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]، ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُون َ﴾ [الصافات:١٨٠]، وقال تعالى: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء:٣٦].
стр. 65
عدم التأويل المفضي إلى التعطيل
القاعدة الثالثة: عدم التأويل المفضي إلى التعطيل، ويتحقق هذا في قوله تعالى: ﴿وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف:١٨٠]، والتعطيل إلحاد في أسماء الله وصفاته.
стр. 66
العلم بالله والمعرفة به من خلال صفاته
القاعدة الرابعة: العلم بالله تعالى والمعرفة به من خلال صفاته، لا من خلال الاجتهاد، ويتحقق هذا في قول الله تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ [ص:٢٩].
فالدعامة الأولى تضمنت الإيمان بكل صفة لله تعالى، والثانية تضمنت تنزيه الله تعالى بإثبات صفاته وعدم مشابهتها لصفات الخلق، والثالثة تضمنت إثبات كل صفة على الحقيقة، كما ورد بها النص من غير صرف لها إلى معنى آخر غير الظاهر منها، والرابعة: تضمنت أن السلف كانوا يعلمون معاني الصفات، ولم يفوضوا فيها، ويفرقون بينها بحسب ما دلت عليه مما تعرفه العرب من لسانها، فالعلم غير الحياة، والإتيان غير الاستواء على العرش، واليد غير الوجه، فلما خاطبنا الله تعالى بذلك كله علمنا معاني هذه الصفات، وفي هذا إبطال لقول الملحدين في أسماء الله وصفاته في حكايتهم عن مذهب السلف كما حكى صاحب جوهرة التوحيد، وزعم أن السلف مذهبهم التفويض، كذب ورب الكعبة، وهذا القول من أكذب ما ينسب إلى السلف.
стр. 67
رجوع بعض أئمة الكلام إلى منهج أهل السنة والجماعة
إن كثيراً من أئمة الكلام الذين تأثروا بفلسفة الغرب ومذهب المتكلمين منهم من خدم دين الله ، كما أن الله تعالى منَّ على بعضهم بأن ترك مذهبه الفاسد في صفات الله ، ورجع إلى عقيدة وكلام أهل السنة والجماعة أخيراً، منهم فخر الدين الرازي إمام كبير مشهور، وكان من أئمة الاعتزال، وكان ممن يؤول الكلم عن مواضعه.
قال في توبته: نهاية إقدام العقول عقال وأكثر سعي العالمين ضلال فأرواحنا في وحشة من جسومنا وحاصل دنيانا أذى ووبال ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا سوى أن جمعنا فيه قيل وقالوا لماذا؟ لأنه قضى حياته كلها في جمع أقوال من سبقوه من أهل الكلام، وترك النص جانباً؛ لأنه اعتقد أن هذا النص ليس مراداً على ظاهره؛ ولذلك بانت حسرته وندامته في هذه الأبيات التي كتبها.
ثم قال: لقد تأملت الطرق الكلامية والمناهج الفلسفية، فما رأيتها تشفي عليلاً ولا تروي غليلاً، ورأيت أقرب الطرق طريقة القرآن، فقال: اقرأ في الإثبات، -أي: في باب إثبات الصفات- قول الله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]، ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر:١٠] أي: للدلالة على العلو والارتفاع: ﴿وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر:١٠]، واقرأ في النفي: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١]، واقرأ فيه كذلك: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه:١١٠]، واقرأ فيه كذلك: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم:٦٥]، ثم قال: ومن جرب مثل تجربتي عرف مثل معرفتي.
وقد صرح غير واحد من الخلف بعودتهم إلى مذهب السلف كـ أبي الحسن الأشعري الذي انخلع من أشعريته وتأويله وصرفه النص عن ظاهره، وقال: إنما أنخلع من عقيدتي ومما قلت آنفاً، كما ينخلع هذا السيف من غمده، وأقول بقول أحمد - أي: وأقول بقول أحمد بن حنبل - فأنا على عقيدته، فصنف بعد ذلك كتباً في عقيدة أهل السنة على رأسها كتاب له اسمه الإبانة في أصول الديانة؛ ليثبت رجوعه إلى عقيدة أهل السنة والجماعة وإلى انتهاج مذهب أحمد بن حنبل في أسماء الله وصفاته وغير ذلك.
