[إياكم كانوا يعبدون، قالوا سبحانك أنت ولينا من دونهم بل كانوا يعبدون الجن أكثرهم بهم مؤمنون﴾،
وقوله تعالى: ﴿يا عيسى بن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله؟ قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق﴾، الآية]
[فقل له: عرفت أن الله كفّر من قصد الأصنام، وكفَّر أيضاً من قصد الصالحين وقاتلهم رسول الله ﷺ ،]
فإن قال: الكفار يريدون منهم: وأنا أشهد أن الله هو النافع الضار المدبر لا أريد إلا منه والصالحون ليس لهم من الأمر شيءٌ ولكن أقصدهم أرجو من الله شفاعتهم،
فالجواب أن هذا قول الكفار سواء بسواء [فاقرأ عليه قوله تعالى: ﴿والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زُلفى﴾]
[وقوله تعالى: ﴿هؤلاء شفعاؤنا عند الله﴾.]
[واعلم أن هذه الشبه الثلاث (١) هي أكبر ما عندهم، فإذا عرفت أن الله وضعها في كتابه، وفهمتها فهماً جيداً فما بعدها أيسر منها، فإن قال: أنا لا أعبد إلا الله وهذا الالتجاء إلى الصالحين، ودعاؤهم ليس بعبادة، فقل له: أنت تقرُّ أن الله فرض عليك إخلاص العبادة وهو حقه عليك؟ فإذا قال: نعم، فقل له: بَيِّنْ لي]
стр. 177
[هذا الذي فرض عليك وهو إخلاص العبادة لله وحده وهو حقه عليك فإنه لا يعرف العبادة ولا أنواعها (١) فبينها له بقولك: قال الله تعالى: ﴿ادعو ربكم تضرعاً وخيفة﴾]
[فإذا أعلمته بهذا فقل له: هل علمت هذا عبادة لله؟ فلابد أن يقول: نعم، والدعاء مُخُّ العبادة، فقل له: إذا أقررت أنه عبادة لله ودعوت الله ليلاً ونهاراً خوفاً وطمعاً، ثم دعوت في تلك الحاجة نبياً أو غيره هل أشركت في عبادة الله غيره؟ فلابد أن يقول نعم، فقل له: إذا عملت بقول الله إذْ قال الله: ﴿فصل لربك وانحر﴾]
[وأطعت الله ونحرت له هل هذا عباده، فلابد أن يقول: نعم، فقل له: إذا نحرت لمخلوقٍ نبي أوجني أو غيرهما، هل أشركت في هذه العبادة غير الله؟ فلا بُدَّ أن يقر، ويقول: نعم، وقل له أيضاً: المشركون الذين نزل فيهم القرآن، هل كانوا يعبدون الملائكة والصالحين واللات وغير ذلك؟ فلا بدَّ أن يقول: نعم، فقل له: وهل كانت عبادتهم إياهم إلا في الدعاء والذبح والالتجاء ونحو ذلك، وإلا فهم مُقِرُّون أنهم عبيد الله وتحت قهره، وأن الله هو الذي يُدبِّر الأمر ولكن دعوهم، والتجئوا إليهم للجاه والشفاعة، وهذا ظاهر جداً.]
стр. 178
[(فإن قال) أتنكر شفاعة رسول الله ﷺ وتبرأ منها فقل: لا أنكرها ولا أتبرأ منها، بل هو ﷺ الشافع والمشفع وأرجو شفاعته، لكن الشفاعة كلها لله كما قال تعالى: ﴿قل لله الشفاعة جميعاً﴾ ولا تكون إلا من بعد إذن الله كما قال : ﴿من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه﴾]
ولا يشفع في أحد إلا من بعد أن يأذن الله فيه كما قال !: ﴿ولا يشفعون إلا لمن ارتضى﴾
وهو لا يرضى إلا التوحيد كما قال تعالى: ﴿ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه﴾
[فإذا كانت الشفاعة كلها لله ولا تكون إلا بعد إذنه ولا يشفع النبي ﷺ ولا غيره في أحدٍ حتى يأذن الله فيه،] ولا يأذن إلا لأهل التوحيد، [تبين لك أن الشفاعة كلها لله وأطلبها منه وأقول: اللهم لا تحرمني شفاعته، الله شفِّعْهُ فيَّ، وأمثال هذا.]
[فإن قال: النبي ﷺ أعطي الشفاعة وأنا أطلبه مما أعطاه الله، فالجواب أن الله أعطاه الشفاعة ونهاك عن هذا فقال: ﴿فلا تدعوا مع الله أحداً﴾ وأيضاً فإن الشفاعة أعطيها غير النبي ﷺ ، فصحَّ أن الملائكة يشفعون والأفراط يشفعون والأولياء يشفعون، أتقول: إن الله أعطاهم الشفاعة وأطلبها منهم، فإن قلت هذا رجعت إلى عبادة الصالحين التي ذكر الله في كتابه، وإن قلت لا، بطل قولك أعطاه الله الشفاة وأنا أطلبه مما أعطاه الله.]
стр. 179
[فإن قال: أنا لا أشرك بالله شيئاً حاش وكلاَّ ولكن الالتجاء إلى الصالحين ليس بشرك، فقل له: إذا كنت تقر أن الله حرَّم الشرك أعظم من تحريم الزنا وتقر أن الله لا يغفره، فما هذا الأمر الذي حرمه الله وذكر أنه لا يغفره، فإنه لا يدري، فقل له: كيف تُبرئ نفسك من الشرك وأنت لا تعرفه، أم كيف يحرِّم الله عليك هذا ويذكر أنه لا يغفره ولا تسأل عنه ولا تعرفه أتظن أن الله يحرمه ولا يبينه لنا؟؟.]
