جهل المالكي بالتوحيد
والمالكي قال كلامه السابق لأنه يرى الإسلام التلفظ بالشهادتين والصلاة والزكاة والصوم والحج، ولم يعرف معنى (لا إله إلا الله) وأن مراد الشيخ الكفر بما يتخذه المشركون في زمانه من الوسائط التي يزعمون أنها تقربهم إلى الله كإخوانهم كفار قريش.
ويقال للضال: ما تقول في مسلم يتلفظ بالشهادتين ويصلي ويزكي ويصوم ويحج لكنه سَبّ الله أو سبّ النبي ﷺ أو استهان بالمصحف ونحو ذلك مما يرتدّ به المسلم؟. إن قلت: إنه يكفر بذلك قال لك الشيخ محمد وأهل دعوته: الذي يجعل بينه وبين الله وسائط يكفر بنقضه كلمة التوحيد، حيث اشرك مع الله غيره في حقه، كما أن ذاك كفَرَ ولوْ كان يؤدي تلك العبادات.
وقول المالكي: هذا بهتان عظيم عائد عليه حيث بهت الشيخ بما هو برئ منه وجادل عن المشركين، وسوّغ شركهم وجعلهم مسلمين ومظلومين.
أما قول الشيخ: ممن يدّعى الإسلام فليس هذا تكفير آخر للمسلمين كما يبهت الشيخ بذلك ولكنه بيان أن هؤلاء لجهلهم
стр. 72
وضلالهم يدّعون الإسلام وهم يأتون بما ينقضه.
وكان الأولى بالمالكي أن يتعلم التوحيد ليعلم أن كلمة التوحيد (لا إله إلا الله) لا تنفع مع الشرك.
قال الشيخ عبدالله بن عبدالرحمن أبابطين ﵀:
من قال: (لا إله إلا الله) ومع ذلك يفعل الشرك الأكبر كدعاء الموتى والغائبين وسؤالهم قضاء الحاجات وتفريج الكربات والتقرب إليهم بالنذور والذبائح فهذا مشرك شاء أم أبى. انتهى. (١)
стр. 73
معرفة الإسلام قبل الصلاة
والزكاة والصوم والحج
إن مما يثسَهِّل على الجاهل معرفة الإسلام هو أن ينظر في بَدْئِه كيف كان، لقد كان قبل الصلاة والزكاة والصوم والحج، كان الإسلام مطلوب من الناس قبل هذه الفروض فمن أتى به فهو المسلم المؤدي ما عليه.
إن الإسلام بكامله في بدء أمره هو شهادة لا إله إلا الله والشهادة لمحمد ﷺ بالرسالة، تراه في ذلك الوقت مسلم تام الإسلام في وقته مع أنه لا يصلي الصلوات الخمس ولا يزكي ولو كان أغنى الناس ولا يصوم ولا يحج.
إنه يعمل بالإسلام كله وذلك بتركه ما كان يعتقد فيه أنه يقربه إلى ربه وبغضه له والبراءة منه، فهنا يتوحّد عمل قلبه لمعبود واحد أخلص له محبته وخوفه ورجاءه وتوكله وكل عباداته، فهذا هو المسلم وهو الموحّد قبل أن تفرض الفرائض الأخرى، فهذه الفريضة التي قام بها هي الأصل الذي لا يقوم بناء العبادات الباقية القادمة إلا عليه.
فالتّخْلية قبل التّحْلية ليخلص التألّه لمن هو له حقيقة ولا يقبل الشركة فيه.
وهنا كان الإسلام، وهنا كان الكفر والخصومة قبل صلاة
стр. 74
وزكاة وصوم وحج، وهذا المعنى العظيم كامن في شهادة أن لا إله إلا الله، إنها كلمة لكنها محركة للقلب واللسان والبدن، ينتقل بها الإنسان من حال إلى حال من الظلمة إلى النور ومن الظلم إلى العدل ومن الجهل إلى العلم، ومن الذل إلى العز ومن الوحشة إلى الأنس.
إن أعظم ما أوقع المشركين بالشرك هو الجهل بكلمة التوحيد خاصة في المتأخرين لأنهم نشأوا عليها قوْلاً لا عملاً واغتروا بقيامهم بالفرائض الأخرى.
стр. 75
دعوى المالكي أن الشيخ أظلم من خصومه
قال المالكي في نقضه ص١٠:
٥ - ثم يقول ص١٣: (والحاذق منهم ـ يعني ممن يدعي الإسلام ـ يظن أن معناها لا يخلق ولا يرزق إلا الله)!! ثم يتبع هذا بقاصمة وهي (فلا خير في رجل جهال الكفار أعلم منه بمعنى لا إله إلا الله)؟!.
أقول: هذا ظلم أعظم من ظلم خصوم الشيخ له.
الجواب: قد تقدم بيان معنى هذا الكلام مراراً.
أما قول الشيخ: فلا خير في رجل جهال الكفار أعلم منه بمعنى (لا إله إلا الله) فصدق ﵀ لأن أولئك امتنعوا من قولها لعلمهم بمعناها وهذا يهذي بها كمن يقول: لا تصح الصلاة إلا بالطهارة، يُرَدِّد هذه العبارة ويصلي وهو يبول.
إن قريشاً يعلمون معنى كلمة (لا إله إلا الله) ولذلك من قالها منهم غيّرت أحواله كلها وبدّلت حياته وسلوكه إذْ إنهم يعلمون أن شطرها الأول كفر والثاني إيمان، ولا يتم أحدهما إلا بالآخر ولا يُقبل إلا بالآخر.
стр. 76
فالرجل من قريش يعلم أن شطر هذه الكلمة الأول يُحتّم عليه مفارقة ما كان يألفه وعيْب ما كان يمدحه وسب ما كان يثني عليه وبغض ما كان يحبه ومعاداة من كان يُوَالِيه. يقوم بما يوجبه شطرها الثاني من إخلاص العبادة لله.
إنها بالنسبة إليهم ولمن يعرف معناها نُقْلة من حال إلى حال تظهر آثارها في سلوك العبد كله، لأن هذا النفي إذا كان باللسان والقلب أوجب هذا التغير ﴿الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات﴾ ﴿فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها والله سميع عليم﴾.
فهنا خروج من ظلمات إلى نور حصل بالكفر بالطاغوت والإيمان بالله واستمساك بالعروة الوثقى.
