Полный текст (173 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
حكم حديث فاقد كتابه
فإذا فقد الكتاب لأي علة من العلل التي ذكرناها فلا يمنع أن يكون الراوي ضابطاً ضبط صدر وضبط كتاب، ولكن من غلب عليه الاعتماد على الكتاب فلا يؤمن عليه الغلط في ضبط الصدر إذا حدّث من غير كتاب، وهذا لا يمنع من أنه يحفظ أحياناً، فإذا فقد الكتاب فإن وافقت روايته رواية الثقات قبل حديثه، وإذا لم توافق روايته رواية الثقات رُد حديثه، هذا في حالة ما إذا كان له أقران، أو أتت هذه الرواية من غير طريقه.
ولو كان هو المتفرد بالرواية فإن كان غالب اعتماده على الكتاب ردت روايته بعد فقده للكتاب.
فإن لم يعرف متى فقد الكتاب، ولا الأحاديث التي حدّث بها قبل فقد الكتاب وبعد فقده، ردت جميع رواياته إلا ما وافق منها الثقات، فإذا خالف الثقات أو تفرد برواية ليست عند غيره ردت، وأما ما وافق فيه الثقات أو جاءت الرواية عنه من طريق من رووا عنه قبل الاختلاط، أو قبل ضياع الكتاب، أو قبل حرقه، فلما ضاع الكتاب أو احترق أو اختلط الراوي توقفوا عن الرواية عنه، فتقبل روايته من طريقهم.
وذلك مثل عبد الله بن لهيعة، فقد كان يحدث من كتاب ثم احترق كتابه، وكان أشهر من أخذ عنه قديماً عبد الله بن المبارك وعبد الله بن يزيد المقرئ وعبد الله بن وهب المصري، ثم لما حدث لكتاب ابن لهيعة ما حدث توقفوا تماماً عن الرواية عنه، والذين توقفوا عن الرواية عنه بعد احتراق كتبه بلغوا ثماني عشرة نفساً، وهم مذكورون في كتب التراجم والرجال، لكن أشهر الرواة الذين توقفوا عن الرواية عنه هم العبادلة الثلاثة - ابن المبارك وابن يزيد المقرئ وابن وهب - فإذا أتت الرواية عن ابن لهيعة من طريق هؤلاء العبادلة فهي على الاستقامة؛ لأنهم رووا عنه قبل الاختلاط، فلما ضاع كتابه توقفوا عن الرواية عنه.
فإذا عُلم من ترجمة الراوي أنه توقف عن الرواية عمن اختلط قُبل حديثه، وما لم يُعلم عنه توقُف فيه، ونرجع إلى الأصل، فما وافق فيه الثقات أخذنا به، وما خالف أو انفرد رددناه.
стр. 107
الشرط الرابع: السلامة من الشذوذ
الشرط الرابع: السلامة من الشذوذ.
والشذوذ له معنيان في الاصطلاح: المعنى الأول هو: ما خالف فيه الثقة من هو أوثق منه.
والفارق بين الشذوذ وبين زيادة الثقة دقيق جداً، فالشذوذ فيه مخالفة، وزيادة الثقة ليس فيها مخالفة.
فالمعنى الأول من معاني الشذوذ: هو مخالفة الثقة لمن هو أوثق أو أحفظ منه، حتى وإن كان واحداً، كأن يخالف راو صدوق راوياً ثقة؛ لأن مسألة الصدق أقل في التعديل من مسألة التوثيق، وكذلك الثقة أقل في الحفظ والضبط من الحافظ، والحافظ أقل في الحفظ والضبط من أمير المؤمنين في هذا العلم.
وكما أن التعديل درجات، فكذلك الجرح درجات، وأعلى مراتب التعديل ما كان بصيغة أفعل التفضيل، كأن نقول: أوثق الناس، أو أحفظ الناس، أو أضبط الناس، أو أتقن الناس، هذه أعلى درجات التعديل.
ومنها: أن يكون اللفظ مكرراً، كأن نقول: ثقة ثقة، أو يكون اللفظ أو اللفظان مقترنين، كأن نقول: ثقة حافظ، أو ثقة متقن، أو ثقة ضابط أو غير ذلك.
ثم بعد ذلك نقول: ثقة، وصدوق، ولا بأس به، وليس به بأس، ويحتمل، ويعتبر به، وغير ذلك من الألفاظ التي تدل على التعديل.
فمنها العالي، ومنها العالي جداً، ومنها الوسط، ومنها الداني.
وكذلك ألفاظ الجرح تختلف تبعاً لاختلاف ألفاظ التعديل، فمنها: أكذب الناس، وكذّاب، ويكذب، ويسرق الحديث، وضعيف، ومن أضعف الناس، ولا يعتبر به، والمستور والمغفّل وسيئ الحفظ، وكثير الخطأ وغير ذلك من الألفاظ التي تفيد الجرح.
فإذا خالف الثقة حافظ، أو الصدوق فنقول: الرتبة في التعديل مختلفة مع مخالفة الرواية، وفي هذه الحالة نحكم على هذا الحديث بأنه حديث شاذ؛ لمخالفة الثقة لمن هو أوثق منه.
والمعنى الثاني من معاني الشذوذ هو: مخالفة الثقة لمجموع الثقات، فلو أن عشرة رواة في درجة واحدة من التوثيق والتعديل، ورواية أحدهم تخالف رواية التسعة، فلا شك أن المعقول والمقبول نسبة الخطأ إلى الواحد لا إلى الجماعة، واحتمال الوهم والخطأ والنسيان عليه أقرب وأولى من إلصاقه بالجماعة، فنقول في هذه الحالة: إن هذا الراوي أخطأ رغم أنه ثقة.
فالحديث الشاذ: هو مخالفة الثقة لمن هو أوثق منه، أو لمجموع الثقات.
стр. 108
شروط الحكم بالشذوذ على الحديث
الحكم على الحديث أنه شاذ لا بد فيه من توافر أمور: الشرط الأول: وجود المخالفة.
الشرط الثاني: أن تكون هذه المخالفة بين راو ثقة مع من هو أوثق منه، أو مع مجموع الثقات.
الشرط الثالث: أن يكون المخالف ثقة، وهذا الشرط للاحتراز من أن يكون المخالف ضعيفاً.
لو كان المخالف ضعيفاً فالحديث منكر، فلو حكم شخص مثلاً على حديث خالف فيه الراوي الضعيف الراوي الثقة بأنه حديث شاذ لقلنا له: إنه لا يفهم المصطلحات؛ لأن الحكم اللائق اصطلاحاً وبهذا الحديث أنه حديث منكر وليس شاذاً.
فالحديث المنكر هو مخالفة الراوي الضعيف للراوي الثقة، فالحديث المنكر لابد فيه من شرطين: أن يكون الراوي ضعيفاً، وأن يكون مخالفاً لبقية الأحاديث.
فإذا كان الراوي ضعيفاً ولم يخالف فيه الثقة عد إسناده ضعيفاً، وأما الحديث فمقبول من الطريق الآخر، ويُنظر في الضعف، فإن كان ضعفاً يسيراً فإنه يتقوى بالطريق الآخر، وإن كان شديداً استغني بالطريق الصحيح عن الطريق الضعيف.
стр. 109
ضعف الإسناد لا يسلتزم ضعف الحديث
نجد في كتب المحققين عندما يحقق أحدهم كتاباً معيناً من الكتب المسندة يتكلم عن الإسناد الوارد في الكتاب بعينه ويقول: إسناده ضعيف والحديث صحيح.
فهذا الإسناد بعينه ضعيف؛ لوجود الراوي فلان، ولكن الحديث ورد من طرق أخرى، وقد تكون الطرق الأخرى بذاتها صحيحة فيصح الحديث دون النظر إلى هذا الإسناد بعينه، وإما أن تكون الأسانيد الأخرى نفسها فيها ضعف، ولكن ضعفها يسير يتقوى بها الحديث لو اجتمعت هذه الطرق كلها بعضها إلى بعض، فنقول في هذه الحالة: إن هذا الإسناد بعينه ضعيف، ولكن الحديث يرتقي من الضعف إلى الحسن أو إلى الصحة؛ لتعدد طرقه.
ولفظ الغرابة يخضع لمصطلح كل عالم رغم أن المقصود بها التفرد، وهي عند الترمذي بمعنى الضعف، وعند الحافظ ابن كثير في تفسيره بمعنى النكارة، ولا مشاحة في الاصطلاح إذا عُرف هذا عن كل مصنّف في كتابه.
стр. 110
الشرط الخامس: السلامة من العلة
الشرط الخامس من شروط صحة الحديث: انتفاء العلة، أي: عدم وجودها.
والعلة في اللغة: المرض.
وهو حقيقة في الأجسام، ثم استعير هذا المعنى لإلحاقه بالحديث غير الصحيح.
وفي الاصطلاح هي: سبب خفي يقدح في صحة الحديث مع أن الظاهر السلامة منه.
стр. 111
العلة المشترط انتفاءها من الحديث الصحيح
فالعلة: هي سبب خفي؛ لأن العلل الظاهرة يضعف بها الحديث بمجرد النظر لأول وهلة، فالحديث الذي ليس فيه التابعي أو الصحابي مثلاً سبب ضعفه ظاهر، وهو الانقطاع، والحديث الذي ليس فيه شيخ المصنف سبب ضعفه ظاهر، ولو قال البخاري مثلاً: قال الزهري لكان الحديث ضعيفاً؛ لأن البون شاسع جداً بين البخاري والزهري، فبينهما على الأقل راويين، ونقول: هذا الإسناد ظاهر الانقطاع، ولا تسمى هذه علة خفية، ولكن علة ظاهرة.
