← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 37606

دورة تدريبية في مصطلح الحديث

حسن أبو الأشبال الزهيري

Полный текст (173 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

من تكلم من الصحابة والتابعين في الرجال وقد تكلم الصحابة بعد النبي ﷺ في الرجال، ومنهم: عبد الله بن عباس، وعبادة بن الصامت، وأنس بن مالك، وعائشة ﵃. ثم تكلم من التابعين إمام التابعين سعيد بن المسيب، وعامر الشعبي، وابن سيرين، وكان كلامه قليلاً؛ لقلة الضعف وندرته في ذلك العصر، فـ ابن سيرين كان أقل الناس كلاماً في الرجال، والكلام في هذا العصر كان كله قليلاً؛ لعدم الحاجة إليه؛ لأنهم في هذه الأزمان لم يكونوا بحاجة إلى علم نقد الرجال. وفي أوائل القرن الثاني الهجري ظهر ما لم يظهر في القرن الأول، وبناء عليه احتيج إلى ما لم يكن موجوداً في القرن الأول.

стр. 37

بداية عصر تدوين الحديث يقول: بدأ عصر تدوين الحديث بأمر الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز على يد محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن زهرة المشهور والمعروف بـ الزهري، أو بـ ابن شهاب الزهري لما طلب إليه أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز أن يجمع السنة، فطلب منه الزهري ﵀ أن يجعل معه أبا بكر بن عمرو بن حزم -وهذا غير أبي محمد بن حزم الظاهري، فالأول متقدم والثاني متأخر- فانطلقا يجمعان السنة، فرحلا وسهرا وتعبا ونسخا، وواصلا الليل بالنهار في جمع السنة بأمر من الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز ﵀. وهنا يقال: إن أول من دون علم الحديث هو الزهري، وهذا تغليب، فهو أول من اشتهر بتدوين وكتابة السنة، وإلا فقد كانت السنة مكتوبة في عصر النبي ﷺ . وقد أخذت كتابة الحديث أهمية عظيمة في عصر النبي ﷺ وبعد عصر النبوة.

стр. 38

اختلاف العلماء في حكم تدوين الحديث اختلف أهل العلم في تدوين الحديث بين مجيز ومانع، وبين مجيز بشروط، وليس هذا وقت تفصيل هذه المسألة. وفي حديث عبد الله بن عمرو حينما قال له أهل قريش: إنك تكتب عن رسول الله وهو بشر يتكلم في الغضب والرضا -وقصدوا بذلك أنه يتكلم بكلام لا يستحق أن يسجّل في وقت غضبه- فأخبر بذلك النبي ﷺ ، فقال النبي ﷺ : (اكتب؛ فوالذي نفس محمد بيده لا يخرج منه إلا حقاً، وأشار إلى فيه ﷺ . وفي حديث أبي شاة الرجل اليمني الذي حج مع النبي ﷺ حجة الوداع لما سمع منه تلك الخطبة المشهورة قال كما في حديث جابر في صحيح مسلم الطويل: (مر لي بكتابة هذا الكلام، فقال النبي ﷺ : اكتبوا لـ أبي شاة). وجاء في حديث آخر النهي عن كتابة الحديث، فقد قال النبي ﷺ : (لا تكتبوا عني ومن كتب عني شيئاً غير القرآن فليمحه). وهذا ظاهره المعارضة للحديثين السابقين، ويمكن الجمع بين هذه الأدلة بأن النهي عن كتابة الحديث كان في صدر النبوة؛ لأن الناس كانوا حديثي عهد بالإسلام وبكلام الله وكلام النبي محمد ﷺ ، فكان هناك خشية وخوفاً من اختلاط الكلام النبوي بكلام الله ، فنهوا في أول الأمر عن التدوين، خاصة وأن العرب كانوا أهل حفظ وضبط وإتقان، فاستغنى الناس في أول الزمان بالحفظ والسماع عن الكتابة والتدوين، ولم يكن هناك حاجة لتدوين الحديث. وقد أذن النبي ﷺ لبعض الصحابة بتدوين ونسخ القرآن الكريم، واتخذ النبي ﷺ له كُتّاباً سموا بكتاب الوحي، قيل: إنهم كانوا أربعة وعشرين رجلاً، وقيل: أربعين رجلاً. فالنبي ﷺ أمر بنسخ القرآن وكتابته، ولكن الخلاف دار حول مسألة تدوين الحديث، فكان المنع ثم الإباحة بعد ذلك، وكان المنع لعلة، ثم لما انتفت العلة أبيحت الكتابة.

стр. 39

دور الإمام الزهري في نشأة علم مصطلح الحديث بعد أن دون ابن شهاب الزهري علم الحديث وجمعه من الصحف وغير ذلك، عُني بوضع أصول علم الحديث الذي كان في عصره، وبيّن حدود الحديث المقبول من المردود، حتى قيل: إنه واضع علم مصطلح الحديث. وقد قلنا: إن علم مصطلح الحديث له جذور في الكتاب والسنة، وله جذور أيضاً عند الصحابة، وكذلك علم الجرح والتعديل له جذور في الكتاب والسنة، وعند الصحابة والتابعين ومن بعدهم؛ لأنهم تكلموا في الرجال. والإمام الشافعي أول من صنّف في علم أصول الفقه في كتاب الرسالة. ولكن لا يقال: إن الشافعي هو أول من فهم وفقه وعرف هذا العلم، فقد كان هذا العلم معروفاً سليقة عند الصحابة والتابعين ومن بعدهم. فهناك فرق بين العلم بالشيء وبين تدوينه، فالعلم بأصول الفقه كان معروفاً عند من تقدم على الشافعي، ولكنه لم يدون كتابة إلا على يد الشافعي، وكذلك علم أصول الحديث كان معروفاً قبل الزهري من زمن فتنة الخوارج والشيعة، والفرق بين زمان الزهري وزمان علي بن أبي طالب طويل، وبناء عليه لا يمكن أن يقال: إن الزهري أول من عرف علم أصول الحديث، ولكن يقال: إنه أول من اعتنى به وسطره كعلم من العلوم.

стр. 40

تشدد الزهري في الإتيان بسند الحديث روى ابن أبي حاتم بسنده إلى الزهري قال: كان ابن شهاب إذا حدّث أتى بالإسناد، ويقول: لا يصلح أن يرقى السطح إلا بدرجة، يعني: لا يمكن أحد يصعد إلى السطح إلا بسلّم. وروى الحاكم بسنده إلى الزهري أنه سمع إسحاق بن أبي فروة يقول: قال رسول الله ﷺ ، قال رسول الله ﷺ ، فقال له الزهري: قاتلك الله يا ابن أبي فروة! ما أجرأك على الله، ألا تسند حديثك؟ تقول: قال رسول الله، قال رسول الله؟ -وبين إسحاق بن أبي فروة وبين النبي ﷺ ما لا يقل عن ثلاث طبقات- تحدثنا بأحاديث ليس لها خطم ولا أزمة؟ أي: ليس لها إسناد.

