← Акыда

Акыда · id 37604

الإبطال والرفض لعدوان من تجرأ على كشف الشبهات بالنقض

عبد الكريم بن صالح الحميد

Полный текст (202 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

وجل كما لا يستطيعون أن يقولوا أن الأصنام هي التي خلقت السماوات والأرض فبقوا بين الاعتراف بالقول (انقطاعاً) وممارسة ما يخالفه. الجواب: المالكي يفضح نفسه حيث إنه ما عرف التوحيد الذي دعا إليه الشيخ محمد وهو دعوة الرسل، فهو يقول عن الآيات السابقة التي أوْردها الشيخ محمد تدل على إيمانهم على وجه الجملة بأن الله هو الخالق الرازق. إن الإقرار بأفعال الرب كلها بل وأسمائه وصفاته لا يُدخل في الإسلام فضلاً عن الإيمان حتى يُفْرَد سبحانه بالعبادة التي هي فعل العبد. أما ما ذكر من كوْن قريش اعترفوا بذلك من غير اقتناع فهذا يُكذبه القرآن إذْ الرب سبحانه ذكر اعتقادهم بالربوبية احتجاجاً عليهم بما أقروا به من فعله ليوحّدوه في أفعالهم، وإنما قال المالكي ما قال من عدم فهمه للتوحيد المراد من العباد وهو ألا يُعبد مع الله سواه بالحب والخوف والرجاء الموجبة للدعاء والذبح والنذر وسائر أنواع العبادة. وقول المالكي: فكأن الله يوبّخهم بأنهم كذبه إلى آخره كذب وباطل فالرب سبحانه لم يُكذّبهم في ذلك وإنما يدعوهم إلى توحيد عبادته بالبراءة من آلهتهم محتجاً عليهم بما أقروا به من الربوبية، وهذا في مواضع من القرآن.

стр. 37

اتهام المالكي الشيخ بقتال المسلمين ثم قال المالكي في نقضه ص٦: لا يجوز أن نقوم بكل هذا حتى نبرر به قتالنا للمسلمين الركع السجود بزعمنا أنهم كالكفار تماماً الذين (يصلون ويحجون ويتصدقون ويذكرون الله .. )؟!. وعلى هذا يمكن على هذا المنهج العجيب أن نقول: كيف نقاتل الإسرائليين وهم يصدقون في القول ويحترمون العدالة ويوزعون الأموال بالسوية ويؤمنون بالله ويحترمون المقدسات و .. الخ ونترك قتال المسلمين الذين يظلمون ويتعاملون بالربا ويكذبون ويخلفون المواعيد ويخونون في الأمانات ... الخ. وهكذا فإن ذكرت محاسن موجودة عند بعض أو كل الإسرائليين وتناسيت مساوئهم وعكست القضية ملتبسة وأصبح قتال المسلمين أولى من قتال اليهود. أما إن أخذت جميع صفات هؤلاء وهؤلاء فستعرف أين تضع سيفك وكذلك في كفار قريش أو كفار العرب عموما الذي بُعث فيهم النبي ﷺ إذا اقتصرت على بعض مكارم الأخلاق وبعض الانقطاعات التي انقطعوا واعترفوا بها خرجت بالصورة الزاهية

стр. 38

عنهم التي أخرجها محمد بن عبدالوهاب. أما إن استعرضت جميع الآيات التي تتحدث عن الكفار فستعرف أنهم يختلفون عن فساق المسلمين فضلاً عن صالحيهم وعلمائهم. الجواب: المالكي الضال يُحاسب الشيخ محمد وأهل دعوته ليُبرروا قتالهم المسلمين، فهو مُتّهم للشيخ بل ويرميه بما لازمه أقبح الكفر وهو قتال المسلمين. أما قوله: (يصلون ويحجون ويتصدقون ويذكرون الله) فكم وكم رَدّد هذه إخوانه ممن شَرِقوا بدعوة الشيخ لعدم معرفتهم بالتوحيد ولبغيهم وعدوانهم. فيقال لهذا الخبيث: أنت مطالب أن تثبت أن الشيخ وأتباعه في دعوته التي لم يأت بها من عنده وإنما دَلّ أتباعه بها على الرسول ﷺ وهداهم إليه ليتبعوه فهو ما دعا لنفسه ولا إلى أمر ابتدعه، فأنت مُطالب أن تثبت أنهم يُقاتلون المسلمين. لكن سرائر نفسك الخبيثة أوْردتك الموارد المهلكة وافتضحت بجهلك بالتوحيد ومعارضتك لمن يقوم به، ولو كنت تعرف التوحيد الذي جاءت به الرسل ﵈ وكان من ورثتهم الشيخ محمد وأهل دعوته، لو كنت تعرف ذلك ما قلت (يصلون ويحجون ويتصدقون ويذكرون الله) لأن من جعل بينه وبين الله وسائط فهو هادم للأساس

стр. 39

الذي يقوم عليه بنيان الصلاة والحج والزكاة والصيام وغير ذلك من مباني الإسلام. فالشيخ محمد ﵀ وأهل دعوته يُكَفِّرون ويقاتلون من جعل بينه وبين الله وسائط لأنهم مشركون بعد دعوتهم وإقامة الحجة عليهم، وهذا هو موضوع كلام الشيخ في كتابه العظيم (كشف الشبهات) وهذه هي سيرة رسول الله ﷺ مع أهل الإشراك. لكن الذي غرّك وأضرابك ممن عارضوا هذه الدعوة الصلاة والحج والصوم والزكاة والذكر، وهذا كله يعرفه، أهل هذه الدعوة المباركة قبل أن تولد، لكن يقولون للجهلة الحمقى أمثالك. الرسل لم تدع إلى هذا أولاً، ويخبرون أن ربهم الذي أرسلهم لا يقبله ممن لم يأت بالتوحيد العملي الذي هو توحيد أفعال العبد بألاّ يُتخذ وسائط يُتقرب إليها بالعبادة التي هي محض حق الله الذي لا يقبل الشركة فيها، فاتخاذ الوسائط مبطل للصلاة وغيرها لأن مُتخذ الوسائط لم يأت بالإسلام فهو أخبث ممن يصلي بلا طهارة لأن نجاسة الشرك لا يقبل معها عمل، وطهارتها ليست بالماء وإنما بالإستسلام للمعبود الحق الذي لا يحصل إلا بالكفر بالوسائط والبراءة من دينها وأهله، وهذا هو الكفر بالطاغوت المقدم في كلمة التوحيد قال تعالى: ﴿فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى﴾