وكذلك أبو المعالي الجويني والشهرستاني وغيرهم رجعوا عن أقوالهم.
قال الجويني: يا أصحابنا! لا تشتغلوا بالكلام، فلو عرفت أن الكلام يبلغ بي ما بلغ ما اشتغلت به.
أي: لا تشتغل بالفلسفة ولا تحكم بالعقل؛ لأن سبب انحراف أهل الضلال في باب الأسماء والصفات أمور: منها: أنهم جعلوا العقل حاكماً على النقل، فقدموا العقل على النقل فضلوا؛ لأن العقول قاصرة عن إدراك حقيقة الذات، وبالتالي فهي قاصرة عن إدراك حقيقة الصفة، فلما حكموا عقولهم وجعلوا النص تابعاً للعقل زلت أقدامهم بعد ثبوتها إن كانت ثابتة.
الأمر الثاني: أنهم جهلوا طريقة السلف وافتروا عليهم بنسبة التفويض إليهم، وهذا منكر وضلال، جمع بين الجهل والكذب والافتراء.
فقال هنا: ولو علمت أن الكلام يبلغ بي ما بلغ ما اشتغلت به، وقال عند موته: لقد خضت البحر الخضم، وخليت أهل الإسلام وعلومهم، أي: تركت علماء السنة وما قالوا به، ودخلت في الذي نهوني عنه، والآن فإن لم يتداركني ربي برحمته فالويل لـ ابن الجويني، وهأنذا أموت على عقيدة أمي! بعد هذا العمر الطويل في الكلام وفي الفلسفة وغيرها، يموت على عقيدة أمه التي لا تعرف شيئاً، فعقيدتها في الله وافقت بفطرتها ما جاء في كتاب الله وفي سنة النبي ﵊.
وقال الشهرستاني: لعمري لقد طفت المعاهد كلها وسيرت طرفي بين تلك المعالم فلم أر إلا واضعاً كف حائر على ذقن أو قارعاً سن نادم ثم قال: فلم أجد عند الفلاسفة والمتكلمين إلا الحيرة والندم.
قال الشافعي: حكمي في أهل الكلام أن يضربوا بالجريد والنعال، ويطاف بهم في القبائل والعشائر، ويقال: هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة وأقبل على الكلام والفلسفة.
وقال أيضاً: لقد اطلعت من أهل الكلام على شيء ما ظننت أن مسلماً يقوله، ولأن يبتلى العقل بكل ما نهى الله عنه ما خلا الشرك بالله خير له من أن يبتلى بالكلام.
هذا ملخص وجيز جداً لوسطية أهل السنة والجماعة بين فرق الأمة فيما يتعلق بأسماء الله تعالى وصفاته، سطر ذلك لنا شيخ الإسلام ابن القيم في نونيته وقال: والأول التنزيه للرحمن عن وصف العيوب وكل ذي نقصان كالموت والإعياء والتعب الذي ينفي اقتدار الخالق المنان والنوم والسنة التي هي أصله وعزوب شيء عنه في الأكوان وكذلك العبث الذي تنفيه حكمتـ ـه وحمد الله ذي الاتقان وكذاك ترك الخلق إهمالاً سدى لا يبعثون إلى معادٍ ثان كلا ولا أمر ولا نهي عليـ ـهم من إله قادر ديان وكذاك ظلم عباده وهو الغني فما له والظلم للإنسان وكذاك غفلته تعالى وهو علا م الغيوب فظاهر البطلان وكذلك النس
стр. 68
أصول أهل السنة والجماعة - عقيدتنا في القضاء والقدر
الإيمان بالقدر ركن من أركان الإيمان لا يتم إيمان العبد إلا به، واعتقاد أهل السنة والجماعة في القضاء والقدر اعتقاد وسط ينجو المرء به من البدع والضلالات، فالعبد له إرادة ومشيئة مندرجة تحت إرادة الله ومشيئته، دل على ذلك الكتاب والسنة وإجماع الصحابة والتابعين، وبذلك يتميز أهل السنة والجماعة عن الفرق الضالة كالجبرية الذين نفوا عن العبد الاختيار مطلقاً، أو القدرية الذين أنكروا القدر مطلقاً.
