← Акыда

Акыда · id 37603

أصول أهل السنة والجماعة

حسن أبو الأشبال الزهيري

Полный текст (112 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

فوائد الإيمان بالقدر من فوائده الإيمان بالقدر: أنه من تمام الإيمان ولا يتم الإيمان إلا به. ومن فوائده كذلك: أنه من تمام الإيمان بالربوبية، وهي من خصائص الله ، أن الله تعالى إله واحد لا رب سواه؛ لأن قدر الله تعالى من أفعاله، وأفعال الله تعالى في سلطان ربوبيته، وإذا آمن الإنسان بالقدر رد أموره كلها إلى ربه؛ لأنه إذا علم أن كل شيء بقضاء الله تعالى وقدره فإنه سيرجع إلى الله تعالى في كل شيء من حياته؛ ليدفع الضراء ويرفعها، ويجلب السراء ويعرف أنها من فضل الله . الفائدة الرابعة من فوائد الإيمان بالقدر: أن الإنسان يعرف قدر نفسه، ولا يفخر إذا فعل الخير؛ لعلمه أن الله تعالى هو الذي وفقه إلى فعل الخير، فيكون المتفضل والمنعم على الحقيقة بهذه الطاعة أو بهذه النعمة أو بهذا الإحسان هو الله . الفائدة الخامسة: إذا آمن المرء بقضاء الله وقدره هانت عليه المصائب التي تنزل عليه؛ لعلمه أن ذلك من عند الله، وأنه ما من مصيبة ولا ألم ولا وصب ولا نصب حتى الشوكة يشاكها ابن آدم -أي: المسلم- إلا كفر الله عنه بها خطاياه، كما قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ [التغابن:١١]، أي: ومن يؤمن أن كل شيء من عند الله هدأ قلبه واطمأن، فيرضى ويسلم. سادساً: إضافة النعم إلى مسديها، وكثير من الناس يغلط في ذلك غلطاً فاحشاً، إذا أسدى إليك إنسان معروفاً نسبت الفضل إليه هو، مع أن المتفضل بهذا المعروف وهذا الإحسان هو الله ، وهذا العبد سبب جعله الله في عباده لمباشرة الإحسان، كما قال النبي ﵊: (دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض)، فالرازق الحقيقي هو الله ، وجريان الرزق على يد فلان ما هو إلا سبب من الأسباب الشرعية التي هيأها الله في الكون. سابعاً: أن الإنسان يعرف بالإيمان بالقدر حكمة الله ؛ لأنه إذا نظر في هذا الكون وما يحدث فيه من تغييرات باهرة عرف حكمة الله ، بخلاف من نسي القضاء والقدر، فإنه لا يستفيد هذه الفائدة.

стр. 72

الشر المحض لا ينسب إلى الله إن القدر منه ما هو خير، ومنه ما هو شر، ويجب الإيمان بالقدر بنوعيه. أما قوله ﵊: (والشر ليس إليه) أي: ليس إلى الله ، هذا باعتبار المقدور لا باعتبار القدر، فالشر في القدر ليس باعتبار تقدير الله له، لكن باعتبار المقدور، فلدينا قدر ولدينا مقدور، كما أن هناك خلقاً ومخلوقاً وإرادة ومراداً، فاعتبار تقدير الله لهذا الفعل ليس شراً محضاً، وكل ما يراه الناس شراً ففيه وجه من وجوه الخير، أنت تتعاطى الدواء المر وهو بالنسبة لك شر، ومع هذا تتعاطاه لأنك تعلم أن هذا الدواء سبب للشفاء، فأنت تسلك الشفاء وإن كان الطريق إليه مراً، الله أذن في وقوع الزنا مع أنه قد نهى عنه، وبين في كتابه كما بين رسوله في سنته أنه لا يحب ذلك ولا يرضاه: ﴿وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ [الزمر:٧]، وأذن في وقوعه لحكمة عظيمة جداً. إذاً: كل أمر في الكون من خير أو شر بحكمة الله ، فمن الحكم ما أطلعنا الله عليها، ومن الحكم ما استأثر بها في علم الغيب عنده، فلو أننا أخذنا مثالاً كالقتل فإنه بالنسبة إلى الناظر شر محض مع أنه ليس كذلك، فالقتل يكفر الله به ذنوب المقتول، كما أن القاتل لو تاب من فعلته تاب الله عليه، فاستشعر رحمة الله، وإذا أقيم عليه الحد على ملأ من الناس كان هذا جديراً بأن يفكر كل إنسان أنه لو فعل فِعل فلان لفعل به مثلما نزل به من العذاب وإقامة الحد، فكان هذا أعظم رادع لكل من سولت له نفسه أن يرتكب ما يستوجب حداً من حدود الله ، فالزاني يفكر في العقوبة قبل أن يفكر في الزنا، والقاتل يفكر في العقوبة قبل أن يفكر في القتل، وشارب الخمر يفكر في العقوبة قبل أن يفكر في الشرب وهكذا في سائر المعاصي والذنوب. ولذلك لما ارتفعت الحدود هاجت البشرية في أوحال المعصية، فلا تكاد تجد إنساناً يعرف المعروف أو ينكر المنكر؛ لأنه اطمأن جانب العقوبة، فانطلق في أوحال المعصية وهو مطمئن أنه لا عقاب يقع عليه من أحد، فلما كان الأمر كذلك وارتفع شرع الله من قلوب الخلق استحقوا الذل والمهانة على أيدي شر الخليقة وهم اليهود، الذين يسومون المسلمين بالليل والنهار سوء العذاب وسوء الأدب، وأنزلوا بهم النكال، والبعض يقول: لا نكال ولا عذاب ولا إهانة، فهذا شر ممن يعلم يقيناً أن النكال والخسف واقعان في الأمة، فهذا مسخ قلبه تماماً، وشر البلية أنه لا يعلم ذلك، وهذا أيضاً من قدر الله ، ومن سننه الكونية في الخلق أنهم إذا فرطوا في شرعه واستغنوا عن الله جعلت أمور المسلمين ومقاليدهم وزمامهم بيد غير الله ، فيلهثون خلفهم بالليل والنهار طلباً للمصلحة ودفعاً للمضرة، مع أن الذي يملك ذلك هو الله وحده، فهذا باب عظيم من أبواب القدر. أيها السياسيون! تقولون: لو رفعت راية الجهاد ضد اليهود فإننا مغلوبون مقهورون لا محالة! هذا سوء ظن بالله ، الله وعد عباده الصالحين بالنصر والتمكين في الأرض، وذلك إن حققوا شرط الصلاح، وحققوا شرط التقوى. فبدلاً من أن ندندن أن المعركة لصالح اليهود، والكرة على المسلمين ينبغي -بل يجب علينا وجوباً شرعياً أكيداً- أن نشغل أنفسنا بأسباب الهزيمة النفسية، وأن نوقن أن النصر والتمكين لا محالة إنما يكون للمسلمين الصالحين القانتين المؤمنين الموحدين، فنشغل أنفسنا بما أوجب الله علينا. قال الله : ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا﴾ [الروم:٤١]، فبين الله أن الفساد واقع والذي يباشره هم العباد، هم الذين يفسدون في الأرض والبر والبحر والجو، وأن ذلك لا يكون إلا بمشيئة الله وإرادته الكونية القدرية، ومع ذلك فإن لظهور هذا الفساد حكمة عظيمة: ((لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا))، ليكفر عنهم بعض ما ارتكبوا من ذنوب وآثام.

стр. 73

مراتب الإيمان بالقدر والإيمان بالقدر خيره وشره واجب على كل مسلم، لكن بيت القصيد وهو الذي كان سبباً في انزلاق أقدام كثير من أهل العلم، أنهم نظروا إلى القدر نظرة عمياء، لكن أهل السنة نظروا إلى القدر نظرة شمولية فعرفوا أن للقدر مراتب أربع:

стр. 74

العلم الأولي الأزلي لله المرتبة الأولى: مرتبة العلم، أي: إثبات العلم الأولي الأزلي لله ، تظاهرت على ذلك الأدلة من كتاب الله ومن سنة النبي ﵊، وهذا أمر لا يخفى على أحد، ومنكر ذلك كافر خارج عن ملة الإسلام؛ لأن الله أثبت العلم لنفسه في غيرما آية، فالله على كل شيء قدير وبكل شيء عليم، وأحاط بكل شيء علماً، قال الله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ [الأنعام:٥٩]، وقال: ﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق:١٢]، وقال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:٢٨٢]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ [النساء:٣٢]، وقال تعالى: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا﴾ [غافر:٧] وغير ذلك من الآيات كثير، ومن الأحاديث كثير وكثير في إثبات علم الله . فلا يحل لأحد أن ينفي علم الله عنه، فالعلم الأزلي هو أن الله تعالى علم قبل أن يخلق الخلق ما هم عاملون وما هم إليه صائرون؛ ولذلك قال حميد بن عبد الرحمن الحميري: حججت أنا وصاحب لي، فلما قدمنا المدينة سألنا عبد الله بن عمر قلنا: يا أبا عبد الرحمن! إنه قد ظهر قبلنا بالعراق أو بالبصرة أناس يتقفرون العلم -وفي رواية يتفقرون العلم- يترفعون فيه ويطلبون دقائق المسائل منه، يقولون: لا قدر، وأن الأمر أنف، أي: مستأنف. وهذا يعني: أن الله لا يعلم الفعل إلا بعد أن يقع، أما قبل وقوعه فإن الله لا يعلمه، فقال عبد الله بن عمر ﵄: أوقد فعلوها؟ إذا لقيتهم فأخبرهم أني بريء منهم وأنهم برآء مني. قال الإمام النووي: وهذا يعني: أنهم كفار؛ لأنهم أنكروا ما هو معلوم من دين الله ومن صفات الله وأسمائه بالضرورة، ومن أنكر شيئاً ثابتاً معلوماً من الدين بالضرورة فإنه كافر بالله العظيم، إلا أن يكون حديث عهد بإسلام أو في بلد ليس يدار فيه العلم بالليل والنهار، أو ليس بإمكانه أن يطلبه، فإذا أنكر المرء معلوماً من الدين بالضرورة أو ما هو واجب لله تعالى ولا يخفى على صبيان المسلمين فإنه يكفر بذلك ويخرج عن ملة الإسلام. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: وهذه المرتبة والمرتبة التي تليها -وهي مرتبة كتابة مقادير الخلائق- من أنكرهما كفر. قال: وقد انقرض هؤلاء، فلم يبق إلا من ينازع في بقية مراتب القدر، أما هاتان المرتبتان -وهما العلم والكتابة- فقد هلك من كان ينكرهما مع الهالكين في أول الزمن، والعجيب أننا نرى في هذا الزمان من يتبجح بإنكار العلم والكتابة مع انتشار وذيوع الأدلة في الكتاب والسنة. فإنا لله وإنا إليه راجعون. فهذه المرتبة أعظم مراتب القدر، مرتبة أن الله علم كل شيء قبل أن يخلق الخلق، وعلم ما كان وما سيكون وما لم يكن لو كان كيف يكون، فعلم الله العبد وعمله، وكيف يعمله، ومتى يعمله. سئل علي بن أبي طالب عن القدر ما هو؟ قال: انظر إلى هذه. فنظر إلى السبابة أو الوسطى أو الإبهام فأدخلها في لسانه وبلها من ريقه، ثم طبع بها في كفه اليسرى وقال: أؤمن أن الله تعالى علم أزلاً أن علي بن أبي طالب سيفعل هذا في هذا التوقيت وبهذه الكيفية. انظروا إلى إيمان الصحابة بأن الله تعالى علم كل شيء كان وسيكون وما لم يكن لو كان كيف يكون . فالكتاب والسنة والعقل تدل على أن الله تعالى عالم بما الخلق عاملون بعلم أزلي، قال تعالى: ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك:١٤]، وهو الموصوف بالعلم أزلاً وأبداً، أزلاً احترازاً من الجهل، وأبداً احترازاً من النسيان؛ ولذلك أنت موصوف بالعلم، لكن ليس أزلاً ولا أبداً؛ لأنك قبل أن تكون عالماً كنت جاهلاً، وبعد أن صرت عالماً سيذهب هذا العلم منك لكبر السن، أو بالنسيان، أو ضعف العقل، أو آفة تطرأ على عقلك. فالله متصف بصفات الكمال والجلال، خلافاً لك يا ابن آدم! فأنت متصف بصفات العجز والنقص، فإن كنت لست تعلم فالله يعلم، وشتان بين علمك وعلم الله ، فعلم الله تعالى أزلي أبدي، وأنت لست كذلك. علم الله تعالى جميع أحوال عباده من الطاعات والمعاصي والأرزاق والآجال، كما قال ﵊ كما في الصحيحين من حديث ابن مسعود: (إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يؤمر الملك بكتب أربع؛ بكتب رزقه وأجله وعمله، وشقي أو سعيد)، أمر الله تعالى الذي ملك الأرحام أن يكتب هذا والطفل لا يزال في مراحله الأولى، أليس الله هو اللطيف الخبير؟ بلى، لابد أن

стр. 75

كتابة مقادير الخلائق قبل خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة المرتبة الثانية من مراتب القدر: هي مرتبة كتابة علم الله ، فالله كتب مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، ولا نقول: قبل أن يخلق بني آدم أو الطير أو البهائم أو الحيوانات أو الوحوش أو السباع، بل قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، فهذا شيء عظيم وهائل جداً يجعل المرء يهدأ ويطمئن قلبه تماماً إذا علم أن كل شيء بقدر، وأن الله تعالى هو الذي بيده الضر والنفع وأنه كتب مقادير الخلائق في اللوح المحفوظ الذي لا يقبل محواً. والكتاب كتابان كما قال ابن عباس: كتاب يقبل المحو والإثبات، وهذه الكتب هي التي في يد الملائكة الحفظة الكتبة، يمحو الله تعالى فيها ما يشاء ويثبت بأمره ونهيه، أما اللوح المحفوظ فإن الله تعالى كتبه كتابة لا تقبل المحو؛ ولذلك قال الله تعالى: ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد:٣٩]، أي: اللوح المحفوظ الذي لا يقبل محواً ولا إثباتاً بعد أن كتبه الله . ولذلك قال شيخ الإسلام: إن المكتوب في اللوح المحفوظ لا يتغير أبداً، والتغيير إنما يكون في الكتب التي بأيدي الملائكة، فأول ما خلق الله تعالى قلم القدرة فقال الله له: اكتب، قال: وما أكتب؟ -جعل الله للقلم إدراكاً وعقلاً يفهم الخطاب، ففهم القلم الخطاب الموجه إليه، ولكنه خفي عليه نوع الكتابة، فسأل عن النوعية ولم يسأل عن أصل الكتابة- قال القلم: وما أكتب؟ قال الله : اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة. ولا تتعجب من هذا الحوار بين القلم المخلوق وبين خالقه ، فإن الجمادات بالنسبة إلى الله تعالى يركب فيها العقل ويخاطبها، كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت:١١]، وقال الله تعالى للنار: ﴿قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء:٦٩] فكانت كذلك، وقال الله تعالى: ﴿يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ﴾ [سبأ:١٠] فأوبت معه. والحاصل: أن الله تعالى أمر القلم أن يكتب فانفتل القلم وكتب كل شيء إلى يوم القيامة، فما من حركة ولا سكنة لخلق الله قاطبة إلا وكتبها القلم في اللوح المحفوظ، فما أصاب الإنسان لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، فإذا آمنت بهذا اطمأننت. قال النبي ﵊: (جفت الأقلام وطويت الصحف) أي: جفت الأقلام بما أمر الله من كتابة مقادير الخلائق في اللوح المحفوظ، وطويت الصحف فلا محو فيها ولا إثبات -أي: اللوح المحفوظ- خلافاً لما بأيدي الملائكة من الكتب التي تقبل المحو والإثبات. وقال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ﴾ [الحج:٧٠] أي: في اللوح المحفوظ: ﴿إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحج:٧٠]، أي: كتابة ذلك على الله أمر يسير؛ لأن الله تعالى لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء. وقال الله تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ﴾ [الحديد:٢٢] أي: ما وقعت مصيبة في الأرض: ﴿وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ [الحديد:٢٢] أي: من قبل أن نخلقها: ﴿إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحديد:٢٢]. وقال النبي ﵊ كما في مسلم من حديث عبد الله بن عمرو: (كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشه على الماء) وهذا التقدير التابع لعلمه يقع في مواضع جملة وتفصيلاً كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية عليه رحمة الله. والكتابة مراتب، فمنها كتابة ما قبل القبضتين، فالله قبل أن يخلق آدم قبض قبضتين فقال: هؤلاء في النار ولا أبالي، وهؤلاء في الجنة ولا أبالي، فهؤلاء مكتوبون أنهم من أهل الشقاء، وأن هؤلاء من أهل السعادة. وهناك كتابة كما في حديث ابن مسعود في الصحيحين عند نفخ الروح، ولا يزال الجنين في بطن أمه. وهناك كذلك كتابة حولية، أي: على رأس كل عام كما قال الله : ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ * أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ﴾ [الدخان:٤ - ٥]. وهناك تقدير يومي، كما قال الله تعالى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرحمن:٢٩]. فهذه أنواع الكتابة، كتابة القبضتين، وكتابة في علم الأجنة، وكتابة عند نفخ الروح، وكتابة سنوية، وكتابة يومية، وقيل غير ذلك من الكتابات. فهذا التقدير الذي هو العلم والكتاب