стр. 40

وهذا هو معنى (لا إله إلا الله) مطابقة حيث بدأ بالنفي أولاً ثم الإثبات ثانياً. وعلى هذا الفهم الخبيث من المالكي وأضرابه لابد من الاعتراض على الصديق ﵁ وإخوانه من الصحابة ﵃ لما قاتلوا مانعي الزكاة وجعلوهم مرتدين عن الإسلام، فهؤلاء أعظم شبهة من مشركي زماننا بكثير حيث لم يذكر الصديق ولا غيره من الصحابة أن هؤلاء رجعوا إلى الأصنام وإنما امتنعوا عنم أداء الزكاة فقط حتى إن هذه المسألة عظمت على بعض الصحابة مثل عمر ﵁ حتى بيّن لهم أبو بكر ﵁ فانشرحت صدورهم للحق، فإذا كان جاحدُ فريضة الزكاة كافراً يُقاتل كيف بجاحد الإسلام؟. فالشيخ محمد قدّس الله روحه في ذلك الكلام يفسّر التوحيد ويبين معناه وأن من لم يأت به من أهل زمانه لا تنفعه عباداته مهما كانت لأنه يجتمع مع كفار قريش في معنى قولهم: ﴿ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى﴾ فإذا قالوا: نحن ننفرد عن قريش بالنطق بالشهادتين والصلاة والصوم والحج والزكاة وذكر الله قيل لهم: أنتم مثل من يصلي وهو يبول، فإذا قيل له: صلاتك باطلة قال: أنا أركع وأسجد وأقرأ وأذكر الله كيف تجعلونني مثل من لا يصلي؟.

стр. 41

وهذا تمثيل وإلا فالمشرك أقبح وأخبث من هذا، لأن المشركين نجَس وهذا نجِس، فهذا يطهره الماء والمشرك لا يطهره إلا التوحيد. وإنه لمن آيات الله وبليغ حكمته أن جعل الشيطان يُهَوّن على المشركين أمر الشرك بل ويفتنهم فيه حتى يُعادُون ويقاتلون عليه وهو العظيم عنده سبحانه فلا ذنب أعظم منه. أما كلام المالكي بعد ذلك عن الإسرائليين وتمثيله بهم فعلى حسب فهمه الساقط التافه أن الشيخ محمد ﵀ قد رسم صورة زاهية للمشركين، وقد تبيّن مراد الشيخ وتبين أيضاً أن حال المشركين بصلاتهم وصومهم وعبادتهم ليست زاهية إلا عند هذا المتعالم بل هي قبيحة بنجاسة شركهم أعظم من قبح من يصلي وهو يبول. أما قوله: أما إن اسْتعرضت جميع الآيات التي تتحدث عن الكفار فستعرف أنهم يختلفون عن فساق المسلمين فضلاً عن صالحيهم وعلمائهم. يقال له: أهل التوحيد ليسوا مثلك لا يعقلون، فنظرهم إلى الأصل والأساس وهو التوحيد ولا يقيمون وزناً لأعمال الكفار لأن الله محبطها بالشرك.

стр. 42

اتهام المالكي الشيخ بتكفير المسلمين ثم قال المالكي في نقضه ص٦،٧: ٤ - ويقول الشيخ ص٩: (فإذا تحققت أنهم مقرون بهذا يقصد بأن الله هو الخالق والرازق، ولم يدخلهم في التوحيد الذي دعاهم إليه رسول الله ﷺ عرفت أن التوحيد الذي جحدوه هو (توحيد العبادة) الذي يسميه المشركون في زماننا "الاعتقاد"!!). أقول: سامح الله الشيخ محمد ففي هذا النص تكفير صريح لعلماء المسلمين في زمانه. ثم إن المسلمين لا يعبدون إلا الله بخلاف هؤلاء المشركين الذين يسجدون للأصنام وإذا لم يكن هذا واضحاً فلن نستطيع التفريق بين أمور أخرى أشد التباساً. الجواب: كان الأولى بهذا الدابة أن يتعلم التوحيد قبل التصدّر، وقيل خالف لِتُذْكر، وقيل الخوض باللجج والماء العَكِر. يقال للضال: أنت تنقم على الشيخ اتبّاعه الرسول ﷺ لأنه يسير على نهجه، فهو يُقارن بين كفار زمانه وكفار قريش من جهة أن الكل واقعون في الشرك الأكبر باتخاذهم الوسائط، ولا فرق بين القبر والصنم والشجر لأن الشأن في تألّه القلوب لغير الإله الحق. أما أن الشيخ يُكفِّر علماء المسلمين فكذبت، وكيف قلت عما

стр. 43

قاله الشيخ في كتابه الذي حُرمت خيره، (ففي هذا النص تكفير صريح لعلماء المسلمين في زمانه)؟ مع وضوح النص وجلائه وحُسْنِه وكماله إذْ هو كلام عالم بربه وبدينه حيث إن الله ورسوله لا يُفرّق بين متماثلين ولا يُساوي بين مختلفيْن. فالذين يتخذون الوسائط في زمان الشيخ مثل الذين يعبدون اللات والعزى ومناة وهُبل، فالكل جعلوا بينهم وبين الله وسائط تقربهم بزعمهم إلى ربهم، ولذلك قال الشيخ قدّس الله روحه: عرفت أن التوحيد الذي جحدوه هو توحيد العبادة الذي يسميه المشركون في زماننا (الاعتقاد). يُريد الشيخ أنهم مثلهم في الشرك الذي لا يُقبل معه عمل أما قول الضال: ثم إن المسلمين لا يعبدون إلا الله بخلاف هؤلاء المشركين الذين يسجدون للأصنام. يُقال له: تسميتك أهل الإشراك مسلمين لأنك ضال، ولذلك اتهمت الشيخ أنه يُكفِّر ويقاتل المسلمين، ومعلوم أن أهل دعوته كذلك فانظر تحيّزك إلى أي الفئتين؟ فئة الشيخ وأهل دعوته الموحدين أو المشركين؟ ولقد تبين أمرك ولن تعدو قدْرك ولستَ أول قارورة كُسِرَتْ فكم ممن ضادّ هذه الدعوة وانْبتر كما قال تعالى: ﴿إن شانئك هو الأبتر﴾ فما شنأ الحق شانئ وأفلح.

стр. 44

تهوين المالكي تسمية أهل هذه الدعوة بالخوارج ثم قال المالكي في نقضه ص٧: ومن ذلك اتهام الشيخ محمد وأصحابه بأنهم خوارج لأنهم يكفرون المسلمين ويخرجون من قبل المشرق وسيماهم التحليق وو ... الخ. فإذا كانت التسوية بين الخوارج والوهابية ظلما فالتسوية بين كفار قريش والمسلمين أكثر ظلماً وأبعد عن الحق. الجواب: تقدم قوله قبل هذا الكلام: وإذا لم يكن هذا واضحاً فلن نستطيع التفريق بين أمور أخرى أشد التباساً، ثم ذكر هذا الكلام، فتأمل كيف أن الخبيث يؤيّد ما يقوله أعداء الشيخ وأهل دعوته من وصْفهم لهم بأنهم خوارج، وأحسن أحواله أنه يُشَكك في ذلك. تأمل كيف التبس عليه الأمر ثم نفث سمه فجعل التسوية بين الكفار في زمان الشيخ الذين سمّاهم مسلمين وبين كفار قريش أكثر ظلماً وأبْعد عن الحق. يعني أنه إذا كان أهل زمان الشيخ صاروا كفاراً باتخاذهم الوسائط مساوين لكفار قريش بحكم الشيخ وأهل دعوته وهذا عنده باطل فهذا الحكم أعظم من تسمية الوهابية بالخوارج.