стр. 41

أسباب التوسع في نقد الحديث ونشاط التأليف في الحديث وفي أوائل هذا القرن -أي: القرن الثاني- وجد من يروي المرسل والمنقطع، ووجد الضعفاء من صغار التابعين، وأما في منتصفه فازداد أهل البدع والأهواء، وكثرت الفرق التي منها ما كان داخلاً في الإسلام، ومنها ما هو مارق بالكلية، كالإسماعيلية والباطنية والفاطمية وغيرهم، فإنهم لا حظ لهم في الإسلام البتة، وظهر من يتعمد الكذب، واضطر أئمة الحديث إلى توسيع النظر والاجتهاد في التفتيش عن الرواة، ونقد الأسانيد، فتكلم الإمام مالك في الرواة وصنّف كتاباً سمّاه الموطأ بإذن المنصور، ولم يرو فيه إلا الأحاديث المقبولة -أي: التي ثبتت عدالة رواتها عنده، ولم يأخذوا إلا عن الموثوقين الضابطين للحديث، كما تكلم شعبة بن الحجاج ومعمر وهشام الدستوائي، ثم ابن المبارك وابن عيينة، وكل هؤلاء كانوا من أئمة نقد الرجال والأحاديث.

стр. 42

ازدهار علم الحديث في القرن الثاني والقرن الثالث لم ينته هذا القرن حتى وجد كثير من أنواع علوم الحديث، ووضعت له الضوابط والاصطلاحات، ولكن لم يدون منها إلا شيء قليل، ومعظمها كان محفوظاً في الصدور، كشأن أي علم من علوم الإسلام، إلا ما كتبه الإمام الشافعي من فصول وأبحاث داخل كتابه الرسالة، وشروط الحديث الصحيح، فالإمام الشافعي هو واضع شروط الحديث الصحيح في كتاب الرسالة، وتكلم عن شروط حفظ الراوي والرواية بالمعنى، والمدلِّس وقبول حديثه، كما أنه ذكر في كتابه الأم الحديث الحسن، وتكلم في الحديث المرسل، وناقش الاحتجاج به بقوة، وبحث في غير ذلك من علوم الحديث، ثم نشطت حركة التدوين في القرن الثالث. فالقرن الثاني كان بداية حركة التدوين، ثم نشطت حركة التدوين في القرن الثالث، وخاصة تدوين الحديث، ولو نظرت إلى كتب الحديث والسنن المعتمدة -الصحاح منها والمسانيد والمعاجم- لوجدت أن معظمها صنّف في القرن الثالث، ومنها الكتب الستة، ومسند الإمام أحمد بن حنبل وغيرها من الكتب المعتمدة في الحديث. ثم استقل كل علم بذاته في القرن الثالث، فاستقل علم الفقه، وعلم العقيدة، وعلم الجرح والتعديل، وظهر علم المصطلح. ففي القرن الأول إلى منتصف القرن الثاني لم يكن تقسيم العلوم معروفاً، ولكن بظهور القرن الثالث ظهرت الاستقلالية التامة لكل العلوم بعضها عن بعض. يقول: واستقل كل علم من العلوم استقلالاً متميزاً عن غيره، فصار يقال: علم الحديث الصحيح، وعلم الناسخ والمنسوخ، وعلم الجرح والتعديل، وعلم أصول الفقه، وغير ذلك من العلوم.

стр. 43

تصنيف العلماء لعلوم المصطلح في القرن الثالث الهجري كان القرن الثالث هو عصر الازدهار في التدوين والتصنيف، وقد صُنّفت هذه العلوم مفردة ولكل علم مصنف خاص. فألّف يحيى بن معين كتاب تاريخ الرجال، وأحمد بن حنبل صنّف كتاباً في العلل، والبخاري صنّف في الرجال التاريخ الكبير والأوسط والصغير، ويعقوب بن شيبة السدوسي صنّف المسند المعلل ولم يكمله، بل جمع فيه ما يقارب ثلاثين جزءاً، ولو أكمله لجاء في مائتي مجلد. وهناك من أكثر في هذا القرن من التأليف في أنواع علوم الحديث كـ علي بن المديني، فقد ألّف في فنون كثيرة حتى بلغت مؤلفاته مائتا كتاب، كما وجد في هذا القرن من كان يكتب شيئاً في علوم الحديث، ويجعله كمقدمة لكتاب في الحديث، كالإمام مسلم في صحيحه، ومسلم توفي سنة (٢٦١هـ)، والبخاري توفي سنة (٢٥٦هـ)، والإمام أحمد بن حنبل توفي سنة (٢٤١هـ)، والشافعي ولد سنة (١٥٠هـ)، أي: في نفس العام الذي توفي فيه أبو حنيفة، وتوفي سنة (٢٠٤هـ)، ومالك توفي سنة (١٧٤هـ). ومعرفة تاريخ المواليد والوفيات مهم جداً، فإذا قال شخص: حدثني الشافعي عن الخطيب البغدادي كذبناه؛ لأن التاريخ يكذّبه، وقد دخل رجل على الخطيب البغدادي فقال: حدثني فلان ببلاد الشام، وظل يقول هكذا في عشرين حديثاً، فلما انتهى استدعاه الخطيب البغدادي وقال: من أين أنت؟ قال: أنا من العراق، قال له: ومتى لقيته؟ قال له: سنة (٢٠٤هـ)، قال له: وكيف لقيته وهو قد مات سنة (١٩٨هـ)! أي: أن بين رحلتك وبين موته ست سنوات. فمعرفة التواريخ مسألة مهمة جداً في نقل الأخبار. والإمام مسلم عندما اشترط الصحة في صحيحه شرطه على أصل الصحيح لا على المقدمة؛ لأن المقدمة فيها الضعيف والصحيح، ولما صنّف الإمام مسلم المقدمة لم يقصد بها عين الكتاب، وإنما حث الناس على التحري في نقل الأخبار، وذكر الجرح والتعديل، ومن كان مجروحاً ومن كان معدّلاً، وغير ذلك من المسائل التي ذكرها واهتم بها. يقول: وكذلك ما كتبه الإمام أبو داود في رسالة مستقلة إلى أهل مكة، يصف فيها المنهج الذي سار عليه في تصنيف كتابه السنن. وقد أفرد الإمام مسلم بالتصنيف كتباً مستقلة في أبواب مصطلح الحديث، ككتاب الوحدان، وكتاب الطبقات، وكتاب المخضرمين، وكتاب الكنى والأسماء. ومنهم من كان يجعل تلك الكتابة كملحق لكتاب من كتب الحديث كالإمام الترمذي، فقد جعل كلامه في العلل في آخر كتاب الجامع، وكذا ما بثه من الكلام على أحاديث جامعه في طيات الكتاب من تصحيح وتضعيف وتقوية وتعليل. إن الكلام في مقدمة هذا العلم لا ينتهي، وهذه إنما هي نبذة عن هذا العلم، وعن مراحل تدوينه، واهتمام أهل العلم به بقدر الإمكان.

стр. 44

تعريف المصطلحات الأولية في علوم الحديث لكل علم وفن مصطلحات لابد من معرفتها، ومن لم يعرفها لا يستطيع فهم هذا العلم، فأصحاب الفقه لهم مصطلحات من لم يعرفها فلن يعرف توجيه كلامهم، وأصحاب الحديث لهم مصطلحات تخصهم دون غيرهم، من لم يتعرف عليها لا يستطيع أن يفهم مقصود كلامهم. وهذه المصطلحات بدائيات للعلوم، ومن مصطلحات علم مصطلح الحديث: مسألة السند، ومسألة المتن.

