← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 37606

دورة تدريبية في مصطلح الحديث

حسن أبو الأشبال الزهيري

Полный текст (173 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

دورة تدريبية في مصطلح الحديث [١] ظهر علم مصطلح الحديث للذب عن سنة رسول الله ﷺ ، والحفاظ عليها من وضع الوضاعين، ولقد اهتم العلماء بهذا العلم فوضعوا قواعده وأصوله وأسسه التي قام عليها، واعتنوا بذلك أشد العناية، حتى غدت قواعده أسساً انبنت عليها العلوم الأخرى.

стр. 2

فضل طلب العلم

стр. 3

طلب العلم طريق إلى الجنة الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وسلم. وبعد: مرحباً بكم وأهلاً وسهلاً، ونسأل الله تعالى أن يجمعنا على مائدة الكتاب والسنة إلى يوم نلقاه. روى الحافظ ابن عبد البر رحمه الله تعالى في كتابه القيم جامع بيان العلم وفضله بإسناده إلى رسول الله ﷺ أنه قال: (ما من رجل يسلك طريقاً يلتمس فيه علماً إلا سهّل الله له طريقاً إلى الجنة). وهذا يبين فضل العلم وعاقبته في الدنيا، ولم يقل ﷺ : إنه سهّل له طريق طلب العلم، وإنما سهّل له طريقاً يقابل ويزيد عن هذا الطريق، ألا وهو طريق الجنة. (ومن أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه). والحديث صحيح، وهو عند الإمام مسلم في صحيحه وغيره. فلو أن إنساناً تقاعس في عمله ولم يكن هدفه فيه ابتغاء مرضاة الله ، فإنه لا يرتفع بهذا العمل عند الله حتى وإن كان مرفوعاً في نسبه بين الناس، لكونه لم يبتغ به وجه الله. ويقول ﷺ : (وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله)، أي: في مسجد من مساجد الله (يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم، إلا حفتهم الملائكة). ومطلع هذا الحديث يدلنا على أدب من آداب طالب العلم، وهو ألا نتبعثر ونتفرق في المجلس، فالحديث فيه: (ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله). فلا يجلس واحد في زاوية، وآخر في زاوية، وثالث في الشارع، ورابع في بيته، فكل هذا ليس من آداب العلم، بل من أتى درس العلم فينبغي عليه أن يزاحم حتى يجلس في الصفوف الأول، أو في الأماكن الأول. قال: (وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه)، أي: يتفقهون في كتاب الله ، وليس المقصود بالكتاب القرآن فقط، وإنما المقصود به مصادر التشريع من كتاب وسنة وإجماع وقياس، (إلا حفتهم الملائكة)، وهذا في مجلس العلم، فمجالس العلم تحفها الملائكة وتغشاها الرحمة، (وغشيتهم الرحمة). وتتنزل عليها السكينة والطمأنينة والأمان، (وذكرهم الله فيمن عنده)، أي: في الملأ الأعلى، أو بين ملائكته.

стр. 4

درجات العلم من حيث الانتفاع به وفضله وقد جاء هذا الحديث بروايات وطرق كثيرة. يقول ﷺ : (مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث الكثير). والغيث هو المطر، فالنبي ﷺ يشبّه ويمثّل العلم بالمطر، أي: بغزارته ونفعه للناس. (مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث الكثير أصاب أرضاً)، أي: نزل هذا المطر بأرض، (فكانت منها بقعة قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب)، يعني: كانت هذه الأرض التي أصابها الماء والمطر صالحة استفادت من الماء، وأنبتت ما فيها من العشب والكلأ وغير ذلك. (وكانت منها بقعة أمسكت الماء)، أي: هي صالحة تمسك الماء في بطنها. (فنفع الله به الناس فشربوا وسقوا وزرعوا). فالأرض لم تكن سيئة، فقد ابتلعت الماء كله وحفظته في بطنها فانتفع به الناس. (وكانت منها طائفة لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ). فالعلم على ثلاث درجات: علم ينفع الله به صاحبه فقط، وعلم ينفع الله تعالى به صاحبه وينفع به الناس، وعلم لا ينتفع به صاحبه وإن كان الناس ينتفعون به. فأما العلم الذي ينتفع به صاحبه فهو العلم الذي تعلمه ثم عمل به. وأما الذي ينتفع به صاحبه وينتفع به الناس فهو العلم الذي يعمل به ويعلمه الناس فيعملون به. وأما العلم الذي ينفع الناس ولا ينفع صاحبه فهو العلم الذي لا يعمل به صاحبه، ولكنه يعلمه الناس فينتفعون به. (وذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه ما بعثني الله به فعلم وعمل وعلم الناس، ومثل من لم يرفع بذلك رأساً ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به).

стр. 5

العالم يستغفر له كل شيء يقول ﷺ : (معلم الخير يستغفر له كل شيء، حتى الحوت في البحر)، وفي رواية (يستغفر له من في السماء ومن في الأرض، حتى الحيتان في البحر). وقيل في سبب استغفار الدواب والحيوانات والأشجار والحيتان في البحر للعالم: أنه يوصي بالإحسان إليها، وعدم اتخاذها غرضاً، إلا إذا كان غرضاً شرعياً وغير ذلك، فإذا وجد رجلاً يسوق حماراً أو فرساً أو غير ذلك ويضربه ضرباً شديداً قال له: ارحم من في الأرض يرحمك من في السماء، وهذه دعوة لرحمة الحيوانات، وإذا وجد رجلاً يصطاد حيتاناً أو أسماكاً بالكهرباء أو غيرها، أو يصطادها ويرميها ولا ينتفع بها نهاه عن ذلك؛ لأن هذا الصيد فيه نهي شرعي؛ لأن النبي ﷺ نهى عن اتخاذ الحيوانات والطيور أغراضاً، فلا يصطاد الشخص إلا بقصد الانتفاع.

стр. 6

العلم ينفع صاحبه في الدنيا والآخرة يقول ﷺ : (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح). فكلما جرت هذه الصدقة على المتصدق بها عليه دعا للمتصدق فينتفع الميت بهذا الدعاء، وهذه هي الصدقة الجارية، وذلك مثل رجل اشترى كتب علم أو مصاحف أو غير ذلك ووزعها على الناس يقرءون بها، أو رجل بنى مسجداً ليصلي فيه الناس، فكلما سجد رجل أو ركع فلا شك أن ذلك في ميزان من بنى ذلك المسجد، وهذا في الصدقة وليس الهدية؛ لقول النبي ﷺ (صدقة جارية). ولم يقل: هدية. ثم يقول: (أو ولد صالح يدعو له). وقيد الولد بالصلاح. والشاهد من هذا الحديث هو (أو علم ينتفع به)، أي: في حياته وبعد مماته، والعلم النافع هو العلم الشرعي في الدرجة الأولى، مثل القرآن والعقيدة واللغة وعلوم الآلة التي تساعدنا على فهم العلوم الأصلية.