стр. 45

أنظر كيف فرّق بين المشركين وشارك بالافتراء على الموحدين. أما التحليق فأنقل فيه ردّ الإمام سعود بن عبدالعزيز بن محمد بن سعود ﵏، قال رداً على مثل هذا المبطل: وأما إنكارك علينا تحليق الرؤوس وتقول: إنا نحرّم إسبال الشعر ولم تَلْقَ علينا غير ذلك فنقول: إنك كاذب علينا ولا نقول: إنه حرام إسبال الشعر، ونعلم أن رسول الله ﷺ وأصحابه رضوان الله عليهم يسبلون الشعر، ثم قال: والشعر إمّا يُحسّن أو يُحلّق، ومن شاء حلَق ومن شاء الإسبال أسبل ولم نمنع أحداً من ذلك، وأما الذي يُسبل الشعر ويجعله وسيلة إلى الكفر والردّة فنحلق رأسه غمّاً له وإخلافاً لعقيدته الفاسدة إذا ظننا به الشر. انتهى. (١) والشيخ محمد وأهل دعوته كما قال الشيخ إبراهيم بن عبداللطيف في ردّه على مثل هذا الضال المضل: فما يُكفِّر كل الناس قاطبة ... ولا يُجهّلهم يا شَرَّ من كانا ولا يُكفّر أهل القبلة الفُضَلا ... لا بل يُكفِّر مَنْ بالشرك قدْ دَانا مَن كان يصرف للمخلوق دعوته ... وكان يندب للأموات أحيانا يدعوهمو باعتقاد منه أنهمو ... يُفَرّجون عن المكروب أحزانا

стр. 46

اتهام المالكي الشيخ بالتحيّل والتلبيس ثم قال المالكي في نقضه ص٧،٨: ٥ - قوله ص٩: (في الثناء على كفار قريش وغيرهم (كانوا يدعون الله سبحانه ليلاً ونهاراً ثم منهم من يدعو الملائكة لأجل صلاحهم وقربهم إلى الله ليستغفروا له أو يدعو رجلاً صالحاً مثل اللات!! أو نبياً مثل عيسى وعرفت أن رسول الله ﷺ قاتلهم على هذا الشرك ودعاهم إلى إخلاص العبادة .. فقاتلهم رسول الله ﷺ ليكون الدعاء كله والنذر كله والذبح لله والاستغاثة كلها بالله وجميع العبادات لله ... ). أقول: النبي ﷺ قاتلهم لأمور كثيرة أهمها الشرك بالله وإخراج المسلمين وإنكارهم النبوة وارتكابهم المظالم ... الخ. فتعليل محمد بن عبدالوهاب ناقص ليبرر له هذا التعليل الناقص قتال المسلمين وكأنه يقول أنا أقاتل المسلمين على ما قاتل عليه النبي ﷺ الكفار!!. وهذا فيه ظلم ﴿أفنجعل المسلمين كالمجرمين؟ مالكم كيف تحكمون﴾. الجواب: كَذَبَ الضال وافترى فحاشا وكلا أن الشيخ محمداً يثني

стр. 47

على الكفار كما ذكر هنا أو أنه يرسم لهم صورة زاهية كما تقدم في فرية هذا المبطل. والذي ذكره من أعمالهم العبادية الظاهرة أراد بذكرها عيْبهم وبيان ضلالهم حيث أنهم مصرّون على الشرك كأهل زمانه فأراد بيان أنه كما أن كفار قريش لم تنفعهم تلك العبادات لأجل الشرك فكذلك المشركين من أهل زمانه. والمالكي يسقط الآيات التي يستدل بها الشيخ ويُغير بعض الألفاظ فهنا قال: (ليستغفروا له) وهي في الكشف: (ليشفعوا له). وسوف إن شاء الله أرفق كتاب (كشف الشبهات) مع هذا الرد مبيّنا المواضع التي يتصرف فيها هذا الملبّس، لأن عبارات الشيخ مرتبط بعضها ببعض فإذا بُترت التبس الأمر وتشوّش، وسوف نجعل خطوطاً تحت الكلام الذي أسقطه. أما قول الضال: إن النبي ﷺ قاتل كفار قريش لأمور كثيرة أهمها الشرك. فيقال له: هذا الكلام المجمل لا يفيدك شيئاً ويكفي إقرارك أن أهم ما يُقاتِل عليه النبي ﷺ الشرك فلماذا تنقم على الشيخ محمد قتاله المشركين وهو متبع غير مبتدع؟ لكنك لضلالك وخيْبتك تسميهم مسلمين لأنهم يصلون ويحجون ويتصدقون ويذكرون الله وما عرفت

стр. 48

الشرك المحبط لأعمالهم الموجب لتكفيرهم وقتالهم بعد دعوتهم وإقامة الحجة عليهم وهذا مسلك أهل هذه الدعوة والحمد لله. وأما قتال الكفار فنعم يُقاتَلون لأجل عدوانهم لكن يكفي أن الشرك هو أهم ما يُكفَّرون ويُقاتَلون عليه. قال تعالى: ﴿وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله﴾، والفتنة هي الشرك. أما زعم الضال أن تعليل الشيخ محمد ناقص وأن مراده أن يُبَرّر قتاله للمسلمين، فالناقص الضال الكاذب هو المالكي، وأمر الشيخ محمد ولله الحمد لا يحتاج إلى التبرير بالباطل والتعليل بالخطأ فهو ولله الحمد واضح بيّن، وقد أقرّ المالكي نفسه أن أهم ما يقاتل عليه النبي ﷺ الشرك، وإنما عِلّة المالكي عدم إقراره أن أهل زمان الشيخ محمد ممن يعبدون والقبور والأشجار والغيران وغير ذلك مشركون، ولما كان هذا هو الأصل الذي بنى عليه ضلاله صار يعيب الشيخ من كل وجه. ولذلك رمى الشيخ محمد بأنه يُقاتل المسلمين ويقول: وهذا فيه ظلم ويستدل بقوله تعالى: ﴿أفنجعل المسلمين كالمجرمين﴾ يعني أن الشيخ محمد جعل المسلمين كالكفار حيث استحل تكفيرهم وقتالهم، فهم مسلمون عند هذا الرّويْبضة الجاهل الخامل لأنهم يصلون ويزكون ويحجون ويذكرون الله، وهو لم يُنكر

стр. 49

كوْنهم يجعلون بينهم وبين الله وسائط لكن لا يرى ذلك شركاً، وهذه الشبهة من أعظم ما ادّعى خصوم الشيخ لعدم معرفتهم التوحيد، وقد جاء هذا الضال في ساقة ركب الضلالة ﴿ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئاً﴾.