стр. 45

أولاً: السند أولاً: السند: والسند في اللغة: هو ما يعتمد عليه غيره. واصطلاحاً هو: سلسلة الرواة الموصلة إلى المتن. وذلك مثل: قال الربيع: حدثني الشافعي عن مالك قال: أخبرني نافع عن ابن عمر، فسلسلة الرواة هؤلاء تسمى السند.

стр. 46

ثانياً: المتن ثانياً: المتن وهو في اللغة: ما صلب وعلا وارتفع من الأرض، فكل ما ارتفع من الأرض يسمى متناً، والمتن هو: الشيء العالي، ومتن البعير أعلى شيء فيه، ومتن السفينة أعلاها. وفي الاصطلاح هو: ما انتهى إليه السند من الكلام. فالمتن في الاصطلاح هو الكلام، وهذا الكلام مشروط بأن ينتهي إليه السند. فلا نقول: المتن هو كلام النبي ﷺ ؛ لأنه بالإمكان أن يكون كلام النبي أو من دون النبي، ولذلك قلنا: هو ما انتهى إليه السند من الكلام؛ لأنه يمكن أن ينتهي السند إلى الصحابي أو التابعي، فيكون كلام التابعي أو الصحابي متناً ما دام قد روي بإسناد، فنقول: إن هذا الكلام الذي قاله الزهري أو ابن سيرين أو سعيد أو غيرهم كلام روي مسنداً. وبعض أهل العلم اشترطوا ألا يُطلق لفظ سند إلا إذا كانت طبقات الإسناد لا تقل عن ثلاث طبقات.

стр. 47

ثالثاً: الإسناد ثالثاً الإسناد: بعض العلماء يقولون: الإسناد مرادف للسند، والبعض الآخر يقولون: بل الإسناد يختلف عن السند، فالسند هو سلسلة الرواة، والإسناد حكاية السند، أي: رواية السند بالتحديث أو بالإخبار أو بالعنعنة، أو بالإجازة أو بالوجادة، أو بغير ذلك من صنوف الرواية أو التحمل والأداء. فالإسناد هو: تبيين الحال التي روي عليها الحديث، وهل سمعها الراوي الذي رواها أم رواها إجازة؟ والإجازة مثل أن يبعث بكتاب له إلى آخر ويقول له: خذ هذا الكتاب فقد أجزتك أن ترويه عني. والسند والإسناد في الواقع العملي سواء، وهذا هو الغالب من أقوال أهل العلم، فتجدهم عند الحكم على الحديث يقولون: هذا الحديث سنده صحيح، وأحياناً يقولون: هذا الحديث إسناده ضعيف.

стр. 48

رابعاً: المسنَد رابعاً: المسند، وهو لغة: اسم مفعول من أسند. وأما في الاصطلاح فله ثلاثة معان: المعنى الأول: هو كل كتاب جُمع فيه مرويات كل صحابي على حدة، فإذا جمعت مرويات أبي هريرة عن النبي ﷺ في كتاب واحد سمي مسند أبي هريرة، كما في مسند أحمد. والمعنى الثاني: هو الحديث المرفوع المتصل سنداً، أي: المروي بالإسناد. والمعنى الثالث: هو بمعنى السند، يعني: أن المسند والسند بمعنى واحد.

стр. 49

خامساً: المسنِد خامساً: المسنِد: وهو من يروي الحديث بإسناده، كـ أحمد بن حنبل وأبي داود والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي، وكالمصنفين الذين صنفوا الكتب المسندة، فكل مصنف من هؤلاء مسنِد؛ لأنه يروي الحديث بإسناده. ولا يشترط في المسنِد أن يكون عالماً بما يرويه؛ لقول النبي ﷺ : (فرب حامل فقه ليس بفقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه). ومن نوادر طلبة الحديث التي تروى: أن امرأة دخلت الجامع الكبير في الشام، فسألت التلاميذ عن مسألة في الطلاق، فدلوها على الشيخ فسألته فقال لها: لقد وقع الطلاق بدليل قول النبي ﷺ كذا وكذا، فلما سمع الطلبة هذا الحديث قالوا: هذا الحديث رواه فلان عن فلان، وفلان عن فلان عن فلان، وأتى كل واحد منهم بإسناده، ولم يفهموا فقه الرواية.

стр. 50

شبهة أعداء الإسلام في عدم وجود علاقة بين أهل الحديث وبين أهل العفة والرد عليهم وأعداء الإسلام يستدلون بهذه الروايات وأمثالها وأشكالها على أن أهل الحديث لا علاقة لهم بالفقه، كما أن أهل الفقه لا علاقة لهم بالحديث، فمن قال هذا القول فهو جاهل جهلاً مطلقاً، وليس له دراية بأهل العلم، فالإمام أحمد بن حنبل كان محدثاً فقيهاً، وكذلك الشافعي ومالك والحكم بن عتيبة وإبراهيم النخعي وسفيان الثوري، وكان الأئمة العظام أئمة في السنة وكانوا فقهاء. وقد قيل: إن للفقه أكثر من مائتي مذهب، وليس أربعة أو خمسة كما هو مشهور عند الناس، ولكن هذه المذاهب الأربعة لما اشتهرت عن طريق تلاميذ هؤلاء الأئمة المتبوعين وكان هؤلاء التلاميذ من أهل الحديث، دخل فقههم داخل هذه المذاهب، فلم يكن هناك حاجة لتمييز مذهب كل منهم على حدة. وإذا كانت المذاهب أربعة ويحدث هذا القلق في الأمة كلها ما بين مقلّد جاهل أحمق دون نظر، وما بين مجتهد ومجتهد مطلق وغير ذلك؛ فما بالك لو كانت المذاهب مائتي مذهب، كيف سيصير حال الأمة؟

стр. 51

اجتهاد أهل العلم في مصطلحاتهم لا يسأل أهل العلم عن مصطلحاتهم التي اصطلحوا عليها، فمصطلحهم راجع إلى اجتهادهم في المسألة الواحدة، أو في العلم بعينه، فلا يقال: ما هو الدليل على أن أمير المؤمنين هو من أحاط بالسنة؟ لأنا نقول: إن هذا مصطلح اصطلح عليه أهل العلم في هذا الفن، وليس عليه دليل من الكتاب أو السنة، وإنما هو اجتهاد، ولأهل كل فن مصطلحات وأصول تعارفوا عليها. ولو سأل شخص النجار مثلاً: ما هو الدليل على أن اسم هذه الآلة (شاكوش)؟ لكان السائل أحمق، فالنجارون اصطلحوا على أن هذا اسمه (شاكوش)، كما اصطلحنا اليوم على أن الرغيف إذا وضع فيه شيء يسمى (سندويتش)، والمجمع اللغوي عجز عن أنه يأتي بكلمة واحدة تساوي نظيراتها في اللغات الأخرى لكلمة (سندويتش)، بل قال: هو كل مشقوق وضع في وسطه شيء.

