Полный текст (173 стр.). Показаны 141–173 · переход к 146.
стр. 141
الحديث المدلس
هناك صيغ تحتمل السماع وصيغ تفيد السماع، فالصيغ التي تحتمل السماع: كقال وعن، والتي تفيد السماع: حدثني، وأخبرني، وأنبأني، وسمعت، وغيرها من الألفاظ التي تدل على السماع.
وأما: قال لي، وذكر لي، فكانوا يستخدمونها في المذاكرة والمسامرة، وليست من صيغ التحديث.
стр. 142
تدليس الإسناد
تدليس الإسناد هو: رواية الراوي عمن لقيه وسمع منه ما لم يسمعه منه.
فهو قد جالس الشيخ وسمع منه وروى عنه علمه، فهو يقول: حدثني فلان؛ لأنه سمع منه مباشرة ومشافهة، وروى عنه أحاديث لم يسمعها منه، فلا يقول: حدثني فلان، وإنما يقول فيها: عن فلان، أو قال فلان، أو أي صيغة تحتمل، ولا يقول: حدثني وسمعت؛ لأنه إن لم يكن حدثه كان كذاباً.
وحديث المدلّس ضعيف، وحديث الكذّاب موضوع ومصنوع، وحديث المدلّس يرتقي إذا جاء من طريق آخر، وأما حديث الكذّاب فلا يرتقي، ففرق بين الحكمين.
стр. 143
المرسل الخفي
والعلماء في كتب المصطلح يقولون في تعريف تدليس الإسناد هو: رواية الراوي عمن لقيه أو عاصره ما لم يسمعه منه.
فزيادة (وعاصره) خطأ؛ لأن اللقيا تفيد المعاصرة.
والمعاصرة تعرف بمعرفة المواليد والوفيات، فإذا قال شخص: أخبرني فلان، فسئل: متى أخبرك؟ فقال: سنة (٢٠٤هـ)، ثم يتبيّن أن فلاناً هذا مات سنة (١٩٨هـ) فعند هذا يكون كذاباً؛ لأنه مات قبل المخابرة بست سنوات.
فكلمة (أو عاصره) فيها خلط بين نوعين من أنواع علوم الحديث، وهو التدليس والمرسل الخفي.
ولم ينتبه لذلك إلا الحافظ ابن حجر، وأما العلماء قبله فكأنهم كانوا مجمعين على هذا التعريف، ولم ينتبه لهذه اللفظة إلا الحافظ ابن حجر حيث قال: هذا خلط بين تدليس الإسناد وبين المرسل الخفي.
فتدليس الإسناد هو: رواية الراوي عمن لقيه وسمع منه ما لم يسمع منه بصيغة تحتمل السماع، كقال وعن.
وأما المرسل الخفي: فهو رواية الراوي عمن لقيه ولم يسمع منه، أو عمن عاصره ولم يلقه.
وهذا هو الفرق بين التدليس وبين المرسل الخفي.
وحكم تدليس الإسناد أنه مكروه جداً.
стр. 144
تدليس التسوية
النوع الثاني من أنوع التدليس: تدليس التسوية.
وهو: أن يبقي الراوي شيخه ولو كان ضعيفاً، ويحذف شيخ شيخه من الإسناد.
فمثلاً: بقية بن الوليد كان مشهوراً بتدليس التسوية، ولكنه لا يدلس عن شيخه، والأصل في المدلس أنه يدلّس عن شيخه مباشرة، وأما في تدليس التسوية فالراوي يحذف شيخ شيخه أو من علا في الإسناد، وأما الرواية بينه وبين شيخه فسليمة (١٠٠%).
فـ بقية بن الوليد يقول: حدثني الأوزاعي عن فلان، فيلحق صيغة التدليس بشيخه، وليس بنفسه، والأوزاعي في أصل الرواية يقول: حدثني فلان، ولكن لما كان شيخ الأوزاعي ضعيفاً حذفه بقية.
وبقية مشهور جداً بالتدليس، وهذا النوع يسمى تدليس التسوية، فهو يسوي الإسناد، أي: يحذف الراوي الضعيف من أجل أن يكون كل الإسناد ثقات على السواء؛ لأن وجود الراوي الضعيف هذا سوف يغير الحكم على الإسناد.
يقول أبو مسهر عبد الأعلى بن مسهر: أحاديث بقية ليست نقية -أي: أنها ليست مستقيمة ولا مضبوطة- فكن منها على تقية.
أي: احذرها.
فتدليس التسوية هو: أن يعمد الراوي المدلس إلى إسقاط شيخ شيخه ومن علا من الإسناد حتى يسوي الإسناد كله ثقات، فالناظر في الإسناد لأول وهلة يقول: كل رواته ثقات، ولكن فيه علة خفية وهي إسقاط راو من الإسناد، وهذا الراوي هو شيخ شيخ المدلس أو من علا، فهو لا يحذف شيخه؛ لأن الناس سيعرفون أنه مدلّس.
ولابد في حديث من يدلس تدليس التسوية من التصريح بالسماع على مدار الإسناد كله؛ لأنه لا يؤمن وقوع التدليس في أي طبقة من الطبقات، فلابد أن يكون التصريح بالسماع في كل طبقات السند حتى نأمن التدليس.
ولما سئل بقية: لماذا تدلّس على الأوزاعي وتسقط شيوخه الضعاف؟ قال: أنا أجل الأوزاعي عن الرواية عن أمثال هؤلاء، يعني: هو أجل قدراً من أن يروي عن الضعيف! فهو يعرف قدر الأوزاعي أكثر من الأوزاعي نفسه، فنزه الأوزاعي عن الرواية عن الضعفاء، واتهم هو في دينه وأمانته.
قال الخطيب: وربما لم يسقط المدلس شيخه، ولكن يسقط ممن بعده رجلاً ضعيفاً أو صغير السن؛ ليحسن الحديث بذلك، وكان الأعمش والثوري وبقية يفعلون هذا النوع.
والعلماء في كتب المصطلح لا يهتمون بتدليس التسوية، ويقولون: إن التدليس نوعان: تدليس الإسناد، وتدليس الشيوخ.
والصواب: أن هؤلاء الثلاثة هم رءوس التدليس.
وحكم تدليس التسوية الحرمة.