فإن قال: الشرك عبادة الأصنام ونحن لا نعبد الأصنام فقل: وما معنى عبادة الأصنام؟ أتظن أنهم يعتقدون أن تلك الأخشاب والأحجار تخلق وترزق وتدبر أمر من دعاها، فهذا يكذبه القرآن، [كما في قوله تعالى: ﴿قل من يرزقكم من السماء والأرض﴾ الآية،]
[وإن قال هو من قصد خشبة أو حجراً أو بنية على قبر أو غيره يدعون ذلك ويذبحون له ويقولون، إنه يقر بنا إلى الله زلفى ويدفع عنا ببركته، فقل صدقت، وهذا هو فِعلكم عند الأحجار والبنايات التي على القبور وغيرها، فهذا أقرَّ أن فعلهم هذا هو عبادة الأصنام، ويقال له أيضاً قولك، (الشرك عبادة الأصنام)، هل مرادك أن الشرك مخصوص بهذا، وأن الاعتماد على الصالحين ودعاءهم لا يدخل في هذا؟ فهذا يرده ما ذكر الله في كتابه من كفر من تعلَّق على الملائكة وعيسى والصالحين فلا بد أن يقر لك أن من أشرك في عبادة الله أحداً من الصالحين فهو الشرك المذكور في القرآن وهذا هو المطلوب.]
стр. 180
[وسر المسألة أنه إذا قال: أنا لا أشرك بالله، فقل: وما الشرك بالله فسره لي؟ فإن قال: هو عبادة الأصنام، فقل: وما معنى عبادة الأصنام فسرها لي (١)؟]
[فإن قال أنا لا أعبد إلا الله (وحده) فقل: ما معنى عبادة الله وحده فسرها لي؟]
[فإن فسرها بما بينه القرآن فهو المطلوب (٢) وإن لم يعرفه فكيف يدَّعي شيئاً وهو لا يعرفه، وإن فسر ذلك بغير معناه بيَّنت له الآيات الواضحات في معنى الشرك بالله وعباده الأوثان، وأنه الذي يفعلون في هذا الزمان بعينه، وأن عبادة الله وحده لا شريك له هي التي ينكرون علينا] ويصيحون كما صاح إخوانهم حيث قالوا: ﴿أجعل الآلهة إلهاً واحداً، إن هذا لشيء عُجاب﴾.
فإذا عرفت أن هذا الذي يسميه (٣) المشركون في زماننا هذا
стр. 181
(الاعتقاد)، هو الشرك الذي أنزل في القرآن وقاتل رسول الله ﷺ الناس عليه، فاعلم أن شرك [الأولين أخف من شرك أهل] زماننا بأمرين:
[(أحدهما) أن الأولين لا يشركون ولا يدعون الملائكة والأولياء والأوثان مع الله إلا في الرخاء، وأما في الشدة فيخلصون لله الدين، كما قال تعالى: ﴿وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه، فلما نجاكم إلى البر أعرضتم، وكان الإنسان كفوراً﴾،]
[وقوله: ﴿قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة، أغير الله تدعون إن كنتم صادقين، بل إياه تدعون، فيكشف ما تدعون إليه إن شاء وتنسون ما تشركون﴾،]
[وقوله: ﴿وإذا مسَّ الإنسان ضر دعا ربه منيباً ـ إلى قوله ـ قل تمتع بكفرك قليلاً إنك من أصحاب النار﴾، وقوله: ﴿وإذا غشيهم موج كالظلل دعوا الله مخلصين له الدين﴾،]
[فمن فهم هذه المسألة التي وضحها الله في كتابه وهي أن المشركين الذين قاتلهم رسول الله ﷺ يدعون الله ويدعون غيره في الرخاء، وأما في الضر والشدة فلا يدعون إلا الله وحده لا شريك له، وينسون ساداتهم، تبين له الفرق بين شرك أهل زماننا وشرك الأولين، ولكن أين من يفهم قلبه هذه المسألة فهما راسخاً؟ والله المستعان.]
стр. 182
[والأمر الثاني: أن الأولين يدعون مع الله أناساً مقربين عند الله إما أنبياء وإما أولياء وإما ملائكة ويدعون أشجاراً وأحجاراً مطيعة لله ليست عاصية، وأهل زماننا يدعون مع الله أناساً من أفسق الناس، والذين يدعونهم هم الذين يحكون عنهم الفجور من الزنا، والسرقة، وترك الصلاة، وغير ذلك (١) والذي يعتقد في الصالح، والذي لا يعصي مثل الخشب والحجر أهون ممن يعتقد فيمن يشاهد فسقه وفساده ويشهد به.]