стр. 76

إثبات مشيئة الله النافذة وقدرته الشاملة أما المرتبة الثالثة من مراتب الإيمان بالقدر فهي: مرتبة إثبات مشيئة الله النافذة وقدرته الشاملة، لكنك لابد أن تعلم أن مشيئة الله وإرادته منها ما هو كوني قدري، ومنها ما هو شرعي ديني، وهذا بيت القصيد في هذه المرتبة، ومن خفي عليه هذا التقدير لإرادة الله خفي عليه القدر كله؛ ولذلك صنف علماء السنة الإرادة إلى إرادتين: إرادة كونية قدرية، أي: تقع في الكون بقدرة الله . أما الإرادة الشرعية الدينية فهي الأوامر التي أمر الله بها عباده، من الطاعات والإيمان وغير ذلك من سائر ما يحبه الله ويرضاه، وليس بلازم أن يقع، خلافاً للإرادة الكونية القدرية التي لابد أن تقع على مراد الله تعالى ومشيئته الكونية القدرية، أما المشيئة الشرعية الدينية كالصلاة فإن الله تعالى أحب الصلاة وأمر بها، وكذلك سائر الطاعات، لكن لا يلزم من ذلك الوقوع؛ ولذلك أمر الله تعالى بالصلاة والصيام والزكاة والحج وسائر الطاعات، ونجد في المسلمين من لا يصلي ولا يصوم ولا يزكي ولا يحج مع القدرة، ولا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر، فالإرادة الشرعية الدينية مبناها على المحبة والرضا، لكن لا يلزم منها الوقوع. والإرادة الكونية القدرية ليس مبناها المحبة، وإنما مبناها وقوع الفعل على مراد الله، والفعل منه ما يقع على مراده تعالى إرادة شرعية وكونية قدرية كالطاعة، ومنها ما يقع من معاص في الكون فذلك على مراد الله الكوني القدري، وليس يعني (على مراد الله): أن الله يحب ذلك أبداً، أو أن الله تعالى رخص للعباد أن يقعوا في هذه الذنوب والمعاصي، وإنما لا يقع في كون الله إلا ما أذن الله تعالى فيه؛ لحكمة عظيمة كما قلنا آنفاً؛ ولذلك قال الله : ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾ [فاطر:٤٤]، وقال الله تعالى: ﴿فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الأنعام:١٤٩]، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [هود:١١٨]، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ﴾ [البقرة:٢٥٣]، فوقوع الإيمان في الكون إرادة شرعية، ووقوع الكفر في الكون إرادة كونية قدرية. قال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا﴾ [البقرة:٢٥٣]، وقال تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان:٣٠]. قال العلماء: لا يكون في ملك الله إلا ما أراد وقدر، أي: إرادة كونية قدرية، لا إرادة شرعية؛ ولذلك قد ورد في الإرادة الكونية التي هي بمعنى المشيئة قول الله على لسان نوح: ﴿وَلا يَنفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ﴾ [هود:٣٤]، فأثبت أن الغواية بيد الله ، وقال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس:٨٢]، وقال النبي ﵊: (لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولأتى بقوم غيركم يذنبون فيستغفرون الله فيغفر الله لهم). أما الإرادة الشرعية التي بمعنى المحبة فقول الله : ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء:٢٧]، ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ﴾ [البقرة:١٨٥]، فهذه إرادة شرعية دينية؛ لأن مبناها على المحبة، فالله تعالى يحب اليسر، ويحب أن يتوب على عباده، فهذا فارق بين الإرادة الكونية القدرية، والإرادة الشرعية الدينية. ورب قائل يقول: هل المعاصي يريدها الله ؟ نقول: نعم. لكن ليست إرادة شرعية دينية؛ لأنه لم يأمر بها، بل نهى عنها ، إلا أنه أذن في وقوعها لحكمة، فكل شيء الله قادر عليه وجوداً وإعداماً، فإن الله تعالى على كل شيء قدير، أثبت لنفسه القدرة والمشيئة، وأثبت كذلك للعبد القدرة والمشيئة، فما من مخلوق في الأرض ولا في السماء إلا الله تعالى هو خالقه، فلا خالق غيره ولا رب سواه.

стр. 77

خلق الله لأفعال العباد المرتبة الرابعة: خلق الله لأفعال العباد، فالله خالق كل صانع وصنعته، ولا يستطيع الصانع أن يصنع شيئاً إلا إذا أراد الله إيجاد هذا الشيء، فقال: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ * أَمْ خَلَقُوا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بَل لا يُوقِنُونَ﴾ [الطور:٣٥ - ٣٦]، وقال الله : ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ﴾ [الحج:٧٣] أمرنا بأن نستمع لهذه الأمثلة ففيها العظة والعبرة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ﴾ [الحج:٧٣]، هؤلاء الآلهة -بوذا وغيرها من الأصنام والمعبودات الباطلة- لو اجتمعوا على أن يخلقوا ذبابة واحدة لا يقدرون على ذلك؛ فضلاً أن يملكوا الضر والنفع لعابديهم؛ ولذلك قال الله : ﴿وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ [الحج:٧٣]، لو أن ذبابة حطت على رأس صنم وأخذت منه شيئاً لا يستطيع هذا الصنم أن يأخذ من الذباب ما قد سلبه منه، فكيف يملك هذا الإله النفع والضر لغيره إذا كان لا يملكه لنفسه؟ مثل عظيم جداً، قال الله : ((إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ)) أي: تعبدون ((مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ))، وإذا كانت عاجزة عن الدفع عن نفسها؛ فمن باب أولى أن تكون عاجزة عن الدفع عن غيرها. وقال الله تعالى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان:٢] والآيات في ذلك كثيرة، وقال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات:٩٦]، فأنت وعملك مخلوق لله ، عملك من خير وشر، من طاعة ومعصية لله مخلوق، الله تعالى هو الذي أذن في خلقه، وأراده إذا كان طاعة إرادة شرعية، وإذا كان معصية أراده إرادة كونية قدرية على النحو الذي ذكرنا آنفاً، ومع ذلك فإن الله تعالى أمر العباد بطاعته وطاعة رسله، ونهاهم عن معصيته، وأمره بذلك يمكن، فالمأمور مخلوق لله ، وفعله كذلك مخلوق، ومع ذلك يأمر وينهى. وقال الله تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦]، وقال: ﴿لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [الأنعام:١٥٢]، والله تعالى يحب المتقين المحسنين والمخلصين كما قال: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة:١٩٥]، وانظر إلى الطاعات واقعة في دائرة المحبة، والمعاصي واقعة في دائرة البغض والكره: ﴿فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة:٧]، ﴿وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الحجرات:٩]، ويرضى الله عن الذين آمنوا وعملوا الصالحات، ولا يحب الكافرين كما لا يحب الفسق، ويرضى الله عن الذين آمنوا كما قال: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ ﵃﴾ [التوبة:١٠٠]، والرضا من محبة الله ، ﴿وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة:١٠٠]، وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ * جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [البينة:٧ - ٨]. أما الكفر فقال الله تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران:٣٢]، والله تعالى لا يرضى عن القوم الفاسقين، كما قال: ﴿فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة:٩٦]، وقال تعالى: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لا يَسْتَوُونَ * أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى نُزُلًا بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [السجدة:١٨ - ٢٠]. لو أن حكومة أعلنت عن وظيفتين إحداهما: بألف جنيه في الشهر، والأخرى بمائة جنيه في الشهر، فإلام تصبو نفسك؟ لابد أنها تصبو للراتب الأكبر، وهذا يدل على أنك مميز تعقل ما ينفعك وما هو داخل في مصلحتك، وإذا كان الذاهب إ

стр. 78

الكتاب والسنة والإجماع على أن الله خلق أفعال العباد الحمد لله وكفى، والصلاة والسلام على رسوله المصطفى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. أجمع علماء الأمة من الصحابة والتابعين والتابعين لهم بإحسان أن أفعال العباد كلها مخلوقة لله ، طاعاتها ومعاصيها. فعن طاوس قال: أدركت ثلاثمائة من الصحابة ﵃ كلهم يقول: كل شيء بقدر، والله تعالى يقول: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات:٩٦]، وقال ﵊: (إن الله خالق كل صانع وصنعته). وعن ابن عباس في قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر:٢٨]، قال: هم الذين يقولون: إن الله على كل شيء قدير. وسئل أحمد بن حنبل عن القدر ما هو؟ قال: هو قدرة الله . هل لها منتهى؟ الجواب لا، لا منتهى لقدرة الله . وأخرج مسلم من حديث أبي هريرة قال: (جاء مشركو مكة إلى النبي ﷺ ينازعونه في القدر، فنزلت هذه الآية: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ * يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ * إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر:٤٧ - ٤٩]). وأوصى السلف ﵃ بترك عيادة مرضى القدرية، وترك الصلاة على موتاهم، وعدم رد السلام عليهم. وفي قول الله : ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا﴾ [الأنعام:١٠٧] سمع ابن عباس ﵄ رجلاً يقول: الشر ليس بقدر، فقال: بيننا وبين أهل القدر قول الله : ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا﴾ [الأنعام:١٤٨]، حتى بلغ قوله تعالى: ﴿فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الأنعام:١٤٩]، هذا يدل على أن الهداية والضلال بيد الله . قال ابن عباس: حتى العجز والكيس. حتى النشاط والهمة والفتور والعجز بيد الله ، وبقدر الله ، وهذا قد رواه مسلم من حديث عبد الله بن عمر مرفوعاً ﵄. وفي قول الله تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء:٣٥]، الله يبتلي عباده بالشر فتنة لهم واختباراً وامتحاناً، كما ابتلى إبراهيم بذبح ولده، وبترك زوجه وولده الرضيع في أرض قفر، وكما ابتلى موسى وآدم ومحمداً ﵊، وغير ذلك من الابتلاءات التي وقعت بخير الخليقة، والنبي ﵊ يقول: (أعظم الناس بلاء الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل)، وقال الله : ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير:٢٩]. قال ابن عباس في قوله: ((وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً)) أي: نبتليكم بالشدة والرخاء والصحة والسقم والغنى والفقر، والحلال والحرام، والطاعة والمعصية، والهدى والضلالة. وقال زيد بن أسلم: والله ما قالت القدرية كما قال الله : ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير:٢٩]، ولا قالت كما قالت الملائكة: ﴿لا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا﴾ [البقرة:٣٢]، أي: نفوا المشيئة، فلم يبلغوا ما أمر الله به وأخبر، وكذلك لم تقل القدرية بإثبات العلم كما قالت الملائكة، ولا قالت القدرية كما قال الأنبياء على لسان شعيب: ﴿وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا﴾ [الأعراف:٨٩]، ولا قالت القدرية كما قال أهل النار: ﴿غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا﴾ [المؤمنون:١٠٦]، أي: بسبب أعمالنا، ولا قالت القدرية كما قال أخوهم إبليس: ﴿رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي﴾ [الحجر:٣٩]، قال الشافعي: لأن يلقى الله العبد بكل شيء -وفي رواية عنه: بكل ذنب- ما خلا الشرك خير له من أن يلقاه ببدعة، أو قال: ببدعة القدرية، أو قال: بشيء من هذه الأهواء. قال علي بن أبي طالب ﵁: القدر طريق مظلم فلا تسلكه، وبحر عظيم فلا تلجه، وهو سر الله في خلقه فلا تكشفه. وقال ابن عباس: ما غلا أحد في القدر إلا خرج من الإسلام. وقال أيضاً: إياك والقدر فإنه يدعو إلى الزندقة. ولما تكلم صبيغ بن عسل في القدر، جيء به إلى عمر فلما دخل عليه، قال عمر: من أنت؟ قال: أنا عبد الله صبيغ قال عمر: وأنا عبد الله عمر بن ا

стр. 79

أصول أهل السنة والجماعة - كرامات الأولياء كرامات الأولياء ثابتة بالكتاب والسنة وإجماع السلف الصالح، فمذهب أهل السنة والجماعة التوسط في إثبات كرامات الأولياء، فلا مغالاة كالصوفية، ولا نفي لإثبات الكرامات كالمعتزلة، وفرق كبير بين معجزات الأنبياء وكرامات الأولياء، وأعمال السحرة والكهنة والعرافين، ومعجزات الأنبياء كثيرة وكرامات الأولياء ثابتة، ولا تتحقق إلا لمن اتقى الله وحسنت متابعته للنبي ﷺ .