стр. 145
تدليس الشيوخ
وتدليس الشيوخ: هو أن يروي الراوي عن شيخ حديثاً سمعه منه، وهذا الشيخ -صاحب الحديث- معروف باسمه، فلا يذكره الراوي باسمه المعروف، وإنما يذكر كنيته، فمثلاً: لو قلت الآن: حدثني أبو عبد الرحمن السوري فلا أظن أن أحداً يعرفه، وهو الألباني، ولو قلت: حدثني أبو محمد العماني فهو كذلك الألباني، ولو قلت: حدثني محمد بن حماد فهو كذلك الألباني؛ لأن الشيخ مشهور بـ محمد ناصر الدين الألباني، ومشهور بـ ناصر الدين، ومشهور بـ الألباني.
فلو عدلت عن الثلاثة إلى محمد بن حمّاد أو أبي محمد العمّاني أو أبي عبد الرحمن السوري فلن يعرفه أحد، ولو رويت عن الشيخ ثلاثة أحاديث فقلت في الأول: حدثني أبو محمد العمّاني، وفي الثاني: حدثني أبو عبد الرحمن السوري، وفي الثالث: حدثني محمد بن حمّاد فالذي يسمعني سيظن أن لي ثلاثة شيوخ، وهو في الحقيقة شيخ واحد، فالراوي يعدد وينوع في ذكر اسم شيخه بما لم يشتهر به عند السامع حتى يحيره فلا يعرفه، وبهذا يوعر طريق الوصول إلى معرفة الشيخ.
فتدليس الشيوخ هو: أن يروي الراوي عن شيخ حديثاً سمعه فيسميه أو يكنيه أو ينسبه أو يعرفه بما لا يُعرف به كي لا يُعرف.
هذا النوع الثالث من أنواع التدليس.
وقد ذمه أكثر العلماء، وكان شعبة بن الحجاج العتكي من أشد الناس ذماً له حتى قال فيه: لأن أشرب من بول حمار أحبُّ إليّ من أن أُدلّس! وقال مرة: لأن أزني أحب إليّ من أن أدلس! وهذا الكلام محمول على المبالغة في الزجر عن التدليس وكراهته، ولا يقصد به الحقيقة، ولا يعقل أن يكون الزنا وشرب بول الحمير أحب على الحقيقة إلى شعبة من التدليس، فهذا الكلام محمول على المبالغة في الزجر وكراهية التدليس.
وتدليس الشيوخ لا شك أنه محرّم.
стр. 146
تدليس القطع
النوع الرابع: تدليس القطع.
وهو: أن يحذف الصيغة ويقتصر على ذكر الشيخ، كأن يقول: الزهري عن أنس، ولا يقول: قال، ولا ذكر، ولا حدث، ولا عن، ولا حدثني، ولا أخبرني، ولا يذكر صيغة تفيد أنه سمع أو تحتمل السماع؛ لكونه لم يسمع منه.
стр. 147
تدليس السكوت
النوع الخامس: تدليس السكوت.
وهو أن يقول الشيخ: حدثنا فيكتب الطلاب، ثم يذكر راوياً ضعيفاً في سره وبهدوء ولا يسمعه أحد، كأن يقول: حدثني الحارث، فيذكر الحارث بصوت ولا يسمعه أحد؛ لأن الحارث كذاب، ثم يقول: الزهري، فيسمعه الطلاب يقول: حدثني الزهري عن أنس، فيكتب الطلبة: حدثني الزهري عن أنس، ولم يسمعوا الحارث.
стр. 148
تدليس العطف
النوع السادس: تدليس العطف، وهذا اشتهر به هشيم بن بشير.
هو: أن يصرّح الراوي المدلّس بالسماع من شيخ ويعطف عليه آخر لم يسمع منه هذا الحديث بعينه، وكان هشيم بن بشير متفنناً في هذا النوع من التدليس، حتى أنه تحدى تلاميذه في ليلة من الليالي وقال لهم: سأحدثكم هذه الليلة، فاحذروا وانتقوا لي الأحاديث التي أدلّس فيها، فمكث طوال الليل يحدثهم، حدثني فلان وفلان، حدثني فلان وفلان، حدثني فلان وفلان، حتى قرب الفجر فقال لهم: هل دلست عليكم؟ فقالوا: لا، إنك لم تدلس قط، فقال لهم: ما حدثتكم حديثاً إلا وقد دلّست فيه، فقالوا: وكيف ذلك؟ قال: ما قلت لكم فيه حدثني فلان فقد حدثني، وأما قولي وفلان فلم يحدثني.
أي: أنه عطف الثاني على الأول بحرف الواو، فكلمة وفلان اعتبرها فصلاً، وليست من باب التحديث، وهم حملوا العطف على التحديث، وهو اعتبر أن هذا العطف بداية إسناد جديد، فقال لهم: حدثني فلان وفلان، فالذي قال لهم فيه: حدثني فهو قد حدثه، والأصل إذا أراد العطف أن يقول: حدثني فلان وحدثني فلان، ولكنه لم يقل هكذا، فدل على أنه دلّس في الثاني.
стр. 149
تدليس البلاد
النوع السابع: تدليس البلاد، وهو مثل أن يقول: حدثني فلان في الرياض، فيظن السامع أنها المدينة التي في السعودية، ويظن أنه رحل في طلب العلم، ولكنه يقصد الرياض قرية بجوار بلده.
ولو قال: حدثني فلان فيما وراء النهر، فيتبادر إلى الذهن أنها بلاد ما وراء النهر المعروفة، ولكنه يقصد نهر دجلة أو الفرات، أو الترعة التي بجانب بيته.
أو يقول مثلاً: حدثني فلان بالأندلس، فيظن لأول وهلة أنها الأندلس المعروفة، وهو يقصد الأندلس التي بجوارنا، أو يقول: حدثني فلان في المدينة المنورة، والمدينة المنورة اسم شارع في مصر مثلاً، أو اسم محل أو مسجد.
فتدليس البلاد: أن يحدث الراوي بمكان يتسمى باسم مكان آخر مشهور، فيوهم السامع أنه رحل إلى ذلك المكان في طلب العلم.
وهذا التدليس مكروه كراهة بسيطة؛ لأن صاحبه يتشبّع بما لم يعط، والنبي ﷺ يقول: (المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور)، وذلك مثل: أن آتي بكتاب للنووي مثلاً وأكتب عليه اسمي، ثم أنزله السوق على أساس أنني أنا الذي ألفته، فأنا هنا قد تشبعت مادياً ومعنوياً بما لم أُعط، أو بما لم أبذل فيه جهداً، و (المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور).
ومعنى الحديث: أن يعود عليّ فوائد مادية ومعنوية وغير ذلك من أمر لم أبذل فيه جهدي، ولم أستحق الدخل الذي دخل إليّ من جراء هذا العمل وهو عمل غيري وليس عملي، وأما أنا فقد نسبته إليّ زوراً وبهتاناً، فالذي يقول: حدثني فلان بالرياض وهو مصري فقد أوهم أنه رحل في طلب العلم، والرحلة في طلب العلم شرف لصاحبها، وهذا لا يستحق ذلك الشرف.