стр. 50

تجهيل المالكي للشيخ ثم قال المالكي في نقضه ص٨: ولم يرد في القرآن الكريم أن علة قتال النبي ﷺ للكفار حتى يكون من الذبح لله والنذر لله والاستغاثة بالله .. الخ!!. وإنما الأسباب الكبرى هي السبب من الشرك وإنكار النبوة وإخراج المسلمين من ديارهم .. الخ. فالشيخ يذكر أسباباً ليست متحققة ولا يدري أهي سبب في القتال أم لا ويترك الأسباب المتفق عليها بأنها هي سبب قتال النبي ﷺ للكفار. الجواب: صحيح أنه: لا يبلغ الأعداء من جاهل ما يبلغ الجاهل من نفسه فقد تكشفت سوأة هذا الجاهل. فيقال له: ما تقول في الذبح لغير الله والنذر لغير الله والاستغاثة بغير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله؟. فإن قال: ليس ذلك بشرك، ظهر جهله الفاضح وبغْيه الواضح، وإن قال: هذا شرك، قيل له: قد أقررت أنت أن أهم ما يُقاتل عليه النبي ﷺ الشرك فما ذنب الشيخ محمد لوْلا البغي والعدوان ﴿وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون﴾.

стр. 51

أما ما ورد في القرآن فمثل قوله تعالى: ﴿وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله﴾ والفتنة هي الشرك وآيات أخرى فيها بيان ذلك. مثل قوله تعالى: ﴿قاتلوا الذين يلونكم من الكفار﴾ الآية. أما زعمه أن الشيخ يذكر أسباباً ليست متحققه فكذِب عليه، ومراد هذا الضال أن لا يُكَفَّر على الشرك ولا يُقاتل عليه فهو يدور على هذا المدار الإبليسي الذي قرَنَه به إبليس فصار كحمار المدار.

стр. 52

كلام مهم في التوحيد وكُتب الشيخ محمد فيها الأدلة على الذبح والنذر والدعاء والاستغاثة وغير ذلك من أنواع العبادة وذلك أشهر من أن يذكر، وأن من صرف شيئاً من ذلك لغير الله فهو مشرك كافر وإن رغمت أنوف وسِيّان في ذلك الشجر والحجر والملك والنبي والقبر، لأن العلة تدور حول ما يقوم بقلب المشرك وما يحققه فعله تجاه ما تألّهه من دون الله، وهو لولا ما قام بقلبه من اعتقاد جلب النفع ودفع الضر استقلالاً أو بالوساطة لما مال إلى ما سوى ربه قلبه وشُغِفَ به وقاتل دونه. ثم إن هذه المذكورات وغيرها ليس فيها ما يوجب التألّه إذْ هي مملوكة مُصَرّفة مدبَّرة، والرب وحده هو الذي يحرّكها ويُسكّنها، ولذلك يحتج سبحانه على المشركين بأن ليس عندهم علم يحتجون به على صلاحية شركهم وبأبلغ قول يقول سبحانه: ﴿إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم﴾ يعني أن المشرك ليس عنده إلا أسماء باطلة شرعاً وعقلاً لأن تسميته مخلوقات الله وعبيده ومماليكه آلهة، هذا جاء به من عنده وليس له فيه حجة ولا سلطاناً ولا أثارة من علم. ويوضح الآية السابقة قوله تعالى: ﴿قل سموهم﴾ يعني سموهم بأسمائهم الحقيقية فهذا حجر منحوت بصورة

стр. 53

وهذه شجرة وهذا قبر وهذا نبي وهذا ملَك، وهكذا حتى لو قدرتم وشئتم أن تعدوا كل ما سوى الله من المخلوقات فلن تجدوا فيها من يُسمى (إله) وإنما أنتم بفريتكم سميتموها آلهة، لأن (الإله) هو مألوه القلب الذي يعتقد فيه مالا يصلح إلا الله. قد يقول المشرك لاسيما في الأزمنة المتأخرة: أنا لا أسمي شيئاً من المخلوقات: إلهاً وإنما الإله هو اله وحده، فيقال له: لو كنتَ تعرف معنى الإله ما قلت الذي قلت ولا فعلت الذي فعلت. فالإله الباطل إنا سُمي إلهاً لتألّه القلوب، له، لا لشيء قام بذاته يستحق به التألّه، فالشأن كل الشأن في مَيْل قلبك إليه بالتألّه الذي يجمع المحبة والخوف والرجاء، الذي يوجب أن تتقرب إليه بالقربان الذي هو حق الله الخالص، من أشرك معه فيه غيره حبط عمله وصار مشركاً مخلّداً في جهنم، كذلك الدعاء والنذر وسائر أنواع العبادة. والعبد إنا يميل بقلبه إلى ما سوى الله من المخلوقات سواء الملائكة والأنبياء والصالحين أو غير ذلك من الأشجار والأحجار وإنما يميل إليها بقلبه معتقداً نفعها خائفاً ضرها استقلالاً أو توسطاً بينه وبين الله، ومن هنا يأْلهها قلبه. ولذلك من ظن أن حاجته تُقضى له بواسطة مُقرَّب من مقرَّبي الملِك سواء جلب منفعة أو دفع مضرة فإنه منصرف القلب عن الملك متعلق بالمقرَّب لأنه أنزل حاجته به فسِيَّان التفت بعض

стр. 54

الالتفات الفارغ إلى الملِك أو نسيه فحاجته مقضيّة من دونه، وقطْعاً فإن لهذا الوسيط المقرَّب في قلب العبد منزلة تملؤه حَشْوها الحب والخوف والرجاء، وهذه الثلاث هي أركان العبادة فهو يحبه لظنه واعتقاده أنه يقضي حاجته ويخافه أن لا يحصل منه ذلك، ويرجوه لذلك. والرب سبحانه أرسل رسله وأنزل كتبه لإبطال هذا الاعتقاد، لأنه مخالف لحكمة الخلق من كل وجه وتنقص للإله الحق من كل وجه، وظلم من العبد لنفسه ولمن تألّهه من دون الله من كل وجه. فهل يليق أن يُرفع المخلوق إلى درجة الخالق، والمملوك إلى درجة المالك، والفاعل المنفعل إلى درجة الفاعل بالاختيار غير المنفعل؟ المشرك يقول: أعوذ بالله من هذا الوصف ومَن الذي يُقرّه ويرضى به، ولقد اتّهمْتونا بالعظائم. فنحن لا نجعل مع الله شريكاً وهو ربنا ومليكنا الذي يحيينا ويمتنا ويرزقنا ويدبر أمورنا ونحن نعبده نصلي له ونصوم ونحج ونذكره ونقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله فما ذنبنا الذي جعلتم كل عمل حابطاً معه؟. فيقال: إن ذنب المشرك عظيم وإن ظنه سهل يسير وإن غرّته عبادته، لكن بمعرفته لحقيقة الإسلام الذي كلمته لا إله إلا الله وهي كلمة التوحيد، بمعرفته لذلك تنجلي عن قلبه ظلمات الجهالة