[إذا تحققت] أن الذين قاتلهم رسول الله ﷺ أصح عقولاً وأخفُّ شركاً من هؤلاء فاعلم أن لهؤلاء شبهة يُوردونها على ما ذكرنا، وهي من أعظم شبههم فأصغ سمعك لجوابها وهي أنهم يقولون: إن الذين نزل فيهم القرآن لا يشهدون أن لا إله إلا الله، ويكذبون الرسول، وينكرون البعث، ويكذِّبون القرآن ويجعلونه سحراً، ونحن نشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ونصدِّق القرآن، ونؤمن بالبعث، ونصلي، ونصوم فكيف تجعلوننا مثل أولئك؟
فالجواب أنه لا خلاف بين العلماء كلهم أن الرجل إذا صدَّق رسول الله ﷺ في شيء وكذبه في شيء أنه كافر لم يدخل في الإسلام، وكذلك إذا آمن ببعض القرآن وجحد بعضه،
стр. 183
كمن أقرَّ بالتوحيد، وجحد وجوب الصلاة، أو أقرَّ بالتوحيد والصلاة، وجحد الزكاة، أو أقرَّ بهذا كله وجحد الصوم، أو أقرَّ بهذا كله وجحد الحج، ولما لم ينقد أناس في زمن النبي ﷺ للحج، أنزل الله في حقهم [﴿ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً ومن كفر فإن الله غني عن العالمين﴾]
[ومن أقرَّ بهذا كله وجحد البعث كفر بالإجماع وحل دمه وماله، كما قال ﷻ : ﴿إن الذين يكفرون بالله ورسله ويريدون أن يفرِّقوا بين الله ورسله ويقولون نؤمن ببعض، ونكفر ببعض، ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا، أولئك هم الكافرون حقاً وأعتدنا للكافرين عذاباً مهينا﴾،] فإذا كان الله قد صرَّح في كتابه أن من آمن ببعض وكفر ببعض فهو الكافر حقاً زالت هذه الشبهة، [وهذه هي التي ذكرها بعض أهل الأحساء في كتابه الذي أرسل إلينا. (١)]
[ويقال: إذا كنت تقر أن من صدق الرسول في كل شيء وجحد وجوب الصلاة، أنه كافر حلال الدم بالإجماع، وكذلك إذا أقرَّ بكل شيء إلا البعث (٢)، وكذلك إذا جحد وجوب صوم رمضان لا يجحد هذا، ولا تختلف المذاهب فيه وقد نطق به القرآن كما قدمنا،]
стр. 184
[فمعلوم أن التوحيد هو أعظم فريضة جاء بها النبي ﷺ ، هو أعظم من الصلاة والزكاة والصوم والحج، فكيف إذا جحد الإنسان شيئاً من هذه الأمور كفر؟ ولو عمل بكل ما جاء به الرسول، وإذا جحد التوحيد الذي هو دين الرسل كلهم لا يكفر، سبحان الله! ما أعجب هذا الجهل. (١)]
[ويقال أيضا:] هؤلاء أصحاب رسول الله ﷺ قاتلوا بني حنيفة وقد أسلموا مع النبي ﷺ ، وهم يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ويصلون ويؤذنون، فإن قال: إنهم يقولون: إن مسيلمة نبي، قلنا: هذا هو المطلوب، إذا كان من رفع رجلاً إلى رتبة النبي ﷺ ، كفر وحلَّ ماله ودمه، ولم تنفعه الشهادتان ولا الصلاة، فكيف بمن رفع شمسان أو يوسف، أو صحابياً، أو نبياً، في مرتبة جبَّار السموات والأرض؟
[سبحان الله ما أعظم شأنه، ﴿كذلك يطبع الله على قلوب الذين لا يعلمون﴾.]
ويقال أيضاً: الذين حرَّقهم علي بن أبي طالب بالنار، كلهم يدعون
стр. 185
الإسلام، وهم من أصحاب علي وتعلموا العلم من الصحابة ولكن اعتقدوا في علي، مثل الاعتقاد في يوسف وشمسان وأمثالهما، فكيف أجمع الصحابة على قتلهم وكفرهم؟
[أتظنون أن الصحابة يكفِّرون المسلمين؟ أم تظنون الاعتقاد في تاج وأمثاله لا يضر، والاعتقاد في علي ابن أبي طالب يُكَفِّر؟]
[ويقال أيضا:] بنو عبيد القدَّاح الذين ملكوا المغرب ومصر في زمان بني العباس [كلهم يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ويدَّعون الإسلام، ويصلون الجمعة والجماعة] فلما أظهروا مخالفة الشريعة في أشياء دون مانحن فيه أجمع العلماء عل كفرهم وقتالهم، وأن بلادهم بلاد حرب، وغزاهم المسلمون حتى استنقذوا ما بأيديهم من بلدان المسلمين.
[ويقال أيضاً: إذا كان الأولون لم يكفروا إلا أنهم جمعوا بين الشرك وتكذيب الرسول والقرآن، وإنكار البعث، وغير ذلك، فما معنى الباب] الذي ذكر العلماء في كل مذهب (باب حكم المرتد) [وهو المسلم الذي يكفر بعد إسلامه، ثم ذكروا أنواعاً كثيرة] كل نوع منها يكفر ويحل دم الرجل وماله، حتى أنهم ذكروا أشياء يسيرة عند من فعلها مثل كلمة يذكرها بلسانه دون قلبه أو كلمة يذكرها على وجه المزح واللعب.
[ويقال أيضاً: الذين قال الله فيهم: ﴿يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم﴾]
стр. 186
[أما سمعت أن الله كَفَّرَهُمْ بكلمة مع كونهم في زمن رسول الله ﷺ يجاهدون معه ويصلون معه ويزكون ويحجون ويوحدون، وكذلك الذين قال الله فيهم: ﴿قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون؟ لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم﴾]
[فهؤلاء الذين صرح الله أنهم كفروا بعد إيمانهم وهم مع رسول الله ﷺ في غزوة تبوك، قالوا كلمة ذكروا أنهم قالوها على وجه المزح، فتأمل هذه الشبهة وهي قولهم: تُكَفِّرون المسلمين أناسا يشهدون أن لا إله إلا الله ويصلون ويصومون، (ثم تأمل) جوابها فإنه من أنفع ما في هذه الأوراق. (١)]
[ومن الدليل على ذلك أيضاً ما حكى الله عن بني إسرائيل مع إسلامهم وعلمهم وصلاحهم أنهم قالوا لموسى: ﴿إجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة﴾،]
[وقول ناس من الصحابة: ﴿إجعل لنا ذات أنواط﴾ فحلف ﷺ أن هذا نظير قول بني إسرائيل اجعل لنا إلهاً.
ولكن للمشركين شبهة يدلون بها عند هذه القصة وهي أنهم يقولون: فإن بني إسرائيل لم يكفروا، وكذلك الذين قالوا: ﴿إجعل]
стр. 187
[لنا ذات أنواط﴾ لم يكفروا.