стр. 52

سادساً: المحدث والحافظ وأمير المؤمنين والحاكم سادساً: المحدث، وهو: كل من أتقن علوم الحديث رواية ودراية، وعرف الرواة في كل طبقة وفي كل عصر، واهتم بجمع الروايات والنظر فيها تصحيحاً وتضعيفاً وحفظاً وغير ذلك. والحافظ قيل: هو من حفظ من السنة ثلاثمائة ألف حديث. وأمير المؤمنين قيل: هو من حفظ من السنة ثمانمائة ألف حديث. والحاكم قيل: هو من أحاط بالسنة. ومن أمراء المؤمنين في علم الحديث البخاري وعلي بن المديني ويحيى بن معين وأحمد بن حنبل وغيرهم، وآخرهم إمارة في الحديث هو الحافظ ابن حجر. وأما مصطلح الحاكم فهو مصطلح دخيل، وفي النفس منه شيء، لم يعرفه المتقدمون، والخلاف فيه كثير.

стр. 53

سابعاً: الحديث سابعاً: الحديث: وهو في اللغة: الجديد أو الكلام. يقال: هذا شيء حديث، أي: جديد ومحدث، وقال تعالى: ﴿مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى﴾ [يوسف:١١١]، أي: ما كان كلاماً يفترى. فالحديث في اللغة يحمل على معنى الجديد أو الكلام. وفي الاصطلاح: ما أضيف إلى النبي ﷺ من قول، أو فعل أو تقرير، أو صفة خلقية أو خلقية. وهذا التعريف متفق عليه. والحديث على هذا التعريف إما أن يكون حديثاً قولياً، أو فعلياً أو تقريرياً، أو وصفياً. فالحديث القولي هو: ما قال فيه الصحابي: قال رسول الله ﷺ كذا وكذا، كقول النعمان بن بشير: قال رسول الله ﷺ : (إن الحلال بيّن وإن الحرام بيّن)، الحديث. وأما الحديث الفعلي فهو ما كان من فعل النبي ﷺ ، كحديث علي بن أبي طالب: (لما توضأ من ماء زمزم قام فوقف، وشرب ما فضل منه، وقال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ يفعل).

стр. 54

تقديم الحديث القولي على الحديث الفعلي عند التعارض والحديث القولي أقوى من الحديث الفعلي، وهو عام للأمة ما لم يأت ما يقيده أو يخصصه. وهذا من أحد المرجحات بين الأحاديث، فإذا وقع التعارض بين دليلين نظرنا ما إذا كان أحدهما ضعيفاً أو قولياً. والمرجحات تبلغ أكثر من خمسين مرجحاً. وأما الحديث الفعلي فقد يكون خاصاً بالنبي ﷺ ، وليست أفعال النبي ﷺ تشريعاً للأمة إلا إذا كانت في مجال التشريع لا الخصوصية، فإن كانت في مجال الخصوصيات -أي: فيما يمس شخص النبي ﷺ فلا شك أنها مقصورة عليه، وهذا أيضاً يحتاج إلى دليل. والشاهد: أن الحديث القولي أقوى من الحديث الفعلي، فعند التعارض يقدّم القولي على الفعلي إذا لم يكن الجمع بينهما ممكناً، فإعمال الدليلين خير من إعمال أحدهما وإهمال الآخر، وإعمال الدليلين أي: أخذهما والجمع والتأليف بينهما، فالعمل بهما خير من اختيار أحدهما ورد الآخر. ومثال ذلك: قول النبي ﷺ : (من شرب قائماً فليستقئ)، وهذه الرواية فيها نظر، وهي في صحيح مسلم. ولما رأى رجلاً يشرب قائماً قال: (أتحب أن يشرب معك الهر؟ قال: لا يا رسول الله! قال: والذي نفس محمد بيده لقد شرب معك من هو شر منه، الشيطان). وروي الشرب قائماً من فعل علي بن أبي طالب ورفع هذا الفعل إلى النبي ﷺ . فنقول: إن القولي مقدم على الفعلي، والأحاديث التي ورد فيها النهي عن الشرب قائماً أحاديث قولية، والأحاديث التي ورد فيها جواز الشرب فعلية، فنقدم الأحاديث القولية التي تنهى عن الشرب قائماً على الفعلية التي تجيز ذلك، والجمهور قالوا بكراهة الشرب قائماً كراهة تنزيه، والظاهرية قالوا بالحرمة، وتبعهم على ذلك شيخنا الشيخ ناصر الدين الألباني. واستدل الظاهرية الذين قالوا بحرمة الشرب قائماً بأن النبي ﷺ إنما شرب قائماً في موسم الحج، فلعله لم يستطع أن يشرب قاعداً من الزحام فشرب قائماً، وقالوا: وهذا فعل منه ﷺ وليس قولاً، فقوله للأمة بالتحريم وفعله لنفسه بالجواز، وهذا مقصور عليه هو دون الأمة. فأولوا الحديث الفعلي في الشرب بأنه مخصوص بالنبي ﷺ ، ولكن هذا التأويل يرد عليه فعل علي أنه قام فشرب، ولو كان مخصوصاً بالنبي ﷺ لكان علي بن أبي طالب أفهم لهذه الرواية منهم. وكانت القرب عند العرب تعلق على الأشجار والجدران حتى لا تمسها الهوام والدواب وغيرها، وكانوا يشربون منها قياماً للعذر، إذ كان يتعذّر عليهم فك الحبل أو قطعه حتى يجلسون للشرب ثم يربطونه مرة أخرى؛ لأن الحبل لو انقطع مراراً في اليوم الواحد فسينتهي بكامله، وهذا عذر يبيح الشرب قائماً. والراجح فيها جواز الشرب قائماً مع الكراهة، وهذا رأي الجمهور.

стр. 55

السنة التقريرية وأما التقرير: فهو أن يرى الرسول ﷺ أحد الصحابة يعمل شيئاً ويسكت عنه؛ لأن النبي ﷺ لا يسكت على باطل قط، فإذا رأى صحابياً يفعل فعلاً وسكت عليه نُسب هذا الفعل تقريراً إلى النبي ﷺ ؛ لأنه لو لم يكن مباحاً أو جائزاً لأنكره النبي ﷺ أشد الإنكار، فالنبي ﷺ منزّه عن الباطل، فما فُعل أمامه أو قيل وهو يسمع فلم ينكر؛ دل على رضاه ﷺ عنه، فينسب إليه من باب أنه سنة؛ لأنه رآه أو سمعه وأقره ولم يغيره، ولو كان باطلاً لغيره ولم يقره، وهذا كحديث لعب الحبشة، فقد جاء في حديث عائشة عند البخاري ومسلم: أن الحبشة كانوا يلعبون بالحراب في المسجد، فوقفت عائشة خلف النبي ﷺ تنظر إليهم، وأسندت ذقنها على كتف النبي ﷺ ، والنبي ﷺ يسترها، ثم سألها: أما يكفيك؟ فقالت: لا، فانتظر حتى قالت: كفى يا رسول الله! ودخلت بيتها. فهذا إقرار من النبي ﷺ لهذا الفعل؛ لأنه أقر عائشة في أن تنظر إلى الحبشة، وكذلك هو إقرار للحبشة بجواز اللعب داخل المسجد.