стр. 150
تدليس المتن
النوع الثامن: تدليس المتن، ويسميه العلماء المدرج.
وهو: اللفظ الدخيل على متن الحديث، كأن يكون في الحديث لفظ غريب أراد الراوي أن يبينه فذكره بمعنى آخر.
مثل قول عائشة ﵂ في البخاري: (وكان النبي ﷺ يتحنث الليالي ذوات العدد في غار حراء).
رواه الزهري بلفظ: (وكان النبي ﷺ يتحنث -يعني: يتعبد- الليالي ذوات العدد في غار حراء).
فكلمة (يتعبد) هنا لفظة مدرجة في المتن، يعني: دخيلة على المتن، تبيّن لفظة غريبة وردت في المتن، وهي يتحنث.
فهذه اللفظة إن كانت داخلة لبيان الغريب أو غير ذلك من الأغراض المسموح بها فلا بأس بها، بشرط بيان أنها مدرجة، أما لو أدرجها الراوي متعمداً الإدراج وليس لها موطن، بل يمكن الاستغناء عنها، ولم يبين أنها لفظة مدرجة؛ فهذا عده العلماء من تدليس المتن.
стр. 151
حكم من عرف بالتدليس وذكر طبقات المدلسين
وقد اختلف العلماء فيمن عُرف بالتدليس، فقال بعضهم: التدليس علة لجرح الراوي المدلس، قالوا: وبناء عليه يرد حديث المدلس مطلقاً؛ لأنه مجروح، سواء صرح بالسماع أو لم يصرح.
هذا على العموم، وذلك مثل ما لو كان الراوي ضعيفاً بسبب أنه سيئ الحفظ، فلو قال هذا الراوي الضعيف الذي اتهم بسوء الحفظ: حدثني فلان فحديثه ضعيف؛ لأنه سيئ الحفظ، وبناء عليه حُكم عليه بالضعف، فكذلك المدلّس عند هذا الفريق، فالتدليس يجرح صاحبه، فلو قال المدلس: حدثني فلان، فهذا الحديث عند قوم مردود، رغم أنه قال: حدثني؛ لأن التدليس علة كافية في ضعف الراوي، أي: في رد روايته، كما أن سوء الحفظ يجعل الراوي ضعيفاً.
وهذا الرأي غير صواب.
وقال بعضهم: التدليس كله مقبول الجيد والسيئ منه؛ لأن التدليس عبارة عن إرسال، أي: إطلاق بلا قيد، فلم يقيد الراوي الرواية وإنما أطلقها.
وهذا الرأي ضعيف.
وقال بعضهم بتقسيم المدلسين إلى خمس طبقات، وهذا هو الصحيح.
فهناك من لم يثبت عنه أنه دلّس إلا مرة أو مرتين، وهو أصلاً إمام جليل كبير، كـ يحيى بن سعيد، فقد روى أحاديث كثيرة ولم يثبت أنه دلّس إلا مرة أو مرتين، ولا نعرف هذين الحديثين، ولن نجد من يعرفهما، ففي هذه الحالة يشهد المنطق والعقل وكل شيء بقبول الحديثين وعدم رد أحاديثه.
стр. 152
طبقات المدلسين
وهذه الخمس الطبقات كالآتي: الطبقة الأولى من المدلسين: قوم دلّسوا حديثاً أو حديثين فيُحتمل تدليسهم؛ لأنهم من الأئمة الكبار الحفاظ المكثرين في الرواية.
والطبقة الثانية: قوم أخرج لهم البخاري ومسلم في صحيحيهما، كـ سفيان الثوري، ولكن تدليسهم كان يسيراً بجوار ما رووه من أحاديث كثيرة، وقوم لم يكونوا يدلسون إلا عن ثقات، كـ سفيان بن عيينة، فاحتمل الأئمة تدليسهم لجلالتهم وفضلهم وزيادة ووفرة علمهم.
وهذا هو الذي كانوا يسمونه الإرسال، ولم يكونوا يشترطون ذكر الشيخ، وهو مقبول مطلقاً؛ لأنه لا يدلس إلا عن ثقة؛ لأنهم كان يعتبرونه مجرد إرسال، ولم ينووا به التدليس، فهم لا يضرهم ذكر الشيخ؛ لأنه ثقة.
الطبقة الثالثة من طبقات المدلسين -وهذا هو بيت القصيد في الطبقات الخمس-: قوم اشتهروا بالتدليس، ولكنهم ثقات.
فهم مشهورون بالتدليس، أي: أن الأصل فيهم التدليس، ولكنهم ثقات.
فإذا صرّح الراوي بالسماع قُبل حديثه، وإذا روى بصيغة تحتمل السماع رد حديثه حتى يبيّن السماع.
فلو قال: حدثني فلان، أو سمعت فلاناً، أو أخبرني فلان، أو أنبأني فلان؛ فهذه الصيغة تفيد السماع فتقبل الرواية بها، ولو قال: عن فلان أو قال فلان فهي محتملة للسماع، وهي من صيغ التدليس.
الطبقة الرابعة من طبقات المدلسين: قوم عُرفوا بالتدليس حتى كان التدليس أصل روايتهم، ولم يكونوا يصرّحون بالسماع، وكانوا مع ذلك متهمون بتهم أخرى أو معلولون بعلل أخرى.
الطبقة الخامسة: قوم ضعاف ومدلسون في الوقت نفسه، فلو صرّح بالسماع فهو ضعيف، ولو لم يصرّح لبقي ضعيفاً ومدلساً، فهو في الحالتين مردود الرواية.
стр. 153
تلخيص الحكم على حديث المدلسين
فالخلاصة: أن الرأي الأول فيه شطط، والرأي الثاني فيه إفراط، والرأي الثالث هو الصواب الذي هو التفصيل، وهو أن طبقات المدلسين خمس طبقات، فالطبقة الأولى والثانية يحتمل حديثها، والطبقة الثالثة يُنظر في حديث رواتها، فإن صرّحوا قبلت روايتهم، وإن لم يُصرّحوا رُدت روايتهم.
والطبقتان الرابعة والخامسة مردودتان بالتدليس وبغيره من العلل.
سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.