فالجواب أن تقول: إن بني إسرائيل لم يفعلوا ذلك وكذلك الذين سألوا النبي ﷺ لم يفعلوا، ولا خلاف في أن بني إسرائيل لم يفعلوا ذلك، ولو فعلوا ذلك لكفروا، وكذلك لا خلاف في أن الذين نهاهم النبي ﷺ لو لم يطيعوه واتخذوا ذات أنواطٍ بعد نهيه لكفروا، وهذا هو المطلوب، ولكن هذه القصة تفيد أن المسلم بل العالم قد يقع في أنواع من الشرك لا يدري عنها فتفيد التعلم والتحرز ومعرفة أن قول الجاهل (التوحيد فهمناه) إن هذا من أكبر الجهل ومكايد الشيطان (وتفيد) أيضاً أن المسلم إذا تكلم بكلام كفر وهو لا يدري فنبه على ذلك فتاب من ساعته أنه لا يكفر كما فعل بنو إسرائيل، والذين سألوا النبي ﷺ (وتفيد) أيضاً أنه لو لم يكفر فإنه يغلظ عليه الكلام تغليظاً شديداً كما فعل رسول الله ﷺ .]
[وللمشركين شبهة أخرى يقولون: إن النبي ﷺ أنكر على أسامة قتل من قال: لا إله إلا الله، وقال له: (أقتلته بعد ما قال لا إله إلا الله؟)]
[وكذلك قوله: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله)،]
[وأحاديث أخرى في الكف عمن قالها، ومراد هؤلاء الجهلة أن من قالها لا يُكَفَّر ولا يقتل ولو فعل ما فعل، فيقال لهؤلاء الجهلة: معلوم أن رسول الله ﷺ قاتل اليهود]
стр. 188
[وسباهم وهم يقولون: لا إله إلا الله، وأن أصحاب رسول الله ﷺ قاتلوا بني حنيفة وهم يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ويصلون ويدّعون الإسلام، وكذلك الذين حرَّقهم علي ابن أبي طالب بالنار،
وهؤلاء الجهلة يقولون: إن من أنكر البعث كفر وقتل ولو قال: لا إله إلا الله، وأن من جحد شيئاً من أركان الإسلام كفر وقتل ولو قالها، فكيف لا تنفعه إذ جحد فرعاً من الفروع؟ وتنفعه إذا جحد التوحيد الذي هو أساس دين الرسل ورأسه، ولكنّ أعداء الله ما فهموا معنى الأحاديث.]
[فأما حديث أسامة فإنه قتل رجلاً ادَّعَى الإسلام بسبب أنه ظن أنه ما ادعى الإسلام إلا خوفاً على دمه وماله، والرجل إذا أظهر الإسلام وجب الكف عنه حتى يتبين منه ما يخالف ذلك وأنزل الله تعالى في ذلك: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا﴾]
[أي تثبتوا، فالآية تدل على أنه يجب الكف عنه والتثبت، فإذا تبين منه بعد ذلك ما يخالف الإسلام قتل لقوله تعالى: ﴿فتبينوا﴾ ولو كان لا يقتل إذا قالها لم يكن للتثبت معنى، وكذلك الحديث الآخر وأمثاله، معناه ما ذكرناه وأن من أظهر التوحيد والإسلام وجب الكف عنه إلا أن يتبين منه ما يناقض ذلك، والدليل على هذا أن رسول الله ﷺ هو الذي قال: (أقتلته بعد ما]
стр. 189
[قال: لا إله إلا الله؟)
وقال: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله) هو الذي قال في الخوارج: ﴿أينما لقيتموهم فاقتلوهم لئن أدركتهم لأقتلَّنهم قتل عاد﴾]
[مع كونهم من أكثر الناس عبادة، وتهليلاً وتسبيحاً، حتى أن الصحابة يحقرون أنفسهم عندهم، وتعلموا العلم من الصحابة فلم تنفعهم (لا إله إلا الله) ولا كثرة العبادة، ولا ادعاء الإسلام لما ظهر منهم مخالفة الشريعة.]
[وكذلك ما ذكرناه من قتال اليهود وقتال الصحابة بني حنيفة، وكذلك أراد ﷺ أن يغزو بني المصطلق لما أخبره رجل منهم أنهم منعوا الزكاة حتى أنزل الله ﴿يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا﴾]
[وكان الرجل كاذباً عليهم، وكل هذا يدل على أن مراد النبي ﷺ في الأحاديث التي احتجوا بها ما ذكرناه.
ولهم شبهة أخرى وهي ما ذكر النبي ﷺ أن الناس يوم القيامة يستغيثون بآدم، ثم بنوح، ثم بإبراهيم، ثم بموسى، ثم بعيسى، فكلهم يعتذر حتى ينتهوا إلى رسول الله
قالوا فهذا يدل على أن الاستغاثة بغير الله ليست شركاً.]
[والجواب أن نقول: سبحان من طبع على قلوب أعدائه،] فإن الاستغاثة بالمخلوق فيما يقدر عليه لا ننكرها، كما قال تعالى في قصة
стр. 190
موسى ﴿فاستغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوه﴾ وكما يستغيث الإنسان بأصحابه في الحرب أو غيره في أشياء يقدر عليها المخلوق، ونحن أنكرنا استغاثة العبادة التي يفعلونها عند قبور الأولياء أوفي غيبتهم في الأشياء التي لا يقدر عليها إلا الله، إذا ثبت ذلك فاستغاثتهم بالأنبياء يوم القيامة يريدون منهم أن يدعوا الله [أن يحاسب الناس حتى يستريح أهل الجنة من كرب الموقف،] وهذا جائز في الدنيا والآخرة، وذلك أن تأتي عند رجل صالح حتي يجالسك ويسمع كلامك تقول له: ادع الله لي كما كان أصحاب رسول الله ﷺ يسألونه ذلك حياته، وأما بعد موته، فحاشا وكلا [أنهم سألوا ذلك عند قبره، بل أنكر السلف على من قصد دعاء الله عند قبره، فكيف بدعائه نفسه؟.