إنها مفارقة ومباينة باطنة وظاهرة توجبها هذه الكلمة، حيث يسْتشعر العبد بهَوْل ما وقع فيه من الْتفات قلبه إلى غير ربه في الرغبة والرهبة، وأن هذا لأظلم الظلم على الإطلاق لمنافاته للحكمة التي لها خُلِق الخلق وأنزلت الكتب وأرسلت من أجلها الرسل، فتتقلب حياته وموازينه للأشياء وحكمه عليها.
والسِّرّ أن الرب سبحانه أعطاه نوراً في قلبه يرى فيه الأمور على
стр. 77
حقيقتها فحيي بعد موته، وعَلِمَ بعد جهله، وأفاق بعد غفلته، وأنس بعد وحشته، ولقد كان هكذا عمل هذه الكلمة في الصحابة ﵃ فجاءت منهم العجائب.
стр. 78
دعوى المالكي تناقُضُ كلام الشيخ
ثم قال المالكي الضال في نقضه ص١٠:
٦ - ذكر ص١٥،١٦: أن أعداء التوحيد قد يكون عندهم علم وحجج وفصاحة وهذا إقرار منه بأنه يتحدث عن معارضيه من علماء عصره في نجد والحجاز والشام، معهم علم وفصاحة وقبل هذا ينفي أنهم لا يعرفون معنى لا إله إلا الله.
الجواب: الشيخ ﵀ يذكر أهل الشرك عموماً وأن لهم علوماً وجدَلاً وفصاحة، وأن هذا غير نافع لهم بل ضار حيث يضادّون به الحق كما كان من فصاحة كفار قريش وجدالهم وغيرهم.
أما أن الشيخ يتحدث عن معارضيه من علماء عصره فنعم وإن رَغِم أنفك، وكل عالم لم ينتفع بعلمه فلا عرف معنى كلمة التوحيد ولا رفع بها رأساً بل عارضها وضادها فالشيخ محمد يعْنيه وأهل دعوته يعْنونه ويحذرون من علمه الذي لم ينفعه، ومن فصاحته التي صاغها لثلْب الحق ونصر الباطل، ومن حججه التي جادل بها ليدحض الحق.
والإنسان قد يكون عنده علم وفصاحة وحجج ولا ينتفع بذلك بل يتضرر إذا لم يهده علمه إلى ما فيه نجاته، وعلماء الضلالة في كل زمان كثير منهم لهم هذا الوصف.
стр. 79
زعم المالكي أن الشيخ يُكفِّر من ليس
على معتقد أهل نجد
ثم قال المالكي الضال في نقضه ص١٠:
٧ - يقول ص١٧: (والعامي من الموحدين يغلب ألفاً من علماء هؤلاء المشركين)!!.
أقول: هذا تكفير واضح لمن ليس على معتقد أهل نجد الذين يسميهم (الموحدين)!! فاعرف هذا فإنه مهم.
الجواب: لقد قدِم الشيخ على ربه وحَتْماً ستحلق به أيها الأفّاك الباهت المفتري، فعبارة الشيخ هنا بيضاء نقية كسائر كلامه، وإنا أنت بخبْثك وفساد مزاج روحك، وظلمة قلبك تجد الحلو مراً، والمسْتنير مظلماً، والطيب خبيثاً، فقطْعاً لا يناسبك الطيب ولا تعيش في النور لأن بصرك خفّاشي وعقلك فِراشي.
والشيخ هنا لم يُبالغ بعبارته فنرغم أنفك بأن الذي ندين الله به أن العامي الموحد يغلب أهل الأرض من علماء المشركين وجهلتهم وطغامهم.
والأمر ولله الحمد واضح فالعامي الذي يقصده الشيخ محمد بوصْفه هو من ليس عنده علوم كثيرة فيتصدر ويفتي
стр. 80
ولكنه عالم بمعنى كلمة التوحيد التي يجهلها أو يجحدها أهل الشرك، فهو بلا شك غالب لهم والله معه ﴿إن ينصركم الله فلا غالب لكم﴾ ﴿كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله﴾.
إن علماء المشركين أضل من الأنعام وهم وقود جهنم، أما أن هذا تكفير واضح من الشيخ لمن ليس على معتقد أهل نجد الموحدين، فقد عرفنا منك الكذب والبهت والتزوير، وما قصد الشيخ ما قلت قطع الله دابرك وإنا هو يتكلم عن العلم بالتوحيد وأنه مع الإيمان والعمل سلاح لا يُفَلّ ولا يُغلب، ولو كان مع أقلّ الناس وأضعفهم لأجل نصرة الله ومعيته، ومن كان الله معه فهو لا يُغلب.
والشيخ وأهل دعوته نعوذ بالله أنهم يُكَفّرون المسلمين أو يكفّرون بالجملة أو قبل قيام الحجة، وهذا ولله الحمد معروف ومدوّن ولكنك شارق بهذه الدعوة المباركة باهت لأهلها، وهذا ظاهر، ولسنا نعجب أن يصدر منك هذا وأعظم منه وقد تكلمت في الصحابة بالزور والباطل، وتعرّضت لما شجر بينهم بخبثك وجهلك مع أنهم دائرون بين الأجر والأجرين والحسنات الماحية، وقد قحّمت نفسك المهالك.
وهذه مؤلفات الشيخ وأهل دعوته متوافرة فهات إثبات بهتانك أنهم يُكفِّرون من ليس على معتقد أهل نجد.
стр. 81
إنهم لا يدْعون إلى طائفة ولا نِحلة ولا يجعلون ميزان الدين قوماً معيّنين، وإنا يدعون إلى الكتاب والسنة كما دعا رسول الله ﷺ .
نعم لما يكون معتقد أهل نجد التوحيد فيخالفهم غيرهم بالشرك فإنهم يُكفرونه لكن ليس لنجد اختصاص في هذا.
إذا كان أهل نجد ليس عندهم قبور ولا شِرْكيات أخرى وقد أقاموا الدين فنعم يكفرون من خالفهم على هذا المعتقد كما كان النبي ﷺ في المدينة وكذلك الصحابة ﵃ وهذا هو دين الإسلام.
كذلك لما يكون معتقد أهل الشام أو العراق أو الهند التوحيد فيخالفهم غيرهم بالشرك فإنهم يُكَفِّرونه.
فالأوطان لا اختصاص لها في هذا وإنا المدار على دين أهلها.
وما أغاظك على أهل نجد إلا ما مَنّ الله عليهم به من آثار هذه الدعوة المباركة ﴿قل موتوا بغيظكم﴾، وقد أبقى الله لك ما يسوؤك.