стр. 154
دورة تدريبية في مصطلح الحديث [٨]
التدليس في الحديث مذموم عند العلماء؛ لأنه قد يؤدي إلى الحكم بضعف الحديث، ولذلك تتبع العلماء أحاديث المدلسين، وبينوا الأسباب الحاملة على التدليس، وألفوا الكتب في التدليس والمدلسين وما يتعلق بهم وبأحاديثهم.
стр. 155
الأغراض الحاملة على التدليس
باسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد: المدلس إذا صرّح بالسماع انتفت عنه شبهة التدليس، فيتوقف في روايته حتى يتبين لنا سماعه من وجه آخر، فإن لم يتبين فحديثه مردود.
وأقسام التدليس ثمانية أو تزيد، منها: تدليس الإسناد، وتدليس الشيوخ، وتدليس التسوية، وتدليس العطف، وتدليس السكوت، وتدليس البلاد، وتدليس القطع، وتدليس المتن، وهو الإغراب المتعمد من غير بيان، وغير ذلك.
الأغراض الحاملة على التدليس: أولاً: إيهام علو الإسناد، وخاصة في تدليس التسوية، ومعنى العلو الاقتراب من صاحب الكلام، فبدلاً من أن يكون بينه وبين الرسول ﷺ عشر طبقات سيكون بينه وبينه تسع طبقات، فيختصر طبقة.
فالعلو هو القرب من القائل.
وتدليس التسوية هو أن يعمد الراوي إلى شيخ شيخه الضعيف فيسقطه حتى يسوي الإسناد كله ثقات، وفي نفس الوقت فإن الطبقة التي أسقطها تقربه درجة من النبي ﵊.
ثانياً: أن يفوته شيء من حديث شيخ، وقد سمع منه الكثير.
فلو أن شيخاً عنده (١٠٠٠) حديث سمع منها المدلس (٩٥٠) حديثاً، وبقي خمسون، فإنه يرويها عن ذلك الشيخ بصيغة محتملة للسماع، فيقول: قال فلان، أو عن فلان.
وهذا مثل أن يكون الشيخ يحدث من كتابه، فلما بقي خمسون أو مائة حديث مات الشيخ أو رحل وقد نسخ الطالب الكتاب، فيقول: أنا أروي البقية عنه بصيغة: قال وعن.
ثالثاً: ضعف الشيخ، وهذا كما كان يفعل بقية تلميذ الأوزاعي، فقد كان الأوزاعي يروي عن بعض الشيوخ الضعفاء، ولم يكن مدلساً، وإنما كان يقول: حدثني فلان، فأراد بقية أن يورّع وينزّه الأوزاعي من الرواية عن أمثال هؤلاء الضعفاء، فكان بحذف الشيخ الضعيف -الذي هو شيخ الأوزاعي -والذي يعتبر شيخ شيخه- حتى يسوي الإسناد كله فيكون عن ثقات، ويظهر في الصورة أن شيخ الأوزاعي ثقة، ويقول: قال الأوزاعي: عن شيخه عن فلان.
رابعاً: صغر سن الشيخ، فقد كان المدلس إذا كان عمره كبيراً يأنف أن يروي عن شيخ أصغر منه سناً، فيسقطه من الإسناد ويذكر شيخه مباشرة.
خامساً: تأخر وفاة الشيخ حتى شاركه في السماع منه جماعة كثيرة دونه، فهو يأنف أيضاً من ذكر ذلك الشيخ؛ لأن الشيخ لما طال عمره سمع منه أجيال كثيرة، وهذا المدلس من قمة الأجيال التي أخذت عن ذلك الشيخ، فيشاركه الأولاد الذين أعمارهم تتراوح بين (١٠ - ١٥) سنة، فإذا قال: حدثني فلان قال الصبي الصغير: حدثني فلان، فيتوهم السامع أن الذي يبلغ من العمر (١٠٠) عام كالذي يبلغ من العمر (١٠) سنوات، وأنهما في طبقة واحدة، فيسقط المدلس ذلك الشيخ ويذكر شيخ شيخه؛ لأن شيخ شيخه لم يُدركه هؤلاء الصغار، فهو يريد أن يخرج من مشاركة الصبيان في الطبقة والسماع، وفي ذلك الشيخ على وجه الخصوص.
стр. 156
طرق معرفة التدليس
لمعرفة التدليس طريقان: الطريق الأول: الإقرار، والإقرار لا يكون إلا من المدلّس، والإقرار -كما يقال- سيد الأدلة.
وهذا كما في حديث ابن خشرم قال: كنا عند سفيان بن عيينة فقال: قال الزهري، فقال له أحد الحاضرين: أأنت سمعته من الزهري؟ قال: لا، حدثني عبد الرزاق عن معمر عنه.
فهنا سفيان بن عيينة يقر بأنه لم يسمع هذا من الزهري على وجه الخصوص، وإنما سمعه بواسطتين، الأولى عبد الرزاق، والثانية معمر، فـ معمر هو الذي سمع هذا الكلام من الزهري.
وسفيان بن عيينة لما روى عن الزهري لم يقل: حدثني ولا أخبرني، وإنما قال: قال الزهري، وعمدة المدلس في الرواية قال وعن، وصرّح أن عبد الرزاق حدثه.
الطريقة الثانية في معرفة التدليس: التنصيص، وهو: أن ينص إمام من أئمة هذا الفن على أن فلاناً دلس في هذا الحديث، وهذا الأمر لا يتسنى إلا لعلماء النقد وعلل الأحاديث وأسانيدها ومتونها من الكبار الجهابذة.
стр. 157
متى يوصف الراوي بالتدليس ومتى يرتفع عنه هذا الوصف
يثبت التدليس بمرة واحدة، فلو ثبت أن الراوي دلّس مرة واحدة قلنا: إنه مدلّس، وعندما تكلمنا عن طبقات المدلسين قلنا: الطبقة الأولى من لم يدلّس إلا مرة أو مرتين.
وأحياناً يروي المدلس الحديث عن شيخ له ويقول: حدثني فلان، وفي طريق ثان لنفس الحديث يقول: أنبأني فلان، وأخبرني فلان، وفي طريق ثالث يقول: عن فلان، وفي طريق رابع يقول: قال فلان، فتصريحه بالسماع في إحدى طرق الحديث ينفي عنه شبهة التدليس في هذا الحديث، وتصريحه بالسماع يعرف من تتبع طرق الحديث في دواوين السنة، وهذا ما يعرف بالاعتبار والمتابعات والشواهد.
لو أتى حديث قتادة من طريق شعبة فهو محمول على السماع؛ لقول شعبة: لو أتاكم حديثه من طريقي فأنا أكفيكم تدليسه.