стр. 55

والضلالة إن وفقه الله. فأولاً: لابد من التفريق بين ما يعنيه اسم الرب وما يعنيه اسم الإله، فالأول يعني ما يتصف به الرب سبحانه من الفاعلية القائمة به من خلق السموات والأرض وما فيهن وما يتبع ذلك من ملكيتهن وإقامتهن بقيوميته، وهذا لو أن العبد فني فيه وأحكمه غاية الإحكام لم يُدْخله في إسلام الرسل الذي دعت إليه لأن غاية هذا علم نظري إقراري يشترك فيه معه غالبيّة الكفار، فهذا الاسم تعلّقه بالرب من جهة فعله سبحانه اللازم والمتعدي في مخلوقاته. وهذا كما تقدم لا ينتفع به العبد إلا بإحكام المعرفة لاسم الإله والعمل على مقتضى ذلك، لكن الأول تقوم به عليه الحجة. أما الثاني وهو اسم (الإله) فيعني ما يتصف به الإله الحق سبحانه من موجبات تألّه القلوب له ويتعلّق بعمل العبد. فمتعلقه بعلمه يشمل العلم بالأول الذي أخص باسم الرب وزيادة وهي العلم الذي هو أخص باسم الإله وثالث وهو المطلوب وهو العمل على مقتضى تلك العلوم. فبعلم العبد بأن الرب سبحانه هو الذي له ملكية الوجود وملكية التصرف فيه يتوجه قلبه إليه بالتجرد عن الالتفات إلى ما سواه في شأن الضر والنفع والعطاء والمنع، وهذا تألّه للقلب من هذا الوجه، يعني وجه المالكية والفاعلية.

стр. 56

وأما علم العبد باسم الإله فيشمل الأول ويزيد عليه، فشموله للأول تبيّن أنه من جهة انفراد الرب سبحانه بالضر والنفع والعطاء والمنع. وأما الزيادة فهذه أخص باسم الإله وذلك هو العلم بما يتصف به الإله الحق سبحانه مما يوجب تألهه بالحب كله والخوف كله والرجاء كله وانجذاب القلب والروح إليه وهو صفات الإله الذاتية من الجمال والجلال والكمال وهذا فطرة للعبد، تُكمل نقصه وتُفصل مجمله الشريعة. وكلمة (لا حول ولا قوة إلا بالله) بيانها للأول الذي هو ملكية الرب وفاعليته أظهر إذْ معناها: لا تحوّل من حال إلى حال سواء من سكون إلى حركة أومن حركة إلى سكون في الوجود كله إلا بقوّة، وبما أن الوجود كله هكذا لا يخرج عن محيط السكون والحركة ويتقلب بينهما وهذا هو الحوْل، وحتى يقع الحوْل فلابد من قوة مؤثرة وهذه القوة هي فاعلية الإله في الوجود، فهذا كله في شأن الربوبية. أما كلمة (لا إله إلا الله) فبيانها للثاني الذي هو صفات ذات الإله من الجمال والجلال والكمال أظهر إذ معناها انجذاب الروح بكليتها نتيجة هذا العلم إضافة إلى العلم الأول، وإنما يكون انجذابها بحسب التفريد والتجريد.

стр. 57

أما الثالث وهو المطلوب من العبد فهو العمل بموجب ذلك العلم، فإنه إذا اسْتيْقن قلبه بالعلم بلا حول ولا قوة إلا بالله الشاملة بلا استثناء للتحكّم بحركات الوجود كله وسكناته مع ملكيته، وأن القوة على ذلك قائمة بالرب سبحانه، واستيقن أيضاً أن جمال معبوده أعظم مما يحيط به علمه وتصوّره، وأن هذه الصور الجمالية المخلوقة ماهي إلا إشارات وتعريفات فقط بالجمال الإلهي، وليس معنى هذا التفلّت من آداب الشرع وإنما معناه أن كل أحد يعرف الجمال وكل قلب يهفو ويصْبوا إليه، ومن هنا جاء الابتلاء بالصور الجميلة المخلوقة الفانية. والكلام هنا على المعرفة، فإن العبد إذا علم أن صورة معبوده لا تماثل الصور المخلوقة وكيف يُماثل من تُشرق الأرض بنوره تجرّد تألّهه له من جميع الوجوه.

стр. 58

جهل المالكي بدعوة الرسل ثم قال المالكي في نقضه ص٨: ٦ - يقول ص١١: (عرفت حينئذ أن التوحيد الذي دعت إليه الرسل وأبى عن الإقرار به المشركون وهذا التوحيد هو معنى قولك: لا إله إلا الله فإن الإله عندهم هو الذي يقصد لأجل هذه الأمور). أقول: الذي دعت إليه الرسل عبادة الله الشاملة لتوحيد الربوبية والألوهية والواجبات والمحرمات. الجواب: المالكي يأخذ مقاطعاً من كلام الشيخ ويترك آيات يستدل بها الشيخ ويترك بعض الكلام لتبدو عبارات الشيخ غير ظاهرة المعنى ولا متماسكة المبنى فَلْيُنْظر الكشف المرفق بكماله. وهنا أسقط آيات وأسقط قول الشيخ: (وعرفت أن إقرارهم بتوحيد الربوبية لم يدخلهم في الإسلام وأن قصدهم الملائكة أو الأنبياء أو الأولياء يريدون شفاعتهم والتقرب إلى الله بذلك هو الذي أحَلّ دماءهم وأموالهم). المالكي ظن أن بضاعته الزائفة الكاسدة تروج بهذا التلاعب، والشيخ بيّن أن قصد غير الله في طلب الشفاعة والقرب شرك يُحل

стр. 59

الدماء والأموال وأن النبي ﷺ كَفّر قريشاً وقاتلها على هذا، كذلك غيرهم من المشركين. أما قول الضال (إن الذي دعت إليه الرسل عبادة الله الشاملة لتوحيد الربوبية والألوهية والواجبات والمحرمات) فليس في هذا معارضة، ولم يقل الشيخ إن الرسل لم تدع إلا لتوحيد الألوهية فقط، وإنما هذا مفتاح دعوتهم لأن الغالب على أهل الأرض هو الشرك في الألوهية، والرسل تدعو إلى عبادة الله الشاملة، من عارض هذا؟. لكن الشيخ يعالج قضية زمانه وهي الشرك بالألوهية، وهو يعلم أن الشرك بالربوبية أعظم، ولو كانت هذه قضية أهل زمانه لصارت جُلّ همه. إن الذي ألجأ المالكي إلى هذا التعنّت على أهل هذه الدعوة هو أنه لم يجد فيها مطْعناً فلجأ إلى هذه الحِيَل المكشوفة.