стр. 7

العالم يدل غيره على الخير يقول أبو مسعود الأنصاري ﵁: (جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله! احملني)، أي: جهّزني للقتال بفرس ودرع وغير ذلك، (فإنه قد أُبدع بي، فقال النبي ﷺ : ما أجد ما أحملكم عليه، فأت فلاناً)، يعني: اذهب إلى فلان فإنه صاحب مال وخيل وغير ذلك، (فأتاه فحمله)، أي: قضى له وطره وحاجته، (فأتى رسول الله ﷺ فأخبره)، أي: بأنه قد حمله فلان، (فقال النبي ﷺ : الدال على الخير كفاعله)، أي: في الأجر. وما أعظم ما يدل عليه العالم! فهو يدل الأمة كلها على سبيل الله ، وعلى طريق الهداية، ويحذرهم طريق الغواية والضلال، ولا شك أن العالم هو أحسن من يدل على الخير، و (الدال على الخير كفاعله)، وفي رواية بزيادة: (والدال على الشر كفاعله). وهذا من باب المقابلة.

стр. 8

الغبطة على العلم يقول النبي ﷺ : (لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالاً فهو ينفقه على هلكته في الحق) وفي رواية: (آناء الليل وآناء النهار، أو وأطراف النهار) (ورجل آتاه الله علماً) وفي رواية (ورجل آتاه الله القرآن فهو يعمل به ويعلمه الناس آناء الليل وأطراف النهار). فلا شك أن الحسد وهو الغبطة في هذا الحديث، بمعنى: أن يتمنى الإنسان أن يكون في مثل مقامه دون أن يتمنى زوال هاتين النعمتين عن صاحبهما، وهما المال الصالح للرجل الصالح، وكذلك العلم النافع عند الرجل الذي ينفعه الله تعالى به -أي: بهذا العلم- وينفع به الناس.

стр. 9

لعن الدنيا وما فيها سوى ذكر الله وما والاه وعالم ومتعلم ويقول ﷺ : (الدنيا ملعونة ملعون ما فيها). وتفصيل بعد إجمال. (إلا ذكر الله وما والاه). وهذا تخصيص بعد عموم، يدل على أنه ليس كل الدنيا ملعونة؛ لأن فيها أشياء نافعة يتخذها العبد قنطرة وعبوراً إلى دار الآخرة، ألا وهي (ذكر الله وما والاه، وعالم ومتعلم). والنبي ﷺ يقرن هنا بين ذكر الله وما والاه وبين العالم والمتعلم، وفي رواية عن النبي ﷺ أنه قال: (العالم والمتعلم شريكان في الأجر).

стр. 10

الملائكة تحف بطالب العلم وتظله بأجنحتها في حديث صفوان بن عسال أنه أتى إلى رسول الله ﷺ وهو في المسجد متكئ على برد له أحمر، قال: (قلت: يا رسول الله! إني جئت أطلب العلم). وهذا فيه إثبات الرحلة في طلب العلم. (قال: مرحباً بطالب العلم). ولذلك يقول العلماء: يُسن للعالم أن يرحّب بمن يتعلم منه، وأن يقول: مرحباً بطالب العلم، أو يقول: مرحباً بوصية رسول الله ﷺ . ثم قال: (إن طالب العلم لتحف به الملائكة وتظلله بأجنحتها). وهذا فضل عظيم، وشرف كريم، (فيركب بعضها فوق بعض)، أي: هذه الملائكة التي تحف طالب العلم يركب بعضها فوق بعض، (حتى تعلو إلى السماء الدنيا من حبهم لما يطلب، فما جئت تطلب؟) يسأل النبي ﷺ صفوان بن عسال (قال: قلت: يا رسول الله! لا أزال أسافر بين مكة والمدينة، فجئت أسأل عن المسح على الخفين). واليوم لو سألنا في أساسيات المسح على الخفين لم نجد من يريحنا بجواب، فدل ذلك على أن كل مسألة وإن بدت لك صغيرة أو لا تستحق الرحلة والسؤال والطلب فاعلم أن ذلك من الجهل وليس من العلم. ويقول ﷺ : (نضّر الله امرأً سمع منا مقالة)، أي: حديثاً، وفي رواية (فحفظها وبلغها، فرب حامل فقه ليس بفقيه)، أي: ورب حامل فقه في عقله وفي صدره ولكنه ليس بفقيه، وهذا مثل من يتحمل الحديث ولا يفقه معناه، فإذا قصه ورواه إلى غيره انتفع ذلك الغير به أكثر من انتفاع صاحب الحديث به.

стр. 11

الإخلاص في طلب العلم وقال ﷺ : (ثلاث لا يغل عليهن قلب مسلم: إخلاص العمل لله، ومناصحة ولاة الأمر، ولزوم الجماعة؛ فإن دعوتهم تحيط من ورائهم). وقال رسول الله ﷺ : (من كانت نيته الآخرة جمع الله شمله، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا وهي راغمة، ومن كانت نيته الدنيا فرّق الله عليه أمره، وجعل فقره بين عينيه، ولم يؤته من الدنيا إلا ما كُتب له). إلى غير ذلك من الأحاديث التي تحض على طلب العلم، وما ذكرنا فيه كفاية وغنية.

стр. 12

إطلاق اسم المصطلح على مباحث علوم الحديث (علم مصطلح الحديث) اشتهر بهذا الاسم، والصواب أن يسمى: علم أصول الحديث؛ لأن كل علم شرعي له أصول، فعلم التفسير له أصول، وعلم الفقه له أصول، وعلم النحو له أصول، وهي قواعد اللغة. والأصل أن يقال: إن علم قوانين الرواية هو أصول الرواية، أو أصول الحديث، والمتعارف بين الناس من الخواص والعوام أن هذا العلم يطلق عليه مصطلح الحديث، ولكل فن وعلم من العلوم الشرعية بل وغير الشرعية مصطلحات، فالفقهاء لهم مصطلحات، والأصوليون لهم مصطلحات، واللغويون لهم مصطلحات، فلو قلنا: (مصطلح) وسكتنا لم نفهم المقصود؛ لأن المصطلحات كثيرة، ولزمنا أن نسأل أهو مصطلح المحدثين أم الفقهاء أم الأصوليين أم غيرهم؟ ولو قلنا: أصول، لانصرف الذهن إلى أصول الفقه، في حين أن بقية العلوم أيضاً لها أصول، فكل العلوم الشرعية وغير الشرعية لها أصول وقواعد وضوابط تحكمها وتضبطها، فالأصل أن نقول: أصول كذا، ومن هنا نعلم أن تخصيص كلمة مصطلح بعلم الحديث من باب التحكم، كما أن وقف كلمة أصول على أصول الفقه أيضاً من باب التحكم؛ لأن المقصود هي القواعد الكلية أو الجزئية التي تحكم أي علم في ذاته. فعلم أصول الحديث هو المشهور والمشتهر على ألسنة الناس بمصطلح الحديث.

стр. 13

مبادئ علم مصطلح الحديث إن كل علم له مبادئ، وهذه المبادئ عشرة، جمعها البعض في قوله: مبادئ أي علم كان حد وموضوع وغاية مستمد وفضل واضع واسم وحكم مسائل نسبة عشر تعد فالأصول والمبادئ العشرة لأي علم في هذين البيتين وهي: الحد، والموضوع، والغاية، والاستمداد، والفضل، والواضع، والاسم، والحكم، والمسائل التي فيه، والنسبة. والحد هو التعريف، والأصل في الحد أن يكون جامعاً مانعاً، أي: جامعاً لشتات المسائل التي تدخل في هذا الموضوع، مانعاً من دخول غيرها عليها.