стр. 80

كرامات الأولياء بين اعتقاد أهل السنة والجماعة واعتقاد الفرق الأخرى

стр. 81

اعتقاد المعتزلة في كرامات الأولياء إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة. ما زال الكلام موصولاً عن وسطية أهل السنة والجماعة بين فرق الأمة فيما يتعلق بكثير من مسائل الاعتقاد. من هذه المسائل الاعتقادية كرامات الأولياء، هل هي ثابتة لهم حقاً أم أنها غير ثابتة؟ أنكرها المعتزلة وغالى فيها المتصوفة، أما المعتزلة فقالوا باستحالة ثبوت الكرامة للولي، واحتجوا لذلك بحجج ظنوها عقلية، فقالوا: إذا أثبتنا الكرامة التي هي خوارق العادات للأولياء، فربما اشتبه الولي بالنبي، وربما اشتبه الولي بالساحر، وربما اشتبه الساحر بالنبي؛ ولذلك نحن نمنع هذا الباب ونغلقه إغلاقاً. الرد على المعتزلة في هذا الزعم: أن الولي لا ينال هذه الكرامة ولا تجرى على يديه إلا باتباعه للنبي ﵊، ولذلك يستحيل أن يدعي ولي لله أنه نبي، ولو ادعى أنه نبي لا تجرى على يديه هذه الكرامات، فهذا المأمن من هذا الالتباس والاشتباه، أن الولي لا يمكن أن يزعم في يوم أنه نبي، فهذا فارق بين الولاية والنبوة، إذ إن الولي لا ينال من كرامات الله إلا بحسن اتباعه واقتدائه بالنبي ﵊، فإن زعم هذا الولي أنه نبي في يوم من الأيام فهو كاذب؛ ولذلك لا يستحق أن يكون ولياً لله ، وأما نفي الاشتباه والالتباس بين الولي والنبي من جهة وبين الساحر من جهة أخرى: أن الساحر إنما يستعين بأسياده من الشياطين في قضاء الحاجات ومعرفة الأخبار، وهذا كفر بالله ؛ ولذلك قد ثبت في السنة أن الخبر يكون في السماء حتى ينزل إلى السماء الدنيا؛ فتصعد الشياطين فتسترق السمع، فيأخذون الخبر فيضيفون عليه مائة كذبة من عندهم فيوحون بها إلى أوليائهم من الإنس وهم السحرة والكهان والعرافون؛ ولذلك قال النبي ﵊: (حد الساحر ضربة بالسيف)، واختلف أهل العلم في كفر الساحر من عدمه، ومذهب الجماهير أنه يستتاب ثلاثة أيام فإن تاب وإلا قتل. إذاً: النبي تأتي الآية على يديه وهي معجزة يتحدى بها الخلائق أجمع خلافاً للساحر وخلافاً للولي كذلك، فلا التباس ولا اشتباه بين كرامة الولي ومعجزة النبي، وما يكون من خوارق العادات على يد السحرة والكهان والعرافين، فهذه الحجج وغيرها ترد على المعتزلة في ردهم لإثبات كرامات الأولياء. وإذا كنا نتكلم عن كرامات الأولياء فيحسن بنا أن نعرف الكرامة ابتداء، ثم نعرف الأولياء. فالكرامات: جمع كرامة، وهي خوارق العادات التي يجريها الله على أيدي بعض خلقه من الأنبياء والصالحين، وقولنا: خوارق العادات احتراز مما اعتاده الناس وتعارفوا عليه، وليس أمراً غريباً على أعرافهم وعاداتهم، أما الأولياء فالأولياء: جمع ولي، والولي: هو القريب، يقال: فلان أولى فلاناً أو ولي فلان، أو يلي فلاناً، أي: هو قريب منه مجاور له، فالأولياء هم أقرب الناس إلى الله ، وهم أولى الناس بشرع الله ، فالولي تجرى على يديه خوارق العادات، والنبي تجرى على يديه خوارق العادات، وهذان فضل ومنة من الله ، أما الساحر والكاهن فتجرى على يديه خوارق العادات كذلك، ولكن أصلها الشيطان، وأصلها إبليس، وبين المعجزة على يد النبي والكرامة على يد الولي، وخوارق العادات على يد السحرة والكهان من الفروق الشيء الكثير التي سنتعرف عليها بإذن الله تعالى. هذا الفريق الأول وهم المعتزلة وبيان موقفهم من إثبات كرامة الأولياء.

стр. 82

اعتقاد الصوفية في كرامات الأولياء الفريق الثاني أثبت كرامة الأولياء، ولكنه غالى فيها جداً فأثبتها وزيادة، وأنتم تعلمون أن البدعة في دين الله كما تكون بالنقصان تكون كذلك بالزيادة، وشرع الله منزه عن الزيادة والنقصان إلا ما جاء عن الله وعن رسوله وأجمع عليه أهل العلم، وهي أصول التشريع وأصول الديانة الثلاث: كتاب وسنة وإجماع، خاصة ما أجمع عليه الصحابة رضي الله تعالى عنهم؛ ولذلك أجمع الصحابة بغير خلاف بينهم على ثبوت كرامة الأولياء، كما أجمعوا على ثبوت المعجزات لجميع الأنبياء والمرسلين. ولكن الخلاف وقع بعد زمن الصحابة ﵃ على يد المعتزلة، ثم على يد المتصوفة، فالصوفية قالوا: الكرامة ثابتة للأولياء والصالحين، لكن الولي عندهم أحياناً يكون إنساناً مجنوناً أو مخبولاً أو لا عقل له أو سفيهاً أو طريداً أو إنساناً قد ترك الأوامر وارتكب النواهي، أو أنه يفعل الفواحش بحجة أن العامة يرونها فواحش في الظاهر وهي في حقيقة الأمر طاعات. هكذا يظنون، حتى إن أحدهم -كما في طبقات الشعراني - كان ينزو على أنثى الحمير، فإذا أنكر عليه العامة ضحك منهم واستهزأ وسخر؛ وقال: لأنكم ترون ما لم أفعله! فهو فعل طاعة كما يزعم، وإن العامة رأوا بأعينهم فعل الفاحشة مع الدواب رؤية ظاهرة، فهو يسخر منهم باعتبار أن ما قد رأوه لم يفعله حقيقة، فالعامة أهل الظاهر، وهم -أي: الصوفية- أهل الباطن، وهكذا جعلوا للشرع ظاهراً وباطناً، خلافاً لمنهج النبي ﵊، وقالوا: بأن خاتم الأولياء أفضل من خاتم الأنبياء صلوات ربي وسلامه عليه. قال ابن تيمية: وغير واحد من السلف: وهذا كفر بإجماع، وقال ابن القيم: وهذا كفر صريح، وقال ابن قتيبة: وهذا صريح الكفر وغير ذلك من أقوالهم التي أجمعوا عليها؛ لأن الإجماع منعقد أن خير الخلق هم الأنبياء والمرسلون، وخير هؤلاء هم أولو العزم من الرسل، وخير أولي العزم هو نبينا ﵊. فإذا انعقد إجماع العقلاء -فضلاً عن إجماع الموحدين والمسلمين عامة- على أن خير الخلق قاطبة هو نبينا ﵊ فكيف يقبل قول المتصوفة: خاتم الأولياء أفضل من خاتم الأنبياء؟ فهذا كلام هو عين الكفر، ومن قال بذلك كفر وخرج من ملة الإسلام. ولذلك تجد عند الصوفية كلاماً لا حقيقة له ولا واقع له في كلام أهل السنة والجماعة، تجدهم يقولون: الغوث والقطب والأوتاد والأقطاب، وغير ذلك من هذه الألفاظ الضخمة الفضفاضة، التي تزعج أسماع السامعين، فيضطر الواحد آسفاً أن يحترم هذه الألقاب، ولا يرد على صاحب هذه الأقوال. والحقيقة أننا لو بحثنا في القرون الخيرية لما وجدنا شيئاً من هذه الأقطاب في كتبهم ولا في مصنفاتهم إلا على سبيل المدح لمن علم صلاحه وحسن عبادته، لكن من أقطاب هؤلاء الصوفية الآن من كان لا يغتسل إلا في كل أربعين يوماً مرة، ومن يترك الصلاة والصيام والزكاة والحج، ويقول: إنني قد بلغت مرحلة اليقين، التي هي في قول الله : ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر:٩٩]، قالوا: واليقين هو: درجة إيمانية في القلب تسقط معها التكاليف، فيكون هذا هو خاتم الأولياء، أو يكون من أكبر مريدي هؤلاء الأولياء، فإذا بلغ هذه المنزلة سقطت عنه التكاليف، وهذا اتهام للنبي ﵊؛ لأن النبي ﵊ لم يسقط عنه شيء مما شرعه الله عليه وعلى أمته حتى لقي الله ، وقد طعن عمر بن الخطاب ﵁ وهو في الصلاة، فلما أغشي عليه ذكروه بقولهم له: الصلاة يا أمير المؤمنين! قال: لست أميراً للمؤمنين، ثم يقول: نعم. الصلاة الصلاة، لا حظ في الإسلام لمن لا حظ له في الصلاة، وغير ذلك الكثير والكثير من الآيات والأحاديث التي دلت على عدم سقوط التكاليف مطلقاً حتى يلقى العبد الله ، فكيف يزعم هؤلاء المهرجون أن التكاليف تسقط عن العبد إذا بلغ مرتبة الإيمان أو اليقين؟ هذا كلام لا يقبله أحد، حتى اليهود والنصارى ومشركو العرب لا يقبلون هذا الكلام، فالصوفية وقعوا فيما لم يقع فيه أهل الجاهلية الأولى عياذاً بالله، فهذه المصطلحات التي يدندنون حولها ويلتفون حولها ويقدسون أشخاصها وأربابها لم تكن معلومة لدى سلف الأمة.

стр. 83

توسط أهل السنة والجماعة في إثبات كرامات الأولياء بدليل الكتاب والسنة والإجماع أهل السنة والجماعة توسطوا بين المعتزلة المنكرين لكرامة الأولياء من جهة، وبين الصوفية المغالين في إثبات الكرامة لغير الأولياء من جهة أخرى، وإنما هي أحوال شيطانية تجري على يد من اتخذوهم أولياء من دون الله ودون عباده الصالحين المؤمنين. توسط أهل السنة والجماعة بين هؤلاء وهؤلاء، فقالوا بإثبات كرامة الأولياء، ولكنهم وضعوا مسائل وقيوداً وشروطاً لمعرفة ما إذا كانت هذه معجزة أو هذه كرامة، أو هذه خارقة من خوارق العادة تجري على يد السحرة والكهان، فصارت المسألة اعتقادية في غاية الحكمة، محكومة من كل زواياها وفروعها، فلا يمكن الالتباس الذي يزعمه المعتزلة، كما لا يمكن الغلو الذي يزعمه الصوفية. قال أهل السنة والجماعة: كرامات الأولياء ثابتة بالقرآن والسنة والواقع والعقل، فهذه مصادر إثبات الكرامة للأولياء؛ أنها ثابتة بالقرآن وسنتعرف عليه، والسنة وسنتعرف عليها، والواقع أننا نرى ذلك واقعاً مشاهداً كل منا يلمسه، فإن الله ﵎ يجري الكرامة على أيدي كثير من عباده في كل طوائف المجتمع، من صناع وتجار وزراع وحكماء وحكام وغير ذلك من عامة الشعب؛ لأنه قد انطبع في أذهان العامة أن الولي لابد أن يكون عالماً أو فقيهاً، وهذا كلام غير سديد، وإنما أولياء الله هم المؤمنون المتقون، كما قال الله : ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [يونس:٦٢]، لا خوف عليهم في الدنيا، ولا يصيبهم حزن ولا غم ولا كرب يوم القيامة، ثم عرفهم الله في نفس الآية. قال: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس:٦٣]، فكل إنسان فيه ولاء لله بقدر ما فيه من إيمان وتقوى، ودون ذلك خرط القتاد وكلام فارغ وتهريج، سواء من جهة المعتزلة أو المتصوفة. وقوله : ((الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ)) يدل على أن الله تعالى اتخذ أولياء من اليهود والنصارى وأصحاب الكتب السابقة مادام النبي محمد ﷺ لم يبعث، فإذا بعث نبينا محمد ﵊، فقد انقطعت الولاية عن كل الأمم السابقة، إلا أن يكونوا أتباعاً لنبينا محمد ﵊، وهذه الآيات يدندن حولها اليهود والنصارى إلى يومنا هذا ويقولون: نحن أولياء الله وأحباؤه، قل: فلم يعذبكم؟ لأن الولي لا يعذبه الله ، وإنما يغفر له ويرحمه ويجري الكرامة على يديه تأييداً وتثبيتاً ونصرة للحق وإعانة له على قضاء مصالحه، فإذا كان هذا هو غرض الكرامة، وإذا كان هذا هو ثمرة الولاية، فكيف تزعمون يا معشر يهود! ويا معشر مشركي العرب! أنكم أولياء لله ، مع نزول العذاب عليكم بالليل والنهار؟ أنتم كذبة، وإنما أولياؤه الذين آمنوا وكانوا يتقون، وهذا يدل على انقطاع الولاية في الأمم السابقة، وثبوت هذه الولاية في هذه الأمة المباركة أمة محمد ﵊. هذه مسألة ينبغي أن تقرر، كما قررت المسألة التي قبلها، أما السنة فإن أعظم حديث في ثبوت كرامة الأولياء هو الحديث القدسي الذي أخرجه البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة قال: قال النبي ﷺ : (قال الله : من عادى لي ولياً فقد بارزني بالمحاربة)، فأثبت الله تعالى في هذا الجزء من الحديث أن الناس أولياء وأعداء، وغيرما آية في كتاب الله تكلمت عن هذين الصنفين؛ عن أعداء الله وعن أوليائه، عن الذين كفروا وعن الذين آمنوا، عن الصالحين وعن غير الصالحين، آيات في الموازنة بين الحق والباطل، بين الخير والشر، بين أهل الصلاح وأهل الفساد، بين أهل الطاعة وأهل المعصية، آيات كثيرة جداً ذكرت الفريقين على سبيل المقابلة؛ لإظهار شأن كل فريق، وبيان خصائص كل فريق منهما. قال الله : (من عادى لي ولياً فقد بارزني بالمحاربة)، وإذا قلنا: إن أولياء الله هم الذين آمنوا وكانوا يتقون، فالمعلوم أن على قمة هرم الأولياء هم أهل العلم العاملون بعلمهم، المخلصون في دعوة الخلق إلى الحق، هم على قمة هرم الولاية، فكيف يُعَادَون من غيرهم، فلابد أن الذي يعاديهم ويمنعهم من مهمتهم عدو لله ولأوليائه الصالحين. قال: (من عادى لي ولياً فقد بارزني بالمحاربة)، ولم يقل: فقد بارز أوليائي بالمحاربة، وإنما الحرب بينه وبين الله ؛ لأنه بارز الله في عباده الصالحين وفي أوليائه المؤمنين المتقين، رفع نار الحرب وشعار الحرب بينه وبين الله . وما حارب الله تعالى أحد فأفلح وأنجح، بل ما حارب الله تعالى أحد إلا وأهلكه الله تعالى في أي واد ولا يبالي ؛ لأنه لا يخشى عاقبة الأمور، كما قال: ﴿وَلا يَخَافُ عُقْبَاهَا﴾ [الشمس:١٥]، ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢٣]. فليعلم هؤلاء الذين يحاربون أولياء الله أن حربهم إن لم تكن قائمة فهي قادمة مع الله لا محالة. قال: (