стр. 112
العلل الخفية لا يدركها إلا العلماء النقاد الجهابذة
والعلة هنا المقصود بها العلة الخفية التي تلحق الإسناد وتقدح في صحته مع أن الظاهر السلامة منها، ولا يطّلع عليها ولا يعرفها إلا العلماء النُقّاد الجهابذة، وهي تلحق الحديث وتقدح في صحته مع أن الظاهر السلامة منها، وهذه العلة لا يتسنى لأي عالم معرفتها، بل هذا حكر ووقف على النقاد الجهابذة كـ الدارقطني والبخاري وأحمد بن حنبل وأبي حاتم الرازي وأبي زرعة وغيرهم من الأئمة.
قال الحافظ ابن حجر: وهذا الفن من أغمض أنواع الحديث وأدقها مسلكاً، ولا يقوم به إلا من منحه الله ﵎ فهماً غائصاً، واطلاعاً حاوياً، وإدراكاً لمراتب الرواة، ومعرفة ثاقبة، ولذلك لم يتكلم فيه إلا أفراد من أئمة هذا الشأن وحُذّاقهم، وإليهم المرجع في ذلك؛ لما جعل الله لهم من معرفة ذلك والاطلاع على غوامضه، دون غيرهم ممن لم يمارس ذلك، وقد تقصر عبارة المعلل -يعني: أن الذي يعلل الحديث تقصر عبارته عن ذكر العلة، فقد يقول لك: هذا الحديث معلول، فإذا سألته: ما هي علته؟ لم يستطع التعبير عنها، ولذلك بعض الناس يقول: إن العلة في الحديث كهانة، فهم يعبرون عن غموض العلة وعدم القدرة على التعبير عنها بالكهانة- فلا يفصح بما استقر في نفسه، أي: أنه يشك في أن الحديث معلول، فإذا سألته: ما هي علته؟ قال: في نفسي شيء من الحديث لا أستطيع التعبير عنه.
وذلك مثل الصراف يقول لك: هذا الدولار مضروب، فإذا قلت له: من الذي ضربه؟ قال: لا أعرف، وإذا قلت له: ما هي العلة التي عرفت بها ضربه؟ قال: لا أعرف.
فهو لا يستطيع أن يعبر عن العلة التي لحقت هذا الدولار، وهذا كالحاسة السادسة، فهو لا يستطيع أن يعبر ولا أن يقدم دليلاً مادياً محسوساً على أن هذا الدولار مضروب، وإنما وقع في قلبه أن هذا الدولار ليس جيداً، وبناء عليه امتنع عن أن يقبله، وكذلك الناقد الكبير في هذا الفن يقول لك: إن هذا الحديث معلول، فإذا سألته: ما هي علته؟ قال: لا أعرف، فعبارتي تقصر عن إفادة العلة في هذا الحديث، وتجده يقسم أيضاً على أنه معلول.
فهو متأكد، ولكنه لا يستطيع التعبير عن العلة.
فمتى وجدنا حديثاً قد حكم إمام من الأئمة المرجوع إليهم بتعليله فالأولى اتباعه في ذلك؛ لأننا نتّبعه في التصحيح، فلِم لا نتبعه في التعليل؟ فكما نتّبعه في تصحيح الأحاديث إذا صححها فلنتبعه أيضاً في تعليل الحديث إذا علله.
وهذا الإمام الشافعي مع إمامته وجلالته يحيل القول على أئمة الحديث في كتبه، فيقول: وفيه حديث لا يثبته أهل العلم الكبار بالعلل، وهذا حيث لا يوجد مخالف منهم لذلك المعلل، وحيث يصرّح بإثبات العلة.
ويقول السخاوي: وهذا النوع من علوم الحديث -أي: الحديث المعلل- من أغمض أنواع الحديث وأدقها، ولذا لم يتكلم فيه إلا الجهابذة أهل الحفظ والخبرة والفهم الثاقب، مثل ابن المديني وأحمد بن حنبل والبخاري ويعقوب بن شيبة وأبي حاتم وأبي زرعة، ولخفاء هذا النوع كان بعض الحفّاظ يقول: معرفتنا بهذا كهانة عند الجاهل.
وكان عبد الرحمن بن مهدي شيخ الإمام أحمد والشافعي يقول: هو إلهام -أي: إن معرفة العلل إلهام- ولو قلت للقيّم بالعلل: من أين لك هذا؟ لم تكن له حجة يعبر بها، وإلا ففي نفسه حجج للقبول والرفض.
وسئل أبو زرعة الراوي عن الحجة لقوله عندما سئل عن حديث، فقال: معلول؟ فقال: لا أستطيع أن أقول لك ما هي حجتي، ولكن اذهب واسأل ابن وارة -وهو من أئمة الحديث- فإذا قال لك مثل قولي فاذهب إلى أبي حاتم، فإذا قال لك مثل قولنا فاعلم أن الحديث معلول، ففعل الرجل ذلك فاتفقوا جميعاً، فاعلم أن هذا الأمر على الحقيقة، فقال: أشهد أن هذا العلم إلهام، فلو لم تكن له علة لما اتفق أبداً كلام أبي زرعة مع كلام أبي حاتم وكلام ابن وارة، فلما اتفقوا دل على أن الأمر فعلاً فيه علة، ولما قصرت عبارة هؤلاء جميعاً عن ذكر هذه العلة دل على أنها إلهام من الله لهؤلاء العلماء.
стр. 113
طرق معرفة العلل الخفية
ومعرفة العلة لا تأتي إلا بطول الممارسة والخبرة الطويلة جداً، حتى يعلم العالم ما يمكن أن يصدر عن النبي ﷺ ، بل وما يمكن أن يصدر عن الرواة أنفسهم.
ولو أن ملكاً أو رئيساً من رؤساء الدنيا عنده خادم خدمه خمسين أو ستين عاماً فإنه لا يتصور أن يبقى شيء من أمر الملك أو الرئيس إلا ويعلمه ذلك الخادم، وخاصة ما يمكن أن يقوله ذلك الرئيس وما لا يمكن أن يقوله، فإذا كان لم يسمع الملك تلفظ بكلمة قبيحة طوال الخمسين سنة ثم أتى من يقول له: إن الملك يتكلم بألفاظ قبيحة، فسيكذبه الخادم من أول وهلة؛ لأنه منذ خمسين سنة يخدم الملك ويعرف ما يمكن أن يصدر عنه من ألفاظ، وأنه لا يمكن أن يصدر منه العيب أبداً.
وكذلك العالم الكبير في هذا الفن الذي مارس حديث النبي ﷺ حياته كلها، فقد أصبح لديه حاسة إذا سمع لفظاً أو إسناداً عرف أن هذا الإسناد مستقيم أو غير مستقيم، وهذا الكلام يصدر أو لا يصدر عن المعصوم ﷺ ؛ لكثرة ممارسته للأسانيد وحفظه للرجال ومراتبهم وطبقاتهم، وبناء على خبرته الطويلة يحكم بأن هذا الحديث معلول أو غير معلول.
فعلم العلل عبارة عن إلهام من الله يلقيه في قلوب النُقّاد، وليس معنى هذا أن يحدث كل منا ويقول: هذا حديث موضوع، وهذا حديث صحيح، وأن هذا يمكن أن يصدر عن النبي ﷺ وهذا لا يمكن أن يصدر عنه ﷺ ، بل هذا الكلام يقوله ابن المديني والبخاري والدارقطني.
وقد بين الخطيب البغدادي السبيل إلى معرفة العلة إذا كان يمكن أن يتوصل إليها، وذلك بما يعرف في هذا العلم بالتتبع، والشواهد، والاعتبار.
وهو: جمع طرق الحديث من بطون كتب السنة والمقارنة بينها؛ حتى يعرف ما إذا كان هذا الحديث مرفوعاً أو موقوفاً، أو موصولاً أم مرسلاً، ثم الترجيح بينها، فإذا ترجّح الرفع كان الوقف هو المعلول، وإذا ترجّح الوقف كان الرفع هو المعلول، فإذا كان الحديث قد روي مرفوعاً من طريق الحفاظ الثقات الضابطين، وروي موقوفاً من طريق أهل الصدق والستر والأمانة رجح المرفوع.
قال الحافظ ابن رجب الحنبلي: حذاق النقاد من الحفاظ لكثرة ممارستهم للحديث ومعرفتهم بالرجال وأحاديث كل واحد منهم؛ لهم فَهْمٌ خاصٌّ يفهمون به أن هذا الحديث يشبه حديث فلان ولا يشبه حديث فلان، فيعللون الأحاديث بذلك.
فمثلاً إذا أتى حديث من طريق الزهري، ونفس الحديث جاء من طريق حماد مثلاً قالوا: هذا الحديث أليق بـ الزهري، أي: أنه أشبه بـ الزهري، ويقولون: أخطأ فيه حماد.
وهذا يرجع فيه إلى الفهم والمعرفة التي خصوا بها عن سائر أهل العلم.
стр. 114
العلة القادحة والعلة التي لا تقدح
والعلة منها ما هو قادح، ومنها ما هو غير قادح.
فالقادحة هي التي تطعن في صحة الحديث.
وغير القادحة هي التي لا تطعن في صحة الحديث.
ومثال العلة غير القادحة في السند مثلاً: أن يروى حديث عن راو مدلس من أربعة طرق، ثلاثة منها يقول فيها: عن فلان، وفي الطريق الرابع قال: حدثني فلان؛ فهنا صرّح بالتحديث، وهذا يجبر عنعنته في الطرق الثلاثة الأولى؛ لأنه صرّح بالتحديث، وهذا ينفي عنه شبهة التدليس، فهذه العلة غير قادحة؛ لأنه صرّح بالتحديث في مكان آخر.
стр. 115
بعض صور العلل القادحة وغير القادحة
النوع الأول: العلة القادحة في الإسناد دون المتن، وتقدح فيه ولا تقدح في المتن، وذلك كحديث: (البيّعان بالخيار ما لم يتفرقا، فإذا تفرقا فقد وجب البيع).