ولهم شبهة أخرى وهي قصة إبراهيم لما ألقي في النار اعترض له جبريل في الهواء فقال له: ألك حاجة؟ فقال إبراهيم أما إليك فلا، فقالوا: فلوْ كانت الاستغاثة شركاً لم يعرضها على إبراهيم.
فالجواب أن هذا من جنس الشبهة الأولى فإن جبريل عرض عليه أن ينفعه بأمر يقدر عليه، فإنه كما قال الله تعالى: فيه ﴿شديد القوى﴾]
[فلو أذن له أن يأخذ نار إبراهيم وما حولها ويلقيها في المشرق والمغرب لفعل، ولو أمره أن يرفعه إلى السماء لفعل، وهذا كرجل غني له مال كثيرٌ يرى رجلاً محتاجاً فيعرض عليه أن يقرضه ويهبه]
стр. 191
[شيئاً يقضي به حاجته فيأبى ذلك المحتاج أن يأخذ ويصبر إلى أن يأتيه الله برزق لا منة فيه لأحدٍ، فأين هذا من استغاثة العبادة والشرك لو كانوا يفهقون؟. (١)]
ولنختم الكلام بمسألة عظيمة [مهمة تفهم مما تقدم ولكن نفرد لها الكلام لعظم شأنها ولكثرة الغلط فيها فنقول. (٢)]
[ولا خلاف] أن التوحيد لابد أن يكون بالقلب واللسان والعمل فإن اختلَّ شيءٌ من هذا لم يكن الرجل مسلماً، [فإن عرف التوحيد ولم يعمل به فهو كافرٌ معاندٌ ككفر فرعون وإبليس وأمثالهما، وهذا يغلط فيه كثيرٌ من الناس يقولون: إن هذا حقٌ ونحن نفهم هذا ونشهد أنه الحق، ولكن لا نقدر أن نفعله، ولا يجوز عند أهل بلدنا إلا من وافقهم، أو غير ذلك من الأعذار، ولم يدر المسكين أن غالب أئمة الكفر يعرفون الحق، ولم يتركوه إلا لشيء من الأعذار، كما قال تعالى: ﴿اشتروا بآيات الله ثمناً قليلاً﴾]
[وغير ذلك من الآيات، كقوله: ﴿يعرفونه كما يعرفون أبناءهم﴾،]
стр. 192
[فإن عمل بالتوحيد عملاً ظاهراً وهو لا يفهمه ولا يعتقده بقلبه، فهو منافق، وهو شرٌ من الكافر الخالص ﴿إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار﴾.]
[وهذه المسألة مسألة طويلة تبين لك إذا تأملتها في ألسنة الناس ترى من يعرف الحق ويترك العمل به، لخوف نقص دنيا أوجاهٍ أو مداراةٍ لأحدٍ، وترى من يعمل به ظاهراً لا باطناً، ولكن عليك بفهم آيتين من كتاب الله:]
[أولاهما، قوله تعالى: ﴿لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم﴾ فإذا تحققت أن بعض الصحابة الذين غزوا الروم مع رسول الله ﷺ ، كفروا بسبب كلمة قالوها على وجه اللعب والمزح، تبيَّن لك أن الذي يتكلم بالكفر ويعمل به خوفاً من نقص مالٍ أو جاهٍ أو مداراة لأحدٍ، أعظم ممن يتكلم بكلمة يمزح بها،]
[والآية الثانية قوله تعالى: ﴿من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدراً فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم، ذلك بأنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة﴾ الآية،]
[فلم يعذر الله من هؤلاء إلا من أكره مع كون قلبه مطمئناً بالإيمان، وأما غير هذا فقد كفر بعد إيمانه سواء فعل خوفاً أو مداراةً، أو مشحَّة بوطنه وأهله أو عشيرته أو ماله، أو فعل على وجه المزح أولغير ذلك من الأغراض إلا المكره.]
стр. 193
[فالآية تدل على هذا من وجهين: الأول قوله تعالى ﴿إلا من أكره﴾]، فلم يستثن الله تعالى إلا المكره، [ومعلوم] أن الإنسان لا يكره إلا على الكلام أو الفعل، وأما عقيدة القلب فلا يكره أحدٌ عليها، والثاني قوله تعالى: ﴿ذلك بأنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة﴾، فصرَّح أن الكفر والعذاب لم يكن بسبب الاعتقاد والجهل والبغض للدين ومحبة الكفر، وإنما سببه أن له في ذلك حظاً من حظوظ الدنيا فآثره على الدين، والله أعلم وأعز وأكرم، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 194
ملامح جهمية (١)
حسن بن فرحان المالكي اسم جديد ظهر للناس هذه الآونة الأخيرة يترأس على طائفة تأثرت بأفكاره، وكنت قد اطلعتُ على كلام له ألقاه في محاضرة في ٦/ ٨/١٤٢٠هـ تهجّم فيها على بعض كتب السلف ككتاب السنة لعبد الله بن أحمد وكتاب السنة للبربهاري وغيرها، وذكر لها مساوٍ وسَوْءات وأخطاء عَدّ منها ثلاثة عشر الذي يهمّنا هنا منها هو الثالث وهو: التجسيم.