فإذا أتى من طريق آخر فلا بد من البحث في بطون كتب السنة لجمع طرق الحديث، وهذا هو ما يسمى بالاعتبار، فإذا صرح في إحدى طرق الحديث بالتحديث فقد ثبت سماعه لهذا الحديث، وبقية الطرق التي عنعن فيها محمولة على السماع، وتنتفي عنه شبهة التدليس.
فشبهة التدليس تنتفي عن المدلس إذا صرّح بالتحديث ولو مرة واحدة.
стр. 158
التدليس في الصحيحين
وفي الصحيحين روايات كثيرة عن المدلسين بصيغة: عن وقال، ولم يصرحوا فيها بالتحديث، ولا يعني هذا أن هذا الحديث أخطأ فيه صاحبا الصحيحين؛ لأن المدلّسين في الصحيحين وإن لم يصرحوا بالسماع فروايتهم محمولة على ثبوت سماعهم من طرق أخرى، وما دام سماعهم ثابتاً فلا يضر بعد ذلك أن يرويه صاحبا الصحيح بالطريق التي فيها العنعنة.
وللبخاري ومسلم أغراض حملتهما على رواية الحديث من طريق العنعنة دون طريق السماع، منها: أن الإسناد المعنعن إسناد عال، والإسناد الذي فيه حدثنا إسناد نازل، فيخرجان الرواية العالية دون النازلة.
ومنها: أنه قد يكون في الرواية التي ثبت فيها السماع وصرّح فيها المدلّس بالتحديث راو ضعيف غير ذلك المدلّس، فلا توافق شرط البخاري أو شرط مسلم، ولكنهما يأخذان العبرة فيها من تصريح المدلّس فيها بالسماع، ويرويان الحديث بطريق العنعنة.
стр. 159
أسباب ذم التدليس
التدليس مذموم، وقد قال بعض العلماء: التدليس أخو الكذب.
والأسباب الداعية لذم المدلس: أولاً: لأنه يوهم السماع ممن لم يسمع منه.
ثانياً: عدوله عن الحقيقة إلى الاحتمال.
فلو قال المدلس: حدثني فقد أراحنا من البحث، ولو قال: عن وقال فقد كلفنا بجمع طرق الحديث والبحث عن كونه صرح بالتحديث أم لا، فعدول الراوي المدلّس عن الحقيقة إلى الاحتمال يحير الباحث، ولهذا ذُم التدليس.
ثالثاً: يقينه بأنه لو كشف الذي دلّس عنه لم يكن مرضياً، فقد يكون المدلَّس عنه مبتدعاً فيسقطه حتى يقال: إن شيوخه من أهل السنة، فيقوم بإسقاط شيخه البدعي، أو يكون شيخه صغير السن، أو ضعيفاً، فيظن أنه لو ذكره سيكون منقصة له، أو يكون متيقناً أن شيخه ليس مرضياً، فتعمده التدليس لا شك سبب في ذمه، وهذه من الأغراض الحاملة على تدليس الشيوخ.
رابعاً: ومن الأسباب الحاملة لتدليس الشيوخ كراهة أن يذكر شيخه في كل مرة على وجه واحد، فينوع صفاته، وهذا التنويع يوعّر ويصعّب الوصول إلى معرفة ذلك الشيخ، مما يوهم الباحث أن هؤلاء شيوخ عدة، وهو في الأصل شيخ واحد، وهذا أيضاً من أسباب ذم المدلس.
والمدلس لا يدلس عن ثقة إلا إذا كان فيه عيب آخر.
والمدلّس قد يحدث بالحديث بصيغة قال وعن، ثم يسمعه بعد ذلك من الشيخ الذي دلس عليه، فيصرح بالتحديث آخراً.
ويمكن أن يكون الشيخ المدلس هذا قد ذكر الحديث بصيغة قال وعن في مجلس المذاكرة أو المسامرة، لا مجلس التحديث، فنقل عنه الذي تذاكر معه وسامره هذا الحديث بصيغة قال أو عن حسب ما سمعه منه، وأما الشيخ نفسه فقد يصرّح بالسماع في مجلس التحديث.
стр. 160
درجات التدليس والتمييز بينها
والمدلس إذا حذف الراوي تماماً فهذا يسمى تدليس التسوية، وأما تدليس الإسناد فليس فيه إسقاط، وإنما فيه أن المدلس سمع من المدلَّس عنه عدة أحاديث، ولكن هذا الحديث بعينه لم يسمعه منه، ولكنه يعلم أن هذا الحديث من محفوظات أو مسموعات الشيخ، فيرويه عن ذلك الشيخ الذي هو شيخه في الأصل لا بصيغة السماع، وإنما بصيغة تحتمل السماع كقال وعن.
وتدليس التسوية ليس له علاقة بشيخه أبداً، وإنما بشيخ شيخه ومن علا.
وتدليس الشيوخ أخف من تدليس التسوية وتدليس الإسناد، وفيه تضييع للمروي عنه، وتوعير لطريق معرفة حاله، وتختلف الحال في كراهته، لسبب الغرض الحامل عليه، فهو مكروه، ولكن الكراهة تختلف بحسب الغرض الحامل للمدلّس على تدليس الشيوخ، فقد يحمله على ذلك كون شيخه الذي غيّر اسمه غير ثقة فيلقبه، وهذا أشد كراهة، أو أنه أصغر من الراوي عنه، أو متأخر الوفاة وقد شاركه في السماع منه جماعة دونه، أو كونه كثير الرواية عنه فلا يحب تكراره على صورة واحدة.
وتفنن في هذا النوع أبو بكر الخطيب البغدادي، وكذلك ابن الجوزي.
يقول ابن الصلاح في النوع الثاني والأربعين: والخطيب الحافظ يروي في كتبه عن أبي القاسم الأزهري، وعن عبيد الله بن أبي الفتح الفارسي، وعن عبيد الله بن أحمد بن عثمان الصيرفي، والجميع شخص واحد من مشايخه.
وكذلك يروي عن الحسن بن محمد الخلال وعن الحسن بن أبي طالب وعن أبي محمد الخلال، والجميع شخص واحد.
ويروي أيضاً عن أبي القاسم التنوخي وعن علي بن المحسن وعن القاضي أبي القاسم علي بن المحسن التنوخي وعن علي بن أبي علي المعدل، والجميع شخص واحد، وله من ذلك الكثير.
وهو أمر غير مستحسن؛ لما فيه من صعوبة معرفة الشيخ على من لم يعرفه، وقد لا يفطن له الناظر فيحكم بجهالته.
فالباحث الذي ينظر في الإسناد قد لا يتفطن لهذا النوع من أنواع التدليس فيحكم بأن هذا الراوي مجهول.