إن ذمّك لأهل نجد شهادة لهم بُحسْن الحال، وإنهم ليفرحون بذمّك، والمصيبة الكبرى والداء الذي لا دواء له أن تمدحهم وتثني عليهم فأمرك واضح، وجهلك فاضح، وحقدك على أهل التوحيد طافح، لم تقدر على كتمانه، ولذلك صار من إنائك القذِر سافح.
وإن أعظم ما اتّهم به الشيخ هذا الظالم التكفير والقتال
стр. 82
وأن الشيخ يُكفِّر بالعموم ويقتل المسلمين وقد قال الشيخ ﵀:
وأما التكفير فأنا أُكفّر من عرف دين الرسول ثم بعدما عرفه سَبّه ونهى الناس عنه وعادى من فعله، فهذا هو الذي أكفّر، وأكثر الأمة ولله الحمد ليسوا كذلك، وأما القتال فلم نقاتل أحداً إلى اليوم إلا دون النفس والحرمة. وهم الذين أتوْنا في ديارنا ولا أبقوا ممكناً، ولكن قد نقاتل بعضهم على سبيل المقابلة وجزاء سيئة سيئة مثلها، وكذلك من جاهر بسب دين الرسول بعد ما عرف. (١)
فهذا يبين مسألة التكفير والقتال التي يكيل منها المالكي بلا حساب ولا خوف عقاب ليشنع على الشيخ وأهل دعوته، والموعد الله.
والشيخ ﵀ يقول رداً على المفترين أمثال هذا: وأما القول إنا نُكفِّر بالعموم فذلك من بهتان الأعداء. إنتهى.
نعم إن لكل حق جاحد ولكل نعمة حاسد.
стр. 83
دفاع المالكي عن خصوم الدعوة
ثم قال المالكي الضال في نقضه ص١٠،١١:
٨ - ويقول ص١٩: (وأنا أذكر لك أشياء مما ذكر الله في كتابه جواباً لكلام احتج به المشركون في زماننا علينا ... ).
أقول: هذا تكفير صريح للمخالفين له ممن يسمونهم (خصوم الدعوة) أو (أعداء التوحيد) أو (أعداء الإسلام) وهذا ظلم لأن الشيخ كان يرد على مسلمين ولم يكن يرد على كفار ولا مشركين وهذه رسائله وكتبه ليس فيها تسمية لمشرك ولا كافر وإنا فيها تسمية لعلماء المسلمين في عصره كابن فيروز وسليمان بن عبد الوهاب وابن عفالق وغيرهم من العلماء الذين يطلق عليهم (المشركون في زماننا)!!.
فهذه هي بذور التكفير المعاصر التي لا زالت تنبت وتؤتي أكلها الدامية في أرجاء العالم الإسلامي.
الجواب: نعم المخالفون للشيخ محمد ﵀ في عقيدة التوحيد الذي هو الكفر بالطاغوت والإيمان بالله كفار، والمخالف في ذلك مخالف للأنبياء والمرسلين وليس للشيخ محمد اختصاص في هذا، إنا تُطالب يا أفّاك بأن تُثبت على الشيخ محمد مخالفة دين الله الذي أرسل به رسله وأنزل به كتبه،
стр. 84
وهذا الذي لا تقدر عليه، ولذلك تأتي بمجملات وشبهات وجمل تبْترها بتراً لتحسِّن القبيح وتقبح الحسن.
وليس الأمر بيدك بل بيد القائم بالقسط سبحانه وبحمده أما إذا قيل: خصوم الدعوة وأعداء التوحيد وأعداء الإسلام لمن خاصم عن المشركين وجادل عنهم ودافع عن شركهم وعادى الموحدين وعابهم بلا حق ﴿وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد﴾ فإذا كان هذا ظلم عندك فمن تكون أصلاً حتى يعتمد قولك؟ أنت لا في العِير ولافي النفير. وقد ظهر زيْفُك وحيْفك.
أما أن الشيخ يسمي علماء المسلمين كفاراً فكَذِب عليه، ولست أول من كذب عليه وما جئتَ إلا في الساّقة من رَكْب الضلالة، وما أرى إلا أن إبليس صَدّق عليك ظنه وطمع فيك لتحقيق مآربه فهنيئاً لك الوكالة.
وقد كتب الشيخ إسحق بن عبد الرحمن بن حسن رسالة في بيان عقيدة الشيخ محمد قال فيها:
أما بعد فإنه ابتلي بعض من استحوذ عليه الشيطان بعداوة شيخ الإسلام (محمد بن عبدالوهاب) رحمه الله تعالى ومسبته وتحذير الناس عنه وعن مصنفاته لأجل ما قام بقلوبهم من الغلو في أهل القبور وما نشؤا عليه من البدع التي امتلأت بها الصدور
стр. 85
فأردت أن أذكر طرفاً من أخباره وأحواله ليعلم الناظر فيه حقيقة أمره فلا يروج عليه الباطل، ولا يغتر بحائد عن الحق مائل.
مُسْتنده ما ينقله أعدؤه الذين اشتهرت عداوتهم له في وقته وبالغوا في مسبّته والتأليب عليه وتهمته.
وكثيراً ما يضعون من مقداره، ويغيضون ما رفع الله من مناره، منابذة للحق الأبلح، وزيغاً عن سواء المنهج، والذي يقضي به العجب قلّة إنصافهم، وفرط جورهم واعتافهم ثم ذكر معتقد الشيخ وأنه معتقد السلف الصالح، والرسالة طويلة. (١)
أما ابن فيروز الذي يُدافع عنه هذا الضال فهو شديد المعاداة للشيخ محمد محارباً لدعوته برسائله وقصائده وأجْوبته. إنتهى. (٢)
والموضع لا يتسع للإطالة في شأنه.
أما ابن عفالق فإنه أدرك أول دعوة الشيخ محمد ﵀ فعاداها. إنتهى. (٣)
قال تعالى: ﴿تشابهت قلوبهم﴾ فهؤلاء، أسلاف المالكي الضال.
стр. 86
أما سليمان بن عبدالوهاب فقد اشتهر ضلاله ومخالفته لأخيه مع جهله وعدم إدراكه لشيء من فنون العلم، ثم إن الله مَنّ عليه حيث اسْتبان له التوحيد والإيمان وندم على ما فرط من الضلال والطغيان.
أما قول الضال: فهذه هي بذور التكفير المعاصر التي لا زالت تنبت وتؤتي أكلها الدامية في أرجاء العالم الإسلامي.
فيقال له: قد تقدم ما يبين ما يُكَفِّر عليه الشيخ محمد ﵀، وأما أن يُحمّل ذنوب غيره فقد قال تعالى: ﴿ولا تزر وازرة وزرَ أخرى﴾ والمالكي حاقد على الشيخ وأهل دعوته ويُريد أن يغصب الأمور لعيْبهم واتهامهم.