الذي لا يخفى على طالب العلم أن هذا اللقب يُشنِّع به الجهمية على أهل السنة والجماعة لأجل إثباتهم صفات الله ، وهذا أشهر من أن يذكر فلا تكاد تطلع على كلام لهم عن الجهمية إلا ويذكرون نبزهم لأهل السنة بهذا اللقب، وليس الكلام هنا على الجهمية ولا على مسألة التجسيم فقد فُرِغ من هذا قبل وجودنا، فكُتب أهل السنة مليئة بما يبيِّن كفر الجهمية وضلالهم، وإنما المراد هنا الإشارة والتحذير من هذا الانبعاث الأخير لاسيما وهو بين أظهرنا كما أنه للغاية خطير لأن المساس بالعقيدة ليس كسائر المعاصي والذنوب.
إنه توَجّه في غاية الخطورة إن لم يُتدارك، وهو توجّه المكبوب على وجهه الناكب عن الصراط المستقيم، قال تعالى: ﴿أفمن يمشي مكباً على وجهه أهدى أم من يمشي سوياً على صراط مستقيم﴾.
стр. 195
إن التشكيك في عقيدة أهل السنة واتهامهم بأبشع التهم والدفاع عن رؤوس الجهمية لا يشك في زَيْغ وضلال من تزعّمه وتبناه إلا من هو بعيد عن الدين، مغمور في الضلال المبين.
يزعم المالكي أن النزاعات التي حدثت في الأمة فحدثت منها الفرق أنها نزاعات سياسية وخلافات سياسية ليست في العقيدة بل العقيدة يقول إنها لفظ مُسْتحدث، وله مراد بذلك سوف يظهر إن شاء الله من جملة موضوع مُهاترته التي تسمى محاضرة.
جعل هذا الضال ذبح خالد القسري الجعد بن درهم مُؤَصِّل مذهب الجهمية جعله جريمة من جرائم أهل السنة يقول بتهكم: خالد القسري هذا نحن نمدحه لأنه ذبح الجعد بن درهم.
المالكي يأسف على ذبح الجعد ويتهم من ذبحه فعلينا أن نَدَع ما تكلم به أئمة المسلمين وعلماؤهم طوال القرون الماضية عن الجهمية مُتَّهمين لهم بالظلم كما زعم المالكي وكثرة الأكاذيب والموضوعات، والإسرائيليات في مؤلفاتهم، والتناقض، والافتراء على الخصوم، والإرهاب للمتوقفين، والتجسيم، والسكوت عن الإنكار على بعضهم، والاشتغال بذم الآخرين، والغلو في شيوخهم، وردود الأفعال، وعدم إدراك معنى الكلام، والدعاوي بلا أدلة، ونلغي ما قالوه متجهين بقلوبنا وقوالبنا لمنقذ الأمة من الضلالة المالكي ليخبرنا بالقول الفصل في شأن فرق الأمة عامة والجهمية خاصة، وذلك لأن له ولأتباعه عناية خاصة بهذه الفرقة، ولأنهم أرباب عقول متفتحة مستنيرة بخلاف السلف.
يزعم المالكي أن أصل مخالفة غيلان الدمشقي والجهم بن صفوان سياسية وينكر على أهل السنة قتلهم معلّلاً ذلك بأن بعض علماء السلطة
стр. 196
في عهد بني أمية أظهروا بأن هؤلاء إنما قتلوا للدين.
المالكي يدافع عن الجعد والجهم وغيلان القدري ويتهم أهل السنة بالظلم وبما تقدم من الطعن الذين وجّهه إليهم.
المالكي وراءه ما وراءه وإنما أظهر طرفاً من هذه الروائح الجهمية المنتنة، وهذا مشرب النقيدان ويُذكر لنا أن هذا شيخه ومُقلَّده فالكل يحيلون أمر فرق الأمة المختلفة إلى خلافات ونزاعات سياسية ويدافعون عن رؤوس الجهمية وينالون من علماء السنة ويتكلمون بالصفات من جنس كلام الجهمية. (١)
ثم إن المالكي طعن على الحنابلة لأجل تسميتهم أهل السنة والجماعة في عهد المتوكل، غاظ فلم يعجبه نصر الله لحزبه وخذلانه لأعدائهم من الجهمية فصار يطعن بهذه التسمية ويطعن بكتب أهلها يقول: ومادة هذه الكتب المؤلفة في العقائد هي ذاكرة هذا الفساد كله، فلكل فرقة من المسلمين كتبها التي يوصي بها أتباعها ويوزعونها ويدعون إليها لا إلى الحق، هكذا جعل كتب أهل السنة لا تدعو إلى الحق لأنها من جملة كتب العقائد الضالة، أما الحق فهو ما أتى به هذا الفرخ.
وانظر الآن ما ذكره عن الأثر ((أن الله كتب التوراة لموسى بيده وهو مسند ظهره إلى الصخرة)) (٢) يقول: هذا تجسيم، إنه يقاتل بسلاح الجهمية.
وطعن في جلوس الرب سبحانه على الكرسي وأن له مكان وأنه إذا
стр. 197
تكلم سُمع له صوت كالسلسلة على الصفوان، ووضع يديه بين كتفي النبي ﷺ ونزول الرب وأنه خلق آدم على صورته هو.
إنه يختار هذه الآثار التي فيها إثبات الصفات فيتكلم فيها بالطعن والتجريح من أجل خاطر الجعد والجهم.
ومن طعنه على أهل السنة وتهكمه وسخريته بهم أوْرد ما ذكره ابن الجوزي عن بعض الحنابلة يقول: صَنّف بعض الحنابلة كتباً شانوا بها المذهب، ورأيتهم قد نزلوا إلى مرتبة العوام فحملوا الصفات على مقتضى الحس فسمّوا لله صورة ووجهاً زائداً على الذات وعينين وفماً ولَهَوَات وأضراساً ويدين وأصابع وكفّاً وخنصراً وإبهاماً وصدراً وفخذاً وساقين ورجلين، وقالوا: ما سمعنا بذكر الرأس، ثم يتحرّجون من التشبيه ويقولون: نحن أهل السنة والجماعة وكلامهم صريح في التشبيه، وقد تبعهم خلق من العوام، إلى آخره.