стр. 69
وسطية أهل السنة والجماعة في الاعتقاد في القضاء والقدر
إن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
ما زال الكلام موصولاً عن وسطية أهل السنة والجماعة بين فرق الأمة، وتناولنا طرفاً من هذه الوسطية في الخطب الماضية، واليوم بمشيئة الله تعالى موعدنا مع وسطية أهل السنة والجماعة فيما يتعلق بأفعال الله ، وهو المعروف في لسان الشرع بالقدر، والقدر غالت فيه فرق، كما فرطت فيه فرق، فبعضهم آمن بالقدر، لكنه غالى فيه أيما غلو، حتى نفى الإرادة والمشيئة التي أثبتها الله تعالى لعبده.
فقال: العبد مجبور مقهور على أفعاله لا علاقة له بها، وهؤلاء يلزمهم أن يقولوا: إذا كان هذا العبد مقهوراً على فعله، فمن الظلم البين أن يحاسبه الله على أفعاله؛ لأن الفاعل الحقيقي هو الله ، فلم يعذبهم إذاً؟ هذه نتيجة لابد من الوصول إليها مع أصحاب هذا المذهب، وهؤلاء هم المعروفون بالجبرية، قالوا: العبد مجبور على أفعاله ولا علاقة له بما يتعاطاه من أعمال وأفعال.
وعلى الطرف المقابل فريق هم أضل من هؤلاء أسماهم العلماء بالقدرية، هؤلاء قالوا: لا علاقة ألبتة لله بفعل العبد، فالعبد مخير اختياراً مطلقاً في أفعاله، ولا علاقة لله من جهة المشيئة ولا الإرادة بفعل هذا العبد! ولذلك هؤلاء يلزمهم أن يقولوا -بل هم قد قالوا حقاً-: إن الله لا يعلم أفعال العباد إلا بعد أن تكون! فنفوا عن الله صفة من صفاته الأزلية، وهي صفة العلم، وصفة الإرادة والمشيئة كذلك.
أما أهل السنة والجماعة فهم وسط بين الفريقين، حيث قالوا: العبد له إرادة ومشيئة والله له إرادة ومشيئة، ومشيئة العبد وإرادته مندرجة تحت مشيئة الله ، مستشهدين في ذلك بآيات من كتاب الله ، وبأحاديث من سنة النبي ﵊ كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير:٢٩]، فأثبت الله تعالى في هذه الآية مشيئة للعبد ومشيئة له ، لكن مشيئة العبد مندرجة تحت مشيئة الله ، وأن الله تعالى هو الذي خلق في العبد القوة والإرادة والمشيئة، فالعبد أحياناً يقوى على الشيء لكنه لا يريده، كما أنه يريد الشيء أحياناً لكنه لا يقوى عليه، حتى يخلق الله فيه الإرادة والقوة والمشيئة، فإذا توفر ذلك في العبد -أي: خلق ذلك كله في العبد- أراد العبد الشيء بإرادة الله، وباشر العمل بخلق الله .
فالأعمال كلها مخلوقة لله ، والإرادة من الأعمال، والقوة من الأعمال، والمشيئة من الأعمال، فالأعمال كلها مخلوقة لله، كما قال النبي ﵊: (إن الله تعالى خالق كل صانع وصنعته)، فهذا باب عظيم جداً من أبواب الإيمان ثبتت فيه أقدام أهل السنة والجماعة، وزلت فيه أقدام أهل البدع والضلالة، فمنهم من غالى أيما غلو في إثبات مشيئة العبد على فعله، ومنهم من نفى مشيئة العبد مطلقاً، ولكن أهل السنة والجماعة توسطوا بين هؤلاء وبين هؤلاء.
стр. 70
أهمية الإيمان بالقدر
الإيمان القدر من واجبات الإسلام، بل هو من أوجب واجبات الإيمان بعد الإيمان بالله ورسوله؛ ولذلك لما أتى جبريل إلى النبي ﵊ يسأله عن الإيمان قال: (أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وأن تؤمن بالقدر)، أفرد هذا بجملة مستأنفة.
قال: (وأن تؤمن بالقدر خيره وشره)، أي: أن يؤمن العبد أن الخير من عند الله، وأن الشر كذلك من عند الله .