وهذا بخلاف البيوع المحرّمة والمنهي عنها، كالملامسة والمنابذة، وقد كانت هذه البيوع موجودة في الجاهلية، فقد كان البائع يقول للمشتري: انبذ إلي وأنبذ إليك، بمعنى: لو دفعت لك السلعة فقد وجب عليك أن تدفع لي الثمن أعجبتك أو لم تعجبك، وفي الملامسة كان يقول له: لا تضع يدك على السلعة، فلو وضعت يدك عليها فقد وجب البيع.
وهذا الحديث رواه يعلى بن عبيد الطنافسي عن الثوري عن عمرو بن دينار، ويعلى بن عبيد هو الوحيد الذي يرويه عن الثوري عن عمرو بن دينار، وأصحاب الثوري يروونه عن الثوري عن عبد الله بن دينار وليس عن عمرو، ففي هذه الحالة نقول: إن يعلى بن عبيد أخطأ في هذا الإسناد، فقال: إن شيخ الثوري عمرو بن دينار وهو في الحقيقة عبد الله بن دينار.
وهذه العلة لا تؤثر في المتن؛ لأنه أتى من وجوه أخر صحيحة.
النوع الثاني: أن تقع العلة في الإسناد وتقدح فيه وفي المتن معاً، وذلك مثل إبدال راو ضعيف براو ثقة، كـ حماد بن أسامة كان يروي عن شيخه عبد الرحمن بن يزيد بن تميم، وكان يعرف من اسمه عبد الرحمن بن يزيد فقط، فغلب على ظنه أن اسمه عبد الرحمن بن يزيد بن جابر فكان يقول من عند نفسه: حدثنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، وهو في الحقيقة ابن تميم، فهنا يضعف الحديث رغم أن العلة لحقت بالإسناد؛ لأن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر ضعيف وابن تميم ثقة، فهو أبدل الراوي الثقة براو ضعيف، فهذه العلة تقدح في السند والمتن معاً؛ لأن الراوي ضعيف.
النوع الثالث: أن تقع العلة في المتن ولا تقدح فيه ولا في الإسناد، كمثل ما وقع من اختلاف في ألفاظ كثيرة من أحاديث الصحيحين، فإن أمكن رد الجميع إلى معنى واحد فإن القدح ينتفي عنها، وهذا الذي نسميه وجوه الترجيح.
النوع الرابع من أنواع العلة: أن تقع العلة في المتن دون الإسناد، وذلك مثل حديث أنس ﵁: (أنهم كانوا لا يقرءون ببسم الله الرحمن الرحيم، وكانوا يفتتحون بالحمد لله رب العالمين)، فـ أنس فهم أنهم كانوا لا يذكرون بسم الله الرحمن الرحيم، وهناك فرق بين الصورتين؛ لأن السورة نفسها تسمى سورة الحمد، فحينما كانوا يفتتحون بالحمد لله رب العالمين، فهذا لا ينفي أنهم يذكرون بسم الله الرحمن الرحيم، فهي آية من الفاتحة على الراجح من أقوال أهل العلم، وأما قوله: كانوا لا يذكرون بسم الله الرحمن الرحيم فهذا نفي لقراءة البسملة، والصورة الأولى لا تمنع قراءة البسملة؛ لأن السورة نفسها يُطلق عليها سورة الحمد، فكانوا يبدءون القراءة بسورة الحمد، ولا ينفي ذلك أنهم يقرءون بسم الله الرحمن الرحيم.
وقول أنس استدل به من قال: إن البسملة ليست آية من القرآن حتى الفاتحة.
والراجح: أنهم كانوا يذكرونها سراً.
النوع الخامس من أنواع العلة: أن تقع في المتن وتقدح فيه وفي الإسناد معاً، وذلك كالحديث الذي يرويه راو بالمعنى ويخطئ في معناه، والمراد بلفظ الحديث غير ذلك، فإن ذلك يستلزم القدح في الراوي.
стр. 116
شروط رواية الحديث بالمعنى
الأصل عند السلف أن يروى الحديث بلفظه.
وذهب جمهور أهل العلم إلى جواز الرواية بالمعنى، بشرط أن يكون الراوي عالماً بما تحيل إليه الألفاظ من المعاني؛ لأن الراوي الذي يروي الحديث بالمعنى لا شك أنه يأتي بألفاظ من عنده هو، فإن لم يستطع ضبط الألفاظ التي أتى بها مع الألفاظ الموجودة في الحديث فسوف يغير المعنى، وربما يكون في لفظه ما يحتمل أحكاماً جديدة وليست موجودة في أصل الحديث، أو ربما يأتي بلفظ يخل بالمعنى، فيصرف الحديث عن مراد رسول الله ﷺ الذي أراده، فالذي يروي الحديث بالمعنى لا بد وأن يكون عالماً بما تحيل إليه الألفاظ من المعاني، وإلا يحرم عليه أن يروي الحديث بالمعنى.
فإذا روى الراوي الحديث بالمعنى فأتى بألفاظ تحتمل أحكاماً ليست موجودة، أو تنفي أحكاماً موجودة، أو غيّر أو بدّل فهذا التغيير والتبديل والزيادة والنقصان علّة تلحق المتن، وبالتالي تقدح في الراوي، وهذه العلة التي لحقت المتن تؤثر في المتن كما تؤثر في الإسناد أيضاً.
ذكر الحاكم أبو عبد الله في كتابه معرفة علوم الحديث العلل وقسّمها إلى عشرة أجناس، ولخّصها السيوطي في تدريب الراوي، فمن أراد الاطلاع عليها فليراجعها في تدريب الراوي أو في معرفة علوم الحديث للحاكم.
стр. 117
دورة تدريبية في مصطلح الحديث [٥]
من أقسام الحديث باعتبار القبول والرد الحديث الحسن، وقد اختلفت عبارات العلماء في تعريفه، وذلك لأن الحسن أمر نسبي قد يقترب من الصحة وقد يبتعد عنها، وقد يرتقي الضعيف فيصير حسناً لغيره إذا كان ضعفه مما ينجبر واعتضد بغيره.
стр. 118
الحديث الحسن
باسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليماً كثيراً.
وبعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
الحديث الصحيح لذاته: هو ما اتصل سنده بنقل العدل الضابط أو تام الضبط عن مثله إلى منتهاه من غير شذوذ ولا علة.
واختلف أهل العلم في تعريف الحديث الحسن لذاته على أكثر من عشرة أقوال، ومدارها على قولين أو ثلاثة.
يقول الإمام ابن كثير: وهذا النوع لما كان وسطاً بين الصحيح والضعيف -في نظر الناظر لا في نفس الأمر- عسر التعبير عنه وضبطه على كثير من أهل هذه الصناعة، وذلك لأنه أمر نسبي ينقدح عند الحافظ، وربما تقصر عبارته عنه.
فالحديث من حيث الصحة والضعف ينقسم إلى: صحيح، وحسن، وضعيف.
والحديث الحسن هو المرتبة الوسط بين الصحيح وبين الضعيف، والمرتبة الوسط تحتاج إلى جهد عظيم حتى تُضبط؛ لأن طرفيها لهما علاقة بما فوقها وما تحتها، فالحديث الحسن له علاقة بالضعيف، كما أن له علاقة بالصحيح، فهو يأخذ من هذا ومن هذا.
يقول: وقد تجشم كثير منهم حده، أي: وقد تعرّض له كثير من أهل العلم بمعرفة ماهيته وموضوعه وحده.
стр. 119
تعريف الخطابي للحديث الحسن
قال الخطابي: هو ما عُرف مخرجه واشتهر رجاله، وعليه مدار أكثر الحديث، وهو الذي يقبله أكثر العلماء، ويستعمله عامة الفقهاء.
فقوله: هو ما عُرف مخرجه، هذا الكلام يشترك فيه الصحيح والضعيف مع الحسن؛ لأن الصحيح أيضاً هو ما عُرف مخرجه، والضعيف كذلك أيضاً ما عُرف مخرجه، فالأول ما عُرف مخرجه بالصحة، والثاني ما عُرف مخرجه بالضعف.
فهذا الكلام غير جامع؛ لأنه يجمع الحسن مع الصحيح والضعيف، وغير مانع من دخول غير الحسن فيه.
فهذه الجزئية من التعريف فيها نظر.
وإذا كان قتادة يروي عن البصريين استقام حديثه، فروايته معروفة عن البصريين، وإذا روى عن غيرهم كان حديثه معلولاً.
والعبادلة إذا رووا عن ابن لهيعة كان حديثهم مستقيماً؛ لأنه معروف المخرج.
ثم قال: واشتهر رجاله، ولم يقل: واشتهر رجاله بالتوثيق، ولا بالعدالة، ولا بالضعف، ولا بالصدق والأمانة، فهذه الجزئية أيضاً جزئية عامة؛ لأن الحديث الصحيح اشتهر رجاله أيضاً، كما أن الحديث الضعيف أيضاً اشتهر رجاله.
يقول: وعليه مدار أكثر الحديث، أي: أن معظم السنة تدور على هذا النوع من الحديث، وهو الحديث الحسن.
وهذا مما ينازع فيه؛ إذ لم لا يكون مدار السنة على الحديث الصحيح؟ ثم يقول: وهو الذي يقبله أكثر العلماء، ويستعمله عامة الفقهاء.
وهذا الكلام أيضاً ينطبق على الحديث الصحيح.
فهذا التعريف عليه انتقادات شتى.
فقوله: وعليه مدار أكثر الحديث، يعني: أن الأحاديث التي صحت اتفاقاً قليلة جداً، ومعظم الأحاديث المعمول بها في العقائد والأحكام من قبيل الحديث الحسن.
يقول الحافظ: فإن كان المعرّف هو قوله: ما عُرف مخرجه واشتهر رجاله فالحديث الصحيح كذلك، بل والضعيف، وإن كان بقية الكلام من تمام الحد فإنا ننازعه بقوله: ما عُرف مخرجه واشتهر رجاله.
وليس هذا الذي ذكره الخطابي مسلماً له من أن أكثر الحديث من قبيل الحسن، ولا هو الذي يقبله أكثر العلماء ويستعمله عامة الفقهاء.