وهو جاء في مؤخرة قافلة الضلال خصوم هذه الدعوة مثل ابن منصور يقول عن الشيخ محمد، إنه ضال مضل وأنه أجهل من أبي جهل بمعنى لا إله إلا الله وأنه أتى الأمة من الباب الضيّق وهو تكفيرها ولم يأتها من الباب الواسع وأنهم خوارج حتى ألّف كتاباً سماه (كشف الغمّة في الرد على من كَفّر الأمة) وقد رَدّ عليه الشيخ عبداللطيف بن عبدالرحمن بن حسن في كتاب (مصباح الظلام في الرد على من كذّب على الشيخ الإمام). (١)
стр. 87
كذلك أحمد زيني دحلان قاضي مكة ألّف كتاباً في الرد على الشيخ محمد وأهل الدعوة سماه (الدرر السنية في الرد على الوهابية) وقد سَبّ فيه وشتم وماضرّ إلا نفسه.
كذلك أحمد الحداد الحضرمي وجميل صدقي الزهاوي، وكل هؤلاء الخصوم مردود عليهم.
стр. 88
نبذة يسيرة من سيرة الشيخ محمد بن عبد الوهاب
وهذه نبذة يسيرة من سيرة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، ﵀ ذكرها الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن. (١)
قال الشيخ عبد اللطيف بن عبدالرحمن بن عبد الوهاب، ونذكر طرفا من أخباره وأحواله ليعلم الناظر في حقيقة أمره، فلا يروج عليه تشنيع من استحوذ عليه الشيطان، وأغراه وبالغ في كفره واستهواه فنقول:
قد عرف واشتهر واسْتفاض من تقارير الشيخ ومراسلاته ومصنفاته المسموعة المقروءة عليه، وما ثبت بخطه وعرف واشتهر من أمره، ودعوته، وما عليه الفضلاء النبلاء من أصحابه وتلامذته أنه على ما كان عليه السلف الصالح، وأئمة الدين أهل الفقه والفتوى، في باب معرفة الله وإثبات صفاته وكماله ونعوت جلاله التي نطق بها الكتاب العزيز، وصحت بها الأخبار النبوية، وتلقاها أصحاب رسول الله ﷺ بالقبول والتسليم، يثبتونها ويؤمنون بها ويمرونها كما جاءت في غير تحريف ولا تعطيل ومن غير تكييف ولا تمثيل، وقد درج على هذا من بعدهم من التابعين وتابعيهم من أهل العلم والإيمان وسلف الأمة وأئمتها كسعيد بن المسيب
стр. 89
وعروة بن الزبير، والقاسم بن محمد وسالم بن عبدالله وطلحة بن عبيد الله، وسليمان بن يسار وأمثالهم.
ومن الطبقة الأولى كمجاهد بن جبر وعطاء بن أبي رباح والحسن وابن سيرين، وعامر الشعبي وجنادة بن أبي أمية وحسان بن عطية وأمثالهم، ومن الطبقة الثانية على بن الحسين وعمر بن عبدالعزيز، ومحمد بن مسلم الزهري ومالك بن أنس، وابن أبي ذئب وابن الماجشون، وكحماد بن سلمة وحماد بن زيد والفضيل بن عياض، وعبدالله بن المبارك وأبي حنيفة النعمان بن ثابت، ومحمد بن إدريس وإسحاق بن إبراهيم، وأحمد بن حنبل ومحمد بن إسماعيل البخارى ومسلم ابن الحجاج القشيرى واخوانهم وأمثالهم، ونظرائهم من أهل الفقه والأثر في كل مصر وعصر.
وأما توحيد العبادة والإلهية فلا خلاف بين أهل الإسلام فيما قاله الشيخ وثبت عنه من المعتقد الذي دعا إليه يوضح ذلك أن أصل الإسلام وقاعدته شهادة أن لا إله إلا الله، وهي أصل الإيمان بالله وحده، وهي أفضل شعب الإيمان، وهذا الأصل لابد فيه من العلم والعمل والاقرار بإجماع المسلمين، ومدلوله وجوب عبادة الله وحده لا شريك له، والبراءة من عبادة ما سواه كائنا من كان وهذا هو الحكمة التي خلقت لها الإنس والجن، وأرسلت لها الرسل وأنزلت بها الكتب، وهي تتضمن كمال الذل والحب، وتتضمن كمال الطاعة والتعظيم هذا هو دين الإسلام الذي لا يقبل الله دينا غيره لا من الأولين ولا من الآخرين، فإن جميع الأنبياء على دين
стр. 90
الإسلام، وهو يتضمن الاستسلام لله وحده ﴿ولقد بعثنا في كل أمة رسولا إن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت﴾ وقال تعالى: ﴿وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحى إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون﴾ وقال تعالى عن الخليل: ﴿إذ قال لأبيه وقومه إنني براء مما تعبدون إلا الذي فطرني فإنه سيهدين وجعلها كلمة باقية في عقبه لعلهم يرجعون﴾ وقال تعالى عنه: ﴿أفرأيتم ما كنتم تعبدون. أنتم وآباؤكم الأقدمون فإنهم عدو لي إلا رب العالمين﴾ وقال تعالى: ﴿قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برءَؤا منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده﴾ وقال تعالى: ﴿واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا اجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون﴾.
وذكر عن رسله نوح وهود وصالح وشعيب وغيرهم أنهم قالوا لقومهم: ﴿اعبدوا الله مالكم من إله غيره﴾ وقال عن أهل الكهف: ﴿إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى. وربطنا على قلوبهم إذ قاموا فقالوا ربنا رب السموات والأرض لن ندعو من دونه إلهاً لقد قلنا إذا شططاً. هؤلاء قومنا اتخذوا من دونه آلهة لولا يأتون عليهم بسلطان بين فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا﴾. وقال تعالى: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به
стр. 91
ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ في موضعين.
قال ﵀: والشرك المراد بهذه الآيات ونحوها يدخل فيه شرك عباد القبور، وعباد الأنبياء والملائكة والصالحين، فإن هذا هو شرك جاهلية العرب الذين بعث فيهم عبده ورسوله محمد ﷺ فإنهم كانوا يدعونها ويلتجئون اليها، ويسألونها على وجه التوسل بجاهها وشفاعتها لتقربهم إلى الله، كما حكى الله ذلك عنهم في مواضع من كتابه كقوله تعالى: ﴿ويعبدون من دون الله مالا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله﴾ الآية. وقال تعالى: ﴿والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى﴾. وقال تعالى: ﴿فلولا نصرهم الذين اتخذوا من دون الله قربانا آلهة بل ضلوا عنهم وذلك إفكهم وما كانوا يفترون﴾.