لكن لنا وقفة مع قولنا: والشر من عند الله ؛ لأن هذا أمر مشكل، خاصة مع قول النبي ﵊: (والشر ليس إليك)، وفي هذا بيان أن الشر المحض الذي لا خير فيه لا يكون من فعل الله ، ولا من قدره، إنما هو من مقدورات الله ، فهنا فرق بين القدر والمقدور، فالقدر كله خير، والله شاء وقوع الزنا وشرب الخمر والقتل وغير ذلك من سائر المعاصي والمنكرات والذنوب، وإن كان الله تعالى لا يحب ذلك ولا يرضاه لعباده، بل نهاهم عنه، وأمرهم بالخير والطاعة والمعروف، ولكن كثيراً من العباد تنكبوا طريق الطاعة، ووقعوا في طريق المعصية التي نهاهم عنها الله ، لكن السؤال الآن: هل يكون في كون الله غير ما أراد وغير ما شاء، وهل يقع فعل في الكون رغماً عن الله ؟!
الجواب
لا.
فالإرادة لنا معها كذلك موقف.
وقبل أن نبدأ في بيان هذا الأمر الخطير، نقول: إن النبي ﵊ قال: (لا يؤمن عبد حتى يؤمن بالقدر)، وأمرنا النبي ﵊ كما أمر أصحابه الكرام أننا إذا ذكر القدر نمسك عنه، وألا نخوض فيه، فالصحابة ﵃ كانوا يؤمنون حق الإيمان أن الله تعالى على كل شيء قدير، وأن الله تعالى خلق بقدرته كل شيء؛ الخير والشر، وإبليس الذي هو رأس الشر الله هو الذي خلقه، بل إبليس عليه لعنة الله يعلم أن الهداية والضلال وأن الغواية والهدى وأن الخير والشر وأن الطاعة والمعصية وأن المعروف والمنكر كل ذلك بيد الله ، إن شاء أذن في وقوعه، وإن شاء رفعه فلم يقع.
فإبليس هو الذي قال: ﴿رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي﴾ [الحجر:٣٩]، فهو يؤمن إيماناً جازماً أن الغواية بيد الله ، والغواية ضد الهداية، وإبليس يؤمن أن الغواية والضلال والانحراف بيد الله ، لكن هذا أمر عظيم جداً ينبغي أن يضع المرء قلبه على كل حرف يخرج في هذا الباب، وإلا فحرف واحد يخرج المرء من الهداية إلى الضلال؛ ولذلك قال علماؤنا: القدر هو تقدير الله للأفعال، فالقدر هو التقدير كما في قوله: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر:٤٩]، وقال الله تعالى: ﴿فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ﴾ [المرسلات:٢٣]، أما القضاء فهو الحكم، ولذلك يقول أهل العلم: القضاء والقدر كالإيمان والإسلام، إذا اجتمعا افترقا وإذا افترقا اجتمعا؛ فإذا ذكر القدر كان معه القضاء، وإذا ذكر القضاء فحسب كان معه القدر، وإذا ذكر كل منهما في نص واحد فيكون للقدر معنى وللقضاء معنى آخر، فالتقدير: هو ما قدره الله في الأزل أن يكون في قلبك، أي: ما علم الله أن العباد له فاعلون وإليه صائرون، فلما علم الله ذلك من عباده قبل أن يخلقهم كتبه، بمعنى: قدره، بمعنى: أن ذلك مقدور في أفعالهم وأنهم لا محالة فاعلون ذلك باختيارهم، وبإرادة الله ومشيئته أن تقع أفعالهم مخلوقة له .
والإيمان بالقدر من أوجب الواجبات، ومرتبته في الدين أنه أحد أركان الإيمان الستة، بل هو أهمها بعد الإيمان بالله ورسوله.
стр. 71
فوائد الإيمان بالقدر
من فوائده الإيمان بالقدر: أنه من تمام الإيمان ولا يتم الإيمان إلا به.
ومن فوائده كذلك: أنه من تمام الإيمان بالربوبية، وهي من خصائص الله ، أن الله تعالى إله واحد لا رب سواه؛ لأن قدر الله تعالى من أفعاله، وأفعال الله تعالى في سلطان ربوبيته، وإذا آمن الإنسان بالقدر رد أموره كلها إلى ربه؛ لأنه إذا علم أن كل شيء بقضاء الله تعالى وقدره فإنه سيرجع إلى الله تعالى في كل شيء من حياته؛ ليدفع الضراء ويرفعها، ويجلب السراء ويعرف أنها من فضل الله .