стр. 14

تعريف مصطلح الحديث علم المصطلح: هو العلم بقواعد وأصول يُعرف بها حال الحديث سنداً ومتناً من حيث القبول والرد. ولو أتينا بألفاظ زائدة على ما في التعريف فستكون زائدة وليس لها داع، ولو أخرجنا منها كلمة واحدة لظهر في التعريف خلل، وهذا ما نعنيه بأن يكون الحد جامعاً مانعاً.

стр. 15

موضوع علم المصطلح موضوع هذا العلم: سنة النبي ﷺ من حيث أقواله وأفعاله وتقريراته وصفاته الخلقية والخُلُقية، هذا الشق الأول، وهو ما يُطلق عليه علم الرواية. والشق الثاني وهو علم الدراية، وهو الذي ينصب على السند، من حيث شروط الرواية والتحمل والأداء، ومن حيث المعايب والمحاسن التي تلحق الأسانيد سواء كانت راجعة إلى الراوي أو إلى الإسناد، فإن كان الراوي ضعيفاً في نفسه أو سيء الحفظ أو كذّاباً، فلا شك أن هذا عيب يلحق الراوي نفسه، وأما إن كان الحديث فيه انقطاع وسقط، فهذا السقط يطعن في عموم الإسناد. والمقصود بالدراية الإسناد، والرواية هي المتن.

стр. 16

غاية علم المصطلح غاية علم مصطلح الحديث: هي تمييز الصحيح من السقيم من الآثار والأخبار، سواء كان ذلك من المرفوع أو الموقوف أو المقطوع. والمرفوع هو ما كان من كلام النبي ﷺ وأفعاله وتقريراته وصفاته الخلقية والخلُقية. وما كان من الأخبار أو الآثار موقوفاً فإنما هو من قول الصحابي أو فعله أو تقريره. وأما ما كان مقطوعاً فهو ما كان موقوفاً على من هو دون الصحابي، أي: التابعي ومن دونه. ولا يقال لإسناد إنه إسناد إلا إذا كان فيه ثلاث طبقات، وهذا أقل ما يُطلق عليه مصطلح الإسناد. والصحة والسقم حقيقة في الأجسام ومعنى في غيرها، ويقال: فلان صحيح وفلان سقيم، ولكن استعير هذا المعنى من حقيقته فكان مجازاً في غيره من الأشياء، فعندما نقول: هذا حديث صحيح، أو قوي، أو جيد، أو حسن؛ فإنما هو من باب المعنى لا من باب الحقيقة. والشق الثاني من غاية هذا العلم هو الفوز بسعادة الدارين: دار الدنيا ودار الآخرة، ولا شك أنه لا يفوز في الدنيا بهذا الحديث إلا من عمل به، ومن كان من العاملين بعلمه في الدنيا فلا شك أنه من الفائزين بفضل الله ورحمته، وإن كان غير ذلك في الدنيا فهو في مشيئة الله إن شاء عذبه وإن شاء عفا عنه وأدخله الجنة. فغاية هذا العلم من شقين: الأول: التمييز بين الصحيح والسقيم. والثاني: الفوز بسعادة الدارين.

стр. 17

استمداد علم مصطلح الحديث وفضله استمد هذا العلم من الكتاب والسنة، فأصله موجود في الكتاب والسنة. والسنة عند الإطلاق يقصد بها أقوال النبي ﵌، ومنها حديث: (نضّر الله امرأ سمع منا مقالة فوعاها -أو فحفظها- فأداها كما سمعها)، أي: لم يزد فيها ولم ينقص، وسواء كان هذا الأداء باللفظ أو بالمعنى على خلاف بين أهل العلم. ويقول النبي ﷺ : (من حدّث عني بحديث يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبِين، أو الكاذبَين). ويقول النبي ﷺ : (تسمعون ويُسمع منكم). ويقول الله : ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات:٦]. وفي قراءة: (فتثبتوا)، وهذا أمر بالتثبت، وما أكثر ما حض الله على اتخاذ شهود عدول في القرآن الكريم، ووصفهم بالعدول، وشرط العدل في الرواية. ولذلك أجمع أهل العلم إلا الأحناف -وقيل أبو حنيفة على وجه الخصوص- أنه يشترط في الشاهد العدالة، أبو حنيفة أجاز شهادة الفاسق، وقال: لعموم البلوى، وانتشار الفساق في القرن الثاني، فما بالكم بالقرن الذي نحن فيه، نسأل الله العافية! وفضل هذا العلم قد ذكرناه في بداية المحاضرة.

стр. 18

واضع علم مصطلح الحديث وأما واضعه فأول من جمع قواعد الرواية أبو محمد الرامهرمزي في كتاب المحدث الفاصل، ولكن كتابه مبعثر وغير مرتب، فأحياناً تجد المصطلحات البسيطة التي نأخذها في البداية موجودة في آخر كتابه، ومسائل من آخر العلم موجودة في بداية كتابه، وغير ذلك. وأتى بعد ذلك ابن الصلاح فقنن القوانين وأصّل الأصول وقعد القواعد في مقدمته، ولكنه لم يستوعب جميع مسائل هذا العلم، ثم اشتغل العلماء بعد ذلك بشرح وترتيب وتصنيف وتبويب هذا الكتاب، حتى اشتهرت مقدمة ابن الصلاح، بحيث إنك لو سألت طلبة العلم: من أول من وضع هذا العلم؟ لقال لك: ابن الصلاح، ونسي الرامهرمزي؛ لأن كتابه في الحقيقة قليل النفع إذا قورن بكتاب مقدمة علوم الحديث لـ ابن الصلاح. وليس معنى أنه قليل النفع أنه لا ينتفع به أبداً، بل بالعكس، ففيه مسائل لا تجدها في غيره، ويكفي أنه كتاب في قوانين الرواية مسنداً، يعني: يرويه بإسناد، وهذه ميزة لا تتوفر في أي كتاب صُنف في أصول الرواية مطلقاً، فلم يصنف أحد في أصول الراوية كتاباً مسنداً إلا أبا محمد الرامهرمزي. ثم بعد ذلك تتابع العلماء وتكاثروا في التصنيف في هذا الفن وفي هذا الشأن. ومنهم من اهتم بقوانين الرواية، ومنهم من اهتم بالآداب التي ينبغي على الراوي والمستمع أن يتحليا بها، وبرز في هذا الشأن الخطيب البغدادي رحمه الله تعالى، فإنه صنف في كل فن يمس الرواية، سواء من حيث القوانين أو من حيث الأدب، وأشهر كتاب له وأجمعه في قوانين الراوية كتاب الكفاية، وقوانين الرواية هي: الأصول العلمية والقواعد الكلية لعلم مصطلح الحديث، وصنف كتاباً عظيماً غزير الفائدة في أدب الرواية، أي: فيما ينبغي على العالم والمتعلم أن يتحليا به من أخلاق وآداب، سواء كانت هذه الأخلاق والآداب مع الله ، أو مع طلبة العلم، أو مع الكتب التي يتعامل معها؛ سواء العالم أو المتعلم. اسم هذا العلم هو: أصول الحديث، ومصطلح الحديث، وأصول الرواية، ومصطلح أهل الأثر.