هذا الذي ذكره ابن الجوزي ليس كله صحيحاً مما يثبته أهل السنة ولا كله باطل، وهو تشنيع منه لمثبتة الصفات حيث تعرّض هو لنفيها، وقد بينت ذلك في الرد على السقاف لكن ابن الجوزي مرة يثبت الصفات ومرة ينفيها ولا يُعتمد عليه في هذا ويكفي تشنيعه هنا، والمراد المالكي أوْرد كلام ابن الجوزي ليشنع على أهل السنة.
وإثباتهم للصفات الواردة في الكتاب والسنة أشهر من أن يذكر ولا يلزم من هذا التشبيه، ولا يلزم ألا يغلط بعضهم إنما الشأن فيما اشتهر وانتشر وضبُط من مذهبهم فهو ولله الحمد مدوّن مبيّن وليس فيه مطعن لمبطل.
ومِنْ طعن المالكي على أهل السنة الذي لابد أن يقارنه الدفاع عن الجهمية قوله: (كذلك يذمون السلطان إذا آذى أحد أتباعهم ويقولون: هذا سلطان
стр. 198
سوء وينسون كل فضائله كما فعلوا بالمأمون، لكن إذا جاء سلطان آخر معهم يمدحونه ولو كان مبتدعاً أو ظالماً كالمتوكل)، وقد تقدم كلام النقيدان عن المأمون فالمشرب واحد، ويقول في مسبته لأهل السنة ودفاعه عن الجهمية: (من الأشياء افتراؤهم على الخصوم: مثل زعمهم أن جهم بن صفوان يريد أن يمحو آية ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ هذه صعبة. رجل مسلم ما أظن مهما بلغ من البدعة أن يصل إلى أنه يتمنى أن يحك آية من المصحف الشريف، كل هذه أقوال الخصوم.
ويقول: إذا جاء الجهمية على افتراض صحة ما يُنقل عنهم ونفوا الصفات نأتي نحن ونثبت إلى أن نصل إلى التجسيم.
أنظر قوله: على افتراض صحة ما يُنقل عنهم يعني الجهمية يُشكك فيما ينقل عنهم ثم يزعم أن أهل السنة يصلون إلى التجسيم، وسبق كلامه على حديث الصورة وعلى كلام الرب سبحانه وصوته وغير ذلك مما فيه إثبات الصفات فهذه أنفاس الجهمية، وكيف يقول عن أهل السنة الذين يثبتون صفات الباري سبحانه كما أثبتها لنفسه وأثبتها له رسوله بلا تشبيه ولا تعطيل يقول: يصلون إلى التجسيم؟ وما هو التجسيم إنها شناعة أحدثها الجهمية للتنفير من السنة وأهلها.
ثم قال: لنترك الانتسابات التي تفرقنا شيعاً فلا شرعية لكلمة شيعة ولا سنة ولا جهمية ولا سلفية ولا معتزلة كشرعية الإسلام، ولم يأت نص باستحباب أي تسمية أخرى، ومن زعم ذلك فعليه الدليل .. تأمل كيف طمّ الوادي فهذه الفرق عنده مجرد انتسابات وتسميات وليس هناك فرق ولا نص باستحباب أي تسمية أخرى، ومعنى كلامه الطعن على أهل السنة وكأن المسألة مجرد تسمية، أما تقريرهم السنة الحقه وردهم ما سواها وتمييزهم لفرق الضلال فهذا يطعن فيه المالكي ويرده.
стр. 199
ويقول في مسألة خلق القرآن: ليست من الأصول بل هي مسألة فرعية.
أقول: هذه ملامح جهمية تبدو في الأفق كفى الله المسلمين شرها.
إن الدين النصيحة فلعل هؤلاء يعودون إلى رشدهم ويَدَعون التمادي في الضلالة فيسعهم ما وسع أئمة المسلمين وعلمائهم ولا يُسيئون بهم الظن كل هذه الإساءة ولا يدافعون عن الجهمية الذين اتفق على تكفيرهم خمسمائة عالم من علماء أهل السنة ويعرفوا قدر نفوسهم وإلا فضررهم عائد عليهم ويحملون من سيئات من أضلوه.
وأنا هنا لم أكلف نفسي الرد على ما قال المالكي لأنه ولله الحمد لا يخفى على المسلمين وتفنيده حافلة به كتب أهل السنة سواء الكلام في التجسيم وأنه أعظم ما يُشنع به الجهمية على أهل السنة وأن إثباته ونفيه بدعة حيث لم يرد الشرع بذلك، ولا بيان أن ما يثبته أهل السنة من الصفات الواردة في الكتاب والسنة الصحيحة لا يقتضي التشبيه، وأنه هو المعتقد الذي عليه النبي ﷺ وأصحابه بل وعليه جميع الأنبياء والمرسلين والملائكة عليهم الصلاة والسلام أجمعين فما نقمة الجهمية وأفراخهم على أهل السنة إلا كنقمة من قال الله عنهم: ﴿وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد﴾.
كل هذا في غاية البيان والوضوح في كتب أهل السنة ولله الحمد، وإنما المراد هنا الإشارة والتحذير ولعل القوم يتداركون ما فرط منهم قبل أن يتولجوا في اللجج فإن العَوْد إلى الحق خير من التمادي في الباطل.
стр. 200
وما أبخس حظ من دافع عن الجهمية وحَمِدَ مسْلكهم إنه يشعل نار الذنوب لتأكل روحه فيظل بجسد خواء تكتنفه الوحشة وتعلوه الظلمة وتتناوب عليه الهموم والغموم، ووالله إن الأمر أعظم من ذلك وهذا في الدنيا أما الآخرة فإن عذاب الله شديد، ﴿ويحذركم الله نفسه﴾.