الفائدة الرابعة من فوائد الإيمان بالقدر: أن الإنسان يعرف قدر نفسه، ولا يفخر إذا فعل الخير؛ لعلمه أن الله تعالى هو الذي وفقه إلى فعل الخير، فيكون المتفضل والمنعم على الحقيقة بهذه الطاعة أو بهذه النعمة أو بهذا الإحسان هو الله .
الفائدة الخامسة: إذا آمن المرء بقضاء الله وقدره هانت عليه المصائب التي تنزل عليه؛ لعلمه أن ذلك من عند الله، وأنه ما من مصيبة ولا ألم ولا وصب ولا نصب حتى الشوكة يشاكها ابن آدم -أي: المسلم- إلا كفر الله عنه بها خطاياه، كما قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ [التغابن:١١]، أي: ومن يؤمن أن كل شيء من عند الله هدأ قلبه واطمأن، فيرضى ويسلم.
سادساً: إضافة النعم إلى مسديها، وكثير من الناس يغلط في ذلك غلطاً فاحشاً، إذا أسدى إليك إنسان معروفاً نسبت الفضل إليه هو، مع أن المتفضل بهذا المعروف وهذا الإحسان هو الله ، وهذا العبد سبب جعله الله في عباده لمباشرة الإحسان، كما قال النبي ﵊: (دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض)، فالرازق الحقيقي هو الله ، وجريان الرزق على يد فلان ما هو إلا سبب من الأسباب الشرعية التي هيأها الله في الكون.
سابعاً: أن الإنسان يعرف بالإيمان بالقدر حكمة الله ؛ لأنه إذا نظر في هذا الكون وما يحدث فيه من تغييرات باهرة عرف حكمة الله ، بخلاف من نسي القضاء والقدر، فإنه لا يستفيد هذه الفائدة.
стр. 72
الشر المحض لا ينسب إلى الله
إن القدر منه ما هو خير، ومنه ما هو شر، ويجب الإيمان بالقدر بنوعيه.
أما قوله ﵊: (والشر ليس إليه) أي: ليس إلى الله ، هذا باعتبار المقدور لا باعتبار القدر، فالشر في القدر ليس باعتبار تقدير الله له، لكن باعتبار المقدور، فلدينا قدر ولدينا مقدور، كما أن هناك خلقاً ومخلوقاً وإرادة ومراداً، فاعتبار تقدير الله لهذا الفعل ليس شراً محضاً، وكل ما يراه الناس شراً ففيه وجه من وجوه الخير، أنت تتعاطى الدواء المر وهو بالنسبة لك شر، ومع هذا تتعاطاه لأنك تعلم أن هذا الدواء سبب للشفاء، فأنت تسلك الشفاء وإن كان الطريق إليه مراً، الله أذن في وقوع الزنا مع أنه قد نهى عنه، وبين في كتابه كما بين رسوله في سنته أنه لا يحب ذلك ولا يرضاه: ﴿وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ [الزمر:٧]، وأذن في وقوعه لحكمة عظيمة جداً.
إذاً: كل أمر في الكون من خير أو شر بحكمة الله ، فمن الحكم ما أطلعنا الله عليها، ومن الحكم ما استأثر بها في علم الغيب عنده، فلو أننا أخذنا مثالاً كالقتل فإنه بالنسبة إلى الناظر شر محض مع أنه ليس كذلك، فالقتل يكفر الله به ذنوب المقتول، كما أن القاتل لو تاب من فعلته تاب الله عليه، فاستشعر رحمة الله، وإذا أقيم عليه الحد على ملأ من الناس كان هذا جديراً بأن يفكر كل إنسان أنه لو فعل فِعل فلان لفعل به مثلما نزل به من العذاب وإقامة الحد، فكان هذا أعظم رادع لكل من سولت له نفسه أن يرتكب ما يستوجب حداً من حدود الله ، فالزاني يفكر في العقوبة قبل أن يفكر في الزنا، والقاتل يفكر في العقوبة قبل أن يفكر في القتل، وشارب الخمر يفكر في العقوبة قبل أن يفكر في الشرب وهكذا في سائر المعاصي والذنوب.