стр. 60

إتهام المالكي الشيخ بتكفير المسلمين ثم قال المالكي في نقضه ص٨،٩: ٧ - ثم يواصل ص١١: (لم يريدوا أن الله هو الخالق الرازق المدبر فإنهم يعلمون أن ذلك لله وحده كما قدمت لك، وإنا يعنون بالله ما يعني المشركون في زماننا بلفظ السيد!!). أقول: هذا أيضاً فيه تكفير صريح للمسلمين في زمانه ثم ليس صحيحاً ما ذكره من أن المشركين يعلمون أن الله هو الخالق والرازق، فهذا متحقق في بعض الكفار لا كلهم فالدهريون لا يؤمنون بهذا وكذلك فرعون ادعى الربوبية والنمروذ ادعى أنه يحيي ويميت. الجواب: المالكي الضال يترك الكلام الذي يبيّن مراد الشيخ فيسقطه فإن الشيخ قال قبل ذلك: (عرفت حينئذ التوحيد الذي دعت إليه الرسل وأبى عن الإقرار به المشركون، وهذا التوحيد هو معنى قولك: (لا إله إلا الله) فإن الإله عندهم هو الذي يُقصد لأجل هذه الأمور، سواء كان ملكاً أو نبياً أو ولياً أو شجرة أو قبراً أو جنياً، ثم قال: لم يريدوا أن الإله هو الخالق، إلى لفظ السيد.

стр. 61

والشيخ قال: لم يريدوا أن الإله والمالكي أبدلها كما ترى باسم (الله) وهذا يُفسد كلام الشيخ ويُشوّشه، وهذا مراد هذا الماكر لأن اسم الإله في هذه العبارة مرتبط بقوله: فإن الإله عندهم هو الذي يُقصد لأجل هذه الأمور، كذلك أبدل قول الشيخ: وإنا يعنون بالإله، أبدل اسم الإله باسم الله. والشيخ هنا يبين أن الكفر ملة واحدة وإن اختلف الأسماء والعبارات، فالذي تسميه كفار قريش الإله هو الذي يُطلق عليه هؤلاء لفظ السيد، لأن الكلام ليس على المسمَّيات وإنما على المعاني. والشيخ علم أن طلْبة هؤلاء من السيد وصاحب السّر هي طلبة قريش من آلهتها، وهو التقرب إلى الله بالوسائط مع الفارق أن قريشاً تجعل هذه الآلهة الباطلة بينها وبين الله في طلب الرزق والنصر في الدنيا لأنهم لا يؤمنون بالبعث لكن هذا كفر مستقل لا يَرِد على كلام الشيخ، لأن كلامه في تقرير مسألة واحدة وهي اتخاذ الوسائط بين العباد وربهم وأنها وإن اختلفت صفاتها وأسماؤها فالجامع لذلك هو التشريك بالتألّه الذي هو محض حق الإله الحق، وسواء عمل العبد معه أي عمل أولم يعمل فهو وحده هادم لكل بناء يقوم عليه من مباني العبادة. وسِرّ هذا التشريك في توجّه القلب الموجب انقسام خالص الحب والخوف والرجاء الذي هو لله وحده لا يقبل فيه التقسيم

стр. 62

والشركة، لأنه تنقّص له سبحانه وكأن لا يعلم أمور عباده حتى يُعَلّم، وكأنه لا يرحم حتى تَسْتدعي الوسائط رحمته وكأنه بخيل حتى يُسْتدعى كرمه وجوده، وكأنه عاجز غير قادر حتى يُعان، هذا كله وغيره من مفاسد الشرك، ولذلك أحبط عمل من تدنّس به وأوجب له الخلود في النار لشدة غضبه على فاعله. والشرك تَعَدٍّ بالمخلوق عن طوره ورفع له فوق مقامه وتخيّل أمور فيه ويقدر عليها وليست على الحقيقة فيه ولا يقدر عليها. إن ارتفاع المخلوق وعزّه وشرفه بقدر إخلاص عبوديته لربه بمتابعة رسله، ومهما بلغ من الرفعة في هذا المقام فإنه لا يتغيّر شيء في ذاته من جهة التأثير في غيره ولا في نفسه، فيستوي هو وأدنى الخلق ولو قلت: وأكفرهم فهو أيضاً صحيح ـ في مقام العجز عن القدرة المؤثرة في الوجود بخلاف الوسيط عند المخلوق كالملوك ونحوهم فتتخذ الوسائط بينهم وبين الناس لِتَخلُّف الأربع المتقدمة وغيرها عنهم وهي العلم الشامل، والرحمة التامة، والكرم والجود، والقدرة وغير ذلك من نقص المخلوق. فالمشرك مُشَبِّه لربه بخلقه وعبيده باتخاذ الوسائط، مما يوجب له رفع عبيده الذين أشركهم به إلى مقامه في قلبه، ويظهر أثر ذلك في عبادته لهذه الوسائط وتأليهها، ومهما عَبَدَ الله فلا يقبل منه لأنه ما قدره حق قدره بصرفه خالص حقه إلى مملوكه نتيجة اعتقاد فاسد في

стр. 63

هذا المملوك أوجب هذا التشريك. وهنا يجعل المالكي الشيخ محمداً مكفِّراً للمسلمين وتقدم زعمه أن الشيخ محمد يقاتل المسلمين. وتقدم أيضاً مثل عبارته هذه أن تكفير الشيخ صريح لعلماء المسلمين، وفي مواضع يرمي الشيخ بهذه الدّواهي قطع الله دابره. ﴿وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد﴾. أما كوْنه ليس كل المشركين يعلمون أن الله هو الخالق الرازق فهذا لا يَرِدُ على الشيخ لأنه لم يقل كلهم يعلمون ذلك وإنا كلامه في كفار قريش الذين يعلمونه كما أن غالب أهل الشرك يعلمونه. وأيضاً مراد الشيخ عدم الاغترار ربما يُقرُّ به أهل الشرك من الربوبية فليس يدخلهم في الإسلام. وليس مجال كلام الشيخ عن طوائف المشركين واختلافهم وإنا يُعالج مسألة واحدة هنا وهي مقارنة أهل وقته بمن كفّرهم النبي ﷺ وقاتلهم. فالدهرية وفرعون والنمروذ يعلم الشيخ أن هؤلاء أكفر من المشركين لكن لا صلة لهم ببحثه هنا، فهؤلاء معطلة، وكلام الشيخ في المشركين، وإنا المالكي الضال يتطلّب العيْب للبرءَاء ﴿وقد خاب من افترى﴾.

стр. 64

والشيخ محمد يُكفّر من يتخذ الوسائط بينه وبين الله ولم يأتِ بذلك من عنده فهو إجماع أهل العلم. قال ﵀ في نواقض الإسلام: من جعل بينه وبين الله وسائط يدعوهم ويسألهم الشفاعة ويتوكل عليهم كفر إجماعاً. (١) فهو ﵀ لم ينفرد بهذا بل يحكي إجماع أهل العلم.