стр. 84

الفوارق بين الكرامة والمعجزة وما يجري على يد السحرة والعرافين أما الفوارق بين الكرامة والمعجزة وما يجري على يد السحرة والكهنة والعرافين، ابتداء: أن المعجزة تكون على يد نبي، والكرامة تكون على يد ولي، وهذا اصطلاح المتأخرين من أهل السنة، ومن قبل في العصور الأولى للإسلام كانوا يطلقون لفظ المعجزة على المعجزة والكرامة، لكن المتأخرين فرقوا بين المعجزة التي يأتي بها النبي، وبين الكرامة التي تكون على يد الولي، والمعجزة مصحوبة بالتحدي ولابد، خلافاً للكرامة؛ لأن الولي لا يحل له أن يتحدى بمنة الله عليه، وما كانت هذه الكرامة إلا تثبيتاً له على موقفه الإيماني، أو نصرة لدين الله في موقف يحتاج إلى نصرة، أو عوناً له على قضاء حاجاته، أو خروجاً له من مأزق وقع فيه، فلا يتحدى بمنة الله تعالى عليه، أما النبي فإنه يأتي ومعه المعجزة أو المعجزات ويتحدى بها الناس أجمعين. وأعظم معجزة أتى بها نبينا ﵊ هي القرآن الكريم، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ومعجزات نبينا قاربت أو ساوت الألف معجزة، أعظمها القرآن الذي نزل من السماء وهو كلام الله . وهكذا اعتبر المسلمون أن أعظم معجزة هي القرآن الكريم؛ لأنها نزلت في أبلغ الخلق وهم العرب، فتحداهم الله في شيء يحسنونه في لسانهم ولغتهم، فنزل القرآن بلسان عربي مبين لسان قريش ولسان هذيل وغيرها من الألسنة: ائتوني بكتاب مثل هذا فعجزوا، ائتوني بعشر سور من مثله مفتريات -لما قالوا: هذا القرآن مفترى- فعجزوا، تحداهم الله تعالى أن يأتوا بسورة واحدة فعجزوا، وفي كل مرة يتحدى الله العرب فيعجزون؛ ولذلك قال الله تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء:٨٨]، أي: مظاهراً له مسانداً ومعاوناً، فتحدى الله ﵎ بهذه المعجزة -وهي القرآن- الإنس والجن مجتمعين، فما استطاعوا أن يأتوا ولا بآية واحدة، وهذا دليل على أن المعجزة تكون مصحوبة بالتحدي خلافاً للكرامة. ثالثاً: أن ما يخبر به الأنبياء لا يكون إلا صدقاً، كما أخبر القرآن والسنة، بل كما سمى العرب النبي ﵊ بالصادق قبل بعثته، ومن قال: إن النبي ليس صادقاً في خبره، وليس صادقاً في تبليغه الأمر والنهي كفر وخرج من الملة؛ لأنه جوز على الأنبياء كبيرة من الكبائر وهي الكذب، خلافاً لما يخبر به السحرة والكهان وعباد المشركين وأهل الكتاب وأهل البدع والفجور من المسلمين، فإنه لابد في أخبارهم من وقوع الكذب. رابعاً: أن الأنبياء لا تأمر إلا بالعدل ولا تفعل إلا العدل، بخلاف غيرهم، فإنهم يفعلون الظلم والجور والفساد، وأحياناً يفعلون العدل، لكن ديدن الأنبياء واحد في أقوالهم وأفعالهم وتشريعاتهم؛ كلها مبنية على العدل والحكمة التي ليس بعدها عدل ولا حكمة. خامساً: آيات الأنبياء إنما هي معجزة من الله بحسن عبادة هؤلاء الأنبياء والأولياء، كذلك تجرى الكرامات على أيديهم جزاءً وفاقاً لحسن أعمالهم، والجزاء من جنس العمل، فآيات الأنبياء إنما تنال بحسن عبادة الله وطاعته، وكذا كرامات الأولياء إنما تنال بقوة الإيمان وزيادته وحسن التقوى ومتابعة الرسول ﷺ . وطريق تحصيل هذا عند النبي والولي الصدق والعدل لا الكذب والخيانة والظلم. سادساً: آيات الأنبياء لا يقدر عليها الإنس ولا الجن، بخلاف كرامات الأولياء، وما يأتي على أيدي السحرة والكهان فإنه ليس بمعجزة، بل يمكن أن تتم كرامة على يد محمد، ويكون لزيد كرامة، وكرامة محمد أعظم منها وأقوى، وما قد أتى على يد زيد يأتي مثله أو أعظم منه على يد عمرو، خلافاً للمعجزة فهي ليست من هذا الباب، والذي يأتي به ساحر يقدر ساحر آخر بفعل الشياطين والأبالسة أن يفكه؛ ولذلك يغتر العامة إذا أصابه شيء من الجن أو المس أو الصرع أو ضياع الحاجات أو كتابة الأعمال والأحراز الشيطانية، فيزعم أنه لا يستطيع فك ذلك ولا قضاءه إلا ساحر فيذهب إلى الساحر!، ولذلك قال النبي ﵊: (من أتى ساحراً أو عرافاً فصدقه بما يقول فقد برئت منه ذمة الله، وإذا أتى عرافاً أو كاهناً ولم يصدقه فإن الله لا يقبل منه صلاة أربعين يوماً). أيها الإخوة! إن هذه من مسائل الإيمان والكفر، ومن مسائل الشرك والتوحيد، ينبغي الدندنة حولها بالليل والنهار؛ لأننا نرى أن قطاعاً عظيماً من الأمة وقعوا في مثل هذا البلاء العظيم، أي: في شعب الشرك كلها، لا أقول السحر فحسب، فينبغي الدندنة والتأكيد من الدعاة إلى الله على إظهار التوحيد وطمس وإخماد الشرك وفروعه وأصوله. سابعاً: ما يأتي به السحرة والكهان وكل مخالف للرسل يمكن معارضته بمثله أو بأعظم منه كما قلنا. ثامناً: المعجزة مقرونة بدعوى النبوة، يعني: لا يمكن لولي أن يزعم أن هذه الكرامة التي كانت على يديه هي من باب المعجزات، وإلا فلا يكون ولياً، بل يكون كاذباً، خلافاً للكرامة فإنها تظهر على ي

стр. 85

معيار التفريق بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان الحمد لله وكفى، والصلاة والسلام على رسوله المصطفى، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. وبعد: فقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية في المجلد الحادي عشر من مجموع الفتاوى ما يسمى برسالة الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان إثبات الكرامة، وأنها معتقد أهل السنة والجماعة خلافاً للمعتزلة، وكل من تكلم في هذا الباب بكلام مسند في كتب الاعتقاد المسندة أو بكلام مشروح لهذه النصوص -أثبت أن عقيدة أهل السنة والجماعة إثبات كرامة الأولياء وأنها باقية بقاء الدنيا، ولكن شيخ الإسلام ابن تيمية قال بالمعيار المعتبر في التفريق بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان، هذا المعيار هو موافقة ومتابعة الرسول ﷺ . حيث قال: فإنه هو الذي فرق الله تعالى به بين أوليائه السعداء وأعدائه الأشقياء، وبين أوليائه أهل الجنة وأعدائه أهل النار، وبين أوليائه أهل الهدى والرشاد وأعدائه أهل الغي والضلال والفساد، وأعدائه حزب الشيطان وأوليائه الذين كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم الله تعالى بروح منه. قال: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المجادلة:٢٢] إلى آخر الآية، وقال تعالى: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الأنفال:١٢] وهذه كرامة ﴿سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ [الأنفال:١٢]، وقال الله تعالى في جانب أعدائه: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ﴾ [الأنعام:١٢١]، وقال: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ [الأنعام:١١٢]، وقال الله تعالى: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ * تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ * يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ * وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾ [الشعراء:٢٢١ - ٢٢٤] إلى آخر الآيات. وقال تعالى: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ * وَمَا لا تُبْصِرُونَ * إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ * وَلا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ * تَنزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ * وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ * لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ * فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ * وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ * وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ * وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ * وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ * فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ [الحاقة:٣٨ - ٥٢]. وقال تعالى: ﴿فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلا مَجْنُونٍ﴾ [الطور:٢٩] فنزه نبينا محمداً ﷺ عمن تقترن به الشياطين من الكهان والشعراء والمجانين، وبين أن الذي جاءه بالقرآن ملك كريم اصطفاه من بين الملائكة، كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ﴾ [الحج:٧٥]، وقال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ﴾ [الشعراء:١٩٢ - ١٩٣] وهو جبريل ﵇ ﴿عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء:١٩٤ - ١٩٥]، وقال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة:٩٧]، وقال تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل:٩٨]؛ للدلالة على أن الشيطان لا تأثير له على النبي ﷺ . وقال تعالى: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ * الْجَوَارِ الْكُنَّسِ﴾ [التكوير:١٥ - ١٦] إلى آخر الآيات التي أثبتت أن إبليس لا سلطان له على النبي ﵊. فأولياء الله هم المتقون المقتدون بمحمد صلى الله ع

стр. 86

أمثلة من معجزات سيد الأنبياء محمد إن كرامات الأولياء تحصل ببركة اتباع النبي محمد ﵊؛ ولذلك جاء في القرآن ذكر كثير من معجزات الأنبياء وكرامات الأولياء، وقد جاءت السنة بكرامات كثيرة من كرامات أتباع محمد ﵊. فمن معجزاته ﵊: إتيانه بالكتاب العزيز، وانشقاق القمر، وتسبيح الحصى في كفه ﵊، وإتيان الشجر إليه لما دعاه، وحنين الجذع إليه، وإخباره ليلة المعراج بصفة بيت المقدس، وإخباره بما كان وما يكون إلى قيام الساعة، وتكثير الطعام والشراب مرات كثيرة بين يديه ﵊، كما أشبع في الخندق العسكر من قدر طعام وهو لم ينقص كما في حديث أم سلمة المشهور، وأروى العسكر في غزوة خيبر من مزادة ماء لم تنقص، وملأ أوعية العسكر عام تبوك من طعام قليل لم ينقص وهم نحو ثلاثين ألفاً، ونبع الماء من بين أصابعه مرات متعددة حتى كفى الناس الذين كانوا معه في غزوة الحديبية، كانوا نحو (١٤٠٠) أو (١٥٠٠)، ورد النبي ﵊ عين أبي قتادة حين سالت على وجنته، فقال: يا رسول الله! ادع الله لي، فأخذها النبي من على وجنته، ووضعها في عينه ومسح عليها، فكانت أحسن عينيه حتى مات، ولما أرسل النبي محمد بن مسلمة لقتل كعب بن الأشرف فوقع وانكسرت رجله، فمسحها النبي وبرئت، وأطعم من شواء مائة وثلاثين رجلاً، كل واحد منهم حز له قطعة أشبعته وفضلت منها فضلة، ولما مات عبد الله والد جابر وترك ديناً، فقال النبي ﵊ لـ جابر: (خذ هذا التمر فاقض منه دين غرمائك، فقال: يا رسول الله! وكم يغنيني هذا؟ فوقف النبي ﵊ على التمر فقسمه أقساماً ووزعه أوزاعاً ودعا في هذه الأقسام، فكان قدر كل قسم يكفي لسداد دين غريم من الغرماء) والأصل فيه أنه بضع تمرات. معجزات نبينا فاقت ذلك بكثير، ولكن المقام مقام سرد كرامات الأولياء، لا معجزات النبي ﷺ .

стр. 87

أمثلة من كرامات الأولياء الصالحين ومن كرامات الأولياء ما كان من أسيد بن حضير ﵁ لما قرأ سورة الكهف، حيث نزل من السماء مثل الظلة فيها أمثال السرج على الخيل، وكانت هذه السرج هي الملائكة تنزلت لقراءته، وكانت الملائكة تسلم على عمران بن حصين، وكان سلمان وأبو الدرداء يأكلان في صحفة فسبح ما فيها من طعام. وعباد بن بشر وأسيد بن حضير خرجا من عند رسول الله ﷺ في ليلة مظلمة فأضاء لهما نور مثل طرف السيف، فلما افترقا افترق معهما النور. وقصة الصديق في الصحيحين: أنه لما ذهب بثلاثة أضياف معه إلى بيته، وجعل لا يأكل لقمة إلا ربا مكانها لقمتان، وما كان عنده من طعام إلا بعض كسر. هذا على يد أبي بكر الصديق ﵁. وخبيب بن عدي كان أسيراً عند المشركين، فنظرت امرأة الآسر له إليه وهو في أسره يأكل عنباً، وما بمكة عنبة واحدة. وعامر بن فهيرة قتل شهيداً فالتمسوا جسده فلم يقدروا عليه، فنظروا إلى السماء، فوجدوا أنه محمول مرفوع قد رفعته الملائكة. وأنتم تعلمون قصة حنظلة غسيل الملائكة الذي نودي للجهاد في ليلة زفافه، فخرج ولم يدرك غسل الجنابة، فلما مات قال النبي ﵊: (إنما غسلته الملائكة) أي: من الجنابة. وخرجت أم أيمن مهاجرة وليس معها زاد ولا ماء، فكادت تموت من العطش، فلما كان وقت الفطر وهي صائمة سمعت حساً من فوق رأسها، فرفعته فإذا بدلو معلق، فشربت منه حتى رويت وما عطشت بقية عمرها. وسفينة مولى رسول الله ﷺ وخادمه، خرج عليه أسد في طريق، فقال سفينة للأسد: يا كلب الله! كيف تؤذيني وأنا رسول رسول الله ومولاه، فصحبه الأسد حتى أبلغه مأمنه، أسد يرعى إنساناً! وذئب يرعى غنماً! أمور عجيبة وخوارق للعادة، ليست في أعراف الناس، ولا في أخلاق الناس، جرت على يد أولياء الله ؛ إثباتاً لكرامتهم. البراء بن مالك كان إذا أقسم على الله تعالى أبره، وكانت الحرب إذا اشتدت قال المسلمون للبراء: يا براء! أقسم على ربك، فيقول: يا رب! أقسمت عليك لما منحتنا أكتافهم، وأن تجعلني أول الشهداء في هذه المعركة، فمكنهم الله تعالى من أكتاف أعدائهم، وكان البراء أول شهيد في المعركة. رجل مستجاب الدعوة. وخالد بن الوليد لما حاصر حصناً منيعاً فأمرهم أن يسلموا أنفسهم، فقالوا: يا خالد! لا نسلم لك إلا بشرط. قال: هاتوا ما عندكم، قالوا: أن تشرب هذا السم، فشربه خالد، فلم يضر، فلما رأوا ذلك سلموا وهم يظنون أن السم سيعمل فيه عمله وأنه يموت ويتخلصون من سيف الله المسلول. وسعد بن أبي وقاص كان مستجاب الدعوة، وما دعا قط دعوة إلا استجاب الله له، وكان عمر يبجله، وكان عبد الله بن مسعود يبجله، وهما أعظم منه إيماناً وعلماً وعملاً وفضلاً، ومع هذا كان عمر بن الخطاب يهابه إذا رفع يديه إلى السماء، وكان له دين عند عبد الله بن مسعود، فلما ذهب ليتقاضاه قال: أمهلنا. قال: إما أن تدفع وإما دعوت عليك، ورفع يديه إلى السماء، فتعلق بهما عبد الله بن مسعود؛ لعلمه أن النبي ﵊ دعا لـ سعد أن يكون مستجاب الدعوة، وهو يقول: يا سعد! إذا دعوت علينا فلا تلعن، وهذا إثبات لخصيصة سعد بن أبي وقاص أنه كان مستجاب الدعوة، فكان إذا دعا في جيش نصره الله، وإذا دعا على جيش هزمه الله كرامة من الله . عمر بن الخطاب لما أرسل جيشاً أمر عليهم رجلاً اسمه سارية، فلما حاصرهم العدو وكادوا ينهزمون وهم بأرض العراق، وعمر بالمدينة ﵁ يخطب للجمعة -ألهم الله عمر إلهاماً وحدث حديثاً من الله ، أن سارية هناك بالعراق يكاد يهزم، وكأن الله تعالى أطلع عمر على وضع سارية وجيشه، فصاح عمر من على المنبر: يا سارية! الجبل الجبل، أي: الزم الجبل، يا سارية! واجعل الجبل قبل ظهرك، والعدو من أمامك، فلما سمع سارية -وهو بالعراق- صوت عمر ﵁ -وهو بالمدينة- فعل ما سمع فنصره الله . وجاء رسول عمر إلى سارية، فقال سارية: لقد سمعنا كذا وكذا، فامتثلنا ذلك وفعلناه، فنصرنا الله ، قال: أشهد أني كنت مع عمر في المسجد وهو يفعل ذلك، وهو يصيح بأعلى صوته ويقول: يا سارية!

стр. 88

أصول أهل السنة والجماعة - تقديم النقل على العقل [١] لما أتم الله تعالى للناس الدين حذرهم من الابتداع فيه بالزيادة أو النقص، وأمرهم بالاتباع، ولشدة خطر الابتداع كان صاحبه في الإثم في درجة أكبر من العاصي ودون المشرك، وما ظهرت الفرق في الإسلام إلا بسبب البدع فمستقل منها ومستكثر، وقد صان الله أهل السنة والجماعة عن ذلك كله، وجعلهم ممن يأخذ بنص الكتاب والسنة ويقدمونهما على العقل، وما زلت كثير من الأقدام إلا لما قدمت العقل على النقل فابتدعت في الدين ما لم ينزل الله به سلطاناً.