стр. 56

السنة الوصفية وأما الصفة فإما أن تكون خلقية، أي: في أصل خلقة النبي ﷺ ، أو خُلُقية، أي: في صفات النبي ﷺ المتعلقة بخُلُقه. وقد قال الله : ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤]. وهذه الآية لا يقال فيها سنة خلقية ولا خُلُقية. وفي حديث عائشة: (كان خُلُقه القرآن). وهذا الحديث ينسب إلى النبي ﷺ ؛ لأنه يصف خُلُق النبي ﷺ . وأما الأحاديث الخلقية كالأحاديث التي رويت في شمائل ووصف بدن النبي ﷺ وشعره، وطوله، وأنه لم يكن بالطويل ولا بالقصير، ووصف منكبيه وذراعيه ووجهه، وأنه كان إذا ضحك انبسط وجهه، وإذا غضب أحمر وجهه كأنما فقئ في وجهه حب الرمان وغير ذلك.

стр. 57

ثامناً: السنة ثامناً: السنة، وهي في اللغة: الطريقة، سواء كانت محمودة أو مذمومة، والدليل على ذلك حديث النبي ﷺ : (من سن في الإسلام سنة حسنة، فله أجرها وأجر من عمل بها، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً، ومن سن في الإسلام سنة سيئة، فعليه وزرها ووزر من عمل بها، لا ينقص ذلك من أوزارهم شيئاً). ولكنها عند الإطلاق تنصرف إلى السنة المحمودة، كإطلاق الماء في الفقه يقصد به الماء المطلق، أي: الذي اجتمعت فيه شروطه وصفاته، فلو قيد خرج عن الماء المطلق، مثل ماء الورد. وكذلك السنة إذا أطلقت قصد بها الطريقة المحمودة، فإذا قيل: هذه سنة سيئة دل ذلك على عدم قصد الأصل، وإنما يقصد التقييد. أما السنة في الاصطلاح فهي: ما أضيف إلى النبي ﷺ من أقواله وأفعاله وتقريراته والصفات الخلقية والخُلُقية. فهي مرادفة للحديث. وبعض العلماء أدخلوا في مسمى السنة حياة النبي ﷺ وزمنه وأيامه قبل البعثة وبعدها، وأدخلوا فيها المغازي والسير، بل وأدخلوا فيها ما نُسب إلى الصحابة والتابعين من الأقوال والأفعال والسنن، وغير ذلك. فليس هناك كبير فرق بين الحديث والسنة في مصطلح المحدثين. والسنة تطلق عند الفقهاء على ما يثاب فاعله ولا يعاقب تاركه. فهي بمعنى المندوب. والمندوب هو: ما طلبه الشارع من المكلف طلباً غير جازم. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، وصل اللهم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه وسلم تسليماً كثيراً.

стр. 58

دورة تدريبية في مصطلح الحديث [٣] ينقسم الحديث أقساماً كثيرة باعتبارات مختلفة، فهو ينقسم باعتبار طرقه إلى متواتر وآحاد، فالمتواتر قطعي الورود، ويشترط لاعتباره متواتراً عدة شروط، ولكن لا تعتبر الثقة في رواته لكثرتهم، وذلك بخلاف الآحاد.

стр. 59

تعريف الحديث والأثر والخبر باسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله؛ صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليماً كثيراً. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله. وبعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. الحديث لغة: الجديد أو الكلام. واصطلاحاً: هو ما أضيف إلى النبي ﷺ من أقواله، وأفعاله، وتقريراته، وصفاته الخلقية والخُلُقية. والمتن: هو ما انتهى إليه السند. والسنة ترادف الحديث على بعض آراء أهل العلم. وبعض العلماء يزيدون في تعريفها ويقولون: هي ما أضيف إلى النبي ﷺ من أقواله وأفعاله وتقريراته والصفات الخلقية والخلقية، وما أضيف إلى الصحابي والتابعي، وكذلك ما روي من أخباره ﷺ قبل بعثته، وكذا مغازيه وأيامه وغير ذلك. وهي في اللغة: الطريقة، وعند الإطلاق يراد بها الطريقة المستقيمة، فإذا قُيّدت خرجت عن هذا الإطلاق، مثل قوله ﷺ (من سن في الإسلام سنة حسنة). وقوله: (من سن في الإسلام سنة سيئة). وتطلق السنة عند الفقهاء على ما يقابل البدعة، فيقال: هذا سني في مقابلة البدعي، وهذا أمر مسنون في مقابلة أمر آخر غير مسنون.

стр. 60

تعريف الأثر الأثر في اللغة هو: بقية الشيء، وهو العلامة الفرعية التي تدل على أصل الشيء وحقيقته، مثل أثر الرجل في الطين، فهو فرع للأصل الحقيقي الذي هو القدم، أو هو أثر للمؤثر الحقيقي وهو القدم، فالأثر يدل على المسير، والبعرة تدل على البعير، فلو وجدت بعراً في طريق فإنك تعرف أنه قد مر من هذا الطريق بعير. وأما في الاصطلاح فقد اختلف أهل العلم اختلافاً عظيماً، فمنهم من يقول: الأثر اسم مفعول بمعنى المأثور، وكل مأثور يطلق عليه اصطلاحاً أثر، وهذا المأثور إما أن يكون مرفوعاً إلى النبي ﷺ أو موقوفاً على الصحابي، أو مقطوعاً على التابعي. وهذا قول المحدثين. وهو بهذا المعنى مرادف للحديث والسنة؛ لأن جمهور المحدثين يرون أن السنة والأثر والحديث بمعنى واحد. وخالفهم طائفة قليلة من المحدثين والأصوليين والفقهاء، فقالوا: إنهما متغايران، أي: متباينان ومختلفان: فالحديث: هو ما كان من قول النبي ﷺ وحده دون سواه. والأثر: ما أضيف إلى الصحابي من قوله أو فعله. أي: أن الحديث هو المرفوع من قول النبي ﷺ ، والأثر هو الموقوف من قول الصحابة. والاختلاف بين العلماء في الحديث والأثر، وهل معناهما واحد أو مختلف خلاف لفظي ليس له أثر في الواقع، مثل الاختلاف في الفرض والواجب بين الجمهور والأحناف، فالأحناف انفردوا عن الجمهور بقولهم: إن الواجب ما ثبت بدليل ظني، والفرض ما ثبت بدليل قطعي، ثم تجد الأحناف أنفسهم عند التطبيق العملي يمثّلون للفرض بالوتر، ويقولون في كتب فروعهم عن الوتر: إنه فرض، وعن السنن: إنها واجبة. وممن فرق بين الحديث والأثر الإمام الطحاوي، ولكنه خالف هذا المبدأ في كتبه، ففي كتابيه مشكل الآثار وشرح معاني الآثار أورد المرفوع والموقوف، مع أنه عنون لهما بالآثار، ولو كان الأثر ما كان موقوفاً لكان يجب عليه ألا يورد في هذا الكتاب إلا ما كان موقوفاً فقط، ولكنه خالف ذلك وأورد في كتابيه الحديث المرفوع والأثر الموقوف، وتنازل عن مصطلحاته، وأهل العلم عند العمل يخالفون مصطلحاتهم، فينبغي علينا أن نكون على دراية وعلم بمصطلحات أهل العلم حتى لا نقع في محذور.