стр. 161
طبقات المدلسين عند العلائي وابن حجر والسخاوي
والمدلسون على خمس مراتب بينها العلائي وابن حجر ونقلها عنهما السخاوي: الأولى: من لم يوصف بذلك إلا نادراً، كـ يحيى بن سعيد الأنصاري.
الثانية: من احتمل الأئمة تدليسه وأخرجوا له في الصحيح لإمامته وقلة تدليسه في جنب ما روى، كـ الثوري أو كان لا يدلس إلا عن ثقة، كـ ابن عيينة.
الطبقة الثالثة: من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً، كـ أبي الزبير المكي.
الرابعة: من اتفق على أنه لا يحتج بشيء من حديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع؛ لكثرة تدليسهم على الضعفاء والمجاهيل، كـ بقية بن الوليد.
الخامسة: من جمع إلى علة التدليس علة أخرى كالضعف وسوء الحفظ وغير ذلك.
وممن ألف في التدليس والمدلسين: سبط بن العجمي ألف رسالة في التدليس والمدلسين، وكذلك الحافظ ابن حجر العسقلاني وبرهان الدين بن الحلبي والحافظ العلائي وآخرهم الشيخ حماد الأنصاري أستاذ الحديث في الجامعة الإسلامية.
سبحانك اللهم وبحمدك، نشهد أن لا إله إلا أنت، نستغفرك ونتوب إليك.
стр. 162
دورة تدريبية في مصطلح الحديث [٩]
معرفة الحديث الشاذ من أهم علوم مصطلح الحديث، فبه يتميز الحديث المحفوظ من الشاذ، وبتتبع طرقه تدرك مخالفة الرواة وخطؤهم، ولذلك تناوله علماء المصطلح بالدراسة والتحقيق.
стр. 163
الحديث الشاذ
باسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله؛ صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليماً كثيراً.
وبعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
الشذوذ في اللغة: هو الانفراد، فقولنا: إنسان غريب أو إنسان فرد بمعنى: إنسان شاذ، فلو خالف رجل مجموع الناس لقلنا: إن هذا الرجل بهذه المخالفة قد شذ عن المجموع، أي: قد انفرد وأغرب عن المجموع.
وأما الشذوذ في الاصطلاح فله تعريفان: التعريف الأول: هو مخالفة الثقة لمن هو أوثق منه.
والتعريف الثاني: مخالفة الثقة لمجموع الثقات.
ومن هذين التعريفين نأخذ شرطي الحديث الشاذ وهما: أولاً: أن يكون راويه ثقة.
ثانياً: أن يخالف الراوي من هو أعلى منه في الحفظ والضبط، أو من يساويه في الحفظ والضبط ولكنهم أكثر منه عدداً.
فلو كان راوي الحديث المخالف للثقة ضعيفاً فتكون روايته منكرة، ورواية الثقة في هذه الحالة معروفة، بمعنى: صحيحة وثابتة.
فحتى نحكم على الحديث بأنه شاذ لا بد وأن تثبت المخالفة.
стр. 164
الفرق بين الحديث الشاذ وبين زيادة الثقة
والفرق بين الشذوذ وزيادة الثقة وجود المخالفة، والراوي في الحالتين ثقة، وهذا وجه الاتفاق بين الحديث الشاذ وزيادة الثقة.
والفرق بينهما أن الشاذ فيه مخالفة، وزيادة الثقة ليس فيها مخالفة.
فلو قال عشرة رواة: من علامة المنافق ثلاث: إذا وعد أخلف، وإذا حدث كذب، وإذا أؤتمن خان، ثم جاء غيرهم وقال: من علامة المنافق أربع، والرابعة يقول: وإذا خاصم فجر.
فهذا ليس شذوذاً وإنما زيادة ثقة؛ لأن هذه الرواية ليس فيها مخالفة.
стр. 165
الحديث الشاذ عند الإمام الشافعي
والإمام الشافعي يقول: ليس الشاذ من الحديث أن يروي الثقة ما لا يروي غيره.
فلا نأتي إلى ثقة يروي حديثاً ثم نبحث من الذي روى هذا الحديث من الثقات الآخرين، ثم إذا لم نجد هذا الحديث رواه غيره نسميه شاذاً؛ لأنه حديث مستقل، فليس الشاذ من الحديث أن يروي الثقة ما لا يروي غيره، وإنما أن يروي الثقة حديثاً يخالف ما روى الناس.
وكلام الإمام الشافعي هذا انتقد عليه، ولكنه يُفهم من كلامه ضمناً وصراحة في أماكن أخرى أنه أراد الناس أهل الحفظ والضبط والإتقان؛ لأن الثقة لو خالف مجموع الناس الضعاف اعتبر بحديثه، وحديث هؤلاء الجماعة لا يعتبر به؛ لضعفهم وعدم ارتقاء حديثهم، وهذا لا إشكال فيه؛ لأن حديثهم كله مطّرح، لأنه من رواية الضعفاء، وهو في مقابل رواية الثقة، فهو منكر.
стр. 166
الحديث الشاذ عند الحاكم والخليلي
وأبو يعلى الخليلي والحاكم يعرفان الحديث الشاذ بأنه تفرد الثقة، أي: أنه الحديث الذي لم يأت من وجوه أخر.
وهذا التعريف مردود، وإن كان سليماً من الناحية اللغوية؛ لأن التفرد والغرابة في اللغة بمعنى الشذوذ.
وقد رد الشافعي والإمام النووي وابن الصلاح وغيرهم على الحاكم وأبي يعلى وقالوا: إذا أردتم أن تردوا الأحاديث الأفراد التي انفرد بها الثقة فستردون معظم السنة، وستتعطّل معظم الأحكام، وستتعرى عن الدليل؛ لأنه ليس دليل كل مسألة في الدين جاء من عدة طرق، بل معظم المسائل جاء الدليل عليها من طريق واحد، فإن حكمت على هذا الطريق بأنه شاذ فقد وجب رده، وبالتالي سترد معظم أحكام الشريعة؛ سواء كان ذلك في العقائد أو الأحكام أو العبادات أو المعاملات أو الأخلاق أو غير ذلك، وهذا القول في منتهى الخطورة، ثم استغله بعد ذلك قوم في رد قبول خبر الواحد، وهذا مذهب فاسد، وليس مرجوحاً فحسب، وهو خلاف ما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه الكرام رضي الله تعالى عنهم.
وأول حديث يلزم رده على هذا التعريف حديث عمر بن الخطاب: (إنما الأعمال بالنيات).