стр. 89

التحذير من الابتداع في الدين إن الحمد لله تعالى؛ نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة. أما بعد: فكثير من الناس وإن كان من أهل السنة والجماعة إلا أنه لا يدري أهو منها أم خارج عنها؛ وذلك لجهله بأصول أهل السنة والجماعة وآياتها وعلاماتها. ولما اختلط الحابل بالنابل، وأجلب علينا الملاحدة في هذا الزمان بخيلهم ورجلهم، ولبَّس الشيطان عليهم الحق بالباطل ضلت كثير من الأذهان والأفهام، وسأل كثير من الطلاب عن معنى السلفية، أو معنى أهل السنة والجماعة، أو معنى الفرقة الناجية، أو الطائفة المنصورة؛ لذا كان يحسن بنا من هذا المنطلق وفي هذا المقام أن نبين من هم أهل السنة والجماعة، وما هي أماراتهم وعلاماتهم، وما هو منهجهم في الأخلاق والسلوك، وما هي معتقدات هذه الفرقة الناجية والطائفة المنصورة، حتى يهلك من هلك عن بينة ويحيا من حي عن بينة.

стр. 90

خطر اتباع الأهواء والافتراق في الدين قبل الدخول في المقصود لابد أن نقدم مقدمة لبيان المراد، هذه المقدمة ننطلق فيها من واقع قوله ﵊ الذي أخرجه أبو داود وأحمد والحاكم عن النبي ﵊ أنه قال: (إن من كان قبلكم من أهل الكتاب افترقوا إلى ثنتين وسبعين فرقة، وستفترق أمتي إلى ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة وهي الجماعة)، وفي رواية قال: (ثنتان وسبعون في النار وواحدة في الجنة وهي الجماعة)، وفي رواية قال: (كلها في النار إلا واحدة، قيل: من هي يا رسول الله؟ قال: من كانوا على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي)، وفي رواية معاوية بن أبي سفيان ﵄ أن النبي ﵊ قال: (ألا إنه يخرج من أمتي أقوام يهوون هوى يتجارى بهم ذلك الهوى كما يتجارى الكَلَب بصاحبه، لا يدع منه عرقاً ولا مفصلاً إلا دخله). أما قوله: (وإنه يخرج من أمتي) فبصيغة المضارع، أي: أن المروق من الدين والخروج عن حد طاعة الله ورسوله دائم ما دامت الحياة، يخرج باستمرار في كل زمان ومكان ممن انتسب إلى أمة النبي ﵊ أقوام يهوون هوى، فيبين النبي ﵊ أن هذا الخروج وأن هذا المروق من الملة إنما سببه اتباع الهوى، أو الجهل، أو اتباع الشبهات والمشتبهات في كتاب الله ، كما قال تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾ [آل عمران:٧] أي: من القرآن: ﴿ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران:٧]. أهل الإيمان لهم موقف من كتاب الله يختلف تمام الاختلاف عن موقف أهل الأهواء والبدع والخصومات في الدين، وأصحاب الرأي الذين قدموا القياس على قول الله وقول الرسول، وعلى إجماع أهل العلم من الصحابة ومن بعدهم. قال النبي ﵊: (وإنه يخرج من أمتي أقوام يهوون هوى)، أي: يميلون وينحرفون عن الصراط المستقيم بسبب اتباعهم لأهوائهم، (تتاجرى بهم تلك الأهواء كما يتجارى الكَلَب بصاحبه)، الكلب: داء يصيب الإنسان إذا عضه الكلب، ألا ترون أن سم الكلب الزعاف يدخل في كل أجزاء بدن المعضوض؟ الأمر كذلك، وهكذا الأهواء إذا أطلق الإنسان لها العنان ولم يجاهد نفسه ويدفعها عنه ما استطاع تمكنت منه حتى دخلت في كل عرق ومفصل في جسده، ومن هذا المنطلق أحب الشيطان وأحب إبليس البدعة أكثر من حبه للكبائر والمعاصي؛ لأن صاحب الكبيرة ربما تاب منها، وصاحب المعصية الصغيرة ربما تاب منها، أما صاحب البدعة فإنه يتصور أنه على الحق، أو أنه لفرط اتباعه لهواه استقر ذلك في قلبه وألفه وصار عادة له، فلا يُمكن مِن ترك البدعة أو نبذها، ولذلك حذر أهل العلم من الوقوع في البدع أكثر من تحذيرهم من الوقوع في المعصية، وقالوا: المعاصي ثلاثة أنواع: الكفر بالله العظيم، ثم البدعة في الدين، ثم الوقوع في سائر المعاصي، فجعلوا البدعة والابتداع في الدين في منزلة وسط بين الشرك بالله وبين اقتراف الكبائر والصغائر؛ لخطورة الابتداع في الدين، ولعلم أهل السنة والجماعة من أهل العلم والمجتهدين بخطورة هذا الأمر. قال: (تتجارى بهم تلك الأهواء كما يتجارى) وانظر إلى اللفظ (يتجارى)، أي: يدخل دخولاً شديداً في كل أجزاء الجسم حتى يتمكن من دمه ولحمه وعظمه وعقله وفكره وفؤاده، فلا يبقى أمامه مجال لأن يخرج منه وأن يدخل مرة ثانية في دائرة أهل السنة والجماعة.

стр. 91

حكم الفرق المبتدعة وفي الحديث مسائل: المسألة الأولى: هل هذه الفرق فرق كافرة، وبالتالي تستحق الخلود في النار مع الكافرين؛ لقوله: (وستفترق هذه الأمة إلى ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة)؟ هذه الواحدة هي الناجية من النار بشهادة النبي ﵊، وبشهادة الله تعالى في قرآنه. لكن المبحث هنا: هل هذه الفرق كافرة وخارجة عن دائرة الإسلام وحد الإسلام بالكلية؟ لا مانع أن يكون منهم من كان حاله على هذا النحو، كالذي يرد أصول الإسلام وقواعده العامة، ويتخذ الضلال له منهجاً وفكراً واعتقاداً يسلكه إلى قيام الساعة، فإن من أنكر قدر الله ، وأن الله على كل شيء قدير، وأن الله يفعل في خلقه ما يشاء، أو قال: إن الله لا يعلم ما يكون إلا بعد أن يكون. لا شك أن هذا كافر بالله العظيم، وعلى ذلك إجماع الصحابة ﵃، وهو الإجماع المعتبر. وأما من قال: إن محمداً أشبه بـ علي كالغراب بالغراب، والنملة بالنملة، والنحلة بالنحلة، وهو قول فرقة من غلاة الشيعة؛ ويسمون الغرابية لأنهم يلحقون محمداً بـ علي في الشبه كما يشبه الغراب الغراب، ولا يستطيع أحد أن يميز بين الغرابين، أو بين النحلة والنحلة، والنملة والنملة، وبئس المثل الذي ضربوه؛ لأن العرب لا تضرب المثل بالغراب إلا لمثل السوء، فالغراب عند العرب من الطيور المحتقرة لا من الطيور المحترمة، ولذلك هم ضربوا بهذا المثل ويريدون أن يصلوا إلى أن جبريل ﵇ لفرط الشبه بين محمد وعلي نزل خطأً بالوحي على محمد، وكان حقه أن ينزل على علي بأمر السماء! ولذلك هم يتقربون إلى الله -بزعمهم- بسب ولعن صاحب الريش، يعنون جبريل ﵇، ومن كان هذا حاله لا شك أنه خارج عن دائرة الإسلام، ومخلد في النار مع الكفار الأصليين. فكل من غالى من جميع هذه الفرق استحق الخلود في النار بسبب مروقه وخروجه عن حد الإسلام ودائرة الإيمان، أما من لم يكن مغالياً، أو كان جاهلاً تابعاً في جهله لغيره، وكان على استعداد لأن يقبل الحق إذا عرفه واطلع عليه، فلا شك أن هؤلاء في دائرة الإسلام وإن كانوا على خطأ. إذاً: ليس كل هذه الفرق كافرة، إنما يكفر منها الغلاة، وبعض أهل العلم كفرها كلها أخذاً بظاهر الحديث: (كلها في النار)، ولكن أهل التحقيق من الفقهاء والمحدثين قالوا: إن قوله ﵊: (كلها في النار) لا يعني الخلود الأبدي السرمدي الدائم في النار، وإنما المراد الخلود في لغة العرب، ومعناه المكث الطويل، وأن هؤلاء إذا دخلوا النار خرجوا منها لا محالة بشفاعة الشافعين، أو بعد أن يستوفوا الجزاء الذي ترتب على انحرافهم وميلهم عن صراط النبي ﵊. ولذلك نقول: ما ذنب من نشأ في إيران على حب علي ﵁، بل على المغالاة في حب علي وذم معاوية ﵁؟ وما ذنب من نشأ بالشام يحب معاوية ويغالي فيه ويذم علياً ﵁ وهو من الجهل بمكان، لا يدري ما تحقيق هذه المسائل؟ وهذا كلام الذهبي عليه رحمة الله في كتابه العظيم سير أعلام النبلاء. الشاهد من هذا: أن خلود الكثير من أتباع هذه الفرق إنما هو بمعنى المكث الطويل.

стр. 92

الضابط الذي به تتكون الفرقة المبتدعة المسألة الثانية: أن هذه الفرق لا تصير فرقاً إلا إذا خالفت أمراً كلياً من أمور الدين الكلية ومن القواعد الشرعية العامة؛ ولابد أن تفهم هذا؛ لأن الكثير عند سماعه لهذا الحديث يتصور أن هذه الجماعات العاملة على الساحة الدعوية الإصلاحية أو العلمية إنما هي فرق وينطبق عليها هذا الحديث، وليس الأمر كذلك، فهناك فرق بين طائفة من الناس اجتمعوا على الدعوة إلى الله على نهج معين، وبين قوم اجتمعوا واتخذوا لهم أصولاً تخالف ما كان عليه النبي ﵊ وأصحابه الكرام، وخالفوا أهل السنة في ربهم وفي نبيهم وفي معتقدهم، بل حتى في الأحكام والأخلاق والسلوك، فإن هذه الفرقة إذا تحزبت واتخذت لها منهجاً مكوناً من قواعد كلية وأصول عامة في الشريعة الإسلامية يخالفون بها الكليات والقواعد العامة في شريعة محمد ﵊؛ فإن هؤلاء هم الذين يستحقون اسم الفرقة الضالة، أما من اتخذوا لأنفسهم منهجاً في الدعوة إلى الله -وربما يكون فيه بعض الانحراف- فإن هذه الطائفة وهذه المجموعة من الناس لا يمكن قط أن يطلق عليها وصف فرقة من الفرق، ومن أطلق لسانه في جماعة من الجماعات العاملة على الساحة، الداعية إلى الله حسب اجتهادهم أصابوا أم أخطئوا الذي يطلق عليهم أنهم فرق لا شك أن قوله هذا إما أن يكون مصدره الهوى، ونصرة الذات على الغير وحب الظهور، وإما أن يكون منشأ ذلك الجهل بأصول الفرق، وبما عليه هذه الجماعات من الخير.

стр. 93

أصول الفرق المبتدعة وأصل نشأتها المسألة الثالثة: أصول هذه الفرق قد عدها بعض أهل العلم واختلفوا في عدها، فمنهم من ذكر ثنتين وسبعين فرقة، والراجح كما رجح ذلك ابن تيمية عليه رحمة الله: أن أصول الفرق هم: الشيعة، والقدرية، والجبرية، والمشبهة، والروافض، ومرد بقية الثنتين وسبعين فرقة إلى هذه الفرق، أي: أن هذه الفرق أصلها ست أو خمس أو أربع أو أكثر من ذلك، ثم تفرقت وتشعبت إلى فرق بلغت في تعدادها ثنتين وسبعين فرقة. هذه الفرق لم تكن موجودة في زمن النبوة الأول، إلا أن ملامح بعضها قد بدأ في زمانه ﵊، ولذلك قال ﵊: (سيخرج من أمتي أقوام يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم)، يعني: لا يجاوز حلوقهم، إلى القلوب والأفهام والعقول، وإنما حظهم من كتاب الله التلاوة فحسب، لا يتدبرونه ولا يعرفون معناه، ثم قال النبي ﵊: (يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية)، وهذا الذي أتاه فقال له: (يا محمد! أعطني من مال الله، فإنه ليس مالك ولا مال أبيك) هكذا خاطب النبي ﵊، فقال النبي ﵊: (أعطوه ما يريد، ثم لما ولى الرجل وأخذ نواله، قال النبي ﵊: سيخرج من ضئضئ هذا -أي: من ظهر هذا أو من فكره ويكون تابعاً له في المعتقد- أقوام يقاتلونكم، وفي رواية: يقرءون القرآن ويحتجون به عليكم، تحقرون صلاتكم إلى صلاتهم، وصيامكم إلى صيامهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية). ولذلك كثير من عامة الناس يغتر بأصحاب العبادات، وإن كانت العبادة المحضة لله على مراده ومراد رسوله من أعظم ما يمكن أن يتقرب به المرء إلى الله، ولكنها ليست وحدها الحاكمة على العبد بالاستقامة، فكثير من الزهاد والعباد إنما يعبدون الله ﵎ بجهل، ويسيئون أكثر مما يصلحون، ولذلك كان علي بن أبي طالب يضرب العباد في محاريبهم قائلاً لهم: (تفقهوا قبل أن تعبدوا). حتى يعبدوا ربهم على بصيرة ونور.

стр. 94

فرقة الخوارج في العصر الحاضر المسألة الرابعة: هذه مقدمة لابد منها في بيان معتقد أهل السنة والجماعة وما هم عليه من خير، وحتى تعلم أن العبادة وحدها ليست كافية في الحكم على العبد بالاستقامة وسلامة المعتقد والمنهج، فلا يوجد على مر التاريخ أعبد من الخوارج، وإن شئت فقل: لم يخرج أحد على السواد الأعظم من أهل السنة والجماعة كما خرج الخوارج؛ لأنهم لا يدرون ما في كتاب الله ولا ما في سنة النبي ﵊، ولم يجلسوا يوماً لعالم يتفقهون على يديه، وهذه جماعة التكفير تعيش بين أظهركم وبين أيديكم، وتنطلق هذه الجماعة والفرقة المشئومة تارة في بلدة تسمى كرباسة، وهي خلف ظهوركم، أو في شارع فيصل ويمتدون إلى منطقة الهرم، وفي شوبرا وعين شمس، وهذه الفرقة إنما يكمنون في وسط الأحياء الراقية في مصر الجديدة على جهة الخصوص، ثم لهم وجود ضئيل خفيف في منطقة المهندسين والدقي على مرأى ومسمع من المسئولين؛ لأنهم لا خطورة منهم الآن، وما أبقاهم المسئولون إلا لأن دورهم قد مات، أو ربما يكون له وجود في المستقبل، أما الآن فلا خطورة منهم، فتركهم يهدمون ما يبنيه الآخرون أمر مطلوب على الساحة السياسية. هذه الجماعة، وإن شئت فقل: هذه الفرقة، لماذا هي فرقة؟ لأنها تبعت أجدادها وأسيادها وآباءها الذين خرجوا في زمن علي بن أبي طالب ﵁، فتبنى هؤلاء أصول أولئك، وتبنى هؤلاء هدم القواعد الكلية والقواعد العامة في الشريعة الإسلامية كما هدم أجدادهم، فاستحقوا بذلك أن يكونوا فرقة من الفرق الضالة بخلاف غيرهم.