стр. 19

حكم تعلم مصطلح الحديث تعلمه فرض كفاية، إذا قام به البعض سقط الإثم عن الباقين، فإذا لم يقم به أحد أثم من كان بإمكانه أن يتعلم فتقاعس. وحكم أي علم فرض كفاية، ولكن الشروع فيه يجعله فرض عين، فإذا تعلمت علم أصول الفقه مثلاً أو شرعت في تعلمه، ثم آنست من نفسك الرشد والتقدم في الطلب في هذا الباب، وزكّاك من كان أهلاً للتزكية بأنك كفؤ لهذا العلم؛ فإن تقاعست ورجعت مرة أخرى فأنت آثم. ولا يجوز لك في هذه الحالة أن تقول: سأتركه، فإنما هو فرض كفاية، نعم كان فرضاً كفائياً عليك قبل أن تشرع فيه، ولكن بشروعك فيه وجب عليك أن تستمر فيه.

стр. 20

مسائل علم مصطلح الحديث ونسبته إلى غيره من العلوم مسائله: هي المسائل المتعلقة بالسند والمتن من حيث القبول والرد. وأما نسبته فهذا العلم مباين للعلوم الأخرى تماماً؛ لأن له قواعده وأصوله الخاصة به، فهو مباين للعلوم الأخرى ومخالف لها، فمسائله غير مسائل أصول الفقه، وغير مسائل الفقه، وغير مسائل اللغة العربية.

стр. 21

أهمية علم مصطلح الحديث لبقية العلوم يقول علماء الحديث: إن علم أصول الحديث هو أصل جميع العلوم الشرعية؛ لأن القواعد والأصول التي وضعها المحدثون أو النقّاد استفاد منها جميع الطوائف، سواء في التاريخ والكتابة فيه، أو في اللغة والتأصيل اللغوي، وغير ذلك من العلوم الشرعية، فقد استفادوا من القواعد والموازين التي وضعها النقاد وعلماء الحديث، وقالوا: إن أهمية هذا العلم لبقية العلوم تأتي في المرتبة العليا؛ لأن العلوم الأخرى تستفيد مباشرة من هذا العلم ولا يستفيد هذا العلم كثيراً من بقية العلوم. يقول المصنف: إن علم أصول الحديث وقواعد اصطلاح أهله لا بد منها للمشتغل برواية الحديث؛ إذ بقواعده يتميز صحيح الرواية من سقيمها، ويعرف بها المقبول من الأخبار والمردود، وهذا العلم كقواعد النحو التي يعرف بها صحة التراكيب العربية، فلو سمي منطق المنقول وميزان تصحيح الأخبار لكان اسماً على مسمى. أي: لو سمينا هذا العلم وهو علم مصطلح الحديث: منطق المنقول -والمنقول، هو: ما نقل إلينا تواتراً أو آحاداً- وميزان تصحيح الأخبار لكان هذا أيضاً يصدق على هذا العلم. يقول: وقد حرّر العلماء هذه القواعد التي وضعوها لقبول الحديث وحققوها بأقصى ما في الوسع الإنساني؛ احتياطاً لدينهم، فكانت قواعدهم التي ساروا عليها أصح القواعد للإثبات التاريخي، وأعلاها وأدقها، وتبعهم فيه العلماء في أكثر الفنون النقلية، فاتبعهم علماء اللغة وعلماء الأدب والتاريخ وغيرهم، فاجتهدوا في رواية كل نقل في علومهم بإسناده، وطبقوا قواعد هذا العلم عند إرادة التوثق من صحة النقل في أي شيء يرجع فيه إلى النقل، فهذا العلم في الحقيقة أساس لكل العلوم النقلية.

стр. 22

أصل نشأة علم مصطلح الحديث ثم يقول: وقد نشأ هذا العلم مع نشأة الحديث الشريف -يعني: نشأ هذا العلم ومسائله منذ دعوة النبي ﷺ وكان صاحب الرسالة ﵊ هو الواضع لجذور هذا العلم وأسسه، فقد جاء عنه أنه قال: (نضّر الله امرأ)، الحديث. يقول: وقوله: (من سُئل عن علم فكتمه ألجمه الله بلجام من نار يوم القيامة). فهذان الحديثان أصلان عظيمان في ضبط الرواية، فالحديث الأول في ضبط الرواية، (نضّر الله امرأ سمع منا مقالة فوعاها فأداها كما سمعها). والحديث الثاني في وجوب تبليغ الحديث ونقله، وهذا أيضاً أصل من أصول الرواية، وقد فهم المسلمون من كل هذا أنه يجب عليهم أن يحفظوا عن رسولهم كل شيء، وقد فعلوا، وأدوا الأمانة على وجهها، ورووا الأحاديث عنه إما متواترة في اللفظ والمعنى، وإما متواترة في المعنى فقط، وإما مشهورة أو غير مشهورة. أي: أحاديث الآحاد. وكذلك جاء عنه ﷺ أنه قال: (من كذب عليّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار). وهذا الحديث أصل عظيم في التحذير من وضع الحديث واختلاقه. أي: وصنعه عليه ﷺ وهو لم يقله. وكما أن في القرآن الكريم توجيهاً عاماً إلى بعض قواعد هذا الفن، وهو التثبّت من صدق الراوي والتروي في تصديق خبره -أي: والتمهُّل في تصديق خبر المُخبِر- وذلك من قوله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات:٦]. وهذه الآية بمفهوم المخالفة تدل على أن العدل لو أتى بالرواية لا يلزمنا أن نبحث فيما أتى به، وإنما نقبله لعدالته وضبطه وتوثيقه، إلا أن الصحابة الكرام كانوا في زمنه ﷺ أمناء ضابطين، وما صدر عن بعضهم إنما هو نوع من السهو والخطأ والغلط؛ لأن هذا لا ينفك عنه إنسان، إلا الأنبياء فإنهم معصومون فيما أُمروا فيه بالبلاغ. يقول: وهو نزر يسير -يعني: ما أخطأ الصحابة إلا في النزر اليسير- لا يكاد ينسب إليهم ولا تنبني عليه قواعد، وقد تلقى الصحابة أقوال الرسول ﷺ منه مباشرة، وشهدوا أفعاله وأحواله، فإذا أُشكل عليهم شيء كان يمكنهم الرجوع إليه ﷺ لرفع هذا الإشكال أي: أنهم لم يكونوا بحاجة إلى علماء ونُقّاد يرجعون إليهم؛ لأن النبي ﷺ يُغني عنهم وعن الأمة كلها. فلم يكن لتشعب هذا العلم من حاجة في حياته ﷺ ؛ لأن العصر هو عصر وحي وتشريع، فلم يكن يُحتاج لأكثر من التحرز عن الوهم والخطأ والنسيان.