стр. 65

افتراء المالكي العظيم على الشيخ بدعوى أن الإسلام لا يعصم المسلمين من سيفه ثم قال المالكي في نقضه ص٩: ٨ - قوله ص١١: (فأتاهم النبي ﷺ يدعوهم إلى كلمة التوحيد (لا إله إلا الله) والمراد من هذه الكلمة معناها لا مجرد لفظها ... أقول: لكن مجرد التلفظ بها ينجيهم من التكفير والقتل بينما من يقولها من معاصري الشيخ لا تعصمهم من سيفه فالمنافقون في عهد النبي ﷺ يقولون الشهادتين بألسنتهم وكان النبي ﷺ يعرف ذلك ومع ذلك عصمت دماءهم وأموالهم أما المعاصرون للشيخ من المسلمين فلم تعصمهم منه لا الشهادتين ولا أركان الإسلام. الجواب: يقال لهذا الضال المضل: هذا حكمك الشيطاني ليس حكم الله ورسوله، ومتى كان مجرد التلفظ بهذه الكلمة إذا خولف معناها بالقول أو العمل ينجي من التكفير والقتل إلا عند إخوان المشركين؟. وكلام هذا الخبيث إبطال لحكم الردة جملة واحدة وافتراء على الشيخ عظيم بأنه يقتل المسلمين، وحاشاه من ذلك، لكن المسلمين

стр. 66

عند هذا الضال عبّاد القبور والأشجار والأحجار، وهذا واضح من كلامه ودفاعه عن إخوان الشياطين. ماضرّ (بدر) السما نَبح الكلاب كذا ... ماضرّ أهل الهدى من سَبَّ أوْ شانا أما المنافقون في عهد النبي ﷺ فكانوا يُظهرون الإسلام ويُبطنون الكفر وإذا أعلنوا بمنكر أُقيم عليهم أمر الله، أما أن يقرّهم النبي ﷺ على المنكر فلا، كذلك الشيخ محمد. وقد افترى هذا الخبيث على الشيخ وأهل دعوته افتراءاً عظيماً، كيف يقول قطع الله دابره: أما المعاصرون للشيخ من المسلمين فلم تعصمهم منه لا الشهادتان ولا أركان الإسلام؟ وهل هذا إلا البهت البين والظلم العظيم، وهو الدفاع عن المشركين ومُناصرتهم والطعن على الموحدين ويقصد الضال بالمسلمين عباد القبور فهو يدافع عنهم ويُناضل ويجادل (فمن يجادل الله عنهم يوم القيامة). أما الشهادتان وأركان الإسلام فلم تعصم مانعي الزكاة من سيوف الصحابة لما أخلّوا بذلك فما يقول الضال؟ وأيهما أعظم منع الزكاة مع القيام بباقي الفروض أو الشرك لو كان هذا يعقل؟. لكن من المعلوم أن من تجرأ على الصحابة مثل معاوية وعمرو بن العاص وخالد وغيرهم ﵃ وسَبّهم وذكر ما جرى بينهم على سبيل إثارة الفتنة فكيف لا يتجرأ على الشيخ محمد ودعوته وأهلها، أنظر كتابه (قراءة في كتب العقائد).

стр. 67

ولقد تكشّف من طواياه السيئة ونياته الخبيثة ما بعضه يكفي من عنده بعض بقية من غيْرة على دينه. والمالكي له سلف عريق في الضلالة غريق في بحر الجهالة ورُدود أهل هذه الدعوة على سلف هذا الضال متوافرة ولله الحمد وإن أعظم شبهة قامت بقلوبهم المظلمة اتهام الشيخ محمد بالتكفير والقتال للمسلمين بزعمهم لعدم معرفتهم بالتوحيد أو لحقدهم وعنادهم. قال سليمان بن سحمان ﵀ في هؤلاء الخصوم: وقد زعموا أن الإمام محمداً ... يُكفّر أهل الأرض طُرّاً على عَمْدِ ويقتلهم من غير جُرْم تجبّراً ... ويأخذ أموال العباد بلا حَدِّ ومن لم يُطعه كان بالله كافراً ... إلى غير هذا من خرافات ذي اللَّدِّ وقد أجلبوا من كل أرْب ووجهة ... وصالوا بأهل الشرك من كل ذي حقد فبادوا وما فادوا وما أدركوا المنى ... وآبوا وقدْ خابوا وحادوا عن الرشد وأظهره المولى على كل من بغى ... عليه وعاداه بلا موجب يُجدي وأظهر دين الله بعد انطماسه ... وأعلى له الأعلام عالية المجد

стр. 68

خوض المالكي في كلام الشيخ دون فهم مراده قال المالكي في نقضه ص٩،١٠: ٤ - ويقول ص١٢: فالعجب ممن يدعي الإسلام وهو لا يعرف من تفسير هذه الكلمة ما عرفه جهال الكفرة، بل يظن "يعني المدعي للإسلام" أن ذلك "يعني تفسيرها" هو التلفظ بحروفها من غير اعتقاد القلب لشيء من المعاني؟!. أقول: هذا غير صحيح فليس هناك مسلم واحد يقول إن معنى (لا إله إلا اله) هو التلفظ بها دون اعتقاد القلب لذلك. والمسلمون جميعهم علماؤهم وعوامهم يعرفون أن النفاق أن تقول مالا تعتقد وهم يذمون من يخالف قوله فعله بل حتى الكفار يذمون من يخالف قوله فعله .. فكيف يقول الشيخ هذا الكلام سامحه الله ويزعم أن المسلمين في عصره يقولون يجوز أن نشهد الشهادتين بلا اعتقاد لمعانيها، فنقول (لا إله إلا الله) ونعبد غيره (ونقول محمد رسول الله) ونعتقد كذبه .. ؟! سبحانك يا رب هذا بهتان عظيم. فالمسلمون في عهد الشيخ مثل المسلمين اليوم في البلاد الإسلامية فهل يجوز لنا أن نقول إنهم يقولون (نقول الشهادتين باللفظ فقط وسننجو حتى وإن اعتقدنا خلافها؟!).