فقد تفرد به عمر وهو صحابي، ثم تفرد به علقمة بن وقاص الليثي عن عمر وهو ثقة، فلو قلنا: إن حديث الثقة الفرد شاذ للزمنا أن نقول: إن حديث (إنما الأعمال بالنيات) غير مقبول، مع أن أهل العلم يقولون عن هذا الحديث: إنه الدين كله، ومنهم من قال: هو نصف الدين، ومنهم من قال: هو ربع الدين، ومنهم من قال: مدار الدين على أربعة أحاديث، منها حديث: (إنما الأعمال بالنيات).
فلو رددنا كل حديث تفرد به الثقة للزمنا أن نرد معظم السنة، وبذلك تتعطل معظم المسائل والأحكام في الشريعة الإسلامية.
وقال أبو يعلى الخليلي: الذي عليه حفاظ الحديث أن الشاذ ما ليس له إلا إسناد واحد يشذ به شيخ ثقة أو غير ثقة.
ونسبته هذا القول لحفاظ الحديث من باب التعدي.
وهذا الكلام لا يمكن قبوله حتى من الناحية العقلية والعملية، فأنت في حياتك العملية لا يمكنك أن ترد خبر الثقة الأمين الضابط المتقن، صاحب الديانة والعدالة الضبط والفهم.
стр. 167
رأي ابن الصلاح في معنى الشاذ وزيادة الثقة
قال ابن الصلاح ﵀: إذا انفرد الراوي بشيء، فإن كان هذا الانفراد مخالفاً لما رواه من هو أولى منه -أي: من هو أوثق منه- أو أكثر منه عدداً وأضبط؛ كان ما انفرد به شاذاً مردوداً، وإن لم تكن فيه مخالفة لما رواه غيره، وإنما هو أمر رواه هو، فيُنظر في هذا الراوي المنفرد، فإن كان عدلاً حافظاً موثوقاً بإتقانه وضبطه قُبل ما انفرد به، ولم يقدح الانفراد فيه، وإن لم يكن ممن يوثق بحفظه وإتقانه لذلك الذي انفرد به، كان انفراده خارماً له، مزحزحاً له عن حيز الصحيح.
فهذه الزيادة تكون بمثابة الحديث الجديد، فلو قال راو: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من علامة المنافق إذا خاصم فجر) فما الذي يمنع أن يقول النبي ﷺ الحديث عدة مرات وفي مواطن مختلفة، وحسب حال السائل نفسه، فربما علم النبي ﷺ من هذا السائل سوء خلقه عند الخصام وأنه يفجر، فأراد أن يعالج فيه هذا، وهذا معلوم كثير، وقد جاء رجل إلى النبي ﷺ وقال له: (قل لي في الإسلام قولاً ولا تكثر، فقال: لا تغضب).
وقد كان يسأل عن أي الأعمال أفضل، فكان يجيب كل واحد بما ينفعه، وكانت تتعدد الحوادث فتتعدد الروايات بما يناسب الحال والمقام، وبما يناسب حال السائل وإصلاحه.
وليس هناك مانع أن يكون الراوي وقع له مناسبة لم تقع للآخرين مثلها، فمسألة زيادة الثقة هي بمثابة الحديث المستقل.
وإذا قبل ما انفرد به الثقة عن الناس فيلزم قبول الزيادة في حديثه الذي شارك فيها غيره من الثقات ما لم يخالف، فإن خالف فهو شاذ.
إذاً: الراوي الثقة إما أن يوافق غيره، وإما أن يخالفه، فإن خالفه فحديثه شاذ، وإن وافقه في أصل روايته فلا إشكال فيه، وإن زاد على روايته شيئاً لم يذكره فيقبل باعتبار أنه حديث مستقل.
стр. 168
تحذير العلماء من تتبع الشواذ والرخص
وقد حذر العلماء من تتبع الشواذ، وهناك من الناس من يتتبعون الشواذ سواء من الأحاديث أو من المسائل الفقهية أو رخص الفقهاء، وإذا سأل عن مسألة فقهية وأجابه المفتي قال: أليس هناك رأي آخر؟ وقد ألّف بعض إخواننا الأفاضل رسالة سماها: زجر السفهاء عن تتبع رخص الفقهاء.
ويقول أحمد بن حنبل ﵀: من تتبع رخص الفقهاء فقد اجتمعت فيه خصال الشر كلها، فهو يحرص في كل مسألة من المسائل التي تعرض له في حياته أن ينتقي منها القول الذي يناسب حاله وقلبه المريض.
ويقول إبراهيم بن عبلة: من حمل شاذ العلماء حمل شراً كثيراً.
وقال شعبة بن الحجاج: لا يجيئك الحديث الشاذ إلا من الرجل الشاذ.
وقال أحمد بن حنبل عن بعض طلبة العلم: تركوا الحديث وأقبلوا على الغرائب، ما أقل الفقه فيهم!
стр. 169
الرد على الحاكم والخليلي في تعريفهما للحديث الشاذ
وقد عاب ابن الصلاح ما ذهب إليه الحاكم والخليلي حيث قالا: إن الشاذ هو انفراد الثقة، سواء خالف أو لم يخالف، ثقة أو غير ثقة.
ورده بالأحاديث الغرائب والأفراد الصحيحة.
قال ابن الصلاح: أما حكم الشافعي عليه بالشذوذ فلا إشكال بأنه شاذ غير مقبول.
وكأنه يقول: إن كلام الشافعي في الشذوذ هو الكلام الأصل، وهو التعريف المعتمد في معنى الشاذ، وأما قول الحاكم وأبي يعلى الخليلي فهو كلام مشكل، أي: مردود.
ولو رددنا ما ينفرد به العدل الحافظ الضابط لرددنا حديث (إنما الأعمال بالنيات)، وحديث عبد الله بن دينار عن ابن عمر: (نهى النبي ﷺ عن بيع الولاء وعن هبته).
فهذا قد انفرد به عبد الله بن دينار عن ابن عمر، وكان أحمد بن حنبل يقول: كل الرواة عيال في هذا الحديث على عبد الله بن دينار، بمعنى: أنه لم يروه عن ابن عمر إلا عبد الله بن دينار، وكذلك حديث مالك عن الزهري عن أنس: (أن النبي ﷺ دخل مكة وعلى رأسه المغفر).
انفرد به مالك عن الزهري، وانفرد به الزهري عن أنس.