إن أردت معرفة ذلك مجملاً فاعلم أن تنزيه الجهمية المدَّعى إنما هو نفي صفات الجليل وهو أسرع وأوسع طريق موصل للتعطيل، إنه طمْس المعرفة بالمعبود سبحانه، لقد فرغ أئمة أهل السنة من هذه التركة الإبليسية وبيّنوا أمرها وشأنها ﴿ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة﴾ قالوا: إن نهاية الجهمية أن ليس فوق العرش إله يُعبد، وهذه والله هي الحقيقة يعرف ذلك من جادلهم أو اطلع على كلامهم أو كلام أهل السنة فيهم.
لقد أوْحشهم الشيطان غاية الوحشة أن يثبتوا لله سبحانه صفاته خشية التجسيم بزعمهم حتى قادهم بسهولة إلى التعطيل حيث أنهم يثبتون ذاتاً مجردة عن الصفات.
وقد ذكر أهل السنة وصدقوا أن هذه الذات المزعومة لا يمكن وجودها إطلاقاً لأن كل موجود لابد له من صفة، أما الذات المجردة من الصفات ففي الأذهان وليست في الأعيان فتأمل هذا فإنه يجمع لك ما تشعب وتشتت من مذهبهم إنهم يعبدون العدم (ولقد صدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه) نعوذ بالله من الحَوْر بعد الكَوْر ومن الضلال بعد الهدى.
стр. 201
قصيدة في إنكار نقض المالكي
لكشف الشبهات
وهذه أبيات كتبتها في الرد عليه لما كتب (نقض كشف الشبهات):
المالكيّ تكشفتْ أسرْارُهُ ... هَتَكَ الضلالُ عَنِ الغَويِّ ستارهُ
ما زال يُوقِد للشرور وظنّهُ ... أنَّ النهارَ قَدِ اختفَتْ أنوارُهُ
نَال الصحابة واستمرَّ بغَيِّهِ ... تبّاً له بادٍ عليه بَوَارُه
بُعْداً له مُتلبس بتَديُّنٍ ... هذا التديّنُ بان منه عَوَارُه
ما بالُ شيخٍ لسْتَ منه قلامةً ... للِظفرِ أو حتى تنال غبارَه
قدْ جئتَ تثلبُ عرْضَهُ وتسبَّهُ ... وتعيبَ بدراً قدْ زهى إبدارُه
أَيَضُرّ نَبْحُ الكلبِ بَدْراً طالعاً ... فلَيَنْبحَنَّ ولا يَقِرَّ قرارُه
قل ما تشاء ومَنْ تغُرّ فإنما ... خُذلانَه جاءتْ به أقدارُه
أما التقيُّ فإنه لك قائلٌ ... المالكيُّ خبيثةٌ أخبارُه
أحَدّيِةٌ (١) وَكْرٌ لَهُ مشْؤومةٌ ... والطيرُ مشْبِهةٌ له أطْياره
بُعْداً وسحقاً ما وجدتَ سوى الذي ... مثل النهار تَبَلّجتْ أنوارهُ
شيخٌ تقيٌ علمُه يهدي الورى ... حبْرٌ جليلٌ لا يُشقُّ غُبارَه
هذي الجزيرة طبّقتْ ظلماتُها ... والشركُ فيها ليس تخبو نارُه
فهداه ربي واستقام على الهدى ... وأقام دِيناً قد عفَتْ آثاره
وله المآثر والفضائل جمةٌ ... هو نعمةٌ نَعِمَتْ بها أعصارُه
стр. 202
من أنت حتى تنتهك حُرماته ... لوْلا زمانٌ قد طغتْ أشرارُه
مَنَّتكَ نفسُك تنقض الكشف الذي ... للشرك يكشف هاتكاً أستارَه
ما أنت إلا بالضلالة سادرٌ ... مَكْرُ الظلومِ يكون فيه دمارُه
أبشرْ فإنك مُوقظٌ غفلاتنا ... عن شيخنا حتى نحوطَ ذمارَه
وإذا تجيء مذمّةٌ من ناقص ... فهي التي أحْرى تُبين عَوَاره
والضدّ يُبدي من محاسن ضدّه ... ما لا يشاء إذا طغَت أوزارُه
يا عنز سوءٍ حتْفَها في ظِلْفها ... يا من يُدَمِّر في يديه دياره
شبهاتُ شركٍ جِئْتَ تَفْتل غَزْلها ... ورماد نارٍ تسْتعيدُ شراره
لن تعْدُوَ القدْرَ الذي هو لائقٌ ... بالهادمين من الطريق منارَه
والشيخ يعرف قدره أهل التّقى ... هم أهل دعوته وهم أنصاره
أدْرج بِعشّك مَنْ تكون حيالَهُ ... حتى تطاولُ أو تطول غبارَه
والكشفُ سَوْءَةَ مشركٍ هُوَ كاشفٌ ... مَنْ غَار فهو على الضلالِ مَدارُه
والكشفُ قرّة عينِ كلّ موحدٍ ... مَن كان أعمى لا يرى أنوارَه
مثْل ابن فرحانِ الذي هو حائرٌ ... كالليل صار مِنَ الظلامِ نهاره
يا رب جازِ الشيخَ عنا بالرضى ... وبجنةِ الفردوس إجعل داره
وصلاةُ ربي والسلام على الذي ... قد شادَ للدينِ القويمِ منارَه
عبد الكريم بن صالح الحميد
القصيم ـ بريدة
يوم / الثلاثاء. الموافق ١٧/ ٥/١٤٢٢هـ