стр. 95

الحق في الأصول العامة والقواعد الكلية واحد لا يتعدد قوله ﵊: (كلها في النار إلا واحدة)، يدل هذا القول على أن الحق واحد لا يتعدد، أي: الحق في الأصول العامة والقواعد الكلية واحد لا يتعدد، أما في فروع الشريعة فالباب واسع، ولذلك اختلف الصحابة ﵃ في فروع كثيرة جداً من الفقه وفي بعض فروع الاعتقاد، وأما الذي اختلف فيه السلف من الصحابة على جهة الخصوص فإنه يسع من أتى بعدهم، ولا يضلل أو يفسق أو يبدع به المخالف؛ لأن هذا هو دين الله . أما الخلاف في الأصول العامة والقواعد الكلية فإنه كفر بواح، فمثلاً: الخلاف على أن الله تعالى فرض الحج وفرضه في أشهر معلومات، فإن من نازع في ذلك كافر، ومن خالف في أن الله تعالى افترض على المسلم خمس صلوات في يومه وليله تؤدى ونازع في ثبوت ذلك فإنه كافر بالله العظيم، وقس على هذا غيره مما أجمع عليه أهل العلم بناء على ثبوته في الكتاب والسنة، فإن هذا مما لا يسع المسلم فيه الخلاف، ولا يمكن أن يأتي إنسان ويدعي أن هذا من باب الاختلاف في الدين، وأن هذا أمر مباح، وأن هذا خلاف سائغ معتبر، فإن من قال هذا فقد فَقَدَ دينه وعقله على السواء. ولذلك قوله: (إلا واحدة)، يدل على أن الحق واحد؛ لأن مصدر الحق لم يختلف عليه أحد من أهل السنة والجماعة، وأن مصدر الحق هو كلام الله تعالى في كتابه، وكلام النبي ﵊ في سنته الصحيحة، وإجماع أهل العلم خاصة إجماع الصحابة ﵃، فيكون منشأ العلم الرد إلى الله تعالى، والرد إلى رسوله الكريم ﵊، وهذا قد بُين في قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام:١٥٣]، فبين أن صراطه واحد لا اثنان، وفي قول الله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء:٥٩]، فلم يقل: ردوه إلى قياس على غير أصل، أو إلى رأي فاسد، أو إلى زعماء هذه الفرق، أو أمراء الجماعات أو غير ذلك، وإنما إذا وقع النزاع والتفرق والاختلاف أن يكون الرد لله ﵎ ورسوله الكريم ﵊، وما أجمع عليه الصحابة ﵃ مما لم يرد في كتاب الله ولا في سنة الرسول ﵊ بالأمر الصريح إنما أجمعوا عليه استنباطاً واجتهاداً من أدلة الكتاب والسنة، فلابد أن تفهم هذا فإنه مهم غاية الأهمية، بل لابد أن تضع هذه الأصول نصب عينيك تنير لك الطريق. أما النبي ﵊ فلم يعين هذه الفرق، قال: (ثنتان وسبعون في النار، وواحدة في الجنة)،لم يقل: الأولى من أهل النار، هي كيت وكيت وكيت، وأصولها كيت وكيت وكيت، ولم يفعل هكذا في كل فرقة من الفرق، وإنما بين أوصاف وعلامات وأمارات الفرقة الناجية؛ لأنها الأولى بالبيان؛ لأن النبي ﵊ إذا بين صحة اعتقاد فرقة بعينها دل على أن غيرها من الفرق على معتقد باطل. ويدل كذلك تعيين هذه الفرقة دون سواها أننا مطالبون ابتداء بمعرفة هذه الفرقة بجميع أصولها وقواعدها العامة الكلية؛ ثم اعتقاد أن بقية الفرق ما استحقت النار والخلود فيها إلا لأجل مخالفتها لهذا الحق الذي عليه الفرقة الناجية والطائفة المنصورة. ولذلك لا يعجبني قط كما لا يعجب أحداً من أهل العلم انطلاق بعض المشايخ وأهل العلم في تعليم الطلاب ما هي الشيعة، وما هي القدرية، ومن هم الخوارج، ومن هم الروافض، ومن هم المعتزلة، ومن هم الأشعرية، قبل أن يتأهل المستمع في العقيدة السليمة، فإذا ترسخت هذه العقيدة في قلب السالك إلى الله ، وأصول الفقه والحلال والحرام والأخلاق والسلوك والآداب فلا مانع، وكثير ممن يفيق في هذا الزمان إنما يفيق بعد سن الأربعين، فلا يكفي ما تبقى له من عمر أن يدرس أصول هذه الفرق وفروع هذه الفرق، إنما يكفيك أن تنجو بنفسك، يقال: انج سعد فقد هلك سعيد. الذي يلزمك لزوماً أكيداً أن تنطلق في البحث عن عقيدة أهل السنة والجماعة فتدرسها، وتتعلم أصولها وفروعها حتى لا تضل بك تلك الأهواء، وألا يدخل فيك داء الكَلَب الذي إذا دخل في كل عرق ومفصل منك لم يدع منك شاردة ولا واردة إلا أضلك فيها كما ضل من سبق.

стр. 96

تعريف الجماعة بين النبي ﵊ أن هذه الفرقة الناجية هم الذين تمسكوا بالسنة وتمسكوا بالجماعة، بل سماهم النبي ﵊ بالجماعة، قال: (إلا واحدة وهي الجماعة)، ولذلك اختلف أهل العلم ما هي الجماعة؟ قالوا: هم السواد الأعظم من أهل الإسلام، أي: عامة الناس، وبعضهم أصاب في تعريفه أكثر فقال: هم الجماعة من أهل العلم والمجتهدين؛ معهم عامة الناس أو ليس معهم عامة الناس، المهم أنهم جماعة العلم والعلماء والمجتهدين؛ لأن أحداً لن يخالف هؤلاء إلا من منطلق الجهل أو الشهوة، ولذلك يقول ابن سيرين: ما ضل عالم قط، ويقول ابن مسعود ﵁: (الجماعة أن تكون على الحق وإن كنت وحدك). والناظر في القرن الثالث الهجري في زمن أحمد بن حنبل يرى أن الولاة والأمراء والقضاة والحكام وغيرهم كانوا على الاعتزال -وهي فرقة باطلة-وأحمد ﵁ وحده على الحق، ولذلك ناقشه رجل، وقال: يا أحمد لقد ظهر ما تزعم أنه الباطل على الحق الذي تزعم أنك عليه، ولو كان هذا باطلاً لم يكن له ظهور. فقال له أحمد: ومن قال لك أنه ظهر؟ لا والله ما ظهر، إنما الظهور انتقال القلوب من الحق إلى الباطل، أما قلوبنا فمستقرة بالحق بإذن الله. فواحد على الحق يؤثر بل ويقض مضاجع أهل الباطل وإن كثروا؛ لأن الباطل لجلاج ضعيف هزيل، لا يصمد أمام كلمة حق واحدة. انظروا إلى سلطان جائر لو خرج عليه رجل وقال له: اتق الله في حكمك واحكم بشرع الله، كيف سيهتز؟! ولذلك قال النبي ﵊: (أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر)، فعد النبي ﵊ هذا من أعظم مراتب الجهاد، مع أنه كلام يقال باللسان من شخص لشخص يملك أمة، والأمة كلها معه، وإذا استطاع أن يعمل فيها الخوف أو السيف لفعل دون أن ينكر عليه أحد، ثم يقول له: اتق الله فأنت ظالم فاجر، ويقيمه على الجادة إن أراد الله تعالى وهو واحد. وبعضهم قال: الجماعة هي: جماعة الصحابة على جهة الخصوص؛ لأنه لم يثبت أن صحابياً واحداً خرج عن منهاج النبوة، أو كان مع أصحاب الفرق الضالة، وأن الله ﵎ عصمهم في مجموعهم؛ وما وقع بينهم من الاختلاف إنما هو من باب الاختلاف السائغ المعتبر، أما الخلاف في أصول الدين وقواعده الكلية فلم يكن ذلك كما كان فيمن أتى بعدهم، ولذلك استحق الصحابة ﵃ يرضا الله تعالى عنهم، ورضا النبي ﵊ وترضي أهل السنة والجماعة عنهم استحقوا أن يكونوا القدوة والأسوة بعد النبي ﵊، وهذا أمر لا يتأهل له غيرهم ممن أتى بعدهم. وبعضهم قال: إن القوم إذا اجتمعوا على أمير صاروا جماعة. وربما يحدث هنا لبس، فتقول هذه الجماعات المتناثرة المترامية في الأرض شرقاً وغرباً: نحن الجماعة! وليس الأمر كذلك، بل المقصود جماعة الإمام الأعظم والخليفة العام الذي ينتظره كل مسلم، فهؤلاء الحكام والأمراء والزعماء والقواد والملوك ليسوا في حقيقة أمرهم خلفاء، وإن زعم بعضهم أنه خليفة، وأمر الخطباء والوعاظ والعلماء بالدعاء له على المنابر وفي محاضراتهم ودروسهم باسم الخليفة، ليس الأمر كذلك، بل الخليفة عند أهل السنة والجماعة هو من تولى أمر المسلمين عامة في الشرق والغرب على وجه الأرض، وعين الولاة والأمراء، فعينوا هؤلاء القضاة وحكام القرى والريف وغير هؤلاء. فالخليفة الذي ننتظره بعد أن سقطت الخلافة العثمانية في تركيا على يد الهالك المجرم الغاشم الآثم الكافر مصطفى كمال أتاتورك لعنه الله، لما سقطت الخلافة على يديه سنة ١٩٢٤م قامت هذه الجماعات مجتمعة لتسد بعض الثغرات التي نتجت عن سقوط الخلافة العثمانية، أو الخلافة الإسلامية. هذه أقوال أهل العلم في بيان معنى الجماعة. أقول قولي هذا وأستغفر الله تعالى لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 97

تعريف أهل السنة الحمد الله وكفى، والصلاة والسلام على رسوله المصطفى، وأصلي وأسلم على نبينا محمد ﵊، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً عبده ورسوله. وبعد: فهذه الفرقة الناجية والطائفة المنصورة هم أتباع أهل العلم إلى قيام الساعة، ولكن السؤال الذي دائماً يحير سائله: من هم أهل السنة والجماعة؟ ولماذا سموا بهذا الاسم؟

стр. 98

سبب التسمية بأهل السنة سموا بهذا الاسم: أهل السنة؛ لتمسكهم بالعروة الوثقى والحبل المتين، وهي سنة النبي الأمين التي أتى بها من عند رب العالمين، فتمسكت هذه الطائفة بما كان عليه النبي ﵊ وأصحابه الكرام خاصة في باب الاعتقاد وكذلك العبادات، فلم يبتدعوا لا في أصل ولا في فرع، فهؤلاء هم أهل السنة، ولذلك عند إطلاق لفظ السنة في باب الاعتقاد إنما يقصد به من كانوا على مثل ما كان عليه النبي وأصحابه الكرام ﵃ أجمعين، ولذلك يقال: فلان من أهل السنة، وفلان من أهل البدعة، فتطلق السنة في مقابلة البدعة، سواء كانت بدعة كلية أو بدعة فرعية في الأحكام.

стр. 99

معنى السنة عند السلف والفقهاء يطلق السلف لفظ السنة على الطريقة المسلوكة -وهذا معنى السنة في اللغة- سواء كانت مذمومة أو محمودة، كما في قوله ﵊: (من سَنَّ في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً، ومن سن في الإسلام سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها لا ينقص ذلك من أوزارهم شيئاً). والسنة عند الفقهاء تعني مقابلة الفرض، فالسنة عند الفقهاء وعند أهل الفقه تختلف عن الفرض، فالظهر فرض وما قبله وما بعده من النوافل تسمى سنة.

стр. 100

سبب وجود مصطلح أهل السنة أما اشتهار لفظ السنة عند السلف فسببه أنه خرجت الخوارج وافترقت الفرق، فقالوا: فلان سني وفلان بدعي، وفلان على السنة وفلان مبتدع، وقد ورد ذلك في تراجم كثير من أهل العلم، ومن شاء الرجوع إلى ذلك ومعرفته وقراءته بعيني رأسه فليرجع إلى سير أعلام النبلاء، وغيره من كتب تراجم أهل العلم، فإنهم كانوا يقولون: فلان كان داعية إلى السنة، محارباً لأهل البدع.

стр. 101

من صفات الطائفة المنصورة هذه الطائفة المنصورة إنما ظهرت في قوله ﵊: (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرة على الحق لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك)، أي: على هذا الظهور والتمسك بما هم عليه من الحق، هذا الحديث استنبط منه أهل العلم معنى الطائفة المنصورة، قال الإمام أحمد بن حنبل ونعيم بن حماد شيخ الإمام البخاري وغيره من أهل العلم: إن لم تكن الطائفة المنصورة هم أهل العلم وأصحاب الحديث فلا ندري من هم. قال البغدادي: وإنما استحقت هذه الطائفة أن تكون منصورة وأن يكون أولى الناس بها هم أهل الحديث لدوام قرع أسماعهم بقال الله وقال الرسول، ومعرفتهم بعلل الروايات، وتمييزهم بين صحيح الأقوال وضعيفها، ودعوة الناس بما صح من سنة النبي ﵊، ومعرفة هؤلاء بأقواله ﵊ وأفعاله وتقريراته، وصفاته الخَلْقية والخُلُقية، فهم أدرى الناس بالنبي ﵊، وأعلم الناس بأحواله وأقواله وأفعاله، كما أنهم يحرصون على معرفة المصدر الأول وهو وحي السماء، كتاب الله ، فهم يدرسونه بعناية فائقة، ينفون عنه وعن سنة النبي ﵊ تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين، وقد قال النبي ﵊: (يحمل هذا العلم -أي: علم السنة- من كل خلف عدوله) أي: من كل جيل أعدل الناس فيه، وفيه إشارة إلى أن من حمل العلم صار عدلاً. وهذا مذهب الأحناف، خلافاً للجمهور. على أي حال العلم شرف لأهله، ولذلك وردت آيات في كتاب الله ، وفي سنة النبي ﵊، وأقوال سلف الأمة تبين فضل العلم والعلماء، وأن أحداً لا يوازيهم ولا يضاهيهم في الفضل والعلم والفكر والفهم والعمل والعبادة، ولذلك نص أهل السنة والجماعة على ذلك في كتب أصيلة عظيمة من كتب الإسلام، وأن أهل السنة والجماعة إنما يعرفون بعلامات وسمات وأمارات، ولذلك قال سفيان لـ يوسف بن أسباط: يا يوسف! إذا سمعت برجل من أهل السنة بالمغرب فأرسل إليه السلام، وإذا سمعت برجل من أهل السنة في المشرق فأرسل إليه السلام، فأهل السنة جزء واحد كالجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى، كما في قوله ﵊: (والمسلمون يسعى بذمتهم أدناهم) قال العلماء: المسلمون في هذا الحديث يعني بهم ﵊ أهل السنة، (يسعى بذمتهم أدناهم)، (والمؤمنون في توادهم وتراحمهم كالجسد الواحد)، (والمؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً)، وقال ﵊: (وكونوا عباد الله إخوانا)، وغير ذلك من الأدلة التي وردت في الكتاب والسنة تدل على أن أهل السنة والجماعة هم من كانوا على أصول ثابتة وقواعد عامة كلية في الشريعة والاعتقاد، وإن تباعدت أوطانهم، واختلفت ألوانهم وألسنتهم. وهذه الفرقة الناجية ما سميت ناجية إلا لنجاتها من النار، وما نجت من النار إلا لتمسكها بسنة النبي المختار صلوات ربي وسلامه عليه.