стр. 120
تعريف ابن حجر للحديث الحسن
التعريف الثاني: تعريف الحافظ ابن حجر، فقد عرّف الحديث الصحيح بقوله: هو ما اتصل سنده بنقل عدل تام الضبط عن مثله إلى منتهاه من غير شذوذ ولا علة، فإن خف الضبط فالحسن لذاته.
فجعل الحافظ ابن حجر الفرق بين الصحيح والحسن لذاته خِفّة ضبط الراوي.
فقال: فإن خف الضبط فالحسن لذاته.
فالحسن عند الحافظ ابن حجر هو: الحديث الذي اتصل سنده بنقل العدل خفيف الضبط.
يعني: أنه نزل من مرتبة الثقة إلى مرتبة الصدوق.
فالإسناد الذي رواته كلهم ثقات ما عدا واحداً -وهو صدوق- هو إسناد حسن، فإن كان كل رواته ثقات فهو صحيح.
فالراوي إذا اختل ضبطه شيئاً يسيراً نزل من مرتبة الثقة إلى مرتبة الصدوق، وهذا هو راوي الحديث الحسن.
والحافظ ابن حجر تكلم هنا عن الحسن لذاته، فقد قال: فإن خف الضبط فالحسن لذاته.
стр. 121
تعريف ابن الجوزي للحديث الحسن
التعريف الثالث تعريف ابن الجوزي قال: هو الحديث الذي فيه ضعف قريب محتمل ويصلح للعمل به.
فقال: هو الحديث الذي فيه ضعف، ولم يقل: خفة ضبط، والضعف أنواع، منه ما هو شديد، ومنه ما هو متوسط، ومنه ما هو يسير.
فالضعف الشديد لا ينجبر وإن أتى من مائة طريق بمثل هذا الضعف.
والضعف المتوسط ينجبر إن أتى من طرق متعددة.
وأما الضعف اليسير والبسيط فيكفي أن يأتي من طريق آخر على هذا النحو، فهو يدل على أن الحديث في هذه الحالة له أصل، فيرتقي من الضعيف إلى الحسن لغيره.
والفرق بين الحديث الصحيح لذاته والصحيح لغيره: أن أسباب الصحة في الحديث الصحيح لذاته اجتمعت في ذات الحديث، ولم تأته القوة من خارجه، والصحيح لغيره أتته القوة من خارجه.
ومثال ذلك: لو أن هناك أخوين أحدهما فتى شاب يافع قوي، والآخر مريض هزيل، فالأول الذي اجتمعت فيه أسباب القوة والفتوة يخافه الناس؛ لأنه اجتمعت فيه أسباب القوة، وبإمكانه أن يبطش بمن يتعرض له في أي وقت، فأسباب القوة مجتمعة في ذاته هو، ولم تأته من خارج ذاته.
وأما الضعيف فيقول عنه الناس: إنه أيضاً قوي، ولكنه ليس قوياً في ذاته، بدليل أنه لو مات أخوه فسوف يعتدون عليه في كل وقت، وإنما يحترمونه الآن بسبب أن له ظهراً، فأسباب القوة أتت إليه من خارجه، فيقال عن هذا الضعيف: إنه قوي بأخيه وليس قوياً بنفسه، فأسباب القوة أتته من الخارج ولم تأته من ذاته ومن داخله.
وكذلك إذا كان الحديث صحيحاً لذاته، أي: أن أسباب القوة اجتمعت في ذاته هو ولم تأته من خارجه، وإذا كان الحديث صحيحاً لغيره دل ذلك على أن أسباب القوة أتته باجتماع الطرق، فيكون الحديث في أصله حسناً لذاته، ولكنه روي من عدة طرق.
فإذا أتى حديث بإسناد واحد يقل فيه ضبط الراوي شيئاً يسيراً فهو حديث حسن لذاته، ولو أتى من عدة طرق بهذا الوصف فكثرة هذه الطرق تجبر الخلل الذي حصل في ضبط الراوي، وترتقي بالحديث إلى منزلة الصحيح لغيره، ولا نقول عنه: إنه صحيح لذاته؛ لأنه لو كان لذاته فلا بد أن تجتمع أسباب القوة في إسناد واحد، ولكن عندما حصلت هذه القوة بمجموع أسانيد الحديث الواحد دل على أن الصحة كان سببها اجتماع الطرق والأسانيد، فيكون الحديث في هذه الحالة صحيحاً لغيره لا لذاته.
فقوله: هو الحديث الذي فيه ضعف قريب محتمل، أي: أن الحديث الحسن هو: الحديث الذي فيه ضعف قريب محتمل، يعني: يسيراً، فإذا لم يأت هذا الحديث من وجه آخر سمي ضعيفاً؛ لأن فيه راوياً ضعيفاً.
والضعف ثلاثة أنواع، وهذا أخفها، فإذا أتى هذا الحديث الذي فيه ضعف قريب محتمل من وجه واحد سمي حديثاً ضعيفاً، وإذا أتى من طريقين أو بإسنادين سمي حسناً لغيره؛ لأن أسباب الحُسن لم تجتمع في إسناد واحد.
وما يقال من أن الصحيح لغيره هو الحسن لذاته ورد من عدة طرق يقال كذلك في الحسن لغيره والضعيف، ولذلك يعرف العلماء الحديث الضعيف بأنه: ما لم يجمع شروط الصحيح ولا الحسن.
والتعريف الراجح هو: ما لم يجمع شروط الحسن؛ لأنه إذا لم يجمع شروط الحسن فمن باب أولى ألا يجمع شروط الصحيح.
فالحديث الحسن: هو ما فيه راو خفيف الضبط.
وأما الحديث الضعيف: فهو ما فيه راو ضعيف، وليس خفيف الضبط.
والضعيف منه ما يرتقي إلى الحسن لغيره ومنه ما لا يمكن أن يرتقي.
فتعريف ابن الجوزي إنما ينطبق على الحديث الحسن لغيره، وليس على الحديث الحسن لذاته.
الحديث الحسن لذاته أقوى من الحسن لغيره؛ لأن أسباب الحُسن اجتمعت في إسناد واحد، وكذلك الصحيح لذاته أقوى من الصحيح لغيره؛ لأن أسباب الصحة اجتمعت في إسناد واحد.
فالشيخ أراد أن يقول: إن الحديث الحسن هو ما كان فيه ضعف يسير محتمل، وأتى من وجه بنحوه.
هو لم يقل هذا الكلام هنا، لكنه موجود في كتابه الضعفاء.
ثم قال: وكل هذا مستبهم لا يشفي الغليل، يعني: مع كل هذا الكلام لم نحدد تماماً ما هو الحديث الحسن.
وأقوال أهل العلم كثيرة في تعريف الحديث الحسن، وهي أكثر من أن تحصى.
يقول: وليس فيما ذكره الترمذي والخطابي ما يفصل الحسن عن الصحيح، أي: أن تعريفهم متداخل بعضه في بعض.
стр. 122
تعريف ابن الصلاح للحديث الحسن وتقسيمه له
يقول ابن الصلاح: وقد أمعنت النظر في ذلك والبحث، فتنقح لي واتضح أن الحديث الحسن قسمان: النوع الأول: الحديث الحسن لذاته.
والنوع الثاني: الحديث الحسن لغيره.
أي: أن من العلماء من تعرّض لتعريف الحسن لذاته، ومنهم من عرف الحسن لغيره.
والحديث الحسن لغيره: هو الحديث الذي لا يخلو رجال إسناده من مستور لم تتحقق أهليته، غير أنه ليس مغفلاً كثير الخطأ، ولا هو متهماً بالكذب، ويكون متن الحديث قد روي مثله أو نحوه من وجه آخر، فيخرج بذلك عن كونه شاذاً أو منكراً.
وهذا التعريف هو تعريف الترمذي، أو هو المشهور بحد الترمذي للحديث الحسن.
فـ ابن الصلاح يقول: إن الحديث الحسن قسمان: قسم يتنزل عليه كلام الترمذي وهو هذا القسم -أي: الحسن لغيره- فهو يقول: هو الحديث الذي لا يخلو رجال إسناده من مستور لم تتحقق أهليته.
أي: أن إسناده فيه راو مستور، -أي: مجهول الحال لا مجهول العين- والإسناد الذي فيه راو مستور يساوي الإسناد الضعيف.
ولكن هذا الراوي المستور ليس كثير الغلط والغفلة والخطأ، فهو ضابط، غير أنه مجهول الحال لم يتكلم فيه أحد لا بجرح ولا بتعديل، أي: أن حاله مبهمة غير معروفة، فلم يطعن فيه أو يزكيه أحد، فأمره على الستر، فلا يعرفه أحد، ولم يتكلم فيه أحد لا بخير ولا بشر.
فـ الترمذي يقول: إنه ليس كثير الغلط والغفلة والخطأ؛ لأن روايته توافق رواية غيره، وهذا يدل على أنه كان يحفظ ويضبط.
ثم يقول: ولا هو متهم بالكذب، ويكون متن الحديث قد روي من وجه آخر مثله أو نحوه، أي: أن يكون متن الحديث الذي رواه ذلك المستور روي من وجه آخر من طريق رجل مستور أيضاً، فلو أتى حديث واحد بإسنادين في كل إسناد منهما راو مستور يختلف عن الراوي الذي قبله، ففي هذه الحالة يرتقي الحديث إلى مرتبة الحسن، فتعريف الترمذي يتنزّل على الحديث الحسن لغيره لا لذاته.
فالحسن لغيره هو في أصله حديث ضعيف ضعفاً يسيراً، ولكن باجتماع الطرق يرتقي من الضعف إلى الحسن لغيره.
والنحوية والمثلية مسألة مهمة جداً في مجال الحديث، فمثله: أي مثله في اللفظ، ونحوه: أي نحوه في المعنى.