стр. 23

تشدد الخلفاء الراشدين في قبول الرواية ولما توفي رسول الله ﷺ وجاء عصر الخلفاء الراشدين شدد هؤلاء الخلفاء في قبول الرواية عن رسول الله ﷺ وعملوا على ضبطها وتقليلها؛ خشية انفلات الناس عن القرآن الكريم واشتغالهم بها، وخوفاً من أن يتخذها المنافقون ذريعة للزيادة فيها، وسلماً لتزييف الحديث عن رسول الله ﷺ ، ولئلا تزل أقدام المكثرين فيسقطوا في هوة الخطأ والنسيان، فيكذبوا على رسول الله ﷺ من حيث لا يشعرون. وأما عملهم على التقليل من الرواية فقد روي عن أبي هريرة ﵁ أنه قيل له: أكنت تحدث في زمن عمر هكذا؟ أي: أكنت تكثر من الرواية في زمن عمر كما تكثر في هذا الزمان؟ قال: لو كنت أحدث في زمان عمر مثلما أحدثكم لضربني بمخفقته، أي: بالدرة. وجاء مسنداً إلى عمر ﵁ أنه قال: أقلوا الرواية عن رسول الله ﷺ وأنا شريككم. وعن عثمان أنه أرسل السائب بن يزيد إلى أبي هريرة ﵁ فقال: قل له يقول لك أمير المؤمنين عثمان بن عفان: ما هذا الحديث عن سول الله ﷺ ؟ -أي: ما هذا الحديث الكثير الذي تحدث به عن رسول الله؟ لقد أكثرت لتنتهين أو لألحقنك بأرض دوس، وهذا تهديد من عثمان بن عفان لـ أبي هريرة، وأبو هريرة دوسي. وقد دافع أبو هريرة ﵁ عن نفسه حينما خشي على نفسه التهمة، فأجاب أم المؤمنين عائشة ﵂ حينما قالت له: ما أكثر ما تحدث عن رسول الله -أي: إنك تحدث كثيراً- إنك لتحدث بأشياء ما سمعنا رسول الله ﷺ يقولها، فرد عليها بقوله: كان يشغلكِ عنها المرآة والمكحلة، أي: أن السبب في عدم سماعكِ للرواية التي سمعتها شغلك بالتزين لرسول الله ﷺ ، وأما أنا فكنت أتبعه على شبع بطني، وفي رواية عند البخاري أنه قال: كان الأنصار أهل زراعة، وكان أهل مكة أهل تجارة، فكان هذا ينصرف إلى تجارته وهذا ينصرف إلى زراعته، وأما أنا فكنت ألزم النبي ﷺ . وبناء عليه فقد تحمّل أكثر من غيره. يقول: كان يشغلكِ عنها المرآة والمكحلة، ولم يشغلني عنها شيء.

стр. 24

طريقة نقد الحديث عند الصحابة يقول: وكان يستعمل الصحابة طريق النقد للحديث -أي: مسألة نقد الحديث- بعرضه على كتاب الله تعالى، فكانوا يأخذون الحديث فيعرضونه على كتاب الله، ونصوص آياته المحكمة، وقد كانوا يردون بعض الروايات إن خالفت نصاً من القرآن الكريم، ومثال ذلك ما فعله عمر ﵁ في رد رواية فاطمة بنت قيس أن زوجها طلقها ثلاثاً، فلم يجعل رسول الله ﷺ لها سكنى ولا نفقة بقوله: لا نترك كتاب الله ولا سنة نبينا لقول امرأة لا ندري لعلها حفظت أو نسيت. فالله جعل لها السكنى والنفقة في قوله: ﴿لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [الطلاق:١]. ومنه قول عائشة ﵂ حينما سمعت حديث عمر ﵁ عن رسول الله ﷺ في تعذيب الميت ببكاء أهله عليه، قالت: (رحم الله عمر، والله ما حدث رسول الله ﷺ أن الله يعذّب المؤمن ببكاء أحد، ولكن قال: إن الله يزيد الكافر عذابًا ببكاء أهله عليه). وقالت: حسبكم القرآن: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام:١٦٤]. وإن كانت المسألة فيها كلام آخر، لعله لا يخفى على الجميع. وأعداء الإسلام في الطعن يطعنون في أبي هريرة، ويقولون: إنه كان يأتي بهذه الأحاديث من عنده، وأنه كان يختلقها ويصنعها ويكذب فيها على رسول الله ﷺ ، ويستدلون على ذلك بأنه كان يخاف من الرواية من عمر، فلما مات عمر لم يكن هناك أي داع من الخوف، فانطلق يكذب على رسول الله هنا وهناك.

стр. 25

علة تشدد الصحابة في رواية الحديث والتحرز منها ولو عرفنا العلة والحكمة من حرص الصحابة على تقليل الرواية وتشددهم في قبول الأخبار؛ لعلمنا أنهم إنما كانوا يفعلون ذلك من باب الاحتياط والتحرز، لا رداً ولا تكذيباً لما يأتي به الصحابي؛ لأن الصحابة كلهم عدول، ومن قال فيهم بغير ذلك فإنما هو الفاسق. يقول: وجدير بالتنبيه أنهم إنما كانوا يفعلون ذلك للاحتياط في ضبط الحديث، لا لتهمة أو سوء ظن، وإنما من باب الاحتياط والتحرز في قبول الأخبار. والكذب منتف من الصحابي، وأما التحرز فخوفاً من سهو الصحابي ووهمه وخطئه، وكل ذلك إنما يصدر عن الصحابي عن غير عمد، فلزم من ذلك أن نتحرز ونحتاط لقبول روايته، وهذا في حالة الشك فيما أتى به الصحابي، لا في كل الأحاديث ولا في كل ما ينقله الصحابي، وإنما في حالة الشك فقط، وإلا فالأصل أن تُقبل رواية الصحابي بلا تحرز أو احتياط أو تصنيف؛ لأنها ليست محلاً للشك، ولا تخالف أصلاً من أصول الشريعة، فهي لا تخالف كتاب الله، ولا حديثاً آخر، ولا غير ذلك من وجوه المخالفة.

стр. 26

رد الصحابة لبعض الأحاديث لمخالفتها للأصول ويقول: وكذلك رد بعض الأحاديث كان اجتهاداً منهم، لمخالفتها ما استنبطوه من القرآن، ولذلك نجد بعض الصحابة ومن بعدهم عملوا بما رده غيرهم. إذاً: كان رد الصحابة لهذه الأحاديث بأصول، ولا أدل على ذلك أن العلماء الذين أتوا من بعدهم عملوا بما رده البعض، ولو كان مردود حكماً لما جاز العمل به بعد ذلك. يقول: ولذلك نجد بعض الصحابة ومن بعدهم عملوا بما رده غيرهم؛ لأنهم باجتهادهم رأوه غير معارض للأدلة.

стр. 27

وجود أحاديث متعارضة لم يتوصل فيها إلى جمع أو رد وهناك أحاديث ظاهرها التعارض ولم يتوصل فيها إلى جمع أو رد، يعني: كلما نأتي بوجه من وجوه الترجيح لا ينطبق عليها، فقالوا: إن هذه الروايات تظل هكذا بلا عمل، لا من باب أنها ضعيفة ومردودة، وإنما من باب أنه ليس هناك وجه يترجح به قبول إحدى الروايتين على الأخرى أو رد إحداهما، وربما يأتي بعد ذلك من يجتهد في العمل بالروايتين أو أحدهما بوجه من وجوه الترجيح.