стр. 102

تقديم النقل على العقل من أصول الطائفة المنصورة أول أصل من أصول الفرقة الناجية: أن هذه الطائفة تقدم دائماً النقل على العقل، وهذا في حال الاختلاف والتنازع، أما الأصل فإنه لا يمكن بحال أن يختلف نقل صحيح ثابت مع عقل صريح، ولذلك يسمع الآن على الساحة بعض الملاحدة يقولون: هذه الآية لا تستقيم مع عقولنا، وهذا الحديث لا يمكن أن يكون معقولاً، لماذا؟ لأنهم احتكموا إلى عقولهم، وجعلوا الشرع والنصوص التي وردت في الكتاب والسنة تابعة للعقل. أما أهل السنة والجماعة والفرقة الناجية فإنهم جعلوا العقل تابعاً للنقل، الأصل عندنا قال الله. قال الرسول. أجمع العلماء، ثم قياس صحيح على هذه الأصول، وإذا اختلف العقل مع هذا النقل فلا يخرج الحل عن أحد أمرين: الأمر الأول: أن النقل لا يثبت، ولذلك أنتم تسمعون دائماً في إذاعة القرآن الكريم وغيرها، أن النبي ﷺ نقل عن ربه أن الله تعالى في الحديث القدسي قال: (وإني خلقت العرش من نور محمد، وخلقت محمداً من نور ربك يا جابر)، وفي رواية: أن النبي ﵊ قال لـ جابر بن عبد الله الأنصاري: (أول ما خلق الله نور نبيك يا جابر)، فإذا نظرنا إلى هذا الحديث القاضي بأن أول مخلوق هو نور النبي ﵊، ونظرنا إلى الحديث الآخر الذي قال فيه النبي ﵊: (أول ما خلق الله القلم، فقال له: اكتب، قال: وما أكتب؟ قال: اكتب كل شيء كان إلى يوم القيامة، فجرى القلم بما كان وما سيكون). إذا نظرنا إلى هذين الحديثين نجد أن أحدهما غير ثابت، بل مكذوب على النبي ﵊ وهو الحديث الأول، وأما الحديث الثاني فهو حديث صحيح ثابت، فلا يبقى حينئذ تعارض بين هذه النصوص النقلية وبين العقل، فالعقل الآن يؤمن أن أول مخلوق هو القلم، وأن الله أمره أن يكتب مقادير الخلائق، وأعمالهم إلى قيام الساعة، ففعل القلم وكتب ما أمر به. الأمر الثاني عند تعارض العقل والنقل: لابد أن نتهم عقولنا؛ لأن الله ﵎ هو الذي خلق العقول وخلق أصحابها، وعلم ما يصلحها وما يفسدها: ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك:١٤]، وشرع الله ﵎ شرعه ليصلح العباد والبلاد، لا لأجل أن يوقعهم في الاضطراب واللبس والحيرة، فالفساد صفة نقص لا تليق بالله ، ولذلك إذا تعارض حديثان في عقلك، أو دليلان في عقلك، أو دليل واحد مع عقلك فقل: آمنت بالله ورسوله، كما كان يفعل الصحابة ﵃ إذا سمعوا النص من كتاب الله أو سنة الرسول ﵊، فإنهم يسرعون إلى النبي ﷺ يسألونه عن معنى الآية أو الحديث، فإذا بين لهم ذلك أخذوه وانطلقوا يقولون: آمنا بالله ورسوله، أما أن ترد النص وترد العقل لأول وهلة لأنه اختلف مع عقلك، فتحسن الظن بعقلك وتسيء الظن بالله ورسوله، فهذا كفر بواح، بل أنت مأمور أن تقول: سمعنا وأطعنا، وهذه علامة وآية على إيمانك واستسلامك وذلك وخضوعك بين يدي الله العليم القدير. أول أصل من هذه الأصول: أن تقدم كلام الله ورسوله أولاً، وما أجمع عليه أهل العلم، وكل ذلك مقدم على عقلك وفكرك، أن تسلم دائماً لله، ولذلك كثير من أصحاب الفرق الضالة أوقعهم فيما وقعوا فيه تقديمهم لأهوائهم وقلوبهم وعقولهم وأمزجتهم وأذواقهم ووجدهم؛ قدموا كل شيء وأخذوا كلام الله وكلام الرسول ﵊، فاستحقوا أن يضرب الله ﵎ عليهم العقوبة القدرية الدنيوية، التي هي عقوبة من ضل عن السبيل؛ بأن يجعله كبني إسرائيل يسير في الأرض حيران له أصحاب يدعونه إلى الهدى ائتنا، أصحابه يظنون أنهم على الهدى ويدعونه إليه، تعال معنا، فيذهب معهم فتتجارى به الأهواء، حتى تدخل منه في كل عرق ومفصل فلا يستطيع أن يترك هواه، كما أن من وقع في شهوة صعب عليه جداً أن يترك شهوته، فالبدع شر في التمكن من القلوب والأفئدة والعقول من تمكن هذه الشهوات. اللهم احفظ عقولنا بالإسلام اللهم احفظ عقولنا بالإسلام اللهم احفظ عقولنا بالإسلام اللهم إنا آمنا بك وبرسولك، وآمنا بكتابك وسنة رسولك، فاحفظنا عليها قائمين، واحفظنا عليها قاعدين، واحفظنا عليها إلى يوم الدين. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 103

أصول أهل السنة والجماعة - تقديم النقل على العقل [٢] من أصول أهل السنة والجماعة المقررة عندهم: أن العقل لا يقدم على النقل، وأنهما لا يختلفان إذا صح النقل وسلم العقل من الآفات، ومع هذا فهم لا يقللون من شأن العقل أو يلغونه؛ فإن الشرع بنصوص الكتاب والسنة قد خاطب العقل والعقلاء، وجعل العقل هو مناط التكليف للمرء، ثم هم أيضاً لا يتجاوزون به حدوده، فيبحثون عن الحكمة والعلة في كل شيء، بل ما ظهر منها أخذوا به، وما لم يظهر أسلموا له وأذعنوا.

стр. 104

بيان أهمية العقل في الإسلام وعدم تعارضه مع النقل إن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة. أما بعد: فلا زال الكلام موصولاً عن أصول وخصائص أهل السنة والجماعة، وكنا قد تكلمنا عن الأصل الأول من أصول أهل السنة والجماعة، وهو أنهم يقدمون النقل على العقل، وبينا أن ذلك لا يكون إلا عند التعارض، والأصل ألا يختلف عقل صريح مع نص صحيح، ولأجل ذلك صنف شيخ الإسلام ابن تيمية كتابه العظيم الجليل: (درء تعارض العقل والنقل)، وبين أن العقل يتفق تمام الاتفاق مع النقل إذا صح عن الله وعن رسوله صلوات ربي وسلامه عليه، وقلنا: لا يمكن أن يختلف العقل مع النقل إلا لأمرين لا ثالث لهما: الأمر الأول: عدم ثبوت النقل عن الله وعن رسوله، ويقصد بعدم ثبوت النقل عن الله؛ أي الأحاديث القدسية، أو عن رسوله في أحاديثه النبوية، ولذلك يستحيله العقل ويرده رداً شديداً؛ لأنه لم يثبت ابتداء فضلاً أنه لم يتفق مع العقل. الأمر الثاني: عدم إدراك العقل لمقصود النص، النص ثابت لكن العقل يقصر تماماً عن فهمه. ومعنى تقديم النقل على العقل: أن النقل يكون حاكماً على العقل وليس العكس، خلافاً لما فعلته الفرق الضالة؛ فإنهم جعلوا العقل حاكماً على النقل، ومعنى حاكم، أي: أن كل واحد منهم إذا قرأ نصاً في كتاب الله أو في سنة النبي ﵊ ولم يفهمه، رد النص وقدم عليه العقل، حتى ولو كان آية في كتاب الله . ولا أقول بإلغاء العقل تماماً، فهذا مما لا ينبغي أن يحدث من عاقل؛ لأن الله في كتابه والنبي ﷺ في سنته إنما خاطب العقل وأمره بالنظر والتفكر والتدبر والعلم والسياحة في ملكوت الله ، كما أن العقل في بني آدم هو مناط التكليف، فكيف يلغى؟! ولكن الذي ألغيه وأبطله: أن يقف العقل محاداً لله ورسوله، أما إبطال العقل بالكلية فلا، ولذلك آثرت أن يكون هذا الحديث متمماً للدرس السابق ومكملاً له، ومبيناً لأهمية العقل في الإسلام وأنه مناط التكليف.

стр. 105

خطاب الله للعقلاء في القرآن أسوق لك هنا بعض الأدلة من كتاب الله ومن سنة النبي ﵊ وكذا من المعقول لأهمية العقل؛ لأنه لا يعقل أحد أن الله ﵎ قد أمر المجنون أو المعتوه الذي غاب عقله بالأوامر والنواهي، كما أن الله ﵎ إنما خاطبنا في كتابه وفي كلامه العظيم، وأمرنا أن ننظر في ملكوته، في سماواته وأرضه، في بحره وبره، وأن ننظر نعم الله علينا السابغة الظاهرة والباطنة حتى نتعرف عليه من واقع نظرنا وفكرنا وتدبرنا وتفكرنا في نعمائه وآلائه، هذا الذي يعبر عنه الناس بأننا نعرف الله ﵎ من واقع نعمه وآلائه، وإن كان أهل السنة والجماعة على أن الله ﵎ يعرف بالنقل لا بالعقل، وإن شئنا أن نجمع بين هذا وذاك نقول: الله ﵎ يعرف أولاً بالنقل الذي أمرنا به في كتابه، وأمرنا به نبيه ﵊ في سنته، ثم هو يعرف بنعمه وآلائه، ثم هو يعرف كذلك بالعقل عند العقلاء. فبم أمرنا الله في كتابه؟ انظر إلى قوله في سورة البقرة التي هي أطول سور القرآن: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة:١٦٤]، هذه الآيات وهذه المعجزات والآلاء والدلائل إنما تدل على القادر عليها، الخالق لها، المصرف لأمرها، ولكن لا يتدبر هذه الآيات إلا العقلاء، ولذلك قال الله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة:١٦٤]، وقال الله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الأَمْرَ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ * وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الأَرْضَ﴾ [الرعد:٢ - ٣] أي: بسطها: ﴿وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا﴾ [الرعد:٣]، والرواسي هي الجبال التي تمسك الأرض أن تميد وأن تمور وأن تذوب فتبتلع من عليها، فالله إنما بسط الأرض وجعل الجبال فيها كالأوتاد والمسامير التي تحفظها أن تمور فتبتلع ما فيها: ﴿وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ﴾ [الرعد:٣]، من كل نوع من أنواع الثمار جعل زوجين اثنين ذكراً وأنثى: ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الرعد:٣]، وإنما الفكر محله القلب والعقل على السواء: ﴿وَفِي الأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ﴾ [الرعد:٤]، ومعنى صنوان: أي: متحد في الأصل، الأرض واحدة، والماء الذي تسقى به الأرض واحد، فإذا زرعت رماناً وتيناً كان لهذا طعم ولذاك طعم، مع أن الأرض واحدة والماء واحد، ولكن سبحان ربي جعل لهذا طعماً وجعل للآخر طعماً آخر، قال: ﴿صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الأُكُلِ﴾ [الرعد:٤]، أنت تقول: أنا أحب الرمان ولا أحب التين، أحب المانجو ولا أحب الجوافة، والأرض واحدة والماء واحد والجو الذي نبت فيه جميع الثمر واحد، ومع هذا أنت تحب هذا ولا تحب ذاك: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [الرعد:٤]، فهذا خطاب للعقل كذلك، للدلالة على قدرة الله . وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ﴾ [النحل:١٠]، ماء السماء أعذب وأطيب ماء على الإطلاق، وهو حديث عهد بربه، كما قال ﵊، ولذلك كان المطر إذا نزل تعرض له النبي ﵊، وأدخله بين ثوبه وجلده، وهو يقول: (إنه حديث عهد بربه)، أطيب ماء هو ماء المطر، فالله جعل لنا منه شراباً سائغاً، ومعنى سائغاً: عذباً زلالاً ولم يجعله ملحاً أجاجاً، تشربه وتستلذ به مع أنه نزل من السماء قد خالط الدخان والتراب وغير ذلك، ولكن الذي نقاه هو الله . قال: ﴿هُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ﴾ [النحل:١٠]، أي: وجعل منه بعد مخالطته في الأرض شجراً، ((فِيهِ تُسِيمُونَ))، أي: ترعون فيه أنعامكم، ومنه الإبل السائمة، والسائمة من الإبل التي لا تربط في مكان معين، إنما تسيم

стр. 106

خطاب النبي للعقلاء في السنة وفي سنة النبي ﵊ تجد نفس الخطاب، فعن علي وعمر ﵄ أن النبي ﵊ قال: (رفع القلم عن ثلاثة)، الحساب والجزاء والجنة والنار والثواب والعقاب إنما يرفع عن ثلاثة: (عن المجنون حتى يبرأ)، المجنون الذي لا عقل له حتى يبرأ من جنونه ومن مرضه العقلي؛ لأنه ليس من أهل التكليف، ولما كان العقل مناط التكليف عند الآدمي استلزم أن يكون له عقل. (وعن النائم حتى يستيقظ)، لو أن إنساناً نام عن الظهر والعصر فلا حرج عليه، يقول النبي ﵊: (إذا نام أحدكم عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها؛ فإن ذلك وقتها)، لم يؤثمه ولم يحرجه، بل يصلي ما فاته في نومه من صلاة النهار وإن كان في منتصف الليل وتعتبر أداء لا قضاء، ولذلك قال النبي ﵊: (لا تفريط في النوم، إنما التفريط في اليقظة)، ينسب الإنسان للتفريط إذا فرط في جنب الله وهو مستيقظ متذكر، أما إذا كان التفريط في النوم فإنه ليس تفريطاً على الحقيقة، بل معفو عنه. قال: (وعن الصبي حتى يحتلم) أي: عن الصغير حتى يبلغ ويكبر، كما جاء في رواية عائشة بلفظ: (وعن المبتلى حتى يبرأ، وعن الصبي حتى يكبر)، وفي رواية علي عند الترمذي وابن ماجه قال: (وعن الصبي حتى يشب)، أي: يصير شاباً. (وعن المعتوه حتى يعقل). وقال النبي ﵊: (كل طلاق جائز إلا طلاق المعتوه) المغلوب على عقله، (كل طلاق جائز)، أي: واقع لا محالة، إلا أن يقول مجنون لامرأته: أنت طالق. فلا يقع طلاقه. وأخرج أحمد من حديث أنس ﵁ قال: (دخل النبي ﷺ المسجد فوجد حبلاً ممدوداً بين ساريتين -أي: بين عمودين- فسأل عنه، فقالوا: هذا حبل اتخذته فلانة، فإذا أعيت تعلقت به)، أي: إذا تعبت من طول القيام في الصلاة تعلقت بهذا الحبل وهي قائمة، فقال النبي ﵊: (خذوا الحبل، فليصل أحدكم ما عقل -أي: فليصل أحدكم ما دام عقله معه- فإذا غلبه النوم أو النعاس فلينم -وفي رواية: فليرقد-) وهذا في صلاة النافلة. وعن عائشة ﵂ قالت: (كان النبي ﵊ إذا تكلم بالكلمة أعادها ثلاثاً لتفهم عنه، وفي رواية: لتعقل عنه). وقال ابن عمر ﵁: (أقام رسول الله ﷺ بالمدينة عشر سنين يضحي، فقام إلى ابن عمر رجل من الناس، فقال: يا أبا عبد الرحمن! أواجبة هي -يعني: أضحية العيد-؟ قال: قلت لك: إن النبي ﵊ أقام في المدينة عشراً يضحي، قال: يا ابن عمر أواجبة هي؟ فغضب ابن عمر وقال: أتعقل عني، لقد قلت لك: إنه أقام عشر سنين بالمدينة يضحي)، يقول الترمذي راوي الحديث: وعلى هذا الحديث عمل أهل العلم: أن الأضحية سنة يستحب العمل بها لمن قدر عليها. وأخرج أحمد عن النبي ﵊ أنه قال: (يا أبا ذر اعقل عني)، يخاطب أبا ذر بأن يجمع عقله وفكره وتدبره ونظره، يعني: افهم عني ما أقول لك، واستوعبه بعقلك جيداً، قال: (لعناق يأتي رجلاً يوم القيامة خير له من مثل جبل أحد ذهباً تركه وراح، أعقلت يا أبا ذر؟)، يعني: ولد الناقة تقدمه في سبيل الله ستلقاه يوم القيامة، (خير لك يا أبا ذر من مثل جبل أحد ذهباً تركته وراءك ولم تقدمه لله . ثم قال: (يا أبا ذر اعقل عني ما أقول لك: إن المكثرين هم المقلون يوم القيامة)، الذين يستكثرون من جمع حطام الدنيا وأموالها ومتاعها هم في الحقيقة المحسورون يوم القيامة، الموقوفون المحاسبون الذين يتمنون أن لو كانوا فقراء في حياتهم كلها (إلا من قال به هكذا وهكذا)، أي: إلا من أنفق من ماله في كل واد وعلى كل محتاج على الأرامل والمساكين والأيتام والفقراء وطلاب العلم وغير ذلك من المحتاجين: (يا أبا ذر! اعقل عني ما أقول لك: إن الخيل في نواصيها الخير إلى يوم القيامة). وكذلك أخرج أحمد في مسنده: (أن رجلاً أخذ بزمام ناقة النبي ﵊، يعني: ذهب إلى النبي ﷺ واعترضه، ثم أمسك بلجام ناقته، وقال: (يا رسول الله! أخبرني بعمل يقربني إلى الجنة ويباعدني عن النار؟ فقال له النبي ﵊: فاعقل إذاً أو افهم)، إذا كنت تسأل هذا السؤال فليس أحد إلا ودندنته هذا.