стр. 69

ثم كيف (يجعلهم ممن (يدعي الإسلام)؟! يعني وليسوا مسلمين!! وهذا تكفير آخر فتنبه!!. الجواب: المالكي المزوِّر يُسْقط من كلام الشيخ ما يبين مراده، وينقل عبارات مقطوعة يوهم بها الجهال، وهذه خيانة ظاهرة مع الافتراء على الشيخ وأهل دعوته ورميهم بالباطل ظلماً وعدواناً. أسقط الضال من كلام الشيخ قبل الكلام السابق قوله ﵀: والكفار الجهال يعلمون أن مراد النبي ﷺ بهذه الكلمة هو إفراد الله تعالى بالتعلّق، والكفر بما يعبد من دونه والبراءة منه، فإنه لما قال لهم: قولوا: (لا إله إلا الله) قالوا: ﴿أجعل الآلهة إلهاً واحداً إن هذا لشيء عجاب﴾. فإذا عرفت أن جهال الكفار يعرفون ذلك فالعجب .. ثم ذكر الكلام السابق، وهذه الخيانات والبهت لا تصدر ممن يخاف الله، والمالكي لن يقدر على حجب الشمس بكفه. فقوله: فليس هناك مسلم واحد يقول: إن معنى (لا إله إلا الله) هو التلفظ بها دون اعتقاد القلب لذلك. المالكي قال هذا الكلام لعدم تفريقه بين الكفر والإسلام، ولو كان يفرّق بينهما ما قاله. فالذي قصده الشيخ من معناها هو الكفر بالوسائط من القبور وغيرها وإفراد الله وحده بالعبادة. فقول الشيخ: بل يظن أن ذلك

стр. 70

هو التلفظ بحروفها من غير اعتقاد القلب لشيء من المعاني. مراده ﵀ بهذا أن المشرك يقول: (لا إله إلا الله) ولا يحققها بنفي ما نفته وإثبات ما أثبتته فإنه يقولها ويدعو غير الله ويذبح له وينذر وغير ذلك من العبادات الناقضة لتوحيده وإسلامه الهادمة لقوله (لا إله إلا الله).

стр. 71

جهل المالكي بالتوحيد والمالكي قال كلامه السابق لأنه يرى الإسلام التلفظ بالشهادتين والصلاة والزكاة والصوم والحج، ولم يعرف معنى (لا إله إلا الله) وأن مراد الشيخ الكفر بما يتخذه المشركون في زمانه من الوسائط التي يزعمون أنها تقربهم إلى الله كإخوانهم كفار قريش. ويقال للضال: ما تقول في مسلم يتلفظ بالشهادتين ويصلي ويزكي ويصوم ويحج لكنه سَبّ الله أو سبّ النبي ﷺ أو استهان بالمصحف ونحو ذلك مما يرتدّ به المسلم؟. إن قلت: إنه يكفر بذلك قال لك الشيخ محمد وأهل دعوته: الذي يجعل بينه وبين الله وسائط يكفر بنقضه كلمة التوحيد، حيث اشرك مع الله غيره في حقه، كما أن ذاك كفَرَ ولوْ كان يؤدي تلك العبادات. وقول المالكي: هذا بهتان عظيم عائد عليه حيث بهت الشيخ بما هو برئ منه وجادل عن المشركين، وسوّغ شركهم وجعلهم مسلمين ومظلومين. أما قول الشيخ: ممن يدّعى الإسلام فليس هذا تكفير آخر للمسلمين كما يبهت الشيخ بذلك ولكنه بيان أن هؤلاء لجهلهم

стр. 72

وضلالهم يدّعون الإسلام وهم يأتون بما ينقضه. وكان الأولى بالمالكي أن يتعلم التوحيد ليعلم أن كلمة التوحيد (لا إله إلا الله) لا تنفع مع الشرك. قال الشيخ عبدالله بن عبدالرحمن أبابطين ﵀: من قال: (لا إله إلا الله) ومع ذلك يفعل الشرك الأكبر كدعاء الموتى والغائبين وسؤالهم قضاء الحاجات وتفريج الكربات والتقرب إليهم بالنذور والذبائح فهذا مشرك شاء أم أبى. انتهى. (١)

стр. 73

معرفة الإسلام قبل الصلاة والزكاة والصوم والحج إن مما يثسَهِّل على الجاهل معرفة الإسلام هو أن ينظر في بَدْئِه كيف كان، لقد كان قبل الصلاة والزكاة والصوم والحج، كان الإسلام مطلوب من الناس قبل هذه الفروض فمن أتى به فهو المسلم المؤدي ما عليه. إن الإسلام بكامله في بدء أمره هو شهادة لا إله إلا الله والشهادة لمحمد ﷺ بالرسالة، تراه في ذلك الوقت مسلم تام الإسلام في وقته مع أنه لا يصلي الصلوات الخمس ولا يزكي ولو كان أغنى الناس ولا يصوم ولا يحج. إنه يعمل بالإسلام كله وذلك بتركه ما كان يعتقد فيه أنه يقربه إلى ربه وبغضه له والبراءة منه، فهنا يتوحّد عمل قلبه لمعبود واحد أخلص له محبته وخوفه ورجاءه وتوكله وكل عباداته، فهذا هو المسلم وهو الموحّد قبل أن تفرض الفرائض الأخرى، فهذه الفريضة التي قام بها هي الأصل الذي لا يقوم بناء العبادات الباقية القادمة إلا عليه. فالتّخْلية قبل التّحْلية ليخلص التألّه لمن هو له حقيقة ولا يقبل الشركة فيه. وهنا كان الإسلام، وهنا كان الكفر والخصومة قبل صلاة

стр. 74

وزكاة وصوم وحج، وهذا المعنى العظيم كامن في شهادة أن لا إله إلا الله، إنها كلمة لكنها محركة للقلب واللسان والبدن، ينتقل بها الإنسان من حال إلى حال من الظلمة إلى النور ومن الظلم إلى العدل ومن الجهل إلى العلم، ومن الذل إلى العز ومن الوحشة إلى الأنس. إن أعظم ما أوقع المشركين بالشرك هو الجهل بكلمة التوحيد خاصة في المتأخرين لأنهم نشأوا عليها قوْلاً لا عملاً واغتروا بقيامهم بالفرائض الأخرى.

стр. 75

دعوى المالكي أن الشيخ أظلم من خصومه قال المالكي في نقضه ص١٠: ٥ - ثم يقول ص١٣: (والحاذق منهم ـ يعني ممن يدعي الإسلام ـ يظن أن معناها لا يخلق ولا يرزق إلا الله)!! ثم يتبع هذا بقاصمة وهي (فلا خير في رجل جهال الكفار أعلم منه بمعنى لا إله إلا الله)؟!. أقول: هذا ظلم أعظم من ظلم خصوم الشيخ له. الجواب: قد تقدم بيان معنى هذا الكلام مراراً. أما قول الشيخ: فلا خير في رجل جهال الكفار أعلم منه بمعنى (لا إله إلا الله) فصدق ﵀ لأن أولئك امتنعوا من قولها لعلمهم بمعناها وهذا يهذي بها كمن يقول: لا تصح الصلاة إلا بالطهارة، يُرَدِّد هذه العبارة ويصلي وهو يبول. إن قريشاً يعلمون معنى كلمة (لا إله إلا الله) ولذلك من قالها منهم غيّرت أحواله كلها وبدّلت حياته وسلوكه إذْ إنهم يعلمون أن شطرها الأول كفر والثاني إيمان، ولا يتم أحدهما إلا بالآخر ولا يُقبل إلا بالآخر.
следующие страницы →