стр. 28

ظهور الوضع في الحديث وسببه ولما وقعت الفتنة بمقتل الخليفة الثالث عثمان بن عفان ﵁ وما تبع ذلك من التفرق وظهور الأحزاب والفرق في خلافة علي بن أبي طالب ﵁ وخاصة بعد مقتله، كالشيعة والخوارج. وهاتان الفرقتان متضادتان، فالشيعة هم أشياع علي وأتباعه، والخوارج هم من خرجوا على علي بن أبي طالب. وبظهور هاتين الفرقتين ظهر الوضع، وخاصة في بعض فرق الشيعة، وكذلك في بعض فرق الخوارج؛ لأنهم كانوا يستحلون الكذب على رسول الله ﷺ . وكان الداعي لكل فرقة في وضع الأحاديث نصرة المذاهب، فالشيعة يضعون أحاديث لنصر مذهب التشيع، أو يضعون أحاديث في فضل علي وآل البيت، والخوارج يضعون أحاديث في فضل خروجهم على علي، أو في ذم علي ومن تبعه من الشيعة. ورافق ذلك دخول بعض الملحدين بين صفوف المسلمين لإيقاد نار الفتنة بين تلك الفرق، كشأن الفُسّاق والمجرمين في كل زمان ومكان، ولتوسيع شقة الخلاف فيما بينها، وقد نشط بعض أولئك الملحدين وأهل البدع والأهواء في وضع الأحاديث المكذوبة على لسان رسول الله ﷺ لنصرة مذهبهم، وتعظيم بدعتهم والالتفاف حول فرقتهم. وقد تنبه العلماء من أهل السنة إلى هذا الخطر العظيم الداهم على السنة وأهلها، فوقفوا تجاه هذا الخطر موقفاً حكيماً، يدل على نباهتهم ودقتهم، فلم يعودوا يقبلون الأحاديث من أي إنسان، واشترطوا على الراوي ذكر من روى عنهم، فاشترطوا الإسناد في الرواية حينما وقعت الفتن وظهر الكذب، وكانوا ينظرون في الإسناد تارة وفي المتن تارة أخرى، فإن كان الإسناد فيه راو شيعي نظروا فيه، فإن كان شيعياً غالياً ردوا روايته، وإن كان غير غال نظروا بعد ذلك، هل الرواية التي رواها تؤيد بدعته أم لا؟ فإن كانت تؤيدها ردوا روايته، وإن لم تكن تؤيدها قبلوا روايته مع أن أحد رواتها مبتدع أو على خلاف منهج أهل السنة؛ لأن معظم الفرق لم تكن تستحل الكذب، والعدل يقتضي أخذ الكلام المنضبط من أصحاب العدالة ومن غير أصحاب العدالة، ما دام الكلام نفسه منضبطاً. قال: وقد أخرج مسلم في مقدمة صحيحه عن ابن سيرين وغيره من أهل العلم أنه قال: لم يكونوا يسألون عن الإسناد.

стр. 29

ظهور الأحاديث المرسلة وسببها ثم ظهرت مشكلة الأحاديث المرسلة، فقد كان كثير من علماء القرن الأول الهجري الذين يروون الأخبار والآثار يرفعونها إلى النبي ﷺ ، كـ سعيد بن المسيب وقيس بن أبي حازم وغيرهما من كبار التابعين، فيقولون: قال رسول الله ﷺ ، دون أن يحددوا الصحابي أو التابعي الذي رووا عنه هذا الحديث؛ لأنه لم يكن هناك حاجة إلى ذكر الإسناد، ولا إلى ذكر من سمع منه ذلك الرجل، فلما شدد العلماء في الرواية لظهور الفتن ظهرت هذه المشكلة، ولذلك نجد معظم المراسيل عند كبار التابعين؛ لأنه لم يكن يشترط في الرواية ذكر السند في ذلك الوقت، ولذلك هناك أحاديث كثيرة عند كبار التابعين لم يُعرف لها اتصال سند. قال: عن ابن سيرين ﵀: لم يكونوا يسألون عن الإسناد فلما وقعت الفتنة قالوا: سموا لنا رجالكم -أي: حتى يعرف من هو من أهل البدع ومن هو من أهل السنة- فينظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم، وينظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم. فكانت بداية التحرز والنقد وضبط الأسانيد بظهور الفتن.

стр. 30

حث الصحابة والعلماء على الاحتياط في قبول الحديث وقد حث علماء الصحابة الناس على الاحتياط في حمل الحديث عن الرواة، وألا يأخذوا إلا حديث من يوثق به ديناً وحفظاً. والدين المقصود بها العدالة، والحفظ المقصود بها الضبط: ضبط صدر وضبط كتاب، حتى شاع في عرف الناس هذه القاعدة: إنما هذه الأحاديث دين فانظروا عمّن تأخذون دينكم. وهذا القول الذي قال عنه المصنف: إنه قاعدة كلام جميل، وإنما هو ثابت من كلام عبد الله بن المبارك ﵀. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه وسلم تسليماً كثيراً.

стр. 31

دورة تدريبية في مصطلح الحديث [٢] نشأ علم مصطلح الحديث لما ظهرت الفرق والبدع؛ للدفاع عن سنة النبي ﷺ ، فقد اهتم العلماء بالحديث وتدوينه والبحث عن رجال إسناده، لحفظ سنة النبي ﷺ ، فظهر علم الجرح والتعديل، وتوثيق الرواة وتضعيفهم حسب حالهم في ذلك. وقد وضع علماء المصطلح مصطلحات لهذا العلم، يجب على كل من أراد دراسة هذا العلم دراستها وفهمها وإلا وقع في الخطأ؛ إذ إن معرفتها مهمة جداً لمعرفة كلام العلماء وفهمه، ومن هذه المصطلحات ما هو مفتاح لعلم المصطلح وبداية الدخول فيه.

стр. 32

أسباب نشأة الإسناد وظهور علم الجرح والتعديل باسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليماً كثيراً. وبعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. كان منشأ ومبدأ ظهور البدع والفرق أحد العوامل والأسباب والدوافع على ظهور الوضع في الحديث؛ لأجل نصر البدعة والهوى، وهذا شأن أصحاب البدع في كل زمان ومكان، فهم يختلقون ويصطنعون الكلام المزين ظاهراً والمزيف باطناً لأجل نصرة بدعتهم وهواهم. وأصحاب الحديث والرواية قبل ظهور الفتن والبدع لم يكونوا يسألون عن الأسانيد، بل ولا يروون الحديث بإسناده، فلما ظهرت الفتن وظهر ما ظهر قالوا: سموا لنا رجالكم، وكما يقول ابن سيرين: لم يكونوا يسألون عن الإسناد فلما ظهرت الفتن قلنا لهم: سمّوا رجالكم، فمن كان من أهل السنة أخذنا حديثه، ومن كان من أهل الأهواء والبدع طرحنا حديثه. وكان هذا هو بداية نشأة علم الجرح والتعديل. فبداية نشأة علم الجرح والتعديل كان بظهور الفتن، وقد حث علماء الصحابة الناس على الاحتياط في حمل الحديث عن الرواة، وألا يأخذوا إلا حديث من يوثق به ديناً وحفظاً، والمقصود بالدين هنا العدالة، والمقصود بالحفظ الإتقان والضبط. وشاع في عرف الناس هذه القاعدة: إن هذه الأحاديث دين، فانظروا عمّن تأخذون دينكم. وهذا ثبت من قول عبد الله بن المبارك ﵀. وروي مثل هذا القول عن مالك وغيره.