قال ﵀: ومعلوم أن المشركين لم يزعموا أن الأنبياء والأولياء والصالحين والملائكة شاركوا الله في خلق السموات والأرض، أو استقلوا بشيء من التدبير والتأثير والايجاد، ولو في خلق ذرة من الذرات قال تعالى: ﴿ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله قل أفرأيتم ما تدعون من دون الله أن أرادني الله بضر هل هن كاشفات ضره أو أرداني برحمة هل هن ممسكات رحمته قل حسبي الله عليه يتوكل المتوكلون﴾ فهم معترفون
стр. 92
بهذا مقرون به لا ينازعون فيه، ولذلك حسن موقع الاستفهام، وقامت الحجة بما أقروا به من هذه الجمل، وبطلت عبادة من لا يكشف الضر ولا يمسك الرحمة، ولا يخفى ما في التنكير من العموم والشمول المتناول لأقل شيء، وأدناه من ضر أو رحمة، وقال تعالى: ﴿قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون﴾ إلى قوله ﴿فأنى تسحرون﴾ وقال تعالى: ﴿وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون﴾ ذكر فيه السلف كابن عباس وغيره إيمانهم هنا بما أقروا به من ربوبيته وملكه وفسر شركهم بعبادة غيره.
قال رحمه الله تعالى: وقد بين القرآن في غير موضع أن من المشركين من أشرك بالملائكة، ومنهم من أشرك بالأنبياء والصالحين، ومنهم من أشرك بالأصنام وقد رد عليهم جميعهم، وكفر كل أصنافهم، كما قال تعالى: ﴿ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أرباباً أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون﴾ وقال تعالى: ﴿اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم﴾ الآية وقال: ﴿لن يستنكف المسيح أن يكون عبداً لله ولا الملائكة المقربون ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر﴾ الآية ونحو ذلك في القرآن كثير، وبه يعلم المؤمن أن عبادة الأنبياء والصالحين كعبادة الكواكب والأصنام من حيث الشرك والكفر بعبادة غير الله.
стр. 93
قال رحمه الله تعالى وهذه العبادات التي صرفها المشركون لآلهتهم هي أفعال العبد الصادرة منه، كالحب والخضوع والإنابة والتوكل، والدعاء والاستعانة والاستغاثة، والخوف والرجاء والنسك والتقوى، والطواف ببيته رغبة ورجاء وتعلق القلوب والآمال بفيضه ومدده، وإحسانه وكرمه فهذه الأنواع أشرف أنواع العبادة وأجلها؛ بل هي لب سائر الأعمال الإسلامية وخلاصتها وكل عمل يخلو منها فهو خداج مردود على صاحبه، وإنا أشرك وكفر من كفر من المشركين بقصْد غير الله بهذا وتأْليهه لذلك قال تعالى: ﴿أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون﴾ وقال تعالى: ﴿أم لهم آلهة تمنعهم من دوننا لا يستطيعون نصر أنفسهم ولاهم منا يصبحون﴾ وقال تعالى: ﴿واتخذوا من دونه آلهة لا يخلقون شيئاً وهم يخلقون﴾ الآية، وحكى عن أهل النار أنهم يقولون لآلهتهم التي عبدوها مع الله: ﴿تالله إن كنا لفي ضلال مبين. إذ نسويكم برب العالمين﴾ ومعلوم أنهم ما سووهم به في الخلق والتدبير والتأثير، وإنا كانت التسوية في الحب والخضوع والتعظيم والدعاء ونحو ذلك من العبادات.
قال ﵀: فجنس هؤلاء المشركين وأمثالهم ممن يعبد الأولياء والصالحين نحكم بأنهم مشركون، ونرى كفرهم إذا قامت عليهم
стр. 94
الحجة الرسالية، وماعدا هذا من الذنوب التي دونه في الرتبة والمفسدة لا نُكَفِّر بها، ولا نحكم على أحد من أهل القبلة الذين باينوا عباد الأوثان والأصنام والقبور بمجرد ذنب ارتكبوه وعظيم جرم اجترحوه، وغلاة الجهمية والقدرية والرافضة ونحوهم ممن كفرهم السلف، لا نخرج فيهم عن أقوال أئمة الهدى والفتوى من سلف هذه الأمة، ونبرأ إلى الله مما أتت به الخوارج، وقالته في أهل الذنوب من المسلمين.
قال ﵀ ومجرد الاتيان بلفظ الشهادة من غير علم بمعناها، ولا عمل بمقتضاها لا يكون به المكلف مسلما؛ بل هو حجة على ابن آدم خلافا لمن زعم أن الإيمان مجرد الإقرار كالكرامية، ومجرد التصديق كالجهمية، وقد أكذب الله المنافقين فيما أتوا به وزعموه من الشهادة، وسجل على كذبهم مع أنهم أتو بألفاظ، مؤكدة بأنواع من التأكيدات، قال تعالى: ﴿إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم أنك لرسوله والله يشهد أن المنافقين لكاذبون﴾ فأكَّدَوا بلفظ الشهادة و (إن) المؤكدة، واللام والجملة الاسمية فأكذبهم، وأكد تكذيبهم بمثل ما أكدوا به شهادتهم سواء بسواء، وزاد التصريح باللقب الشنيع، والعلم البشيع الفظيع، وبهذا تعلم أن مسمى الإيمان لابد فيه من الصدق والعمل.
ومن شهد أن لا إله إلا الله وعبد غيره فلا شهادة له، وإن صلى
стр. 95
وزكى وصام وأتى بشيء من أعمال الإسلام، قال تعالى لمن آمن ببعض الكتاب ورد بعضاً: ﴿أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض﴾ الآية وقال تعالى: ﴿إن الذين يكفرون بالله ورسله ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا﴾ الآية وقال تعالى: ﴿ومن يدع مع الله إلهاً آخر لا برهان له به فإنا حسابه عند ربه﴾ الآية والكفر نوعان مطلق ومقيد فالمطلق أن يكفر بجميع ما جاء به الرسول ﷺ ، والمقيد أن يكفر ببعض ما جاء به الرسول ﷺ حتى أن بعض العلماء كفَّر من أنكر فرعا مجمعا عليه، كتوريث الجد أو الأخت وإن صلى وصام، فكيف بمن يدعوا الصالحين ويصرف لهم خالص العبادة ولبها، وهذا مذكور في المختصرات من كتب المذاهب الأربعة؛ بل كفَّروا ببعض الألفاظ التي تجري على الألسن بعض الجهال وإن صلى وصام من جرت على لسانه.