стр. 61

تعريف الخبر الخبر في اللغة: هو النبأ، ﴿قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا﴾ [التحريم:٣]، أي: من أخبرك بهذا؟ وفي الاصطلاح: اختلف العلماء في تعريفه إلى ثلاثة أقوال: الأول: أنه مرادف للحديث، وأن معناهما واحد، وهذا رأي جمهور المحدثين. الثاني: الحديث ما جاء عن النبي ﷺ ، والخبر ما جاء عن غيره. أي: أن الخبر هنا يطلق على الأثر بالمعنى الثاني، أي: ما جاء عن الصحابة والتابعين ومن دونهم، أي: أن هناك فرقاً بين الحديث وبين الخبر، فالحديث ما كان مرفوعاً، والخبر ما كان موقوفاً أو مقطوعاً أو دون لك. الثالث: الخبر أعم من الحديث، فالحديث هو ما جاء عن النبي ﷺ ، والخبر ما جاء عنه أو عن غيره. فالحديث هنا يدخل ضمن الخبر. فالحديث ما كان مرفوعاً إلى النبي ﷺ ، والخبر ما جاء عن النبي ﷺ وعن غيره ﷺ . وهذا هو ما رجّحه الحافظ ابن حجر في نزهة النظر، فقد قال: والخبر إما أن يروى بطرق بلا حصر عدد معين، أو بحصر بما فوق الاثنين أو بهما أو بواحد، فالأول هو المتواتر المفيد للعلم اليقيني، والثاني هو المشهور، والثالث العزيز، والرابع الغريب.

стр. 62

العلاقة بين الخبر والأثر قال بعض العلماء: الخبر والأثر بمعنى واحد، أي: مترادفان، وقال بعضهم: الأثر يطلق على الأثري، أي: المشتغل بعلم الأثر، والخبر يطلق على الرجل الإخباري، أي: الذي يهتم بأيام الناس وسيرهم ومغازيهم وأحوالهم، فنقول لمن يتكلم عن التاريخ الإسلامي من حيث المغازي والسير والأيام والغزوات وغير ذلك: هذا رجل إخباري، وأما من يهتم بالحديث رواية ودراية فنقول عنه: رجل أثري، فهم يخالفون بين المصطلحين.

стр. 63

أقسام الحديث

стр. 64

أقسام الحديث باعتبار طرقه الحديث ينقسم باعتبارات عدة، فينقسم باعتبار عدد الطرق إلى قسمين: قسم روي بطرق بلا حصر عدد معين، وقسم روي بطرق محصورة. ومعنى الطريق: السند الذي روي به الحديث، فإذا قال الإمام البخاري: عن فلان عن فلان عن فلان عن ابن عمر فهذا يسمى سنداً وإسناداً وطريقاً ووجهاً. ولو روي الحديث من وجهين فإنا نقول: هذا الحديث روي بإسنادين، ومن طريقين، وبسندين. والوجه هو: السند والطريق الموصلة إلى المتن. وهذه الطرق إن كانت كثيرة جداً -أي: إن كان هذا الحديث رواه عن النبي ﷺ عشرون من الصحابة أو ثلاثون أو أكثر، وكل صحابي أخذ عنه واحد أو اثنين أو ثلاثة، وكل واحد من هؤلاء الثلاثة أخذ عنه خمسة أو ستة أو سبعة أو عشرة، ثم في الطبقة الرابعة عدد أكثر من ذلك، وفي الخامسة أكثر إلى أن بلغ المصنفين الذين أوردوا هذا الحديث في مصنفاتهم فنقول: إن هذا الحديث قد روي بلا حصر عدد معين، ونقول: إن هذا الحديث قد روي بطرق كثيرة. والحديث الذي على هذه الصفة نقول عنه: إنه حديث روي بلا حصر عدد معين. وإذا أتى الحديث من طريق واحد أو طريقين أو ثلاثة، فالمسألة سهلة؛ لأن طرقه محصورة، والعبرة بأقل طبقة، فإذا كان في طبقة من طبقات الحديث واحد فقط كـ عبادة بن الصامت إذا كان هو يروي الحديث وحده عن النبي ﵊، أو معاذ بن جبل أو أبي ذر -ولا يمنع ذلك أن يكون سمعه كثرة من الصحابة ولم يرووه- فهذا الحديث قد روي في هذه الحالة بطرق محصورة، ولو أخذه عن هذا الصحابي ألف تابعي؛ لأن إحدى طبقات الإسناد قليلة جداً، وليس فيها إلا صحابي واحد، وكذلك لو رواه اثنان من الصحابة فهو أيضاً محصور باثنين، وكذلك بثلاثة فقط. وما روي بطرق بلا حصر عدد معين فهو المتواتر، وأما ما روي بحصر عدد معيّن فهو الآحاد.

стр. 65

أقسام الحديث باعتبار قبوله ورده التقسيم الثاني: باعتبار القبول والرد، ينقسم إلى مقبول ومردود. والمقبول أربعة أنواع: صحيح لذاته، أو لغيره، وحسن لذاته، أو لغيره. وأما المردود فهو: الضعيف بجميع أنواعه.

стр. 66

أقسام الحديث باعتبار صحته وضعفه التقسيم الثالث: باعتبار الصحة والضعف، فينقسم إلى ثلاثة أقسام: صحيح، وحسن، وضعيف.

стр. 67

الحديث المتواتر التواتر لغة: التتابع، يقال: تواتر القوم: أي جاء بعضهم إثر بعض، وتواتر الأنبياء أي: خلف بعضهم بعضاً في دعوة الناس إلى الله، وتواتر المطر: أي نزل بغزارة بعضه إثر بعض. وفي الاصطلاح: ما رواه عدد كثير في كل طبقة من طبقاته، بحيث تحيل العادة تواطؤهم على الكذب.

стр. 68

شروط الحديث المتواتر وشروط التواتر أولاً: كثرة العدد، أي: أن يرويه عدد كثير في كل طبقة من طبقاته. الشرط الثاني: أن تكون هذه الكثرة في كل طبقة من طبقات السند. الشرط الثالث: أن تحيل العادة تواطؤهم على الكذب. الشرط الرابع: أن يكون مستند روايتهم الحس لا العقل. وهذه الشروط أخذت من الحد، والشرط الرابع أخذ من كلمة (روي) في الحد، وهي تفيد الحس لا العقل، كقول الراوي: سمعت أو أنبأني فلان أو أخبرني فلان.