стр. 33

ألفاظ الجرح والتعديل لما نشأ علم الجرح والتعديل -وهو علم ميزان الرجال- عدل من الرجال من كان مستحقاً للتعديل بألفاظ معروفة، منها ما هو على صيغة أفعل التفضيل، كأن يقولوا: أوثق الناس، أو أثبت الناس، أو أتقن الناس، ومنها ما هو ذو صيغة مكررة، كأن يقولوا: ثقة ثقة، وهذا التكرار للتأكيد والمبالغة في شدة توثيقه، ومنها ما يجمع فيه بين صفتين، كأن يقولوا: ثقة متقن، أو حافظ ضابط، وغير ذلك من الألفاظ التي تجتمع مع بعضها، وهناك من يقولون فيه: ثقة، أو صدوق، أو مقبول، أو لا بأس به، أو ليس فيه بأس، وغير ذلك من الألفاظ التي تدخل ضمن التعديل. وأما المجروح فيقولون فيه: أكذب الناس، وهذا شر أنواع الجرح، أو أسرق الناس للحديث، أو وضّاع، أو كذّاب، أو منكر الحديث، أو سيئ الحفظ، أو ضعيف، أو متهم، أو يروي المناكير، أو فيه ضعف يحتمل، أو فيه ضعف يسير، أو مستور، أو مجهول. وكل هذه الألفاظ تدخل في باب الجرح. وفرق بين الجرح والجُرح، فالجُرح بضم الجيم هو: ما سال منه الدم، وهو في الأبدان. وأما الجرح بفتح الجيم فهو: المصطلح الذي يُطلق على علم الجرح والتعديل. وهناك من يسأل: ما رأيك في علم الجُرح والتعديل، فهذا لا بد من جرحه وضربه! وظهور الفتن كانت سبباً في نقد الرجال، وهذا النقد للرجال أطلق عليه علم الجرح والتعديل، وهو قطب الرحى بالنسبة للعلوم الحديثية.

стр. 34

الرسول ﷺ هو واضع قواعد علم المصطلح الرسول ﷺ هو الذي وضع أسس وقواعد علم مصطلح الحديث، وأسس قواعد علم الجرح والتعديل، ففي حديث حفصة أم المؤمنين ﵂ أنها لما سألت النبي ﷺ عن أخيها عبد الله بن عمر قال: (إن عبد الله رجل صالح لو كان يقوم من الليل). فعلّق الصلاح هنا على قيام الليل في حق عبد الله. فقوله هنا: (عبد الله رجل صالح) هذا تعديل وتزكية لـ عبد الله بن عمر ﵄ من الرسول ﷺ . وأما الجرح فمستنده من حديث رسول الله ﷺ ما رواه الخطيب بسنده عن عائشة ﵂ أن رجلاً استأذن على النبي ﷺ فقال: (ائذنوا له فبئس أخو العشيرة). ثم لما دخل الرجل -وكان من المنافقين- على النبي ﷺ هش في وجهه وبش وضحك ومازحه ولاطفه، فقالت عائشة: يا رسول الله! رأيتك تصنع ما لم تكن تصنعه من قبل! قال: إن هؤلاء قوم تبغضهم قلوبنا، أي: لأنهم منافقون. وقوله هنا: (فبئس أخو العشيرة) جرح.

стр. 35

مشروعية الجرح والتعديل يقول الخطيب: في قول النبي ﷺ للرجل: (بئس أخو العشيرة) دليل على أن إخبار المخبر -والمخبر هنا بمعنى الناقد- بما يكون في الرجل من العيب على ما يوجب العلم والدين، فشرط إخبارك عن رجل بعيب فيه أن يكون ذلك من باب النصيحة في الدين، ولو لم يكن هذا الغرض من باب النصيحة في الدين فهذه غيبة. يقول: إنه من النصيحة للسائل، وليس ذلك غيبة، إذ لو كان ذلك غيبة لما أطلقه النبي ﷺ ، وإنما أراد ﵊ بما ذكر فيه -والله أعلم- أن يبين للناس الحالة المذمومة منه، وهي النفاق من ذلك الداخل والفحش، فيجتنبوها، لا أنه أراد الطعن والسب. قال: ومما يؤيد ذلك حديث فاطمة بنت قيس حيث قال لها الرسول ﷺ : (أما أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه). وذلك عندما ذهبت فاطمة بنت قيس تستشير النبي ﷺ في أبي جهم ومعاوية اللذين تقدما لخطبتها، فقال: (أما أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه). ولا شك أن هذا نوع جرح، ولكنه هنا من باب النصيحة في الدين. فالنبي ﷺ أراد أن يعلمها ويخبرها بما يعلمه عن أبي جهم فقال: (أما أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه)، أي: فإن قبلتيه على هذا فلكِ ذلك وهو شأنكِ، (وأما معاوية فصعلوك). والصعلوك في اللغة هو من لا مال له. ثم أشار النبي ﷺ عليها بأن تنكح أسامة بن زيد ﵄، فنكحها أسامة بن زيد وكان بينهما خير كثير، أي: أنها قبلت نصيحة النبي ﷺ . ففي هذا الخبر دلالة على أن الجرح جائز في الضعفاء من جهة النصيحة؛ لتجتنب الرواية عنهم، وليُعدل عن الاحتجاج بأخبارهم؛ لأن رسول الله ﷺ ذكر عن أبي جهم أنه لا يضع عصاه عن عاتقه، وأخبر عن معاوية أنه صعلوك لا مال له، ولكن بشرط ألا يتعدى ذلك المستشير. وهنا فرق بين مسألتين، مسألة أن تأتي امرأة تسألك أنه تقدم لها فلان وتسألك عن رأيك فيه، فيجب عليك في هذا الوقت أن تنصحها بما تعلم إن كان يصلح لها أو لا يصلح. ومسألة أن تتبرع وتتصدق بأن تذكر لها ذلك دون أن تسألك، فهذا غير جائز إلا إذا سُئلت، والنبي ﷺ يقول: (المستشار مؤتمن)، أي: أنه أمين على المشورة. ويقول ﷺ : (أيما رجل استشير في مسألة فأشار فيها بأمر وهو يعلم أن الرشد في غير ما أشار به فقد خان). وذكر العيوب الكاملة في بعض نقلة السنن التي يؤدي السكوت عن إظهارها عنهم وكشفها عليهم إلى تحريم الحلال وتحليل الحرام، وإلى الفساد والإفساد في شريعة الإسلام؛ أولى بالجواز وأحق بالإظهار. أي: إذا كانت الغيبة مسموح بها شرعاً فيما يتعلق بزواج رجل من امرأة أو بدخول رجل أو خروجه، فلا شك أنها واجبة من باب أولى في راو يتعلق بنقل الحلال أو الحرام؛ لأنه ربما يأتي وضّاع فيروي رواية تحل حراماً في الأصل، أو تحرم حلالاً في الأصل، فلو لم تكن النصيحة هنا -بمعنى جرحه وإظهار عيبه- واجبة في هذا الموطن فلا شك أنه سيغير الشريعة تماماً، فيجعل الحلال حراماً والحرام حلالاً، فالنصيحة هنا وإظهار العيب من أوجب الواجبات.