قال ﵀: والصحابة كفَّروا من منع الزكاة، وقاتلوهم مع اقرارهم بالشهادتين والاتيان بالصلاة والصوم والحج.
قال ﵀: واجتمعت الأمة على كفر بني عبيد القداح مع أنهم يتكلمون بالشهادتين، ويبنون المساجد في قاهرة مصر وغيرها، وذكر أن ابن الجوزي صنف كتاباً في وجوب غزوهم وقتالهم سماه (النصر على مصر) قال: وهذا يعرفه من له أدنى إلمام بشيء من
стр. 96
العلم والدين، فتسمية عباد القبور مسلمين لأنهم يصلون ويصومون، ويؤمنون بالبعث مجرد تعمية على العوام، وتلبيس لينفق شركهم، ويقال بإسلامهم وإيمانهم، ويأبى الله ذلك ورسوله والمؤمنون. إلى آخرها.
стр. 97
سخرية المالكي بالشيخ
قال المالكي في نقضه ص١١:
٩ - قوله ص١٢: (وما ذكرت لي أيها المشرك من القرآن أو كلام النبي ﷺ لا أعرف معناه ... ).
أقول: يا ترى من هذا المشرك الذي يستدل على الشيخ بالقرآن والسنة؟! أي مشرك لطيف هذا؟!.
الجواب: المالكي يأخذ مقاطع من كلام الشيخ ويدع ما قبلها وما بعدها مما يبين مراده ﵀ لأنه ير يد أن يعيب ويتّهم بصرف النظر عن الخيانة وسوء التصرف وحتى عن مخالفة العُرْف فضلاً عن الدين وسيعلم الظالم عاقبة افترائه وظلمه.
هنا يسخر بكلام الشيخ ومعلوم أن هذا ميراث من قاله الله عنهم: ﴿إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا يضحكون﴾ الآيات.
فالشيخ هنا ذكر كلاماً قبل هذه العبارة وهو عبارة عن جواب أهل الباطل مجملاً ومفصلاً، فذكر المجمل وفيه: (إذا قال لك بعض المشركين)، وبعد كلام له ﵀ قال العبارة التي أوْرد المالكي.
стр. 98
فهو ﵀ ذكر هنا مجاوبة المشرك الذي يأتي بعمومات ومتشابهات من آيات وأحاديث يبطل بها التوحيد وهي لا تدل على مقصوده وهو يُوهم أنها تدل على مراده فيُرشد الشيخ العامي أن يقول الكلام السابق.
ثم قال الشيخ ﵀ بعد قوله: لا أعرف معناه قال: (ولكن أقطع أن كلام الله لا يتناقض)، إلى آخره، وانظر في آخر هذا الكتاب كتاب الشيخ (كشف الشبهات) وكيف تلاعب به هذا الأفاك.
ثم لماذا يستغرب هذا الضال من مشرك يجادل بالقرآن والسنة؟ السبب أنه لا يرى أن الذين يقولون لا إله إلا الله ويصلون ويزكون ويحجون ويصومون لا يراهم مشركين ولو اتخذوا الوسائط من دون الله كما تبين من كلامه، ولذلك يسخر الجاهل وإنا يسخر بنفسه.
стр. 99
اعتراض المالكي على تكفير الكفار
ثم قال المالكي الضال في نقضه ص١١:
١٠ - يقول ص٢٣: (فإن أعداء الله "هكذا! " لهم اعترافات كثيرة يصدون بها الناس منها قولهم نحن لا نشرك بالله بل نشهد أنه لا يخلق ولا يرزق ولا ينفع ولا يضر إلا الله وحده لا شريك له وأن محمداً ﵇ (لم يذكر الصلاة!!) لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً فضلاً عن عبدالقادر أو غيره ولكن أنا مذنب والصالحون لهم جاه عند الله وأطلب من الله لهم فجاوبه بما تقدم وهو أن الذين قاتلهم رسول الله ﷺ مقرون بما ذكرت ومقرون أن أوثانهم لا تدبر شيئاً وإنا أرادوا الجاه والشفاعة .. ).
أقول: هذا يدل على أن الشيخ يرى تكفير هؤلاء الذين يقولون القول السابق وأنه يعتبرهم مشركين شركاً أكبر كشرك كفار قريش وهذا عين التكفير.
الجواب: يلاحظ أنه هنا أسقط كلاماً وبتر العبارة وغيّر بعض اللفظ فلْيراجَع الكشف المرفق.
أما قوله: هذا يدل على أن الشيخ يرى تكفير هؤلاء،
стр. 100
فيقال لهذا الجاهل الضال: ليس هذا رأي للشيخ وإنا هو دين الرسل من أولهم إلى آخرهم، وهذا هو الشرك الأكبر الذي بعث الله رسله بتكفير من فعله، والشيخ ﵀ لم يأت بجديد، وإنا هو متبع ومجدّد لدين الله، فاتخاذ الوسائط شرك سواء من الصالحين وغيرهم، وقد قال تعالى عن إخوان هؤلاء: ﴿ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى﴾، ويلاحظ تغييره لفظة (وأطلب من الله بهم) جعلها لهم (لهم) ولفظة (اعتراضات) كتبها الضال (اعترافات) وأسقط كلاماً أنظر بيانه في الكشف المرفق.
ولما قال الضال ناقلاً كلام الشيخ: وأن محمداً ﵇ قال: لم يذكر الصلاة، يعني أن الشيخ لم يقل: ﵊ وانظر نسخته من أولها إلى آخرها إذا جاء على موضع الصلاة على النبي ﷺ كتب (ص) وهذا على الحقيقة قِلّة أدب مع رسول الله ﷺ .
أما أن يقال: ﵇ أو لا تذكر الصلاة على النبي ولا السلام في الكتابة فهذا فيه سعة ولله الحمد، والذي يظهر لنا مما نراه في كتب السلف أنهم لا يجعلون ذلك لازماً، ففي مواضع يكتبون الصلاة والسلام ومواضع يذكرون فيها السلام فقط ومواضع لا يذكرون فيها الصلاة ولا السلام، وقد يُصلي ويسلم على النبي بلسانه وهو يكتب ولا يكتبها.
стр. 101
والمراد أن المالكي حريص على أن يصنع للبرءاء العيب، وقد ثبت في سنن أبي داود من حديث أبي هريرة ﵁ أنه لما خرج رجل حين أذن مؤذن العصر قال أبو هريرة: أما هذا فقد عصى أبا القاسم ﵇، ولم يذكر الصلاة.