стр. 69

اختلاف العلماء في العدد الذي يقع به التواتر فأما الشرط الأول أن يرويه عدد كثير فقد اختلفوا في تحديد مسألة الكثرة، واختلافهم كله مردود. فمنهم من يقول: لا بد أن يكونوا سبعين في كل طبقة على الأقل، ويستشهدون على شرطهم هذا بقول الله : ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَاتِنَا﴾ [الأعراف:١٥٥]. والدليل المراد الاحتجاج به لابد فيه من شرطين: الشرط الأول: أن يكون صحيحاً. الشرط الثاني: أن يكون صريحاً. فلا تحتج على مسألة من المسائل التي بينك وبين الخصم بدليل ضعيف أو موضوع؛ لأنه لا ينفع في الاحتجاج؛ لأنه ضعيف، ولا بدليل غير صريح، مثل أن يستدل بهذه الآية على تحديد شرط التواتر بسبعين؛ لأنا نقول: إن الآية تتكلم عن مسألة أخرى، وليست شرطاً في مسألة. فالآية لا تدل صراحة على ما استدلوا به، وليس فيها تصريح بأن أقل عدد التواتر سبعون، فالاستدلال بهذه الآية مرفوض تماماً، وليس فيها حجة على هذا الشرط؛ لأنه غير صريح، وهو وإن كان قرآناً متواتراً، إلا أنه ليس حجة هنا في محل النزاع. إذاً: شرط الحجة أن تكون صحيحة وصريحة، فإن كانت صريحة دون أن تكون صحيحة فلا ينفع الاستشهاد بها، وإن كانت صحيحة دون أن تكون صريحة لم ينفع الاستشهاد بها أيضاً، بل لابد أن تكون صريحة وصحيحة في الوقت نفسه. ومنهم من اشترط أقل من هذا العدد، ومنهم من اشترط أكثر من ذلك، فمنهم من اشترط مائة وعشرين، ومنهم من نزل إلى اثني عشر، ومنهم من قال عشرة، ومنهم من قال أقل من ذلك، ومنهم من قال أكثر، وكل منهم استند إلى دليل ليس له أي علاقة بالمسألة، وأدلتهم صحيحة غير صريحة، فلما فقد الدليل أحد شرطيه رددناه لعدم صلاحيته للاحتجاج في المسألة المتنازع فيها. والسيوطي ﵀ اختار أن أقل عدد التواتر عشرة، واختياره أيضاً ليس عليه دليل، وهو مردود. ثم أتى علماء التنقيب والبحث والترجيح وقالوا: إن العدد الذي يفيد التواتر هو العدد المشعر يقيناً بصحة الرواية، وبإفادتها العلم اليقيني الضروري الذي يضطر الإنسان إلى تصديقه دون بحث أو نظر فيه، وذلك مثل أن يتفق مالك وأبو حنيفة والشافعي وأحمد بن حنبل على الاستدلال بحديث على مسألة فقهية، فنعلم يقيناً على أن هذا الحديث صحيح، وهذا أمر مشعر بأنه صحيح، فإتيانه من طريق كبار المحدثين وعظمائهم يشعر بثبوت هذا الحديث يقيناً، وإفادته العلم اليقيني الضروري الذي يضطر الإنسان إلى تصديقه دون نظر أو بحث فيه. والحديث المتواتر يفيد العلم اليقيني الضروري عند الخاصة والعامة، ولا يحتاج إلى بحث أو نظر لا من قبل العامة ولا الخاصة. والقول الراجح في اشتراط العدد في التواتر هو قول المحققين، وهو أن يأتي الحديث من طرق مشعرة بثبوته يقيناً، وتفيد العلم اليقيني الضروري الذي يضطر الناظر فيه أن يصدقه ويقبله، ويفيد العلم اليقيني عنده دون نظر أو استدلال أو بحث فيه، وهذه الطرق لم تنزل في أي طبقة عن حد الحصر.

стр. 70

العبرة في كثرة الرواة بأقل طبقة من طبقات الإسناد العبرة في الحديث بأقل طبقة، فلو كانت أقل طبقة من طبقات الحديث فيها راو واحد فقط، كأن يروى من طريق صحابي واحد فهو الغريب، وهو أحد أقسام الآحاد، وإن كان أقل طبقاته اثنين فهو العزيز، أو ثلاثة فهو المشهور، وهما من قسم الآحاد. فلو روى الحديث عن النبي ﵊ مائة صحابي، ثم أخذه عن مائة مائتان، وعن مائتين ثلاثمائة، ثم رواه عنهم واحد فقط، ثم أخذه عنه عدد كثير فهو آحاد، ولا يمكن الجزم بصحته؛ لأن الراوي الواحد يجري عليه الخطأ والنسيان والسهو، ولو كان راوياً صادقاً وحافظاً متقناً وضابطاً لكل ما يتكلم به فيمكن أن يخطئ أو يخيّل إليه أو ينسى ولو مرة، فلا يمكن الجزم أن خبره صدق؛ لأنه يعتريه الخطأ والنسيان ولو كان صحابياً. وكون الصحابي عدلاً فهذه المسألة متعلقة بديانة الصحابي، فالصحابة في دينهم غير متهمين قطعاً، ومن اتهمهم فهو المتهم، ولكن الصحابي بشر يخطئ ويصيب، وينسى ويحفظ، فمثله مثل غيره من الأمة في مسألة الضبط والنسيان، فهما يجوزان عليه كما يجوزان على غيره، وهو أعدل ممن أتى بعده؛ هذا هو ديننا، وهو عقيدة أهل السنة والجماعة. ويمكن أن يسمع الحديث الجمع الكثير ولا يرويه منهم إلا واحد، فقد كان عدد المسلمين في حجة الوداع مائة وأربعة عشر ألفاً، وخطب فيهم ﷺ خطبة الحاج المعروفة التي أوصى فيها بالدماء والأموال والأعراض، وقال فيها: (يا معشر المسلمين! في أي يوم أنتم؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: أليس هذا يوم النحر؟ في أي شهر أنتم؟ قالوا: الله ورسوله أعلم). ثم قال: فإني أوصيكم بكذا وكذا وكذا، فأوصاهم بالدماء والأموال والنساء وغير ذلك، فهل يتصور أنه لم يحضر هذه الخطبة غير جابر بن عبد الله الأنصاري؟ فهو الذي رواها في صحيح مسلم، والصحابة كلهم لم يكتبوها ولا رووها، وإنما رواها جابر بن عبد الله فقط، فهذه الخطبة من حيث السماع حصل لها التواتر في درجة الصحابي، وأما في الرواية فلم يحصل لها تواتر. وكذلك حديث: (إنما الأعمال بالنيات) على افتراض أنه لم يسمعه من النبي ﵊ إلا عمر بن الخطاب، فإذا كان عمر قد قال هذا الحديث على المنبر في الخطبة يوم الجمعة في خلافته فهل يتصور أنه لم يكن في المسجد غير علقمة بن وقاص الليثي؟ فقد كان المسجد ممتلئاً، ولكن لم يروه عن عمر إلا ابن وقاص الليثي، ولم يروه عن الليثي إلا محمد بن إبراهيم التيمي، ولم يروه عن التيمي إلا يحيى بن سعيد الأنصاري، ثم أخذه عن يحيى ما بين المائتين إلى السبعمائة نفر على اختلاف الروايات. وهذا الحديث رغم أنه مشهور جداً إلا أننا لا نستطيع أن تقول عنه: إنه متواتر، فهو آحاد؛ لأن التفرد حصل له في أربع طبقات، في طبقة عمر ﵁، وطبقة الليثي، وطبقة التيمي، وطبقة يحيى بن سعيد الأنصاري، ثم حصل له التواتر في الطبقة الخامسة. فالحديث آحاد؛ لأنه فقد الشرط الأول -الذي هو كثرة الطرق- في الطبقة الأولى والثانية والثالثة والرابعة، فإن حصل له بعد ذلك ألف تواتر فلا يخرج عن كونه حديث آحاد؛ لأن العبرة بأقل الطبقات. وكل طريق بمفرده آحاد، وبجمع هذه الطرق من كتب السنة ستجد أن كل طريق غير الطريق الآخر، ثم بالاجتهاد وجمع طرق وروايات الحديث من كتب السنة نعرف أن الحديث متواتر أم غير متواتر، لا أن نذهب إلى كتاب البخاري فقط ونظن أننا سنجد للحديث فيه خمسين طريقاً أو مائة أو مائتين في مكان واحد، فالمسألة ليست هكذا، ولا يمكن أن تكون هكذا. فمثلاً حديث: (من كذب علي متعمداً) يمكن أن يرويه البخاري مرة واحدة، ومسلم مرة واحدة من طريق ثان، وأبو داود من طريق ثالث، والترمذي من طريق رابع، والنسائي من طريق خامس، وابن ماجة من طريق سادس، والبيهقي وغيره من المصنفين كل واحد يرويه من وجه آخر، ومن طريق صحابي لم يروه عنه المصنف الآخر، فحين نجمع طرق الحديث من هذه الكتب سنجد أن الحديث رواه عن النبي ﷺ خمسة أو ستة وعشرون صحابياً مثلاً، وأخذ عنهم أربعون أو ستون أو أكثر من ذلك. وإذا كان للحديث ثلاث طرق صحيحة وبقية الطرق ضعيفة، فلا اعتبار بهذه الطرق؛ لأنها غير مشعرة بتواتره في هذه الحالة.