فلو روى البخاري حديثاً بألفاظ معينة، ورواه بنفس الألفاظ مسلم ففي هذه الحالة أقول: هذا الحديث رواه البخاري، ورواه مسلم بمثله، فإذا اختلفت الألفاظ واتحد المعنى فأقول: هذا الحديث أخرجه البخاري بلفظ كذا وكذا، وهو عند مسلم بنحوه، أي: بمعناه، فالمثلية تفيد تمام المطابقة بين الألفاظ، وأما النحوية فلا تفيد هذا المعنى.
فلو كان الحديث ضعيفاً ضعفاً متوسطاً فيجب أن يأتي من عدة طرق، وإن كان ضعيفاً ضعفاً يسيراً فيكفي أن يأتي من طريقين اثنين، بمعنى لو جاء مثلاً من طريق سيئ الحفظ أو كثير الغلط فلا يرتقي إلى الحسن لغيره إلا إذا أتى من أربع أو خمس طرق حسب المقام؛ حتى تطمئن النفس إلى أن الرواة لم يخطئوا، وإذا كان الراوي مستوراً فيكفي أن يأتي من طريقين اثنين، سواء كان الراوي الآخر مستوراً أو أتى الحديث من وجه آخر مرسلاً، فيدل هذا على صحة مخرج الحديث نفسه.
القسم الثاني حسب تعريف ابن الصلاح: أن يكون راوي الحديث من المشهورين بالصدق والأمانة، ولم يبلغ درجة رجال الصحيح في الحفظ والإتقان.
فالحديث الحسن لذاته ينزل راويه من مرتبة الثقة إلى مرتبة الصدوق، والأمانة المقصود بها هنا العدالة -فالأمانة خاصة بالعدالة، وأما الصدق فخاص بالضبط- أي: ينزل من رتبة ثقة إلى رتبة صدوق، أي: ينزل عن رتبة الحديث الصحيح إلى رتبة الحسن لذاته.
ولا يُعد ما ينفرد به منكراً، فلو انفرد هذا الراوي الذي هذه أوصافه لا يُقال: هذا الحديث منكر، وإنما يقال: حديث حسن لذاته، ولا يقال: ضعيف؛ لأنه مشهور بالصدق والأمانة وإن كان دون مرتبة الصحيح، والذي ينزل عن مرتبة الصحيح تبقى مرتبته في الحديث الحسن لذاته.
ولا يكون المتن شاذاً ولا معللاً، وعلى هذا يتنزل كلام الخطابي.
وهو الحديث الحسن لذاته.
وهذا يوازي تعريف ابن حجر للحديث الحسن لذاته.
فهذا التعريف كله جمعه الحافظ في قوله: فإن خف الضبط فالحسن لذاته.
стр. 123
الخلاصة في تعريف الحديث الحسن
ونخلص من كل هذا إلى أن الحديث الحسن حينما تعرّض له العلماء منهم من عرف الحسن لذاته، ومنهم من عرف الحسن لغيره.
والصواب أن الحديث الحسن نوعان: حسن لذاته ولغيره.
فالحديث الحسن لذاته: هو ما خف فيه ضبط راويه ونزل عن مرتبة رجال الصحيح في الحفظ والإتقان، كما ذكر ذلك الحافظ ابن حجر والخطابي.
والحسن لغيره: هو ما كان في أصله ضعيفاً ضعفاً يسيراً، ولكنه أتى من غير وجه بهذا النحو، فارتقى من رتبة الحديث الضعيف إلى رتبة الحديث الحسن لغيره.
стр. 124
أول من أطلق الحسن على الحديث ومظانه
الإمام الترمذي هو أول من اشتهر عنه أنه قسّم الحديث إلى صحيح وحسن وضعيف، وكان العلماء قبله يقسّمون الحديث إلى صحيح وضعيف، ويقولون: الصحيح والضعيف أنواع.
والعلماء الذين سبقوا الترمذي يقولون بجواز العمل بالحديث الضعيف، وكانوا يقصدون بقولهم: يجوز العمل بالحديث الضعيف الحسن لغيره؛ لأن هذا المصطلح -أي: تقسيم الحديث إلى صحيح وحسن وضعيف- لم يكن موجوداً، فهم يقولون: الحديث ينقسم إلى صحيح وضعيف، والصحيح عدة أنواع، والضعيف أيضاً عدة أنواع، ويجعلون أدنى مراتب الصحيح في مرتبة أعلى مراتب الضعيف، وهذا الذي جعله الترمذي قسماً وسطاً بين الصحيح والضعيف.
فلما قال العلماء بجواز العمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال إنما كانوا يقصدون الحديث الحسن لغيره.
وجامع الترمذي وسنن أبي داود والسنن عموماً مظنة الحديث الحسن لذاته ولغيره، ويوجد معظم الحديث الحسن في ما عدا الصحيحين من الكتب التي اشترطت الصحة.
стр. 125
مصطلحات الترمذي في جامعه
ومن مصطلحات الترمذي في جامعه أنه أحياناً يقول: حديث غريب، وأحياناً: صحيح غريب، وأحياناً: حسن غريب، وأحياناً: حسن صحيح غريب، وأحياناً: حسن فقط، وأحياناً: صحيح فقط، وأحياناً: حسن صحيح.
فإذا قال: حديث غريب فإنه لم يصفه بهذا الوصف إلا والغالب عليه أنه ضعيف.
وإذا قال: حديث صحيح غريب، أو حسن غريب، فيعني أن الحديث أتى من وجه واحد بسند صحيح أو حسن، فهو يقصد بالغرابة هنا الغرابة الاصطلاحية.
فإذا قال الترمذي: حديث صحيح غريب فقد حكم عليه بالصحة وهو فرد، كحديث: (إنما الأعمال بالنيات)، فقد قال عنه: حديث صحيح غريب، فهو غريب لأنه فرد، فقد أتى من طريق واحد، أي: من طريق فرد، وما يقال في الصحيح الغريب يقال في الحسن الغريب والعكس.
والغرابة مسألة عرفية معلومة، فإذا استنكرت شيئاً من إنسان قلت: هذا إنسان غريب، وتقصد أنه إنسان غير منضبط، وتصرفاته مشينة، وليست هذه هي الغرابة الاصطلاحية.
والغرابة إذا أطلقها الترمذي منفردة مثل قوله: حديث غريب فإنما يعني النكارة والضعف، وأما إذا جمع مع هذا المصطلح مصطلح من المصطلحات المقبولة مثل قوله: صحيح أو حسن فإنما يحكم على الحديث بأنه صحيح في ذاته وقد أتى من طريق واحد.
ومن مصطلحات الترمذي قوله: حسن صحيح غريب، أو صحيح حسن غريب.
وهذا مشكل، وهذه المسألة متعلقة بطرق الحديث، فإذا كان للحديث إسناد واحد فيه راو اختلف فيه أهل العلم النقّاد أصحاب الجرح والتعديل بين كونه تام الضبط أو خفيف الضبط، ولم يستطع الترمذي أن يرجّح بين أقوال أهل العلم في المسألة وقصرت عبارته عن أن يصنّف هذا الراوي في أحد الاتجاهين جمع بين الوصفين فقال: صحيح حسن، أي: صحيح باعتبار قول قوم في هذا الراوي، وحسن باعتبار قول أقوام آخرين في هذا الراوي نفسه.
فهو يجمع بين الوصفين باعتبار اختلاف أهل العلم في الراوي الواحد، هذا إذا كان الحديث له إسناد واحد يقول عنه: حسن صحيح، وكان الأولى أن يقول: حسن أو صحيح، أو يقول: صحيح أو حسن، ولكنه حذف همزة الشك، فبدلاً من أن يقول: صحيح أو حسن قال: صحيح حسن، أي: أنه جمع الوصفين باعتبار اختلاف أهل العلم في الراوي الواحد، وعدم ترجح أحدهما لديه.
وتفسير آخر لقول الترمذي: صحيح حسن، أنه قال ذلك باعتبار إسنادين، أي: أن هذا الحديث أتى بإسنادين، أحدهما رجاله ثقات، والآخر فيه راو صدوق، فلما أتى الحديث من طريقين أحدهما صحيح والآخر حسن جمع بين الصحة والحسن.
وعلى هذا فقول الترمذي في الحديث الذي روي بإسناد واحد أنه صحيح أقوى من الذي يقول فيه: صحيح حسن؛ لأن الجزم أولى من الشك، فإذا قال: صحيح فمعنى ذلك أنه رجّح جانب من قال: إن هذا الراوي ثقة.
وإذا كان للحديث إسنادان فقوله: صحيح حسن أقوى من قوله: صحيح فقط؛ لأنه في هذه الحالة قال ذلك باعتبار الإسنادين؛ لأنه لو قال: صحيح لانصب كلامه على الإسناد الأول وأهمل الثاني، ولا شك أن اعتبار الاثنين أقوى من اعتبار أحدهما.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، وصل اللهم على النبي محمد، وعلى آله وأصحابه، وسلم تسليماً كثيراً.
стр. 126
دورة تدريبية في مصطلح الحديث [٦]
من أقسام الحديث باعتبار القبول والرد الحديث المنقطع والحديث المرسل والحديث المعضل والحديث المعلق، وهي في الأصل من أقسام الحديث الضعيف، والضعف فيها يتعلق بالإسناد، وقد يطلق بعض العلماء نوعاً من هذه الأنواع على الآخر؛ لكن عند التحقيق فإن لكل نوع صفات وشروطاً تميزه عن غيره.
стр. 127
الإبهام والانقطاع والفرق بينهما
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.
وبعد: إبهام الراوي كالانقطاع، فوجود الراوي على الإبهام يساوي عدم وجوده؛ لأنه يلحقه الضعف.
والعلماء يفرقون بين سقوط الراوي بالكلية وبين كونه مبهماً، على الرغم من كون الحديث ضعيفاً في الحالتين؛ لأن كيفية الحكم على الإسناد مختلفة، ففي الصورة الأولى تقول: هذا إسناد ضعيف للانقطاع بين فلان وفلان.