ولذلك لما ارتفعت الحدود هاجت البشرية في أوحال المعصية، فلا تكاد تجد إنساناً يعرف المعروف أو ينكر المنكر؛ لأنه اطمأن جانب العقوبة، فانطلق في أوحال المعصية وهو مطمئن أنه لا عقاب يقع عليه من أحد، فلما كان الأمر كذلك وارتفع شرع الله من قلوب الخلق استحقوا الذل والمهانة على أيدي شر الخليقة وهم اليهود، الذين يسومون المسلمين بالليل والنهار سوء العذاب وسوء الأدب، وأنزلوا بهم النكال، والبعض يقول: لا نكال ولا عذاب ولا إهانة، فهذا شر ممن يعلم يقيناً أن النكال والخسف واقعان في الأمة، فهذا مسخ قلبه تماماً، وشر البلية أنه لا يعلم ذلك، وهذا أيضاً من قدر الله ، ومن سننه الكونية في الخلق أنهم إذا فرطوا في شرعه واستغنوا عن الله جعلت أمور المسلمين ومقاليدهم وزمامهم بيد غير الله ، فيلهثون خلفهم بالليل والنهار طلباً للمصلحة ودفعاً للمضرة، مع أن الذي يملك ذلك هو الله وحده، فهذا باب عظيم من أبواب القدر.
أيها السياسيون! تقولون: لو رفعت راية الجهاد ضد اليهود فإننا مغلوبون مقهورون لا محالة! هذا سوء ظن بالله ، الله وعد عباده الصالحين بالنصر والتمكين في الأرض، وذلك إن حققوا شرط الصلاح، وحققوا شرط التقوى.
فبدلاً من أن ندندن أن المعركة لصالح اليهود، والكرة على المسلمين ينبغي -بل يجب علينا وجوباً شرعياً أكيداً- أن نشغل أنفسنا بأسباب الهزيمة النفسية، وأن نوقن أن النصر والتمكين لا محالة إنما يكون للمسلمين الصالحين القانتين المؤمنين الموحدين، فنشغل أنفسنا بما أوجب الله علينا.
قال الله : ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا﴾ [الروم:٤١]، فبين الله أن الفساد واقع والذي يباشره هم العباد، هم الذين يفسدون في الأرض والبر والبحر والجو، وأن ذلك لا يكون إلا بمشيئة الله وإرادته الكونية القدرية، ومع ذلك فإن لظهور هذا الفساد حكمة عظيمة: ((لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا))، ليكفر عنهم بعض ما ارتكبوا من ذنوب وآثام.
стр. 73
مراتب الإيمان بالقدر
والإيمان بالقدر خيره وشره واجب على كل مسلم، لكن بيت القصيد وهو الذي كان سبباً في انزلاق أقدام كثير من أهل العلم، أنهم نظروا إلى القدر نظرة عمياء، لكن أهل السنة نظروا إلى القدر نظرة شمولية فعرفوا أن للقدر مراتب أربع:
стр. 74
العلم الأولي الأزلي لله
المرتبة الأولى: مرتبة العلم، أي: إثبات العلم الأولي الأزلي لله ، تظاهرت على ذلك الأدلة من كتاب الله ومن سنة النبي ﵊، وهذا أمر لا يخفى على أحد، ومنكر ذلك كافر خارج عن ملة الإسلام؛ لأن الله أثبت العلم لنفسه في غيرما آية، فالله على كل شيء قدير وبكل شيء عليم، وأحاط بكل شيء علماً، قال الله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ [الأنعام:٥٩]، وقال: ﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق:١٢]، وقال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:٢٨٢]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ [النساء:٣٢]، وقال تعالى: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا﴾ [غافر:٧] وغير ذلك من الآيات كثير، ومن الأحاديث كثير وكثير في إثبات علم الله .
فلا يحل لأحد أن ينفي علم الله عنه، فالعلم الأزلي هو أن الله تعالى علم قبل أن يخلق الخلق ما هم عاملون وما هم إليه صائرون؛ ولذلك قال حميد بن عبد الرحمن الحميري: حججت أنا وصاحب لي، فلما قدمنا المدينة سألنا عبد الله بن عمر قلنا: يا أبا عبد الرحمن! إنه قد ظهر قبلنا بالعراق أو بالبصرة أناس يتقفرون العلم -وفي رواية يتفقرون العلم- يترفعون فيه ويطلبون دقائق المسائل منه، يقولون: لا قدر، وأن الأمر أنف، أي: مستأنف.