ولا نطيل في هذا وإنا المراد بيان أن هذا المبطل لا يجد شيئاً يتعلّق به، فيختلق العيوب، والمراد أن هذا الباهت يُنكر تكفير الكفار ويجادل عنهم ويعادي أهل التوحيد قطع الله دابره.
فتأمل من يقول: أنا مذنب والصالحون لهم جاه عند الله وأطلب من الله بهم، يقول المالكي في ذلك: هذا يدل على أن الشيخ يرى تكفير هؤلاء.
فيقال للضال: وهل الكفر إلا هذا؟ وهو اتخاذ الوسائط، وقد تقدم بيان ذلك، والمالكي يدافع عن المشركين ويجادل عنهم.
قال سليمان بن سحمان ﵀ فيمن لا يرى من صرف خالص حق الله للأنبياء والأولياء والصالحين والأحجار والأشجار وغير ذلك أنه شرك ولا كفر مخرج من الملة: فهذا ما عرف دين الإسلام العاصم للدم والمال، ولا عرف الكفر المبيح لذلك وإن كان يرى أنه كفر يخرج من الملة وإن كانوا مع ذلك يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ويصلون ويزكون فما الموجب لهذا الشنآن والاعتراض بما لا حقيقة له؟. إنتهى (١).
стр. 102
وقال:
فإن رُمت النجاة غداً وترجو ... نعيماً لا يصير إلى زوَأل
نعيماً لا يبيد وليس يفنى ... بدار الخلد في غرف عوالي
وحوراً في الجنان مُنعمات ... مليحات التبعّل والدلال
فلا تشرك بربك قطّ شيئاً ... وأخلص في العبادة والفِعال
ولا تذهب إلى الأموات جهلاً ... لنفع أو لضرّ أو نوال
ولا تجعل وسائط ترْتجيهم ... فإن الله ربك ذو الكمال
عليهم قادر بَرٌّ كريم ... بصير سامع لذوي السؤال
وليس بعاجز فيُعان حاشا ... وليس بغائب أوذي اشتغال
فلا يدري بأحول البرايا ... فتدعو من يُخَبِّر بالسؤال
فتجعله الوساطة إن هذا ... لَعَمْرى من مزلات الضلال
وهذا يقتضي أنْ ليس ربي ... مريد النفع أو بذل النوال
ولا الإحسان إلا من شفيع ... يُحَرّكه فيعطف ذو الجلال
لحاجته ورغبته إليه ... وهذا لا يكون لذي الكمال
أليس الله خالق كل شيء ... ومالكه وربك ذو التعالي
ومن ذا شأنه وله البرايا ... بأجمعها الأسافل والأعالي
أكان يكون عوْناً أو شفيعاً ... يُخبّر بالغوامض والفعالٌ
ويُكرهه على ما ليس يرضى ... تعالى ذو المعارج والمعالي
أكان يكون ما يخشاه ربي ... ويرجوه لتبليغ المقال
ويشفع عنده كُرهاً عليه ... كما عند الملوك من الموالي
لحاجتهم ورغبتهم إليهم ... لخوف أوْ رجاء أوْ نوال
стр. 103
تعالى الله خالقنا تعالى ... تقدّس بل تعاظم ذو الجلال
أليس الله يسمع من يُناجي ... كمن يدعو بصوت بالسؤال
وأصوات الجميع كصوْت فرد ... لدى الرحمن وهو على العَوَالي
فلا يشغله سمعاً عن سماع ... لمن يدعو ويهتف بابتهال
ولا يتبرّم الرحمن ربي ... بإلحاح الملحين الموالي
ولا يُغلطْه كثرة سائليه ... جيمعاً بالتضرع والسؤال
بكل تفنّن الحاجات منهم ... وأصناف اللغات بلا اخْتلال
قال المالكي في نقضه ص١٢:
١١ - قوله ص٢٤: (فإنه إذا أقر أن الكفار يشهدون بالربوبية كلها لله!! وأنهم ما أرادوا ممن قصدوا إلا الشفاعة ولكن أراد أن يفرق بين فعلهم وفعله بما ذكره (من صلاتهم وصلاحهم بخلاف الكفار) فاذكر له أن الكفار منهم من يدعو الصالحين ومنهم من يدعو الأولياء ... ).
أقول: الكفار لا يؤمنون بالربوبية كلها وهم يعبدون الأصنام لذاتهم ولم يقتصروا على الطلب (طلب الشفاعة فقط) بل قولهم قالوه انقطاعاً لا اعتقاداً.
أما المسلمون فإنهم لا يسجدون لأحد غير الله ولا يعبدون إلا الله وقد يجهل بعضهم أو يتأول بأن الصالحين من الأحياء والأموات إن دعوا لهم فإنهم ينفعونهم بإذن الله وهذا يختلف كثيراً عن هؤلاء الكفار.
стр. 104
تقريب شَبَه أهل هذه الدعوة
من الخوارج
والخلاصة أن التشابه بين الكفار والمسلمين المعاصرين ـ إن سلمنا به ـ أبعد بكثير من التشابه بين الخوارج والوهابية، فالتشابه بينهم من التكفير والتحليق واستحلال الدماء .. أكبر.
وحجة الخوارج على علي هي حجة الوهابية على مخالفيهم، فالخوارج قالوا بصرف الحكم كله لله (لا حكم إلا لله) وهي كلمة حق أريد بها باطل مثلما أراد الوهابية من قولهم (لا ذبح إلا لله ولا توسل إلا بالله ولا استغاثة إلا بالله ... الخ)، فهذا حق من حيث الأصل لكن قد تكون هناك صور في التطبيق تخرج عن هذه القاعدة إما بتأويل أو جهل فهذا لا يكفر إلا بعد ارتفاع موانع التكفير وقيام الحجة.
الجواب: المالكي الضال يُعارض القرآن حيث ذكر الله سبحانه أن المشركين مُقِرُّون أن الله خالق السموات والأرض وخالقهم ورازقهم ومدبّرهم وغير ذلك من إقرارهم بربوبية الله ، وقد ذكر الشيخ ﵀ الآيات الدّالة على ذلك في كشف الشبهات وغيره من كتبه ليبين في ذلك التوحيد المطلوب من العبد بعد ذلك التوحيد الذي لا يدخله في الإسلام.