стр. 71

اشتراط استحالة تواطؤ الرواة على الكذب في الحديث المتواتر الشرط الثالث: أن تحيل العادة تواطؤهم على الكذب. وعندما فتحت الفتوحات بعد موت النبي ﷺ وأبي بكر الصديق في عهد عمر بن الخطاب ﵁ ومن أتى بعده من الخلفاء والملوك والرؤساء؛ أرسل الصحابة والعلماء إلى جميع الأمصار يعلمونهم أمر دينهم، فنزل كل صحابي في قرية أو مدينة وبث فيها ما عنده من علم، مثل عبد الله بن مسعود نزل الكوفة، ومعاذ بن جبل ذهب إلى اليمن، ودخل الأسود والأبيض في الإسلام، وسمع الحديث والفقه والعلم، وظهر المحدثون والرواة من العبيد والأحرار، بل والنساء، ففي هذا الوقت كان إذا أتى من طريق المدينة برواية المدنيين حديث: (من كذب عليَّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار)، ثم أتى بلفظه ومعناه من طريق المكيين، وطريق الأندلسيين مع اختلاف الناس في ألسنتهم وطول المسافات بين بلدانهم دل على أن الحديث أصل، وأنه لا يمكن أبداً أن يجتمع هؤلاء الناس على كثرتهم على الكذب أبداً. ونحن المحصورين في المسجد لا يمكن أن نجتمع على الكذب، فكيف بالقرون الأولى -القرون الخيرية- التي يغلب عليها الصدق، وأحدهم مغربي والآخر شامي، وهذا شمالي وهذا جنوبي، وكلهم يروون الحديث على هيئة واحدة؟ فلا يمكن للأمة أن تتفق على الكذب على الرسول ﷺ . ولا يمكن عقلاً ولا عادة للأمة أن تتفق على مسألة واحدة إلا إذا كانت حقاً وصدقاً، وأما أن يتواطئوا ويتكاتفوا ويتفقوا على الكذب على رسول الله فهذا أمر لا يمكن؛ لأن العادة والعقل يقولان: إنه لا يمكن للناس أن يتفقوا على شر فيما بينهم.

стр. 72

اشتراط استناد رواة الحديث المتواتر إلى الحس الشرط الرابع: أن يكون مستند روايتهم الحس. والحس غير العقل، فإذا قال شخص: حدثني فلان من عقله أن النبي ﷺ قال: (من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار). وهو لم يسمعه منه وإنما قال: العقل يشهد بذلك، فهذه ليست من طرق الرواية. فلابد أن يكون مستند الروايات الحس، كأن يقول الراوي: سمعت، أو أخبرني فلان، أو حدثني فلان، أو سمعنا فلاناً، أو عن فلان. والحس غير العقل. ومع كثرة هذه الطرق يثبت الحديث يقيناً، ويفيد العلم اليقيني الضروري.

стр. 73

علاقة الحديث المتواتر بمباحث علم مصطلح الحديث وإذا كان الحديث المتواتر صحيحاً قطعاً، ويفيد العلم اليقيني الضروري حكماً، فهو ليس من مباحث علم المصطلح؛ لأن علم المصطلح هو: القواعد الكلية التي تنطبق على السند والمتن، فيُعرف منهما المقبول والمردود، يعني: القواعد التي قعّدها العلماء، والأصول التي أصّلوها لمعرفة ما إذا كان هذا الحديث مقبولاً أو مردوداً، فإذا كان هذا الحديث المتواتر مقبولاً يقيناً فإنه لا يحتاج إلى تطبيق قواعد؛ لأنه صحيح قطعاً، ويفيد العلم اليقيني الضروري حكماً.

стр. 74

أنواع الحديث المتواتر الحديث المتواتر ينقسم إلى قسمين:

стр. 75

المتواتر اللفظي القسم الأول: ما تواتر لفظه ومعناه، وهو المتواتر اللفظي. وذلك مثل حديث: (من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار)، وحديث حوض النبي ﷺ ، وأحاديث أخرى تواترت بلفظها، أي: أنها جاءت من طرق كثيرة كما ذكرنا في الشرط الأول والثاني من شروط الحديث المتواتر، وجاءت بلفظ واحد أو بألفاظ متعددة، ولكن معناها واحد، فإذا كان اللفظ الواحد قد روي من عدة طرق بلغت حد التواتر فهو المتواتر اللفظي، كحديث: (من كذب علي). فهذا الحديث رواه أكثر من سبعين من الصحابة بلفظ: (من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار). ثم أخذه عن السبعين عدد كثير، وعن العدد الكثير عدد أكثر، وعن العدد الأكثر عدد أكثر وأكثر، وفي كل طبقة تتأخر عن سابقتها يكون العدد فيها أكثر من سابقتها. وإذا نظرنا إلى اللفظ الذي روي بهذا العدد لوجدناه لفظاً واحداً، فكل صحابي يرويه بلفظ: (من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار)، وفي هذه الحالة أقول: إن هذا الحديث قد تواتر لفظه، أي: أن هذا اللفظ بعينه قد أتى من طرق كثيرة بلغت حد التواتر. فالمتواتر اللفظي: هو ما تواتر لفظه ومعناه، وليس ما تواتر لفظه فقط؛ لأن المتواتر لفظاً لا بد وأن يتواتر معناه؛ لأن اللفظ يدل على معنى، فلما كان اللفظ متواتراً دل ذلك على أن المعنى أيضاً متواتر؛ لأن المعنى المستفاد من الطريق الأول هو المعنى المستفاد من الطريق رقم سبعين. فإن اختلفت الألفاظ واستفيد منها معنى واحد فهو أيضاً متواتر لفظاً ومعنى؛ لأن الخلاف الوارد في الألفاظ لا يدل على أن هناك خلافاً كبيراً بحيث يتعدد المعنى أو يتجزأ، وإنما المعنى واحد.
следующие страницы →