وهذا يعني: أن الله لا يعلم الفعل إلا بعد أن يقع، أما قبل وقوعه فإن الله لا يعلمه، فقال عبد الله بن عمر ﵄: أوقد فعلوها؟ إذا لقيتهم فأخبرهم أني بريء منهم وأنهم برآء مني.
قال الإمام النووي: وهذا يعني: أنهم كفار؛ لأنهم أنكروا ما هو معلوم من دين الله ومن صفات الله وأسمائه بالضرورة، ومن أنكر شيئاً ثابتاً معلوماً من الدين بالضرورة فإنه كافر بالله العظيم، إلا أن يكون حديث عهد بإسلام أو في بلد ليس يدار فيه العلم بالليل والنهار، أو ليس بإمكانه أن يطلبه، فإذا أنكر المرء معلوماً من الدين بالضرورة أو ما هو واجب لله تعالى ولا يخفى على صبيان المسلمين فإنه يكفر بذلك ويخرج عن ملة الإسلام.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: وهذه المرتبة والمرتبة التي تليها -وهي مرتبة كتابة مقادير الخلائق- من أنكرهما كفر.
قال: وقد انقرض هؤلاء، فلم يبق إلا من ينازع في بقية مراتب القدر، أما هاتان المرتبتان -وهما العلم والكتابة- فقد هلك من كان ينكرهما مع الهالكين في أول الزمن، والعجيب أننا نرى في هذا الزمان من يتبجح بإنكار العلم والكتابة مع انتشار وذيوع الأدلة في الكتاب والسنة.
فإنا لله وإنا إليه راجعون.
فهذه المرتبة أعظم مراتب القدر، مرتبة أن الله علم كل شيء قبل أن يخلق الخلق، وعلم ما كان وما سيكون وما لم يكن لو كان كيف يكون، فعلم الله العبد وعمله، وكيف يعمله، ومتى يعمله.
سئل علي بن أبي طالب عن القدر ما هو؟ قال: انظر إلى هذه.
فنظر إلى السبابة أو الوسطى أو الإبهام فأدخلها في لسانه وبلها من ريقه، ثم طبع بها في كفه اليسرى وقال: أؤمن أن الله تعالى علم أزلاً أن علي بن أبي طالب سيفعل هذا في هذا التوقيت وبهذه الكيفية.
انظروا إلى إيمان الصحابة بأن الله تعالى علم كل شيء كان وسيكون وما لم يكن لو كان كيف يكون .
فالكتاب والسنة والعقل تدل على أن الله تعالى عالم بما الخلق عاملون بعلم أزلي، قال تعالى: ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك:١٤]، وهو الموصوف بالعلم أزلاً وأبداً، أزلاً احترازاً من الجهل، وأبداً احترازاً من النسيان؛ ولذلك أنت موصوف بالعلم، لكن ليس أزلاً ولا أبداً؛ لأنك قبل أن تكون عالماً كنت جاهلاً، وبعد أن صرت عالماً سيذهب هذا العلم منك لكبر السن، أو بالنسيان، أو ضعف العقل، أو آفة تطرأ على عقلك.
فالله متصف بصفات الكمال والجلال، خلافاً لك يا ابن آدم! فأنت متصف بصفات العجز والنقص، فإن كنت لست تعلم فالله يعلم، وشتان بين علمك وعلم الله ، فعلم الله تعالى أزلي أبدي، وأنت لست كذلك.
علم الله تعالى جميع أحوال عباده من الطاعات والمعاصي والأرزاق والآجال، كما قال ﵊ كما في الصحيحين من حديث ابن مسعود: (إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يؤمر الملك بكتب أربع؛ بكتب رزقه وأجله وعمله، وشقي أو سعيد)، أمر الله تعالى الذي ملك الأرحام أن يكتب هذا والطفل لا يزال في مراحله الأولى، أليس الله هو اللطيف الخبير؟ بلى، لابد أن
стр. 75
كتابة مقادير الخلائق قبل خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة
المرتبة الثانية من مراتب القدر: هي مرتبة كتابة علم الله ، فالله كتب مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، ولا نقول: قبل أن يخلق بني آدم أو الطير أو البهائم أو الحيوانات أو الوحوش أو السباع، بل قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، فهذا شيء عظيم وهائل جداً يجعل المرء يهدأ ويطمئن قلبه تماماً إذا علم أن كل شيء بقدر، وأن الله تعالى هو الذي بيده الضر والنفع وأنه كتب مقادير الخلائق في اللوح المحفوظ الذي لا يقبل محواً.