стр. 105
أما قول الضال عن المشركين أنهم يعبدون الأصنام لذاتها فمعارضة أيضاً للقرآن حيث ذكر الله ذلك عنهم بأبلغ عبارة وأبينها وأوضحها فتأمل قولهم: ﴿ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى﴾ ففي هذا نفي أي غرض لهم غير ذلك، وحصر لمطلوبهم وهو التقرب إلى الله، مع ملاحظة أن من المشركين من يؤمن بالبعث فهو يتخذ الواسطة بينه وبين الله كشفيع لشئون دنياه وآخرته، ومنهم من لا يؤمن بالبعث ككفار قريش فيتخذون الوسائط من الأصنام التي هي بزعمهم على صور الملائكة والصالحين كشفعاء لرزقهم ونصرهم وما ينوبهم في دنياهم.
وكيف يقول: قالوه انقطاعاً لا اعتقاداً؟ والله سبحانه يخبر عنهم أنهم يقولون: ﴿هؤلاء شفعاؤنا عند الله﴾ ويقولون: ﴿ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى﴾ وآيات كثيرة بيّن الله فيها اعتقادهم ومطلوبهم من آلهتهم الباطلة، وهذا الجاهل من النوع الذي لا يدري ولا يدري أنه لا يدري وهو شرّ الأنواع.
وقوله: أما المسلمون فإنهم لا يسجدون لأحد غير الله إلى آخر كلامه، فيقال: ليس الكفر السجود لغير الله فقط، فالذي يتخذ الوسائط بينه وبين الله كافر ولو كان لا يسجد لها.
والمالكي الضال يدافع عن الشرك والمشركين فقد جعل من
стр. 106
يرجو نفع الأموات بأن يدعوا له أنه يختلف كثيراً عن الكفار، وهذا شرك بلا ريب، وقد لبس الحق بالباطل حيث ذكر الأحياء والأموات، وطلب الدعاء من الصالحين الأحياء جائز، وأما الأموات فشرك، وقد خلط هذا بهذا مع ظهور الفرق، فهو يصحح الشرك ويدافع عن المشركين ويعادي الموحدين.
أما أن حجة الوهابية على مخالفيهم كحجة الخوارج على علي فبهتان عظيم وسيعلم هذا الخبيث عاقبة جرأته على الحق وأهله، وهو إنا سَوّل له الشيطان وأغواه وأضله.
قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن ﵀: وأما أهل هذه الدعوة الإسلامية التي أظهرها الله في نجد فهم بحمد الله أبْعد الناس عن مشابهة الخوارج وغيرهم من أهل البدع. إنتهى. (١)
وله سلف في هذا الاتهام ماتوا بغيظهم وما بلغوا مرادهم.
стр. 107
اتهام المالكي الشيخ بتكفير المسلمين
قال المالكي ص١٢:
قال ص٢٦: (فإن قال ـ يعني المخالف للشيخ ـ الكفار يريدون منهم [من الأصنام] وأنا أشهد أن الله هو النافع الضار المدبر لا أريد إلا منه والصالحون ليس لهم من الأمر شيء ولكن أقصد هم أرجو من الله شفاعتهم، فالجواب: أن هذا قول الكفار سواء بسواء!!).
أقول: من قال الكلام السابق لا يكفر لأنه متأول أو جاهل وكونه يتفق مع الكفار في جزئية يسيرة لا يعني الحكم عليه بالكفر بهذه الجزئية.
بمعنى لو أقسم أحد بغير الله فقد شارك الكفار في جزئية يسيرة لا يكفر بسببها، فالشيخ غفل عن مثل هذه الدقائق فوقع في تكفير المسلمين فتركيز الشيخ على آية ﴿ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى﴾ وإغفاله لبقية الآيات في وصف الكفار فيه نقص في استيفاء مواطن اختلاف الكفار عن المسلمين. إنتهى.
الجواب: تقدم أن الشيخ لا يُكفّر إلا بعد قيام الحجة وليس يُكفّر بالعموم.
стр. 108
أما أن يكون طلب الشفاعة من الأموات جزئية يسيرة لا يحكم على فاعلها بالكفر، فنعم هي جزئية يسيرة أو حسنة كبيرة عند المشركين وعند أخيهم المالكي.
أما أهل التوحيد فيقولون: إن لم يكن طلب الشفاعة ورجاءها من الموت كفر فليس هناك كفراً.
والشيخ ﵀ لم يغفل بقية الآيات بل لو قيل إنه لم يترك من القرآن في شأن الشرك والتوحيد آية إلا ذكرها في مؤلفاته ورسائله لما كان ذلك مبالغة.
وقد بَوّب الشيخ للشفاعة باباً في كتاب التوحيد وذكر فيه آيات الشفاعة وأن طلبها من دون الله شرك.
قال ابن القيم في قوله تعالى: ﴿قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض ومالهم فيها من شرك وماله منهم من ظهير ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له﴾. قال رحمه الله تعالى: وقد قطع الله الأسباب التي يتعلق بها المشركون جميعها.
فالمشرك إنا يتخذ معبوده لما يحصل له من النفع، والنفع لا يكون إلا ممن فيه خصلة من هذه الأربع:
إما مالك لما يريده عابده منه، فإن لم يكن مالكاً كان شريكاً للمالك فإن لم يكن شريكاً له كان معيناً له وظهيراً،
стр. 109
فإن لم يكن معيناً ولا ظهيراً كان شفيعاً عنده، فنفى الله سبحانه المراتب الأربع نفياً مرتباً متنقلاً من الأعلى إلى الأدنى.
فنفى الملك والشركة والمظاهرة والشفاعة التي يطلبها المشرك وأثبت شفاعة لا نصيب فيها لمشرك وهي الشفاعة بإذنه، فكفى بهذه الآية نوراً وبرهاناً وتجريداً للتوحيد وقطعاً لأصول الشرك ومواده لمن عقلها. إلى آخره.
стр. 110
زعم المالكي أن معنى كلام الشيخ أنه لا يدخل الجنة
في زمنه إلا أهل العيينة والدرعية
قال المالكي أيضاً في نقضه ص١٣،١٤:
قوله ص٣٣: (ولا يشفع ـ النبي ﷺ ـ في أحد إلا من بعد أن يأذن الله فيه كما قال ﴿ولا يشفعون إلا لمن ارتضى﴾ وهو لا يرضى إلا التوحيد كما قال تعالى: ﴿ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه﴾!! ولا يأذن الله إلا لأهل التوحيد).
أقول: على هذا لن يدخل الجنة في زمن اشيخ إلا أهل العيينة والدرعية!! ففي الكلام السابق تكفير ضمني لكل من يرى التوسل بالصالحين وهم جمهرة علماء المسلمين وعامتهم.