وفي الصورة الثانية تقول: هذا إسناد ضعيف لجهالة الراوي الذي لم يسم.
ففي هذه الصورة يكون الراوي موجوداً ولكنه مجهول، وأما في الصورة الأولى فهو غير موجود بالكلية، وهذا فرق، وإن كان المآل في النهاية اتحاد الحكم وهو الضعف.
فإذا كانت عين الراوي أو حاله مجهولة فالحكم واحد واختلف اللفظ، وقياس الانقطاع على الجهالة على اعتبار أنهما نوع واحد قياس مع الفارق.
وفائدة ثالثة للفرق بين الانقطاع والإبهام وهي: أن طالب العلم إذا نظر في الحديث المنقطع لأول مرة حكم بصحته؛ لأنه ليس عنده علم بالانقطاع، ولكن إذا أبهم الشيخ توقف، وإذا رأى الإسناد الأول حكم بصحته؛ لأن الإسناد كله مستو.
أولاً: يعرف الانقطاع بمعرفة تراجم الرواة، وهل أدرك الراوي شيخه أو لم يدركه؟ وهل ثبت سماعه منه أو لم يثبت؟ وغير ذلك.
فمعرفة الانقطاع لا تأتي إلا بالبحث والتحري.
стр. 128
مثال الانقطاع في الإسناد
يقول: مثّل ابن الصلاح للنوع الأول -وهو السقط من الإسناد- بما رواه عبد الرزاق عن الثوري عن أبي إسحاق عن زيد بن يثيع عن حذيفة مرفوعاً: (إن وليتموها أبا بكر فقوي أمين).
ففيه انقطاع في موضعين.
والناظر إلى هذا الإسناد لا يدرك الانقطاع؛ لأن كل راو من هؤلاء أدرك الذي فوقه، ولكن هذا الإسناد بعينه منقطع في موضعين.
يقول: أحدهما: أن عبد الرزاق لم يسمعه من الثوري، وإنما رواه عن النعمان بن أبي شيبة الجندي عنه، فبين عبد الرزاق وبين الثوري النعمان بن أبي شيبة الجندي، وهذا أول نوع من أنواع الانقطاع.
والانقطاع الثاني: أن الثوري لم يسمعه من أبي إسحاق، وإنما رواه عن شريك عنه، فبين الثوري وبين أبي إسحاق شريك.
فالانقطاع هنا في موضعين، والناظر إلى هذا الإسناد لأول وهلة لا يتفطن إلى هذا الانقطاع، ولكن لو قال عبد الرزاق: عن شيخه عن الثوري عن شيخ عن أبي إسحاق فلن يتوقف عن الحكم عليه بالضعف؛ للجهالة التي فيه.
وأما في حالة الانقطاع فقد ينظر إلى ترجمة رجاله، فإذا وجد أن جميعهم ثقات حكم بأنه صحيح، وهو لا يدري أن فيه انقطاعاً.
وقد يسقط الراوي من فوقه وهو ليس مدلساً، وإنما من باب أن هذا الأمر كان معلوماً عندهم، وقد كانوا لا يلتزمون ذكر الإسناد لوجود الأمانة بينهم ومعرفة ذلك، ولم يكونوا يحتاجون إلى الإسناد أصلاً حتى وقعت الفتن فقالوا: سموا لنا رجالكم، ونسمي لكم رجالنا، فما كان من أهل السنة أخذوا عنه، وما كان من غيرهم طرحوا حديثه.
стр. 129
مثال الجهالة في الإسناد
يقول: ومثَّل للنوع الثاني -وهو وجود الراوي مع جهالة اسمه- بما رواه أبو العلاء بن عبد الله بن الشخير عن رجلين عن شداد بن أوس، وذكر حديث: (اللهم إني أسألك الثبات في الأمر).
فهذان الرجلان مجهولان ولا نعرفهما.
وجهالة الراوي ضعف يلحق الإسناد، فيكون الإسناد ضعيفاً بسبب جهالة الراوي الذي لم يسم.
стр. 130
جهالة الصحابي لا تضر
وكل جهالة في الإسناد تتسبب في ضعف الحديث، إلا أن يكون المجهول صحابياً، مثل أن يقول التابعي: حدثني رجل من أصحاب النبي ﷺ ، أو قال: حدثتني إحدى نساء النبي ﷺ ، أو إحدى أزواج النبي ﷺ ، أو بعض نسائه، أو بعض أصحابه وغير ذلك، فهذا تصريح من التابعي بأن المحدّث الصحابي.
وجهالة الصحابي لا تضر؛ لأنهم كلهم عدول، ومن تكلم فيهم كالشيعة نسأل الله تعالى أن يفضحه.
يقول: الفرق بين جهالة أي راو في الإسناد وبين جهالة الصحابي فرق كبير، فجهالة الصحابي لا تضر؛ لأن الصحابة كلهم عدول على الصدق والأمانة والعدالة، وأما غيرهم فلا؛ لأنهم يخضعون للجرح والتعديل.
وهل رأيت راوياً أو محققاً يبحث في الإسناد للحكم عليه عن أبي داود؟ فـ أبو داود أشهر من أن يُبحث عن ترجمته، ولكنه يبحث من عند شيوخ أبي داود كـ قتيبة بن سعيد وعبد الله بن مسلمة وغيرهما في الإسناد، فإذا وصل إلى الصحابي وأراد البحث عنه فإنه يستحق الضرب، فهو قد تعود سماع كلمة: ثقة، وضعيف، وصدوق، وإمام، وحافظ، ومتقن، وغير ذلك، فإذا لم يجد في ترجمة الصحابي هذه الألفاظ -لأنه غني عنها- قال: لم نجد في هذا الرجل شيئاً، فهو مجهول الحال.
وهذا كما حصل مرة أن رجلاً ذهب يبحث عن ترجمة الإمام البخاري فوجد أن الحافظ ابن حجر عدله في كتاب التقريب بقوله: إمام الدنيا وجبل الحفظ، ولكن لما لم يجد ذلك الشيخ المحقق الألفاظ التي حفظها في التعديل قال: ونتوقف في هذا الإسناد لجهالة الراوي المسمى محمد بن إسماعيل أبو عبد الله، حيث قال عنه الحافظ: إمام الدنيا وجبل الحفظ، وهذا ليس من ألفاظ التعديل.
стр. 131
التفريق بين المنقطع وبين غيره من أنواع الحديث
ومنهم من قال: إن المنقطع والمقطوع واحد، ويجعل مصطلح المقطوع نفس مصطلح المنقطع.
وهناك من يفرق بينهما، ويقول: المنقطع هو: سقوط راو بين راويين، وأما المقطوع فهو: وقف الكلام على التابعي فمن دونه، والموقوف هو: ما كان من قول الصحابي خاصة، والمرفوع هو: ما كان من قول النبي ﷺ خاصة.
فمن ساوى بين المقطوع والمنقطع فلا شك أن الصواب قد جانبه.
والصواب أن المنقطع هو: ما سقط فيه راو فأكثر في موطن أو في أكثر من موطن أثناء الإسناد.
وأما المقطوع فهو: ما كان من قول التابعي فمن دونه.
стр. 132
طرق معرفة الانقطاع
ويعرف الانقطاع بالطرق الآتية: فمثلاً ننظر في ترجمة عبد الرزاق ومن هم شيوخه، وهل مذكور فيهم الثوري أم لا؟ وننظر لكيفية رواية عبد الرزاق عن الثوري، وهل روايته عنه مستقيمة أم يرسل عنه، أم أنه يدلّس عليه أو غير ذلك؟ فإن ثبت أنه يدلس عنه أو يرسل عنه فيتوقف فيه، ولابد من التصريح بالسماع إن كان مدلّساً أو مرسلاً عمن يرسل عنهم.
فإن لم نجد مثلاً في شيوخ عبد الرزاق الثوري نرجع إلى ترجمة الثوري ونبحث هل في تلاميذه عبد الرزاق أم لا.
ثانياً: إن لم تُجْد هذه الوسيلة بحثنا في المواليد والوفيات للتلميذ وشيخه؛ لنعرف هل تعاصرا أم لم يتعاصرا.
ثالثاً: معرفة اللقاء.
فنبحث هل الثوري من نفس بلد عبد الرزاق أم لا؟ فإن كان الثوري كوفياً وعبد الرزاق صنعانياً، فربما رحل عبد الرزاق إلى الكوفة أو رحل الثوري إلى صنعاء، وربما لم يرحل كل منهما إلى بلد الآخر ولكنهما التقيا في بلد ثالث.
وهناك أساليب كثيرة لمعرفة ما إذا كان هذا الراوي لقي هذا الشيخ أم لم يلقه.
والله أعلم.
стр. 133
المساواة بين المنقطع والمقطوع والمرسل
والذين ساووا بين المنقطع والمقطوع ساووا بينهما من الناحية اللغوية، فالمنقطع بمعنى المقطوع لغة، وأما اصطلاحاً فينبغي التقيد والوقوف عند مصطلحات هذا الفن دون النظر إلى اللغة.
وهناك من ساوى بين المنقطع والمرسل؛ لأن الانقطاع في اللغة هو قطع الشيء وعدم وصله، والإرسال: هو الإطلاق بلا قيد.
وهذا من حيث اللغة، وأما في اصطلاح أهل هذا الفن فالإرسال هو: ما ذكره التابعي عن النبي ﷺ .
فعندما نتكلم في مصطلح من مصطلحات أهل فن معين فينبغي التقيد بمصطلحات أهل الفن من الناحية الاصطلاحية.
والإسناد المنقطع إن كان من قطعه لم يرم بالكذب حمل على الاتصال، وإن كان كذاباً حكم عليه بأنه كذاب، وحمل تصريحه بالتحديث على الكذب.