والكتاب كتابان كما قال ابن عباس: كتاب يقبل المحو والإثبات، وهذه الكتب هي التي في يد الملائكة الحفظة الكتبة، يمحو الله تعالى فيها ما يشاء ويثبت بأمره ونهيه، أما اللوح المحفوظ فإن الله تعالى كتبه كتابة لا تقبل المحو؛ ولذلك قال الله تعالى: ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد:٣٩]، أي: اللوح المحفوظ الذي لا يقبل محواً ولا إثباتاً بعد أن كتبه الله .
ولذلك قال شيخ الإسلام: إن المكتوب في اللوح المحفوظ لا يتغير أبداً، والتغيير إنما يكون في الكتب التي بأيدي الملائكة، فأول ما خلق الله تعالى قلم القدرة فقال الله له: اكتب، قال: وما أكتب؟ -جعل الله للقلم إدراكاً وعقلاً يفهم الخطاب، ففهم القلم الخطاب الموجه إليه، ولكنه خفي عليه نوع الكتابة، فسأل عن النوعية ولم يسأل عن أصل الكتابة- قال القلم: وما أكتب؟ قال الله : اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة.
ولا تتعجب من هذا الحوار بين القلم المخلوق وبين خالقه ، فإن الجمادات بالنسبة إلى الله تعالى يركب فيها العقل ويخاطبها، كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت:١١]، وقال الله تعالى للنار: ﴿قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء:٦٩] فكانت كذلك، وقال الله تعالى: ﴿يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ﴾ [سبأ:١٠] فأوبت معه.
والحاصل: أن الله تعالى أمر القلم أن يكتب فانفتل القلم وكتب كل شيء إلى يوم القيامة، فما من حركة ولا سكنة لخلق الله قاطبة إلا وكتبها القلم في اللوح المحفوظ، فما أصاب الإنسان لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، فإذا آمنت بهذا اطمأننت.
قال النبي ﵊: (جفت الأقلام وطويت الصحف) أي: جفت الأقلام بما أمر الله من كتابة مقادير الخلائق في اللوح المحفوظ، وطويت الصحف فلا محو فيها ولا إثبات -أي: اللوح المحفوظ- خلافاً لما بأيدي الملائكة من الكتب التي تقبل المحو والإثبات.
وقال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ﴾ [الحج:٧٠] أي: في اللوح المحفوظ: ﴿إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحج:٧٠]، أي: كتابة ذلك على الله أمر يسير؛ لأن الله تعالى لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء.
وقال الله تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ﴾ [الحديد:٢٢] أي: ما وقعت مصيبة في الأرض: ﴿وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ [الحديد:٢٢] أي: من قبل أن نخلقها: ﴿إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحديد:٢٢].
وقال النبي ﵊ كما في مسلم من حديث عبد الله بن عمرو: (كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشه على الماء) وهذا التقدير التابع لعلمه يقع في مواضع جملة وتفصيلاً كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية عليه رحمة الله.
والكتابة مراتب، فمنها كتابة ما قبل القبضتين، فالله قبل أن يخلق آدم قبض قبضتين فقال: هؤلاء في النار ولا أبالي، وهؤلاء في الجنة ولا أبالي، فهؤلاء مكتوبون أنهم من أهل الشقاء، وأن هؤلاء من أهل السعادة.
وهناك كتابة كما في حديث ابن مسعود في الصحيحين عند نفخ الروح، ولا يزال الجنين في بطن أمه.
وهناك كذلك كتابة حولية، أي: على رأس كل عام كما قال الله : ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ * أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ﴾ [الدخان:٤ - ٥].
وهناك تقدير يومي، كما قال الله تعالى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرحمن:٢٩].
فهذه أنواع الكتابة، كتابة القبضتين، وكتابة في علم الأجنة، وكتابة عند نفخ الروح، وكتابة سنوية، وكتابة يومية، وقيل غير ذلك من الكتابات.
فهذا التقدير الذي هو العلم والكتاب
следующие страницы →