стр. 36

من تكلم من الصحابة والتابعين في الرجال وقد تكلم الصحابة بعد النبي ﷺ في الرجال، ومنهم: عبد الله بن عباس، وعبادة بن الصامت، وأنس بن مالك، وعائشة ﵃. ثم تكلم من التابعين إمام التابعين سعيد بن المسيب، وعامر الشعبي، وابن سيرين، وكان كلامه قليلاً؛ لقلة الضعف وندرته في ذلك العصر، فـ ابن سيرين كان أقل الناس كلاماً في الرجال، والكلام في هذا العصر كان كله قليلاً؛ لعدم الحاجة إليه؛ لأنهم في هذه الأزمان لم يكونوا بحاجة إلى علم نقد الرجال. وفي أوائل القرن الثاني الهجري ظهر ما لم يظهر في القرن الأول، وبناء عليه احتيج إلى ما لم يكن موجوداً في القرن الأول.

стр. 37

بداية عصر تدوين الحديث يقول: بدأ عصر تدوين الحديث بأمر الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز على يد محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن زهرة المشهور والمعروف بـ الزهري، أو بـ ابن شهاب الزهري لما طلب إليه أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز أن يجمع السنة، فطلب منه الزهري ﵀ أن يجعل معه أبا بكر بن عمرو بن حزم -وهذا غير أبي محمد بن حزم الظاهري، فالأول متقدم والثاني متأخر- فانطلقا يجمعان السنة، فرحلا وسهرا وتعبا ونسخا، وواصلا الليل بالنهار في جمع السنة بأمر من الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز ﵀. وهنا يقال: إن أول من دون علم الحديث هو الزهري، وهذا تغليب، فهو أول من اشتهر بتدوين وكتابة السنة، وإلا فقد كانت السنة مكتوبة في عصر النبي ﷺ . وقد أخذت كتابة الحديث أهمية عظيمة في عصر النبي ﷺ وبعد عصر النبوة.

стр. 38

اختلاف العلماء في حكم تدوين الحديث اختلف أهل العلم في تدوين الحديث بين مجيز ومانع، وبين مجيز بشروط، وليس هذا وقت تفصيل هذه المسألة. وفي حديث عبد الله بن عمرو حينما قال له أهل قريش: إنك تكتب عن رسول الله وهو بشر يتكلم في الغضب والرضا -وقصدوا بذلك أنه يتكلم بكلام لا يستحق أن يسجّل في وقت غضبه- فأخبر بذلك النبي ﷺ ، فقال النبي ﷺ : (اكتب؛ فوالذي نفس محمد بيده لا يخرج منه إلا حقاً، وأشار إلى فيه ﷺ . وفي حديث أبي شاة الرجل اليمني الذي حج مع النبي ﷺ حجة الوداع لما سمع منه تلك الخطبة المشهورة قال كما في حديث جابر في صحيح مسلم الطويل: (مر لي بكتابة هذا الكلام، فقال النبي ﷺ : اكتبوا لـ أبي شاة). وجاء في حديث آخر النهي عن كتابة الحديث، فقد قال النبي ﷺ : (لا تكتبوا عني ومن كتب عني شيئاً غير القرآن فليمحه). وهذا ظاهره المعارضة للحديثين السابقين، ويمكن الجمع بين هذه الأدلة بأن النهي عن كتابة الحديث كان في صدر النبوة؛ لأن الناس كانوا حديثي عهد بالإسلام وبكلام الله وكلام النبي محمد ﷺ ، فكان هناك خشية وخوفاً من اختلاط الكلام النبوي بكلام الله ، فنهوا في أول الأمر عن التدوين، خاصة وأن العرب كانوا أهل حفظ وضبط وإتقان، فاستغنى الناس في أول الزمان بالحفظ والسماع عن الكتابة والتدوين، ولم يكن هناك حاجة لتدوين الحديث. وقد أذن النبي ﷺ لبعض الصحابة بتدوين ونسخ القرآن الكريم، واتخذ النبي ﷺ له كُتّاباً سموا بكتاب الوحي، قيل: إنهم كانوا أربعة وعشرين رجلاً، وقيل: أربعين رجلاً. فالنبي ﷺ أمر بنسخ القرآن وكتابته، ولكن الخلاف دار حول مسألة تدوين الحديث، فكان المنع ثم الإباحة بعد ذلك، وكان المنع لعلة، ثم لما انتفت العلة أبيحت الكتابة.

стр. 39

دور الإمام الزهري في نشأة علم مصطلح الحديث بعد أن دون ابن شهاب الزهري علم الحديث وجمعه من الصحف وغير ذلك، عُني بوضع أصول علم الحديث الذي كان في عصره، وبيّن حدود الحديث المقبول من المردود، حتى قيل: إنه واضع علم مصطلح الحديث. وقد قلنا: إن علم مصطلح الحديث له جذور في الكتاب والسنة، وله جذور أيضاً عند الصحابة، وكذلك علم الجرح والتعديل له جذور في الكتاب والسنة، وعند الصحابة والتابعين ومن بعدهم؛ لأنهم تكلموا في الرجال. والإمام الشافعي أول من صنّف في علم أصول الفقه في كتاب الرسالة. ولكن لا يقال: إن الشافعي هو أول من فهم وفقه وعرف هذا العلم، فقد كان هذا العلم معروفاً سليقة عند الصحابة والتابعين ومن بعدهم. فهناك فرق بين العلم بالشيء وبين تدوينه، فالعلم بأصول الفقه كان معروفاً عند من تقدم على الشافعي، ولكنه لم يدون كتابة إلا على يد الشافعي، وكذلك علم أصول الحديث كان معروفاً قبل الزهري من زمن فتنة الخوارج والشيعة، والفرق بين زمان الزهري وزمان علي بن أبي طالب طويل، وبناء عليه لا يمكن أن يقال: إن الزهري أول من عرف علم أصول الحديث، ولكن يقال: إنه أول من اعتنى به وسطره كعلم من العلوم.

стр. 40

تشدد الزهري في الإتيان بسند الحديث روى ابن أبي حاتم بسنده إلى الزهري قال: كان ابن شهاب إذا حدّث أتى بالإسناد، ويقول: لا يصلح أن يرقى السطح إلا بدرجة، يعني: لا يمكن أحد يصعد إلى السطح إلا بسلّم. وروى الحاكم بسنده إلى الزهري أنه سمع إسحاق بن أبي فروة يقول: قال رسول الله ﷺ ، قال رسول الله ﷺ ، فقال له الزهري: قاتلك الله يا ابن أبي فروة! ما أجرأك على الله، ألا تسند حديثك؟ تقول: قال رسول الله، قال رسول الله؟ -وبين إسحاق بن أبي فروة وبين النبي ﷺ ما لا يقل عن ثلاث طبقات- تحدثنا بأحاديث ليس لها خطم ولا أزمة؟ أي: ليس لها إسناد.
следующие страницы →