وتدليس الراوي أو إرساله أو معاصرته لمن روى عنه مذكورة في ترجمة كل راو، وبمراجعتها تستطيع معرفة ما إذا كان هذا الراوي أدرك أو لم يُدرك من روى عنه، لقيه أم لم يلقه، وهل سمع منه أم لم يسمع منه؟
стр. 134
الفرق بين الحديث المنقطع والمقطوع والمرسل
والمرسل أكثر ما يطلق على ما رواه التابعي عن رسول الله ﷺ .
والفرق بينه وبين المنقطع أن الانقطاع في المرسل يكون في موطن خاص من الإسناد، وهو ما فوق التابعي.
يقول ابن الصلاح: وهذا أقرب، وهو الذي صار إليه طوائف من الفقهاء وغيرهم، وهو الذي ذكره الخطيب البغدادي في كتابه الكفاية.
وحكى الخطيب عن بعضهم: أن المنقطع ما روي عن التابعي فمن دونه موقوفاً عليه من قوله أو فعله، وهذا بعيد غريب.
ولكن الصواب: أن المقطوع هو ما كان من قول التابعي فمن دونه، والمنقطع هو ما لا يتصل إسناده.
وهذا نوع من أنواع ضعف الإسناد بسبب سقط أحد الرواة؛ لأن التابعي معرّض للجرح والتعديل مثله مثل أي راو، ففي التابعين ضعفاء بخلاف الصحابة.
فالفرق بين المرسل والمقطوع أن المقطوع هو: ما كان موقوفاً على التابعي فمن دونه من قوله، كأن يقول مثلاً: قال الزهري كذا، أو قال سعيد بن المسيب، أو قال قيس بن أبي حازم.
فهذا مقطوع؛ لأنهم من التابعين.
وأما المرسل فهو: أن يقول التابعي: قال رسول الله ﷺ ، فالتابعي أرسل هذا الكلام إرسالاً ولم يقيده بالصحابي الذي سمع منه.
والإرسال ضعف يلحق الإسناد؛ لأنا لا نتيقن أن الساقط هو الصحابي، ولو تيقنا أن الساقط صحابي لحكمنا بصحة الحديث، ولكن التابعي ربما يروي عن تابعي آخر، بل ربما يروي عن خمسة من التابعين، فقد يكون الساقط واحداً أو اثنين أو ثلاثة أو حتى خمسة، كالحديث المدبج، والتدبيج هو: رواية الأقران بعضهم عن بعض.
فإذا لم نتأكد أن الساقط هو الصحابي حكمنا بضعف الإسناد، وإذا تيقنا أن الساقط هو الصحابي حكمنا بصحة الحديث.
стр. 135
الحديث المعضل والحديث المعلق
هو: سقوط راويين على التوالي في أي موطن من مواطن الإسناد.
فيشترط في الإعضال أن يسقط منه اثنان على التوالي.
والإعضال في اللغة بمعنى: الإعياء.
وفي الاصطلاح وهو: أن يسقط منه راويان على التوالي.
والمعلق هو: سقوط راو فأكثر من أول الإسناد -أي: من جهة المصنّف- والمصنّف هو: من أخرج الحديث في كتابه، مثل: البخاري ومسلم وأبي داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وغيرهم.
فلو قال ابن ماجه مثلاً: وقال الزهري، فقد أسقط بينه وبين الزهري ثلاثة، وأول الساقطين شيخ المصنّف، وإذا قال مسلم: وقال يحيى بن أبي كثير فهذا الإسناد فيه انقطاع؛ لأن مسلماً لم يدرك يحيى بن أبي كثير، وهذا الانقطاع في طبقة شيوخ مسلم، فيسمى هذا الحديث معلقاً؛ لسقوط شيخ المصنف.
وإذا سقط الصحابي أو التابعي سمي الحديث مرسلاً.
стр. 136
العلاقة بين المعلق والمعضل
بين الحديث المعلق والمعضل عموم وخصوص، فلو قال أبو داود مثلاً: حدثني عبد الله بن مسلمة القعنبي عن الشافعي عن مالك عن نافع عن ابن عمر فـ القعنبي هو شيخ أبي داود، فلو سقط سمي الحديث معلقاً؛ لسقوط شيخ المصنّف، ولو سقط القعنبي والشافعي ثم ذُكر الإسناد بتمامه بعد ذلك سمي الحديث معضلاً ومعلقاً؛ لأن الإعضال هو سقوط راويين على التوالي في أي موطن من مواطن السند، وهنا تحقق الإعضال في أول السند، وقد اجتمع في هذه الصورة الإعضال مع التعليق.
فالحديث المعلّق هو: سقوط راو من مبدأ الإسناد من جهة المصنّف فأكثر، وقد تصل الصورة بالمعلق إلى أن يحذف الإسناد كله فتقول أنت: قال رسول الله؛ لأن السقط هنا بدأ من جهة المصنّف إلى النبي ﷺ ، فيستوي أن يكون الساقط واحداً من جهة المصنف أو أكثر، حتى لو سقط الإسناد بكامله.
والمعضل يتفق مع المعلق في هذه الصورة، وهي سقوط أكثر من راو من مبدأ الإسناد من جهة المصنّف.
ففي هذه الصورة يتحد الإعضال مع التعليق.
فإذا لم يسقط القعنبي وإنما سقط الشافعي وشيخه مالك فهذا إعضال وليس تعليقاً.
فالإعضال والتعليق يتفقان فيما لو كان الساقط من مبدأ الإسناد من جهة المصنف، ويختلفان فيما لو ذُكر شيخ المصنّف.
يقول: كل معلق معضل، وهذا خطأ، فلنفرض أن الساقط شيخ واحد فقط وهو شيخ المصنف، فكل تعليق بأكثر من واحد إعضال وليس كل إعضال تعليقاً.
стр. 137
حكم الحديث المعلق والمعضل
والمعلقات على العموم حكمها الضعف، وكذلك المعضلات؛ لسبب السقط في الإسناد، ولما كان هذا الساقط مجهولاً لدينا كان الحكم مناسباً لأن نقول: إن هذا الإسناد ضعيف لجهالة الراوي الذي لم يسم، أو لسقوط الراوي الذي لم يُذكر من الأصل في الإسناد، فإذا ذُكر في مكان آخر جبر الضعف الأول.
стр. 138
حكم الأحاديث المعلقة في الصحيحين
المعلقات في الصحيحين تختلف عن المعلقات في غيرها، فمنها ما يروى بصيغة الجزم، ومنها ما يروى بصيغة التمريض.
فصيغة الجزم تشعر بثبوت الكلام عن قائله، كأن يقول: قال فلان، وذَكَر فلان، وقال لي فلان، وحكى فلان، أي: القطع بثبوت هذا الكلام عن قائله.
وأما صيغة التمريض فكأن يقول: يروى عن فلان، أو يحكى عن فلان، أو يُذكر عن فلان.
وصيغ التمريض يعبر عنها لغة بالبناء للمجهول، أما البناء للمعلوم فهو الذي يعبّر عنه بصيغة الجزم.
وصيغة التمريض مشعرة بضعف الكلام عن قائله على العموم، وأما صيغ الجزم فهي مشعرة بثبوت الكلام عن الذي نسب إليه.
والمعلقات في الصحيحين إما أن تكون بصيغة الجزم وإما أن تكون بصيغة التمريض.
فإن كانت بصيغة الجزم فهي حكم بصحة هذا الكلام عن قائله، والخلاف الدائر حول هذا النوع من المعلقات في الصحيحين إنما ينصب على توفر شروط الصحة المشترطة في الصحيحين، وليس في أصل صحة هذا الكلام.
فالمعلقات في الصحيحين إن كانت بصيغة الجزم فهي مشعرة بثبوت هذا الكلام عن قائله، ومع هذا ففيها إشكال، وهو أنها على غير شرط الاتصال وغير ذلك، وإن كانت في نفس الأمر صحيحة.
وأما ما روي بصيغة التمريض -كيروى، ويُذكر، ويُحكى- فينظر بعد ثبوت الإسناد له، أو إغلاقه بعد تعليقه؛ فإن كان الطريق بعد إغلاقه رجاله ثقات فلا شك أنه يحكم له بالصحة، وإن كان فيهم مجروح أو سقط ولم يعلم فلا شك أنه خاضع لقواعد المصطلح، فما كان صحيحاً فهو صحيح، وما كان حسناً فهو حسن، وما كان ضعيفاً فهو ضعيف.
ومن الناس من رد ونفى تماماً أن يكون في الصحيحين ضعيف، سواء كان في المسندات أو في المعلقات، وهذا من باب تبجيل الصحيحين تبجيلاً زائداً عن الحد، والأمر كله متعلق بمدى توفر قواعد الصحة والضعف وقواعد هذا الفن من أصول الحديث على إسناد ما، سواء كان هذا الإسناد في داخل الصحيحين أو في خارجهما.
стр. 139
تلقي الأمة للصحيحين بالقبول
والصحيحان تلقتهما الأمة بالقبول على الإجمال دون التفصيل، فلا يتجرأ أن أحد على أن يتهجم على الصحيحين بالحكم على أحاديثهما؛ سواء المتصلة أو المعلقة بالضعف أو الصحة؛ لأن ولوج هذا الباب يؤدي إلى الطعن فيما هو أعلى من الصحيحين، ألا وهو القرآن.
وقد ولج هذا الباب بعض المعتزلة، فطعنوا في النهاية في القرآن الكريم.
والمعتزلة في زماننا هذا يرفضون أن يسمو أنفسهم معتزلة، مع أنهم عقلانيون (١٠٠%)، ومنهم من يقول: أنا أحكم على الحديث بالصحة إذا اتفق مع عقلي، فإذا قلنا له: أنت معتزلي؟ قال: لا.
وهو قد تحققت فيه أصول المعتزلة ولكنه يجهل المصطلح، ويجهل أنه معتزلي، وليس بلازم أن يقر أنه معتزلي، ولكن العبرة بأنه يتبنى أصولهم.