стр. 107

إدراك العقل للأوامر الشرعية وتعليله لها الحمد لله وكفى، والصلاة والسلام على رسوله المصطفى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

стр. 108

قبول الصحابة للأمور الغيبية التي أخبر بها النبي ﷺ بعض النصوص يقرؤها الناس فيستبعدونها ويقولون: إن هذه النصوص لا يمكن أن تستقيم مع العقل، وهؤلاء بقصد أو بغير قصد جعلوا العقل حاكماً على النص، وحاكماً على النقل، وهذا مسلك خاطئ إلى أقصى حد، فالذي لا يدركه عقلك يدركه عقلي، والذي لا يدركه عقلي يدركه عقل غيري، والذي لا تدركه أنت اليوم بعقلك تدركه غداً بعقلك، والذي لا تدركه أنت في حال جهلك تدركه في حال علمك، والذي لا تدركه في حال ضلالك تدركه في حال هدايتك، فكيف يكون العقل حاكماً على النفس، وأي عقل هو؟ أي عقل هذا الذي يحكم على كلام الله وكلام رسوله ﵊؟ (امرأة يراها النبي ﵊ في النار لأجل هرة حبستها، فلا هي أطعمتها ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض)، اعترض على هذا بعض أرباب العقول. وقتيل من الصحابة كان في صف الجهاد، يرى الصحابة أنه من أهل الجنة، والنبي ﵊ يقول: (أراه من أهل النار في بردة غلها) أي: عباءة أخذها من الغنيمة قبل أن توزع ثمنها أربعة دراهم يدخل بسببها النار، آمن بذلك الصحابة وكفر بذلك من كفر، واستبعدوا ذلك، وقالوا: لماذا لا يعفو الله تعالى عنه ويغفر له بجهاده؟ أيعذبه بسبب بردة ثمنها أربعة دراهم؟ (إن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله يهوي بها في النار سبعين خريفاً) بسبب كلمة وليس بردة كلمة قالها يستهزئ بها أو يسخر، كلمة خرجت منه تسبب سخط الله عليه، كذلك (وإن الرجل ليدخل الجنة بكلمة قالها من رضوان الله). ونساء كثيرات يدخلن النار لأنهن يكثرن اللعن ويكفرن العشير، أي: تكفر المرأة عشرة زوجها وقد أحسن إليها الدهر كله، فإذا بدا منه شيء في يوم من الأيام، قالت: ما رأيت منك خيراً قط، أنكرت كل عشرته الطيبة وإنفاقه عليها، وتحصينه إياها، ومحافظته عليها وعلى أولادها؛ تنكر كل هذا في لحظة غضب ربما أساء فيها زوجها إليها. وكذلك الذين يقتطعون حق إخوانهم بغير حق، قال النبي ﵊ عنهم: (من اقتطع حق أخيه المسلم بيمينه فقد أوجب الله له النار)، من اقتطع، أي: من أخذ حق أخيه المسلم بيمينه أو بشماله، حتى لو كان بقدمه، إذ ليس تعيين اليمين هنا مقصوداً في النص بقدر ما يكون المقصود هو المعنى، أي: أخذ مال الغير بغير حق، فمن تعدى فقد أوجب الله له النار، (فقال رجل: يا رسول الله! وإن كان شيئاً يسيراً، قال: وإن كان عوداً من أراك) عود من سواك، لا شجرة ولا أرضاً ولا بيتاً، بل أقل القليل من السواك إن أخذه واقتطعه بغير إذن صاحبه، وبغير طيب خاطر منه أو ثمن، فقد أوجب الله له النار. (ورأى النبي ﷺ في يد رجل خاتماً من ذهب فنزعه ثم ألقاه، وقال: يعمد أحدكم إلى جمرة من نار فيجعلها في أصبعه! -فبين النبي ﵊ أن لبس الذهب للرجال حرام، بل هو طريق إلى النار- ثم قال أحد الجالسين لهذا الرجل: خذ خاتمك، قال: والله ما كنت لآخذه بعد أن ألقاه النبي ﵊. وامرأة دخلت النار لأنها كانت تؤذي جيرانها بلسانها؛ لأنها لم ترع حق الجوار بالسب والشتم والصياح والأصوات العالية والتلفزيون والأذى والعري وغيره، كل هذا إيذاء للجيران، بل كبيرة من الكبائر. ورجل من المهاجرين عذب في قبره بسبب دينارين لم يسددهما، حتى سددهما عنه أبو قتادة الأنصاري ﵁، سأل النبي ﵊: (أعليه دين؟ قالوا: نعم يا رسول الله! قال: هل ترك ما يوصي به؟ قالوا: لا، قال: صلوا على صاحبكم، قال أبو قتادة: يا رسول الله صل عليه وعلي دينه، تحمل عنه الحمالة - فصلى عليه النبي ﵊، ثم في آخر اليوم، قال: أين الرجل الذي تحمل الحمالة، فقام أبو قتادة وقال: أنا يا رسول الله، قال: هل قضيت عن صاحبك؟ قال: لا، إنما هو اليوم -أي أن الأمر لا يتسع ليوم ولا يومين ولا شهر ولا شهرين، وإنما كان يجب أن يكون القضاء في نفس اليوم- فقال: اذهب فاقض عن صاحبك، وفي اليوم الثاني: قال يا رسول الله قضيت عنه الآن، فقال النبي ﷺ : الآن بردت عليه جلده). ومر النبي ﵊ بقبرين فقال: (إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير، أما أحدهما فكان لا يستنزه من بوله) لا يستنزه، أي: لا يستبرئ من بوله، كان يبول كما تبول الحيوانات والدواب، ثم يضع ذكره في ثوبه وينصرف فينجس نفسه وينجس ثوبه، كيف تصح له صلاة مع هذه النجاسة؟ (والآخر كان يمشي بين الناس بالنميمة)، يعني: ليس الأمر الذي بسببه عذبا بأمر شاق عليهما، بل هو أمر يسير، كان بإمكان هذا أن يتطيب من بوله، وكان بإمكان هذا أن يكف لسانه، فلما تركوا الأمر واقترفوا النهي استحقوا العذاب.

стр. 109

وجوب التسليم بالنقل الثابت أيها الإخوة! إن تكذيب قدر الله كفر، ورد الأمر على الله كذلك كفر، والعبودية الحقة لله هي: طاعة الأمر فيما عقل معناه وفيما لم يعقل. كثير من الناس الآن يقولون: حديث الذبابة الذي أخرجه البخاري في صحيحه أن النبي ﵊ قال: (إذا وقعت ذبابة في شراب أحدكم فليغمسها وليشرب الشراب، فإن في إحدى جناحيها داء وفي الآخر دواء). كثير من الناس رد هذا الخبر، لا لأن إسناده منقطع، ولا لأنه شاذ أو منكر، ولا لأن رواته ليسوا عدولاً ولا ضابطين -وهذه معايير ثبوت الرواية- إنما قالوا: هذا الحديث غير معقول ألبتة، عرضناه على عقولنا فلم تقبله، نقول لهم: النقل صحيح يجب التسليم له، والنقل ثابت شئتم أم أبيتم، ويلزمكم الإيمان به، أما عقولكم فينبغي لكم أن تلغوها هنا تماماً؛ لأنها قصرت عن فهم النص مع ثبوته، هذا الذي عنيته بالعقل، وهو العقل الباطل السفيه الذي يقف محاداً لله ولرسوله، فأقول بقول النبي ﵊: (إذا وقعت الذبابة في شراب أحدكم فليغمسها في الماء؛ لأن في إحدى جناحيها داء وفي الآخر دواء)، وهو لا يدري لما سقطت سقطت بأي الجناحين، فإن كانت سقطت بجناح الشر فجناح الخير يطيب هذا الشر، وينقى الشر من الشراب، وإذا سقطت بجناح الخير فإن جناح الشر لا يؤثر فيه، فتكون بذلك قد عملت بالحديث، ولم تعمل فيه عقلك؛ لأنك هنا غير مكلف بإعمال العقل، وإنما أنت مكلف بالطاعة والسمع والامتثال والانقياد والذل والإذعان والخضوع والإيمان والتسليم المطلق لله ، وهذا عنوان إيمانك وعنوان إسلامك. فالعبودية الحقة لله هي طاعة الأمر فيما عقل معناه وفيما لم يعقل معناه، صغيراً أو كبيراً، وافق معقولاً أو خالفه؛ لأن الرب أعلم بما يأمر به وينهى عنه، والعبد الذي حقق العبودية لله تمام التحقيق هو الذي أطاع معبوده دون تردد ولا شك ولا ريب، ولا توقف ولا السؤال لم، وكيف؟ لم أمر الله بكذا؟ وكيف يأمر الله تعالى بكذا؟ وكيف ينهى عن كذا؟ وإذا كان العبد لا يطيع الله إلا فيما وافق هواه وعقله لكان المعبود بحق هو الهوى والعقل، لو كنت لا تطيع الله إلا فيما وافق عقلك، فلابد أن تعلم أنك تعبد عقلك ولا تعبد الله ﵎ على الحقيقة، وربما ذهبت لتطيع عقلك وهواك فوقعت في المهالك والفواحش، كما قال الله تعالى: ﴿وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ﴾ [البقرة:٢١٦].

стр. 110

وجوب الإيمان بالغيب وإن لم تعقل صوره لا يمنع أن يكون في الدين ما يوافق معقول الإنسان ونظره، فبعض الدين بين الله ﵎ الحكمة منه، وكانت تتمشى مع العقل السليم، لكن الله ﵎ أخفى على عباده حكمة بعض الأوامر والنواهي ليبتلي إيمانهم أيؤمنون به أم لا، وأنا أضرب لك أمثلة أنت تؤمن بها، ولكنك لا تتصورها، ولا يمكن أن تتخيلها بل ولا تعقلها: الجنة وما فيها من نعيم، والنار وما فيها من عذاب هل تتصورها؟ الجواب لا. النبي ﵊ يقول: (إن الصراط أدق من الشعرة وأحد من السيف) من يعقل هذا؟ لا أحد. خلق الملائكة: ملك واحد بلغت أجنحته ستمائة جناح، الجناح الواحد يسد ما بين السماء والأرض، من يعقل ذلك؟! ولذلك ابتلى الله إبراهيم ﵇ صاحب الحنيفية أبو الأنبياء، وجعل الله تعالى الأنبياء من نسله، ولذلك كان إمام الأنبياء؛ لأنه سلم في غير المعقول، من منا يأخذ امرأته وولده ويتركهما في أرض قفر صحراء لا زرع فيها ولا ماء، لابد أنه قبل الآخرين يحكم على نفسه بالجنون، إبراهيم ﵇ لما أمر بترك ولده وزوجه في صحراء مكة عند البيت الحرام قبل بنائه وقبل ظهور معالمه لما أمر بترك زوجه وولده في هذا المكان القفر تركهم بغير تردد ولا شك ولا ارتياب، ثم انطلق إلى ربه، وكذلك لما أمر بذبح ولده البكر إسماعيل نفذ الأمر مباشرة، فلما علم الله منه الصدق والإذعان أنزل نجاة ولده كبشاً يذبح فداء، وهو سنة لجميع أهل الإسلام إلى قيام الساعة، من منا يفعل ما كان يفعله إبراهيم ﵇. الإيمان عجيب إذا خالطت بشاشته القلوب، ينطلق صاحبه لينفذ كل أمر ويجتنب كل نهي. النبي ﵊ يقول: (ضرس الكافر يوم القيامة كجبل أحد) ضرس من أضراس الكافر يوم القيامة كجبل أحد، فما بالكم بجميع أضراسه، بل ما بالكم بجميع بدنه كيف يكون الكافر حينذاك؟ لابد من التسليم، وإلا إذا لم تسلم وقعت في التكذيب وهو كفر. ويقول النبي ﵊: (إن ما بين المصراعين من مصاريع الجنة كما بين مكة وهجر)، وهجر هي أرض البحرين الآن، بين قوائم الباب الواحد من أبواب الجنة كما بين مكة والبحرين، وفي رواية: (ما بين مكة وبصرى) أي: الشام، من منا يصدق أن باباً واحداً سعته ما بين البحرين ومكة، أو مكة والشام، من منا يصدق أن في الجنة شجرة يسير الراكب المسرع في ظلها مائة عام؟ لابد من الإيمان والتسليم وإلا وقعت في التكذيب والجحود والنكران، لابد أن تقول: سمعنا وأطعنا حتى تتميز عن غيرك، وحتى تكون حقاً مقدماً للنقل على العقل. وكذلك القبر وما فيه من عذاب ونعيم نؤمن به إيماناً جازماً، ونؤمن أن هذا القبر الضيق الذي لم يبلغ عرضه متراً وطوله مترين نؤمن أنه يفتح لأهل الإيمان وأهل الطاعة حتى يكون مد بصرهم، وينعمون فيه أكثر من نعيمهم في حياتهم الدنيا، كما نؤمن أن هذا القبر يكون على أهل الكفر والجحود والعناد وعلى أصحاب المعاصي حفرة من حفر النار يضيق على صحابه؛ حتى يبعثه الله يوم القيامة فيدخله النار، نؤمن بهذا كله، وإن كان المعقول يقول: هذا شيء غير معقول، لكننا لا نحكم عقولنا والحالة هذه، بعض الناس يقول: لابد لي من إثبات الحكمة من الأمر والنهي؛ لأن دين الله ﵎ مبني على الحكمة، وهو الحكيم الخبير اللطيف . أقول: نعم، لا يوجد أمر إلهي إلا ووراءه حكمة، لكن الفارق بيني وبينك: أنني أؤمن أن الله ﵎ أحياناً يبين الحكمة في الأمر والنهي، وأحياناً يخفيها ابتلاء لإيمان العبد. نعم، كل أمر ونهي مبني على الحكمة لا محالة، الله تعالى لا يشرع شرعه سدى ولا هباء ولا بغير مصلحة للعباد، وربما ظهرت المصلحة وربما خفيت، لكنها تخفى على العباد ولا تخفى على رب العباد الذي شرعها وأمر بها أو نهى عنها.
следующие страницы →