وقد قال مسلم بن الحجاج: للزهري نحو من تسعين حرفاً -أي: حديثاً- لم يشاركه فيها غيره، أي: لم يروها غيره من الرواة، فلو كان ما انفرد به الراوي شاذاً للزمنا أن نرد هذه التسعين حديثاً التي معظمها في البخاري ومسلم.
يقول: ولو روى ثقة مخالفاً لما رواه الضعفاء فالعبرة لروايته لا لروايتهم.
أي: لو أن الراوي الثقة روى حديثاً وروى جماعة ضعفاء حديثاً يخالف رواية الثقة، فالمقبول حديث الثقة دون حديث الضعفاء، ولا تضر هذه المخالفة في صحة الحديث الأصل الذي هو من رواية الثقة.
والمراد بالناس في قول الشافعي ﵀ هم الحفاظ الضابطين المتقنين، وهذا هو الظاهر من كلام الشافعي أيضاً، ومما يدل عليه قول الإمام أحمد للإمام البخاري عندما أراد أن يترك بغداد: تترك العلم والناس وتصير إلى خراسان؟ فكلمة الناس هنا بمعنى العلماء وأهل الفضل والصلاح، فلا يُحمل قول الإمام الشافعي أن الناس هنا المقصود بهم عوام الناس.
стр. 170
تعريف ابن حجر للحديث الشاذ والحديث المنكر
قال الحافظ ابن حجر في شرح النخبة: فإن خولف الراوي بأرجح منه -وهذا يدل هذا على أن هناك راجحاً ومرجوحاً- لمزيد ضبط أو كثرة عدد أو غير ذلك من وجوه الترجيحات، فالراجح يقال له: المحفوظ، ومقابله هو المرجوح يقال له: الشاذ.
فالحديث الشاذ هو: حديث الثقة الذي خالف فيه من هو أوثق منه أو خالف فيه من هو أكثر عدداً منه.
وأما مخالفة الضعيف للثقة فيطلق على مخالفة الضعيف المنكر، وحديث الثقة يطلق عليه المعروف.
وإذا تفرد الثقة بحديث فلا يطلق عليه شاذ، وإنما يطلق عليه حديث صحيح، يُعمل به في العقائد والأحكام وسائر أمور الإسلام.
وإذا كان هذا الراوي من الحفاظ الضابطين المتقنين فلا شك أنه حديث صحيح، وإذا كان ينزل عن مرتبة التوثيق وتمام العدالة والضبط إلى مرتبة الصدق والأمانة فهو حديث حسن.
وقد ذهب قوم إلى أن ما تفرد به الصدوق شاذ، وهذا كلام غير معقول ولا مقبول؛ لأن ما يتفرد به الثقة حديث صحيح، وما يتفرد به الصدوق حديث حسن.
стр. 171
أنواع الشذوذ
الشذوذ قد يكون في السند وقد يكون في المتن.
стр. 172
الشذوذ في السند
فمثال الشذوذ في السند: ما رواه الترمذي من طريق سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن عوسجة عن ابن عباس: (أن رجلاً توفي على عهد رسول الله ﷺ ولم يدع وارثاً إلا مولى له هو أعتقه، فقال ﵊: هل له أحد؟ قالوا: لا، إلا غلام أعتقه، فجعل ﷺ ميراثه له).
فهذا الحديث تابع ابن عيينة فيه ابن جريج وغيره عن عوسجة ولكنهم لم يذكروا ابن عباس.
فالمخالفة والشذوذ هنا في السند، بذكر ابن عباس في طريق ابن عيينة، وأما في طريق ابن جريج وغيره فلم يذكروا ابن عباس، وإنما رووه مرسلاً عن عوسجة، فهذه مخالفة شاذة من النوع الثاني، وهي مخالفة الثقة لمجموع الثقات.
قال أبو حاتم: المحفوظ حديث ابن عيينة، وتكون رواية حماد بن زيد من الحديث الشاذ، حيث إنه خالف من هو أولى منه، فـ حماد بن زيد من أهل العدالة والضبط، ومع ذلك رجّح أبو حاتم رواية من هم أكثر عدداً كما قال الحافظ ابن حجر ﵀.
والذي لا يأخذ بحديث الثقات على اعتبار أنهم غير معصومين وأن الخطأ جائز في حقهم، نقول له: ونحن كذلك لا نأخذ بقولك هذا؛ لأنك فرد وجائز عليك الخطأ والوهم، فنرد عليه بمثل منطقه تماماً.
стр. 173
الشذوذ في المتن
ومن أمثلة الشذوذ في المتن: ما رواه أبو داود والترمذي من حديث عبد الواحد بن زياد عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة مرفوعاً (إذا صلى أحدكم ركعتي الفجر فليضطجع عن يمينه).
وهذا الحديث قولي وليس فعلياً، ففيه: (إذا صلى أحدكم ركعتي الفجر فليضطجع عن يمينه).
وخولف عبد الواحد بن زياد في ذلك.
قال البيهقي: خالف عبد الواحد العدد الكثير في هذا، فإن الناس إنما رووه من فعل النبي ﵊ لا من قوله، وانفرد عبد الواحد من بين ثقات أصحاب الأعمش بهذا اللفظ، فمتن هذا الحديث شاذ، أي: أن عبد الواحد -وهو ثقة- تفرد بروايته من قول النبي ﷺ مخالفاً العدد الكثير الذين رووه من فعله ﷺ ، وقد قالت عائشة ﵂: (كان النبي ﷺ إذا صلى ركعتي الفجر اضطجع عن يمينه).
فـ عائشة تحكي فعل النبي ﵊.
فلو كان هذا الحديث من قول النبي ﵊ لاختلف عما إذا كان من فعله، ومعلوم الفرق بين الحديث القولي والحديث الفعلي.
فالحديث القولي أمر موجه للأمة لا يجوز لأحد التخلف عنه إلا إذا ثبت أنه منسوخ أو غير ذلك.
وقد أخذ بهذا الحديث ابن حزم وقال: من لم يضطجع بعد ركعتي الفجر فليست صلاته -أي الفجر- بصحيحة، وهذا ليس له علاقة بصحة الصلاة وغيرها؛ فكلام ابن حزم بعيد؛ لأن شروط صحة الصلاة هي: استقبال القبلة، والنية، وطهارة الملبس، طهارة المكان، وكذا، وأما الاضطجاع فليس من شروط صحة الصلاة، ولكن ابن حزم أدخله في صلاة الفجر بالذات، وقال: من لم يضطجع فليست صلاته صحيحة، وهذا الكلام مردود وشاذ؛ لأنه خالف به جمهور الناس.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، وصلِّ اللهم على النبي محمد، وعلى آله وأصحابه وسلم تسليماً كثيراً.