ومن أصول المعتزلة تقديم العقل على النقل الذي هو الكتاب والسنة، فالذي يدّعي أن هذا الحديث لا يتفق مع عقله فقبّح الله ذلك العقل، وإن كان عقل أعقل العقلاء، ولا شك أنه لو كان عاقلاً لما قال بهذا المبدأ، وما ضل كثير من علماء عصرنا إلا بسبب ضلال عقولهم! يقول علي بن أبي طالب ﵁: لو كان الدين بالرأي لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه.
وهذا نص من مئات النصوص الواردة عن السلف، فإعمال العقل في قبول الأخبار وردها ليس من منهج السلف، وإنما هو من منهج المعتزلة الذين ضلوا عن الصراط المستقيم.
والكلام على المعلقات فيه مباحث كثيرة وكلام كثير، يرجع فيه إلى كتب المصطلح كالباعث الحثيث، وتدريب الراوي، والألفيات وغير ذلك.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، وصل اللهم على النبي محمد وعلى آله وأصحابه، وسلم تسليماً كثيراً.
стр. 140
دورة تدريبية في مصطلح الحديث [٧]
الحديث المدلس قسم من أقسام علوم الحديث، وهو أنواع كثيرة بحسب نوع التدليس، ولذلك فإن بعض أنواع التدليس محرم وبعضها مكروه، ويختلف الحكم بقبول حديث المدلس أو رده بحسب طبقات المدلسين.
стр. 141
الحديث المدلس
هناك صيغ تحتمل السماع وصيغ تفيد السماع، فالصيغ التي تحتمل السماع: كقال وعن، والتي تفيد السماع: حدثني، وأخبرني، وأنبأني، وسمعت، وغيرها من الألفاظ التي تدل على السماع.
وأما: قال لي، وذكر لي، فكانوا يستخدمونها في المذاكرة والمسامرة، وليست من صيغ التحديث.
стр. 142
تدليس الإسناد
تدليس الإسناد هو: رواية الراوي عمن لقيه وسمع منه ما لم يسمعه منه.
فهو قد جالس الشيخ وسمع منه وروى عنه علمه، فهو يقول: حدثني فلان؛ لأنه سمع منه مباشرة ومشافهة، وروى عنه أحاديث لم يسمعها منه، فلا يقول: حدثني فلان، وإنما يقول فيها: عن فلان، أو قال فلان، أو أي صيغة تحتمل، ولا يقول: حدثني وسمعت؛ لأنه إن لم يكن حدثه كان كذاباً.
وحديث المدلّس ضعيف، وحديث الكذّاب موضوع ومصنوع، وحديث المدلّس يرتقي إذا جاء من طريق آخر، وأما حديث الكذّاب فلا يرتقي، ففرق بين الحكمين.
стр. 143
المرسل الخفي
والعلماء في كتب المصطلح يقولون في تعريف تدليس الإسناد هو: رواية الراوي عمن لقيه أو عاصره ما لم يسمعه منه.
فزيادة (وعاصره) خطأ؛ لأن اللقيا تفيد المعاصرة.
والمعاصرة تعرف بمعرفة المواليد والوفيات، فإذا قال شخص: أخبرني فلان، فسئل: متى أخبرك؟ فقال: سنة (٢٠٤هـ)، ثم يتبيّن أن فلاناً هذا مات سنة (١٩٨هـ) فعند هذا يكون كذاباً؛ لأنه مات قبل المخابرة بست سنوات.
فكلمة (أو عاصره) فيها خلط بين نوعين من أنواع علوم الحديث، وهو التدليس والمرسل الخفي.
ولم ينتبه لذلك إلا الحافظ ابن حجر، وأما العلماء قبله فكأنهم كانوا مجمعين على هذا التعريف، ولم ينتبه لهذه اللفظة إلا الحافظ ابن حجر حيث قال: هذا خلط بين تدليس الإسناد وبين المرسل الخفي.
فتدليس الإسناد هو: رواية الراوي عمن لقيه وسمع منه ما لم يسمع منه بصيغة تحتمل السماع، كقال وعن.
وأما المرسل الخفي: فهو رواية الراوي عمن لقيه ولم يسمع منه، أو عمن عاصره ولم يلقه.
وهذا هو الفرق بين التدليس وبين المرسل الخفي.
وحكم تدليس الإسناد أنه مكروه جداً.
стр. 144
تدليس التسوية
النوع الثاني من أنوع التدليس: تدليس التسوية.
وهو: أن يبقي الراوي شيخه ولو كان ضعيفاً، ويحذف شيخ شيخه من الإسناد.
فمثلاً: بقية بن الوليد كان مشهوراً بتدليس التسوية، ولكنه لا يدلس عن شيخه، والأصل في المدلس أنه يدلّس عن شيخه مباشرة، وأما في تدليس التسوية فالراوي يحذف شيخ شيخه أو من علا في الإسناد، وأما الرواية بينه وبين شيخه فسليمة (١٠٠%).
فـ بقية بن الوليد يقول: حدثني الأوزاعي عن فلان، فيلحق صيغة التدليس بشيخه، وليس بنفسه، والأوزاعي في أصل الرواية يقول: حدثني فلان، ولكن لما كان شيخ الأوزاعي ضعيفاً حذفه بقية.
وبقية مشهور جداً بالتدليس، وهذا النوع يسمى تدليس التسوية، فهو يسوي الإسناد، أي: يحذف الراوي الضعيف من أجل أن يكون كل الإسناد ثقات على السواء؛ لأن وجود الراوي الضعيف هذا سوف يغير الحكم على الإسناد.
يقول أبو مسهر عبد الأعلى بن مسهر: أحاديث بقية ليست نقية -أي: أنها ليست مستقيمة ولا مضبوطة- فكن منها على تقية.
أي: احذرها.
فتدليس التسوية هو: أن يعمد الراوي المدلس إلى إسقاط شيخ شيخه ومن علا من الإسناد حتى يسوي الإسناد كله ثقات، فالناظر في الإسناد لأول وهلة يقول: كل رواته ثقات، ولكن فيه علة خفية وهي إسقاط راو من الإسناد، وهذا الراوي هو شيخ شيخ المدلس أو من علا، فهو لا يحذف شيخه؛ لأن الناس سيعرفون أنه مدلّس.
ولابد في حديث من يدلس تدليس التسوية من التصريح بالسماع على مدار الإسناد كله؛ لأنه لا يؤمن وقوع التدليس في أي طبقة من الطبقات، فلابد أن يكون التصريح بالسماع في كل طبقات السند حتى نأمن التدليس.
ولما سئل بقية: لماذا تدلّس على الأوزاعي وتسقط شيوخه الضعاف؟ قال: أنا أجل الأوزاعي عن الرواية عن أمثال هؤلاء، يعني: هو أجل قدراً من أن يروي عن الضعيف! فهو يعرف قدر الأوزاعي أكثر من الأوزاعي نفسه، فنزه الأوزاعي عن الرواية عن الضعفاء، واتهم هو في دينه وأمانته.
قال الخطيب: وربما لم يسقط المدلس شيخه، ولكن يسقط ممن بعده رجلاً ضعيفاً أو صغير السن؛ ليحسن الحديث بذلك، وكان الأعمش والثوري وبقية يفعلون هذا النوع.
والعلماء في كتب المصطلح لا يهتمون بتدليس التسوية، ويقولون: إن التدليس نوعان: تدليس الإسناد، وتدليس الشيوخ.
والصواب: أن هؤلاء الثلاثة هم رءوس التدليس.
وحكم تدليس التسوية الحرمة.
стр. 145
تدليس الشيوخ
وتدليس الشيوخ: هو أن يروي الراوي عن شيخ حديثاً سمعه منه، وهذا الشيخ -صاحب الحديث- معروف باسمه، فلا يذكره الراوي باسمه المعروف، وإنما يذكر كنيته، فمثلاً: لو قلت الآن: حدثني أبو عبد الرحمن السوري فلا أظن أن أحداً يعرفه، وهو الألباني، ولو قلت: حدثني أبو محمد العماني فهو كذلك الألباني، ولو قلت: حدثني محمد بن حماد فهو كذلك الألباني؛ لأن الشيخ مشهور بـ محمد ناصر الدين الألباني، ومشهور بـ ناصر الدين، ومشهور بـ الألباني.
فلو عدلت عن الثلاثة إلى محمد بن حمّاد أو أبي محمد العمّاني أو أبي عبد الرحمن السوري فلن يعرفه أحد، ولو رويت عن الشيخ ثلاثة أحاديث فقلت في الأول: حدثني أبو محمد العمّاني، وفي الثاني: حدثني أبو عبد الرحمن السوري، وفي الثالث: حدثني محمد بن حمّاد فالذي يسمعني سيظن أن لي ثلاثة شيوخ، وهو في الحقيقة شيخ واحد، فالراوي يعدد وينوع في ذكر اسم شيخه بما لم يشتهر به عند السامع حتى يحيره فلا يعرفه، وبهذا يوعر طريق الوصول إلى معرفة الشيخ.
فتدليس الشيوخ هو: أن يروي الراوي عن شيخ حديثاً سمعه فيسميه أو يكنيه أو ينسبه أو يعرفه بما لا يُعرف به كي لا يُعرف.
هذا النوع الثالث من أنواع التدليس.
وقد ذمه أكثر العلماء، وكان شعبة بن الحجاج العتكي من أشد الناس ذماً له حتى قال فيه: لأن أشرب من بول حمار أحبُّ إليّ من أن أُدلّس! وقال مرة: لأن أزني أحب إليّ من أن أدلس! وهذا الكلام محمول على المبالغة في الزجر عن التدليس وكراهته، ولا يقصد به الحقيقة، ولا يعقل أن يكون الزنا وشرب بول الحمير أحب على الحقيقة إلى شعبة من التدليس، فهذا الكلام محمول على المبالغة في الزجر وكراهية التدليس.
وتدليس الشيوخ لا شك أنه محرّم.
следующие страницы →